الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 17 أبريل 2025

الطعن 176 لسنة 12 ق جلسة 13 / 4 / 1968 إدارية عليا مكتب فني 13 ج 2 ق 105 ص 787

جلسة 13 من إبريل سنة 1968

برئاسة السيد الأستاذ الدكتور محمود سعد الدين الشريف رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة عادل عزيز زخاري ومحمد طاهر عبد الحميد ومحمد صلاح الدين السعيد ومحمد بهجت عتيبة المستشارين.

----------------

(105)

القضية رقم 176 لسنة 12 القضائية

(أ) موظف "تأديب". تكليف 

- تقدير الجزاء التأديبي - الأصل فيه أنه من إطلاقات جهة الإدارة - يحد سلطتها في ذلك قيام المشرع بتحديد جزاء معين للمخالفة - مثال ذلك ما تنص عليه المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن بعض الأحكام الخاصة بالشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة، معدلة بالقانون رقم 155 لسنة 1955، من توقيع جزاء الفصل من الوظيفة العامة على العامل الذي يجمع بين عمل الوظيفة العامة الذي يتقاضى عنه مرتباً والقيام بإدارة أو عضوية مجلس إدارة إحدى الشركات المساهمة أو الاشتراك في تأسيسها أو الاشتغال ولو بصفة عرضية بأي عمل ولو استشاري فيها، وسواء كان بأجر أو بغير أجر - لا يمنع من وجوب إنزال هذا الجزاء الحتمي كون العامل المخالف مهندساً خاضعاً لأحكام القانون رقم 296 لسنة 1956 بشأن تكليف المهندسين - عدم الاعتداد بما يكون قد تقدم به من استقالة.
(ب) موظف "تأديب" 

سقوط حكم المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 المشار إليها في مجال التطبيق بالنسبة لشركات القطاع العام طبقاً للفقرة الثانية من المادة التاسعة من القانون رقم 32 لسنة 1966 بإصدار قانون المؤسسات العامة وشركات القطاع العام، وذلك اعتباراً من تاريخ العمل بهذا القانون - الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا في حكم المحكمة التأديبية لقيام حالة من أحوال الطعن في الحكم تستوجب إلغاءه - عدم التقيد بنص المادة 95 المشار إليها عند تقديرها الجزاء على المخالفة المتقدم ذكرها (1) - سلطة المحكمة في تقدير الجزاء.

-----------------
1 - إن المستفاد من أحكام القانون رقم 296 لسنة 1956 أن المشرع حظر على مهندسي الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة من الدرجة الثالثة فما دونها الامتناع عن أداء أعمال وظائفهم إلا إذا انتهت مدة خدمتهم بأحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وأن مقتضى حكم المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 حظر الجمع بين الوظائف العامة التي يتناول صاحبها مرتباً وبين إدارة أو عضوية مجلس إدارة إحدى الشركات المساهمة أو الاشتراك في تأسيسها أو الاشتغال ولو بصفة عرضية بأي عمل أو استشارة فيها سواء أكان ذلك بأجر أم بغير أجر وقد رتبت هذه المادة جزاء الفصل من الوظيفة العامة على مخالفة هذا الحظر، لذلك فإنه لا اعتداد بالاستقالة التي قدمها المطعون ضده في 4 من سبتمبر سنة 1963 والتي أفصحت الإدارة عن عدم قبولها وكلفته العودة إلى العمل بعد تقديمها توكيداً لقيام العلاقة الوظيفية بينها وبين المطعون ضده، وقيام هذه الرابطة يقتضيه مزاولة مهام الوظيفة فإذا تخلف عن أداء هذه المهام والتحق بالعمل في إحدى الشركات المساهمة دون ترخيص رغم قيام رابطة الوظيفة بينه وبين وزارة الري فإنه يكون قد خرج على مقتضيات الوظيفة وارتكب ذنباً إدارياً يستوجب مجازاته عنه بالجزاء الحتمي الوارد على سبيل التحديد في البناء (2) من المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 سالف الذكر، دون أن يكون للقضاء سلطة في تقدير الجزاء وتوقيع جزاء آخر غير هذا الجزاء الذي حدده القانون.
2 - إن قيام سبب للطعن في حكم المحكمة التأديبية بعد سقوط أحكام القانون رقم 26 لسنة 1954 والقوانين المعدلة له من مجال التطبيق بالنسبة لشركات القطاع العام طبقاً لما تقضي به الفقرة الثانية من المادة التاسعة من القانون رقم 32 لسنة 1966 بإصدار قانون المؤسسات العامة وشركات القطاع العام الذي سرى العمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية في 5 من أغسطس سنة 1966 يجعل المحكمة الإدارية العليا وهي بصدد إنزال حكم القانون غير مقيدة بالجزاء الحتمي المنصوص عليه في المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 الذي سقط من مجال التطبيق بالنسبة إلى الشركة التي التحق بها المطعون ضده وهي شركة مساهمة من شركات القطاع العام وإنما تنزل على المطعون ضده أحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1964 إعمالاً للأثر المباشر لهذا القانون، الذي أورد الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على العاملين ولم ينص على توقيع جزاءات معينة على سبيل التحديد تاركاً التقدير للسلطة المختصة بتوقيع الجزاء.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن النيابة الإدارية أقامت الدعوى التأديبية ضد المهندس محمد محمد الطويل بإيداع أوراقها سكرتيرية المحكمة التأديبية بالإسكندرية في 6 من يوليه 1964 وقد حدد قرار الاتهام المخالفة المنسوبة إلى المهندس المتهم وحاصلها أنه خلال الفترة من 3 من أكتوبر 1963 حتى 9 من إبريل سنة 1964 بدائرة محافظة البحيرة، بصفته من المهندسين الذين يشغلون درجة دون الثانية خالف القانون وخرج على مقتضى الواجب بأن انقطع عن مباشرة عمله بعد انتهاء إجازته الاعتيادية دون أن تنتهي مدة خدمته بأحد الأسباب المنصوص عليها قانوناً. وذلك بالمخالفة لنصوص المواد 57، 62، 83 من القانون رقم 210 لسنة 1951 والمادة الخامسة من القانون رقم 296 لسنة 1956 المعدل بالقانون رقم 74 لسنة 1964، ولدى نظر الدعوى أمام المحكمة التأديبية بالإسكندرية بجلسة 28 من نوفمبر سنة 1964 قرر المهندس المتهم أنه عين بمصلحة الميكانيكا والكهرباء في شهر مارس سنة 1950 وعمل في عدة جهات نائية بأنحاء الجمهورية وأنه رغبة منه في رعاية أسرته المكونة من والدين مسنين مريضين يقيمان بالإسكندرية فإنه قدم استقالته من العمل الحكومي في 3 من سبتمبر سنة 1963 والتحق بالعمل بالشركة الأهلية للغزل والنسيج في 4 من سبتمبر سنة 1963 في وظيفة مهندس براتب شهري مقداره 57 جنيهاً وهو يقل في مقداره عن الراتب الذي كان يتقاضاه في عمله الحكومي وأنه قبل العمل براتب أقل لظروفه آنفة الذكر، وقد وجهت النيابة الإدارية إلى المهندس المتهم في ذات الجلسة تهمة ثانية حاصلها أنه خلال الفترة من 4 من سبتمبر سنة 1963 حتى الآن جمع بين وظيفته الحكومية وبين العمل في شركة مساهمة هي الشركة الأهلية للغزل والنسيج وذلك بالمخالفة للمواد 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 المعدل بالقانون رقم 155 لسنة 1955 و79 من القانون رقم 210 لسنة 1952 و54 من القانون رقم 46 لسنة 1964.
وبجلسة 30 من أكتوبر سنة 1965 حكمت المحكمة التأديبية بالإسكندرية بمجازاة المهندس محمد محمد الطويل بخصم ثلاثة أيام من مرتبه وأقامت قضاءها على أن الثابت بالأوراق وبإقرار المهندس المذكور أن المتهم مهندس متخرج من كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية ويشغل وظيفة دون الدرجة الثانية بالحكومة وأنه قدم استقالته في 4 من سبتمبر سنة 1963 وانقطع عن العمل من 3 أكتوبر سنة 1963 ولا يزال منقطعاً عنه بغير إذن وقبل أن تنتهي خدمته بأحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وذلك فيما عدا الاستقالة سواء كانت صريحة أو ضمنية كما أنه جمع منذ 4 من سبتمبر سنة 1963 بين وظيفته العامة وبين العمل بالشركة الأهلية للغزل والنسيج بالإسكندرية وهي شركة مساهمة عربية وبذلك يكون قد خالف أحكام القانون مما يستوجب مساءلته تأديبياً وأوردت المحكمة في أسباب الحكم أنها وهي في مقام تقدير الجزاء المناسب تأخذ في الاعتبار الدوافع التي حدت بالمخالف إلى ارتكاب المخالفة وهي على ما يبين من كتاب السيد المهندس رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة الأهلية للغزل والنسيج المؤرخ 30 من نوفمبر سنة 1964 والموجه إلى السيد المهندس وزير الري تجمل في تدهور حالة أسرته بتكليفه وتكليف أخويه المهندسين للعمل بوزارة الكهرباء أحدهما بمنخفض القطارة والآخر في أسوان واستشهاد شقيقه الملازم عبد الحميد الطويل باليمن ورعاية المخالف لزوجته وأولاده القصر ومرض والديه الطاعنين في السن وأن هذه الأسباب مجتمعة هي التي حدت به إلى الاستقالة ليكون بجانب أسرته ليرعاها باعتباره عائلها الوحيد وأن الغرض المادي لم يكن هو الدافع على تقديمها حيث لم يحصل على أية ميزات مادية نتيجة لتلك الاستقالة وأن هذه الدوافع كانت محل تقدير واعتبار السيد المهندس وزير الري حيث وافق في 20 من مارس سنة 1965 على نقل المخالف إلى المؤسسة المصرية العامة للغزل والنسيج وطلبت الوزارة التي يتبعها المخالف من المؤسسة موافاتها بموافقة لجنة شئون العاملين على هذا النقل وذلك بالكتاب رقم 3/ 8/ 2007 - 83742 بتاريخ 9 من مايو سنة 1965 وهذا يعني عدم الحاجة إلى المخالف للعمل بالوزارة التي يتبعها كما تأخذ المحكمة في الاعتبار ما استظهرته من الأوراق من حاجة الشركة التي ألحق للعمل بها لخبرته وهي شركة من شركات القطاع العام تؤدي رسالة هامة في تنمية الاقتصاد القومي الأمر الذي ترى معه المحكمة الاكتفاء بمجازاة المخالف بخصم ثلاثة أيام من مرتبه.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن القانون رقم 26 لسنة 1954 المعدل بالقانون رقم 155 لسنة 1955 قد حظر الجمع بين الوظيفة العامة والعمل في الشركات المساهمة ورتب على هذا الجمع فصل الموظف المخالف فمن ثم تلتزم المحاكم التأديبية في كل الحالات التي يتحقق فيها من جمع الموظف بين عمله في الحكومة وتأدية أي عمل للشركات المساهمة ولو بصفة عرضية أو على سبيل الاستشارة أن تصدر حكمها بعزل الموظف المخالف من عمله في الحكومة ولا يجوز لها العدول عن الجزاء المحدد قانوناً بمقولة إن توقيع هذه العقوبة يتنافى والحكمة التي هدف إليها المشرع، وأن الثابت بالأوراق ومن إقرار المخالف أنه التحق بالعمل بالشركة الأهلية للغزل والنسج بالإسكندرية اعتباراً من 4 من سبتمبر سنة 1963 ولا يزال يعمل بها حتى الآن ومن ثم فقد جمع بين الوظيفة العامة كمهندس بمحطات العطف الكهربائية بتفتيش غرب الدلتا والعمل بإحدى الشركات المساهمة ويكون قيامه بهذا الجمع أمراً محظوراً قد اقترفه مخالفاً بذلك نص المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1945 معدلة بالقانون رقم 155 لسنة 1955 ويكون بذلك قد خالف واجبات وظيفته وخرج على مقتضى الواجب في أعمالها وفقاً لما يقضي به القانون وبالتالي يقع تحت طائلة الجزاء الحتمي الذي لا مناص منه وهو الوارد على سبيل التحديد دون أن يكون للقضاء سلطة تقدير العقوبة المنصوص عليها في البند الثاني من المادة 95 آنفة الذكر وهذا الجزاء هو الفصل من الوظيفة وبذلك يكون حكم المحكمة التأديبية المطعون فيه قد جانب الصواب ويتعين القضاء بإلغائه.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على الأوراق أن المطعون ضده حصل على بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة الإسكندرية عام 1949 وعين في 16 من إبريل سنة 1950 في وظيفة مهندس من الدرجة السادسة بمصلحة الميكانيكا والكهرباء وتدرج في الترقيات إلى أن رقي إلى الدرجة الثالثة اعتباراً من 17 من سبتمبر سنة 1961 وقد ألحق بمحطة توليد القوى بالقصاصين وبعد أن منح إجازة اعتيادية في المدة من 4 من سبتمبر سنة 1963 إلى 3 من أكتوبر 1963 تقدم باستقالة مؤرخة 4 من سبتمبر سنة 1963 وصدر قرار بنقله إلى تفتيش محطات غرب الدلتا بالمحمودية اعتباراً من 7 من سبتمبر سنة 1963 فتقدم في التاريخ المذكور بطلب لإخلاء طرفه من محطة توليد القوى بالقصاصين ليتسلم عمله في الجهة المنقول إليها إلا أنه لم يتسلم عمله في التفتيش المنقول إليه فأخطر في أول أكتوبر سنة 1963 بموجب الكتاب الموصى عليه رقم 56355 بعدم قبول طلب الاستقالة المقدم منه وبضرورة عودته إلى العمل طبقاً لما تقضي به أحكام القانون رقم 296 لسنة 1956 وأن الوزارة ستقوم بإبلاغ النيابة العامة بالواقعة في حالة تخلفه إلا أنه لم يأبه بهذا الإخطار وظل منقطعاً عن العمل فأبلغت النيابة العامة بالواقعة بتاريخ 12 من ديسمبر سنة 1963 كما أبلغت النيابة الإدارية فأجرت تحقيقاً سمعت فيه أقوال السيد/ محمد السعيد شلبي رئيس مكتب تفتيش محطات وطلمبات غرب الدلتا بالمحمودية الذي قرر أن المهندس/ محمد محمد الطويل لم يتسلم عمله بتفتيش غرب الدلتا المنقول إليه وأن مصلحة الميكانيكا والكهرباء سبق أن أخطرته بكتابها رقم 56355 بتاريخ أول أكتوبر سنة 1963 بعدم قبول استقالته وضرورة عودته إلى العمل وسئل المهندس المتهم في التحقيق فقرر أنه قدم استقالته لظروف عائلية إذ أنه أكبر أفراد العائلة ويعول والده ووالدته المسنين وأنه سبق أن أمضى خمسة عشر عاماً في العمل بوزارة الري تنقل خلالها إلى عدة جهات حيث عمل في السودان ونجع حمادي والفيوم والقصاصين ومديرية التحرير وأن حالة أولاده الصحية تستوجب وجوده بالإسكندرية واعترف بأنه انقطع عن العمل وأنه لم يتسلم عمله بمحطات طلمبات غرب الدلتا بعد نقله إليها وأنه أخطر بعدم قبول استقالته وذكر أنه لم يلتحق بأي عمل آخر وأنه يعمل كمهندس استشاري يقدم مشورته لمن يطلبها ثم قرر أمام المحكمة التأديبية بالإسكندرية بجلسة 28 من نوفمبر سنة 1964 أنه التحق بالعمل بالشركة الأهلية للغزل والنسج في 4 من سبتمبر سنة 1963 في وظيفة براتب شهري مقداره 57 جنيهاً.
ومن حيث إن المادة الثالثة من القانون رقم 296 لسنة 1956 في شأن أوامر التكليف للمهندسين المصريين خريجي الجامعات المصرية تنص على أن يصدر الوزير المختص أو من ينيبه أمر تكليف إلى الخريجين الذين رشحتهم اللجنة للعمل في الوظائف التي عينتها ويكون هذا الأمر نافذاً لمدة سنتين قابلة للامتداد، كما تنص المادة الخامسة منه على أن يحظر على مهندسي الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة من الدرجة الثالثة فما دونها الامتناع عن تأدية أعمال وظائفهم ما لم تنته خدمتهم بأحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وذلك فيما عدا الاستقالة سواء كانت صريحة أو ضمنية فإنها تعتبر كأن لم تكن، كما تنص المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن بعض الأحكام الخاصة بشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة معدلة بالقانون رقم 155 لسنة 1955 على أنه: بند (1) لا يجوز الجمع بين وظيفة من الوظائف العامة التي يتناول صاحبها مرتباً وبين إدارة أو عضوية مجلس إدارة إحدى شركات المساهمة أو الاشتراك في تأسيسها أو الاشتغال ولو بصفة عرضية بأي عمل فيها ولو على سبيل الاستشارة سواء كان ذلك بأجر أم بغير أجر حتى ولو كان حاصلاً من الجهة الإدارية التابع لها على ترخيص يخوله العمل خارج وظيفته العامة، ومع ذلك يجوز لمجلس الوزراء أن يرخص في الاشتغال بمثل هذه الأعمال بمقتضى إذن خاص يصدر في كل حالة بذاتها. بند (2) ويفصل الموظف الذي يخالف هذا الحظر من وظيفته بقرار من الجهة التابع لها بمجرد تحققها من ذلك كما يكون باطلاً كل عمل يؤدي بالمخالفة لحكم الفقرة السابقة ويلزم المخالف بأن يؤدي ما يكون قد قبضه من الشركة لخزانة الدولة.
ومن حيث إن المستفاد من أحكام القانون رقم 296 لسنة 1956 أن المشرع حظر على مهندسي الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة من الدرجة الثالثة فما دونها الامتناع عن أداء أعمال وظائفهم إلا إذا انتهت مدة خدمتهم بأحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وأن مقتضى حكم المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 آنف الذكر حظر الجمع بين الوظائف العامة التي يتناول صاحبها مرتباً وبين إدارة أو عضوية مجلس إدارة إحدى الشركات المساهمة أو الاشتراك في تأسيسها أو الاشتغال ولو بصفة عرضية بأي عمل أو استشارة فيها سواء أكان ذلك بأجر أم بغير أجر وقد رتبت هذه المادة جزاء الفصل من الوظيفة العامة على مخالفة هذا الحظر، لذلك فإنه لا اعتداد بالاستقالة التي قدمها المطعون ضده في 4 من سبتمبر سنة 1963 والتي أفصحت الإدارة عن عدم قبولها وكلفته بالعودة إلى العمل بعد تقديمها توكيداً لقيام العلاقة الوظيفية بينها وبين المطعون ضده، وقيام هذه الرابطة يقتضيه مزاولة مهام الوظيفة فإذا تخلف عن أداء هذه المهام والتحق بالعمل في إحدى الشركات المساهمة دون ترخيص رغم قيام رابطة الوظيفة بينه وبين وزارة الري فإنه يكون قد خرج على مقتضيات الوظيفة وارتكب ذنباً إدارياً يستوجب مجازاته عنه بالجزاء الحتمي الوارد على سبيل التحديد في البند (2) من المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 سالف الذكر، دون أن يكون للقضاء سلطة في تقدير الجزاء وتوقيع جزاء آخر غير هذا الجزاء الذي حدده القانون، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه وقد قضى بتوقيع جزاء بخصم ثلاثة أيام من مرتب المطعون ضده يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وهو ما كان يقتضي في الأصل إلغاء الحكم وتوقيع الجزاء الحتمي الذي نص عليه البند (2) من المادة 95 آنفة الذكر وهو الفصل من الوظيفة العامة، على أنه قد قام في الحكم سبب من أسباب الطعن بعد أن سقطت أحكام القانون رقم 26 لسنة 1954 والقوانين المعدلة له من مجال التطبيق بالنسبة لشركات القطاع العام طبقاً لما تقضي به الفقرة الثانية من المادة التاسعة من القانون رقم 32 لسنة 1966 بإصدار قانون المؤسسات العامة وشركات القطاع العام الذي سرى العمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية في 5 من أغسطس سنة 1966 والتي تنص على أنه لا تسري على شركات القطاع العام أحكام القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن بعض الأحكام الخاصة بشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة والقوانين المعدلة له. لذلك فإن هذه المحكمة وهي بصدد إنزال حكم القانون بعد أن قام في الحكم سبب من أسباب الطعن لا تكون مقيدة بالجزاء الحتمي المنصوص عليه في المادة 95 من القانون رقم 26 لسنة 1954 الذي سقط من مجال التطبيق على الشركة الأهلية للغزل والنسيج بالإسكندرية التي التحق بها المطعون ضده وهي شركة مساهمة من شركات القطاع العام وإنما تنزل على المطعون ضده أحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1964 إعمالاً للأثر المباشر لهذا القانون، ولما كانت المادة 61 من القانون المذكور قد أوردت الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على العاملين ولم ينص على توقيع جزاءات معينة على سبيل التحديد تاركة التقدير للسلطة المختصة بتوقيع الجزاء، لذلك وفي ضوء الاعتبارات التي أوردتها المحكمة التأديبية بالإسكندرية والسالف بيانها فإن المحكمة ترى أن خصم ثلاثة أيام من راتب المطعون ضده هو جزاء مناسب لما فرط منه في ضوء الملابسات التي سبقت الإشارة إليها وهو ما يتعين معه الإبقاء على هذا الجزاء وما يقتضيه ذلك من رفض الطعن.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً.


(1) قارن حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة 25 من فبراير سنة 1967 المنشور بمجموعة السنة الثانية عشرة - العدد الثاني - المبدأ رقم 73.

الطعن 11505 لسنة 88 ق جلسة 2 / 11 / 2019 مكتب فني 70 ق 81 ص 745

جلسة 2 من نوفمبر سنة 2019
برئاسة السيد القاضي / وجيه أديب نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / بدر خليفة ، خالد جاد ، خالد إلهامي وممدوح فزاع نواب رئيس المحكمة .
-----------------
(81)
الطعن رقم 11505 لسنة 88 القضائية
(1) حكم " بيانات التسبيب " " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
حكم الإدانة . بياناته ؟ المادة 310 إجراءات جنائية .
بيان الحكم واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وإيراده على ثبوتها في حقه أدلة سائغة . لا قصور .
عدم رسم القانون شكلاً خاصاً لصياغة الحكم . كفاية أن يكون مجموع ما أورده مؤدياً إلى تفهم الواقعة بأركانها وظروفها .
مثال .
(2) قصد جنائي . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير توافر القصد الجنائي " . قتل عمد .
قصد القتل . أمر خفي . إدراكه بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه . استخلاص توافره . موضوعي.
مثال لتدليل سائغ على توافر نية القتل في جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار .
(3) حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
النعي بخصوص شهادة لم يتساند الحكم إليها . غير مقبول .
(4) باعث . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
الباعث على الجريمة . ليس من عناصرها القانونية . التفات الحكم عنه . لا يعيبه .
(5) سبق إصرار . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير توافر سبق الإصرار " .
سبق الإصرار . حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني . للقاضي استخلاص توافره من الوقائع والظروف الخارجية . ما دام سائغاً . توافره في حقه . شرطه ؟
مثال .
(6) اقتران . قتل عمد . ظروف مشددة . عقوبة " العقوبة المبررة " . نقض " المصلحة في الطعن " .
إثبات الحكم استقلال الجريمة المقترنة عن جناية القتل وتميزها عنها وقيام المصاحبة الزمنية بينهما . كفايته لتغليظ العقاب عملاً بالمادة 234/2 عقوبات .
نعي الطاعن بشأن توافر ظرف الاقتران . غير مجد . ما دامت العقوبة الموقعة عليه مقررة للجريمة التي دين بها مجردة من ذلك الظرف .
مثال لتدليل سائغ على توافر ظرف الاقتران في جريمة القتل العمد .
(7) إثبات " بوجه عام " " شهود " . محكمة الموضوع " سلطتها في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى " " سلطتها في تقدير أقوال الشهود " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى . موضوعي . ما دام سائغاً .
وزن أقوال الشهود وتقديرها . موضوعي .
أخذ المحكمة بشهادة الشهود . مفاده ؟
ورود شهادة الشاهد على الحقيقة المراد إثباتها بجميع تفاصيلها . غير لازم . شرط ذلك ؟
تساند الأدلة في المواد الجنائية . مؤداه ؟
مناقضة الصورة التي ارتسمت في وجدان المحكمة بالدليل الصحيح . غير جائزة أمام محكمة النقض .
(8) إثبات " بوجه عام " . استدلالات . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل "" سلطتها في تقدير جدية التحريات " .
حرية القاضي في تكوين عقيدته والأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه . عدم جواز مطالبته بالأخذ بدليل معين . حد ذلك ؟
للمحكمة التعويل على تحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة .
(9) حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
النعي على المحكمة استنادها لوقائع لا أصل لها . غير مقبول . ما دامت قد أثبتتها مما له سنده ومعينه من التحقيقات .
(10) إثبات " بوجه عام " " شهود " . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
عدم التزام المحكمة بأن تورد في حكمها من الأدلة وأقوال الشهود إلا ما تقيم قضاءها عليه . إغفالها بعض الوقائع . مفاده : اطراحها .
مثال .
(11) دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " . جريمة " أركانها " . قتل عمد . ذخائر .
نعي الطاعن بشأن نوع العيار محدث الإصابة . دفاع موضوعي . لا يستلزم رداً صريحاً .
آلة القتل . ليست من الأركان الجوهرية في الجريمة . النعي بشأن ذلك . غير مجد .
(12) إثبات " خبرة " . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير آراء الخبراء " .
تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات . موضوعي .
مثال .
(13) محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير توافر رابطة السببية " . قتل عمد .
تقدير توافر علاقة السببية . موضوعي . حد ذلك ؟
مثال لتدليل سائغ على توافر علاقة السببية في جريمة قتل عمد .
(14) إثبات " شهود " . إجراءات " إجراءات المحاكمة " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
للمحكمة الاستغناء عن سماع شهود الإثبات مع الاعتماد على أقوالهم بالتحقيقات . شرط ذلك ؟
النعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها . غير مقبول .
(15) إجراءات " إجراءات المحاكمة " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
الطلب الجازم الذي تلتزم المحكمة بإجابته أو الرد عليه . ماهيته ؟
مثال لما لا يعد طلباً جازماً .
(16) نقض " أسباب الطعن . تحديدها " .
وجه الطعن . وجوب أن يكون واضحاً ومحدداً .
مثال .
(17) إعدام . شريعة إسلامية .
النعي على الحكم مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية لقضائه بالإعدام على قاتل ابنه . غير مقبول . علة ذلك ؟
(18) قانون " إلغاؤه " . اتفاقيات دولية . إعدام . عقوبة " تطبيقها " .
إلغاء النص التشريعي . حالاته ؟
تطبيق أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية . لا يؤثر في مجال توقيع عقوبة الإعدام المعمول بها في جمهورية مصر العربية . علة وأساس ذلك ؟
عدم توقيع جمهورية مصر العربية على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي والخاص بإلغاء عقوبة الإعدام . أثره : عدم التزامها به . النعي على الحكم مخالفته للاتفاقيات الدولية . غير مقبول .
(19) إعدام . نيابة عامة . محكمة النقض " سلطتها " .
إثبات تاريخ تقديم مذكرة النيابة في قضايا الإعدام أو توقيعها من محام عام بتوقيع مقروء . غير لازم . اتصال محكمة النقض بها بمجرد عرضها عليها دون التقيد بالرأي الذي ضمنته النيابة مذكرتها . أساس وعلة ذلك ؟
(20) محاماة . إجراءات " إجراءات المحاكمة " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " .
حضور محام مقبول للمرافعة أمام محكمة الجنايات مدافعاً عن المحكوم عليه بالإعدام . أثره : صحة إجراءات محاكمته . علة وأساس ذلك ؟
استعداد المدافع أو عدم استعداده . موكول لتقديره حسبما يمليه عليه ضميره ويوحي به اجتهاده وتقاليد مهنته . ترافعه فيما نسب للطاعن . كفايته .
(21) إثبات " بوجه عام " . قتل عمد . إعدام . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " .
وجود شهود رؤية أو قيام أدلة معينة لثبوت جريمة القتل ومعاقبة مرتكبها بالإعدام . غير لازم . للمحكمة تكوين اعتقادها بالإدانة من ظروف الدعوى وقرائنها .
(22) إثبات " شهود " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
إحالة الحكم في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر . لا يعيبه . حد ذلك ؟
عدم التزام المحكمة بسرد روايات الشهود إن تعددت . حسبها أن تورد منها ما تطمئن إليه . لا يغير من ذلك اختلافهم في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم .
مثال .
(23) إثبات " خبرة " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
عدم إيراد الحكم نص تقرير الخبير بكل أجزائه . لا ينال من سلامته .
مثال .
(24) إعدام . حكم " بيانات حكم الإدانة " .
الحكم الصادر بالإعدام . ما يلزم من تسبيب لإقراره ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- لما كان الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله : " ..... أن المتهم .... زوج المجني عليها الشاهدة الأولى .... ولديه منها من الأولاد ثلاثة في مقتبل العمر .... و .... و .... وقد ارتبط بعلاقة غير شرعية بشقيقة زوجته وتدعى .... منذ أن عملت لديه بمزرعته الخاصة وقد بدأت الخلافات تتولد مع زوجته منذ أن نما إلى علمها بتلك العلاقة ولم تُجد محاولاتها نفعاً في إثنائه عن الاستمرار في تلك العلاقة ورغبة منه بعدم انقطاع تلك العلاقة الآثمة وللتخلص من خلافاته مع زوجته والتفرغ لعلاقته الآثمة فقط طرأت في نفسه فكرة وسيطرت على وجدانه وما وسوس به شيطانه من التخلص من أفراد أسرته جميعاً - زوجته وأولاده الصغار - ، وفكر في هدوء وروية وخطط لذلك الأمر قبل تنفيذه حتى وصل إلى عقيدة راسخة وإصرار وتصميم لا رجعة فيه ولا عدول عنه وراح يتدبر أمره في كيفية تنفيذ مخططه الإجرامي حتى ارتسمت الخطة إليه وهداه الشيطان إليها ودلف بهدوء وثبات إلى مرحلة البدء في التنفيذ لا يردعه رادع من خالق أو من ضمير غير عابئ بكلام الله عز وجل بتحريم قتل النفس ، وفي يوم الواقعة وحسب الخطة التي رسمها استدرج المجني عليهم ليلاً بالسيارة والتي احتفظ بسلاح ناري " مسدس " بها مسبقاً إلى مكان غير آهل بالسكان بعيد عن أعين المارة بوسط الزراعات رسمه في خطته لتنفيذ جريمته فيه بعد أن أوهمهم بأنه سيمر على المزرعة لأخذ مبلغ مالي من أحد أصدقائه ، وعند وصوله إلى المكان المحدد ترجل من السيارة محرزاً السلاح الناري آنف البيان والذي أعده لهذا الغرض وتوجه ناحية مكان جلوس زوجته المجني عليها بالسيارة بجواره وأطلق صوب رأسها عياراً نارياً قاصداً قتلها ولم تشعر حينها بما يدور حولها محدثاً إصابتها الموصوفة بتقرير الطب الشرعي ، واستكمالاً لما عقد العزم عليه من مذبحة لأفراد أسرته وجه سلاحه نحو أطفاله الثلاث الجالسين بالمقعد الخلفي وأطلق صوب رأس الطفلين المجني عليهما .... و .... كل عياراً نارياً فأحدث إصابتهما الموصوفة بتقريري الصفة التشريحية التي أودت بحياتهما ونظراً لحالة الهلع والفزع التي انتابت الطفلة الثالثة .... من هول المذبحة البشعة التي ارتكبها والدها بدأت في الصراخ والتوسل إليه بعدم قتلها وترك السلاح من يده فتدخلت العناية الإلهية وكتب الله لها عمراً جديداً بنجاتها من تلك المذبحة ، واستقل المتهم السيارة عائداً إلى منزله تاركاً إياها أمام المنزل وبها المجني عليهم والطفلة الناجية وفر هارباً فأسرعت الأخيرة بالاستغاثة بجيرانها الذين تجمعوا وقاموا بنقل المجني عليهم إلى المستشفى " ، وقد ساق الحكم على صحة الواقعة وإسنادها إلى الطاعن أدلة استقاها من أقوال شهود الإثبات وما ثبت بالتقرير الطبي الشرعي الخاص بإصابة المجني عليها .... ومن تقريري الصفة التشريحية الخاصين بالمجني عليهما .... و .... وحصّل الحكم مؤدى هذه الأدلة تحصيلاً سليماً له أصله الثابت في الأوراق – على ما يبين من المفردات المضمومة – . لما كان ذلك ، وكانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمة التي دان المحكوم عليه بها والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه ، وكان يبين مما سطره الحكم أنه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان هذا محققاً لحكم القانون ، ومن ثم يضحى منعى الطاعن في هذا الخصوص غير سديد .
2- لما كان الحكم المطعون فيه قد دلل على توافر نية القتل في حق الطاعن في قوله : " .... قد توافرت تلك النية لدى المتهم وتولدت لديه من حاصل ما طرحته المحكمة من انتواء المتهم قتل المجني عليهم وإزهاق أرواحهم وبين ذلك من استدراجه للمجني عليهم ليلاً لمنطقة حددها مسبقاً ليكونوا بمنأى عن الأعين حسب الخطة التي رسمها وإعداده لسلاح ناري وهو قاتل بطبيعته ومن جسامة الإصابات ، وما إن تحين الوقت المناسب وظفر بهم قام بتوجيه سلاحه صوب رؤوس المجني عليهم مباشرة وهو موضع قاتل في أجسامهم ومن مسافة قريبة جداً حددها تقرير الطب الشرعي بما تقل عن الربع متر حال جلوسهم بالسيارة فلا مفر من الهرب ، وأطلق الأعيرة النارية صوب رؤوسهم مباشرة حتى أبصرهم وقد سقطوا فوراً مضرجين في دمائهم وقد أيقن موت طفليه في الحال ، وشاءت عناية الله التدخل وإيقاف مسيرته نحو استكمال مذبحته وإنقاذ المجني عليها الأولى بمداركتها بالعلاج وهو ما لا يغير من الأمر شيئاً إذ تبقى نية القتل متوافرة في حقه ومن جميع تلك الملابسات ما يدل وبحق ويقطع بتوافر قصد القتل في حق المتهم كما هو معرف قانوناً دلت عليه الظروف المحيطة بالدعوى والمظاهر والأمارات الخارجية التي أتاها المتهم وتنم عما يضمره في نفسه من انتوائه قتل المجني عليهم " . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه ، واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى موكول إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية ، وكان الحكم قد دلل تدليلاً سائغاً على توافر نية القتل في حق الطاعن فإن النعي عليه في هذا الخصوص يكون غير سديد .
3- لما كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه لم يتساند في إدانة الطاعن إلى شهادة الطفلة .... ولم يورد لها ذكراً فيما سطره ، فإن منعى الطاعن في هذا الخصوص لا يكون له محل .
4- لما كان القول بانعدام الباعث على ارتكاب الجريمة فإنه ليس من العناصر القانونية للجريمة ، فلا يعيب الحكم التفاته عنه .
5- من المقرر أن سبق الإصرار حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني ، فلا يستطيع أحد أن يشهد بها مباشرة بل تستفاد من وقائع خارجية يستخلص منها القاضي مدى توافره ما دام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا الاستنتاج ، ويشترط لتوفره في حق الجاني أن يكون في حالة يتسنى له فيها التفكير في عمله والتصميم عليه في روية وهدوء ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد استظهر توافر ظرف سبق الإصرار بقوله : " .... حيث إنه عن ظرف سبق الإصرار والذي هو حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني قد لا يكون لها في الخارج أثر محسوس يدل عليها مباشرة وإنما يستفاد من ظروف الدعوى وعناصرها ، ومناط سبق الإصرار هو أن يرتكب الجاني الجريمة وهو هادئ البال بعد إعمال فكر وروية فيما اعتزمه وهو مطمئن النفس يقلب الأمر على كافة صوره فيستقر مختاراً على سلوك الجريمة ، وهو أمر ثابت في الدعوى متوافر في حق المتهم من الخلافات القائمة بينه وبين زوجته المجني عليها الأولى ومن توافر الباعث على القتل وهو الاستمرار في علاقته الآثمة مع شقيقة زوجته دون أن يعكر صفوه أحد ، ومن إعداده خطة للانفراد بالمجني عليهم ليلاً وبمكان خفي عن الأعين حتى لا يشعر بهم أحد وإعداده للسلاح الناري مسبقاً والاحتفاظ به بالسيارة ، وقد أعمل فكره في هدوء وروية وراح يتدبر أمره وتحديد الخطة التي رسمها قبل الواقعة بعقيدة راسخة وإصرار وتصميم لا رجعة فيه ولا عدول عنه واستدراجه للمجني عليهم بذلك المكان واهماً إياهم بالمرور على المزرعة لإحضار مبلغ مالي من أصدقائه حتى تحين الفرصة ونفذ ما خطط له وهو هادئ البال بإطلاق الأعيرة النارية صوبهم من السلاح الناري إحرازه ، ثم استقلال السيارة من بعد وبها المجني عليهم والعودة إلى المنزل وترك السيارة والفرار هرباً ، كل ذلك يدل وبيقين على قيام المتهم بارتكاب جريمته وهو في حالة هدوء نفسي وبعد روية وتفكير وبعيداً عن ثورة الغضب والانفعال ويتوافر معه ظرف سبق الإصرار في حقه كما هو معرف قانوناً دلت عليه ظروف وملابسات الحادث وتصرفات المتهم " ، وكان ما ساقه الحكم مما سلف سائغاً ويتحقق به توافر ظرف سبق الإصرار حسبما هو معرف به في القانون ، ومن ثم فإنه لا محل للنعي على الحكم في هذا الخصوص .
6- لما كان الحكم قد استظهر ظرف الاقتران في قوله : " .... وحيث إنه عن الاقتران فإنه يكفي لتغليظ العقاب عملاً بالفقرة الثانية من المادة 234 من قانون العقوبات أن يثبت استقلال الجريمة المقترنة عن جناية القتل وتميزها عنها وقيام المصاحبة الزمنية بينهما بأن تكون الجنايتان قد ارتكبتا في وقت واحد أو في فترة قصيرة من الزمن ، فإذا كان ذلك وكان الثابت من ماديات الدعوى أن ما أتاه المتهم من أفعال من تصويب سلاحه الناري نحو المجني عليها الأولى وإطلاق عيار ناري صوب رأسها قاصداً قتلها محدثاً إصابتها الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي وقد خاب أثر جريمته لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو مداركتها بالعلاج ، ومن ثم تكون جناية الشروع في القتل قد توافرت في حقه وما وقع منه بعد ذلك من تصويب سلاحه نحو طفليه الجالسين بالمقعد الخلفي للسيارة وإطلاق عيار ناري صوب رأس كل منهما مباشرة بقصد قتلهما وإحداث إصابتهما بالرأس الموصوفة بتقريري الصفة التشريحية والتي أحدثت الوفاة كل ذلك يوفر في حقه ظرف الاقتران لوقوع الجرائم في مكان واحد وزمن قصير وبفعل مادي مستقل لكل جريمة ، الأمر الذي يتحقق به توافر ظرف الاقتران الوارد في الفقرة الثانية من المادة 234 من قانون العقوبات " ، فإن ما ساقه الحكم فيما تقدم يتفق وصحيح القانون ويتحقق به معنى الاقتران ، لما هو مقرر من أنه يكفي لتغليظ العقاب عملاً بالفقرة الثانية من المادة 234 من قانون العقوبات أن يثبت الحكم استقلال الجريمة المقترنة عن جناية القتل وتميزها عنها وقيام المصاحبة الزمنية بينهما بأن تكون الجرائم قد ارتكبت في وقت واحد وفي فترة قصيرة من الزمن ، وتقدير ذلك مما يستقل به قاضي الموضوع ما دام يقيمه على ما يسوغه - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - ، هذا فضلاً عن أن عقوبة الإعدام الموقعة على الطاعن مقررة لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار التي أثبتها الحكم في حقه مجردة من ظرف الاقتران ، فإن ما يثيره الطاعن من قصور الحكم في بيان ظرف الاقتران – بفرض صحة ذلك – يكون غير مجد .
7- من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق – كما هو الحال في الدعوى المطروحة - ، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه ، وهي متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحلمها على عدم الأخذ بها ، وكان لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بكاملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق بل يجب أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها ، وكان لا يلزم أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، ولا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حده بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، فإن ما يثيره الطاعن بشأن أن أياً من شهود الإثبات لم ير واقعات الحادث ولم يعاصر أحدهم تعديه على المجني عليهم لا يعدو أن يكون محاولة لتجريح أدلة الدعوى على وجه معين تأدياً من ذلك إلى مناقضة الصورة التي ارتسمت في وجدان المحكمة بالدليل الصحيح ، وهو ما لا يقبل إثارته أمام محكمة النقض .
8- من المقرر أن الإثبات في المسائل الجنائية يقوم على حرية القاضي في تكوين عقيدته فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين إذ جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه ، وكان للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من الأدلة ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يكون له محل .
9- لما كان ما أورده الحكم بياناً لواقعة الدعوى " أن الطاعن وجه سلاحه نحو أطفاله الجالسين بالمقعد الخلفي للسيارة وأطلق صوب رأس الطفلين .... و .... عياراً نارياً " ، وما أورده في أقوال الشاهدة الأولى " أنها فوجئت بقيام الطاعن بإطلاق عيار ناري صوبها شعرت بعدها بالدماء تسيل من رأسها " له سنده ومعينه الصحيح من التحقيقات على ما يبين من المفردات المضمومة ، فإن منعى الطاعن في هذا الصدد يكون على غير أساس .
10- من المقرر في أصول الاستدلال أن المحكمة لا تورد من الأدلة وأقوال الشهود إلا ما تقيم قضاءها عليها ، وفي إغفالها بعض الوقائع ما يفيد ضمناً أنها اطرحتها ولم تعول عليها في حكمها ، ومن ثم فإنه لا محل لما ينعاه الطاعن من إغفالها الوقائع التي أشار إليها في أسباب طعنه ووردت على لسانه لأنها وقائع يريد الطاعن لها معنى لم تسايره فيه المحكمة .
11- لما كان ما يثيره الطاعن من تحريز فوارغ طلقات بالسيارة لمحدث صوت وهو ما يتعارض وما ورد بالتقرير الطبي الشرعي الخاص بالمجني عليها - الشاهدة الأولى - من إصابتها بعيار مختلف إنما قصد به إثارة الشبهة في أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ويعتبر من قبيل الدفاع الموضوعي الذي لا يستلزم من المحكمة رداً صريحاً ، هذا فضلاً عن أن آلة القتل ليست من الأركان الجوهرية في الجريمة فلا يجدي الطاعن المنازعة في هذا الخصوص ، فإن منعى الطاعن في هذا الصدد يكون على غير سند .
12- من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والمفاضلة بين تقاريرهم والفصل فيما يوجه إليها من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها شأنه في ذلك شأن سائر الأدلة ، فلها الأخذ بما تطمئن إليه منها والالتفات عما عداه ، وكانت المحكمة في الدعوى الماثلة قد اطمأنت إلى ما ورد بتقرير الطب الشرعي الخاص بالمجني عليها .... أن إصابتها جرحية نارية على هيئة فتحة دخول بخلفية يمين الرأس ومثلها يحدث من مثل الإصابة بمقذوف عيار ناري مفرد يتعذر الجزم بعياره نظراً لاستقراره بالجسم وصعوبة استخراجه حفاظاً على حياة المجني عليها ، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون على غير سند .
13- من المقرر أن علاقة السببية مسألة موضوعية ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها ، ومتى فصل فيها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة النقض عليه ما دام قد أقام قضاءه في ذلك على أسباب تؤدي إليه ، وكان الواضح من مدونات الحكم أنه استظهر قيام علاقة السببية بين إصابات المجني عليهما التي أوردها تفصيلياً بتقريري الصفة التشريحية وبين وفاتهما ، فأورد من واقع التقريرين أن وفاة المجني عليهما نتيجة إصابة كل منهما بالرأس بمقذوف ناري أطلق من سلاح ناري غير مششخن ومن مسافة جاوزت مدى الإطلاق القريب نجم عنه بالنسبة للمجني عليها الأولى كسور بالجمجمة واصلة لقاعها وتهتك بالمخ والسحايا المغلفة له وما نتج عن ذلك من فشل بالمراكز العليا للمخ ، وما نجم عنه بالنسبة للثاني من كسر بعظام الوجنة اليسرى وتهتك بأنسجة المخ وما نتج عنه من نزيف دموي جسيم وما أدت إليه من ضغط على المراكز العصبية الحيوية بالمخ ، ومن ثم يكون النعي على الحكم في هذا الصدد في غير محله .
14- من المقرر أن للمحكمة أن تستغني عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمناً دون أن يحول عدم سماعهم من أن تعتمد على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة .... أن النيابة العامة والدفاع اكتفيا بأقوال الشهود الواردة بالتحقيقات والمحكمة أمرت بتلاوتها وتليت ، ولم يثبت أن الطاعن قد اعترض على ذلك أو طلب هو أو المدافع عنه سماع أقوالهم فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها ، ويكون منعاه في هذا الصدد غير سديد.
15- لما كان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن وإن أبدى بالجلسة الأولى والثانية طلب مناقشة أحد الخبراء النفسيين إلا أنه لم يصر عليه في ختام المرافعة بالجلسة التي تمت فيها المرافعة وصدر بها قرار المحكمة بإحالة أوراق الدعوى إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي وتحديد جلسة .... للنطق بالحكم الذي صدر بها فعلاً ولم يضمنه طلباته الختامية ، فلا على المحكمة إن هي التفتت عن هذا الطلب دون أن تضمن حكمها ردها عليه ، لما هو مقرر أن الطلب الذي تلتزم محكمة الموضوع بإجابته أو الرد عليه هو الطلب الجازم الذي يقرع سمع المحكمة ويصر عليه مقدمه ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية ، هذا فضلاً عن أن الطاعن لم يكشف - أمام محكمة الموضوع - عن الوقائع التي يرغب مناقشة المذكور فيها حتى يتبين للمحكمة مدى اتصالها بواقعة الدعوى المعروضة وتعلقها بموضوعها ، ومن ثم فإن الطلب يغدو طلباً مجهلاً عن سببه ومرماه فلا على المحكمة إن هي التفتت عنه ولم تجب الطاعن إليه .
16- من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً ، وكان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع التي يقول أنه أثارها ومضمون المستندات التي قدمها وأغفل الحكم التعرض لها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، فإن ما يثيره في هذا الصدد لا يكون مقبولاً .
17- من المقرر أن ما نص عليه الدستور في المادة الثانية منه أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ليس واجب الإعمال بذاته وإنما هو دعوة للشارع كي يتخذ الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً فيما يستنه من قوانين ، ومن ثم فإن أحكام تلك الشريعة لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص الدستور المشار إليه إلا إذا استجاب الشارع لدعوته وأفرغ هذه الأحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها إلى مجال العمل والتنفيذ ، وبالتالي فإنه لا مجال للتحدي بأحكام الشريعة الإسلامية ما دام أن السلطة التشريعية لم تفرغ مبادئها في تشريع وضعي ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يكون له محل .
18- لما كانت المادة رقم 93 من دستور جمهورية مصر العربية المعدل لسنة 2014 تنص على أن " تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة " ، وكان من المقرر أنه لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع ، وكانت الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية ( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ) التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/12/1966 والتي وقعت عليها جمهورية مصر العربية بتاريخ 4/8/1967 وصدر بشأنها قرار رئيس الجمهورية رقم 536 لسنة 1981 المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 15/4/1982 هي مجرد دعوة من الدول بصفتهم أشخاص القانون الدولي العام إلى القيام بعمل منسق لضمان الحق في الحياة ، ويبين من الاطلاع على نصوصها أنها لم تلغ أو تعدل - صراحة أو ضمناً - أحكام القوانين العقابية التي تنص على عقوبة الإعدام المعمول بها في الدول الموقعة عليها ، وتركت توقيعها على أشد الجرائم للقوانين المحلية في الدول المنضمة إليها ، ويؤكد ذلك ما جرى به نص الفقرة الثانية من المادة السادسة من الجزء الثالث منها من أنه " لا يجوز في البلدان التي لم تقم بإلغاء عقوبة الإعدام أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم خطورة ووفقاً للقوانين التي تكون سارية عند ارتكاب الجريمة وغير مخالفة لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ، ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا تنفيذاً لحكم نهائي صادر عن محكمة مختصة " ، ومن ثم فإن تطبيق أحكام هذه الاتفاقية لا يؤثر في مجال تطبيق أحكام القوانين العقابية فيما تضمنته من توقيع عقوبة الإعدام المعمول بها في جمهورية مصر العربية ، هذا فضلاً عن أن جمهورية مصر العربية لم توقع ولم تصدق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق ( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ) التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15/12/1989 بهدف العمل على إلغاء عقوبة الإعدام ومن ثم بات غير ملزم لها ، ويكون هذا الوجه من الطعن غير سديد .
19- لما كانت النيابة العامة عرضت القضية الماثلة على هذه المحكمة مشفوعة بمذكرة برأيها خلصت فيها إلى طلب إقرار الحكم فيما قضى به حضورياً من إعدام المحكوم عليه .... إعمالاً لنص المادة 46 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 وموقعاً عليها بتوقيع غير مقروء منسوب للأستاذ .... رئيس النيابة الكلية ودون إثبات تاريخ تقديمها ليستدل منه على مراعاة ميعاد الستين يوماً المحدد في المادة 34 من هذا القانون ، إلا أنه لما كان تجاوز هذا الميعاد وعدم التوقيع على المذكرة بتوقيع مقروء لمحام عام على الأقل وفقاً للتعديل الوارد على المادة سالفة البيان بالقانون رقم 74 لسنة 2007 وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض لا يترتب عليه عدم قبول عرض النيابة العامة بل إن محكمة النقض تتصل بالدعوى بمجرد عرضها لتفصل فيها وتستبين من تلقاء نفسها دون أن تتقيد بمبنى الرأي الذي ضمنته النيابة العامة مذكرتها ما عسي أن يكون قد شاب الحكم من عيوب يستوي في ذلك أن يكون عرض النيابة العامة قد تم في الميعاد المحدد أو بعد فواته أو تم بمذكرة لم تستوف بعض أوضاعها الشكلية ، ومن ثم فإنه يتعين قبول عرض النيابة العامة للقضية شكلاً .
20- من المقرر أن المادة 377 من قانون الإجراءات الجنائية تقضي بأن المحامين المقبولين للمرافعة أمام محاكم الاستئناف أو المحاكم الابتدائية يكونون مختصين دون غيرهم بالمرافعة أمام محكمة الجنايات ، وكان الثابت من كتاب نقابة المحامين المرفق بملف الطعن أن الأستاذ .... الذي تولى الدفاع عن المحكوم عليه بالإعدام من المحامين المقبولين للمرافعة أمام محكمة النقض ، ومن ثم فإن إجراءات محاكمته تكون قد تمت صحيحة . لما كان ذلك ، وكان الثابت بمحضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن المحكوم عليه ترافع في موضوع الجرائم المسندة إليه ولم يقصر في إبداء أوجه الدفاع ، وكان من المقرر أن استعداد المدافع عن المتهم أو عدم استعداده أمر موكول إلى تقديره هو حسبما يمليه عليه ضميره ويوحي به اجتهاده وتقاليد مهنته ، فإن ذلك يكفي لتحقيق غرض الشارع .
21- من المقرر أنه لا يشترط لثبوت جريمة القتل والحكم بالإعدام على مرتكبها وجود شهود رؤية أو قيام أدلة معينة بل للمحكمة أن تكون اعتقادها بالإدانة في تلك الجريمة من كل ما تطمئن إليه من ظروف الدعوى وقرائنها ، ومتى رأت الإدانة كان لها أن تقضي بالإعدام على مرتكب الفعل المستوجب للقصاص دون حاجة إلى إقرار منه أو شهادة شاهدين برؤيته حال وقوع الفعل منه أو ضبطه متلبساً بها ، ومن ثم فإن ما قد يثار من عدم وجود شهود رؤية للحادث يكون على غير أساس .
22- من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يحيل في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم متفقة مع ما استند إليه الحكم منها ، وأن محكمة الموضوع غير ملزمة بسرد روايات كل الشهود - إن تعددت - وبيان وجه أخذها بما اقتنعت به بل حسبها أن تورد منها ما تطمئن إليه ، ولا يؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم ، وإذ كان المحكوم عليه لا يجادل في أن ما نقله من أقوال شاهدة الإثبات الثانية .... له أصله الثابت بالأوراق ولم يخرج الحكم عن مدلول شهادتها ، وكان البين من المفردات أن أقوال الشهود " الثانية ومن الثالث وحتى السادسة " تتفق في جملتها مع ما استند إليه الحكم منها فلا ضير على الحكم من بعد إحالته في بيان أقوال الشهود من الثالث وحتى السادسة إلى ما أورده من أقوال الشاهدة الثانية ، مما ينحسر عن الحكم دعوى القصور في التسبيب .
23- لما كان ما حصله الحكم من تقرير الطب الشرعي الخاص بالمجني عليها الأولى وتقريري الصفة التشريحية الخاص بالمجني عليهما الطفلين – التي عول عليها في قضائه – ما يكفي بياناً لمضمون هذه التقارير وكان لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده نص تقرير الخبير بكل أجزائه ، مما ينحسر عن الحكم دعوى القصور في التسبيب .
24- لما كان يبين إعمالاً لنص المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن الحكم المعروض قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان المحكوم عليه – المقضي بإعدامه - بها وساق عليها أدلة مردودة إلى أصلها في الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وقد صدر الحكم حضورياً بالإعدام بإجماع آراء أعضاء المحكمة وبعد استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل إصدار الحكم وفقاً للمادة 381/2 من قانون الإجراءات الجنائية ، وجاء الحكم متفقاً وصحيح القانون وخلواً من قالة مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله ، وقد صدر من محكمة مشكلة وفقاً للقانون ولها ولاية الفصل في الدعوى ، ولم يصدر بعده قانون يسري على واقعة الدعوى بما يغير ما انتهى إليه هذا الحكم على نحو ما نصت عليه المادة الخامسة من قانون العقوبات ، ومن ثم يتعين معه قبول عرض النيابة العامة للقضية وإقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليه .... .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه :
1- قتل المجني عليهما .... و .... عمداً مع سبق الإصرار بأن بيت النية وعقد العزم على ذلك وأعد لهذا الغرض سلاحاً نارياً غير مششخن " مسدس " وما إن ظفر بهما حتى قام بإطلاق أعيرة نارية من السلاح آنف البيان صوبهما قاصداً من ذلك قتلهما فأحدث بهما الإصابات الموصوفة بتقريري الصفة التشريحية والتي أودت بحياتهما على النحو المبين بالتحقيقات ، وقد اقترنت تلك الجناية وتقدمتها جناية أخرى وهي أنه في ذات الزمان والمكان سالفي الذكر : شرع في قتل المجني عليها .... عمداً مع سبق الإصرار بأن بيت النية وعقد العزم على ذلك وأعد لهذا الغرض سلاحاً نارياً غير مششحن " مسدس " وما إن ظفر بها حتى قام بإطلاق أعيرة نارية نارية من السلاح آنف البيان صوبها قاصداً من ذلك قتلها فأحدث بها الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي المرفق إلا أنه قد خاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو مداركتها بالعلاج وذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
2- أحرز بدون ترخيص سلاحاً نارياً غير مششخن " مسدس " .
3- أحرز ذخائر مما تستعمل على السلاح الناري آنف البيان دون أن يكون مرخصاً له بحيازته أو إحرازه .
وأحالته إلى محكمة جنايات .... لمعاقبته طبقاً للقيد والوصـــف الواردين بأمـر الإحالة .
وادعت المجني عليها .... مدنياً قبل المتهم بمبلغ عشرة آلاف وواحد جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت .
والمحكمة المذكورة قررت وبإجماع الآراء بإحالة أوراق الدعوى إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي فيما ارتكبه الطاعن وحددت جلسة .... للنطق بالحكم .
وبالجلسة المحددة قضت حضورياً عملاً بالمواد 45 /1 ، 46 /1 ، 230 ، 231 ، 234 /2 من قانون العقوبات ، والمواد 1/1 ، 6 ، 26 /1 ، 4 ، 30 /1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقانونين رقمي 26 لسنة 1978 ، 165 لسنة 1981 والجدول رقم 2 الملحق بالقانون الأول ، مع إعمال المادة 32/2 من قانون العقوبات وبإجماع الآراء بمعاقبته بالإعدام عما أسند إليه وبإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة .
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض ..... إلخ .
كما عرضت النيابة العامة القضية على محكمة النقض مشفوعة بمذكرة برأيها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمـة
أولاً : عن الطعن المقدم من المحكوم عليه .... :
من حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمتي القتل العمد مع سبق الإصرار المقترن بجناية الشروع في القتل - عمداً مع سبق الإصرار - وإحراز سلاح ناري غير مششخن " مسدس " وذخيرته بغير ترخيص قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق والخطأ في تطبيق القانون والإخلال بحق الدفاع ؛ ذلك بأنه خلا من بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجرائم التي دانه بها ، ولم يورد مؤدى الأدلة التي عول عليها في قضائه ، ولم يدلل على توافر نية القتل في حقه وتساند في ذلك إلى ما قررته الطفلة .... رغم أنه لا يجوز التعويل على شهادتها لكونها غير مميزة ولتناقض أقوالها بالتحقيقات وما قررته بجلسة المحاكمة ، ورغم عدم توافر الباعث على القتل ، ولم يستظهر ظرف سبق الإصرار ويدلل على توافره ، كما لم يدلل على توافر ظرف الاقتران وأعمل في حقه المادة 32 من قانون العقوبات بما يدل على أن الجرائم المسندة إليه ارتكبت لغرض إجرامي واحد بما ينتفي معه ذلك الظرف ، وعول في قضائه على أقوال الشهود رغم عدم معقولية تصويرهم للواقعة وأن أياً منهم لم يشاهد مقارفته للجريمة ، كما عول على التحريات التي هي مجرد رأي لمجريها وأنها لا تصلح دليلاً ، وحصل واقعة الدعوى أن الطاعن وجه سلاحه نحو أطفاله الجالسين بالمقعد الخلفي للسيارة وأطلق صوب رأس الطفلين .... و .... عياراً نارياً وهو ما ليس له أصل بالأوراق ، كما حصل أقوال الشاهدة الأولى أنها فوجئت بقيام الطاعن بإطلاق عيار ناري صوبها شعرت بعدها بالدماء تسيل من رأسها بالمخالفة لما قررته بالتحقيقات أنها لم تشاهده حال إطلاق الأعيرة النارية ، ولم تفطن المحكمة إلى ما قرره الطاعن من قيام آخرين بالاعتداء عليه وأفراد أسرته ، وأنه تم تحريز فوارغ طلقات بالسيارة لمحدث صوت وهو ما يتعارض وما ورد بالتقرير الطبي الشرعي الخاص بالمجني عليها - الشاهدة الأولى - من إصابتها بعيار مختلف ، دون أن يستظهر الحكم علاقة السببية بين فعل الطاعن وإصابة المجني عليهما ورابطة السببية بين تلك الإصابات ووفاتهما من واقع تقريري الصفة التشريحية ، ولم تجبه المحكمة إلى طلب مناقشة شهود الإثبات والطبيب الشرعي والخبير النفسي الذي تمسك به بجلسات المحاكمة ، ولم تعرض لكامل دفاعه ودفوعه وحافظة مستنداته ، وأخيراً أوقع الحكم عليه عقوبة الإعدام بالمخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية وما استقرت عليه آراء المذاهب الفقهية من أنه لا يقتل الرجل بابنه ولمخالفتها للاتفاقيات الدولية ، كل ذلك مما يعيب الحكم المطعون فيه بما يستوجب نقضه .
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله : " ..... أن المتهم .... زوج المجني عليها الشاهدة الأولى .... ولديه منها من الأولاد ثلاثة في مقتبل العمر .... و .... و .... وقد ارتبط بعلاقة غير شرعية بشقيقة زوجته وتدعى .... منذ أن عملت لديه بمزرعته الخاصة وقد بدأت الخلافات تتولد مع زوجته منذ أن نما إلى علمها بتلك العلاقة ولم تُجد محاولاتها نفعاً في إثنائه عن الاستمرار في تلك العلاقة ورغبة منه بعدم انقطاع تلك العلاقة الآثمة وللتخلص من خلافاته مع زوجته والتفرغ لعلاقته الآثمة فقط طرأت في نفسه فكرة وسيطرت على وجدانه وما وسوس به شيطانه من التخلص من أفراد أسرته جميعاً - زوجته وأولاده الصغار - ، وفكر في هدوء وروية وخطط لذلك الأمر قبل تنفيذه حتى وصل إلى عقيدة راسخة وإصرار وتصميم لا رجعة فيه ولا عدول عنه وراح يتدبر أمره في كيفية تنفيذ مخططه الإجرامي حتى ارتسمت الخطة إليه وهداه الشيطان إليها ودلف بهدوء وثبات إلى مرحلة البدء في التنفيذ لا يردعه رادع من خالق أو من ضمير غير عابئ بكلام الله عز وجل بتحريم قتل النفس ، وفي يوم الواقعة وحسب الخطة التي رسمها استدرج المجني عليهم ليلاً بالسيارة والتي احتفظ بسلاح ناري " مسدس " بها مسبقاً إلى مكان غير آهل بالسكان بعيد عن أعين المارة بوسط الزراعات رسمه في خطته لتنفيذ جريمته فيه بعد أن أوهمهم بأنه سيمر على المزرعة لأخذ مبلغ مالي من أحد أصدقائه ، وعند وصوله إلى المكان المحدد ترجل من السيارة محرزاً السلاح الناري آنف البيان والذي أعده لهذا الغرض وتوجه ناحية مكان جلوس زوجته المجني عليها بالسيارة بجواره وأطلق صوب رأسها عياراً نارياً قاصداً قتلها ولم تشعر حينها بما يدور حولها محدثاً إصابتها الموصوفة بتقرير الطب الشرعي ، واستكمالاً لما عقد العزم عليه من مذبحة لأفراد أسرته وجه سلاحه نحو أطفاله الثلاث الجالسين بالمقعد الخلفي وأطلق صوب رأس الطفلين المجني عليهما .... و .... كل عياراً نارياً فأحدث إصابتهما الموصوفة بتقريري الصفة التشريحية التي أودت بحياتهما ونظراً لحالة الهلع والفزع التي انتابت الطفلة الثالثة .... من هول المذبحة البشعة التي ارتكبها والدها بدأت في الصراخ والتوسل إليه بعدم قتلها وترك السلاح من يده فتدخلت العناية الإلهية وكتب الله لها عمراً جديداً بنجاتها من تلك المذبحة ، واستقل المتهم السيارة عائداً إلى منزله تاركاً إياها أمام المنزل وبها المجني عليهم والطفلة الناجية وفر هارباً فأسرعت الأخيرة بالاستغاثة بجيرانها الذين تجمعوا وقاموا بنقل المجني عليهم إلى المستشفى " ، وقد ساق الحكم على صحة الواقعة وإسنادها إلى الطاعن أدلة استقاها من أقوال شهود الإثبات وما ثبت بالتقرير الطبي الشرعي الخاص بإصابة المجني عليها .... ومن تقريري الصفة التشريحية الخاصين بالمجني عليهما .... و .... وحصّل الحكم مؤدى هذه الأدلة تحصيلاً سليماً له أصله الثابت في الأوراق – على ما يبين من المفردات المضمومة – . لما كان ذلك ، وكانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمة التي دان المحكوم عليه بها والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه ، وكان يبين مما سطره الحكم أنه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان هذا محققاً لحكم القانون ، ومن ثم يضحى منعى الطاعن في هذا الخصوص غير سديد . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل على توافر نية القتل في حق الطاعن في قوله : " .... قد توافرت تلك النية لدى المتهم وتولدت لديه من حاصل ما طرحته المحكمة من انتواء المتهم قتل المجني عليهم وإزهاق أرواحهم وبين ذلك من استدراجه للمجني عليهم ليلاً لمنطقة حددها مسبقاً ليكونوا بمنأى عن الأعين حسب الخطة التي رسمها وإعداده لسلاح ناري وهو قاتل بطبيعته ومن جسامة الإصابات ، وما إن تحين الوقت المناسب وظفر بهم قام بتوجيه سلاحه صوب رؤوس المجني عليهم مباشرة وهو موضع قاتل في أجسامهم ومن مسافة قريبة جداً حددها تقرير الطب الشرعي بما تقل عن الربع متر حال جلوسهم بالسيارة فلا مفر من الهرب ، وأطلق الأعيرة النارية صوب رؤوسهم مباشرة حتى أبصرهم وقد سقطوا فوراً مضرجين في دمائهم وقد أيقن موت طفليه في الحال ، وشاءت عناية الله التدخل وإيقاف مسيرته نحو استكمال مذبحته وإنقاذ المجني عليها الأولى بمداركتها بالعلاج وهو ما لا يغير من الأمر شيئاً إذ تبقى نية القتل متوافرة في حقه ومن جميع تلك الملابسات ما يدل وبحق ويقطع بتوافر قصد القتل في حق المتهم كما هو معرف قانوناً دلت عليه الظروف المحيطة بالدعوى والمظاهر والأمارات الخارجية التي أتاها المتهم وتنم عما يضمره في نفسه من انتوائه قتل المجني عليهم " . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن قصد القتل أمر خفي لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والأمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه ، واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى موكول إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية ، وكان الحكم قد دلل تدليلاً سائغاً على توافر نية القتل في حق الطاعن فإن النعي عليه في هذا الخصوص يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه لم يتساند في إدانة الطاعن إلى شهادة الطفلة .... ولم يورد لها ذكراً فيما سطره ، فإن منعى الطاعن في هذا الخصوص لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان القول بانعدام الباعث على ارتكاب الجريمة فإنه ليس من العناصر القانونية للجريمة ، فلا يعيب الحكم التفاته عنه . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن سبق الإصرار حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني ، فلا يستطيع أحد أن يشهد بها مباشرة بل تستفاد من وقائع خارجية يستخلص منها القاضي مدى توافره ما دام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا الاستنتاج ، ويشترط لتوفره في حق الجاني أن يكون في حالة يتسنى له فيها التفكير في عمله والتصميم عليه في روية وهدوء ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد استظهر توافر ظرف سبق الإصرار بقوله : " .... حيث إنه عن ظرف سبق الإصرار والذي هو حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني قد لا يكون لها في الخارج أثر محسوس يدل عليها مباشرة وإنما يستفاد من ظروف الدعوى وعناصرها ، ومناط سبق الإصرار هو أن يرتكب الجاني الجريمة وهو هادئ البال بعد إعمال فكر وروية فيما اعتزمه وهو مطمئن النفس يقلب الأمر على كافة صوره فيستقر مختاراً على سلوك الجريمة ، وهو أمر ثابت في الدعوى متوافر في حق المتهم من الخلافات القائمة بينه وبين زوجته المجني عليها الأولى ومن توافر الباعث على القتل وهو الاستمرار في علاقته الآثمة مع شقيقة زوجته دون أن يعكر صفوه أحد ، ومن إعداده خطة للانفراد بالمجني عليهم ليلاً وبمكان خفي عن الأعين حتى لا يشعر بهم أحد وإعداده للسلاح الناري مسبقاً والاحتفاظ به بالسيارة ، وقد أعمل فكره في هدوء وروية وراح يتدبر أمره وتحديد الخطة التي رسمها قبل الواقعة بعقيدة راسخة وإصرار وتصميم لا رجعة فيه ولا عدول عنه واستدراجه للمجني عليهم بذلك المكان واهماً إياهم بالمرور على المزرعة لإحضار مبلغ مالي من أصدقائه حتى تحين الفرصة ونفذ ما خطط له وهو هادئ البال بإطلاق الأعيرة النارية صوبهم من السلاح الناري إحرازه ، ثم استقلال السيارة من بعد وبها المجني عليهم والعودة إلى المنزل وترك السيارة والفرار هرباً ، كل ذلك يدل وبيقين على قيام المتهم بارتكاب جريمته وهو في حالة هدوء نفسي وبعد روية وتفكير وبعيداً عن ثورة الغضب والانفعال ويتوافر معه ظرف سبق الإصرار في حقه كما هو معرف قانوناً دلت عليه ظروف وملابسات الحادث وتصرفات المتهم " ، وكان ما ساقه الحكم مما سلف سائغاً ويتحقق به توافر ظرف سبق الإصرار حسبما هو معرف به في القانون ، ومن ثم فإنه لا محل للنعي على الحكم في هذا الخصوص . لما كان ذلك ، وكان الحكم قد استظهر ظرف الاقتران في قوله : " .... وحيث إنه عن الاقتران فإنه يكفي لتغليظ العقاب عملاً بالفقرة الثانية من المادة 234 من قانون العقوبات أن يثبت استقلال الجريمة المقترنة عن جناية القتل وتميزها عنها وقيام المصاحبة الزمنية بينهما بأن تكون الجنايتان قد ارتكبتا في وقت واحد أو في فترة قصيرة من الزمن ، فإذا كان ذلك وكان الثابت من ماديات الدعوى أن ما أتاه المتهم من أفعال من تصويب سلاحه الناري نحو المجني عليها الأولى وإطلاق عيار ناري صوب رأسها قاصداً قتلها محدثاً إصابتها الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي وقد خاب أثر جريمته لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو مداركتها بالعلاج ، ومن ثم تكون جناية الشروع في القتل قد توافرت في حقه وما وقع منه بعد ذلك من تصويب سلاحه نحو طفليه الجالسين بالمقعد الخلفي للسيارة وإطلاق عيار ناري صوب رأس كل منهما مباشرة بقصد قتلهما وإحداث إصابتهما بالرأس الموصوفة بتقريري الصفة التشريحية والتي أحدثت الوفاة كل ذلك يوفر في حقه ظرف الاقتران لوقوع الجرائم في مكان واحد وزمن قصير وبفعل مادي مستقل لكل جريمة ، الأمر الذي يتحقق به توافر ظرف الاقتران الوارد في الفقرة الثانية من المادة 234 من قانون العقوبات " ، فإن ما ساقه الحكم فيما تقدم يتفق وصحيح القانون ويتحقق به معنى الاقتران ، لما هو مقرر من أنه يكفي لتغليظ العقاب عملاً بالفقرة الثانية من المادة 234 من قانون العقوبات أن يثبت الحكم استقلال الجريمة المقترنة عن جناية القتل وتميزها عنها وقيام المصاحبة الزمنية بينهما بأن تكون الجرائم قد ارتكبت في وقت واحد وفي فترة قصيرة من الزمن ، وتقدير ذلك مما يستقل به قاضي الموضوع ما دام يقيمه على ما يسوغه - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - ، هذا فضلاً عن أن عقوبة الإعدام الموقعة على الطاعن مقررة لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار التي أثبتها الحكم في حقه مجردة من ظرف الاقتران ، فإن ما يثيره الطاعن من قصور الحكم في بيان ظرف الاقتران – بفرض صحة ذلك – يكون غير مجد . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق – كما هو الحال في الدعوى المطروحة - ، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه ، وهي متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحلمها على عدم الأخذ بها ، وكان لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بكاملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق بل يجب أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها ، وكان لا يلزم أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، ولا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حده بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، فإن ما يثيره الطاعن بشأن أن أياً من شهود الإثبات لم ير واقعات الحادث ولم يعاصر أحدهم تعديه على المجني عليهم لا يعدو أن يكون محاولة لتجريح أدلة الدعوى على وجه معين تأدياً من ذلك إلى مناقضة الصورة التي ارتسمت في وجدان المحكمة بالدليل الصحيح ، وهو ما لا يقبل إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان الإثبات في المسائل الجنائية يقوم على حرية القاضي في تكوين عقيدته فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين إذ جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه ، وكان للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من الأدلة ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان ما أورده الحكم بياناً لواقعة الدعوى " أن الطاعن وجه سلاحه نحو أطفاله الجالسين بالمقعد الخلفي للسيارة وأطلق صوب رأس الطفلين .... و .... عياراً نارياً " ، وما أورده في أقوال الشاهدة الأولى " أنها فوجئت بقيام الطاعن بإطلاق عيار ناري صوبها شعرت بعدها بالدماء تسيل من رأسها " له سنده ومعينه الصحيح من التحقيقات على ما يبين من المفردات المضمومة ، فإن منعى الطاعن في هذا الصدد يكون على غير أساس . لما كان ذلك ، وكان من المقرر في أصول الاستدلال أن المحكمة لا تورد من الأدلة وأقوال الشهود إلا ما تقيم قضاءها عليها ، وفي إغفالها بعض الوقائع ما يفيد ضمناً أنها اطرحتها ولم تعول عليها في حكمها ، ومن ثم فإنه لا محل لما ينعاه الطاعن من إغفالها الوقائع التي أشار إليها في أسباب طعنه ووردت على لسانه لأنها وقائع يريد الطاعن لها معنى لم تسايره فيه المحكمة . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن من تحريز فوارغ طلقات بالسيارة لمحدث صوت وهو ما يتعارض وما ورد بالتقرير الطبي الشرعي الخاص بالمجني عليها - الشاهدة الأولى - من إصابتها بعيار مختلف إنما قصد به إثارة الشبهة في أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ويعتبر من قبيل الدفاع الموضوعي الذي لا يستلزم من المحكمة رداً صريحاً ، هذا فضلاً عن أن آلة القتل ليست من الأركان الجوهرية في الجريمة فلا يجدي الطاعن المنازعة في هذا الخصوص ، فإن منعى الطاعن في هذا الصدد يكون على غير سند . لما كان ذلك ، وكان تقدير آراء الخبراء والمفاضلة بين تقاريرهم والفصل فيما يوجه إليها من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها شأنه في ذلك شأن سائر الأدلة ، فلها الأخذ بما تطمئن إليه منها والالتفات عما عداه ، وكانت المحكمة في الدعوى الماثلة قد اطمأنت إلى ما ورد بتقرير الطب الشرعي الخاص بالمجني عليها .... أن إصابتها جرحية نارية على هيئة فتحة دخول بخلفية يمين الرأس ومثلها يحدث من مثل الإصابة بمقذوف عيار ناري مفرد يتعذر الجزم بعياره نظراً لاستقراره بالجسم وصعوبة استخراجه حفاظاً على حياة المجني عليها ، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون على غير سند . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن علاقة السببية مسألة موضوعية ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها ، ومتى فصل فيها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة النقض عليه ما دام قد أقام قضاءه في ذلك على أسباب تؤدي إليه ، وكان الواضح من مدونات الحكم أنه استظهر قيام علاقة السببية بين إصابات المجني عليهما التي أوردها تفصيلياً بتقريري الصفة التشريحية وبين وفاتهما ، فأورد من واقع التقريرين أن وفاة المجني عليهما نتيجة إصابة كل منهما بالرأس بمقذوف ناري أطلق من سلاح ناري غير مششخن ومن مسافة جاوزت مدى الإطلاق القريب نجم عنه بالنسبة للمجني عليها الأولى كسور بالجمجمة واصلة لقاعها وتهتك بالمخ والسحايا المغلفة له وما نتج عن ذلك من فشل بالمراكز العليا للمخ ، وما نجم عنه بالنسبة للثاني من كسر بعظام الوجنة اليسرى وتهتك بأنسجة المخ وما نتج عنه من نزيف دموي جسيم وما أدت إليه من ضغط على المراكز العصبية الحيوية بالمخ ، ومن ثم يكون النعي على الحكم في هذا الصدد في غير محله . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تستغني عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمناً دون أن يحول عدم سماعهم من أن تعتمد على أقوالهم التي أدلوا بها في التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة .... أن النيابة العامة والدفاع اكتفيا بأقوال الشهود الواردة بالتحقيقات والمحكمة أمرت بتلاوتها وتليت ، ولم يثبت أن الطاعن قد اعترض على ذلك أو طلب هو أو المدافع عنه سماع أقوالهم فليس له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها ، ويكون منعاه في هذا الصدد غير سديد . لما كان ذلك ، وكان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن وإن أبدى بالجلسة الأولى والثانية طلب مناقشة أحد الخبراء النفسيين إلا أنه لم يصر عليه في ختام المرافعة بالجلسة التي تمت فيها المرافعة وصدر بها قرار المحكمة بإحالة أوراق الدعوى إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي وتحديد جلسة .... للنطق بالحكم الذي صدر بها فعلاً ولم يضمنه طلباته الختامية ، فلا على المحكمة إن هي التفتت عن هذا الطلب دون أن تضمن حكمها ردها عليه ، لما هو مقرر أن الطلب الذي تلتزم محكمة الموضوع بإجابته أو الرد عليه هو الطلب الجازم الذي يقرع سمع المحكمة ويصر عليه مقدمه ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية ، هذا فضلاً عن أن الطاعن لم يكشف - أمام محكمة الموضوع - عن الوقائع التي يرغب مناقشة المذكور فيها حتى يتبين للمحكمة مدى اتصالها بواقعة الدعوى المعروضة وتعلقها بموضوعها ، ومن ثم فإن الطلب يغدو طلباً مجهلاً عن سببه ومرماه فلا على المحكمة إن هي التفتت عنه ولم تجب الطاعن إليه . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً محدداً ، وكان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع التي يقول أنه أثارها ومضمون المستندات التي قدمها وأغفل الحكم التعرض لها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، فإن ما يثيره في هذا الصدد لا يكون مقبولاً . لما كان ذلك ، وكان ما نص عليه الدستور في المادة الثانية منه أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ليس واجب الإعمال بذاته وإنما هو دعوة للشارع كي يتخذ الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً فيما يستنه من قوانين ، ومن ثم فإن أحكام تلك الشريعة لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص الدستور المشار إليه إلا إذا استجاب الشارع لدعوته وأفرغ هذه الأحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها إلى مجال العمل والتنفيذ ، وبالتالي فإنه لا مجال للتحدي بأحكام الشريعة الإسلامية ما دام أن السلطة التشريعية لم تفرغ مبادئها في تشريع وضعي ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكانت المادة رقم 93 من دستور جمهورية مصر العربية المعدل لسنة 2014 تنص على أن " تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة " ، وكان من المقرر أنه لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع ، وكانت الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية ( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ) التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/12/1966 والتي وقعت عليها جمهورية مصر العربية بتاريخ 4/8/1967 وصدر بشأنها قرار رئيس الجمهورية رقم 536 لسنة 1981 المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 15/4/1982 هي مجرد دعوة من الدول بصفتهم أشخاص القانون الدولي العام إلى القيام بعمل منسق لضمان الحق في الحياة ، ويبين من الاطلاع على نصوصها أنها لم تلغ أو تعدل - صراحة أو ضمناً - أحكام القوانين العقابية التي تنص على عقوبة الإعدام المعمول بها في الدول الموقعة عليها ، وتركت توقيعها على أشد الجرائم للقوانين المحلية في الدول المنضمة إليها ، ويؤكد ذلك ما جرى به نص الفقرة الثانية من المادة السادسة من الجزء الثالث منها من أنه " لا يجوز في البلدان التي لم تقم بإلغاء عقوبة الإعدام أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم خطورة ووفقاً للقوانين التي تكون سارية عند ارتكاب الجريمة وغير مخالفة لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ، ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا تنفيذاً لحكم نهائي صادر عن محكمة مختصة " ، ومن ثم فإن تطبيق أحكام هذه الاتفاقية لا يؤثر في مجال تطبيق أحكام القوانين العقابية فيما تضمنته من توقيع عقوبة الإعدام المعمول بها في جمهورية مصر العربية ، هذا فضلاً عن أن جمهورية مصر العربية لم توقع ولم تصدق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق ( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ) التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15/12/1989 بهدف العمل على إلغاء عقوبة الإعدام ومن ثم بات غير ملزم لها ، ويكون هذا الوجه من الطعن غير سديد . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .

ثانياً : عن عرض النيابة العامة للقضية على محكمة النقض :
من حيث إن النيابة العامة عرضت القضية الماثلة على هذه المحكمة مشفوعة بمذكرة برأيها خلصت فيها إلى طلب إقرار الحكم فيما قضى به حضورياً من إعدام المحكوم عليه .... إعمالاً لنص المادة 46 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 وموقعاً عليها بتوقيع غير مقروء منسوب للأستاذ .... رئيس النيابة الكلية ودون إثبات تاريخ تقديمها ليستدل منه على مراعاة ميعاد الستين يوماً المحدد في المادة 34 من هذا القانون ، إلا أنه لما كان تجاوز هذا الميعاد وعدم التوقيع على المذكرة بتوقيع مقروء لمحام عام على الأقل وفقاً للتعديل الوارد على المادة سالفة البيان بالقانون رقم 74 لسنة 2007 وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض لا يترتب عليه عدم قبول عرض النيابة العامة بل إن محكمة النقض تتصل بالدعوى بمجرد عرضها لتفصل فيها وتستبين من تلقاء نفسها دون أن تتقيد بمبنى الرأي الذي ضمنته النيابة العامة مذكرتها ما عسي أن يكون قد شاب الحكم من عيوب يستوي في ذلك أن يكون عرض النيابة العامة قد تم في الميعاد المحدد أو بعد فواته أو تم بمذكرة لم تستوف بعض أوضاعها الشكلية ، ومن ثم فإنه يتعين قبول عرض النيابة العامة للقضية شكلاً . لما كان ذلك ، وكانت المادة 377 من قانون الإجراءات الجنائية تقضي بأن المحامين المقبولين للمرافعة أمام محاكم الاستئناف أو المحاكم الابتدائية يكونون مختصين دون غيرهم بالمرافعة أمام محكمة الجنايات ، وكان الثابت من كتاب نقابة المحامين المرفق بملف الطعن أن الأستاذ .... الذي تولى الدفاع عن المحكوم عليه بالإعدام من المحامين المقبولين للمرافعة أمام محكمة النقض ، ومن ثم فإن إجراءات محاكمته تكون قد تمت صحيحة . لما كان ذلك ، وكان الثابت بمحضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن المحكوم عليه ترافع في موضوع الجرائم المسندة إليه ولم يقصر في إبداء أوجه الدفاع ، وكان من المقرر أن استعداد المدافع عن المتهم أو عدم استعداده أمر موكول إلى تقديره هو حسبما يمليه عليه ضميره ويوحي به اجتهاده وتقاليد مهنته ، فإن ذلك يكفي لتحقيق غرض الشارع . لما كان ذلك ، وكان لا يشترط لثبوت جريمة القتل والحكم بالإعدام على مرتكبها وجود شهود رؤية أو قيام أدلة معينة بل للمحكمة أن تكون اعتقادها بالإدانة في تلك الجريمة من كل ما تطمئن إليه من ظروف الدعوى وقرائنها ، ومتى رأت الإدانة كان لها أن تقضي بالإعدام على مرتكب الفعل المستوجب للقصاص دون حاجة إلى إقرار منه أو شهادة شاهدين برؤيته حال وقوع الفعل منه أو ضبطه متلبساً بها ، ومن ثم فإن ما قد يثار من عدم وجود شهود رؤية للحادث يكون على غير أساس . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يحيل في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم متفقة مع ما استند إليه الحكم منها ، وأن محكمة الموضوع غير ملزمة بسرد روايات كل الشهود - إن تعددت - وبيان وجه أخذها بما اقتنعت به بل حسبها أن تورد منها ما تطمئن إليه ، ولا يؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم ، وإذ كان المحكوم عليه لا يجادل في أن ما نقله من أقوال شاهدة الإثبات الثانية .... له أصله الثابت بالأوراق ولم يخرج الحكم عن مدلول شهادتها ، وكان البين من المفردات أن أقوال الشهود " الثانية ومن الثالث وحتى السادسة " تتفق في جملتها مع ما استند إليه الحكم منها فلا ضير على الحكم من بعد إحالته في بيان أقوال الشهود من الثالث وحتى السادسة إلى ما أورده من أقوال الشاهدة الثانية ، مما ينحسر عن الحكم دعوى القصور في التسبيب . لما كان ذلك ، وكان ما حصله الحكم من تقرير الطب الشرعي الخاص بالمجني عليها الأولى وتقريري الصفة التشريحية الخاص بالمجني عليهما الطفلين – التي عول عليها في قضائه – ما يكفي بياناً لمضمون هذه التقارير وكان لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراده نص تقرير الخبير بكل أجزائه ، مما ينحسر عن الحكم دعوى القصور في التسبيب . لما كان ما تقدم ، وكان يبين إعمالاً لنص المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن الحكم المعروض قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان المحكوم عليه – المقضي بإعدامه - بها وساق عليها أدلة مردودة إلى أصلها في الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وقد صدر الحكم حضورياً بالإعدام بإجماع آراء أعضاء المحكمة وبعد استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل إصدار الحكم وفقاً للمادة 381/2 من قانون الإجراءات الجنائية ، وجاء الحكم متفقاً وصحيح القانون وخلواً من قالة مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله ، وقد صدر من محكمة مشكلة وفقاً للقانون ولها ولاية الفصل في الدعوى ، ولم يصدر بعده قانون يسري على واقعة الدعوى بما يغير ما انتهى إليه هذا الحكم على نحو ما نصت عليه المادة الخامسة من قانون العقوبات ، ومن ثم يتعين معه قبول عرض النيابة العامة للقضية وإقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليه .... .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطعن 24684 لسنة 87 ق جلسة 2 / 11 / 2019 مكتب فني 70 ق 80 ص 732

جلسة 2 من نوفمبر سنة 2019
برئاسة السيد القاضي / فؤاد حسن نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / جمال عبد المجيد ، أحمد الوكيل وأحمد رمضان نواب رئيس المحكمة وكمال عبد اللاه .
---------------
(80)
الطعن رقم 24684 لسنة 87 القضائية
(1) حكم " بيانات حكم الإدانة " " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
بيان الحكم واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعن بهما وإيراده مؤدى الأدلة على ثبوتهما في بيان واف . لا قصور .
وجوب بيان الحكم نص القانون الذي حكم بمقتضاه . عدم رسم القانون شكلاً خاصاً لصياغة هذا البيان . إشارته للنصوص التي آخذ الطاعن بها . كاف . أساس ذلك ؟
(2) حكم " بيانات الديباجة " " بيانات حكم الإدانة " .
إيراد الحكم في ديباجته مواد الاتهام التي طلبت النيابة العامة تطبيقها . غير لازم . كفاية الإشارة إلى نص القانون الذي حكم بموجبه . أساس ذلك ؟
(3) إثبات " بوجه عام " . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " . تزوير " أوراق رسمية " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه . حد ذلك ؟
تساند الأدلة في المواد الجنائية . مؤداه ؟
تحدث الحكم صراحة واستقلالاً عن كل ركن من أركان جريمة التزوير . غير لازم . حد ذلك ؟
الجدل الموضوعي في تقدير أدلة الدعوى . غير جائز أمام محكمة النقض .
مثال .
(4) اشتراك . تزوير " أوراق رسمية " . محكمة الموضوع " سلطتها في تقدير الدليل " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
الاشتراك في التزوير . تمامه دون مظاهر خارجية أو أعمال مادية محسوسة . كفاية اعتقاد المحكمة حصوله من ظروف الدعوى . ما دام سائغاً .
الجدل الموضوعي في تقدير الدليل . غير جائز أمام محكمة النقض .
تدليل سائغ على اشتراك الطاعن في جريمة تزوير محرر رسمي .
(5) قصد جنائي . تزوير " أوراق رسمية " .
القصد الجنائي في جريمة التزوير . تحققه : بتعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله . التحدث استقلالاً عنه . غير لازم . حد ذلك ؟
إثبات الحكم جريمة الاشتراك في التزوير في حق الطاعن بأدلة سائغة . مؤداه : توافر العلم بالتزوير في حقه . النعي بانتفاء العلم . غير مقبول .
(6) ضرر . تزوير " أوراق رسمية " .
الضرر في تزوير المحررات الرسمية . مفترض . النعي بشأن انتفاء الضرر . غير مقبول . علة ذلك ؟
(7) إثبات " قرائن " . تزوير " أوراق رسمية " .
للمحكمة أن تستند إلى المصلحة كقرينة معززة لما ساقته من أدلة أخرى . ما دامت لم تتخذ منها دليلاً أساسياً . نعي الطاعن على الحكم إدانته بجريمة التزوير استناداً لمجرد المصلحة بالمخالفة للثابت بمدوناته . غير مقبول .
(8) تزوير " أوراق رسمية " . نقض " المصلحة في الطعن " . اشتراك . دفوع " الدفع بشيوع التهمة " " الدفع بنفي التهمة " . دفاع " الإخلال بحق الدفاع . ما لا يوفره " . حكم " ما لا يعيبه في نطاق التدليل " .
دفاع الطاعن بعدم تحريره بيانات المحرر المزور . غير مجد . ما دام الحكم دانه بوصفه شريكاً في الجريمة .
التفات المحكمة عن طلب الطاعن الاحتياطي باستكتاب موظفي الجهة المنسوب لها المحررين المزورين للتدليل على عدم تحريره للبيانات الثابتة بهما وشيوع الاتهام وعدم ارتكابه للجريمة . لا عيب . علة ذلك ؟
للمحكمة الإعراض عن قالة الطاعن وشهود النفي دون الإشارة إليها أو الرد عليها صراحةً . قضاؤها بالإدانة لأدلة الثبوت التي بينتها . مفاده : اطراحها .
(9) دفوع " الدفع ببطلان الإجراءات " . محضر الجلسة . تزوير " الادعاء بالتزوير" .
فض المحكمة حرز الأوراق المزورة وعرضها على بساط البحث والمناقشة في حضور المتهم ودفاعه . النعي عليها عدم إثبات ماهية تلك الأوراق بمحضر الجلسة . غير مقبول . علة ذلك ؟
محضر الجلسة والحكم حجة بما أثبت فيهما . عدم جواز الادعاء بالمخالفة للثابت بهما إلَّا بالطعن بالتزوير .
(10) تزوير " أوراق رسمية " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
إثارة الدفع بأن التزوير ظاهر لا ينخدع به أحد لأول مرة أمام محكمة النقض . غير جائزة . حد وعلة ذلك ؟
(11) إثبات " بوجه عام " . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
عدم التزام المحكمة بالتحدث في حكمها إلَّا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها . إغفالها بعض الوقائع أو أقوال بعض من سئلوا في التحقيقات أو لشق منها . مفاده : اطراحها .
(12) دفوع " الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور أمر بألا وجه فيها " . حكم " تسبيبه . تسبيب غير معيب " .
الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور أمر بألا وجه فيها . دفع بقوة الشيء المحكوم فيه . شرطه ؟
استناد الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية إلى أسباب عينية . أثره : اكتسابه حجية بالنسبة لجميع المساهمين في الجريمة .
اطراح المحكمة دفع الطاعن بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور أمر بألا وجه لإقامتها لعدم معرفة الفاعل . صحيح . ما دام لم يكن متهماً في بادئ الأمر . علة ذلك ؟
(13) إجراءات " إجراءات التحقيق " . نقض " أسباب الطعن . ما لا يقبل منها " .
تعييب الإجراءات السابقة على المحاكمة . لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم .
(14) نقض " أسباب الطعن . تحديدها " .
نعي الطاعن بالتفات المحكمة عن الرد على أوجه دفاعه ودفوعه دون الكشف عنها . غير مقبول . علة ذلك ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- لما كان الحكم المطعون فيه قد بيّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعن بهما ، وأورد على ثبوتهما في حقه أدلة مستمدة من أقوال شهود الإثبات وما ورد بكتابي مجلس مدينة .... والإدارة الهندسية لقسم الرخص ، وقد أورد مؤداهم في بيان واف يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها وهى أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لهذه الأدلة على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بالواقعة وبأدلتها إلمامـاً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتــعرف الحقيقة ، كما أنه وإن كانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت على الحكم أن يبين نص القانون الذى حكم بمقتضاه إلَّا أن القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم هذا البيان ، ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أنه أشار إلــى نصوص القانون التي أخذ الطاعن بها وأعملها في حقه وعاقبه بمقتضاها ، فإن ما أورده الحكم يكفي في بيان مواد القانون التي حكم بمقتضاها بما يحقق حكم القانون ، مما يكون معه منعى الطاعن ببطلان الحكم لخلوه من نص القانون الذي عاقبه بمقتضاه وأنه قد شابه الغموض والإبهام وعدم الإلمام بوقائع الدعوى وأدلتها وإغفال دفاعه بانتفاء أركان جريمة التزوير في حقه لا يكون سديداً .
2- من المقرر أن مواد الاتهام التي طلبت النيابة العامة تطبيقها ليست من البيانات التي يجب أن تشتمل عليها ديباجة الحكم ، وكانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية لم توجب إلَّا أن يشار في الحكم إلى نص القانون الذي حكم بموجبه ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون قد ورد على غير محل .
3- من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه ، فله أن يكون عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها إلَّا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه ، وكان لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حده دون باقي الأدلة ، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، وكان لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحة واستقلالاً عن كـل ركن من أركان جريمة التزوير مادام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه ، وكانت الأدلة التي عول الحكم عليها في الإدانة تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها من مقارفة الطاعن للجريمة التي دانه بها ، ومن ثم فلا محل لما أثير بشأن قصور الحكم في التدليل على توافر أركان تلك الجريمة في حقه واستناده إلى فروض تفتقر إلى الدلائل القوية ولا تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها ، لأنه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير أدلة الدعوى مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض .
4- لما كان الاشتراك في الجريمة - جريمة التزوير - يتم غالباً دون مظاهر خارجية أو أعمال مادية محسوسة يمكن الاستدلال بها عليه ، فإنه يكفي لثبوته أن تكون المحكمة قد اعتقدت حصوله من ظروف الدعوى وملابساتها ، وأن يكون اعتقادها سائغاً تبرره الوقائع التي أثبتها الحكم ، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل بأسباب سائغة على ما استنتجه من اشتراك الطاعن بطريقي الاتفاق والمساعدة في جريمة التزوير في المحررين الرسميين محل الجريمة ، فإن هذا حسبه ليبرأ من قالة القصور في بيان عناصر الاشتراك في التزوير والتدليل عليها ، ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ينحل إلى جدل موضوعي لا تقبل إثارته أمام محكمة النـقض .
5- لما كان القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية يتحقق متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غيرت الحقيقة فيه ، وليس أمراً لازماً التحدث صراحة واستقلالاً في الحكم عن توافر هذا الركن ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد بقيامه ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت بأدلة سائغة توافر جريمة الاشتراك في تزوير محررين رسميين وهو ما يتضمن إثبات توافر ركن العلم بتزويرهما في حق الطاعن ، فإن هذا حسبه ولا يكون ملزماً - من بعد - بالتدليل على استقلال على توافر القصد الجنائي لدى الطاعن ، ويضحى ما يثيره بشأن انتفاء علمه بتزوير المحررين موضوع الاتهام لا محـل لـه .
6- من المقرر أن الضرر في تزوير المحررات الرسمية مفترض ، لما في التزوير من تقليل الثقة بها على اعتبار أنها من الأوراق التي يعتمد عليها في إثبات ما بها ، فإن ما يثيره الطاعن بشأن انتفاء الضرر يكون غير سديد .
7- لما كان البيّن من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكمة لم تتخذ من المصلحة وحدها قرينة على ما دانت به الطاعن وإنما استندت إليها كقرينة تعزز بها أدلة الثبوت التي أوردتها ، فإنه لا جناح على الحكم إن عول على تلك القرينة تأييداً وتعزيزاً للأدلة الأخرى التي اعتمد عليها في قضائه ما دام أنه لم يتخذ منها دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة قبل الطاعن ، ومن ثم تكون المجادلة في ذلك لا محل لها .
8- لما كان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعن بوصفه شريكاً بالاتفاق والمساعدة في جريمة التزوير وليس بوصفه فاعلاً أصلياً ، ومن ثم فلا يجديه نفعاً نفي تحريره لتلك البيانات ، ويضحى ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الخصوص لا محل له ، كما لا محل لما يقوله عن التفات المحكمة عن طلبه الاحتياطي باستكتاب الموظفين بإدارة الايرادات والتحصيل بمجلس مدينة .... للتدليل على أنه ليس هو الكاتب لبيانات المحررين المزورين ، فضلاً عن أن الحكم قد رد عليه بما يبرر اطراحه ، وهو طلب لا يتجه مباشرة إلى نفي الفعل المكون للجريمة بل لإثارة الشبهة في أدلة الثبوت التي اطمأنت إليها المحكمة ، فلا عليها إن هي أعرضت عنه والتفتت عن إجابته وعما أبداه الطاعن من دفاع في هذا الشأن ، تأدياً من ذلك إلى القول بشيوع التهمة وعدم ارتكابه للجريمة ، لما هو مقرر من أن الدفع بشيوع التهمة أو بنفيها هو من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستلزم من المحكمة رداً خاصاً اكتفاء بما تورده من أدلة الثبوت التي تطمئن إليها ، وكذلك لا محل لما يقوله عن التفات المحكمة عن أقواله وأقوال شاهد النفي لأن للمحكمة أن تعول على أقوال شهود الإثبات وتعرض عن قالة شهود النفي دون أن تكون ملزمة بالإشارة إلى أقوالهم أو الرد عليها رداً صريحاً ، فقضاؤها بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي بينتها يفيد دلالة أنها اطرحت شهادتهم ولم تر الأخذ بها .
9- لما كان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن المحكمة قامت بفض الحرز بعد التأكد من سلامة أختامه ، وأطلعت المتهم ودفاعه عليه ، فغدت محتوياته معروضة على بساط البحث والمناقشة بالجلسة ، وكان لا سند لإلزام المحكمة بأن تثبت ماهية الأوراق المزورة التي يحتوي عليها الحرز ومضمونها ومواطن التزوير فيها بمحضر جلسة المحاكمة أو بصلب الحكم بعد أن ثبت أنها كانت معروضة على بساط البحث والمناقشة في حضور الخصوم ، وكان في مكنة الدفاع عن الطاعن وقد اطلع عليها أن يبدي ما يعن له بشأنها في مرافعته ، وكان الحكم ومحضر الجلسة حجة بما أثبت فيهما ، بحيث لا يجوز ادعاء عكسه إلَّا بطريق الطعن بالتزوير وهو ما لم يسلكه الطاعن ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير مقبول .
10- لئن كان من المقرر أن التزوير في المحررات إذا كان ظاهراً بحيث لا يمكن أن ينخدع به أحد فلا عقاب عليه لانعدام الضرر إلَّا أن إثارة ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض غير جائزة ما لم تكن مدونات الحكم تظاهره ، وإذ خلا محضر جلسـة المرافعة من تمسك الطاعن بهذا الدفاع ، كما خلت مدونات الحكم مما يرشح لقيامه ، فإنه لا يقبل منه أن يثير هذا الأمر أمام هذه المحكمة لأن تمحيصه يتطلب تحقيقاً تنحسر عنه وظيفتها ، ومن ثم يكون النعي على الحكم في هذا الخصوص غير سديـد .
11- لما كانت المحكمة لا تلتزم بحسب الأصل بأن تورد من أقوال الشهود إلَّا ما تقيم عليه قضاءها ، وكان من المقرر في أصول الاستدلال أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلَّا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ، وفى إغفالها لبعض الوقائع أو عدم تعرضها لأقوال بعض من سئلوا في التحقيقات أو لشق منها ما يفيد ضمناً اطراحها لها اطمئناناً منها إلى ما أثبتته من الوقائع والأدلة التي اعتمدت عليها في حكمها ، ومن ثم فلا محل لما ينعاه الطاعن على الحكم لإسقاطه أقوال بعض من سئلوا في التحقيقات ، وكذلك لشق من أقوال شهود الإثبات أو لإغفاله تحصيل بعض الوقائع التي أشار إليها بأسباب طعنه ، وهى من بعد وقائع ثانوية يريد الطاعن لها معنى لم تسايره فيها المحكمة فاطرحتها .
12- من المقرر أن الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية أو بعدم جواز نظرها لسبق صدور أمر بألَّا وجه فيها من النيابة العامة هو من قبيل الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه ، ولأجل أن يكون له محل فإن ذلك يقتضي وحدة الدعويين التي دفع فيها بقوة الأمر بألَّا وجـه وتلك التي صدر فيها ذلك الأمر من حيث أشخاصهما وموضوعهما وسببيهما ، ويقتضي اشتراط وحدة الأطراف أن يكون المتهم الذى صدر لمصلحته الأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى هو نفسه الذي أقيمت ضده الدعوى التي يحتج بعدم قبولها وذلك ما لم يكن الأمر بألا وجه قد أقيم على أسباب عينية كحالة ثبوت أن الجريمة لم تقع أصلاً أو على أنها في ذاتها ليست من الأفعال التي يعاقب عليها القانون ، فإنه في هذه الحالة يكتسب - كأحكام البراءة - حجية بالنسبة إلى جميع المساهمين في الجريمة ، وترتيباً على ذلك فإنه إذا استند الأمر بألا وجه إلى " عدم معرفة الفاعل " فلا يجوز لمن رفـعت عليه الدعوى بعد ذلك أن يحتج بهذا الأمر ذلك بأنه لم يكن متهماً حينما صدر ذلك الأمر ، فلا يمكن أن يقال أنه صدر في شأنه . لما كان ذلك ، وكان الطاعن - على ما يذهب إليه في وجه نعيه - يقرر أن الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية قد صدر لعدم معرفة الفاعل ، وأنه قد تم إلغاؤه وعاودت النيابة التحقيق في الواقعة ورفعت الدعوى الجنائية بعدئذً عليه ، ففي ذلك ما يدل على أنه لم يكن في بادئ الأمر متهماً ، ومن ثم فلا يحق له أن يتمسك بأمر بألَّا وجه لم يصدر في شأنه ، إذ إن ذلك يتنافى مع المبادئ التي تقوم عليها حجية الشيء المحكوم فيه ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى اطراح دفعه في هذا الشأن - أياً كان وجه الرأي فيما أورده من أسباب - يكون قد وافق صحيح القانون ، ويكون نعى الطاعن عليه في هذا الشأن غير سديد .
13- لما كان ما يثيره الطاعن بشأن إجراءات وتحقيقات النيابة العامة لا يعدو أن يكون تعييباً للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سبباً للنعي على الحكم .
14- لما كان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع المقول بأنه أثارها وجاء الحكم قاصراً في الرد عليها ، وذلك حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، فإن ما يثيره في هذا الصدد لا يكون مقبولاً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه :-
1– وهو ليس من أرباب الوظائف العمومية اشترك بطريقي الاتفاق والمساعدة مع آخر مجهول في ارتكاب تزوير في محررين رسميين هما القسيمتين ....، .... والمنسوب صدورهما لإدارة الإيرادات والتحصيل بمجلس مدينة .... مع علمه بتزويرهما وذلك بطريق الاصطناع بأن اتفق مع هذا المجهول على إنشائهما علي غرار المحررات الصحيحة وساعده بأن أمده بالبيانات اللازم إدراجها فقام المجهول بتحريرها والتوقيع عليها بتوقيعات نسبها زوراً إلى المختصين بإدارة الإيرادات والتحصيل سالفة البيان فتمت تلك الجريمة بناءً على ذلك الاتفاق وتلك المساعدة .
2- استعمل المحررين المزورين موضوع التهمة الأولى (قسائم التحصيل) بأن قدمهما للمدعو/.... (محام) وكيله الذي قدمها لمحكمة جنح .... حال نظر القضية الرقيمة .... .
وأحالته إلى محكمة جنايات .... لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً عملاً بالمواد 40 /ثانياً وثالثاً ، 41 /أولاً ، 211 ، 212 ، 214 من قانون العقوبات مع إعمال نص المادة 32 من ذات القانون . بمعاقبته بالسجن لمدة ثلاث سنوات .
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمة
من حيث إن الطاعن ينعي - بمذكرتي الأسباب - على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمتي الاشتراك في تزوير محررين رسميين واستعمالهما مع علمه بذلك ، قد شابه البطلان والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال واعتوره الإخلال بحق الدفاع ؛ ذلك بأن شابه الغموض والإبـهام في بيان واقعة الدعوى ، ولم يورد مضمون أدلة الثبوت التي عول عليها في الإدانة ومؤداها ، كما لم يشر إلى نص القانون الذى عاقبه بمقتضاه ، وخلت ديباجته من مواد الاتهام التي طلبت النيابة العامة تطبيقها بالمخالفة لما أوجبه نص المادة 310 من قانون الاجراءات الجنائية مستنداً في قضائه إلى فروض تفتقر إلى الدلائل القوية وأدلة لا تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، لا سيما وقد خلت الأوراق من تقرير فني يفيد وقوع جريمة التزوير ، معرضاً عن دفاعه القائم على انتفاء ركنيها المادي و المعنوي رغم تعدد دلالته ، كما لم يستظهر عناصر الاشتراك والقصد الجنائي ، ولم يدلل على توافرهما وركن الضرر في حقه تدليلاً كافياً ، مستنداً في قضائه بالإدانة إلى مجرد توافر المصلحة وهو ما لا يكفي معرضاً عن دفاعه المؤيد بقالة شاهد النفي القائم على أنه ليس هو القائم بالتزوير وأن مرتكبه آخر رغم تعدد شواهده ، ودون أن يعنى بإجابة طلبه الاحتياطي بندب مصلحة الطب الشرعي قسم أبحاث التزييف والتزوير تحقيقاً لدفاعه ، هذا وقد قعدت المحكمة عن فض الحرز والاطلاع على المحررين المزورين وإثبات مضمونيهما وموطن التزوير فيهما مكتفية بما أوردته في شأنهما بمحضر الجلسة وهو ما لا يكفي ، مما أسلس إلى عدم إدراكها أن التزوير جاء مفضوحاً ، واستندت في الإدانة إلى أقوال بعض الشهود دون البعض الآخر، وأسقطت منهم ما من شأنه أن ينفي التهمة عن الطاعن ، ودون أن تفطن إلى دلالة سابقة صدور أمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم معرفة الفاعل المؤيدة لدفاعه في هذا الشأن ، فضلاً عن قصورها في الرد على دفعه بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة صدور هذا الأمر فيها ، وأخيراً جاءت تحقيقات النيابة العامة قاصرة في مناحي عدة ، وكذلك الحكم في الرد على باقي أوجه الدفاع والدفوع ، كل ذلك مما يـعيب الحكم ويستوجب نقضه .
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد بيّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعن بهما ، وأورد على ثبوتهما في حقه أدلة مستمدة من أقوال شهود الإثبات وما ورد بكتابي مجلس مدينة .... والإدارة الهندسية لقسم الرخص ، وقد أورد مؤداهم في بيان واف يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها وهى أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لهذه الأدلة على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بالواقعة وبأدلتها إلمامـاً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتــعرف الحقيقة ، كما أنه وإن كانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت على الحكم أن يبين نص القانون الذى حكم بمقتضاه إلَّا أن القانون لم يرسم شكلاً خاصاً يصوغ فيه الحكم هذا البيان ، ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أنه أشار إلــى نصوص القانون التي أخذ الطاعن بها وأعملها في حقه وعاقبه بمقتضاها ، فإن ما أورده الحكم يكفي في بيان مواد القانون التي حكم بمقتضاها بما يحقق حكم القانون ، مما يكون معه منعى الطاعن ببطلان الحكم لخلوه من نص القانون الذي عاقبه بمقتضاه وأنه قد شابه الغموض والإبهام وعدم الإلمام بوقائع الدعوى وأدلتها وإغفال دفاعه بانتفاء أركان جريمة التزوير في حقه لا يكون سديداً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن مواد الاتهام التي طلبت النيابة العامة تطبيقها ليست من البيانات التي يجب أن تشتمل عليها ديباجة الحكم ، وكانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية لم توجب إلَّا أن يشار في الحكم إلى نص القانون الذي حكم بموجبه ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون قد ورد على غير محـل . لما كان ذلك ، وكان من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه ، فله أن يكون عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها إلَّا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه ، وكان لا يشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حده دون باقي الأدلة ، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، وكان لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحة واستقلالاً عن كـل ركن من أركان جريمة التزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه ، وكانت الأدلة التي عول الحكم عليها في الإدانة تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها من مقارفة الطاعن للجريمة التي دانه بها ، ومن ثم فلا محل لما أثير بشأن قصور الحكم في التدليل على توافر أركان تلك الجريمة في حقه واستناده إلى فروض تفتقر إلى الدلائل القوية ولا تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها ، لأنه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير أدلة الدعوى مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان الاشتراك في الجريمة - جريمة التزوير - يتم غالباً دون مظاهر خارجية أو أعمال مادية محسوسة يمكن الاستدلال بها عليه ، فإنه يكفي لثبوته أن تكون المحكمة قد اعتقدت حصوله من ظروف الدعوى وملابساتها ، وأن يكون اعتقادها سائغاً تبرره الوقائع التي أثبتها الحكم ، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل بأسباب سائغة على ما استنتجه من اشتراك الطاعن بطريقي الاتفاق والمساعدة في جريمة التزوير في المحررين الرسميين محل الجريمة ، فإن هذا حسبه ليبرأ من قالة القصور في بيان عناصر الاشتراك في التزوير والتدليل عليها ، ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ينحل إلى جدل موضوعي لا تقبل إثارته أمام محكمة النـقض . لما كان ذلك ، وكان القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية يتحقق متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غيرت الحقيقة فيه ، وليس أمراً لازماً التحدث صراحة واستقلالاً في الحكم عن توافر هذا الركن ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد بقيامه ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت بأدلة سائغة توافر جريمة الاشتراك في تزوير محررين رسميين وهو ما يتضمن إثبات توافر ركن العلم بتزويرهما في حق الطاعن ، فإن هذا حسبه ولا يكون ملزماً - من بعد - بالتدليل على استقلال على توافر القصد الجنائي لدى الطاعن ، ويضحى ما يثيره بشأن انتفاء علمه بتزوير المحررين موضوع الاتهام لا محـل لـه . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الضرر في تزوير المحررات الرسمية مفترض ، لما في التزوير من تقليل الثقة بها على اعتبار أنها من الأوراق التي يعتمد عليها في إثبات ما بها ، فإن ما يثيره الطاعن بشأن انتفاء الضرر يكون غير سديـد . لما كان ذلك ، وكان البيّن من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكمة لم تتخذ من المصلحة وحدها قرينة على ما دانت به الطاعن وإنما استندت إليها كقرينة تعزز بها أدلة الثبوت التي أوردتها ، فإنه لا جناح على الحكم إن عول على تلك القرينة تأييداً وتعزيزاً للأدلة الأخرى التي اعتمد عليها في قضائه ما دام أنه لم يتخذ منها دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة قبل الطاعن ، ومن ثم تكون المجادلة في ذلك لا محل لها . لما كــان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعن بوصفه شريكاً بالاتفاق والمساعدة في جريمة التزوير وليس بوصفه فاعلاً أصلياً ، ومن ثم فلا يجديه نفعاً نفي تحريره لتلك البيانات ، ويضحى ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الخصوص لا محل له ، كما لا محل لما يقوله عن التفات المحكمة عن طلبه الاحتياطي باستكتاب الموظفين بإدارة الايرادات والتحصيل بمجلس مدينة .... للتدليل على أنه ليس هو الكاتب لبيانات المحررين المزورين ، فضلاً عن أن الحكم قد رد عليه بما يبرر اطراحه ، وهو طلب لا يتجه مباشرة إلى نفي الفعل المكون للجريمة بل لإثارة الشبهة في أدلة الثبوت التي اطمأنت إليها المحكمة ، فلا عليها إن هي أعرضت عنه والتفتت عن إجابته وعما أبداه الطاعن من دفاع في هذا الشأن ، تأدياً من ذلك إلى القول بشيوع التهمة وعدم ارتكابه للجريمة ، لما هو مقرر من أن الدفع بشيوع التهمة أو بنفيها هو من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستلزم من المحكمة رداً خاصاً اكتفاء بما تورده من أدلة الثبوت التي تطمئن إليها ، وكذلك لا محل لما يقوله عن التفات المحكمة عن أقواله وأقوال شاهد النفي لأن للمحكمة أن تعول على أقوال شهود الإثبات وتعرض عن قالة شهود النفي دون أن تكون ملزمة بالإشارة إلى أقوالهم أو الرد عليها رداً صريحاً ، فقضاؤها بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي بينتها يفيد دلالة أنها اطرحت شهادتهم ولم تر الأخذ بها . لما كان ذلك ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن المحكمة قامت بفض الحرز بعد التأكد من سلامة أختامه ، وأطلعت المتهم ودفاعه عليه ، فغدت محتوياته معروضة على بساط البحث والمناقشة بالجلسة ، وكان لا سند لإلزام المحكمة بأن تثبت ماهية الأوراق المزورة التي يحتوي عليها الحرز ومضمونها ومواطن التزوير فيها بمحضر جلسة المحاكمة أو بصلب الحكم بعد أن ثبت أنها كانت معروضة على بساط البحث والمناقشة في حضور الخصوم ، وكان في مكنة الدفاع عن الطاعن وقد اطلع عليها أن يبدي ما يعن له بشأنها في مرافعته ، وكان الحكم ومحضر الجــلسة حجة بما أثبت فيهما ، بحيث لا يجوز ادعاء عكسه إلَّا بطريق الطعن بالتزوير وهو ما لم يسلكه الطاعن ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، ولئن كان من المقرر أن التزوير في المحررات إذا كان ظاهراً بحيث لا يمكن أن ينخدع به أحد فلا عقاب عليه لانعدام الضرر إلَّا أن إثارة ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض غير جائزة ما لم تكن مدونات الحكم تظاهره ، وإذ خلا محضر جلسـة المرافعة من تمسك الطاعن بهذا الدفاع ، كما خلت مدونات الحكم مما يرشح لقيامه ، فإنه لا يقبل منه أن يثير هذا الأمر أمام هذه المحكمة لأن تمحيصه يتطلب تحقيقاً تنحسر عنه وظيفتها ، ومن ثم يكون النعي على الحكم في هذا الخصوص غير سديـد . لما كان ذلك ، وكانت المحكمة لا تلتزم بحسب الأصل بأن تورد من أقوال الشهود إلَّا ما تقيم عليه قضاءها ، وكان من المقرر في أصول الاستدلال أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلَّا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ، وفى إغفالها لبعض الوقائع أو عدم تعرضها لأقوال بعض من سئلوا في التحقيقات أو لشق منها ما يفيد ضمناً اطراحها لها اطمئناناً منها إلى ما أثبتته من الوقائع والأدلة التي اعتمدت عليها في حكمها ، ومن ثم فلا محل لما ينعاه الطاعن على الحكم لإسقاطه أقوال بعض من سئلوا في التحقيقات ، وكذلك لشق من أقوال شهود الإثبات أو لإغفاله تحصيل بعض الوقائع التي أشار إليها بأسباب طعنه ، وهى من بعد وقائع ثانوية يريد الطاعن لها معنى لم تسايره فيها المحكمة فاطرحتها . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية أو بعدم جواز نظرها لسبق صدور أمر بألَّا وجه فيها من النيابة العامة هو من قبيل الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه ، ولأجل أن يكون له محل فإن ذلك يقتضي وحدة الدعويين التي دفع فيها بقوة الأمر بألَّا وجـه وتلك التي صدر فيها ذلك الأمر من حيث أشخاصهما وموضوعهما وسببيهما ، ويقتضي اشتراط وحدة الأطراف أن يكون المتهم الذى صدر لمصلحته الأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى هو نفسه الذي أقيمت ضده الدعوى التي يحتج بعدم قبولها وذلك ما لم يكن الأمر بألا وجه قد أقيم على أسباب عينية كحالة ثبوت أن الجريمة لم تقع أصلاً أو على أنها في ذاتها ليست من الأفعال التي يعاقب عليها القانون ، فإنه في هذه الحالة يكتسب - كأحكام البراءة - حجية بالنسبة إلى جميع المساهمين في الجريمة ، وترتيباً على ذلك فإنه إذا استند الأمر بألا وجه إلى " عدم معرفة الفاعل " فلا يجوز لمن رفـعت عليه الدعوى بعد ذلك أن يحتج بهذا الأمر ذلك بأنه لم يكن متهماً حينما صدر ذلك الأمر ، فلا يمكن أن يقال أنه صدر في شأنه . لما كان ذلك ، وكان الطاعن - على ما يذهب إليه في وجه نعيه - يقرر أن الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية قد صدر لعدم معرفة الفاعل ، وأنه قد تم إلغاؤه وعاودت النيابة التحقيق في الواقعة ورفعت الدعوى الجنائية بعدئذً عليه ، ففي ذلك ما يدل على أنه لم يكن في بادئ الأمر متهماً ، ومن ثم فلا يحق له أن يتمسك بأمر بألَّا وجه لم يصدر في شأنه ، إذ إن ذلك يتنافى مع المبادئ التي تقوم عليها حجية الشيء المحكوم فيه ، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى اطراح دفعه في هذا الشأن - أياً كان وجه الرأي فيما أورده من أسباب - يكون قد وافق صحيح القانون ، ويكون نعى الطاعن عليه في هذا الشأن غير سديد . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن بشأن إجراءات وتحقيقات النيابة العامة لا يعدو أن يكون تعييباً للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سبباً للنعي على الحكم . لما كان ذلك ، وكان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع المقول بأنه أثارها وجاء الحكم قاصراً في الرد عليها ، وذلك حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، فإن ما يثيره في هذا الصدد لا يكون مقبولاً . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ