الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 10 يونيو 2021

الطعنان 20806 ، 23187 لسنة 60 ق جلسة 11 / 4 / 2015 إدارية عليا مكتب فني 61 ج 2 ق 125 ص 1746

جلسة 11 من إبريل سنة 2015
الطعنان رقما 20806 و 23187 لسنة 60 القضائية (عليا)
(الدائرة الرابعة)
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ لبيب حليم لبيب نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ أحمد إبراهيم زكي الدسوقي، وحسين عبد الله أمين قايد، ود.رضا محمد عثمان دسوقي، وعبد الجيد مسعد عبد الجليل. نواب رئيس مجلس الدولة
---------------
(أ‌) قانون:
تشريع القوانين وتطبيقها- السلطة التشريعية تتمثل أساسا في البرلمان المشكل بإرادة الناخبين، وهو السلطة المختصة بتحديد الجرائم، وبإقرار العقوبات المناسبة لها، وجهة القضاء هي المختصة وحدها بتطبيق العقوبات التي تقدرها السلطة التشريعية- عن طريق ذلك يأمن المواطن ضد كل احتمال للتعسف من قبل السلطات الحاكمة.

(ب‌) موظف:
تأديب- المخالفات التأديبية- إذا كان المقرر في مجال قانون العقوبات أنه "لا جريمة إلا بنص"، فإنه بالرغم من أوجه الشبه بين الجرائم الجنائية والجرائم التأديبية، ليس من اللازم أن تصدر عن السلطة التشريعية قواعد تؤثم بعض الأفعال مسبقا حتى يعاقب الموظف، بل يعاقب إذا ما ثبت قِبَلَهُ فعل أو امتناع لا يتفق مع مقتضيات وظيفته، سواء نص على ذلك صراحة أو لم ينص- الأفعال المكونة للذنب الإداري في قانون الوظيفة العامة ليست محددة حصرا ونوعا، بل مردها بوجه عام إلى الإخلال بواجبات الوظيفة العامة أو الخروج على مقتضياتها، فعدم وجود نص مانع أو مؤثم لفعل معين، لا يعني بالضرورة أن هذا الفعل مباح للموظف على نسق قانون العقوبات- إذا نص المشرع على تحريم بعض الأفعال على الموظفين، فإنما يريد أن يسترعي انتباههم إلى خطورة الأعمال المؤثمة، وأن يبدي توجيهه القاطع في اجتنابها، على أن يترك ما لم يذكره للقاعدة العامة- مادام المشرع لم يحصر الأعمال الممنوعة على الموظفين، والتي تكون جرائم تأديبية، فإن تحديد هذه الأعمال متروك لتقدير الجهات التأديبية، سواء كانت رئاسية أم قضائية- تلتزم السلطة التأديبية في تقديرها للجرائم التأديبية بضوابط الوظيفة العامة بما تتضمنه من حقوق وواجبات، فتقدير ما إذا كان الموظف قد أخطأ خطأ يستوجب الجزاء، يرجع فيه إلى هذه الحقوق والواجبات، دون غيرها، فليس لسلطة التأديب أن تتقيد بضوابط قانون العقوبات.

(ج‌) موظف:
تأديب- الجزاء التأديبي- إذا كانت الجريمة التأديبية لا تخضع لمبدأ "لا جريمة إلا بنص"، فإن العقوبة التأديبية تُحكم بمبدأ "لا عقوبة بلا نص"، ويعني هذا المبدأ أن السلطة التأديبية المختصة إذا كانت تترخص في تقدير ما يندرج في نطاق المخالفات التأديبية، فإنها ملزمة أن توقع عقوبة من العقوبات التي حددها المشرع- يختلف النظام العقابي التأديبي عن النظام العقابي الجنائي في أنه في مجال قانون العقوبات يوجد ارتباط كامل بين كل جريمة على حدة، وما يناسبها من عقاب، فتحديد العقوبة هو عمل المشرع بالدرجة الأولى، والحرية التي قد تترك للقاضي الجنائي محدودة، وتنحصر في تحديد العقوبة الملائمة بين حدين، أما في القانون التأديبي فإن القاعدة العامة أن المشرع يحدد قائمة بالعقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على الموظف المخطئ، ويترك للسلطة التأديبية المختصة حرية اختيار العقوبة الملائمة من بين قائمة العقوبات المقررة- تقدير ملاءمة العقوبة للذنب الإداري الذي ثبت في حق الموظف هو من سلطة الإدارة، ولا رقابة للقضاء عليها في هذا الشأن، إلا إذا اتسم الجزاء بعدم الملاءمة الظاهرة، أي بسوء استعمال السلطة.

(د‌) موظف:

تأديب- الجزاء التأديبي- مبدأ "تفريد العقوبة"- العقوبة التخييرية هي أداة تشريعية، يستند القاضي إليها بحسب ظروف كل دعوى لتطبيق مبدأ "تفريد العقوبة"- لا تجوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطا ثابتا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، فالأصل في العقوبة هو تفريدها، لا تعميمها، ومخالفةُ هذا المبدأ تُفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وتُقيد الحرية الشخصية دون مقتضٍ- في الأحوال التي يمتنع فيها إعمال هذه الأداة، فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه، بما يفتئت على استقلاله، ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر وظيفته القضائية، وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.

(هـ) جامعات:
أعضاء هيئة التدريس- تأديبهم- جريمة إعطاء دروس خصوصية- نص المشرع على العزل من الوظيفة عقوبةُ لهذه الجريمة، ومن ثم فإنه لا سلطة لمجلس التأديب في اختيار العقوبة الملائمة في شأنها بعد أن حدد لها المشرع عقوبة معينة بذاتها، وهو ما يخالف مبدأ "تفريد العقوبة" واختصاص القاضي باختيار الجزاء الملائم- شبهة عدم الدستورية في ذلك- تطبيق: حكمت المحكمة بوقف الطعن، وإحالة أوراقه بدون رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (110) من قانون تنظيم الجامعات فيما تضمنته من جزاء العزل لكل فعل فيه مخالفة لنص المادة (103) من هذا القانون.

- المواد أرقام (94) و(96) و(101) و(121) و(123) و(184) و(186) من دستور 2014.

- المواد أرقام (103) و(105) و(107) و(109) و(110) و(112) من قانون تنظيم الجامعات، الصادر بالقرار بقانون رقم 49 لسنة 1972.
---------------
الوقائع
- في يوم الخميس الموافق 20/2/2014 أودع السيد الأستاذ/... المحامي، بصفته وكيلا عن السيدين: ..... و..... قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن، قيد برقم 20806 لسنة 60ق عليا، في حكم مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس بجامعة عين شمس الصادر بجلسة 1/1/2014 في الدعوى التأديبية رقم 57 لسنة 2013، القاضي بمجازاتهما بالعزل من الوظيفة، مع الاحتفاظ بالمعاش أو المكافأة.

- وفي يوم الخميس الموافق 27/2/2014 أودع الأستاذ/... المحامي بالنقض والإدارية العليا، بصفته وكيلا عن السيد/ سيد... قلم كتاب المحكمة تقرير طعن قيد برقم 23187 لسنة 60ق. عليا، طعنا على حكم مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس بجامعة عين شمس الصادر بجلسة 1/1/2014 في الدعوى التأديبية رقم 57 لسنة 2013، القاضي بمجازاته بعقوبة العزل.

وطلب الطاعنون -للأسباب التي أوردوها في تقريري طعنيهما- الحكم بقبول الطعنين شكلا، وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وفي الموضوع بإلغائه، وببراءتهم مما أسند إليهم.

وتحددت لنظر الطعن الأول أمام دائرة فحص الطعون جلسة 9/4/2014، وفيها قررت المحكمة التأجيل لجلسة 14/5/2014 لإعلان الجامعة، وبها قررت ضم الطعن الثاني إلى الأول، وبجلسة 29/1/2014 قررت إحالة الطعنين إلى دائرة الموضوع، التي أمرت بإحالة الطعنين إلى هيئة مفوضي الدولة لتحضيرهما وإعداد تقرير بالرأي القانوني في موضوعهما، وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرها الذي ارتأت فيه الحكم بقبول الطعنين شكلا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء ببراءة الطاعنين من المخالفة المنسوبة إليهما.

وتحددت لنظر الطعنين أمام دائرة الموضوع جلسة 28/3/2015، حيث قررت الحكم فيهما بجلسة 11/4/2015، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
----------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة قانونا.

وحيث إن الطعنين استوفيا أوضاعهما الشكلية، فإنهما يكونا مقبولين شكلا.

وحيث إن عناصر هذه المنازعة تخلص -حسبما يبين من عيون الأوراق- في أنه بتاريخ 14/4/2013 أصدر السيد الدكتور/ رئيس جامعة عين شمس القرار رقم 224 لسنة 2013 بإحالة كل من:

1- السيد الدكتور/ .......

2- السيد الدكتور/ .......

3- السيد الدكتور/ ......

أعضاء هيئة التدريس بقسم اللغة العبرية بكلية الآداب بجامعة عين شمس إلى مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس بجامعة عين شمس؛ لمحاكمتهم تأديبيا، لقيامهم بإعطاء دروس خصوصية بالمخالفة لحكم المادة (103) من قانون تنظيم الجامعات، الصادر بالقرار بقانون رقم 49 لسنة 1972، ولخروج الأول عن مقتضيات وظيفته بإصداره عبارات لبعض الطالبات على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل قدرا من التجاوز الأخلاقي، بل عبارات تخدش الحياء.

- وبجلسة 1/1/2014 قضى مجلس تأديب أعضاء هيئة تدريس جامعة عين شمس بمجازاتهم بالعزل من الوظيفة، مع الاحتفاظ بالمعاش أو المكافأة لكل منهم، وشيد قضاءه على سند من أن ما أسند إلى المحالين الثلاثة من إعطاء دروس خصوصية ثابت في حقهم بشهادة الشهود، وبما أسفرت عنه تحريات هيئة الرقابة الإدارية، وأن ما نسب إلى المحال الأول من تلفظه بألفاظ وعبارات لبعض الطالبات على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل قدرا من التجاوز الأخلاقي غير ثابت في حقه.

- ويقوم الطعنان على أن الحكم المطعون فيه خالف القانون، وأخطأ في تطبيقه وتأويله، وأنه جاء قاصرا في التسبيب، مخلا بحق الدفاع.

- وحيث إن المادة رقم (103) من قانون تنظيم الجامعات، الصادر بالقرار بقانون رقم 49 لسنة 1972 تنص على أنه: " لا يجوز لأعضاء هيئة التدريس إعطاء دروس خصوصية بمقابل أو بغير مقابل".

وتنص المادة رقم (105) على أن: "يكلف رئيس الجامعة أحد أعضاء هيئة التدريس في كلية الحقوق بالجامعة أو بإحدى كليات الحقوق إذا لم توجد بالجامعة كلية للحقوق بمباشرة التحقيق فيما ينسب إلى عضو هيئة التدريس. ويجب ألا تقل درجة من يكلَّف بالتحقيق عن درجة من يجري التحقيق معه. ويقدِّم عن التحقيق تقريرا إلى رئيس الجامعة ولوزير التعليم العالي أن يطلب إبلاغه هذا التقرير. ولرئيس الجامعة بعد الاطلاع على التقرير أن يحفظ التحقيق أو أن يأمر بإحالة العضو المحقق معه إلى مجلس التأديب إذا رأى محلا لذلك، أو أن يكتفي بتوقيع عقوبة عليه في حدود ما تقرره المادة (112)".

وتنص المادة رقم (107) على أن: "يُعلِم رئيس الجامعة عضو هيئة التدريس المُحال إلى مجلس التأديب ببيان التهم الموجهة إليه وبصورة من تقرير التحقيق، وذلك بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم وصول قبل الجلسة المعينة للمحاكمة بعشرين يوما على الأقل".

وتنص المادة رقم (109) على أن: " تكون مساءلة جميع أعضاء هيئة التدريس أمام مجلس تأديب يُشكل من:

(أ) أحد نواب رئيس الجامعة يعينه مجلس الجامعة سنويا. رئيسا.

(ب) أستاذ من كلية الحقوق أو أحد أساتذة كليات الحقوق في الجامعات التي ليس بها كلية للحقوق يعينه مجلس الجامعة سنويا.

(ج) مستشار من مجلس الدولة يندب سنويا. عضوين.

وفي حالة الغياب أو المانع، يحل النائب الآخر لرئيس الجامعة ثم أقدم العمداء ثم من يليه في الأقدمية منهم محل الرئيس.

ومع مراعاة حكم المادة (105) في شأن التحقيق والإحالة إلى مجلس التأديب, تسري بالنسبة إلى المساءلة أمام مجلس التأديب القواعد الخاصة بالمحاكمة أمام المحاكم التأديبية المنصوص عليها في قانون مجلس الدولة".

وتنص المادة رقم (110) على أن: "الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على أعضاء هيئة التدريس هي:

(1) التنبيه.

(2) اللوم.

(3) اللوم مع تأخير العلاوة المستحقة لفترة واحدة أو تأخير التعيين في الوظيفة الأعلى أو ما في حكمها لمدة سنتين على الأكثر.

(4) العزل من الوظيفة مع الاحتفاظ بالمعاش أو بالمكافأة.

(5) العزل مع الحرمان من المعاش أو المكافأة وذلك في حدود الربع.

وكل فعل يزري بشرف عضو هيئة التدريس أو من شأنه أن يمس نزاهته أو فيه مخالفة لنص المادة (103) يكون جزاؤه العزل.

ولا يجوز في جميع الأحوال عزل عضو هيئة التدريس إلا بحكم من مجلس التأديب".

وتنص المادة رقم (112) على أن: "لرئيس الجامعة توقيع عقوبتي التنبيه واللوم المنصوص عليهما في المادة (110) على أعضاء هيئة التدريس الذين يخلون بواجباتهم أو بمقتضيات وظائفهم، وذلك بعد سماع أقوالهم وتحقيق دفاعهم، ويكون قراره في ذلك مسببا ونهائيا، وعلى عميد كل كلية أو معهد إبلاغ رئيس الجامعة بكل ما يقع من أعضاء هيئة التدريس من إخلال بواجباتهم أو بمقتضيات وظائفهم".

وحيث إن المادة رقم (94) من الدستور الصادر عام 2014 تنص على أن: "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات".

وتنص المادة رقم (96) منه على أن: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة...".

وتنص المادة رقم (101) على أن: "يتولى مجلس النواب سلطة التشريع وإقرار السياسة العامة للدولة... ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية".

وتنص المادة رقم (121) على أنه: "لا يكون انعقاد المجلس (مجلس النواب) صحيحا ولا تتخذ قراراته إلا بحضور أغلبية أعضائه... وتصدر الموافقة على القوانين بالأغلبية المطلقة للحاضرين".

وتنص المادة رقم (123) على أن: "لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين...".

وتنص المادة رقم (184) على أن: "السلطة القضائية مستقلة، تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقا للقانون، ويبين القانون صلاحياتها، والتدخل في شئون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم".

وتنص المادة رقم (186) على أن: "القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون...".

وحيث إن مفاد ما تقدم أن السلطات التشريعية تتمثل أساسا في البرلمان المشكل بإرادة الناخبين، المعبر الحقيقي عن رغباتهم، وهو السلطة المختصة بتحديد الجرائم وبإقرار العقوبات المناسبة لها، وأن جهة القضاء هي المختصة وحدها بتطبيق العقوبات التي تقدرها السلطة التشريعية، وعن طريق ذلك يأمن المواطن ضد كل احتمال للتعسف من قبل السلطات الحاكمة.

وحيث إن القاعدة المسلم بها في مجال قانون العقوبات أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وبالرغم من أوجه الشبه بين الجرائم الجنائية والجرائم التأديبية، فإنه ليس من اللازم أن تصدر عن السلطة التشريعية قواعد تؤثم بعض الأفعال مسبقا حتى يعاقب الموظف، بل يعاقب إذا ما ثبت قبله فعل أو امتناع لا يتفق مع مقتضيات وظيفته، وسواء نص على ذلك صراحة أو لم ينص.

وحيث إن قانون الوظيفة العامة باعتباره الشريعة العامة لم يسلك مسلك قانون العقوبات والقوانين الجنائية الأخرى فلم يحصر الأفعال المؤثمة، ولم يحدد أركانها أو العقوبة المقررة لكل منها، فالأفعال المكونة للذنب الإداري في هذا القانون ليست محددة حصرا ونوعا، بل مردها بوجه عام إلى الإخلال بواجبات الوظيفة العامة أو الخروج على مقتضياتها، كما لم يحدد المشرع نوع الجزاء الواجب تطبيقه، بل ترك تحديد ذلك للسلطة التأديبية بحسب تقديرها لدرجة جسامة الفعل وما يستأهله من عقاب.

ومؤدى ذلك النتائج الآتية:

(أولا) أن عدم وجود نص مانع أو مؤثم لفعل معين، لا يعني بالضرورة أن هذا الفعل مباح للموظف على نسق قانون العقوبات، فالمشرع إذا حرم بعض الأفعال على الموظفين، فإنما يريد أن يسترعي انتباه الموظفين إلى خطورة الأعمال المؤثمة، وأن يبدي توجيهه القاطع في اجتنابها، على أن يترك ما لم يذكره للقاعدة العامة.

(ثانيا) أنه مادام المشرع لم يحصر الأعمال الممنوعة على الموظفين، والتي تكون جريمة تأديبية، فإن تحديد هذه الأعمال متروك لتقدير الجهات التأديبية، سواء كانت هذه الجهات جهات رئاسية أم جهات قضائية، ومن ثم فإن تكييف الواقعة بما يجعلها من الذنوب الإدارية المستحقة للعقاب مرجعه إلى تقدير جهة الإدارة، ومن ثم فإن السلطة التأديبية في تقديرها للجرائم التأديبية تلتزم ضوابط الوظيفة العامة بما تتضمنه من حقوق وواجبات، فتقدير ما إذا كان الموظف قد أخطأ خطأ يستوجب الجزاء، يرجع فيه إلى هذه الحقوق والواجبات، دون غيرها، ومن ثم فليس لسلطة التأديب أن تتقيد بضوابط قانون العقوبات.

(ثالثا) أن السلطة التأديبية تقوم بعمليتين مستقلتين:

الأولى: البت فيما إذا كان الخطأ المنسوب إلى الموظف، محل التأديب يعد جريمة تأديبية، فإذا ما انتهت من هذه المهمة انتقلت إلى مهمة أخرى، وهي تحديد العقوبة الملائمة للخطأ الثابت قبل الموظف، من بين قائمة العقوبات التي حددها المشرع، ومن هنا جاء مبدأ الاختصاص التقديري لسلطة التأديب فيما يتصل بتوقيع العقوبات التأديبية.

وحيث إنه إذا كانت الجريمة التأديبية لا تخضع لمبدأ "لا جريمة إلا بنص"، فإن العقوبة التأديبية تُحكم بمبدأ "لا عقوبة بلا نص"، ويعني هذا المبدأ أن السلطة التأديبية المختصة إذا كانت تترخص في تقدير ما يندرج في نطاق المخالفات التأديبية، فإنها ملزمة أن توقع عقوبة من العقوبات التي حددها المشرع، ففي قانون العقوبات يوجد ارتباط كامل بين كل جريمة على حدة، وما يناسبها من عقاب، فتحديد العقوبة هو عمل المشرع بالدرجة الأولى، والحرية التي قد تترك للقاضي الجنائي محدودة، وتنحصر في تحديد العقوبة الملائمة بين حدين، كالحبس أو السجن من كذا إلى كذا، أو الخيارين بين توقيع عقوبة مالية أو عقوبة مقيدة للحرية أو توقيع العقوبتين.

أما في القانون التأديبي فإن القاعدة العامة أن المشرع يحدد قائمة بالعقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على الموظف المخطئ، ويترك للسلطة التأديبية المختصة حرية اختيار العقوبة الملائمة من بين قائمة العقوبات المقررة.

وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن تقدير ملاءمة العقوبة للذنب الإداري الذي ثبت في حق الموظف هو من سلطة الإدارة، وأنه لا رقابة للقضاء عليها في هذا الشأن، إلا إذا اتسم الجزاء بعدم الملاءمة الظاهرة، أي بسوء استعمال السلطة.

كما جرى أيضا على أن القرارات الصادرة عن مجالس التأديب هي بمثابة أحكام قضائية، وأنه ولئن كانت لهذه المجالس سلطة تقدير خطورة الذنب الإداري، وما يناسبه من جزاء، بغير معقب عليها في ذلك، إلا أن مناط مشروعية هذه السلطة -شأنها كشأن أي سلطة تقديرية أخرى- ألا يشوب استعمالها غلو، ومن صور هذا الغلو عدم الملاءمة الظاهرة بين درجة خطورة الذنب، ونوع الجزاء ومقداره، ففي هذه الصورة تتعارض نتائج عدم الملاءمة الظاهرة مع الهدف الذي تغياه المشرع من التأديب.

وبناء على ما تقدم فإن اختيار العقوبة المناسبة هو من قبيل السلطة التقديرية التي تمارسها المحاكم ومجالس التأديب.

ولما كان المشرع في قانون تنظيم الجامعات، الصادر بالقرار بقانون رقم 49 لسنة 1972، قد حظر على أعضاء هيئة التدريس إعطاء دروس خصوصية، وحدد على سبيل الحصر في المادة (110) الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على أعضاء هيئة التدريس، إلا أنه نص في الفقرة الأخيرة من هذه المادة صراحة على أن كل فعل فيه مخالفة لنص المادة (103) يكون جزاؤه العزل، ومن ثم فإن سلطة مجلس التأديب في اختيار العقوبة الملائمة في مخالفة إعطاء الدروس الخصوصية تكون قد اختفت تماما بعد أن حدد لها المشرع عقوبة معينة بذاتها.

وحيث إنه لا تجوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطا ثابتا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، وأن تقرير استثناء تشريعي لجريمة إعطاء دروس خصوصية من هذا الأصل العام، وأيا كانت الأغراض التي يتوخاها المشرع، مؤداه أن المذنبين جميعا تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو ما يعني ابتداع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتضٍ؛ ذلك أن مشروعية العقوبة مناطها أن يباشر كل قاض سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها تقديرا لها في الحدود المقررة قانونا، فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها، جَبَّا لآثار الجريمة من منظور عادل يتعلق بها وبمرتكبها.

وحيث إن تناسب العقوبة مع الجريمة داخل في إطار الحقائق الجوهرية للوظيفة القضائية، فإن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة، بما يوائم بين الصيغة التي أفردت فيها، ومتطلبات تطبيقها في كل حالة بذاتها، مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالها بواقعها، فلا تنبض بالحياة، ولا يمكن إنفاذها إلا عملا مجردا يعزلها عن بيئتها، دالا على قسوتها، أو مجاوزتها حد الاعتدال، جامدا، فجا، ونافيا لقيم الحق والعدل.

وحيث إن المقرر قانونا أن العقوبة التخييرية هي أداة تشريعية، يستند القاضي إليها بحسب ظروف كل دعوى لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة، ومن ثم فإنه في الأحوال التي يمتنع فيها إعمال هذه الأداة، فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه تماما، بما يفتئت على استقلاله، ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر وظيفته القضائية، وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.

وحيث إن العقوبة المقررة لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات لجريمة إعطاء الدروس الخصوصية هي العزل من الوظيفة، ومن ثم فإن هذه العقوبة تعد من العقوبات غير التخييرية، ويمتنع بحكم الفقرة الأخيرة من المادة (110) من قانون تنظيم الجامعات المشار إليه النزول عنها لو اتضح للقاضي التأديبي قسوتها، بما يحول بينه وبين إعمال سلطته في تفريد العقوبة.

وحيث إن النص المتقدم ألغَى سلطة القاضي في تفريد العقوبة، وهي جوهر الوظيفة القضائية، وجاء منطويا كذلك على تدخل في شئونها، مقيدا لحرية القاضي في غير ضرورة، نائيا عن ضوابط المحاكمة المنصفة، مخلا بمبدأ خضوع الدولة للقانون.

وحيث إن إلغاء سلطة القاضي في النزول بالعقوبة هو في حقيقته إلغاء لسلطته في تفريدها، والتي تعد إحدى خصائص الوظيفة القضائية، مما ينطوي على إهدار لحقوق أصلية كفلها الدستور، وافتئات من السلطات التشريعية على السلطة القضائية، بل وتدخل في شئون العدالة، مما يثير شبهة عدم دستورية النص المتقدم.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بوقف الطعنين، وإحالة أوراقهما بدون رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (110) من قانون تنظيم الجامعات، الصادر بالقرار بقانون رقم 49 لسنة 1972، فيما تضمنته من جزاء العزل لكل فعل فيه مخالفة لنص المادة (103) من هذا القانون، وذلك على الوجه المبين بالأسباب.

الطعن 28330 لسنة 54 ق جلسة 2 / 9 / 2015 إدارية عليا مكتب فني 61 ج 2 ق 126 ص 1760

جلسة 2 من سبتمبر سنة 2015
الطعن رقم 28330 لسنة 54 القضائية (عليا)
(الدائرة الثانية)
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ سالم عبد الهادي محروس جمعة نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ أحمد عبد الحميد حسن عبود، ومحمود شعبان حسين رمضان، وحسام محمد طلعت محمد السيد، وسامح جمال وهبة نصر. نواب رئيس مجلس الدولة
-----------
هيئة قضايا الدولة:
شئون الأعضاء- معاش- معاش من تنتهي خدمته بالوفاة
- حظر المشرع في قانون السلطة القضائية زيادة معاش من انتهت خدمته من القضاة للوفاة أو لعدم اللياقة الصحية على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات, مقيما بذلك تفرقة غير مبررة بين من تنتهي خدمته من القضاة لأحد هذين السببين, ومن تنتهي خدمته منهم لغير ذلك من الأسباب, فأوجب أن يسوى معاش الطائفة الأخيرة على أساس آخر مربوط الوظيفة التي يشغلها العضو، أو آخر مرتب كان يتقاضاه, أيهما أصلح له, ودون التقيد بحد أقصى, فيما حظر على الطائفة الأولى زيادة معاشهم على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات, رغم تماثل الطائفتين في المركز القانوني من حيث كونهما قضاة مشتركين في نظام تأميني موحد, ويستحقون الرعاية الكاملة, وهو ما كان يستوجب وحدة القاعدة القانونية التي تطبق في حقهم- ترتيبا على ذلك: قضت المحكمة بوقف الطعن, وإحالة الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (91) من قانون السلطة القضائية.

- المادتان (53) و(186) من دستور 2014.
- المادتان (70) و(91) من قانون السلطة القضائية، الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972.
- المادة (1) من القانون رقم 89 لسنة 1973 ببعض الأحكام الخاصة بأعضاء هيئة قضايا الدولة.
--------------
الوقائع
في يوم الأربعاء الموافق 4/6/2008 أودع الأستاذ/... المحامي، نيابة عن الأستاذ/..., المحامي قلم كتاب هذه المحكمة تقريرا بالطعن الماثل، قيد بجدولها برقم 28330 لسنة 54ق (عليا), طلب في ختامه الحكم بقبول الطعن شكلا, وفي الموضوع:

(أولا) بتسوية المعاش المستحق لمورث الطاعنين عن الأجر الأساسي على أساس آخر مرتب أساسي كان يتقاضاه، شاملا العلاوات الخاصة بحد أقصى 100% من أجر الاشتراك الأخير, وذلك اعتبارا من تاريخ وفاته الحاصل في 15/8/2006, مع ما يترتب على ذلك من آثار.

(ثانيا) بتسوية معاش مورث الطاعنين عن الأجر المتغير، إما على أساس المتوسط الشهري لأجوره التي أديت عنها وعلى أساسها الاشتراكات خلال مدة الاشتراك, أو على أساس آخر أجر متغير كان يتقاضاه، أيهما أفضل, وذلك اعتبارا من 15/8/2006, مع ما يترتب على ذلك من آثار.

(ثالثا) إعمال أثر ما تقدم على مكافأة نهاية الخدمة وتعويض الدفعة الواحدة المستحق لمورث الطاعنين, شاملا العلاوات الإضافية, وصرف الفروق المالية للطاعنين عن المدة السابقة على تمام التسوية, وإلزام الهيئة المطعون ضدها المصروفات والأتعاب.

وذلك على سند من أن مورثهم المرحوم المستشار/... كان عضوا بهيئة قضايا الدولة بدرجة (نائب رئيس هيئة قضايا الدولة), وبتاريخ 15/8/2006 انتقل إلى رحمة ربه, وفي 16/10/2006 تم إخطار الطاعنين بالمعاش المستحق لهم عن مورثهم المذكور, فتبين تسويته بطريقة خاطئة مخالفة للقانون، فتقدموا بطلب إلى لجنة فض المنازعات بالهيئة المطعون ضدها دون جدوى, مما حداهم على إقامة طعنهم الماثل بطلباتهم المبينة آنفا.

وقد أعلن المطعون ضدهم بصفاتهم بتقرير الطعن، على الوجه المقرر قانونا, وجرى تحضير الطعن بهيئة مفوضي الدولة، وأودعت تقريرا مسببا بالرأي القانوني فيه.

وقد تدوول نظر الطعن أمام المحكمة, على النحو المبين بمحاضر الجلسات, وبجلسة 18/4/2015 قررت إصدار الحكم فيه بجلسة اليوم, وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
---------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, وسماع الإيضاحات, والمداولة قانونا.
وحيث إن الطاعنين يطلبون الحكم بطلباتهم المبينة آنفا.
وحيث إن المادة (1) من القانون رقم 89 لسنة 1973 ببعض الأحكام الخاصة بأعضاء هيئة قضايا الدولة تنص على أن: "تحدد وظائف ومرتبات وبدلات أعضاء إدارة قضايا الحكومة وفقا للجدول الملحق بهذا القانون. وتسري فيما يتعلق بهذه المرتبات والبدلات والمزايا الأخرى وكذلك بالمعاشات وبنظامها، جميع الأحكام المقررة، والتي تقرر في شأن الوظائف المماثلة بقانون السلطة القضائية".

وينص قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972 في المادة (70) على أنه: "استثناء من أحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة وقوانين المعاشات لا يترتب على استقالة القاضي سقوط حقه في المعاش أو المكافأة. وتعتبر استقالة القاضي مقبولة من تاريخ تقديمها لوزير العدل إذا كانت غير مقترنة بقيد أو معلقة على شرط. وفي جميع حالات انتهاء الخدمة يسوى معاش القاضي أو مكافأته على أساس آخر مربوط الوظيفة التي كان يشغلها، أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح له، ووفقا للقواعد المقررة بالنسبة للموظفين الذين تنتهي خدمتهم بسبب إلغاء الوظيفة أو الوفر".

وفي المادة (91) على أنه: "إذا لم يستطع القاضي بسبب مرضه مباشرة عمله بعد انقضاء الإجازات المقررة في المادة السابقة، أو ظهر في أي وقت أنه لا يستطيع لأسباب صحية القيام بوظيفته على الوجه اللائق، فإنه يحال إلى المعاش بقرار جمهوري يصدر بناء على طلب وزير العدل وبعد موافقة مجلس القضاء الأعلى.

ويجوز للمجلس المذكور في هذه الحالة أن يزيد على خدمة القاضي المحسوبة في المعاش أو المكافأة مدة إضافية بصفة استثنائية، على ألا تجاوز هذه المدة الإضافية مدة الخدمة ولا المدة الباقية لبلوغ السن المقرر للإحالة إلى المعاش بمقتضى هذا القانون.

كما لا يجوز أن تزيد تلك المدة على ثماني سنوات، ولا أن يكون من شأنها أن تعطيه حقا في معاش يزيد على أربعة أخماس مرتبه.

ومع ذلك لا يجوز أن يقل المعاش عن أربعة أخماس آخر مرتب كان يتقاضاه القاضي أو يستحقه عند انتهاء خدمته إذا كانت مدة الخدمة المحسوبة في المعاش لا تقل عن عشرين سنة.

ويسري حكم الفقرتين السابقتين في حالة الوفاة.

وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يزيد المعاش عن الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات".

وحيث إن مؤدى ذلك أن الأصل أن معاش القاضي أو مكافأته يسوى فى جميع حالات انتهاء الخدمة, عدا الوفاة وعدم اللياقة الصحية, على أساس آخر مربوط الوظيفة التي كان يشغلها، أو آخر مرتب كان يتقاضاه عند انتهاء خدمته، أيهما أصلح له, ودون التقيد بحد أقصى, أما من تنتهي خدمته من القضاة بسبب الوفاة أو عدم اللياقة الصحية فلا يجوز أن يزيد معاشه على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات.

وحيث إن المادة (53) من الدستور تنص على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر...".

وتنص المادة (186) من الدستور على أن: "القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات...".

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا جرى على أنه ولئن كان مبدأ المساواة أمام القانون لا يعني معاملة المواطنين جميعا على وفق قواعد موحدة؛ ذلك أنالتنظيمالتشريعي قد ينطوي على تقسيم أو تصنيف أو تمييز، سواء من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض أو من خلال المزايا التى يمنحها لفئة دون غيرها, إلا أن مناط دستورية هذا التنظيم ألا تنفصل نصوصه التي ينظم بها المشرع موضوعا معينا عن أهدافها, ليكون اتصال الأغراض التي توخى تحقيقها بالوسائل التي لجأ إليها منطقيا, وليس واهيا أو واهنا أو منتحلا, بما يخل بالأسس التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريا, ومن ثم فإذا ما قام التماثل في المراكز القانونية التي تنتظم بعض فئات المواطنين, وتساويهم -من ثم- في العناصر التي تكونها, استوجب ذلك وحدة القاعدة القانونية التيينبغي تطبيقها في حقهم, فإن خرج المشرع عن ذلك سقط في حومة المخالفة الدستورية, سواء كان خروجه هذا مقصودا أو وقع عرضا (القضية رقم 155 لسنة 18 القضائية دستورية بجلسة 6/3/1999).

كما جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن صور التمييز المجافية للدستور, وإن تعذر حصرها, إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور أو القانون, وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو تعطيل أو انتقاص آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانونا للانتفاع بها (القضية رقم 39 لسنة 15 القضائية دستورية بجلسة 4/2/1995).

وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة (91) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم (46) لسنة 1972 حظرت زيادة معاش من انتهت خدمته من القضاة للوفاة أو لعدم اللياقة الصحية على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات, مقيمة بذلك تفرقة غير مبررة بين من تنتهي خدمته من القضاة بسبب الوفاة أو عدم اللياقة الصحية, ومن تنتهي خدمته منهم لغير ذلك من الأسباب, فأوجب أن يسوى معاش الطائفة الأخيرة على أساس آخر مربوط الوظيفة التي يشغلها أو آخر مرتب كان يتقاضاه, أيهما أصلح له, ودون التقيد بحد أقصى, فيما حظر على الطائفة الأولى زيادة معاشهم على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات, رغم تماثل الطائفتين في المركز القانوني من حيث كونهما قضاة مشتركين في نظام تأميني موحد, ويستحقون الرعاية الكاملة, وهو ما كان يستوجب وحدة القاعدة القانونية التي تطبق في حقهم, ومن ثم يرجح أن يكون نص الفقرة الأخيرة من المادة (91) فى الحدود المبينة سالفا قد سقط فيحومة المخالفة الدستورية؛ لمخالفته مبدأ المساواة الذي كفله الدستور.

وحيث إن المادة (29) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 تجيز للمحاكم والهيئات ذات الاختصاص القضائيإذا تراءى لها أثناء نظر الدعاوى عدم دستورية نص قانوني أو لائحي لازم للفصل في النزاع أن توقف الدعوى وتحيل الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية, وكان الفصل في الطعن الماثل يتوقف على الفصل في دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (91) من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972, وفي الحدود المبينة سالفا؛ فمن ثم تقضي المحكمة بوقف الطعن وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية هذا النص.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بوقف الطعن, وإحالة الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (91) من قانون السلطة القضائية، الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972.

الطعنان 31133 ، 31521 لسنة 54 ق جلسة 19 / 1 / 2014 إدارية عليا مكتب فني 61 ج 2 ق 117 ص 1613

جلسة 19 من يناير سنة 2014
الطعنان رقما 31133 و 31521 لسنة 54 القضائية (عليا)
(الدائرة السابعة)
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ حسن كمال محمد أبو زيد شلال نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ محمد محمد مجاهد راشد، وجمال إبراهيم إبراهيم خضير، وحسن محمود سعداوي محمد، ود. مجدي صالح يوسف الجارحي نواب رئيس مجلس الدولة
---------------
دعوى:
الحكم في الدعوى- التنازل عن الحكم- التنازل عن الحكم جائز؛ فالخصومة ملك للخصوم، وحجية الحكم نسبية، وتنفيذ الحكم يعتمد أساسا على إرادة الخصم الذي صدر لمصلحته الحكم، فإذا ما قرر التنازل عنه فإن هذا أمر مشروع، ويفقد الحكم فاعليته- يترتب على التنازل عن الحكم انقضاء الخصومة التي صدر فيها، كما يمتنع على المتنازل عن الحكم تجديد المطالبة بالحق الذي رفعت به الدعوى- القاعدة العامة هي نهائية التنازل في القانون الإداري، وعدم جواز العدول (الرجوع) عن التنازل، مادام قد تم صحيحا، فمتى قام المدعي بالتنازل عن حكم صادر لمصلحته بتسوية حالته أو بإلغاء قرار إداري، وكانت الجهة الإدارية قد أخذت في اعتبارها هذا التنازل وعاملته على أساسه، فإنه لا يجوز للمحكوم له بعد ذلك أن يتنصل منه على أي وجه من الوجوه، مادام قد صدر صحيحا- التنازل عن الحكم أو شيء منه ينشئ دفعا بعدم قبول الدعوى التي يعاد رفعها عن الموضوع نفسه، وهو دفع من النظام العام، تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها- تطبيق: التنازل الموثق بمكتب التوثيق هو تنازل قانوني رسمي تتوفر فيه جميع الشروط القانونية اللازمة للأخذ به، والاعتداد بما تضمنه، وإعمال مقتضاه قانونا.
- المادة (145) من قانون المرافعات المدنية والتجارية.
----------------
الوقائع
- في يوم الأربعاء الموافق 25/6/2008 أودع وكيل الطاعن في الطعن الأول قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن، قيد بجدولها برقم 31133 لسنة 54 القضائية (عليا)، وذلك طعنا على الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالقاهرة في الدعوى رقم 32850 لسنة 57ق بجلسة 30/4/2008، الذي قضى في منطوقه بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحة المدعي في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق عن محكمة القضاء الإداري، مع ما يترتب على ذلك من آثار، ورفض ما عدا ذلك من طلبات، وإلزام المدعي والجهة الإدارية المصروفات مناصفة.

وطلب الطاعن -للأسباب التي أوراها بتقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون عليه فيما تضمنه من القضاء برفض ما عدا ذلك من طلبات، والقضاء مجددا بأحقيته في طلباته التي رفضها الحكم المطعون فيه، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات عن درجتي التقاضي.

- وفي يوم الأحد الموافق 29/6/2008 أودع وكيل الطاعن (بصفته) في الطعن الثاني قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن، قيد بجدولها برقم 31521 لسنة 54 القضائية عليا، وذلك طعنا على الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالقاهرة المشار إليه.

وطلب الطاعن (بصفته) -للأسباب التي أوردها بتقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون عليه فيما قضى به من إلغاء القرار السلبي بامتناع الجهاز عن تنفيذ الحكم رقم 4583 لسنة 49ق، والقضاء مجددا برفض الدعوى، وإلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتي التقاضي.

وجرى إعلان تقريري الطعن على النحو المبين بالأوراق.

وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرا مسببا بالرأي القانوني في الطعنين ارتأت فيه الحكم بالنسبة للطعن رقم 31133 لسنة 54ق.عليا، بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا:

(أولا) بإلغاء القرارات المطعون فيها أرقام 265 لسنة 1997 و1228 لسنة 1990 و1528 لسنة 1993 و1814 لسنة 1996و598 لسنة 2003، فيما تضمنته هذه القرارات من تخطي الطاعن في الترقية إلى وظيفة مراجع مساعد، ومراجع، ومراجع أول، ومراقب من الفئة الثانية، وتخطيه في الندب لوظيفة رئيس شعبة ومراقب حسابات (أ) من الفئة الأولى.

(ثانيا) إلزام جهة الإدارة المطعون ضدها أن تؤدي إلى الطاعن التعويض المناسب الذي تقدره عدالة المحكمة جبرا للأضرار التي لحقت به على النحو المبين بالأسباب، ورفض ما عدا ذلك من طلبات.

وبالنسبة للطعن رقم 31521 لسنة 54ق.عليا: قبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعا، مع إلزام الطاعن والمطعون ضده المصروفات مناصفة.

وتدوول نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا (الدائرة السابعة) على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وبجلسة 1/7/2012 قررت الدائرة إحالة الطعنين إلى الدائرة السابقة موضوع لنظرهما بجلسة 11/11/2012، حيث تدوول نظرهما أمام هذه المحكمة على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 26/9/2013، قررت المحكمة حجز الطعنين للحكم بجلسة 27/10/2013، ثم لجلسة اليوم لاستمرار المداولة، وبهذه الجلسة صدر هذا الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
---------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة قانونا.

وحيث إن الطاعن في الطعن الأول يهدف من طعنه إلى الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون عليه فيما قضى به من رفض ما عدا ذلك من طلبات، والقضاء مجددا بأحقيته في طلباته التي رفضها الحكم الطعين، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات عن درجتي التقاضي.

وحيث إن الطاعن (بصفته) في الطعن الثاني يهدف من طعنه إلى الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون عليه فيما قضى به من إلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحة المدعي في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق عن محكمة القضاء الإداري، مع ما يترتب على ذلك من آثار، والقضاء مجددا برفض الدعوى، وإلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتي التقاضي.

وحيث إن الطعنين الماثلين قد استوفيا جميع أوضاعهما المقررة قانونا، فمن ثم يكونان مقبولين شكلا.

وحيث إن عناصر النزاع الماثل تخلص -حسبما يبين من الأوراق- في أن المدعي (الطاعن في الطعن الأول والمطعون ضده في الطعن الثاني)، أقام دعواه أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة بتاريخ 25/9/2003، طالبا الحكم بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع: (أولا) إلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري الصادر لمصلحته في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق، و(ثانيا) إلغاء قرارات رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أرقام: 265 لسنة 1987 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية لوظيفة مراجع مساعد اعتبارا من 19/4/1987، و1228 لسنة 1990 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية لوظيفة مراجع اعتبارا من 1/6/1990، و1528 لسنة 1993 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى وظيفة مراجع أول اعتبارا من 30/6/1993، و1814 لسنة 1996 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى وظيفة مراقب من الفئة الثانية بمجموعة الوظائف الفنية الرقابية بالإدارة المركزية اعتبارا من 1/7/1996، مع ما يترتب على ذلك من آثار، والقرار رقم 598 لسنة 2003 فيما تضمنه من تخطيه في الندب لوظيفة رئيس شعبة ومراقب حسابات (أ) من الفئة الأولى اعتبارا من 25/5/2003، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وبإلزام الجهة الإدارية التعويض المناسب لما أصابه من أضرار، وإلزامها المصروفات.

وقال المدعي شرحا للدعوى إنه حصل على ليسانس الحقوق عام 1983، وبتاريخ 16/3/1985 عين بوظيفة مراجع تحت التمرين بالجهاز المركزي للمحاسبات، وتمت تسوية حالته الوظيفية بضم ثلاثة أرباع مدة عمله بمهنة المحاماة، حيث أرجعت أقدميته في وظيفة مراجع تحت التمرين إلى 13/5/1984، ويشغل حاليا وظيفة مراقب، وسبق له إقامة الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق أمام محكمة القضاء الإداري لإعادة تسوية حالته الوظيفية بحساب كل مدة خدمته بالمحاماة من تاريخ قيده وحتى تاريخ تعيينه، وبجلسة 22/4/1996 صدر الحكم في تلك الدعوى، حيث أجابته المحكمة إلى طلباته وقضت له بها، وطعن الجهاز على هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا بالطعن رقم 4782 لسنة 42ق.ع، وقد تقدم بتاريخ 19/6/1996 بتظلم من القرارات محل الدعوى الماثلة، ثم تنازل عن التظلم المشار إليه، كما تنازل عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحته نتيجة إكراهه من قبل الجهاز المدعى عليه، وذلك بتاريخ 26/6/1996.

وأضاف المدعي أن المحكمة الإدارية العليا حكمت بإجماع الآراء في الطعن رقم 4782 لسنة 42ق.عليا بجلسة 10/3/2003 بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا، فتقدم على إثر ذلك بتاريخ 9/4/2003 بتظلم إلى رئيس الجهاز يلتمس فيه تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري السابق صدوره لمصلحته، كما تقدم بالتماسين مؤرخين في 27/4/2003 و3/5/2003، أوضح فيهما الآثار التي يلتمس ترتيبها كأثر لتنفيذ الحكم الصادر لمصلحته، وقد فوجئ بصدور القرار رقم 598 لسنة 2003 بندب جميع شاغلي وظيفة مراقب إلى وظيفة رئيس شعبة، دون أن يشمله، فتظلم منه بتاريخ 14/6/2003، ثم لجأ إلى لجنة التوفيق في المنازعات بتاريخ 15/7/2003، وبتاريخ 20/9/2003 وردت للجهاز المدعى عليه فتوى إدارة الفتوى لرئاسة الجمهورية التي انتهت إلى وجوب تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري المشار إليه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وتحصن القرارات موضوع التظلم لفوات مواعيد الطعن عليها، وإزاء عدم تنفيذ الجهاز المدعى عليه للحكم المشار إليه فقد أصيب بأضرار مادية وأدبية يستحق عنها تعويضا ماديا مناسبا، واختتم المدعي دعواه بطلباته المذكورة آنفا.

وبجلسة 30/4/2008 أصدرت المحكمة المذكورة حكمها في الدعوى بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحة المدعي في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق عن محكمة القضاء الإداري، مع ما يترتب على ذلك من آثار، ورفض ما عدا ذلك من طلبات، وإلزام المدعي والجهة الإدارية المصروفات مناصفة.

وشيدت المحكمة قضاءها المذكور -بعد استعراضها لنص المادة (52) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972- تأسيسا على أن نظام القضاء الإداري يقوم طبقا لقانون مجلس الدولة على أن الأحكام الصادرة عن محاكم مجلس الدولة تكون حائزة حجية الأمر المقضي به من تاريخ صدورها حتى لو طعن عليها أمام المحكمة الإدارية العليا، ما لم تأمر دائرة فحص الطعون بوقف تنفيذ الحكم، فتوقف حجيته، وأن الثابت من الأوراق أن الجهاز المركزي للمحاسبات قد قام بالطعن على الحكم الصادر لمصلحة المدعي أمام المحكمة الإدارية العليا بالطعن رقم 4782 لسنة 42ق.عليا، وقدمت الجهة الإدارية التنازل السابق تقديمه من المدعي عن ذلك الحكم الصادر لمصلحته إلى المحكمة الإدارية العليا عند نظرها الطعن المشار إليه، وقضت المحكمة رغم ذلك برفض طعن الجهة الإدارية المشار إليه على ذلك الحكم، وهو ما يعد سببا صحيحا للحكم بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحة المدعي عن محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق.

وبالنسبة لطلب المدعي إلغاء القرارات أرقام 265/1997 و1228 لسنة 1990 و1528 لسنة 1993 و1814 لسنة 1996 و598 لسنة 2003 فيما تضمنته من تخطيه على النحو المشار إليه سلفا، فبعد استعراضها لنص المادة (24) من قانون مجلس الدولة، قضت المحكمة بقبول الدعوى بشأنها شكلا، تأسيسا على أن المركز القانوني للمدعي لم يستقر إلا بتاريخ صدور حكم المحكمة الإدارية العليا بجلسة 10/3/2003 برفض طعن الجهة الإدارية على الحكم الصادر لمصلحته المشار إليه، وأنه تظلم بتاريخ 9/4/2003 لتنفيذ الحكم، وما يترتب على ذلك من آثار، منها إلغاء قرارات تخطيه في الترقية، ولجأ إلى لجنة التوفيق في المنازعات بالطلب رقم 606 لسنة 2003 بتاريخ 15/7/2003، والتي أصدرت توصيتها بحفظ الطلب بتاريخ 22/10/2003 بعد أن أقام دعواه بتاريخ 25/9/2003، ومن ثم تكون مقبولة شكلا.

وبالنسبة لموضوع الدعوى فبعد استعراضها لأحكام المواد أرقام (1) و(6) و(14) و(15) من لائحة العاملين بالجهاز المركزي للمحاسبات، قالت المحكمة إنه لما كان المدعي يطالب بإلغاء القرارات المشار إليها، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وذلك استنادا إلى صدور حكم محكمة القضاء الإداري بأحقيته في حساب مدة خبرته العملية بمهنة المحاماة كاملة، وكانت هذه المدة طبقا لقرار رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات رقم 230 لسنة 1986، ولما استقرت عليه أحكام المحكمة الإدارية العليا، لا تعد مدة خدمة فعلية بالمعنى الذي عناه القرار المشار إليه والقضاء، فمن ثم يكون طلب المدعي إلغاء القرارات المشار إليها لا أساس له من القانون، وهو ما يتعين معه القضاء برفض هذا الطلب.

وأردفت المحكمة أنه عن طلب التعويض عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالمدعي نتيجة عدم تنفيذ الحكم الصادر لمصلحته في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق فإن التنازل السابق للمدعي عن تنفيذ الحكم المشار إليه ساهم في الخطأ، وأصبحت الجهة الإدارية بعده في حل من تنفيذه، إلى أن عاد وطالب مرة أخرى بتنفيذه في عام 2003، كما أن الأوراق قد خلت مما يفيد وقوع أي ضرر على المدعي من جراء ذلك، مما يتعين معه القضاء برفض هذا الطلب.

وخلصت المحكمة إلى حكمها المشار إليه.

- ولم يرتض المدعي (الطاعن الأول والمطعون ضده في الطعن الثاني) بهذا الحكم، فطعن عليه بالطعن رقم 31133 لسنة 54ق.عليا، وذلك فيما قضى به من رفض ما عدا ذلك من طلبات، وذلك تأسيسا على أسباب حاصلها الآتي:

(أولا) بالنسبة لرفض طلب إلغاء قرارات الترقية المطعون عليها: نعى المدعي على الحكم الطعين مخالفته للقانون على سند من القول بأن لائحة العاملين بالجهاز قد قررت الحق في الطعن على القرارات التي تمت بعد العمل باللائحة في 27/7/1982 استنادا إلى الأقدميات المرتبة على حساب مدد الخبرة السابقة باعتبارها مدد خدمة فعلية بالجهاز، وهو ما يقتضي إلغاء هذا الشق من الحكم المطعون فيه.

وأضاف الطاعن أن الحكم الطعين قد شابه الخطأ في تطبيق القانون وتفسيره ومخالفة مبدأ المشروعية، وذلك لأن المستفاد من لائحة العاملين بالجهاز أن مدد الخبرة السابقة تحسب للعاملين بالجهاز طبقا للقواعد المعمول بها بشأن العاملين المدنيين بالدولة، وتعد مدد الخبرة العملية السابقة التي تم حسابها مدد خدمة فعلية ضمن المدد البينية والكلية بالجهاز، وأن القول بأن قرار رئيس الجهاز رقم 230 لسنة 1986 يستبعد مدد الخبرة السابقة من مدد الخبرة الفعلية هو قول يخالف الدستور ويخالف مبدأ المشروعية، ويخالف لائحة العاملين بالجهاز التي لها قوة القانون، فضلا عن مخالفته لمبادئ وأحكام المحكمة الإدارية العليا وفتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، وذلك على النحو المبين تفصيلا بصحيفة التقرير بالطعن، وهو ما يقتضي إلغاء هذا الشق من الحكم المطعون فيه.

(ثانيا) بالنسبة لرفض طلب منح الطاعن علاوة خبرة وعلاوة دورية في 1/7/1985: قال الطاعن إنه طلب ذلك في صحيفة دعواه، إلا أن الحكم الطعين لم يناقش هذا الطلب، سواء بالإيجاب أو الرفض، رغم أنه يستحق ذلك طبقا للائحة العاملين بالجهاز بعد حساب مدة خبرته العملية كاملة بمهنة المحاماة، ومن ثم يكون الحكم الطعين قد خالف حكم القانون، مما يقتضي القضاء بإلغائه في هذا الشق.

(ثالثا) بالنسبة لرفض طلب التعويض: نعى المدعي (الطاعن) على الحكم الطعين عدم صحة ما استند إليه من أن تنازله عن الحكم الصادر لمصلحته كان صادرا عن إرادة حرة؛ لأن التنازل المشار إليه لم يكن كذلك، بل كان وليد إكراه، ومن ثم فهو لم يساهم في خطأ جهة الإدارة، كما أن ركن الضرر قد تحقق نتيجة تصرف المطعون ضده، حيث تمثلت الأضرار الأدبية في عدم تنفيذ الحكم الصادر لمصلحته، وعدم تعديل أقدميته، وعدم ترقيته مثل زملائه، وتمثلت الأضرار المادية في حرمانه من مزايا مالية كثيرة، مثل عدم تدرج مرتبه مثل زملائه، وعدم منحه علاوة الخبرة، وعدم منحه علاوات الترقية في مواعيدها مثل زملائه، وكذا العلاوات الدورية، وهو ما يقتضي إلغاء هذا الشق من الحكم.

وخلص الطاعن مما تقدم إلى طلب الحكم له بطلباته المبينة آنفا.

- ولم يرتض المدعى عليه (المطعون ضده في الطعن الأول والطاعن بصفته في الطعن الثاني) هذا الحكم فيما قضى به من إلغاء قرار الجهاز السلبي بالامتناع عن تنفيذ الحكم رقم 4583 لسنة 49ق الصادر لمصلحة المطعون ضده، فطعن عليه بالطعن رقم 31521 لسنة 54ق.عليا، تأسيسا على أن الحكم المطعون عليه -في هذا الشق من قضائه- قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله وشابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، وذلك على سند من القول بأنه طبقا لقانون المرافعات فإن النزول عن الحكم يستتبع النزول عن الحق الثابت به، وذلك بما يؤدي إلى زوال هذا الحق وانقضائه، ومن ثم امتناع المطالبة به مستقبلا، والثابت من الأوراق أن المطعون ضده قد تنازل عن حقه في تنفيذ الحكم الصادر لمصلحته في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق في تنازل موثق بالشهر العقاري، وهو ما أقر به الحكم الطعين في حيثياته، ولا يغير منه ما زعمه المطعون ضده من أن هذا التنازل صدر عنه نتيجة إكراه؛ لأنه لا يزيد عن كونه قولا مرسلا لا دليل عليه، ولا يغير من حقيقة الأمر شيئا، فضلا عن أنه لا يقبل أن يأتي بعد سبع سنوات ويزعم وجود هذا الإكراه، فهو زعم غير مقبول، سواء من الناحية القانونية أو المنطقية، ومن ثم وإذ تجاهل الحكم الطعين كل ذلك فإنه يكون قد خالف صحيح حكم القانون وجاء مشوبا بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، خاصة أن المحكمة الإدارية العليا لم تتعرض للتنازل المشار إليه من قريب أو بعيد بمناسبة تصديها للطعن الذي تمت إقامته على الحكم المشار إليه وحكمت برفضه موضوعا. وخلص الطاعن (بصفته) إلى طلب الحكم له بطلباته المبينة آنفا.

وحيث إنه من المسلم به في القانون الخاص أن التنازل عن الحكم جائز، فالخصومة ملك للخصوم، وأن حجية الحكم نسبية، وتنفيذ الحكم يعتمد أساسا على إرادة الخصم الذي صدر لمصلحته الحكم، فإذا ما قرر التنازل عنه فإن ذلك أمر مشروع تماما، مما يفقد الحكم فاعليته.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة وكذا إفتاء الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة قد جريا على مشروعية التنازل عن الأحكام الصادرة في دعاوى التسوية، إذ إنه ليس هناك ما يمنع من تطبيق قواعد قانون المرافعات التي تجيز تنازل الخصم عن الحكم الصادر لمصلحته، وأن هذا المبدأ يطبق على الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري في دعاوى التسوية؛ لأن التنازل هنا يرد على حق شخصي.

وحيث إن المادة (145) من قانون المرافعات المدنية والتجارية تنص على أن "النزول عن الحكم يستتبع النزول عن الحق الثابت به".

ومؤدى هذا النص أن تنازل الخصم عن الحكم الصادر له يترتب عليه انقضاء الخصومة التي صدر فيها، كما يمتنع على المتنازل عن الحكم تجديد المطالبة بالحق الذي رفعت به الدعوى؛ لأن الحكم كقاعدة عامة من شأنه أن يبين حقوق الخصوم التي كانت لهم قبل رفع الدعوى.

وحيث إن القاعدة العامة هي نهائية التنازل في القانون الإداري، وعدم جواز العدول (الرجوع) عن التنازل مادام قد تم صحيحا، فمتى قام المدعي بالتنازل عن حكم صادر لمصلحته بتسوية حالته، أو بإلغاء قرار إداري بتخطيه في الترقية، وأخذت الجهة الإدارية في اعتبارها هذا التنازل وعاملته على أساسه، فإنه لا يجوز للمدعي بعد ذلك أن يتنصل منه على أي وجه من الوجوه، مادام قد صدر صحيحا، والتنازل عن الحكم -أو شيء منه- ينشئ دفعا بعدم قبول الدعوى التي يعاد رفعها عن الموضوع نفسه، والدفع في هذه الحالة بعدم القبول لسبق التنازل عن الحكم هو من النظام العام، فتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.

وحيث إنه لما كان ما تقدم، وكان الثابت من الأوراق (حافظة مستندات الجهة الإدارية المقدمة أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة بجلسة 3/3/2010) أن المدعي (الطاعن في الطعن الأول والمطعون ضده في الطعن الثاني) قد أقر في إقرار موثق بالشهر العقاري بتاريخ 26/6/1996 بالتنازل عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحته في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق. بجلسة 22/4/1996، وكذا التنازل عن التظلم المقدم منه بتاريخ 19/6/1996 برقم 44 لسنة 1996 المتضمن مطالبته بتدرجه الوظيفي بناء على ذلك الحكم، وهو تنازل قانوني رسمي توفرت فيه جميع الشروط القانونية اللازمة للأخذ به والاعتداد بما تضمنه وإعمال مقتضاه قانونا، ومن ثم فإن هذا التنازل يستتبع –حتما- وطبقا لمقتضى نص المادة (145) من قانون المرافعات المشار إليها تنازل المدعي عن الحق الثابت له بموجب هذا الحكم، بما مؤداه انقضاء الخصومة التي صدر فيها، وكذا يمتنع عليه (المدعي المتنازل عن هذا الحكم) تجديد المطالبة بالحق الذي ثبت له بمقتضى ذلك الحكم، وما ترتب عليه من آثار ناشئة عنه أو مرتبطة به بحكم اللزوم الحتمي.

ولا ينال من ذلك ولا يغيره ما أورده المدعي في صحيفة دعواه من أن التنازل المشار إليه تم تحت إكراه، لأنه لا يزيد عن كونه مجرد قول مرسل خلت الأوراق من دليل يظاهره بأي شكل من الأشكال، كما لا ينال منه أو يغيره ما أورده الطاعن من أن التنازل المشار إليه قدم أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا أثناء نظرها للطعن الذي أقامته الجهة الإدارية على الحكم الصادر لمصلحته (المشار إليه)؛ لأن هذا القول مردود بأن المحكمة الإدارية العليا لم تتعرض للتنازل المشار إليه بحكم صريح، بل إنها لم تشر إلى هذا التنازل ولم تتناوله بأية إشارة من قريب أو بعيد، وليس معنى صدور حكمها في الطعن برفضه -والحال هذه- أنها أهدرت هذا التنازل بأي شكل من الأشكال، خاصة أن القاعدة العامة هي نهائية التنازل في القانون الإداري، وعدم جواز العدول عنه أو الرجوع فيه، مادام قد تم صحيحا.

وحيث إن المدعي (الطاعن في الطعن الأول والمطعون ضده في الطعن الثاني) قد أقام دعواه المطعون على الحكم الصادر فيها بالطعنين الماثلين، طالبا الحكم بقبولها شكلا وبإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري الصادر لمصلحته في الدعوى رقم 4583 لسنة 49 القضائية، وإلغاء قرارات رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المشار إليها، والمرتبطة جميعها بالحكم الصادر لمصلحته المشار إليه، والمترتبة عليه والتي تعد تنفيذا له وإعمالا لمقتضاه، وهو الحكم الذي سبق له التنازل عنه بتاريخ 26/6/1996 تنازلا قانونيا سليما موثقا في الشهر العقاري؛ فمن ثم تكون هذه الدعوى غير مقبولة؛ لسابقة التنازل عن الحقوق المطالب بها بهذه الدعوى بمقتضى تنازله عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحته في الدعوى رقم 4583 لسنة 49ق وعن التظلم المقدم منه بهذا الصدد على النحو المبين آنفا، وهو ما يتعين معه القضاء بعدم قبول تلك الدعوى؛ لسابقة التنازل عن الحقوق المطالب بها، وهو ما تقضي به المحكمة.

وحيث إن الحكم المطعون عليه قد خالف هذا النظر، فإنه يكون قد خالف صحيح حكم القانون، جديرا بالقضاء بإلغائه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وهو ما تقضي به المحكمة، مع القضاء مجددا بعدم قبول الدعوى لسابقة التنازل عن الحقوق المطالب بها على النحو المبين بالأسباب.

وحيث إنه لما كان ذلك، وترتيبا عليه يضحى الطعن الأول رقم 31133 لسنة 54 القضائية (عليا) غير قائم على سند صحيح من الواقع والقانون، جديرا بالقضاء برفضه، وهو ما تقضي به المحكمة، ويضحى معه الطعن الثاني رقم 31521 لسنة 54 القضائية (عليا) قائما على أسبابه الصحيحة من الواقع والقانون، جديرا بالقضاء بقبوله موضوعا، وهو ما تقضي به المحكمة.

وحيث إن من يخسر الطعن يلزم مصروفاته عملا بحكم المادة (184) من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعنين شكلا، وفي الموضوع برفض الطعن رقم 31133 لسنة 54 القضائية (عليا)، وقبول الطعن رقم 31521 لسنة 54ق.عليا موضوعا، وبإلغاء الحكم المطعون عليه، والقضاء مجددا بعدم قبول الدعوى لسابقة التنازل عن الحقوق المطالب بها، على النحو المبين بالأسباب، وألزمت الطاعن في الطعن الأول المصروفات عن درجتي التقاضي.

الطعن 23529 لسنة 57 ق جلسة 4 / 9 / 2016 إدارية عليا مكتب فني 61 ج 2 ق 115 ص 1572

جلسة 4 من سبتمبر سنة 2016
الطعن رقم 23529 لسنة 57 القضائية (عليا)
(الدائرة الثالثة)
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ يحيى خضري نوبي محمد نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ أحمد منصور محمد منصور، وأحمد عبد الراضي محمد، وجمال يوسف زكي علي، ومحمد محمد السعيد محمد. نواب رئيس مجلس الدولة
---------------
(أ‌) دعوى:
الخصوم في الطعن- الخصومة فى الطعن تقوم بين من كانوا خصوما في النزاع الذي فُصِل فيه، فيُقبل الطعن ممن كان طرفا في الخصومة التي صدر فيها الحكم المطعون فيه، وبصفته التي كان متصفا بها- إذا كان الحكم المطعون فيه قد قضى خطأً بعدم قبول الدعوى شكلا بالنسبة لأحد الخصوم لانتفاء صفته، في حين أنه ذو صفة في الخصومة، فإنه يكون صاحب صفة في الدعوى، ويكون الحكم المطعون فيه مخالفا للقانون فيما قضى به من عدم قبولها في مواجهته، ومن ثم يكون اختصامه في الطعن المقام على هذا الحكم مقبولا- الصفة في الدعوى تتعلق بالنظام العام.

(ب‌) دستور:
مرتبة النصوص الدستورية، ومدى جواز إعمالها بذاتها- الأصل في نصوص الدستور أنها تمثل القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، وتقرر الحريات والحقوق العامة، وترتب الضمانات الأساسية لحمايتها، وتحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها، وتضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، بما يحول دون تدخل أي منها في أعمال السلطة الأخرى أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التي ناطها الدستور بها- هذه النصوص (باعتبارها كذلك) تتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين احترامها والعمل بموجبها؛ باعتبارها أسمى القواعد الآمرة وأحقها بالنزول على أحكامها- إذا ما أورد الدستور نصا صالحا بذاته للإعمال دون حاجة إلى تدخل من المشرع، تعين إعمال نص الدستور من يوم العمل به، ويعد الحكم المخالف له في تشريع أدنى قد نُسِخ ضمنا بقوة نفاذ الدستور.

(ج‌) مناجم ومحاجر:
مدة الاستغلال- طبقا لأحكام القانون رقم 86 لسنة 1956 الخاص بالمناجم والمحاجر (الملغى لاحقا) فإن عقد الاستغلال للمعادن إما أن يصدر في المساحات التي يتبين لمصلحة المناجم والمحاجر وجود المعدن فيها بكميات تسمح باستغلاله، وإما أن يكون عقد استغلال المعدن في مساحة معينة يسبقه ترخيص في البحث عن ذلك المعدن في تلك المساحة، على أن يثبت المرخص له في البحث وجود الخام الممكن تشغيله- يكون المرخص له في الحالة الثانية هو المنوط به إثبات وجود الخام الممكن تشغيله، وليست مصلحة المناجم والمحاجر- جعل القانون المذكور الحد الأقصى لمدة عقد استغلال المنجم بقرار من الوزير المختص هو ثلاثون عاما، وكان له تجديد العقد لمدة مماثلة، وكان التجديد لأي مدة أخرى تزيد على الحد الأقصى المذكور بقانون- ألزم ذلك القانون الجهة الإدارية الموافقة على طلب المستغل (في الحالة الثانية) تجديد عقد الاستغلال لمدة ثلاثين سنة بمجرد تقديمه في المواعيد التي حددها، وذلك إذا ما اتضح لها أن المستغل قائم بالتزاماته، حيث تقتصر سلطة الجهة الإدارية على بحث ما إذا كان طلب التجديد مقدما في الميعاد القانوني، وكذا بحث ما إذا كان المستغل طالب التجديد قائما بالتزاماته من عدمه، فإذا توفر هذان الشرطان كانت ملزمة بالتجديد للمدة التي حددها المستغل، بشرط ألا تجاوز 30 عاما، ولم تكن لها سلطة تخفيض مدة التجديد متى كان المستغل لم يتجاوز في طلب التجديد حدود الحد الأقصى.

جعل الدستور الحالي المعمول به من تاريخ 18/1/2014 في مادته الثانية والثلاثين الحد الأقصى لمنح حق استغلال المحاجر والمناجم الصغيرة بناء على قانون لمدة لا تتجاوز خمسة عشر عاما، وهذه المادة صالحة للإعمال بذاتها فيما يتعلق بمدة عقود استغلال المناجم والمحاجر، دون حاجة إلى سن تشريع بها- ترتيبا على ذلك فإنه بدءا من تاريخ العمل بهذا الدستور لا يجوز إبرام عقود استغلال المناجم والمحاجر لمدة تتجاوز خمسة عشر عاما، وما زاد على هذه المدة يكون بقانون؛ إعمالا للأثر المباشر لنص هذه المادة التي ألغت ما يخالفها من أحكام القانون رقم 86 لسنة 1956 الخاص بالمناجم والمحاجر (الملغى لاحقا).

حمايةً للمراكز القانونية التي نشأت في ظل القانون السابق رقم 86 لسنة 1956 وعدم المساس بالحقوق المكتسبة؛ قرر المشرع في قانون الثروة المعدنية (المعمول بأحكامه من 10/12/2014، والذي حل محل القانون المشار إليه) استمرار تراخيص المناجم والمحاجر والملاحات الصادرة قبل العمل به، وأن تبقى الأحكام الواردة فيها نافذة، على أن تطبق الأحكام الخاصة بقيمة الإيجار السنوي والإتاوة ورسوم تراخيص البحث والاستغلال الواردة في هذا القانون على تلك التراخيص عند تجديد مدتها.

- المادة (32) من دستور 2014.

- المواد (16) و(17) و(18) من القانون رقم 86 لسنة 1956 الخاص بالمناجم والمحاجر (الملغى لاحقا بموجب القانون رقم 198 لسنة 2014).
- المادتان (3 إصدار) و(22) من قانون الثروة المعدنية، الصادر بالقرار بقانون رقم 198 لسنة 2014.
------------
الوقائع
في يوم الأحد الموافق 10/4/2011 أودع وكيل الشركة الطاعنة قلم كتاب المحكمة تقرير الطعن الماثل، حيث قيد بجدولها برقم 23529 لسنة 57ق. عليا، طعنا فى الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري (دائرة العقود) بجلسة 22/2/2011 في الدعوى رقم 59540 لسنة 62ق، الذي قضى: (أولا) بعدم قبول الدعوى شكلا لرفعها على غير ذى صفة بالنسبة للمدعى عليهما الأول والثاني (المطعون ضدهما الأول والثانى)، (ثانيا) بقبول الدعوى شكلا ورفضها موضوعا وإلزام الشركة المدعية المصروفات.

وطلبت الشركة الطاعنة الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بإلغاء القرار الصادر بتجديد عقدي الاستغلال رقمي 1331 و1336 المبرمين للشركة الطاعنة لمدة عشر سنوات، وإلزام الهيئة المطعون ضدها تجديد هذين العقدين لمدة ثلاثين سنة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجهة الإدارية المطعون ضدها المصروفات.

وأعلن تقرير الطعن علي الوجه الثابت بالأوراق. وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا وإلزام الشركة الطاعنة المصروفات.

ونظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وبجلسة 6/4/2016 قررت إحالته إلى هذه المحكمة لنظره بجلسة 3/5/2016 حيث نظرته بهذه الجلسة وما تلاها من جلسات على النحو الثابت بالمحاضر، وبجلسة 24/5/2016 قررت المحكمة حجز الطعن للحكم بجلسة 2/8/2016 وبها تم مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم، وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
-------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة.

حيث إن عناصر المنازعة تخلص –حسبما يبين من الأوراق ومن الحكم المطعون فيه- في أنه بتاريخ 6/9/2008 أقامت الشركة الطاعنة الدعوى رقم 59540 لسنة 62ق أمام محكمة القضاء الإداري، بطلب الحكم بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بعدم الاعتداد بالقرار الصادر عن وزير البترول بصفته المتضمن تجديد عقدى الاستغلال رقمي 1331 و1336 المبرمين للشركة الطاعنة لمدة عشر سنوات، وإلزام الجهة مصدرة القرار تجديد هذين العقدين لمدة ثلاثين سنة من تاريخ 22/4/2008 (تاريخ تحرير وتسلم العقود من هذه الجهة)، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات، وذلك على سند من أن الشركة محرر لها عقد الاستغلال رقم 1331 لمدة عشر سنوات بدءا من 23/6/1997 بإيجار سنوي 400 جنيه، ومساحة الاستغلال 80 هكتارا، بقطعة الأرض الكائنة طرف البيان بالصحراء الشرقية، وعقد الاستغلال رقم 1336 لمدة عشر سنوات بدءا من 29/7/1997 بإيجار سنوي 270 جنيها، ومساحة الاستغلال 54 هكتارا، بقطعة الأرض الكائنة طرف البيان بالصحراء الشرقية، مع الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، للبحث والحفر والتعدين لاستخراج خامات عروق الفسبار والميكا والكوارتز، وقد أوفت الشركة بكل التزاماتها فيما يتعلق بالأعمال الموكلة إليها وسداد الرسوم المالية وخلافه، وبتاريخ 22/12/2006 تقدمت الشركة في الميعاد القانوني بطلب تجديد العقدين لمدة ثلاثين سنة طبقا لحكم المادة 18 من القانون رقم 86 لسنة 1956، إلا أن الجهة الإدارية أصدرت قرارها المطعون فيه بتاريخ 22/4/2008 بتجديد العقدين لمدة عشر سنوات بالمخالفة للمادة 18 المذكورة، وقد أصدرت لجنة التوفيق في بعض المنازعات توصيتها في الطلب رقم 254 لسنة 2008 بجلسة 15/7/2008 بعدم قبول الطلب المقدم من الشركة، مما حداها على إقامة دعواها بالطلبات المبينة آنفا.

وبجلسة 22/2/2011 صدر الحكم المطعون فيه قاضيا: (أولا) بعدم قبول الدعوى شكلا لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للمدعى عليهما الأول والثاني (المطعون ضدهما الأول والثانى)، (ثانيا) بقبول الدعوى شكلا ورفضها موضوعا.

وأقامت المحكمة قضاءها بعدم قبول الدعوى شكلا لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للمدعى عليهما الأول والثانى (المطعون ضدهما الأول والثاني) على أساس أن صاحب الصفة هو رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية؛ بحسبان أن عقدي الاستغلال صدرا عن هذه الهيئة.

وأقامت المحكمة قضاءها برفض الدعوى -بعد أن استعرضت نص المادة 18 من القانون رقم 86 لسنة 1956 بشأن المناجم والمحاجر وخامات الوقود، والبند السادس من عقدي الاستغلال محل التداعي- على سند من أنه إذا قدرت الجهة الإدارية وهي بصدد تجديد العقد، وفق سلطتها التقديرية، وفي ضوء الظروف والملابسات المحيطة، أن ظروف المنطقة لا تسمح بتجديد العقد لكل المدة التي يطلبها المستغل، كان لها إنقاص مدة التجديد عن الثلاثين عاما إلى الحد الذي تقدره في ضوء وزنها للظروف، وضمانا لحسن استغلال المناجم والمحاجر لتحقيق المصلحة العامة، وهي تخضع في ذلك لرقابة القضاء الإداري.

ولما كان الثابت من الأوراق أن الشركة متعاقدة مع الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية بعقدي استغلال معادن رقمي 1331 و1336 لمدة عشر سنوات، وبتاريخ 12/12/2006 تم عرض طلب التجديد على اللجنة المختصة، فأوصت بالموافقة على التجديد لمدة عشر سنوات أخرى، ووافق مجلس إدارة الهيئة باجتماعه رقم (4) لسنة 2007 المنعقد بتاريخ 9/5/2007 على توصيات اللجنة بتجديد عقدي الاستغلال لمدة عشر سنوات أخرى، ثم أصدرت الهيئة المدعى عليها قرارا بتشكيل لجنة فنية لمعاينة موقعي عقدي الاستغلال محل التداعي وعمل حصر وتقييم ظاهرى لكمية الخام الموجودة بموقعي العقدين ومقارنته بالتقارير المرسلة من الشركة المستغلة إلى الإدارة العامة للتراخيص والتفتيش وتقرير مفتشي المناجم التابع لها الموقعان محلا العقدين، وتحديد الفترة الزمنية لاستخراج الكمية الموجودة من الخام، واجتمعت اللجنة المذكورة في 5، 6، 7/2/2008 وقدمت تقريرا بنتيجة عملها أثبتت فيه -في ضوء العمل الحقلي ومراجعة التقارير المقدمة من الشركة المدعية، ومراجعة تقارير المرور الشهرية لمفتشي المناجم التابع لهم الموقعان محلا العقدين محل الاستغلال، وبمعاينة المنجمين وحصر الكميات الموجودة من الخام بالموقعين- أنه بالنسبة للعقد رقم 1331 فإن الفترة الزمنية لاستخراج الكمية الموجودة به من الخام تقدر بعشر سنوات، وبالنسبة للعقد رقم 1336 فإن الفترة الزمنية لاستخراج الكمية الموجودة به من الخام تقدر بخمس عشرة سنة، وفي ضوء ذلك أصدر رئيس مجلس الإدارة قرارا بالموافقة على تجديد العقدين لمدة عشر سنوات أخرى لكل منهما، ومن ثم يكون قرار الهيئة المدعى عليها بالتجديد لهذه المدة على وفق ما قدرته، ولم تجب الشركة لطلب التجديد لمدة ثلاثين عاما، في ضوء أن كمية احتياطي الخام بالموقعين محلي العقدين لا تكفي للمدة المطلوبة على نحو ما سلف بيانه، فيكون القرار المطعون فيه قد قام على سنده الصحيح، وفي حدود سلطة الهيئة المدعى عليها، وخلت الأوراق مما يفيد تعسفها أو إساءتها استعمال السلطة.

- وحيث إنه فيما يتعلق بشكل الطعن فإن من المقرر أن الخصومة فى الطعن تقوم بين من كانوا خصوما في النزاع الذي فصل فيه، فيقبل الطعن ممن كان طرفا في الخصومة التي صدر فيها الحكم المطعون فيه، وبصفته التى كان متصفا بها، وقد قضى الحكم المطعون فيه بعدم قبول الدعوى شكلا لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للمدعى عليهما الأول –وزير البترول بصفته- والثاني -وكيل أول وزارة البترول لشئون التعدين- (المطعون ضدهما الأول والثاني)، مما مؤداه إخراجهما من الطعن، إلا أنه لما كانت الصفة في الدعوى من النظام العام، وكان كل من العقدين محل التداعي صادرا عن الوزير، وأن قانون المناجم والمحاجر رقم 86 لسنة 1956 عهد إلى الوزير المختص سلطة تجديد العقد، وكان وزير البترول والثروة المعدنية هو الوزير المختص الذي تتبعه الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، فإنه يكون صاحب صفة في الدعوى، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه مخالفا للقانون فيما قضى به من عدم قبولها في مواجهته، ومن ثم يكون اختصامه في الطعن مقبولا. أما وكيل أول وزارة البترول لشئون التعدين فإنه لا صفة له في تمثيل وزارة البترول والثروة المعدنية، مما يكون اختصامه في الطعن غير مقبول.

وحيث إن الطعن فيما عدا ما تقدم قد استوفى أوضاعه الشكلية.

- وحيث إن الطعن أقيم على سببين، تنعى الشركة الطاعنة بالسبب الأول على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله، وبيانا لذلك تقول إن المشرع عندما أعطى المستغل في عقد استغلال المناجم طبقا لنص المادة (18) من القانون رقم 86 لسنة 1956 الحق في تحديد المدة التي يجدد لها العقد دون أن يمنح هذا الحق للمستغل في تجديد عقد استغلال المحاجر، على وفق نص المادة (26) من هذا القانون، فإنه يكون قد ألزم جهة الإدارة ضرورة الموافقة على المدة التي يحددها المستغل بالنسبة لعقد استغلال المناجم، بشرط ألا تتجاوز ثلاثين سنة، ولكن إذا زاد على هذه المدة فإن السلطة التقديرية لجهة الإدارة تقف عند حد إنقاص هذه المدة إلى ثلاثين سنة، ومن ثم يكون قرار التجديد للعقدين محل التداعي لمدة عشر سنوات مخالفا لحكم المادة 18 من هذا القانون، والبند السادس من العقدين.

وحيث إن المادة (16) من القانون رقم 86 لسنة 1956 الخاص بالمناجم والمحاجر( ) نصت على أنه: "يشترط لإصدار عقد استغلال معدن ما في مساحة معينة أن يسبقه ترخيص في البحث عن ذلك المعدن في تلك المساحة، وأن يثبت المرخص له في البحث وجود الخام الممكن تشغيله. ويصدر عقد الاستغلال بالشروط المقررة في هذا القانون إلا في الأحوال التي يمكن فيها الترخيص في البحث بشروط خاصة طبقا للمادة (50)، وفي هذه الحالة يصدر عقد الاستغلال وفقا للشروط المرافقة لترخيص البحث".

ونصت المادة (17) منه على أنه: "استثناء من أحكام المادة السابقة يجوز إصدار عقد الاستغلال في المساحات التي يتبين لمصلحة المناجم والمحاجر وجود المعدن فيها بكميات تسمح باستغلاله. وتدرج مصلحة المناجم والمحاجر في سجل خاص كل ما هو معروف لها من هذه المساحات، ويباح الاطلاع على هذا السجل في كل وقت. ويطرح في مزايدة عامة ما ترى المصلحة طرحه منها وما يقدم عنه طلبات للاستغلال... وفي جميع الأحوال المتقدمة يصدر عقد الاستغلال بقرار من وزير التجارة والصناعة إلا في الأحوال التي يكون فيها الاستغلال بشروط خاصة طبقا للمادة (50)".

ونصت المادة (18) على أن: "يصدر عقد الاستغلال للمدة التي يحددها الطالب بحيث لا تجاوز ثلاثين عاما، ويجدد العقد للمدة التي يحددها المستغل بشرط ألا تجاوز مدة ثلاثين عاما أخرى مادام المستغل قائما بالتزاماته، على أن يتقدم بطلب التجديد قبل انتهاء مدة العقد بستة أشهر على الأقل، ويكون تجديد العقد بقرار من وزير التجارة والصناعة. ويجدد العقد بالشروط المنصوص عليها فيه، وعلى الأخص ما كان منها متعلقا بالإيجار، أما القواعد التنظيمية فتسري عليها القوانين واللوائح المعمول بها وقت التجديد. ويجوز بالاتفاق بين الوزارة والمستغل تجديد العقد بعد ذلك بالشروط التي يتفق عليها، وفي هذه الحالة يكون التجديد بقانون. ويجوز إلغاء العقد إذا أوقف الاستغلال لمدة ثلاث سنوات متتالية على الأقل ولم يقم المستغل من جانبه بالتغلب على الأسباب التي يحصل بمقتضاها على إعفائه من التزامات التشغيل على النحو المبين في اللائحة التنفيذية، أو إذا أوقف الاستغلال دون الحصول على هذا الإعفاء كتابة وذلك بناء على اقتراح مصلحة المناجم والمحاجر وموافقة وزير التجارة والصناعة"، وهو أيضا ما ردده البند السادس في كل من العقدين بنصه على أنه: "إذا تبين للوزير عند انقضاء أجل هذا العقد أن المستغل قد قام بجميع الالتزامات الواردة في هذا العقد، وكان المستغل قد أبلغ الوزارة كتابة قبل انقضاء مدة العقد بستة أشهر على الأقل برغبته في التجديد، يجدد هذا العقد لمدة لا تتجاوز ثلاثين سنة أخرى طبقا لأحكام المادة 18 من القانون رقم 86 لسنة 1956...".

وحيث إن البين مما تقدم أن المشرع جعل عقد الاستغلال للمعادن إما أن يصدر في المساحات التي يتبين لمصلحة المناجم والمحاجر وجود المعدن فيها بكميات تسمح باستغلاله، وإما أن يكون عقد استغلال المعدن في مساحة معينة يسبقه ترخيص في البحث عن ذلك المعدن في تلك المساحة، على أن يثبت المرخص له في البحث وجود الخام الممكن تشغيله، وفي الحالة الثانية يكون المرخص له هو المنوط به إثبات وجود الخام الممكن تشغيله، وليست مصلحة المناجم والمحاجر، والحد الأقصى لمدة عقد استغلال المنجم بقرار من الوزير المختص هو ثلاثون عاما، وله تجديد العقد لمدة مماثلة، أي إن الحد الأقصى شاملا مدد التجديد ستون سنة، ويكون التجديد بقانون لأي مدة أخرى تزيد على الحد الأقصى المذكور.

وقد ألزم المشرع الجهة الإدارية الموافقة على طلب المستغل بتجديد عقد الاستغلال لمدة ثلاثين سنة بمجرد تقديمه من المستغل في المواعيد التي حددها القانون، وذلك إذا ما اتضح لها أن المستغل قائم بالتزاماته، وتقتصر سلطة الجهة الإدارية على بحث ما إذا كان طلب التجديد مقدما في الميعاد القانوني، بأن يكون طلب التجديد مقدما قبل انتهاء مدة العقد بستة أشهر على الأقل، وكذا بحث ما إذا كان المستغل طالب التجديد قائما بالتزاماته من عدمه، فإذا توفر هذان الشرطان كانت ملزمة بالتجديد للمدة التي حددها المستغل، بشرط ألا تجاوز 30 عاما، وليست لها سلطة تخفيض مدة التجديد متى كان المستغل لم يتجاوز في طلب التجديد حدود الحد الأقصى.

وحيث إن الدستور الحالي المعمول به من تاريخ 18/1/2014 قد حرص على النص على أن موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب، تلتزم الدولة بالحفاظ عليها، وحسن استغلالها، وعدم استنزافها، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها، وتحقيقا لذلك جعل الحد الأقصى لمنح حق استغلال المحاجر والمناجم الصغيرة بناء على قانون لمدة لا تتجاوز خمسة عشر عاما، حيث تنص المادة (32) من الدستور على أن: "... ويكون منح حق استغلال الموارد الطبيعية أو التزام المرافق العامة بقانون، ولمدة لا تتجاوز ثلاثين عاما. ويكون منح حق استغلال المحاجر والمناجم الصغيرة والملاحات، أو منح التزام المرافق العامة، لمدة لا تتجاوز خمسة عشر عاما بناء على قانون".

وحيث إن الأصل فى نصوص الدستور أنها تمثل القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم فى الدولة، وتقرر الحريات والحقوق العامة، وترتب الضمانات الأساسية لحمايتها، وتحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها، وتضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، بما يحول دون تدخل أي منها فى أعمال السلطة الأخرى أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التي ناطها الدستور بها.

وهذه النصوص باعتبارها كذلك تتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين احترامها والعمل بموجبها؛ باعتبارها أسمى القواعد الآمرة وأحقها بالنزول على أحكامها، فإذا ما أورد الدستور نصا صالحا بذاته للإعمال دون حاجة إلى تدخل من المشرع، تعين إعمال نص الدستور من يوم العمل به، ويعد الحكم المخالف له في تشريع أدنى قد نسخ ضمنا بقوة نفاذ الدستور.

وترتيبا على ذلك فإنه لما كان نص المادة (32) من الدستور فيما يتعلق بمدة عقود استغلال المناجم والمحاجر صالحا للإعمال بذاته دون حاجة إلى سن تشريع، فإنه بدءا من 18/1/2014 (تاريخ العمل بالدستور) لا يجوز إبرام عقود استغلال المناجم والمحاجر لمدة تتجاوز خمسة عشر عاما، وما زاد على هذه المدة يكون بقانون؛ إعمالا للأثر المباشر لنص هذه المادة التي ألغت ما يخالفها من أحكام القانون رقم 86 لسنة 1956 الخاص بالمناجم والمحاجر.

وحيث إن المشرع تدخل بقانون جديد أعاد بموجبه تنظيم استغلال المناجم جاعلا الحد الأقصى لمدة ترخيص الاستغلال وتجديده الصادر بقرار من الوزير المختص بشئون الثروة المعدنية لمدة أو مدد لا يزيد مجموعها على خمسة عشر عاما، ويكون التجديد بقانون لأي مدة أخرى تزيد على الحد الأقصى المذكور؛ نزولا على إرادة المشرع الدستوري، حيث نصت المادة (22) من قانون الثروة المعدنية الصادر بالقرار بقانون رقم 198 لسنة 2014 (المعمول بأحكامه من 10/12/2014)، والذي حل محل القانون رقم 86 لسنة 1956 الخاص بالمناجم والمحاجر على أنه: "فيما عدا تراخيص الاستغلال التي تصدر بقانون، يصدر ترخيص الاستغلال وتجديده بقرار من الوزير المختص بعد موافقة مجلس إدارة الهيئة لمدة أو مدد لا يزيد مجموعها على خمسة عشر عاما، ويجوز تجديد الترخيص لمدة أخرى تزيد على ذلك على أن يصدر في هذه الحالة بقانون، وتنظم اللائحة التنفيذية إجراءات إصدار تراخيص الاستغلال".

وحيث إن المشرع حماية للمراكز القانونية التي نشأت في ظل القانون السابق رقم 86 لسنة 1956 وعدم المساس بالحقوق المكتسبة؛ قرر استمرار تراخيص المناجم والمحاجر والملاحات الصادرة قبل العمل بقانون الثروة المعدنية المشار إليه، فنص في المادة الثالثة من القرار بقانون رقم 198 لسنة 2014 بإصدار قانون الثروة المعدنية على أن: "تستمر تراخيص المناجم والمحاجر والملاحات الصادرة قبل العمل بالقانون المرافق سارية وتبقى الأحكام الواردة فيها نافذة. على أن تسري الأحكام الخاصة بقيمة الإيجار السنوي والإتاوة ورسوم تراخيص البحث والاستغلال الواردة في القانون المرافق على تلك التراخيص عند تجديد مدتها. ويجوز للهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية وللمحافظات المعنية بحسب الأحوال دعوة المرخص لهم للتفاوض والاتفاق على تطبيق مقدار القيمة الإيجارية والإتاوة ورسوم تراخيص البحث والاستغلال المنصوص عليها في القانون المرافق على التراخيص التي صدرت لهم".

وحيث إنه لما كان ما تقدم، وكان طلب تجديد عقدي الاستغلال محلي التداعي مقدما في عام 2007، أي قبل العمل بالدستور الحالي، المعمول بأحكامه من 18/1/2014، وقبل العمل بالقانون الجديد الصادر بالقرار بقانون رقم 198 لسنة 2014، المعمول بأحكامه من 10/12/2014، فمن ثم يكون طلب التجديد قد قدم في ظل القانون السابق رقم 86 لسنة 1956، ويستمر العمل بمدته في ظل القانون الحالى.

ولما كان الثابت من الأوراق أن ترخيص البحث رقم 2672 الصادر استنادا إليه عقدا استغلال المعادن رقما 1331 و1336 الممنوحان للشركة الطاعنة، مؤداه أن ترخيص استغلال المعدن في المساحة الواردة بهذين العقدين سبقه ترخيص في البحث عن المعدن محل الترخيص في تلك المساحة، وبذلك يكون المستغل المرخص له في البحث هو المنوط به إثبات وجود الخام الممكن تشغيله وليست مصلحة المناجم والمحاجر على وفق نص المادة 16 المذكورة آنفا، ومن ثم فإنه يمتنع على الهيئة العامة للثروة المعدنية تشكيل لجان لدراسة مدى كفاية الخام من المعدن للمدة المطلوب تجديد الترخيص عنها، وتقتصر سلطتها على بحث ما إذا كان طلب التجديد مقدما في الميعاد القانوني، بأن يكون مقدما قبل انتهاء مدة العقد بستة أشهر على الأقل، وكذا بحث ما إذا كان المستغل طالب التجديد قائما بالتزاماته من عدمه، فإذا توفر هذان الشرطان كانت ملزمة بالتجديد للمدة التي حددها المستغل، بشرط ألا تجاوز 30 عاما، وليست لها سلطة تخفيض مدة التجديد متى كان المستغل لم يتجاوز في طلب التجديد حدود الحد الأقصى.

لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن طلب تجديد العقدين محل التداعي قدم من الشركة الطاعنة لمدير عام الإدارة العامة للتراخيص والتفتيش بتاريخ 12/12/2006 في الميعاد القانوني، وتضمن الطلب تحديد مدة التجديد بثلاثين عاما، وأرفقت الشركة بالطلب التقارير عن كمية الاحتياطي الخام ومقدارها 600000 طن عن العقد رقم 1331 و322000 طن عن العقد رقم 1336، مما كان لازمه التجديد للمدة المحددة بثلاثين عاما، وإذ قامت الجهة الإدارية بتجديد كل عقد منهما لمدة عشر سنوات، متدثرة في ذلك بعدم كفاية الاحتياطي من الخام، وهو أمر عهد به المشرع إلى المستغل متى كان قد سبق عقد الاستغلال ترخيص في البحث عن المعدن محل الترخيص في تلك المساحة كما هو الحال في هذين العقدين، فمن ثم يكون قرارها بالتجديد مخالفا لحكم المادة (18) من القانون رقم 86 لسنة 1956 والبند السادس من العقدين، مما يستوجب تعديل قرار التجديد للعقدين لتكون مدة التجديد في كل منهما ثلاثين عاما، تبدأ من تاريخ 23/6/2007 في العقد رقم 1331، ومن تاريخ 29/7/2007 في العقد رقم 1336.

وحيث إنه لما كان الحكم المطعون فيه لم يأخذ بهذا النظر، فإنه يتعين إلغاؤه، والقضاء مجددا في الدعوى بتعديل مدة التجديد في العقدين محل التداعي لتكون ثلاثين سنة بدلا من عشر سنوات.

وحيث إن من خسر الطعن يلزم مصروفاته.

فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الطعن شكلا؛ لرفعه على غير ذي صفة بالنسبة للمطعون ضده الثاني، وبقبوله شكلا فيما عدا ذلك، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وفى الدعوى رقم 59540 لسنة 62ق بقبولها شكلا، وفي الموضوع بتعديل مدة التجديد في العقدين محل التداعي لتكون ثلاثين سنة بدلا من عشر سنوات، تبدأ من تاريخ 23/6/2007 في العقد رقم 1331، ومن تاريخ 29/7/2007 في العقد رقم 1336، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات عن درجتي التقاضي.