الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 19 فبراير 2022

الطعن 5855 لسنة 52 ق جلسة 18 / 1 / 1983 مكتب فني 34 ق 19 ص 114

جلسة 18 من يناير سنة 1983

برئاسة السيد المستشار/ عادل برهان نور نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: محمد يونس ثابت، فوزي المملوك، عبد الرحيم نافع ومحمد حسن.

----------------

(19)
الطعن رقم 5855 لسنة 52 القضائية

 (1)نصب. جريمة "أركانها". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
جريمة النصب. مناط توافرها؟
عدم تحققها بمجرد الادعاءات والأقوال الكاذبة مهما بالغ قائلها في توكيد صحتها.
وجوب أن يكون الكذب مصحوباً بأعمال مادية خارجية.
 (2)نصب. اشتراك. فاعل أصلي. جريمة "أركانها".
جريمة النصب بالاستعانة بآخر. شرط وقوعها.
تداخل الشخص الآخر بسعي الجاني وتدبيره وإرادته. وإلا يقتصر تأييده على مجرد ترديد لأكاذيب الفاعل.
مثال في ادعاء ببكارة الزوجة.
 (3)إثبات "بوجه عام". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
الخطأ في الإسناد ماهيته؟

-----------------
1 - لما كان من المقرر أن جريمة النصب كما هي معرفة في المادة 336 من قانون العقوبات تتطلب لتوافرها أن يكون ثمة احتيال وقع من المهتم على المجني عليه بقصد خدعه والاستيلاء على ماله فيقع المجني عليه ضحية الاحتيال الذي يتوافر باستعمال طرق احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب وانتحال صفة غير صحيحة أو بالتصرف في مال الغير ممن لا يملك التصرف، وكان القانون وإن نص على أن الطرق الاحتيالية تعد من وسائل النصب إلا أنه يجب أن يكون من شأنها الإيهام بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمي أو غير ذلك من الأمور المبينة على سبيل الحصر في المادة 336 من قانون العقوبات المشار إليها، كما أن من المقرر أن مجرد الادعاءات والأقوال الكاذبة مهما بالغ قائلها في توكيد صحتها لا تتحقق بها جريمة النصب باستعمال طرق احتيالية - بل يشترط القانون أن يكون الكذب مصحوباً بأعمال مادية خارجية تحمل المجني عليه على الاعتقاد بصحته.
2 - يشترط لوقوع جريمة النصب بطريق الاستعانة بشخص آخر على تأييد الأقوال والادعاءات المكذوبة، أن يكون الشخص الآخر قد تداخل بسعي الجاني وتدبيره وإرادته لا من تلقاء نفسه بغير طلب أو اتفاق - وأن يكون تأييد الآخر في الظاهر لادعاءات الفاعل تأييداً صادراً عن شخصه هو لا مجرد ترديد لأكاذيب الفاعل. لما كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع في الدعوى الراهنة قد استخلصت في حدود سلطتها التقديرية وبالأدلة السائغة أن المطعون ضدها الأولى قد تزوجت بالطاعن بمعاونة المطعون ضدهما الثاني والثالث - زواجاً حقيقياً جدياً، فإن جريمة النصب لا تكون قائمة - حتى لو صح ما ذكره الطاعن من أن المطعون ضدهم قد استولوا منه على هدايا ومبالغ على ذمة هذا الزواج لما هو مقرر شرعاً من أن اشتراط بكارة الزوجة لا يؤثر في صحة عقد الزواج - ما دام الثابت خلو الزوجة من الموانع الشرعية عند العقد - بل يبقى العقد صحيحاً ويبطل الشرط.
3 - من المقرر أن الخطأ في الإسناد الذي يعيب الحكم هو الذي يقع فيما هو مؤثر في عقيدة المحكمة التي خلصت إليها وإذ كان ما أورده الحكم المطعون فيه من أن الطاعن لم يرفع دعواه إلا بعد أن عاشر زوجته أكثر من عامين بفرض أنه استخلاص ليس له مأخذ من الأوراق - فإنه لا أثر له في جوهر الواقعة كما اقتنعت بها المحكمة إذ يستوي في ذلك أن يكون الطاعن قد دخل بالمطعون ضدها الأولى من تاريخ العقد أو لم يدخل بها، ما دام الحكم قد أثبت بأدلة سائغة لا ينازع الطاعن بأن لها معينها من الأوراق أن الطاعن قد تزوج بالمطعون ضدها بالفعل، وأن أركان جريمة النصب كما هي معرفة به في القانون - غير متوافرة لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.


الوقائع

أقام المدعي بالحق المدني دعواه بطريق الادعاء المباشر قبل المطعون ضدهم أمام جنح مصر الجديدة بوصف أنهم: استعملوا طرقاً احتيالية توصلوا بها إلى سلب بعض ثروته وذلك بأن أدلوا بوقائع مزورة حتى تحصلوا على أموال وأمتعة ومجوهرات ونقود تقدر بألفين من الجنيهات وطلب عقابهم بالمادة 336 من قانون العقوبات وبإلزامهم بأن يؤدوا له مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت.
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً للأولى والثاني وغيابياً للثالث عملاً بمادة الاتهام بحبس كل منهم ثلاثة أشهر مع الشغل وكفالة خمسة جنيهات لإيقاف التنفيذ وإلزامهم بدفع مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت
فعارض المحكوم عليه الثالث وقضي في معارضته بقبولها شكلاً وفي الموضوع برفضها وتأييد الحكم الغيابي المعارض فيه.
واستأنف المحكوم عليهم ومحكمة شمال القاهرة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهمين مما نسب إليهم وفي الدعوى المدنية برفضها.
فطعن الأستاذ المحامي عن المدعي بالحق المدني في هذا الحكم بطريق النقض ....... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه - إذ قضى ببراءة المطعون ضدهم من تهمة النصب ورفض الدعوى المدنية، فقد أخطأ في تطبيق القانون وشابه الفساد في الاستدلال والخطأ في الإسناد، ذلك بأنه أقام قضاءه بالبراءة على عدم توافر أركان جريمة النصب - مع أن المطعون ضدهم استولوا على بعض ثروة الطاعن باستعمال طرق احتيالية بإيهامه بأن المطعون ضدها الأولى بكراً - لم يسبق لها الزواج - على خلاف الحقيقة وبتدخل من المطعون ضده الثالث مستغلاً صفته كضابط بالقوات المسلحة. كما استند الحكم في قضائه إلى أن الطاعن تزوج بالمطعون ضدها الأولى في 6 - 5 - 1974 وباشرها ولم يرفع الدعوى إلا بعد عامين من معاشرتها - وهو استخلاص لا أصل له في الأوراق وذلك مما يعيب الحكم المطعون فيه ويوجب نقضه.
وحيث إنه يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه بعد أن بين واقعة الدعوى أورد تبريراً لقضائه بالبراءة ورفض الدعوى المدنية قوله "..... وأما بالنسبة لجريمة النصب المعرفة بالمادة 336 عقوبات والمسندة إلى المتهمين فإنه يشترط لتوافر أركانها أن تستعمل طرقاً احتيالية من شأنها الإيهام والإدخال في الروع بأنها صحيحة بقصد الاستيلاء على أموال المجني عليه" ومن المقرر قانوناً أن هذه الطرق الاحتيالية لا تتحقق بمجرد الأقوال والادعاءات الكاذبة ولكن يجب أن يصاحب تلك الأقوال مظاهر مادية وخارجية تكسبها نوع من الحقيقة وتبعث على التصديق فإذا لم يتوافر ذلك الركن فقدت جريمة النصب أركانها.
وحيث إنه متى كان ذلك وكان الثابت أن المدعي قد تزوج بالمتهمة الأولى في 6 - 5 - 1974 ولم يرفع هذه الدعوى إلا بعد مرور أكثر من عامين في 28 - 7 - 1976 ثم بعد أن عاشرها قرابة عامين رفع هذه الدعوى مقرراً أنها وآخرين قد ارتكبوا الجريمة المنصوص عليها في المادة 336 عقوبات فإن ذلك القول لا يمكن قبوله عقلاً ومنطقاً، ولما كان ذلك وكانت الأوراق غير كافية لإثبات التهمة في حق المتهمين وأن المدعي بالحق المدني قد عاشر زوجته زهاء عامين عن قرب ومن ثم لا يمكن له بعد ذلك أن ينفي عليها كونها بكراً أو ثيباً وقد رضي معاشرتها طوال هذه المدة. لما كان ذلك وكان الحكم المستأنف قد جانبه الصواب حين قضى بمعاقبة المتهمين بهذه التهمة المسندة إليهم فإنه يتعين والأمر كذلك إلغاء هذا الحكم والقضاء ببراءة المتهمين....... لما كان ذلك، وكان من المقرر أن جريمة النصب كما هي معرفة في المادة 336 من قانون العقوبات تتطلب لتوافرها أن يكون ثمة احتيال وقع من المتهم على المجني عليه بقصد خدعه والاستيلاء على ماله فيقع المجني عليه ضحية الاحتيال الذي يتوافر باستعمال طرق احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة أو بالتصرف في مال الغير ممن لا يملك التصرف، وكان القانون وإن نص على أن الطرق الاحتيالية تعد من وسائل النصب إلا أنه يجب أن يكون من شأنها الإيهام بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمي أو غير ذلك من الأمور المبينة على سبيل الحصر في المادة 336 من قانون العقوبات المشار إليها، كما أن من المقرر أن مجرد الادعاءات والأقوال الكاذبة مهما بالغ قائلها في توكيد صحتها لا تتحقق بها جريمة النصب باستعمال طرق احتيالية - بل يشترط القانون أن يكون الكذب مصحوباً بأعمال مادية خارجية تحمل المجني عليه على الاعتقاد بصحته، كما يشترط لوقوع جريمة النصب بطريق الاستعانة بشخص آخر على تأييد الأقوال والادعاءات المكذوبة، وأن يكون الشخص الآخر قد تداخل بسعي الجاني وتدبيره وإرادته لا من تلقاء نفسه بغير طلب أو اتفاق - وأن يكون تأييد الآخر في الظاهر لادعاءات الفاعل تأييداً صادراً عن شخصه هو لا مجرد ترديد لأكاذيب الفاعل. لما كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع في الدعوى الراهنة قد استخلصت في حدود سلطتها التقديرية وبالأدلة السائغة أن المطعون ضدها الأولى قد تزوجت بالطاعن بمعاونة المطعون ضدهما الثاني والثالث - زواجاً حقيقياً جدياً، فإن جريمة النصب لا تكون قائمة - حتى لو صح ما ذكره الطاعن من أن المطعون ضدهم قد استولوا منه على هدايا ومبالغ على ذمة هذا الزواج لما هو مقرر شرعاً من أن اشتراط بكارة الزوجة لا يؤثر في صحة عقد الزواج - ما دام الثابت خلو الزوجة من الموانع الشرعية عند العقد - بل يبقي العقد صحيحاً ويبطل الشرط لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الخطأ في الإسناد الذي يعيب الحكم هو الذي يقع فيما هو مؤثر في عقيدة المحكمة التي خلصت إليها وإذ كان ما أورده الحكم المطعون فيه من أن الطاعن لم يرفع دعواه إلا بعد أن عاشر زوجته أكثر من عامين بفرض أنه استخلاص ليس له مأخذ من الأوراق - فإنه لا أثر له في جوهر الواقعة كما اقتنعت بها المحكمة إذ يستوي في ذلك أن يكون الطاعن قد دخل بالمطعون ضدها الأولى من تاريخ العقد أو لم يدخل بها، ما دام الحكم قد أثبت بأدلة سائغة لا ينازع الطاعن بأن لها معينها من الأوراق أن الطاعن قد تزوج بالمطعون ضدها بالفعل، وأن أركان جريمة النصب كما هي معرفة به في القانون - غير متوافرة لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

الطعن 1813 لسنة 36 ق جلسة 14 / 2 / 1967 مكتب فني 18 ج 1 ق 42 ص 219

جلسة 14 من فبراير سنة 1967

برياسة السيد المستشار/ عادل يونس رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: محمد صبري، محمد عبد المنعم حمزاوي، ونصر الدين عزام، وأنور أحمد خلف.

----------------

(42)
الطعن رقم 1813 لسنة 36 القضائية

(أ، ب) تحقيق. " مراقبة المكالمات التليفونية ". محكمة الموضوع. حكم. " تسبيبه. تسبيب غير معيب ".
(أ) مدلول كلمتي الخطابات والرسائل المشار إليهما في المادة 206 من قانون الإجراءات المعدلة وإباحة ضبطهما في أي مكان خارج منازل المتهمين طبقا للإحالة على الفقرة الثانية من المادة 91 من القانون المذكور يتسع في ذاته لشمول كافة الخطابات والرسائل والطرود والرسائل التلغرافية كما يندرج تحته المكالمات التليفونية.
استصدار النيابة العامة الإذن بالمراقبة التليفونية من القاضي الجزئي عمل من أعمال التحقيق سواء قامت بتنفيذ الإذن بنفسها أو عن طريق ندب من تراه من مأموري الضبط القضائي.
نص المادة 200 من قانون الإجراءات الجنائية نص عام مطلق. سريانه على كافة إجراءات التحقيق. شرط ذلك: أن يصدر صريحا ممن يملكه، وأن ينصب على عمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق - غير استجواب المتهم - دون أن يمتد إلى تحقيق قضية برمتها، وأن يكون ثابتا بالكتابة إلى أحد مأموري الضبط مكانيا ونوعيا.
(ب) تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الإذن بمراقبة المحادثات التليفونية. أمر موضوعي.
(ج) دعارة.
لا يشترط للعقاب على جريمة التحريض أو المساعدة على ارتكاب الفجور أو الدعارة أو تسهيلها أو استغلال بغاء شخص أو فجوره - اقتراف الفحشاء بالفعل.
(د) تلبس. حكم. " تسبيبه. تسبيب غير معيب ".
حالة التلبس. ماهيتها ؟ تقدير الدلائل على صلة المتهم بالجريمة المتلبس بها ومبلغ كفايتها. أمر موضوعي.
(هـ) قبض. بطلان. دفوع.
القبض الباطل لا يستفيد منه إلا من وقع عليه.
(و) دفاع. " الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره ".
النعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها. غير مقبول.
)ز) حكم. " تسبيبه. تسبيب غير معيب ". إثبات. " إثبات بوجه عام ".
المحاكمة الجنائية: العبرة فيها باقتناع القاضي. عدم تقيده بالأخذ بدليل معين إلا بنص.
(ح، ط، ى) حكم. " تسبيبه. تسبيب غير معيب ". محكمة الموضوع. " سلطتها في تقدير الدليل ".
(ح) لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها الأخذ بأقوال الشاهد أو المتهم في أي مرحلة من مراحل الدعوى متى اطمأنت إليها.
(ط) أخذ المحكمة بأقوال شاهد يفيد اطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها.
(ى) التناقض في أقوال الشهود أو المتهمين. لا يعيب الحكم. ما دام قد استخلص الإدانة من أقوالهم بما لا تناقض فيه.

--------------------
1 - تنص المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالمرسوم بقانون رقم 353 لسنة 1952 الواردة في الباب الرابع من الكتاب الأول الخاص بالتحقيق بمعرفة النيابة العامة على أنه: " لا يجوز للنيابة العامة في التحقيق الذي تجريه تفتيش غير المتهمين، أو منازل غير المتهمين، أو ضبط الخطابات والرسائل في الحالة المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 91 إلا بناء على إذن من القاضي الجزئي ". وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن مدلول كلمتي الخطابات والرسائل التي أشير إليهما وإباحة ضبطهما في أي مكان خارج منازل المتهمين طبقا للإحالة على الفقرة الثانية من المادة 91 يتسع في ذاته لشمول كافة الخطابات والرسائل والطرود والرسائل التلغرافية كما يندرج تحته المكالمات التليفونية لكونها لا تعدو أن تكون من قبيل الرسائل الشفوية. ولما كان استصدار النيابة العامة الإذن بالمراقبة التليفونية من القاضي الجزئي بعد أن كانت قد اتصلت بمحضر التحريات وقدرت كفايتها لتسويغ اتخاذ الإجراء، هو عمل من أعمال التحقيق سواء قامت بتنفيذ الإذن بعد ذلك بنفسها أو عن طريق ندب من تراه من مأموري الضبط القضائي لتنفيذه عملا بالمادة 200 من قانون الإجراءات الجنائية التي يجري نصها على أنه: " لكل من أعضاء النيابة العامة في حالة إجراء التحقيق بنفسه أن يكلف أي مأمور من مأموري الضبط القضائي ببعض الأعمال التي من خصائصه ". وهو نص عام مطلق يسري على كافة إجراءات التحقيق وينتج أثره القانوني بشرط أن يصدر صريحا ممن يملكه وأن ينصب على عمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق - غير استجواب المتهم - دون أن يمتد إلى تحقيق قضية برمتها وأن يكون ثابتا بالكتابة إلى أحد مأموري الضبط مكانيا ونوعيا - وهو ما جرى تطبيقه في الدعوى المطروحة - ومن ثم يكون ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من رفض الدفع ببطلان الإذن الصادر من القاضي الجزئي بوضع جهاز تليفون الطاعنة تحت المراقبة سديدا في القانون.
2 - تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الإذن بمراقبة المحادثات التليفونية هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق وإلى القاضي الجزئي المنوط به إصدار الإذن تحت إشراف محكمة الموضوع. ولما كانت المحكمة قد اقتنعت بجدية استدلالات التي بني عليها الإذن وكفايتها لتسويغ إصداره وأقرت النيابة العامة والقاضي الجزئي على تصرفهما في هذا الشأن، فإنه لا معقب عليها في ذلك لتعلقه بالموضوع لا بالقانون.
3 - القانون رقم 10 لسنة 1961 في شأن مكافحة الدعارة إذ نص في الفقرة الأولى من المادة الأولى على أن: " كل من حرض شخصا ذكرا كان أو أنثى على ارتكاب الفجور أو الدعارة أو ساعده على ذلك أو سهله له وكذلك كل من استخدمه أو استدرجه أو أغواه بقصد ارتكاب الفجور أو الدعارة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة من مائة جنيه إلى ثلاثمائة جنيه ". ونص في الفقرة الثانية من المادة السادسة على: " يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات كل من استغل بأية وسيلة بغاء شخص أو فجوره ". ثم نص في المادة السابعة على: " يعاقب على الشروع في الجرائم المبينة في المواد السابقة بالعقوبة المقررة للجريمة في حالة تمامها ". فقد دل بذلك على أنه لا يشترط للعقاب على التحريض أو المساعدة أو التسهيل أو الاستغلال اقتراف الفحشاء بالفعل.
4 - التلبس حالة تلازم الجريمة ذاتها بصرف النظر عن شخص مرتكبها، ومتى قامت في جريمة صحت إجراءات القبض والتفتيش في حق كل من له اتصال بها سواء أكان فاعلا أو شريكا. وتقدير الدلائل على صلة المتهم بالجريمة المتلبس بها ومبلغ كفايتها يكون بداءة لرجل الضبط القضائي تحت رقابة سلطة التحقيق وإشراف محكمة الموضوع. ولما كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن ضباط مكتب الآداب لم يقبضوا على المتهمات من الثانية إلى الخامسة إلا بعد تحققهم من اتصالهن بجريمة تسهيل الدعارة واستغلال البغاء وأن ذلك كان عن طريق مشروع هو سماع الحديث الذي دار بين المتهمتين الثانية والثالثة وبين الطاعنة عن طريق تليفونها الموضوع تحت المراقبة بإذن صحيح صادر ممن يملكه وهو ما أقرته محكمة الموضوع ورأت كفايته لتسويغ القبض عليهن، فإنه لا تثريب على الحكم إذا هو عدل في قضائه بالإدانة على الدليل المستمد من تلك الإجراءات والأقوال التي صدرت من أولئك المتهمات بعد ذلك.
5 - لا صفة في الدفع ببطلان القبض لغير صاحب الشأن فيه ممن وقع القبض عليه باطلا.
6 - لا يقبل من الطاعنة أن تنعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها.
7 - العبرة في المحاكمة الجنائية هي باقتناع القاضي بناء على ما يجريه من تحقيق في الدعوى ومن كافة عناصرها المعروضة على بساط البحث، فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين، إذ جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلا لحكمه إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه.
8 - الأصل أن لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بأقوال الشاهد أو المتهم في أي مرحلة من مراحل الدعوى متى وثقت فيها وارتاحت إليها.
9 - الأصل أنه متى أخذت المحكمة بأقوال شاهد فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، ولا يجوز الجدل في ذلك أمام محكمة النقض.
10 - التناقض في أقوال الشهود أو المتهمين لا يعيب الحكم، ما دام قد استخلص الإدانة من أقوالهم بما لا تناقض فيه.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنة وآخرين بأنهم في يوم 20 نوفمبر سنة 1966 بدائرة قسم مصر القديمة (أولا): (الأولى والثانية) (أ) سهلا الدعارة للثالثة والرابعة والخامسة حالة كون الثالثة والرابعة لم تبلغا من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية (ب) استغلا بغاء الثالثة والرابعة والخامسة (ثانيا): (المتهمات الثالثة والرابعة والخامسة) اعتدن ممارسة الدعارة (ثالثا): (المتهم السادس) سهل الدعارة لمجهولات بالاشتراك مع المتهمة الأولى. وطلبت عقابهم بالمواد 1/ أب و6/ ب و9/ ج و15 من القانون رقم 10 لسنة 1961. ومحكمة الآداب الجزئية عدلت وصف التهمتين المسندتين إلى الطاعنة إلى الشروع في ارتكابهما وقضت في الدعوى بتاريخ 19 من أبريل سنة 1966 عملا بمواد الاتهام مع تطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بالنسبة إلى المتهمتين الأولى والثالثة والمادة 304 من قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة إلى باقي المتهمين حضوريا للمتهمات الخمسة الأول وحضوريا اعتباريا للأخير (أولا) بحبس المتهمة الأولى - الطاعنة - سنة مع الشغل وتغريمها 200 ج (مائتي جنيه) ووضعها تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة وكفالة عشرة جنيهات لوقف التنفيذ (ثانيا) بحبس المتهمة الثالثة ثلاثة أشهر مع الشغل ووضعها تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة وكفالة 500 قرش لوقف التنفيذ. (ثالثا) ببراءة المتهمتين مما نسب إليهم. فاستأنف المحكوم عليهما هذا الحكم. ومحكمة القاهرة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضوريا للأولى وغيابيا للثالثة بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فطعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعنة بالشروع في ارتكاب جريمتي تسهيل الدعارة واستغلال البغاء قد أخطأ في تطبيق القانون وشابه بطلان في الإجراءات وفساد في الاستدلال وقصور وتناقض في التسبيب وانطوى على إخلال بحق الدفاع، وفي بيان ذلك تقول الطاعنة إنها دفعت ببطلان الإذن الصادر من قاضي محكمة جنح الآداب بوضع جهاز تليفونها تحت المراقبة لضبط ما يكون مخالفا لأحكام القانون رقم 10 لسنة 1961 في شأن مكافحة الدعارة على أساس أن الاختصاص بإصدار الإذن ينعقد - وفقا للمادة 95 من قانون الإجراءات الجنائية - لقاضي التحقيق دون القاضي الجزئي، ولا محل للاستناد إلى المادة 206 من ذلك القانون لأن حق النيابة العامة في طلب الإذن مشروط بأن يكون بصدد تحقيق تجريه لا بمجرد طلب يقدم إليها من الغير ولو كان أحد رجال الضبط القضائي، إلا أن الحكم رد على هذا الدفع بما لا يتفق وصحيح القانون. ثم إن المحكمة عولت في إدانة الطاعنة على أقوال المتهمتين الثانية والثالثة بمحضر التحقيق على الرغم من تضارب أقوالهما وعدولهما عنها بجلسة المحاكمة والتفتت عن دفاع الطاعنة في شأن بطلان تلك الأقوال لصدورها وليدة إجراءات ضبط باطلة. ومن ناحية أخرى فإن المحكمة على الرغم من إطراحها للدليل المستمد من الشريط المسجل فإنها اعتمدت في إدانة الطاعنة على أقوال ضابط الشرطة الذي قام بالتسمع والمراقبة مع أن أقواله لا تعدو أن تكون مجرد ترديد لما جاء بالشريط المسجل كما التفت الحكم عما أثاره الدفاع من عدم جدية التحريات التي بني عليها إذن المراقبة لأن رقم التليفون الوارد بتلك التحريات يغاير رقم تليفون الطاعنة إبان قيام رجال مكتب الآداب بتحرياتهم وهو دفاع جوهري كان يقتضي من المحكمة أن تعمل على تحقيقه. ولم يبين الحكم العناصر القانونية للجريمتين المسندتين إلى الطاعنة. وعدل وصف التهمة من فعل تام إلى شروع فيه مع أنه لا يتصور قيام حالة الشروع في ارتكاب جريمتي التسهيل واستغلال البغاء لأنهما إما ألا تقعا فيكون الفعل مجرد عمل تحضيري لا تجريم فيه. وإذ كان الفعل المسند إلى الطاعنة لا يعدو أن يكون اشتراكا في فعل أصلي هو مقارفة الفاحشة وكان هذا الفعل لم تتم مقارفته، فإنه لا يتصور وقوع الاشتراك ما دام الأصل معدوما. هذا إلى أن المحكمة لم تجب الدفاع إلى طلب الاستماع إلى شريط المسجل، ولا يغير من الأمر أن تكون المحكمة قد استبعدت الدليل المستمد من هذا الشريط لأنه في حقيقته عصب الدعوى وسببها وجودا وعدما.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعنة بهما، وأورد على ثبوتهما في حقها أدلة مستمدة من أقوال المقدم محمد صفوت عباس والرائد زكريا ربيع ومن أقوال المتهمات الثانية والثالثة والرابعة، وهي أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها. ثم عرض الحكم إلى الدفع ببطلان إذن مراقبة التليفون ورد عليه في قوله " إن رئيس مكتب حماية الآداب بعد أن تجمعت لديه المعلومات التي توصل إليها نتيجة المراقبة والتحريات التي أجراها عن المتهمة الأولى - الطاعنة - والتي أسفرت عن ارتكابها لجريمة المساعدة وتسهيل دعارة النسوة تقدم بتاريخ 9 نوفمبر سنة 1965 إلى السيد وكيل نيابة الآداب بمحضره الذي ضمنه هذه المعلومات وانتهى فيه إلى طلب الموافقة على مراقبة التليفون المركب بمسكن هذه المتهمة وقد جاء خطابه في هذا الشأن موجها رأسا إلى النيابة العامة فقامت بدورها بعد ذلك بعرض الأمر على القاضي الجزئي. وأشر وكيل النيابة على محضر التحريات بما يفيد ذلك ولا تعد هذه التأشيرة مجرد طلب ضمني من النيابة العامة للتصريح بمراقبة المكالمات التليفونية ولكنها تتضمن طلبا صريحا في هذا الخصوص وتدل في ذات الوقت على موافقة النيابة العامة على كفاية التحريات التي توصل إليها مكتب الآداب لأنها إذا كانت راغبة عن اتخاذ هذا الإجراء أو رأت عدم ضرورته ما عرضت الأمر كلية على القاضي المختص لأن ذلك من إطلاقاتها باعتبار أن مراقبة المكالمات التلفونية عمل من إجراءات التحقيق وهي صاحبة الولاية العامة في التحقيق الابتدائي وتدخل مباشرة المراقبة التليفونية بحسب الأصل في سلطتها وإن خضعت في ذلك إلى قيد الرجوع إلى القاضي الجزئي عملا بنص المادة 206 إجراءات إلا أنها تسترد بعد ذلك كامل سلطتها في مباشرة الرقابة بما يتراءى لها سواء قامت بها بنفسها أو عن طريق انتداب أحد مأموري الضبط القضائي " ويبين من الإطلاع على المفردات التي أمرت المحكمة بضمها تحقيقا للطعن أن رئيس مكتب حماية الآداب تقدم إلى النيابة العامة في 9 نوفمبر سنة 1965 بمحضر تضمن أن تحرياته ومراقبته أسفرت عن قيام الطاعنة بتسهيل دعارة النسوة عن طريق جهاز التليفون رقم 846515 المركب في مسكنها وأنها تحدد المواعيد للراغبين من الرجال والنسوة وقد تأكدت له تلك التحريات من المراقبة التي قام بها مع بعض ضباط المكتب وطلب الموافقة على عرض الأمر على القاضي للإذن بمراقبة جهاز التليفون فأشر وكيل النيابة في اليوم ذاته بعرض الأوراق على القاضي الذي أذن في الساعة الواحدة والدقيقة العاشرة من مساء ذلك اليوم بمراقبة المخابرات السلكية عن المحادثات التي تجري من ذلك التليفون وإليه، على أن تتم المراقبة في خلال شهر من تاريخ الإذن لتسجيل وضبط ما يخالف أحكام القانون رقم 10 لسنة 1961، ثم أشر وكيل النيابة بعد ذلك بندب المقدم محمد صفوت عباس أو من يندبه من رجال الضبط القضائي لتنفيذ الإذن. ثم باشرت النيابة العامة تحقيق واقعة الضبط عند إخطارها في يوم 21 نوفمبر سنة 1965. لما كان ذلك، وكانت المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالمرسوم بقانون رقم 353 لسنة 1952 - الواردة في الباب الرابع من الكتاب الأول والخاص بالتحقيق بمعرفة النيابة العامة - تنص على أنه " لا يجوز للنيابة العامة في التحقيق الذي تجريه تفتيش غير المتهمين , أو منازل غير المتهمين، أو ضبط الخطابات والرسائل في الحالة المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 91 إلا بناء على إذن من القاضي الجزئي ". وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مدلول كلمتي الخطابات والرسائل التي أشير إليهما وإباحة ضبطهما في أي مكان خارج منازل المتهمين طبقا للإحالة على الفقرة الثانية من المادة 91 يتسع في ذاته لشمول كافة الخطابات والرسائل والطرود والرسائل التلغرافية كما يندرج تحته المكالمات التليفونية لكونها لا تعدو أن تكون من قبيل الرسائل الشفوية. وكان استصدار النيابة العامة الإذن بالمراقبة التليفونية من القاضي الجزئي بعد أن كانت قد اتصلت بمحضر التحريات وقدرت كفايتها لتسويغ اتخاذ ذلك الإجراء، هو عمل من أعمال التحقيق سواء قامت بتنفيذ الإذن بعد ذلك بنفسها أو عن طريق ندب من تراه من مأموري الضبط القضائي لتنفيذه عملا بنص المادة 200 من قانون الإجراءات الجنائية التي يجري نصها على أنه " لكل من أعضاء النيابة العامة في حالة إجراء التحقيق بنفسه أن يكلف أي مأمور من مأموري الضبط القضائي ببعض الأعمال التي من خصائصه "، وهو نص عام مطلق يسري على كافة إجراءات التحقيق وينتج أثره القانوني بشرط أن يصدر صريحا ممن يملكه وأن ينصب على عمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق - غير استجواب المتهم - دون أن يمتد إلى تحقيق قضية برمتها وأن يكون ثابتا بالكتابة إلى أحد مأموري الضبط مكانيا ونوعيا وهو ما جرى تطبيقه في الدعوى المطروحة. ومن ثم يكون ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من رفض الدفع سديدا في القانون. لما كان ذلك، وكان ما تثيره الطاعنة من جدل حول استدلال الحكم بأقوال المتهمين الثانية والثالثة على الرغم من تناقضها وفي أقوالهما وعدولهما عنها بجلسة المحاكمة مردودا بأن التناقض في أقوال الشهود أو المتهمين - بفرض وجوده - لا يعيب الحكم ما دام قد استخلص الإدانة من أقوالهم بما لا تناقض فيه. والأصل أن لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بأقوال الشاهد أو المتهم في أي مرحلة من مراحل الدعوى متى وثقت فيها وارتاحت إليها. ولما كان الحكم المطعون فيه قد عرض إلى دفع الطاعنة في شأن بطلان أقوال المتهمين الثانية والثالثة لصدورها وليدة إجراءات ضبط باطلة ورد عليه في قوله " الثابت من وقائع الدعوى أن ضابط مكتب الآداب المنتدب لمراقبة المحادثات التليفونية قد سمع محادثة تليفونية دارت بين المتهمتين الأوليين محورها ارتكاب جريمة تسهيل دعارة بعض النسوة المعتادات هذه الممارسة. وقد تأكد من هذه المحادثة عن المكان الذي يتم فيه تنفيذ الاتفاق الخاص بهذه الجريمة وكان اكتشافه لذلك عن طريق مشروع وهو بصدد القيام على المراقبة التليفونية المأذون بها قانونا وبذلك فإن هذه الحالة تكون حالة تلبس بالجريمة لأن الرؤية الشخصية ليس شرطا في كشف حالة التلبس بل يكفي أن يكون الشاهد قد أدرك بوقوع الجريمة بأية حاسة من حواسه ولو بطريق السمع وأنه أحس بوقوعها بطريقة لا تحتمل الشك، فقد يحصل العلم بالجريمة دون أن يشاهد فاعلها لأن ذلك التلبس وصف يلازم الجريمة نفسها بغض النظر عن شخص مرتكبها ولذلك فإن علم مأمور الضبط القضائي بوقوع الجريمة وتعرفه على تفصيلاتها ومكان وزمان وقوعها على النحو المبين بالتحقيقات يبيح له أن يقبض على كل من يقوم دليل على مساهمته فيها وأن يدخل منزله ويفتشه، ومن ثم فقد جاء قبض ضابط مكتب الآداب على المتهمات من الثانية إلى الخامسة متفقة وأحكام القانون " وما أورده الحكم فيما تقدم سديد في القانون، ذلك بأن التلبس حالة تلازم الجريمة ذاتها بصرف النظر عن شخص مرتكبها ومتى قامت في جريمة صحة إجراءات القبض والتفتيش في حق كل من له اتصال بها سواء أكان فاعلا أم شريكا، وتقدير الدلائل على صلة المتهم بالجريمة المتلبس بها ومبلغ كفايتها يكون بداءة لرجل الضبط القضائي تحت رقابة سلطة التحقيق وإشراف محكمة الموضوع. ولما كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن ضباط مكتب الآداب لم يقبضوا على المتهمات من الثانية إلى الخامسة إلا بعد تحققهم من اتصالهن بجريمة تسهيل الدعارة واستغلال البغاء، وأن ذلك كان عن طريق مشروع وهو سماع الحديث الذي دار بين المتهمين الثانية والثالثة وبين الطاعنة عن طريق تليفونها الموضوع تحت المراقبة بإذن صحيح صادر ممن يملكه وهو ما أقرته محكمة الموضوع ورأت كفايته لتسويغ القبض عليهن، فإنه لا تثريب على الحكم إذا هو عول في قضاءه بالإدانة على الدليل المستمد من تلك الإجراءات والأقوال التي صدرت من أولئك المتهمات بعد ذلك. على أنه لا جدوى للطاعنة من النعي على الحكم إقراره صحة القبض على المتهمات من الثانية إلى الخامسة، لأنه على فرض أن القبض عليهن وقع باطلا فإنه لا يستفيد من بطلانه سوى صاحب الشأن فيه ممن وقع القبض عليه باطلا - وهو غير الطاعنة - ومن ثم فلا شأن لها في طلب بطلان هذا الإجراء. لما كان ذلك، وكانت العبرة في المحاكمة الجنائية هي باقتناع القاضي بناء على ما يجريه من تحقيق في الدعوى ومن كافة عناصرها المعروضة على بساط البحث، فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين، إذ جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلا لحكمه إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه. والأصل أنه متى أخذت المحكمة بأقوال شاهد فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ولا يجوز الجدل في ذلك أمام محكمة النقض. ولما كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكمة أخذت بشهادة الضابط زكريا ربيع من استماعه إلى الاتفاق الذي انعقد بين الطاعنة والمتهمة الثانية على أن تقوم الأولى بتقديم امرأتين إلى ضيفي مخدوم الثانية والتي تأيدت بإقرار المتهمتين الثانية والثالثة، ولم تر - بعد أن اطمأنت إلى رواية الشاهد - أن تعتمد في قضاءها على الشريط الذي سجلت عليه هذه المحادثة وغيرها, وكانت الطاعنة - وقد استمعت إلى الشريط المسجل في التحقيق - لا تزعم أن هناك تضاربا بين التسجيل وشهادة الشاهد، فإنه لا يقبل منها مصادرة المحكمة في عقيدتها أو النعي عليها أخذها بأقوال الشاهد وإطراحها الدليل المستمد من الشريط المسجل لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض إلى دفاع الطاعنة في شأن عدم جدية التحريات التي بني عليها إذن المراقبة ورد عليه ردا سائغا أفحص به عن اطمئنان المحكمة إلى معلومات رئيس مكتب الآداب التي سطرها في محضر تحرياته وكفايتها لتسويغ إصدار الإذن بالمراقبة. لما كان ذلك، وكان تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الإذن بمراقبة المحادثات التليفونية هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق وإلى القاضي الجزئي المنوط به إصدار الإذن تحت إشراف محكمة الموضوع. وكانت المحكمة قد اقتنعت بجدية الاستدلالات التي بني عليها الإذن وكفايتها لتسويغ إصداره وأقرت النيابة العامة والقاضي الجزئي على تصرفهما في هذا الشأن، فإنه لا معقب عليها في ذلك لتعلقه بالموضوع لا بالقانون. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض إلى التكييف القانوني للأفعال التي قارفتها الطاعنة وما أثاره الدفاع عنها من أنها لا تعدو أن تكون أعمالا تحضيرية غير مجرمة ورد عليه في قولها: " لا محل لما أثاره الدفاع عن المتهمة الأولى - الطاعنة - من أن محكمة أول درجة عدلت وصف التهمة إلى شروع في ارتكاب الجريمة وأن الشروع غير معاقب عليه، وترى المحكمة أن ما جاء بأسباب محكمة أول درجة كان واضحا في أن الأفعال المسندة إليها تكون جريمة مساعدة وتسهيل الدعارة، أما ما قصدت إليه محكمة أول درجة فهو أن جريمة الدعارة لم تتم إلا أنه كان هناك شروع في هذه الجريمة، وترى هذه المحكمة أنه لا يشترط للعقاب على التحريض أو المساعدة أو التسهيل ارتكاب الفحشاء بالفعل، كما تشير المحكمة في أسبابها إلى أنه حتى مع مسايرة الدفاع في هذا القول فإن الشروع أيضا في هذه الجريمة معاقب عليه بالمادة السابعة من القانون " وما انتهى إليه الحكم فيما تقدم سديد في القانون، ذلك بأن القانون رقم 10 لسنة 1961 إذا نص في الفقرة الأولى من المادة الأولى على أن " كل من حرض شخصا ذكرا كان أو أنثى على ارتكاب الفجور أو الدعارة أو ساعده على ذلك أو سهله له وكذلك كل من استخدمه أو استدرجه أو أغواه بقصد ارتكاب الفجور أو الدعارة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة من مائة جنيه إلى ثلاثمائة جنيه ". ونص في الفقرة الثانية من المادة السادسة على " يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن ثلاث سنوات كل من استغل بأية وسيلة بغاء شخص أو فجوره ". ثم نص في المادة السابعة على " يعاقب على الشروع في الجرائم المبينة في المواد السابقة بالعقوبة المقررة للجريمة في حالة تمامها ". فقد دل بذلك على أنه لا يشترط للعقاب على التحريض أو المساعدة أو التسهيل أو الاستغلال اقتراف الفحشاء بالفعل. وإذا ما كانت الوقائع التي أوردها الحكم تتحقق بها العناصر القانونية لجريمتي تسهيل الدعارة واستغلال البغاء اللتين دان الطاعنة بهما فأورد على ثبوتها في حقها أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها، فإن ما تثيره الطاعنة في هذا الصدد يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان ما تنعاه الطاعنة على الحكم من قالة الإخلال بحقها في الدفاع بدعوى أنه لم يجبها إلى طلب سماع الشريط المسجل مردودا بأنه لا يبين من مطالعة محاضر جلسات المحاكمة بدرجتيها أن الطاعنة أو الدفاع عنها قد تمسك أي منهما بسماع الشريط المسجل، كما أنه لا يبين من الاطلاع على مذكرتي الطاعنة المتقدمتين لدى محكمة أول درجة أن الدفاع عنها طلب من المحكمة إجراء تحقيق في هذا الشأن، ومن ثم فإنه لا يقبل من الطاعنة أن تنعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها. لما كان تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا

الطعن 1383 لسنة 36 ق جلسة 14 / 2 / 1967 مكتب فني 18 ج 1 ق 41 ص 209

جلسة 14 من فبراير سنة 1967

برياسة السيد المستشار/ عادل يونس رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: محمد صبري، ومحمود عزيز الدين سالم، ونصر الدين عزام، ومحمد أبو الفضل حفني.

----------------

(41)
الطعن رقم 1383 لسنة 36 القضائية

(أ) مأمورو الضبط القضائي.
للضباط القائمين بأعمال وواجبات البوليس الحربي صفة رجال الضبط القضائي بالنسبة إلى كافة الجرائم التي يضبطونها بتكليف من القيادة العامة للقوات المسلحة سواء في ذلك الجرائم التي تقع من أفراد القوات المسلحة أو من المدنيين.
(ب) مؤسسات عامة. جمعيات تعاونية. موظفون عموميون. رشوة.
اعتبار العاملين بالمؤسسات العامة والجمعيات والشركات التي تنشؤها بمفردها من مالها المملوك للدولة في حكم الموظفين العموميين في تطبيق نصوص وأحكام الرشوة عملا بالمادة 111 عقوبات.
(ج) رشوة.
جريمة الرشوة. لا يؤثر في قيامها وقوعها نتيجة تدبير لضبطها وألا يكون الراشي جادا فيما عرضه على المرتشي. متى كان عرض الرشوة جديا في ظاهره، وكان الموظف قد قبله بقصد تنفيذ ما اتجه إليه في مقابل ذلك من العبث بمقتضيات وظيفته لمصلحة الراشي.

----------------
1 - المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بعد أن عينت الموظفين الذين يعتبرون من مأموري الضبط القضائي وأجازت لوزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص تخويل بعض الموظفين تلك الصفة بالنسبة إلى الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم وتكون متعلقة بأعمال وظائفهم - اعتبرت في فقرتها الأخيرة النصوص الواردة في القوانين والمراسيم والقرارات الأخرى بشأن تخويل بعض الموظفين اختصاص مأموري الضبط القضائي بمثابة قرارات صادرة من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص. ولما كانت المادة الأولى من القانون رقم 84 لسنة 1953 في شأن تخويل ضباط البوليس الحربي سلطة رجال الضبط القضائي - قد نصت على أن يكون للضباط القائمين بأعمال وواجبات البوليس الحربي صفة رجال الضبط القضائي بالنسبة إلى الأعمال والواجبات التي يكلفون بها من القيادة العامة للقوات المسلحة - وهي بذلك تكون قد أضفت عليهم تلك الصفة بالنسبة إلى كافة الجرائم التي يضبطونها بتكليف من القيادة العامة للقوات المسلحة سواء في ذلك الجرائم التي تقع من أفراد القوات المسلحة أو من المدنيين وذلك لكي يكون للإجراءات التي يتخذونها في شأنها من الأثر القانوني أمام جهات القضاء العادية ما للإجراءات التي يقوم بها مأمورو الضبط القضائي بصفة عامة. وكانت المادة الثانية من القانون رقم 117 لسنة 1961 في شأن تنظيم اختصاصات وسلطات القوات المسلحة قد نصت على نقل اختصاصات وسلطات القائد العام المنصوص عليها في قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 123 لسنة 1962 إلى نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن قائد المباحث الجنائية العسكرية بالمنطقة الشمالية لم يقم بإجراءات ضبط الطاعن - وهو موظف بالجمعية التعاونية الاستهلاكية بالإسكندرية - إلا بناء على الأمر الصادر من نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بتكليف رجال المباحث الجنائية العسكرية بضبط جميع الجرائم التي تقع في المؤسسة التعاونية الاستهلاكية والجمعيات التابعة لها، وهو ما من شأنه أن يضفي على الضابط المشار إليه صفة مأمور الضبط القضائي ويخوله اختصاصه في صدد الجرائم المبينة فيه، فإن ما اتخذه من إجراءات الضبط والتفتيش في حق الطاعن في نطاق ذلك الأمر بعد استئذان النيابة العامة يكون صحيحا.
2 - المؤسسات العامة بحسب الأصل أجهزة إدارية لها شخصية اعتبارية مستقلة تنشؤها الدولة لتباشر عن طريقها بعض فروع نشاطها العام وتتبع في إدارتها أساليب القانون العام وتتمتع في ممارستها بقسط من حقوق السلطة العامة بالقدر اللازم لتحقيق أغراضها. ولما كانت المؤسسة العامة التعاونية والاستهلاكية هي التي أسست بمفردها ومن مالها - المملوك للدولة بحكم القانون - الجمعية التعاونية الاستهلاكية المركزية وهي التي تتولى الإشراف على شئونها وإعتماد قراراتها التنظيمية فإن الجمعية بنظامها بادي الذكر والذي خلا من أي عنصر من عناصر النظام التعاوني كنظام من أنظمة القانون الخاص تعتبر بحكم القانون جهازا إداريا من أجهزة المؤسسة العامة أو فرعا من فروعها، وبالتالي فإن موظفي ومستخدمي تلك الجمعية يعتبرون موظفين ومستخدمين في تلك المؤسسة وتجري عليهم الأحكام الخاصة بهم. ومن ثم فإن العاملين في المؤسسات العامة والجمعيات والشركات التي تنشؤها بمفردها يكونون في حكم الموظفين العموميين في تطبيق نصوص وأحكام الرشوة عملا بالمادة 111 من قانون العقوبات.
3 - لا يؤثر في قيام جريمة الرشوة أن تكون قد وقعت نتيجة تدبير لضبطها وألا يكون الراشي جادا فيما عرضه على المرتشي متى كان غرض الرشوة جديا في ظاهره وكان الموظف قد قبله بقصد تنفيذ ما اتجه إليه في مقابل ذلك من العبث بمقتضيات وظيفته لمصلحة الراشي.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في يوم 8 نوفمبر سنة 1964 بدائرة قسم الرمل محافظة الإسكندرية: (أولا) بوصفة موظفا عموميا بالجمعية التعاونية الاستهلاكية بالإسكندرية " عامل بقسم البقالة بمجمع استانلي الاستهلاكي " أخذ عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته وللإخلال ببعض واجباتها وذلك بأن قبل مبلغ جنيه من إمام حلمي مندوب المباحث الجنائية العسكرية على سبيل الرشوة مقابل بيعه البضائع المبينة بالمحضر بكميات كبيرة تزيد عن المقرر بيعه للأفراد كما تقضي تعليمات الجمعية في هذا الشأن. (ثانيا) بوصفه سالف الذكر ارتكب تزويرا في محرر رسمي قسيمة المبيعات المبينة بالمحضر حال تحريره المختص بوظيفته، وكان ذلك بجعله واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها بأن أثبت فيها بيانات عن بضائع باعها إلى إمام حلمي مندوب المباحث الجنائية العسكرية خلافا لتلك التي اتفق معه على بيعها وسلمها إليه فعلا. (ثالثا) استعمل المحرر المزور مع علمه بتزويره بأن سلمه إلى مندوب المباحث الجنائية العسكرية إمام حلمي الحسن النية الذي دفع القيمة الثابتة به بخزينة فرع الجمعية ثم قدمه للمتهم فسلمه بناء عليه بضائع تخالف ما أثبته به. وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمواد 103 و104 و111/ 1 و118 و213 و214 من قانون العقوبات. فقرر بذلك. ومحكمة جنايات الإسكندرية قضت في الدعوى حضوريا بتاريخ 16 من أكتوبر سنة 1965 عملا بمواد الاتهام مع تطبيق المادتين 17 و32 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات وتغريمه مبلغ ألف جنية عما أسند إليه. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذا دان الطاعن بجرائم الرشوة وتزوير ورقة أميرية واستعمالها قد أخطأ في تطبيق القانون وانطوى على قصور في التسبيب وإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه رفض الدفاع المبدى من الطاعن ببطلان القبض عليه وتفتيشه لإجرائهما بمعرفة ضابط الشرطة العسكرية - وهو ليس من مأموري الضبط القضائي - قولا من الحكم بأن القانون رقم 84 لسنة 1953 قد أسبغ صفة الضبط القضائي على الضباط القائمين بأعمال وواجبات الشرطة العسكرية بالنسبة إلى الأعمال والواجبات التي يكلفون بها من القيادة العامة للقوات المسلحة وأن هذه القيادة قد ناطت بهم في أول نوفمبر سنة 1964 ضبط الجرائم التي تقع بالمؤسسة التعاونية الاستهلاكية والجمعيات التابعة لها، مع أن هؤلاء الضباط لا يدخلون في عداد الفئات الواردة بالمادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية التي تكلفت بحصر مأموري الضبط القضائي ذو الاختصاص العام. أما التكليف الصادر إليهم فهو قاصر على الجرائم التي تقع من أفراد القوات المسلحة أو عليهم. كما أطرح الحكم الدفع المبدى من الطاعن بأنه لا يعتبر موظفا عموميا في حكم المادة 111 من قانون العقوبات بأنه مجرد عامل يخضع لأحكام القانون رقم 91 لسنة 1959 في شأن عقد العمل الفردي فلا تسري في حقه أحكام رشوة الموظفين ودانه على الرغم من ذلك بموجب أحكام المادة 103 من قانون العقوبات بغير أن يتقصى من ملف خدمته ومن الجهة التابع لها حقيقة علاقته بها، ومع أن المادة المنطبقة على واقعة الدعوى هي المادة 105 من القانون ذاته لأن مبلغ الرشوة قد دفع على ما شهد به شاهد الإثبات - على سبيل العطية بغير طلب من الطاعن أو اتفاق سابق - وبعد إتمام الصفقة وتسليم البضاعة المبيعة إلى المشترى الوهمي الذي انقده ذلك المبلغ بتكليف من رئيسه، هذا فضلا عن أن ذلك يعد جريمة صورية لا تنطوي تحت أحكام القانون. وبالإضافة إلى ما تقدم فإن المحكمة لم تستجب إلى ما تمسك به الطاعن من طلب الاستماع إلى أقوال النقيب محمد مازن مشرف مع أنها عولت عليها في الإدانة مما يعيب حكمها بما يبطله ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة عناصر الجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه ما ينتجه من وجوه الأدلة التي استمدها من أقوال الشهود والاطلاع على ورقتي النقد وقسيمة المبيعات المضبوطة واعتراف الطاعن بتحقيق النيابة ثم عرض لدفاع الطاعن ورد عليه بقوله: " وحيث إن المتهم حضر جلسة المحاكمة وقرر أن مندوب المباحث العسكرية وضع له الجنيه المضبوط في جيبه دون أن يراه ودفع الحاضر معه ببطلان القبض والتفتيش على أساس أن من قام به ليس من رجال الضبطية القضائية كما أن المتهم وهو عامل بالجمعية التعاونية الاستهلاكية لا يعتبر موظفا عموميا ولا تنطبق عليه أحكام المادة 111 من قانون العقوبات وبالتالي لا يخضع لحكم المادة 103 الخاصة برشوة هؤلاء الموظفين، بل إن المادة 106 مكرر (أ) عقوبات هي الواجبة التطبيق وأضاف الدفاع أنه تأسيسا على ما تقدم فلا تعتبر قسائم البيع أوراقا رسمية وأنها لا تخرج عن كونها أوراقا عرفية وزاد الدفاع عن المتهم فقال بأن الجريمة التي يحاكم من أجلها المتهم ليست حقيقة بل إنها اختبارية قصد بها الرقابة على المجمعات وانتهى الدفاع بطلب براءة المتهم مما أسند إليه. ومن حيث إن هذا الدفاع مردود عليه بما يأتي: (أولا) أن القانون رقم 84 لسنة 1953 نص على أنه يكون للضباط القائمين بأعمال واجبات البوليس الحربي صفة رجال الضبط القضائي بالنسبة إلى الأعمال والواجبات التي يكلفون بها من القيادة العامة للقوات المسلحة. وحيث إن الثابت في هذه الدعوى أن السيد المشير عبد الحكيم عامر نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أصدر قرارا من أول نوفمبر سنة 1964 بتكليف المباحث الجنائية العسكرية بضبط الجرائم التي تقع في المؤسسة التعاونية أو الجمعية التعاونية الاستهلاكية المركزية وما يرتبط بهذه الجرائم من جرائم أخرى تنفيذا لحكم القانون المذكور. وحيث إنه لما كان ذلك، فإن قيام قائد المباحث الجنائية العسكرية - بعد صدور هذا التكليف إليه - بإجراء التحريات اللازمة والقيام بضبط المتهم بعد استئذان النيابة العامة كان إجراء في حدود اختصاصه صحيح يتفق مع القانون إذا أسبغت عليه بالقرار المذكور صفة رجال الضبطية القضائية، ومن ثم فإن هذا الدفع لا يستند على أساس صحيح ويكون متعين الرفض (ثانيا) إن الدفع بعدم اعتبار المتهم موظفا عموميا في حكم المادة 111 عقوبات هو دفع بدوره غير سديد ذلك لأنه بالرجوع إلى القرار الجمهوري رقم 2347 لسنة 1960 بإنشاء المؤسسة العامة التعاونية يبين أنه قد نص في مادته الأولى على إنشاء المؤسسة المذكورة وإلحاقها برياسة الجمهورية، كما نص في مادته الثالثة على أن رأس مال المؤسسة يتكون من الإعانات التي تمنحها الدولة لها ومن التبرعات والقروض ومن أموال الشركة العامة للتجارة الداخلية التي تتحول إلى جمعية تعاونية استهلاكية تؤول ملكيتها إلى المؤسسة كما نص في المادة الخامسة على السلطات المخولة لمجلس إدارة المؤسسة ومن بينها تأسيس الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، ونصت المادة 12 من القرار على أن ديوان المحاسبات يقوم بفحص حسابات المؤسسة وتقديم تقرير سنوي لمجلس الإدارة بهذا الفحص، ونص في المادة 13 على أن رئيس مجلس إدارة المؤسسة يرفع إلى رئيس الجمهورية تقريرا سنويا من أعمال المؤسسة خلال السنة المنتهية مشفوعة بصورة من تقرير ديوان المحاسبات، وتنفيذا لقانون إنشاء المؤسسة صدر قرار مجلس إدارتها بإنشاء الجمعية التعاونية الاستهلاكية المركزية ونص في مادته الأولى على أن رأسمالها يكون مملوكا للمؤسسة وفي هذه النصوص السابقة ما يفصح بجلاء على أن المؤسسة والجمعية التعاونية الاستهلاكية المركزية التي أنشأتها تعتبران من بين المصالح التابعة للدولة فأموالها أموال عامة وأعمالها محل رقابة وإشراف أجهزة الدولة الرسمية ممثلة في ديوان المحاسبات ورئاسة الجمهورية ومن ثم يكون مستخدمو المؤسسة والجمعية التابعة لها موظفون عموميون في حكم المادة 111/ 1 عقوبات الأوراق التي يحررونها للقيام بأعمالهم كقسائم البيع في المجمعات الاستهلاكية من الأوراق الرسمية التي يحررها موظف عمومي مختص بتحريرها.
وحيث إن ما أشار إليه الدفاع بشأن تطبيق المادتين 106 مكرر (أ) وبالتبعية المادة 214 مكرر عقوبات فهو أمر تسايره فيه المحكمة... (ثالثا) إن قول الدفاع عن المتهم بأن الجريمة الحالية ليست حقيقية لأنها وقعت نتيجة تدبير لضبطها ولم يكن الراشي جادا فيما عرضه على المرتشي - ذلك القول - مردود عليه بأن رجال المباحث العسكرية أوصلتهم تحرياتهم الجدية إلى أن هذا المتهم أو غيره يتقاضون الرشاوي في مقابل بيع المواد التموينية المستوردة فعملوا على اكتشاف تلك الجرائم باستئذان النيابة العامة في ضبطها وقد تم كل ذلك فعلا وكان عرض الرشوة من مندوب المباحث جديا في ظاهره قبله المتهم على أنه جدي منتويا العبث بمقتضيات وظيفته لمصلحة الراشي فوقعت جريمة الرشوة. وحيث إنه لما تقدم جميعه تكون الدفوع الثلاثة التي أثارها الحاضر مع المتهم لا تستند على أساس سليم من القانون وتكون بالإطراح حريا.... " لما كان ذلك، وكانت المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقوانين رقم 358 لسنة 1952، 243 لسنة 1953 و4 لسنة 1954 و37 لسنة 1957 و7 لسنة 1963 بعد أن عينت الموظفين الذين يعتبرون من مأموري الضبط القضائي وأجازت لوزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص تخويل بعض الموظفين تلك الصفة بالنسبة إلى الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم وتكون متعلقة بأعمال وظائفهم - اعتبرت في فقرتها الأخيرة النصوص الواردة في القوانين والمراسيم والقرارات الأخرى بشأن تخويل بعض الموظفين اختصاص مأموري الضبط القضائي بمثابة قرارات صادرة من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص. وكانت المادة الأولى من القانون رقم 84 لسنة 1953 في شأن تخويل ضباط البوليس الحربي سلطة رجال الضبط القضائي قد نصت على أن يكون للضباط القائمين بأعمال وواجبات البوليس الحربي صفة رجال الضبط القضائي بالنسبة إلى الأعمال والواجبات التي يكلفون بها من القيادة العامة للقوات المسلحة فإنها بذلك تكون قد أضافت عليهم تلك الصفة بالنسبة إلى كافة الجرائم التي يضبطونها بتكليف من القيادة العامة للقوات المسلحة سواء في ذلك الجرائم التي تقع من أفراد القوات المسلحة أو من المدنيين وذلك لكي يكون للإجراءات التي يتخذونها في شأنها من الأثر القانوني أمام جهات القضاء العادية ما للإجراءات التي يقوم بها مأمورو الضبط القضائي بصفة عامة. لما كان ذلك، وكانت المادة الثانية من القانون رقم 117 لسنة 1961 في شأن تنظيم اختصاصات وسلطات القوات المسلحة المعمول به اعتبارا من 22 مارس سنة 1964 قد نصت على نقل اختصاصات وسلطات القائد العام المنصوص عليها في قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 123 لسنة 1962 إلى نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن النقيب محمد مازن مشرف قائد المباحث الجنائية العسكرية بالمنطقة الشمالية لم يقم بإجراءات ضبط الطاعن - وهو موظف بقسم البقالة بالجمعية التعاونية الاستهلاكية مجمع استانلي بالإسكندرية - إلا بناء على الأمر الصادر في أول نوفمبر سنة 1964 من نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بتكليف رجال المباحث الجنائية العسكرية بضبط جميع الجرائم التي تقع في المؤسسة التعاونية الاستهلاكية والجمعيات التابعة لها، وهو ما من شأنه أن يضفي على الضابط المشار إليه صفة مأمور الضبط القضائي ويخوله اختصاصاته في صدد الجرائم المبينة فيه، فإن ما اتخذه من إجراءات الضبط والتفتيش في حق الطاعن في نطاق ذلك الأمر بعد استئذان النيابة العامة يكون صحيحا. لما كان ذلك، وكان القرار الجمهوري رقم 2347 لسنة 1960 بإنشاء المؤسسة العامة التعاونية الاستهلاكية قد نص في مادته الأولى على أن تكون لهذه المؤسسة شخصية اعتبارية كما نص في المادة العاشرة منه على أن يكون لها ميزانية خاصة بها. وجرت المادة الحادية عشرة منه على أن تتكون مواردها بصفة أصلية من المبالغ التي تخصص لها سنويا بميزانية الدولة.... وحددت المادة الرابعة من القرار تشكيل مجلس إدارة للمؤسسة برياسة وزير التموين " المركزي " وعضوية عدد من الوزراء والموظفين وإعمالا للحق المخول لمجلس إدارة المؤسسة في المادة الخامسة في إنشاء جمعيات تعاونية فقد أصدر قرارا بفصل مركز توزيع الشاي من الشركة العامة للتجارة الداخلية واعتباره وحدة تعاونية مستقلة تابعة للمؤسسة التي أصدرت من بعد قرارا آخر بتأسيس الجمعية التعاونية الاستهلاكية المركزية على أن يكون رأس مالها - الذي يتكون من أموال مركز الشاي والتوزيع وما تخصصه المؤسسة لها من أموال - مملوكا لها وأن يعتبر مجلس إدارة المؤسسة بمثابة جمعية عمومية لها، وكان القانون رقم 60 لسنة 1963 في شأن المؤسسات العامة الذي كان قائما وقت الحادث قد نص في المادة 15 منه على أن " يتكون رأس مال المؤسسة من (أ) أنصبة الدولة في رؤوس أموال ما يتبع المؤسسة من شركات وجمعيات تعاونية ومنشآت (ب) الأموال التي تخصصها الدولة للمؤسسة " كما نصت المادة 1 منه على أنه " تقوم المؤسسة بفتح حساب في البنك المركزي تؤدي إليه فائض مواردها وتصرف من هذا الحساب في حدود الاعتمادات المخصصة لها في الميزانية العامة، فإذا قل هذا الفائض عن مجموع الاعتمادات المخصصة للمؤسسة في الميزانية التزمت وزارة الخزانة بأن تؤدي إلى هذا الحساب من الميزانية العامة للدولة قيمة الفرق على مدار العام المالي وفقا للقواعد التي تقررها. وإذا زاد هذا الفائض يعود إلى الميزانية العامة للدولة.... " ثم جرت المادة 19 بأن " يكون للمؤسسة ميزانية مستقلة عن ميزانية الدولة وتعد على نمط الميزانيات التجارية وتعتبر أموال المؤسسة من الأموال المملوكة للدولة ملكية خاصة ما لم ينص على خلاف ذلك في القرار الصادر بإنشائها..... " ونصت المادة 20 على أنه " تعتمد ميزانية المؤسسة وحساب الأرباح والخسائر بقرار من رئيس الجمهورية ". لما كان ذلك، وكانت المؤسسات العامة بحسب الأصل أجهزة إدارية لها شخصية اعتبارية مستقلة تنشؤها الدولة لتباشر عن طريقها بعض فروع نشاطها العام وتتبع في إدارتها أساليب القانون العام وتتمتع في ممارستها بقسط من حقوق السلطة العامة بالقدر اللازم لتحقيق أغراضها وكانت المؤسسة العامة التعاونية الاستهلاكية هي التي أسست بمفردها ومن مالها - المملوك للدولة بحكم القانون - الجمعية التعاونية الاستهلاكية المركزية وهي التي تتولى الإشراف على شئونها واعتماد قراراتها التنظيمية فإن الجمعية بنظامها بادي الذكر والذي خلا من أي عنصر من عناصر النظام التعاوني كنظام من أنظمة القانون الخاص - تعتبر بحكم القانون جهازا إداريا من أجهزة المؤسسة العامة أو فرعا من فروعها وبالتالي فإن موظفي ومستخدمي تلك الجمعية يعتبرون موظفين ومستخدمين في تلك المؤسسة وتجرى عليهم الأحكام الخاصة بهم. لما كان ذلك، فإن العاملين في المؤسسات العامة والجمعيات والشركات التي تنشؤها بمفردها يكونون في حكم الموظفين العموميين في تطبيق نصوص وأحكام الرشوة عملا بالمادة 111 من قانون العقوبات، ومن ثم يكون ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه في هذا الصدد صحيحا في القانون. ولما كان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن التحريات الجدية لرجال المباحث العسكرية قد دلت على أن الطاعن وغيره ممن يعملون معه يتقاضون الرشاوى في مقابل بيع المواد التموينية المستوردة بالزيادة عن المقادير المقررة فاستأذنوا النيابة العامة في ضبط وتفتيش الطاعن وأرسلوا إليه بشاهد الإثبات الأول إمام حلمي الذي طلب منه شراء كمية من السلع المستوردة تزيد على القدر المسموح به لكل فرد في مقابل إعطاءه رشوة فوافقه الطاعن على ذلك وباعه ما طلبه من بضائع نذير مبلغ جنيه تقضاه منه على سبيل الرشوة، فإن الحكم يكون بذلك قد دلل على توافر أركان جريمة الرشوة في حكم المادة 103 من قانون العقوبات. ولا يؤثر في قيامها أن تكون الجريمة قد وقعت نتيجة تدبير لضبطها وألا يكون الراشي جادا فيما عرضه على المرتشي متى كان عرض الرشوة جديا في ظاهره وكان الموظف قد قبله بقصد تنفيذ ما اتجه إليه في مقابل ذلك من العبث بمقتضيات وظيفته لمصلحة الراشي. لما كان ذلك، وكان من المقرر قانونا أن للمحكمة أن تستغني عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمنا دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات الأولية ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث في الجلسة. وكان الثابت من الاطلاع على محاضر جلسة المحاكمة أن النقيب محمد مازن مشرف إذا تخلف عن الحضور اكتفى المدافع عن الطاعن بأقواله في التحقيقات فأمرت المحكمة بتلاوتها وهو ما يفيد التنازل عن سماع أقواله، ومن ثم فلا تثريب على المحكمة إن هي استندت إلى أقوال هذا الشاهد في التحقيقات دون أن تسمعه بالجلسة. وحيث إنه لكل ما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس ويتعين رفضه موضوعا.

الطعن 49573 لسنة 62 ق إدارية عليا جلسة 18 / 7 / 2020

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم الشعب

مجلس الدولة

المحكمة الإدارية العليا

الدائرة الأولى

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ محمد محمود حسام الدين رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة وعضوية السيد الأستاذ المستشار / أشرف خميس محمد محمد بركات نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السيد الأستاذ المستشار / سعيد حامد شربينى قلامى نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السيد الأستاذ المستشار /محمد محمد السعيد محمد نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السيد الأستاذ المستشار/ سامح جمال وهبة نصر نائب رئيس مجلس الدولة

وحضور السيد الأستاذ المستشار / رجب عبد الهادي تغيان نائب رئيس مجلس الدولة مفوض الدولة

وسكرتارية السيد / وائل محمود مصطفى أمين السر

أصدرت الحكم الآتي:

------------------

الإجراءات
بتاريخ 14/4/2016 أودعت هيئة قضايا الدولة نائبة عن الطاعنين بصفاتهم قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرًا بالطعن الماثل قيد بجدولها تحت رقم 49573 لسنة 62 قضائية عليا، طعنًا في الحكم المشار إليه عاليه، والقاضي منطوقه بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلزام جهة الإدارة المدعى عليهما الأول والرابع (وزارة التموين) بأن تؤدي للمدعين تعويضاً مقداره خمسون ألف جنيه، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.
وطلبت الجهة الإدارية الطاعنة في ختام تقرير الطعن - للأسباب الواردة به - الحكم بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجدداً أصلياً: بعدم قبول الدعوى لرفعها دون العرض على لجان التوفيق في بعض المنازعات، واحتياطيًا : برفض الدعوى، وبإلزام المطعون ضدهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجتي التقاضي .
وجرى إعلان تقرير الطعن على النحو الثابت بالأوراق .
وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا مسببًا بالرأي القانوني في الطعن .
وتدوول نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون على النحو المبين بمحاضر الجلسات، والتي أحالته بجلسة 16/4/2018 إلى الدائرة الأولى - موضوع - بالمحكمة الإدارية العليا لنظره بجلسة 26/5/2018 ، حيث تدوول نظره أمامها بتلك الجلسة وما تلاها من جلسات على النحو المبين بمحاضر جلساتها، وبجلسة 21/12/ ۲۰۱۹ قضت هذه المحكمة بوقف الطعن جزاءً لمدة شهر، وبعد انتهاء مدة الوقف الجزائي قدمت الجهة الإدارية الطاعنة طلبًا بتعجيل الطعن من الوقف الجزائي مرفقاً به حافظة مستندات طويت على إعلان المطعون ضدهم بتقرير الطعن الراهن إعلاناً منفذًا ، فحددت المحكمة جلسة 7/3/ ۲۰۲۰ لنظر الطعن بعد تعجيله من الوقف الجزائي، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة 20/6/ ۲۰۲۰ مع التصريح للخصوم بالاطلاع وإيداع مستندات ومذكرات خلال أسبوعين، وانقضى الأجل المضروب دون إيداع أية مستندات أو مذكرات من الخصوم، وبجلسة 20/6/ ۲۰۲۰ قررت المحكمة مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم لإتمام المداولة في الطعن ، حيث صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به .

---------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة قانونا .
وإذ استوفى الطعن كافة أوضاعه الشكلية المقررة قانونا .
وتتحصل وقائع النزاع المعروض في أنه بتاريخ 8/12/ ۲۰۰۹ أقام المطعون ضدهم الدعوى رقم 2950 لسنة ۳۲ق أمام محكمة القضاء الإداري بالمنصورة طالبين في ختام صحيفتها الحكم بقبول الدعوى شكلاً، وبإلزام الطاعنين بصفاتهم متضامنين بأن يؤدوا لهم التعويض المناسب لجبر الأضرار المادية والأدبية التي لحقت به ، مع إلزام جهة الإدارة المصروفات .
وذكروا شرحًا لدعواهم، أنه في الساعة السابعة صباحًا يوم 9/4/ ۲۰۰۸ توجهت مورثتهم : آمال حسن أحمد الدسوقي إلى مخبز رمزي درويش - أحد المخابز المدعمة - بمدينة محلة دمنة التابعة لمركز المنصورة بمحافظة الدقهلية لشراء عشرة أرغفة من الخبز المدعم لإفطار أسرتها (المطعون ضدهم) ، إلا أنه نتيجة تزاحم المواطنين على منفذ توزيع الخبز سقطت مورثة المطعون ضدهم المذكورة على الأرض وفقدت وعيها نتيجة دهس الأهالي المتزاحمين على شراء الخبز لها بعد سقوطها، فتم نقلها إلى مستشفى التكامل الصحي بمحلة دمنة إلا أن المستشفى لم يكن متواجداً به أطباء لإنقاذها واستمرت مورثة المطعون ضدها تنازع الموت لمدة ثلاث ساعات حتى نقلها بسيارة إسعاف إلى المنصورة للعلاج حيث توفت أثناء نقلها، وتحرر محضر بذلك قيد برقم ۹۳۸ لسنة ۲۰۰۸ جنح - محلة دمنة، وأصدرت مديرية الشئون الصحية بمحافظة الدقهلية قرارها - بعد التحقيق في الواقعة وثبوت إهمال المسئولين عن مستشفى التكامل الصحي بمحلة دمنة - بنقل مدير المستشفى المذكورة، الأمر الذي يثبت معه الخطأ المرفقي في جانب الجهة الإدارية والذي ترتب عليه وفاة ربة العائلة مورثة المطعون ضدهم، وقد لحق بالمطعون ضدهم أضرار مادية وأدبية نتيجة هذا الخطأ، فمن ثم يحق لهم المطالبة بالتعويض محل دعواهم، وخلصوا في ختام صحيفة دعواهم إلى طلب الحكم بطلباتهم آنفة البيان .
وبجلسة22/2/ ۲۰۱6 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع بإلزام جهة الإدارة المدعى عليهما الأول والرابع ) وزارة التموين ( أن تؤدي للمدعين تعويضاً مقداره خمسون ألف جنيه ، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات ، وشيدت قضاءها على أساس ثبوت خطأ جهة الإدارة - ممثلة في المطعون ضدهما الأول والرابع بصفتيهما (وزارة التضامن الاجتماعي ، ووزارة التموين - بوصفهما المنوط بهما اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تكفل ضمان النظام والسلامة للمواطنين أثناء عملية توزيع الخبز المدعم عليهم يوميا، إلا أن الجهة الإدارية المذكورة تركتهم عرضة للتدافع والتزاحم من أجل الحصول على قوت يومهم، مما أدى إلى وفاة مورثة المطعون ضدهم نتيجة هذا التدافع أثناء قيامها بشراء الخبز المدعم لأسرتها يوم 9/4/2008 ، ومن ثم فإن ركن الخطأ ثابت في جانب جهة الإدارة، وقد أصيب المطعون ضدهم بأضرار مادية تمثلت في فقدان عائلتهم وما تكبدوه من مصروفات في إثبات خطأ جهة الإدارة وصولاً إلى إثبات حقهم، فضلا عن الأضرار الأدبية التي تمثلت في شعورهم بالمرارة والحزن والأسى على وفاة مورثتهم، وقد توافرت علاقة السببية بين خطأ جهة الإدارة والضرر الذي أصاب المطعون ضدهم، ومن ثم فقد اكتملت عناصر مسئولية جهة الإدارة الوجبة للتعويض والذي تقدره المحكمة بمبلغ مقداره خمسون ألف جنيه، وخلصت المحكمة إلى قضائها آنف البيان .
وإذ لم يلق هذا القضاء قبولاً لدى الجهة الإدارية فقد أقامت طعنها الماثل فيه ناعية على الحكم الطعين صدوره مخالفاً القانون ومشوباً بالخطأ في تفسيره وتطبيقه، لأسباب حاصلها ، أن دعوى التعويض محل الحكم الطعين قد أقيمت دون عرض النزاع موضوعها على لجنة التوفيق في بعض المنازعات المختصة، ومن ثم كان يتعين الحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون.
۲- أن أوراق الدعوى محل الحكم الطعين قد جاءت جميعها خلوا من أي مستند يقطع بأن وفاة مورثة المطعون ضدهم كانت نتيجة مباشرة لسقوطها بسبب التزاحم أثناء توزيع الخبز المدعم، الأمر الذي ينتفي معه ركن الخطأ في جانب الجهة الإدارية الطاعنة وتنهار معه أركان مسئوليتها التقصيرية الموجبة للتعويض المقضي به، وخلصت الجهة الطاعنة إلى طلباتها آنفة البيان .
وحيث إن حافظة المستندات المقدمة من المطعون ضدهم أمام هيئة مفوضي الدولة لدى محكمة أول درجة بجلسة التحضير المؤرخة 24/7/۲۰۱۰ قد انطوت على إفادة صادرة من لجنة التوفيق في بعض المنازعات بمحافظة الدقهلية رقم (8) أن المطعون ضدهم قد تقدموا بالطلب رقم ۱6۸۹5 لسنة ۲۰۰۹ للمطالبة بالتعويض مثار النزاع المعروض، ومن ثم يغدو هذا الوجه من الطعن في غير محله متعينًا طرحه والالتفات عنه .
وحيث إن المادة (163) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم ۱۳۱ لسنة 1948 تنص على أن: "كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض..."
وتنص المادة (170) منه على أن : "يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المضرور طبقًا لأحكام المادتين ۲۲۱، ۲۲۲ مراعياً في ذلك الظروف الملابسة .....".
كما تنص المادة) 174) من القانون ذاته على أن: " 1- يكون المتبوع مسئولًا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه حال تأدية وظيفته أو بسببها. ۲ - تقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه متى كانت له سلطة فعلية في رقابته وفي توجيهه" .
وحيث إن قضاء المحكمة الإدارية العليا قد جرى على أن مسئولية الإدارة عن قراراتها غير المشروعة مناطها أن يكون ثمة قرار مشوب بعيب أو أكثر من العيوب المنصوص عليها في قانون مجلس الدولة، وأن يحيق بصاحب الشأن ضرر مادي أو أدبي، وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر، بأن يكون الخطأ هو الذي أدى إلى وقوع هذا الضرر.
واستقر قضاؤها كذلك، على أن يكون المتبوع مسئولًا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى كان واقعاً منه حال تأدية وظيفته أو بسببها، وكانت للمتبوع على التابع سلطة فعلية في توجيهه ورقابته في عمل معين يقوم به التابع لحساب المتبوع، ولو انحسرت هذه الرقابة في التوجيهات الإدارية، وأساس ذلك أن مسئولية المتبوع عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع تقوم على خطأ مفترض من جانب المتبوع فرضاً لا يقبل إثبات العكس، متى كان هذا العمل غير المشروع قد وقع منه أثناء تأدية وظيفته ، أو بسببها، أو ساعدته هذه الوظيفة أو هيأت له إتيان فعله غير المشروع، فتقوم علاقة التبعية كلما كان للمتبوع سلطة فعلية على التابع في الرقابة والتوجيه ولو كانت هذه الرقابة مقصورة على الرقابة الإدارية، كما تقوم علاقة التبعية على توفر الولاية في الرقابة والتوجيه، بحيث تكون للمتبوع سلطة فعلية في إصدار الأوامر إلى التابع في طريقة أداء عمله وفي الرقابة عليه في تنفيذ هذه الأوامر ومحاسبته، سواء في طريق العلاقة العقدية أو غيرها، وسواء استعمل المتبوع هذه السلطة أو لم يستعملها، ما دام أنه كان في استطاعته استعمالها
(في هذا المعنى حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في الطعنين رقمي 21762 و ۲6۰6۷ لسنة 59 قضائية. عليا بجلسة 19/4/ ۲۰۱5 (
وتطبيقا لما تقدم، ولما كان الثابت من الأوراق أنه في الساعة السابعة صباحا يوم9/4/ ۲۰۰۸ توجهت مورثة المطعون ضدهم : آمال حسن أحمد الدسوقي إلى مخبز رمزي درويش - أحد المخابز المدعمة - بمدينة محلة دمنة التابعة لمركز المنصورة بمحافظة الدقهلية لشراء عشرة أرغفة من الخبز المدعم لإفطار أسرتها ) المطعون ضدهم( ، إلا أنه نتيجة تزاحم المواطنين على منفذ توزيع الخبز سقطت مورثة المطعون ضدهم المذكورة على الأرض وفقدت وعيها نتيجة دهس الأهالي المتزاحمين على شراء الخبز لها بعد سقوطها، فتم نقلها إلى مستشفى التكامل الصحي بمحلة دمنة إلا أن المستشفى لم يكن متواجداً به أطباء لإنقاذها واستمرت مورثة المطعون ضدها تنازع الموت لمدة ثلاث ساعات حتى نقلها بسيارة إسعاف إلى المنصورة للعلاج حيث توفت أثناء نقلها، وتحرر محضر بذلك قيد برقم ۹۳۸ لسنة ۲۰۰۸ جنح - محلة دمنة، وأصدرت مديرية الشئون الصحية بمحافظة الدقهلية قرارها - بعد التحقيق في الواقعة وثبوت إهمال المسئولين عن مستشفى التكامل الصحي بمحلة دمنة - بنقل مدير المستشفى المذكورة، ولما كان ما تقدم كذلك وكان من الواجب على الجهة الإدارية أن تضطلع بمسئوليتها في اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تكفل ضمان النظام والسلامة للمواطنين أثناء عملية توزيع الخبز المدعم عليهم يومياً، إلا أن الجهة الإدارية المذكورة تركتهم عرضة للتدافع والتزاحم من أجل الحصول على قوت يومهم، مما أدى إلى وفاة مورثة المطعون ضدهم نتيجة هذا التدافع أثناء قيامها بشراء الخبز المدعم لأسرتها يوم 9/4/ ۲۰۰۸ على النحو الثابت من التحقيقات التي حواها الطعن الراهن بين دفتيه، ومن ثم فإن ركن الخطأ ثابت في جانب جهة الإدارة، وقد أصيب المطعون ضدهم بأضرار مادية تمثلت في فقدان عائلتهم وما تكبدوه من مصروفات في إثبات خطأ جهة الإدارة وصولاً إلى إثبات حقهم، فضلاً عن الأضرار الأدبية التي تمثلت في شعورهم بالمرارة والحزن والأسى على وفاة مورثتهم، وقد توافرت علاقة السببية بين خطأ جهة الإدارة والضرر الذي أصاب المطعون ضدهم، ومن ثم فقد اكتملت عناصر مسئولية جهة الإدارة الموجبة للتعويض والذي قدرته محكمة أول درجة بمبلغ مقداره خمسون ألف جنيه، وكان هذا التقدير سائغاً وسديداً، ومن ثم فلا معقب عليها في هذا الشأن .
وإذ انتهى حكم المطعون فيه إلى النتيجة ذاتها ، فمن ثم يكون قد صادف صحيح حكم القانون مستوجباً تأييده - للأسباب التي قام عليها هذا الحكم -، ورفض الطعن الراهن .
وحيث إنه عن المصروفات، فيلزم بها الخاسر عملاً بحكم المادة (184) من قانون المرافعات المدنية والتجارية .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعاً، وألزمت جهة الإدارة الطاعنة مصروفات .
صدر هذا الحكم وتُلى علنًا بالجلسة المنعقدة يوم السبت 27 من ذى العقدة لسنة 1441 هجرية الموافق 18 من يوليو من إبريل لسنة 2020 ميلادية بالهيئة المبينة بصدره.