الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 25 أبريل 2026

الطعن 7111 لسنة 82 ق جلسة 22 / 3 / 2023 مكتب فني 74 ق 57 ص 369

جلسة 22 من مارس سنة 2023
برئاسة السيد القاضي / إسماعيل عبد السميع "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة / سمير عبد المنعم، الدسوقي الخولي، خالد مدكور وطارق تميرك "نواب رئيـس المحكمة".
------------------
(57)
الطعن رقم 7111 لسنة 82 القضائية
عمل "عقد العمل: التزامات وسلطة صاحب العمل".
إلزام صاحب العمل بتحرير عقد عمل للعامل. مناطه. تضمنه الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد الوفاء به. تقاعسه عن ذلك. مؤداه. للعامل وحده الحق في إثبات علاقة العمل بكافة طرق الإثبات. تقدير أجره. المادتان 32، 36 ق العمل 12 لسنة 2003. اطراح الحكم المطعون فيه شهادة شاهدي الطاعنة بثبوت علاقة العمل بينها وبين المطعون ضدها استنادًا لتعارضها مع أقوال الطاعنة بشأن تحديد الأجر رغم أن الاختلاف في تحديد الأجر لا ينفي ثبوت علاقة العمل. فساد ومخالفة للقانون. علة ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤدى النص في المادتين ۳۲، ٣٦ من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ۲۰۰۳ أن المشرع ألزم صاحب العمل بتحرير عقد عمل للعامل يتضمن الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد الوفاء به، فإن تقاعس صاحب العمل عن الوفاء بهذا الالتزام كان للعامل وحده الحق في إثبات علاقة العمل بكافة شروطها بكافة طرق الإثبات بما فيها شهادة الشهود، ويكون تقدير أجره في هذه الحالة وفقًا للمنصوص عليه باتفاقية العمل الجماعي أو لائحة المنشأة، فإن لم تتضمن اللائحة أو الاتفاقية تحديدًا للأجر تم تقديره بأجر المثل إن وجد، وإلا قدر طبقًا لعرف المهنة فإن لم يوجد عرف تولت المحكمة تقديره وبما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور المقررة بمعرفة المجلس القومي للأجور؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من شهادة شاهدي الطاعنة أمام محكمة أول درجة أنها التحقت بالعمل بأجر تدرج من ۲۸۰ جنيهًا شهريًا إلى ٧٥٠ جنيهاً إلى ١٠٤٠ جنيهًا، وأنها استمرت في العمل حتى اضطرت لتركه في سنة ۲۰۰۹ بسبب رفض المطعون ضدها التأمين عليها، وإذ أطرح الحكم المطعون فيه الدليل المستمد من شهادة هذين الشاهدين بشأن ثبوت علاقة العمل بين الطاعنة والمطعون ضدها المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 بمقولة تعارضها مع أقوال الطاعنة بشأن تحديد الأجر، رغم أن الاختلاف في تحديد الأجر لا يكفي لإطراح الدليل المستمد من هذه الشهادة بشأن ثبوت علاقة العمل، إذ إن المشرع تولى بيان كيفية تحديد الأجر في حالة عدم وجود عقد عمل مكتوب على نحو ما سلف، فإنه يكون فضلًا عما شابه من فساد في الاستدلال قد خالف القانون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع -على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق- تتحصل في أن الطاعنة وبعد أن تعذر على مكتب العمل المختص تسوية النزاع بينها وبين المطعون ضدها - شركة .... للملابس الجاهزة - أقامت عليها الدعوى رقم .... لسنة ۲۰۰۹ عمال الإسكندرية الابتدائية انتهت فيها إلى طلب الحكم بإلزام المطعون ضدها أن تحرر عقد عمل لها عن مدة عملها لديها المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 وإعادتها إلى عملها وصرف ما لم يصرف لها من مستحقات وأن تؤدي إليها تعويضًا جابرًا للأضرار الناجمة عن فصلها من العمل والمقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة والاشتراك عنها بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تأسيسًا على أنها التحقت بالعمل لديها اعتبارًا من 1/11/2004 بأجر مقداره (٧٥۰ جنيهًا) شهريًا، واستمرت في العمل حتى اضطرت لتركه في 15/7/2009 بسبب رفض المطعون ضدها تحرير عقد عمل لها والاشتراك عنها بالتأمينات الاجتماعية، ومن ثم فقد أقامت الدعوى بطلباتها سالفة البيان، أحالت المحكمة الدعوى إلى التحقيق، وبعد أن استمعت إلى شاهدي الطاعنة وشاهدي المطعون ضدها حكمت بتاريخ 27/2/2011 بإلزام المطعون ضدها بتحرير عقد عمل للطاعنة عن مدة عملها لديها من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 والاشتراك عنها في التأمين الاجتماعي، وأن تؤدي إليها مبلغ (٢٦٢٥ جنيهًا) المقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة ورفضت ما عدا ذلك من طلبات. استأنفت المطعون ضدها هذا الحكم بالاستئناف رقم .... لسنة ٦٧ ق الإسكندرية، كما استأنفته الطاعنة أمام ذات المحكمة بالاستئناف رقم .... لسنة ٦٧ ق، وبعد أن ضمت المحكمة الاستئنافين حكمت بتاريخ 29/2/2012 بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى. طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، عُرض الطعن على هذه المحكمة - في غرفة المشورة - فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والفساد في الاستدلال، إذ قضى برفض دعواها بمقولة عدم اطمئنان المحكمة لشهادة شاهديها لتناقض هذه الشهادة مع أقوالها بشأن الأجر الذي كانت تتقاضاه، رغم أن شهادة شاهديها لا يوجد ثمة تعارض بينها وبين أقوالها بشأن واقعة ثبوت علاقة العمل المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 لدى الشركة المطعون ضدها، وأيضًا بشأن واقعة سبب إنهاء الخدمة التي تمثلت في رفض المطعون ضدها تحرير عقد عمل لها والاشتراك عنها في التأمين الاجتماعي، وهو ما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن النص في المادة (۳۲) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ۲۰۰۳ على أن "يلتزم صاحب العمل بتحرير عقد العمل كتابة باللغة العربية من ثلاث نسخ، يحتفظ صاحب العمل بواحدة ويسلم نسخة للعامل وتودع الثالثة مكتب التأمينات الاجتماعية المختص. ويجب أن يتضمن العقد على الأخص البيانات الآتية: (أ) ... (ب)... (ج) ... (د) الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد أدائه ... وإذا لم يوجد عقد مكتوب، للعامل وحده إثبات حقوقه بكافة طرق الإثبات ..."، والنص في المادة (٣٦) من ذات القانون على أن "يحدد الأجر وفقًا لعقد العمل الفردي أو اتفاقية العمل الجماعي أو لائحة المنشأة، فإذا لم يحدد الأجر بأي من هذه الطرق استحق العامل أجر المثل إن وجد، وإلا قدر الأجر طبقًا لعرف المهنة في الجهة التي يؤدي فيها العمل، فإن لم يوجد عرف تولت المحكمة العمالية المنصوص عليها في المادة (٧١) من هذا القانون تقدير الأجر وفقًا لمقتضيات العدالة، وذلك كله مع مراعاة حكم المادتين (35،34) من هذا القانون." يدل على أن المشرع ألزم صاحب العمل بتحرير عقد عمل للعامل يتضمن الأجر المتفق عليه وطريقة وموعد الوفاء به، فإن تقاعس صاحب العمل عن الوفاء بهذا الالتزام كان للعامل وحده الحق في إثبات علاقة العمل بكافة شروطها بكافة طرق الإثبات بما فيها شهادة الشهود، ويكون تقدير أجره في هذه الحالة وفقًا للمنصوص عليه باتفاقية العمل الجماعي أو لائحة المنشأة، فإن لم تتضمن اللائحة أو الاتفاقية تحديدًا للأجر تم تقديره بأجر المثل إن وجد، وإلا قدر طبقًا لعرف المهنة، فإن لم يوجد عرف تولت المحكمة تقديره وبما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور المقررة بمعرفة المجلس القومي للأجور؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من شهادة شاهدي الطاعنة أمام محكمة أول درجة أنها التحقت بالعمل بأجر تدرج من ۲۸۰ جنيهًا شهريًا إلى ٧٥٠ جنيهًا إلى ١٠٤٠ جنيهًا، وأنها استمرت في العمل حتى اضطرت لتركه في سنة ۲۰۰۹ بسبب رفض المطعون ضدها التأمين عليها، وإذ أطرح الحكم المطعون فيه الدليل المستمد من شهادة هذين الشاهدين بشأن ثبوت علاقة العمل بين الطاعنة والمطعون ضدها المدة من 1/11/2004 حتى 15/7/2009 بمقولة تعارضها مع أقوال الطاعنة بشأن تحديد الأجر، رغم أن الاختلاف في تحديد الأجر لا يكفي لإطراح الدليل المستمد من هذه الشهادة بشأن ثبوت علاقة العمل، إذ إن المشرع تولى بيان كيفية تحديد الأجر في حالة عدم وجود عقد عمل مكتوب على نحو ما سلف، فإنه يكون فضلًا عما شابه من فساد في الاستدلال قد خالف القانون بما يوجب نقضه دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن، وإذ حجبه هذا الخطأ عن بحث موضوع استئناف الطاعنة، فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإحالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم الوصية لأحد الورثة من ذوي الهمم

تاريخ الفتوى: 26 ديسمبر 2013 م

رقم الفتوى: 5938

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: الوصية

السؤال:

ما حكم الوصية لوارثٍ من ذوي الهمم؟ وهو يعاني من إصابة تمنعه من الحركة.

الجواب:

لا مانع شرعًا مِن أن يوصي الإنسان بشيءٍ مِن ميراثه لذوي الهمم من ورثته، بل إنه يثاب شرعًا على هذه الوصية؛ لأنه بذلك يغنيهم عن سؤال الناس وانتظار إحسانهم.

الوصية: هي التَّبرُّع المضاف لِمَا بعد الموت. ومعنى كونه مضافًا لِمَا بعد الموت: أنَّ نفاذ هذا التبرع لا يكون إلَّا بعد موت المُوصِي، وهي جائزةٌ لغير الوارث اتفاقًا.

وفي جواز الوصية للوارث خلافٌ بين الفقهاء؛ بناء على تفسير الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه، عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه مرفوعًا، وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه وابن ماجه، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وأخرجه الإمام الدارقطني مِن حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا بلفظ: «لَا تَجُوزُ وصيةٌ لِوَارثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ» وحَسَّنَهُ الحافظ ابن حجر، كما أخرجه الدارقطني أيضًا مِن حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده رضي الله عنهما بلفظ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ».

ومجموع هذه الطرق والروايات وغيرها يقتضي أنَّ هذا الحديث صحيحٌ ثابتٌ.

والحديث يحتمل أكثر مِن معنى:

- فيحتمل أن الوصية للوارث باطلةٌ ولا تصح أصلًا، وبذلك قال المزني وداود الظاهري والتقي السبكي.

- ويحتمل أن إجازة الوصية للوارث موقوفةٌ على إذن الورثة، وبذلك قال جمهور العلماء، وحُكِيَ عليه الإجماع.

- ويحتمل أن معناه نفي وجوب التوصية لا نفي صحتها أو لزومها إذا صَدَرَت، وأن الوصية للوارث جائزةٌ وصحيحةٌ بِنَصِّ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوۡتُ إِنْ تَرَكَ خَيۡرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعۡرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، وهذا قول الإمام الهادي والناصر وأبي طالب وأبي العباس كما حكاه عنهم صاحب "البحر" مِن الهادوية؛ محتجين بأن نسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز.

وبهذا الرأي الأخير أخذ القانون المصري: فأجاز في مادته 37 بالقانون رقم 71 لسنة 1946م الوصية للوارث؛ فجاء فيها: [تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفذ مِن غير إجازة الورثة، وتصح بما زاد على الثلث ولا تنفذ الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي وكانوا من أهل التبرع عالمين بما يجيزونه] اهـ.

ومِن المعلوم أن حُكم الحاكم يرفع الخلاف، وأن لولي الأمر أن يتخير ما شاء مِن أقوال المجتهدين، والعمل به واجبٌ، والخروج عنه حرامٌ؛ لأنه مِن قبيل الافتيات على الإمام، فمَن أوصى لوارثٍ في الديار المصرية نفذت وصيته ووجب العمل بها لذلك.

وقد يَخصُّ الإنسانُ بعضَ مَن سيَصيرون ورثتَه أو غيرَهم بشيءٍ زائدٍ في التصرف حال الحياة أو الوصية بعد الوفاة لمعنًى صحيحٍ مُعتَبَرٍ شرعًا؛ كمُوَاسَاةٍ في حاجَةٍ، أو مَرَضٍ، أو بَلَاءٍ، أو إعاقةٍ، أو كَثرَةِ عِيَالٍ، أو لِضَمَانِ حَظِّ صِغَارٍ أو لمُكافأةٍ على بِرٍّ وإحسانٍ، أو لمَزيدِ حُبٍّ، أو لمُساعَدَةٍ على تَعليمٍ، أو زواجٍ، أو غيرِ ذلك، ولا يَكونُ بذلك مُرتكِبًا للجَور أو الحَيف؛ لِوُجُودِ عِلَّة التفضيل، وبهذا يُعَلَّلُ ما وُجِد مِن تفضيلِ بَعضِ الصحابةِ رضي الله تعالى عنهم لِنَفَرٍ مِن ورثتهم على نَفَرٍ آخَر، كما رُويَ ذلك عن أبي بَكرٍ وعائشة رضي الله تعالى عنهما وغيرِهما، وبهذا يُفهَم اختيارُ الجمهورِ لِاستِحبابِ المُسَاواةِ بين الأولادِ في العَطِيَّةِ وعَدَمِ قولِهم بالوجوب.

على أنه يُرَاعَى في الوصية المستحبة ألَّا تئُول إلى تضييع الورثة وتركهم فقراء؛ بل لا بُدَّ أن تُتَوَخَّى الموازنةُ بين الحقوق وجبر الخواطر؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع مِن وجعٍ أشفيتُ منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغَني ما ترى مِن الوجع، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلَّا ابنةٌ لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لَا»، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لَا»، ثم قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» متفقٌ عليه.

وقد روى سعيد بن منصور في "التفسير"، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال"، وأبو عبد الله الحسين المروزي في "البر والصلة" عن الإمام الشعبي أنه قال: "ما مِن مالٍ أعظم أجرًا مِن مالٍ يتركه الرجل لولده، يغنيهم به عن الناس".

وبناءً على ذلك: فإنه لا مانع شرعًا مِن أن يوصي الإنسان بشيءٍ مِن ميراثه لذوي الهمم من ورثته، بل إنه يثاب شرعًا على هذه الوصية؛ لأنه بذلك يغنيهم عن سؤال الناس وانتظار إحسانهم.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم إعطاء الزكاة والصدقات لذوي الهمم

تاريخ الفتوى: 31 أكتوبر 2005 م

رقم الفتوى: 7215

من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

التصنيف: الزكاة

السؤال:

ما حكم إعطاء الزكاة لذوي الهمم؟ وهل يجوز صرف الزكاة إلى الطفل أو الشاب المعاق من ذوي الهمم أو أنهما يُعطَيان من الصدقة لا من الزكاة الواجبة؟

الجواب:

الشخص الذي لا يجد ما يسدّ حاجته في نفقته أو نفقة مَن يعول من مأكلٍ وملبسٍ ومسكنٍ وعلاجٍ وتعليمٍ وغير ذلك، يجوز إعطاؤه من الزكاة حتى يصل إلى الكفاية في ذلك، والعبرة في ذلك بحال الشخص بغض النظر عن كونه طفلًا أو معاقًا أو يتيمًا؛ فإذا كان الشخص من الأصناف المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]، فإنَّه يُعطَى من الزكاة، وإن لم يكن داخلًا تحت واحد من هذه المصارف فلا يستحق لمجرّد كونه معاقًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم صرف الزكاة في تعليم وتأهيل ذوي الهمم

تاريخ الفتوى: 04 يونيو 2012 م

رقم الفتوى: 7043

من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

التصنيف: الزكاة

السؤال:

هل يجوز صرف أموال الزكاة في تعليم وتدريب وتأهيل ذوي الهمم من المكفوفين وضعاف البصر؟


الجواب:

يجوز شرعًا الإنفاق من أموال الزكاة على ذوي الهمم من أصحاب الاحتياجات الخاصة من المكفوفين وضعاف البصر في تعليمهم وتأهيلهم وتدريبهم على المهارات المختلفة التي يحتاجون إليها في حياتهم، وخاصة إذا كان الدخل المالي لهم لا يُغطي نفقات تعليمهم وتدريبهم؛ لدخول ذلك في مصارف الزكاة الشرعية، فإذا انضم إلى ذلك مراعاة حالتهم الخاصة التي لحقت بهم كان احتياجهم إلى تخصيص قدر أكبر من الزكاة في تدريبهم وتعليمهم ومزيد العناية والاهتمام أولى لهم ولمجتمعاتهم.


حكم الزكاة في الإسلام

الزكاة ركن من أركان الإسلام، نظم الشرع الشريف كيفية أدائها بتحديد مصارفها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]، والمقصود الأعظم من الزكاة: هم الفقراء والمساكين؛ ولذلك خصهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر في حديث معاذ رضي الله عنه في "الصحيحين" لمَّا أرسله إلى اليمن وقال له: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»؛ وهذا يعني أن الزكاة مشروعة لبناء الإنسان وكفاية حاجته، وما يتصل بأمور معيشته وحياته؛ كالزواج، والتعليم، وغير ذلك من ضروريات الحياة وحاجياتها؛ أي: أنها للإنسان قبل البنيان، وللساجد قبل المساجد.


حد العطاء من الزكاة في الإسلام، وأولى مصارفها

والمحققون من العلماء يرون أنَّ حد العطاء في الزكاة هو الإصلاح؛ فيجوز إعطاء الإنسان من الزكاة حتى تُخرِجه من حدّ الحاجة إلى حدّ الغنى، وعند الشافعية أنه يُعطَى ما يُغنيه عمرَه كلَّه بتقدير العمر الغالب لأمثاله؛ فإن كان صاحب حرفة أُعطِيَ من الآلات في حرفته ما يكفيه لتمام النفقة عليه وعلى عياله، وإن كان صاحب علم أُعطيَ من المال ما يُغنِيه وعيالَه ويُفَرِّغه لهذا العلم طيلةَ عمره من كُتُب وأُجرةِ تعلُّمٍ ومعلِّمٍ وغيرها، ومن ذلك مِنَحُ التفرغ التي تُعطَى لِمَن أراد الحصول على مؤهل علمي معين يناسب كفاءته العلمية وقدرته العقلية، أو حتى لمَن يحتاج إلى هذا المؤهل العلمي للانسلاك في وظيفة تُدِر عليه دخلًا يكفيه ومَن يعوله؛ حيث اقتضت طبيعة العصر وابتناء الوظائف وفرص العمل فيه على المؤهلات العلمية أن صار المؤهِّل بالنسبة له كالآلة بالنسبة للحِرفي علاوة على ما يكتسبه في ذلك من علم يفيده ويفيد أمته.. وهكذا.


وكلَّما زادت حاجة الإنسان زاد استحقاقُه من الزكاة؛ لأن ازدياد الرعاية يتناسب مع ازدياد الضعف طردًا وعكسًا؛ فالإنفاق على تعليم المكفوفين وضعاف البصر وتدريبهم وتأهيلهم له مدخلان في مصارف الزكاة:


أولهما مصرف الفقراء والمساكين؛ وذلك بإعدادهم وبنائهم بناءً يُغنيهم عن تكفف الناس، ويمكِّنهم من ممارسة حياتهم الطبعية التي تكفل انخراطهم في عجلة المجتمع وانسلاكهم في بنائه، وضمان دخولٍ ثابتة تكفيهم ومَن يعولون.


وثانيهما مصرف: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾؛ فإن هذا المصرف يدخل فيه الجهاد باللسان والسنان، والجهاد بالسنان يكون لصد العدوان ورفع الطغيان، أما باللسان فيكون بالدعوة إلى الله تعالى وطلب العلم، ومن العلماء مَن جعل الصرف على طلبة العلم داخلًا أيضًا في مصرف الفقراء والمساكين؛ حيث جعلوا من مصارف الزكاة كفايتَه ومَن يعول لتمكينه من التفرغ لطلب العلم؛ صرح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية.


أقوال الفقهاء في الإنفاق على طالب العلم من الزكاة

نقل العلّامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 340، ط. دار الفكر): عن "جامع الفتاوى" ما نصه: [وفي "المبسوط": لا يجوز دفع الزكاة إلى مَن يملك نصابًا إلا إلى طالب العلم والغازي ومنقطع الحج] اهـ.


ونقل الإمام النووي في "المجموع" (6/ 190، ط. دار الفكر) عن الأصحاب أنهم قالوا: [ولو قدر على كسب يليق بحاله إلا أنه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع من التحصيل حلَّت له الزكاة؛ لأن تحصيل العلم فرض كفاية] اهـ.

وقال الإمام البهوتي الحنبلي في "دقائق أولي النهى" (1/ 454، ط. عالم الكتب): [(وإن تفرغ قادرًا على التكسب للعلم) الشرعي، وإن لم يكن لازمًا له (وتعذر الجمع) بين العلم والتكسب (أُعْطِيَ) من الزكاة لحاجته] اهـ.

ونقل الإمام البهوتي أيضًا في "دقائق أولي النهى" (2/ 134): [أن الشيخ ابن تيمية سُئِل عمن ليس معه ما يشتري به كتبًا للعلم يشتغل فيها، فقال: يجوز أخذه منها ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها، ثم قال الإمام البهوتي: ولعل ذلك غير خارج عن الأصناف؛ لأن ذلك من جملة ما يحتاجه طالب العلم، فهو كنفقته] اهـ. بتصرف.

وهو مقتضى مذهب المالكية؛ قال الإمام الخرشي في "شرحه على مختصر خليل" (2/ 215، ط. دار الفكر): [جاز دفع الزكاة لقادرٍ على كسبِ ما يكفيه بصنعةٍ أو بغيرها لو تكلَّفَه؛ لوجود ما يحترف به بالموضع مع الرواج] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك: فإنه يجوز الإنفاق على ذوي الاحتياجات الخاصة من المكفوفين وضعاف البصر في تعليمهم وتأهيلهم وتدريبهم على المهارات المختلفة التي يحتاجون إليها في حياتهم، وخاصة إذا كانت دخولهم لا تغطي نفقات تعليمهم وتدريبهم؛ لدخول ذلك في مصارف الزكاة الشرعية، فإذا انضم إلى ذلك حالة العجز التي لحقت بهم كان احتياجهم إلى تخصيص قدر أكبر من الزكاة في تدريبهم وتعليمهم ومزيد العناية والاهتمام أولى لهم ولمجتمعاتهم؛ فالعجز مظنة الاحتياج والفقر.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم زواج المصاب بـ "متلازمة داون"

تاريخ الفتوى: 28 ديسمبر 2025 م

رقم الفتوى: 8851

من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية

التصنيف: النكاح

السؤال:

ما حكم زواج المصاب بـ (متلازمة داون)؟ فقد انتشرت على مواقع التواصل واقعةٌ لزواج أحد المصابين بمتلازمة داون من فتاة، فهل الزواج صحيح؟


الجواب:

زواج ذوي الهمم من المصابين بـ"متلازمة داون" حقٌّ من حقوقه الإنسانية والشرعية، ولا مانع منه شرعًا إذا توفرت فيه شروط الزواج وإجراءاته المقررة فقهًا وقانونًا مثله مثل الصحيح على السواء، على ألا يُباشر العقد بنفسه، إنما يُباشره وليه كالأب، ثم الجد لأب، ثم باقي العصبة بترتيب الميراث، أو القَيِّم الذي يأذن له القاضي المختص بالتزويج، مع اشتراط أن يكون الطرف الآخر على علم ودراية ورضا بحالة ذلك الزوج الصحية والعقلية كي لا يكون الزواج مبنيًّا على غش أو تدليس.


بيان مدى تكليف المصاب بـ (متلازمة داون)

من المقرر طبًّا أن متلازمة داون هي إحدى صور الإعاقة العقلية (الذهنية)، وواحدة من إعاقات النمو لدى الطفل، ويُعَدُّ الشخص ذا إعاقة ذهنية متى كان لديه قصور في وظائف القدرات المعرفية (الوظائف الذهنية) مصحوبًا بقصور في مجالين على الأقل من مجالات السلوك والمهارات التوافقية (سلوك التكيف الاجتماعي)، كما نصت على ذلك المادة رقم (4)، الفقرة (1)، البند (4) من اللائحة التنفيذية لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري رقم (2733) لسنة 2018م.


ويمتاز المصاب بمتلازمة داون بعدد من الخصائص الجسمية والإكلينيكية، منها: نقص في نمو المخ، والتأخر العقلي، ونقص النمو الإدراكي بين المتوسط والشديد، والتأخر في اللغة والكلام، مع وجود صعوبات في التفكير المجرد وفي الفهم والاستيعاب، وفي الإدراك اللمسي والسمعي، كما أفاده "أطفال متلازمة الداون" لصفاء توفيق أبو المجد (ص: 758-759، بحث علمي محكَّم، منشور بالمجلة العلمية لكلية التربية للطفولة المبكرة- جامعة المنصورة المجلد التاسع- العدد الأول "يوليو 2022م").


وعادة ما يتصف المصاب بمتلازمة داون بالإعاقة التي تتراوح من الدرجة المعتدلة إلى الدرجة الشديدة بحسب ما جاء في "معجم علم النفس والطب النفسي" للدكتور جابر عبد الحميد جابر، والدكتور علاء الدين كفافي (3/ 1019، ط. دار النهضة العربية -القاهرة)، وقد تكون إعاقة بسيطة أو حادة.


وبهذا يُعد المصاب بمتلازمة داون ناقصًا للأهلية، له أهلية وجوب كاملة، وأهلية أداء ناقصة؛ لطروء الاختلال العقلي، والذي يندرج تحت ما يعرف في الفقه الإسلامي بالعته أو الجنون، وبأيٍّ منهما أُلحق فهو فاقد الأهلية أو ناقصها، ولكليهما ذات الأحكام في باب الزواج.


قال الإمام كمال الدين ابن الهُمَام في تعريف المعتوه وبيان حكمه في "فتح القدير" (3/ 487، ط. دار الفكر): [والمعتوه كالمجنون، قيل: هو القليل الفهم، المختلط الكلام، الفاسد التدبير، لكن لا يضرب ولا يشتم، بخلاف المجنون. وقيل: العاقل مَن يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادرًا، والمجنون ضده، والمعتوه مَن يكون ذلك منه على السواء، وهذا يؤدي إلى ألا يُحْكَم بالعته على أحد، والأول أولى. وما قيل: مَن يكون كل من الأمرين منه غالبًا معناه: يكثر منه] اهـ. وهو أحسن الأقوال في تعريف المعتوه والفرق بينه وبين المجنون، كما قال العلامة زين الدين ابن نُجَيْم في "البحر الرائق" (3/ 268، ط. دار الكتاب الإسلامي).


حكم زواج المصاب بـ (متلازمة داون)

تتحقق لدى بعض المصابين بمتلازمة داون حاجةٌ حقيقية إلى الزواج؛ لما فيه من إشباعٍ لجملةٍ من الحاجات الإنسانية المعتبرة شرعًا، كالحاجات الفسيولوجية، والنفسية، والاجتماعية، وما يتصل بها من الشعور بالاستقرار والتقدير الاجتماعي، ويختلف ذلك باختلاف درجات الإدراك والتمييز؛ فمتى كان المصاب مدركًا لمعنى الزواج، قادرًا على تحمُّل تبعاته الأساسية، أمكن زواجه وعيشه حياةً زوجيةً مستقرة في الجملة، على نحوٍ يقارب سائر الناس، ويُعتدُّ بإدراكه وتصرفه في حدود ما يثبت له من أهلية. ينظر: "الإعاقات المتعددة" لمصطفى نوري القمش (ص: 297، ط. دار الميسرة).


وقد اتفقت كلمة الفقهاء على عدم اشتراط العقل أصلًا أو كمالًا لصحة الزواج أو مشروعيته، مع اشتراطهم عدم مباشرة المعتوه للتزويج بنفسه سواء كان مميزًا أو غير مميز؛ لانعدام الأهلية، وإنما الذي يقوم بذلك هو الولي المجبر، كالأب، ثم الجد لأب، ثم باقي العصبة بترتيب الميراث، أو القَيِّم الذي يأذن له القاضي المختص بالتزويج، أو ذات القاضي صاحب الولاية في أمور عديمي الأهلية.


وقد ذهب فقهاء الحنفية إلى تقرير ذلك الحق دون قيدٍ.


قال العلامة الحَصْكَفِي الحنفي في "الدر المختار" ومعه "رد المحتار" للعلامة ابن عابدين (3/ 65-66، ط. دار الفكر): [(وللولي) الآتي بيانه (إنكاح..) جبرًا (ولو ثيِّبًا) كمعتوه ومجنون] اهـ.


قال العلامة ابن عابدين محشيًا عليه: [قوله: (كمعتوه ومجنون) أي: ولو كبيرين، والمراد كشخص معتوه... إلخ، فيشمل الذكر والأنثى] اهـ.


بينما قيَّد الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة الإلزام بزواج المغلوب على عقله البالغ المُطْبق ومَن في حكمه؛ كالمصاب بمتلازمة داون -كما هي مسألتنا- بقيد "الحاجة"، والتي فُسِّرت في كلامهم بظهور قرائن وأمارات اشتهاء النساء وتَوَقَانِه إليهنَّ، أو الاحتياج للرعاية والمؤانسة أو حِفظ المال أو الخدمة التي لا تكون إلا من قِبل زوجة ولا يوجد في محارمه مَن يقوم بذلك، أو قرر الأطباء ذلك لمصلحة العلاج.


قال العلامة عِلِيش المالكي في "مِنَحِ الجليل" (3/ 315، ط. دار الفكر): [(و) جبر (حاكمٌ مجنونًا) مُطْبِقًا.. (احتاجَ) المجنون للنكاح، وإن لم يكن فيه غبطةٌ أو لمن يخدمه ويعانيه إن تعين النكاح طريقًا لصيانته من الزنا والضياع] اهـ.


وقال العلامة النَّفَرَاوِي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 9، ط. دار الفكر): [والمراد بحاجة المجنون حاجته إلى النكاح لإقباله على الفساد، وكذا للخدمة عند ابن فرحون، ولعل المراد: الخدمة التي لا تكون إلا مِن نحو الزوجة، وهذا في المجنون الذي لا يفيق أصلًا] اهـ.


وقال العلامة عبد الرحمن الشربيني الشافعي في "حاشيته على الغرر البهية" (4/ 111-112، ط. المطبعة الميمنية): [المدار في وجوب تزويج المجنون والمجنونة على تحقق الحاجة، وهي إما ظاهرة بظهور أماراتها كالدوران حول النساء والرجال، أو خفية يعلمها خصوص الأطباء، وهذا هو المعتمد] اهـ.


وقال الإمام شمس الدين ابن قُدَامة الحنبلي في "الشرح الكبير" (20/ 116، ط. هجر): [وليس لغير الأب ووصيه تزويج المعتوه البالغ. وبه قال مالك. وقال أبو عبد الله بن حامد: للحاكم تزويجه إذا ظهر منه شهوة للنساء، بأن يتبعهنَّ. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن ذلك من مصالحه، وليس له حال ينتظر فيها إذنه.. وينبغي أن يجوز تزويجه إذا قال أهل الطب: إنَّ في ذلك ذهاب علته؛ لأنه من أعظم مصالحه] اهـ.


وهذا الحق الذي قرره الفقهاء قديمًا، جرت عليه الاتفاقات الدولية الخاصة بتقرير حقوق الإنسان حديثًا؛ كما في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2006م، حيث نصت المادة (23/ فقرة/ 1/ بند أ)، منها على أن: [حق جميع الأشخاص ذوي الإعاقة الذين هم في سن الزواج في التزوج وتأسيس أسرة برضا معتزمي الزواج رضًا تامًّا لا إكراه فيه] اهـ، وقد تمت الموافقة عليها بقرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم (400) لسنة 2007م.


إن النصوص الفقهية السابقة قد تطابقت دلالتها على أنه لَمَّا كانت تصرفات الولي تجاه مُوَلِّيهِ مقيدةً بالمصلحة، دائرةً معها، وحيث لا يجوز التصرفُ في ماله إلا بما فيه المنفعة المحضة له، فإنَّ اعتبار المصلحة في زواجه أشدُّ تأكدًا وأَوْجَبُ شأنًا؛ لأنَّ البُضْعَ أكرمُ مِن المال، فإنْ كان الزواج في مصلحته وحاجته، فلا يجوز الحيلولة بينه وبين ذلك، ومرد اعتبار هذه الحاجة ومدى تحقق تلك المصلحة مِن عدمها إلى القاضي أو ما تقرره الجهات المختصة على المفتى به في مِثل هذه الحالات-؛ مراعاةً لحقوق طرفي عقد النكاح وضمانًا لما تقوم عليه حياتُهما وتستقر به أسرتهما.


ومع التنويه على أنه لا بد للمرأة المرغوب في تزويجها للمصاب بمتلازمة داون أن تكون على وعيٍ تامٍّ قبل العقد بحالة هذا الشخص، وبخصائص هذا المرض لاحتياجه مزيد عناية ورعاية خاصة، مع تحققها بحال الرشد وحسن تقدير الأمور، وتوفر أهلية الرضا بحسب حالها حتى لا يترتب ضررٌ عليها وعلى أوليائها، كما أفاده العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 317-318، ط. دار الكتب العلمية).

ولما كان قانون الأحوال الشخصية المصري قد خلا من القاعدة القانونية التي تحكم عقد الزواج وآثاره في حال فاقد الأهلية أو ناقصها، كانت واقعة هذا السؤال محكومة بأرجح الأقوال في فقه مذهب أبي حنيفة على الوجه المتقدم، بموجب المادة (3)، الفقرة (1) من القانون رقم (1) لسنة 2000م بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فزواج ذوي الهمم من المصابين بـ"متلازمة داون" حقٌّ من حقوقه الإنسانية والشرعية، ولا مانع منه شرعًا إذا توفرت فيه شروط الزواج وإجراءاته المقررة فقهًا وقانونًا مثله مثل الصحيح على السواء، على ألا يُباشر العقد بنفسه، إنما يُباشره وليه كالأب، ثم الجد لأب، ثم باقي العصبة بترتيب الميراث، أو القَيِّم الذي يأذن له القاضي المختص بالتزويج، مع اشتراط أن يكون الطرف الآخر على علم ودراية ورضا بحالة ذلك الزوج الصحية والعقلية كي لا يكون الزواج مبنيًّا على غش أو تدليس.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الطعن رقم 4 لسنة 45 ق دستورية عليا " منازعة تنفيذ " جلسة 1 / 2 / 2026

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الأول من فبراير سنة 2026م، الموافق الثالث عشر من شعبان سنة 1447ه.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 4 لسنة 45 قضائية "منازعة تنفيذ"

المقامة من

1- عيد سعيد أبو زيد مبروك

2- عبد الرحمن فايد عبد الرحمن فايد

ضد

1- رئيس مجلس الوزراء

2- وزير العدل

3- وزير الداخلية

4- مدير مصلحة السجون

5- النائب العام

6- مرزوق حامد سالم عبد القوي

7- سالم غيث أبو حديدة قاسم

8- حسن حويلي حافظ

-------------------

" الإجراءات "

بتاريخ السادس من فبراير سنة 2023، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين الحكم بالاستمرار في تنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، الصادر أولها بجلسة 8/ 11/ 2014، في الدعوى رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، وثانيها بجلسة 14/ 2/ 2015، في الدعوى رقم 78 لسنة 36 قضائية "دستورية"، وثالثها بجلسة 13/ 10/ 2018، في الدعوى رقم 102 لسنة 36 قضائية "دستورية"، ورابعها بجلسة 1/ 6/ 2019، في الدعوى رقم 65 لسنة 38 قضائية "منازعة تنفيذ"، وعدم الاعتداد بحكم محكمة جنايات الإسكندرية الصادر بجلسة 10/ 6/ 2015، في القضية رقم 1923 لسنة 2014 جنايات برج العرب، المقيدة برقم 404 لسنة 2014 كلي غرب الإسكندرية، المؤيد بحكم محكمة النقض الصادر بجلسة 5/ 6/ 2016، في الطعن رقم 44829 لسنة 85 قضائية.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدم الحاضر عن المدعيين مذكرة، ردد فيها طلباتهما السابقة. وقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم لجلسة اليوم مع التصريح بمذكرات في أسبوع، فقدمت خلاله هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.

--------------------

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن النيابة العامة قدمت المدعيين، وآخرين، إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنايات الإسكندرية في القضية رقم 1923 لسنة 2014 جنايات برج العرب، المقيدة برقم 404 لسنة 2014 كلي غرب الإسكندرية، متهمة إياهما بأنهما في يوم الخامس عشر من ديسمبر سنة 2013 -بدائرة قسم شرطة برج العرب- محافظة الإسكندرية: أولًا: أحرزا سلاحًا ناريًّا مششخنًا "بندقية آلية" مما لا يجوز الترخيص بحيازتها أو إحرازها. ثانيًا: أحرزا ذخائر نارية مما تستعمل بالسلاح الناري موضوع الاتهام الأول.

وبجلسة 10/ 6/ 2015، قضت محكمة جنايات الإسكندرية حضوريًّا بمعاقبة المدعيين بالسجن المؤبد، وبتغريم كل منهما عشرة آلاف جنيه، عما أسند إليهما، ومصادرة السلاح الناري والذخائر المضبوطة، وذلك بعد أن أعملت المحكمة المادة (32) من قانون العقوبات، وعاقبتهما بالعقوبة المقررة لأشد الجرائم المرتبطة، وهي العقوبة المقررة لجريمة إحراز سلاح ناري مششخن "بندقية آلية" مما لا يجوز الترخيص بحيازتها أو إحرازها، والمؤثمة بالمواد (1/ 2 و6 و26/ 3، 4 و30/ 1) من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقانون رقم 165 لسنة 1981، والبند (ب) من القسم الثاني من الجدول رقم (3) الملحق به. طعن المدعيان على الحكم أمام محكمة النقض بالطعن رقم 44829 لسنة 85 قضائية. وبجلسة 5/ 6/ 2016، قضت المحكمة برفض الطعن. وإذ ارتأى المدعيان أن الحكم الصادر ضدهما من محكمة جنايات الإسكندرية، بجلسة 10/ 6/ 2015، في القضية رقم 1923 لسنة 2014 جنايات برج العرب، المقيدة برقم 404 لسنة 2014 كلي غرب الإسكندرية، المؤيد بحكم محكمة النقض بجلسة 5/ 6/ 2016 في الطعن رقم 44829 لسنة 85 قضائية، يمثل عقبة في تنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا المشار إليها آنفًا؛ فقد أقاما دعواهما المعروضة بطلباتهما سالفة البيان.

وحيث إن منازعة التنفيذ -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- قوامها أن التنفيذ قد اعترضته عوائق تحول قانونًا -بمضمونها أو أبعادها- دون اكتمال مداه، وتعطل أو تقيد اتصال حلقاته وتضاممها بما يعرقل جريان آثاره كاملة دون نقصان؛ ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية هي ذاتها موضوع منازعة التنفيذ أو محلها، تلك المنازعة التي تتوخى في ختام مطافها إنهاء الآثار المصاحبة لتلك العوائق، أو الناشئة عنها، أو المترتبة عليها، ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها وإعدام وجودها، لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. وكلما كان التنفيذ متعلقًا بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص تشريعي، فإن حقيقة مضمونه، ونطاق القواعد القانونية التي يضمها، والآثار المتولدة عنها في سياقها، وعلى ضوء الصلة الحتمية التي تقوم بينها، هي التي تحدد جميعها شكل التنفيذ وصورته الإجمالية، وما يكون لازمًا لضمان فعاليته. بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا - وفقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 - لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها، وتنال من جريان آثارها في مواجهة الأشخاص الاعتباريين والطبيعيين جميعهم، دون تمييز؛ بلوغًا للغاية المبتغاة منها في تأمين حقوق الأفراد وصون حرياتهم، يفترض ثلاثة أمور؛ أولها: أن تكون هذه العوائق- سواء بطبيعتها أو بالنظر إلى نتائجها- حائلة دون تنفيذ أحكامها أو مقيدة لنطاقها. ثانيها: أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام، وربطها منطقيًّا بها ممكنًا، فإذا لم تكن لها بها من صلة فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها، منافية لحقيقتها وموضوعها. ثالثها: أن منازعة التنفيذ لا تعد طريقًا للطعن في الأحكام القضائية، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة.

وحيث إن الخصومة في الدعوى الدستورية، وهى بطبيعتها من الدعاوى العينية، قوامها -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور؛ تحريًا لتطابقها معها، إعلاءً للشرعية الدستورية؛ ومن ثم تكون هذه النصوص ذاتها هي موضوع الدعوى الدستورية، أو هي بالأحرى محلها، وإهدارها بقدر تهاترها مع أحكام الدستور هو الغاية التي تبتغيها هذه الخصومة، وأن الحجية المطلقة للأحكام الصادرة في تلك الدعوى يقتصر نطاقها على النصوص التشريعية التي كانت مثارًا للمنازعة حول دستوريتها، وفصلت فيها المحكمة فصلًا حاسمًا بقضائها، ولا تمتد إلى غير تلك النصوص، حتى لو تطابقت في مضمونها، كما أن قوة الأمر المقضي لا تلحق سوى منطوق الحكم وما يتصل به من الأسباب اتصالًا حتميًّا، بحيث لا تقوم له قائمة إلا بها، مما مؤداه أن نطاق منازعة التنفيذ الذي يستنهض ولاية هذه المحكمة إنما يدور وجودًا وعدمًا مع نطاق حجية حكمها المنازع في تنفيذه دون أن يتعداه.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قضت بجلسة 14/ 2/ 2015، في الدعوى رقم 78 لسنة 36 قضائية "دستورية": "بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012 فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات بالنسبة للجريمة المنصوص عليها بالفقرة الثانية من المادة ذاتها". وقد نُشر الحكم بالجريدة الرسمية- العدد 8 مكرر (و) في 25/ 2/ 2015، وقضت هذه المحكمة بجلسة 13/ 10/ 2018، في الدعوى رقم 102 لسنة 36 قضائية "دستورية": "بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012 فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات بالنسبة لجريمتي حيازة وإحراز، بالذات أو بالواسطة، بغير ترخيص سلاح ناري من الأسلحة المنصوص عليها بالجدولين (2 و3) من هذا القانون، أو ذخائر مما تستعمل في الأسلحة المشار إليها، وذلك في أحد أماكن التجمعات المنصوص عليها بصدر الفقرة السادسة من المادة ذاتها". ونُشر الحكم في الجريدة الرسمية -العدد 42 (مكرر) في 22/ 10/ 2018.

متى كان ذلك، وكان حكم محكمة جنايات الإسكندرية الصادر بجلسة 10/ 6/ 2015، في الدعوى رقم 1923 لسنة 2014 جنايات برج العرب، المقيدة برقم 404 لسنة 2014 كلي غرب الإسكندرية، المؤيد بحكم محكمة النقض الصادر بجلسة 5/ 6/ 2016، في الطعن رقم 44829 لسنة 85 قضائية، قد أدانا المدعيين عن تهمتي إحراز سلاح ناري مششخن "بندقية آلية" مما لا يجوز الترخيص بحيازتها أو إحرازها، وإحراز ذخائر نارية مما تستعمل على هذا السلاح، المؤثمتين بالفقرتين الثالثة والرابعة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 المار ذكره؛ ومن ثم فإن هذين الحكمين لا يكون لهما من صلة بحكمي المحكمة الدستورية العليا السالف بيانهما، ولا يُعدان عقبة في تنفيذهما، مما لزامه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قضت بجلسة 8/ 11/ 2014، في الدعوى رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية": "بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (26) من القانون رقم 394 لسنة 1954 في شأن الأسلحة والذخائر، المستبدلة بالمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012 فيما تضمنه من استثناء تطبيق أحكام المادة (17) من قانون العقوبات، بالنسبة للجريمتين المنصوص عليهما بالفقرتين الثالثة والرابعة من المادة ذاتها". وقد نُشر الحكم في الجريدة الرسمية -العدد 45 مكرر (ب) بتاريخ 12/ 11/ 2014.

وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن أثر الحكم الصادر في الدعوى رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية" ينصرف إلى إزالة القيد الوارد على السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، بنص الفقرة الأخيرة من المادة (26) المشار إليها، وهو القيد المتمثل في عدم جواز النزول بالعقوبة؛ بما يجعل حكمها -بعد إزالة هذا القيد- أقل وطأة، إذا ارتأت استعمال سلطتها التقديرية طبقًا لنص المادة (17) من قانون العقوبات. وتبعًا لذلك؛ فإن حكم المحكمة الدستورية العليا المشار إليه لا يفرض على محكمة الموضوع وجوبًا استعمال سلطتها التقديرية والنزول بالعقوبة المقررة للجريمة، وإنما فقط يتيح لها استعمال هذه السلطة التقديرية في النزول بالعقوبة إن اتجهت إرادتها -على نحو صريح- إلى ذلك، في ضوء الظروف الواقعية والقانونية المحيطة بالجريمة المعروضة عليها.

متى كان ذلك، وكانت محكمة جنايات الإسكندرية، قد أصدرت حكمها المشار إليه الصادر بجلسة 10/ 6/ 2015، بمعاقبة المدعيين بالسجن المؤبد وتغريم كل منهما عشرة آلاف جنيه، ولم تر استعمال السلطة التقديرية المقررة لها بموجب المادة (17) من قانون العقوبات، في النزول بالعقوبة المقررة للجريمة، وتأيد هذا القضاء من محكمة النقض بحكمها الصادر بجلسة 5/ 6/ 2016، في الطعن رقم 44829 لسنة 85 قضائية، القاضي برفض الطعن، وكان صدور حكم الإدانة المار ذكره، في تاريخ لاحق على صدور حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، مؤداه أن الحكم الأخير كان تحت بصر محكمة الجنايات لدى إصدارها حكمها المصور عقبة في التنفيذ، بما مؤداه عدم اعتبار هذين الحكمين عقبة في تنفيذ الحكم الصادر بجلسة 8/ 11/ 2014، في الدعوى رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، ولزامه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها -أيضًا-.

وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الحجية المطلقة لأحكامها في دعاوى التنازع ومنازعات التنفيذ، على ما جرى به نص المادة (195) من الدستور، إنما تلحق -نطاقًا- بما قد تتضمنه هذه الأحكام، من تقريرات دستورية، تعرض لنصوص -بذاتها- من الوثيقة الدستورية، لها محل من الإعمال على وقائع النزاع الموضوعي، ومؤدية -لزومًا- إلى الفصل في موضوعه، بما يعكس بيان هذه المحكمة لمؤدى تلك النصوص الدستورية، وإفصاحها عن دلالتها، فيكون إلزامها للكافة وجميع سلطات الدولة بما أقرته في شأنها من مفاهيم متعينًا. ولا كذلك الحال بالنسبة لغيرها من عناصر الحكم في دعاوى التنازع ومنازعات التنفيذ، التي تقضي المحكمة الدستورية العليا في أولاهما بوصفها محكمة تنازع، وفي الأخرى باعتبارها قضاء تنفيذ، وذلك دون إخلال بثبوت قوة الأمر المقضي فيه لمنطوق الحكم الصادر في أي من تلك الدعاوى، والأسباب المرتبطة به ارتباطًا حتميًّا، قِبل أطراف خصومة الموضوع، وفي مواجهة جميع المخاطبين بتنفيذه وإعمال آثاره.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قضت بجلسة 1/ 6/ 2019، في الدعوى رقم 65 لسنة 38 قضائية "منازعة تنفيذ": "بالاستمرار في تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بجلسة 8/ 11/ 2014، في الدعوى رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، وعدم الاعتداد بالحكم الصادر من محكمة جنايات القاهرة بجلسة 19/ 10/ 2013، في الجناية رقم 1468 لسنة 2013 جنايات التبّين، المقيدة برقم 2514 لسنة 2013 كلي جنوب، المؤيد بالحكم الصادر من محكمة النقض بجلسة 4/ 11/ 2014، في الطعن رقم 230 لسنة 84 قضائية". وقد نُشر الحكم في الجريدة الرسمية -العدد 23 مكرر (ز) بتاريخ 12/ 6/ 2019.

وحيث إنه عن طلب الاستمرار في تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا في منازعة التنفيذ المشار إليها، وإذ لم يتضمن ذلك الحكم أية تقريرات دستورية ناقضها حكما محكمة جنايات الإسكندرية ومحكمة النقض المار بيانهما، وكانت الخصومة فيهما تستقل بموضوعها وأطرافها عن حكم المحكمة الدستورية العليا في منازعة التنفيذ المشار إليه، الذي تساند فيما قضى به إلى الأثر الرجعي للقضاء بعدم دستورية نص جنائي، وما يتآدى إليه من عدم الاعتداد بأحكام الإدانة الصادرة تطبيقًا لهذا النص وإن كانت نهائية، ولا كذلك الحال بالنسبة لحكمي محكمة جنايات الإسكندرية ومحكمة النقض المصورين عقبة في تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا في منازعة التنفيذ المشار إليها؛ ذلك أن هذين الحكمين صدرا في تاريخ تالٍ لنشر حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 196 لسنة 35 قضائية "دستورية"، وهو حال يغاير حكم الإدانة محل منازعة التنفيذ المتمحل بحكمها، بالنظر إلى صدوره في الحالة الأخيرة سابقًا على نشر حكم المحكمة الدستورية العليا سالف البيان؛ ومن ثم فإن حكمي محكمة جنايات الإسكندرية ومحكمة النقض المار بيانهما لا يعدان عقبة في تنفيذ الحكم الصادر من هذه المحكمة في الدعوى رقم 65 لسنة 38 قضائية "منازعة تنفيذ"، الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى برمتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعيين المصروفات.

الطعن رقم 3 لسنة 45 ق دستورية عليا " منازعة تنفيذ " جلسة 1 / 2 / 2026

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الأول من فبراير سنة 2026م، الموافق الثالث عشر من شعبان سنة 1447ه.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد احمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 3 لسنة 45 قضائية "منازعة تنفيذ"

المقامة من

أولًا: وريثات كل من/ عبد المنعم سامي إبراهيم عبده، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهن:

1- روح روان أحمد محمد شرف

2- فاطمة عبد المنعم سامي إبراهيم عبده

3- إيمان عبد المنعم سامي إبراهيم عبده

4- نهى عبد المنعم سامي إبراهيم عبده

ثانيًا: وريثة كل من/ محمد فوزي إبراهيم عبده، وليلى عباس عسكر، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهي: ندرين محمد فوزي إبراهيم عبده

ثالثًا: وريثي كل من/ مرفت محمد فوزي إبراهيم عبده حمد، ومحمد فوزي إبراهيم عبده، وليلى عباس عسكر، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهما:

1- أحمد عبد الرحيم رمضان عبد الرحيم الشنشوري

2- ليلى عبد الرحيم رمضان عبد الرحيم الشنشوري

رابعًا: وريثي كل من/ السيد إبراهيم عبده، وإجلال محمود علي سيف، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهما:

1- وائل السيد إبراهيم عبده

2- ريهام السيد إبراهيم عبده

خامسًا: وريثتي كل من/ حسني إبراهيم عبده، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهما:

1- آسيا أحمد السيد البنا

2- علا حسني إبراهيم عبده

سادسًا: ورثة كل من/ ممتاز إبراهيم عبده، إبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهم:

1- ماجدة عبد الحليم محمد جلال

2- محمد ممتاز إبراهيم عبده

3- دينا ممتاز إبراهيم عبده

سابعًا: وريثتي كل من/ مصطفى إبراهيم عبده حمد، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهما:

1- هدى السيد حافظ أمين

2- غادة مصطفى إبراهيم عبده

ثامنًا: ورثة كل من/ نبيلة حسين علي شرف، وحميدة إبراهيم عبده، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهم:

1- أحمد حسين علي شرف

2- فاطمة حسين علي شرف

3- نادية حسين علي شرف

تاسعًا: وريثة كل من/ فؤاد عبد الحميد عبيد، وحكمت إبراهيم عبده، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهي: أميمة فؤاد عبد الحميد عبيد

عاشرًا: وريث كل من/ فايزة إبراهيم عبده حمد، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهو: إبراهيم محمد السيد الشريف

حادي عشر: ورثة كل من/ تحية عبد الخالق عليوة طاحون، وسلمى فؤاد محمد العزازي، وهالة محمد السيد الشريف، وفايزة إبراهيم عبده حمد، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهم:

1- فيصل محمد محمد العزازي

2- زينب محمد محمد العزازي

3- فاروق محمد محمد العزازي

ثاني عشر: وريث كل من/ فؤاد محمد محمد العزازي، وتحية عبد الخالق عليوة طاحون، وسلمى محمد العزازي، وهالة محمد السيد الشريف، وفايزة إبراهيم عبده، وإبراهيم عبده حمد، وزكية إبراهيم براغيت، وهو: علي فؤاد محمد محمد العزازي

ضد

1- وزير المالية، بصفته المشرف الأعلى على قطاع التمويل وتعويضات الإصلاح الزراعي، والرئيس الأعلى لمصلحة الضرائب

2- رئيس مجلس إدارة الشركة العربية لتجارة حليج الأقطان

3- محافظ الغربية

------------------

" الإجراءات "

بتاريخ الرابع من فبراير سنة 2023، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين الحكم بالاستمرار في تنفيذ حكمي المحكمة الدستورية العليا الصادرين بجلسة 30/4/1983، في الدعويين رقمي: 16 لسنة 1 قضائية "دستورية"، و5 لسنة 2 قضائية "دستورية"، وحكمها الصادر بجلسة 2/3/1985، في الدعوى رقم 1 لسنة 1 قضائية "دستورية"، وعدم الاعتداد بحكم محكمة القضاء الإداري بطنطا الصادر بجلسة 7/5/2017، في الدعوى رقم 15049 لسنة 21 قضائية، المؤيد بحكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 31/8/2022، في الطعن رقم 78734 لسنة 63 قضائية "عليا".

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

-----------------

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- فى أن المدعين أقاموا أمام محكمة القضاء الإداري بطنطا الدعوى رقم 15049 لسنة 21 قضائية، ضد المدعى عليهم، طلبًا للحكم بإلزام المدعى عليهما الأول والثاني متضامنين بأن يؤديا إليهم مبلغًا مقداره مائة وخمسون مليون جنيه، تعويضًا عما لحقهم من أضرار من جراء حرمانهم من الانتفاع بأملاكهم، من تاريخ استيلاء الحكومة الفعلي عليها من مورثهم فى عام 1963 وحتى تمام السداد، وما فاتهم من كسب يتمثل فى قيمة الأرض والمباني والآلات موضوع الاستيلاء، حسب أسعار السوق السائدة في وقت إقامة الدعوى، والفوائد القانونية بواقع 4% سنويًّا، من تاريخ الحكم وحتى السداد النهائي لقيمة التعويض المقضي به. وذلك على سند من أنهم يمتلكون ميراثًا عن مورثهم/ إبراهيم عبده حمد، مساحة (2 سهم، 11 قيراطًا، 5 أفدنة) المبينة الحدود والمعالم بالأوراق، والمقام عليها محلج لحليج الأقطان، كامل المعدات والآلات، فضلًا عن المخازن، ومباني الإدارة، وأحواض تشوين الأقطان. وإذ تم الاستيلاء على تلك الأعيان بتاريخ 8/4/1963، بموجب قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 38 لسنة 1963، بتأميم بعض المنشآت دون تعويض عادل؛ فقد أقاموا الدعوى. وبجلسة 7/5/2017، حكمت المحكمة بسقوط حق المدعين في إقامة الدعوى بالتقادم الطويل. طعن المدعون على ذلك الحكم أمام المحكمة الادارية العليا، بالطعن رقم 78734 لسنة 63 قضائية "عليا". وبجلسة 31/8/2022، قضت المحكمة برفض الطعن. وإذ ارتأى المدعون أن ذلك الحكم يُعد عقبة في تنفيذ حكمي المحكمة الدستورية العليا الصادرين بجلسة 30/4/1983، في الدعويين رقمي: 16 لسنة 1 قضائية "دستورية"، و5 لسنة 2 قضائية "دستورية"، وحكمها الصادر بجلسة 2/3/1985، في الدعوى رقم 1 لسنة 1 قضائية "دستورية"، فيما تضمنته هذه الأحكام من إزالة سائر القيود والموانع التي تحول بين من استولت الحكومة على أرضه والمطالبة بالتعويض العادل عنها، وهو ما خالفته المحكمة الإدارية العليا في قضائها المتقدم، مما يستوجب تدخل المحكمة الدستورية العليا لإزالة هذا العائق الذى يحول دون تنفيذ قضائها سالف البيان، إعمالًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979؛ ومن ثم أقاموا دعواهم المعروضة.

وحيث إن منازعة التنفيذ، قوامها -على ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أن التنفيذ قد اعترضته عوائق، تحول قانونًا- بمضمونها أو أبعادها- دون اكتمال مداه، وتعطل أو تقيد اتصال حلقاته وتضاممها، بما يعرقل جريان آثاره كاملة، دون نقصان؛ ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية هي موضوع منازعة التنفيذ ذاته، أو محلها، وتلك الخصومة تتوخى في غايتها النهائية إنهاء الآثار القانونية الملازمة لتلك العوائق أو الناشئة عنها، أو المترتبة عليها، ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها، وإعدام وجودها، لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. وكلما كان التنفيذ متعلقًا بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص تشريعي فإن حقيقة مضمونه، ونطاق القواعد التي يضمها، والآثار القانونية المتولدة عنها في سياقها، وعلى ضوء الصلة الحتمية التي تقوم بينها، هي التي تحدد جميعها شكل التنفيذ، وصورته الإجمالية، وما يكون لازمًا لضمان فعاليته،

بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا -وفقًا لنص المادة (50) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979- لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها، وتنال من جريان آثارها في مواجهة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين جميعهم دون تمييز، بلوغًا للغاية المبتغاة منها في تأمين حقوق الأفراد وصون حرياتهم، يفترض ثلاثة أمور؛ أولها: أن تكون هذه العوائق- سواء بطبيعتها أو بالنظر إلى نتائجها- حائلة دون تنفيذ أحكامها، ومقيدة لنطاقها. وثانيها: أن يكون استنادها إلى تلك الأحكام وربطها منطقيًّا بها ممكنًا، فإذا لم تكن لها بها من صلة فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها، منافية لحقيقتها وموضوعها. وثالثها: أن منازعة التنفيذ لا تُعد طريقًا للطعن في الأحكام القضائية، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة.

وحيث إن منازعة التنفيذ تدور، وجودًا وعدمًا، مع نطاق حجية الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا، ولا تتعداه إلى غيره من النصوص التشريعية، ولو تشابهت معها؛ ذلك أن الحجية المطلقة للأحكام الصادرة فى موضوع الدعوى الدستورية يقتصر نطاقها على النصوص التشريعية التي كانت مثارًا للمنازعة حول دستوريتها، وفصلت فيها المحكمة فصلًا حاسمًا بقضائها، دون تلك التي لم تكن مطروحة على المحكمة، ولم تفصل فيها بالفعل، فلا تمتد إليها تلك الحجية. على أن يكون مفهومًا أنه لا يحوز من الحكم تلك الحجية المطلقة سوى منطوقه وما هو متصل بهذا المنطوق من أسباب اتصالًا حتميًّا، بحيث لا تقوم له قائمة إلا بها، ومن ثم لا يجوز الارتكان إلى تلك الأسباب إلا حال تعلق العقبة التي تحول دون تنفيذ الحكم الدستوري بما يقضى به ذلك الحكم مرتبطًا بأسبابه. وعلى ذلك لا يجوز نزع أسباب الحكم من سياقها أو الاعتداد بها بذاتها، دون المنطوق، للقول بأن هناك عقبات تحول دون سريان تلك الأسباب.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قضت بجلسة 30/4/1983، في الدعوى رقم 16 لسنة 1 قضائية "دستورية"، بعدم دستورية المادة (3) من القرار بقانون رقم 72 لسنة 1963 بتأميم بعض الشركات والمنشآت، فيما تضمنته من النص على أن تكون قرارات لجان التقويم "نهائية وغير قابلة للطعن فيها بأي وجه من أوجه الطعن"، وقضت بالجلسة ذاتها في الدعوى رقم 5 لسنة 2 قضائية "دستورية" بعدم دستورية المادة (3) من القرار بقانون رقم 117 لسنة 1961 بتأميم بعض الشركات والمنشآت، فيما تضمنته من الأمر ذاته، وقضت بجلسة 2/3/1985، في الدعوى رقم 1 لسنة 1 قضائية "دستورية"، بعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 134 لسنة 1964 بتعويض أصحاب أسهم ورؤوس أموال الشركات والمنشآت التي آلت ملكيتها إلى الدولة وفقًا لأحكام القوانين أرقام: 117 و118 و119 لسنة 1961 والقوانين التالية لها تعويضًا إجماليًّا.

وحيث إن عبارة "القوانين التالية لها" الواردة بعجز منطوق الحكم الصادر بجلسة 2/3/1985، في الدعوى رقم 1 لسنة 1 قضائية "دستورية"، تنصرف إلى قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 38 لسنة 1963، فإن لازم ذلك هو ابتداء أثر القضاء بعدم الدستورية إلى هذا القرار أيضًا؛ إعمالًا للحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية العليا على نحو ما تقضي به المادة (195) من الدستور، ونص المادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.

متى كان ما تقدم، وكان الثابت من الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا بجلسة 31/8/2022، في الطعن رقم 78734 لسنة 63 قضائية "عليا"، أنه أقام قضاءه بسقوط حق المدعين في المطالبة بالتعويض بالتقادم الطويل، بمرور أكثر من خمسة عشر عامًا على نشوء الحق فيه، اعتبارًا من تاريخ صدور حكم هذه المحكمة في الدعوى رقم 1 لسنة 1 قضائية "دستورية" سالف البيان، وذلك إعمالًا لحكم المادة (374) من القانون المدني، وهو ما لم يكن محلًّا لقضاء المحكمة الدستورية العليا، في أي من الأحكام المنازع في تنفيذها، لتنتفي بذلك الصلة بين الحكم الموضوعي وقضاء المحكمة الدستورية العليا المتقدم؛ ومن ثم لا يُعد حكم المحكمة الإدارية العليا المار ذكره عقبة في تنفيذ أحكامها سالفة البيان؛ ذلك أن الحجية المطلقة للأحكام الصادرة فى موضوع الدعوى الدستورية يقتصر نطاقها على النصوص التشريعية التي كانت مثارًا للمنازعة حول دستوريتها، وفصلت فيها المحكمة فصلًا حاسمًا بقضائها، دون تلك التي لم تكن مطروحة على المحكمة، ولم تفصل فيها بالفعل؛ ومن ثم فإن التمحل بأن حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 31/8/2022، في الطعن رقم 78734 لسنة 63 قضائية "عليا"، يمثل عقبة في تنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا المنازع في تنفيذها، يكون مفتقدًا سنده، مما لزامه القضاء بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعين المصروفات.

الطعن رقم 30 لسنة 44 ق دستورية عليا " دستورية " جلسة 1 / 2 / 2026

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الأول من فبراير سنة 2026م، الموافق الثالث عشر من شعبان سنة 1447ه.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف والدكتور محمد عماد النجار والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 30 لسنة 44 قضائية "دستورية"

المقامة من

أيمن محمد أحمد محمد

ضد

1- رئيس الجمهورية

2- رئيس مجلس الوزراء

3- رئيس جامعة المنيا

----------------

" الإجراءات "

بتاريخ السادس من يوليو سنة 2022، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص المادة (137) من قانون تنظيم الجامعات الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972، المعدل بالقانون رقم 152 لسنة 2019.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا برفضها.

كما قدم المدعى عليه الثالث مذكرة، طلب فيها الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة، واحتياطيًّا: برفضها.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

----------------

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعي أقام الدعوى التي آل قيدها أمام المحكمة الإدارية بالمنيا برقم 9980 لسنة 12 قضائية، ضد المدعى عليه الثالث، طالبًا الحكم بوقف تنفيذ ثم إلغاء القرار الصادر منه برقم 647 لسنة 2021، فيما نص عليه من تعيين غير المدعي في وظيفة معيد بقسم هندسة القوى الميكانيكية والطاقة بكلية الهندسة جامعة المنيا، عن طريق التكليف، اعتبارًا من تاريخ صدور القرار المشار إليه، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها: تعيين المدعي بالوظيفة ذاتها على الموازنة المالية لجامعة المنيا لعام 2020/ 2021؛ وذلك على سند من أنه حصل من جامعة المنيا على بكالوريوس هندسة القوى الميكانيكية والطاقة بتقدير عام ممتاز مع مرتبة الشرف (بمجموع تراكمي 6413,5 من 7500 درجة - 85,51%) في دور يونيو سنة 2019، للعام الدراسي (2018/ 2019). وبتاريخ 20/ 6/ 2021، أصدر المدعى عليه الثالث القرار رقم 647 لسنة 2021، متضمنًا تعيين آخر غيره، حاصل على بكالوريوس هندسة القوى الميكانيكية والطاقة من الجامعة ذاتها بتقدير عام جيد جدًّا مع مرتبة الشرف (بمجموع تراكمي 6336 من 7500 درجة - 84,48%)، في دور يونيو سنة 2020، للعام الدراسي (2019/ 2020)، في وظيفة معيد عن طريق التكليف، اعتبارًا من تاريخ صدور هذا القرار. ونظرًا لأن التقدير العام والمجموع التراكمي للمدعي يزيد على من تم تعيينه؛ فقد أقام الدعوى المعروضة. وبجلسة 16/ 5/ 2022، دفع الحاضر عن المدعي بعدم دستورية نص المادة (137) من القانون رقم 49 لسنة 1972، معدلًا بالقانون رقم 152 لسنة 2019. وإذ قدَّرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة، ناعيًا على النص المطعون فيه إخلاله بمبدأ المساواة أمام القانون، ومبدأ تكافؤ الفرص في تولي الوظائف العامة، بالمخالفة للمواد (4 و9 و14 و53) من الدستور.

وحيث إنه عن الدفع الذي أبداه المدعى عليه الثالث بعدم قبول الدعوى في مواجهته؛ على اعتبار أنه ليس له صفة في إصدار النص التشريعي المطعون على دستوريته، فمردود بأن الخصومة في الدعاوى الدستورية خصومة عينية، وتحوز الأحكام الصادرة فيها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة. وبهذه المثابة، فإن جميع الخصوم في هذه الدعاوى مواجهون بتلك الحجية. متى كان ذلك، وكان المدعى عليه الثالث هو الخصم الأساسي في الدعوى الموضوعية، فإن طلب إخراجه من الخصومة الدستورية يُعد لغوًا، جديرًا بالالتفات عنه.

وحيث إن هيئة قضايا الدولة قد دفعت بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرط المصلحة الشخصية المباشرة؛ على سند من أن النص المطعون فيه لا يسري زمنيًّا في شأن المدعي، ولم يطبق عليه.

وحيث إن هذا الدفع سديد؛ ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها في شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين، أولهما: أن يقيم المدعي، وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون فيه، الدليل على أن ضررًا واقعيًّا -اقتصاديًّا أو غيره- قد لحق به، سواء أكان هذا الضرر الذي يتهدده وشيكًا أم كان قد وقع فعلًا. ويتعين دومًا أن يكون هذا الضرر مباشرًا، منفصلًا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلًّا بالعناصر التي يقوم عليها، ممكنًا تصوره، ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره. ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، وليس ضررًا متوهمًا أو منتحلًا أو مجهلًا، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلًا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دلَّ ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة؛ ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية أنها تسري على الوقائع التي تتم في ظلها، أي خلال الفترة من تاريخ العمل بها حتى إلغائها، فإذا أُلغيت هذه القاعدة وحلت محلها قاعدة قانونية أخرى فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين القانونيتين؛ ومن ثم فإن الضرر الذي يدعيه المدعي لا يكون مرده إلى النص المطعون فيه، وإنما إلى فهم غير صحيح لأحكامه، مما تنتفي معه مصلحته الشخصية المباشرة في الفصل في دستورية ذلك النص، وبما لازمه القضاء بعدم قبول الدعوى.

وحيث إنه من المقرر- أيضًا - في قضاء هذه المحكمة أن الخطأ في تأويل النصوص القانونية أو تطبيقها لا يوقعها في حمأة المخالفة الدستورية، إذا كانت صحيحة في ذاتها، وأن الفصل في دستورية النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور لا يتصل بكيفية تطبيقها عملًا، ولا بالصورة التي فهمها القائمون على تنفيذها، وإنما مرد اتفاقها مع أحكام الدستور أو خروجها عليه إلى الضوابط التي فرضها الدستور على الأعمال التشريعية جميعًا.

وحيث إن المادة (137) من قانون تنظيم الجامعات الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972، المعدل بالقانون رقم 142 لسنة 1994، كانت تنص على أنه "مع مراعاة حكم المادتين (133 و135) من هذا القانون يجوز أن يعين المعيدون عن طريق التكليف من بين خريجي الكلية في السنتين الأخيرتين الحاصلين على تقدير جيد جدًّا على الأقل في كل من التقدير العام في الدرجة الجامعية الأولى، وفي تقدير مادة التخصص أو ما يقوم مقامها، وتعطى الأفضلية لمن هو أعلى في التقدير العام، وعند التساوي في التقدير العام تعطى الأفضلية لمن هو أعلى في مجموع الدرجات، مع مراعاة ضوابط المفاضلة المقررة في المادة (136) من هذا القانون". وقد تم تعديل هذا النص بموجب أحكام القانون رقم 152 لسنة 2019 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الجامعات الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972، الذي ينص على أنه "مع مراعاة حكم المادتين (133 و135) من هذا القانون، يجوز أن يُعين المعيدون عن طريق التكليف من بين خريجي الكلية أو المعهد الحاصلين على تقدير "جيد جدًّا" على الأقل في كل من التقدير العام في الدرجة الجامعية الأولى وفي تقدير مادة التخصص أو ما يقوم مقامها، وذلك في كل سنة على حدة، على أن يطبق هذا الحكم ابتداءً من خريجي العام الدراسي 2019/ 2020.....". وقد عُمل بهذا التعديل اعتبارًا من تاريخ السادس والعشرين من شهر أغسطس سنة 2019، وهو اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

متى كان ما تقدم، وكان المدعي قد تخرج في كلية الهندسة بجامعة المنيا - دور يونيو سنة 2019، وكان مخاطبًا بأحكام المادة (137) من قانون تنظيم الجامعات الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972، المعدل بالقانون رقم 142 لسنة 1994، قبل تعديله بالقانون رقم 152 لسنة 2019، المشار إليهما، ومن ثم فإن المركز القانوني للمدعي يكون قد اكتمل واستقر في ظل العمل بالمادة المطعون عليها قبل تعديلها الأخير المار بيانه، الذي يعمل به من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية - الحاصل في تاريخ لاحق على تخرج المدعي في دور يونيو 2019 - ودون أثر رجعي، فإن المراكز القانونية التي نشأت وترتبت آثارها في ظل أي من القانونين -القديم أو الجديد- تخضع لحكمه، وهو ما مقتضاه أن فرصة التكليف التي يرنو المدعي إليها إنما يحكمها نص المادة (137) من قانون تنظيم الجامعات المشار إليه؛ إذ تحدد مركزه القانوني عند التخرج وفقًا لأحكامها، ولا يكون مخاطبًا بهذا النص بعد تعديله بالقانون رقم 152 لسنة 2019 سالف الإشارة إليه، إذ صار تطبيقه اعتبارًا من تاريخ العمل به، دون أثر رجعي؛ ومن ثم تنتفي مصلحة المدعي الشخصية المباشرة في الطعن عليه بعدم الدستورية، مما لزامه القضاء بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.