الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 10 يونيو 2021

الطعن 6189 لسنة 58 ق جلسة 28 / 6 / 2016 إدارية عليا مكتب فني 61 ج 2 ق 120 ص 1643

جلسة 28 من يونيه سنة 2014
الطعن رقم 6189 لسنة 58 القضائية (عليا)
(الدائرة الأولى)
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فوزي عبد الراضي سليمان أحمد نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ إبراهيم سيد أحمد الطحان، ومحمد ياسين لطيف شاهين، وأحمد محمد أحمد الإبياري، وعبد الجيد مسعد عبد الجليل حميدة. نواب رئيس مجلس الدولة
---------------
(أ‌) مجلس الدولة:
شئون الأعضاء- معاش- تسوية المعاش عن الأجر الأساسي- أوجب المشرع في قانون التأمين الاجتماعي استمرار العمل بالمزايا التأمينية المقررة في التشريعات المنظمة لشئون المعاملين بكادرات خاصة، ومنهم أعضاء مجلس الدولة- تضمن قانون مجلس الدولة بيان المزايا التأمينية لأعضاء المجلس، مفرقا بين فئتين من الأعضاء: (الفئة الأولى) الأعضاء الذين تنتهي خدمتهم ببلوغهم سن الإحالة على المعاش أو بالاستقالة، وهؤلاء يطبق في شأنهم حكم المادة (124) من القانون المذكور، التي أوجبت تسوية معاش كل منهم أو مكافأته على أساس آخر مربوط الدرجة التي كان يشغلها، أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح له، وذلك دون أي قيود، ودون حد أقصى. (الفئة الثانية) الأعضاء الذين تنتهى خدمتهم لعدم اللياقة الصحية أو بسبب الوفاة، وهؤلاء يطبق في شأنهم حكم المادة (125) من قانون مجلس الدولة، التي حددت قواعد تسوية المعاش المستحق لهم أو للمستحقين عنهم، على ألا يزيد في جميع الأحوال على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قانون التأمين الاجتماعي.
مايز المشرع في قانون مجلس الدولة في المزايا التأمينية بين عضو مجلس الدولة الذي تنتهي خدمته لعدم اللياقة الصحية أو للوفاة والعضو الذي تنتهي خدمته بالاستقالة، حيث قيد معاش الأول بنسبة معينة من مرتبه لا يجوز تجاوزها، وهي أربعة أخماس المرتب، وربط هذه النسبة بآخر مرتب كان يتقاضاه، وليس بآخر مربوط الوظيفة أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح، وهذا على خلاف الحال بالنسبة للثاني، بالرغم من تماثلهما في المراكز القانونية، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة المكفول دستوريا، كما حدد المشرع سقفا للمعاش المنصرف لورثة عضو مجلس الدولة الذي تنتهي خدمته بالوفاة بالرغم من أنهم قد يكونوا أحوج من غيرهم لمبلغ المعاش، بينما يكون المستحق ذاته لعضو المجلس المستقيل بمحض إرادته متحررا من هذا السقف، كما أن هناك مغايرة أوجدها قانون مجلس الدولة لا مثيل لها في النصوص المنظمة للحقوق التأمينية للجهات والهيئات القضائية الأخرى، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة بين عضو مجلس الدولة وأقرانه في تلك الجهات والهيئات- ترتيبا على ذلك: حكمت المحكمة بوقف الطعن تعليقيا، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية نص المادة (125) من قانون مجلس الدولة( ).
- المادتان (124) و(125) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972.
- المادة الرابعة من مواد القانون رقم 79 لسنة 1975 بإصدار قانون التأمين الاجتماعي.

(ب‌) مجلس الدولة:
شئون الأعضاء- معاش- تسوية المعاش عن الأجر المتغير- استحدث المشرع بموجب القانون رقم 47 لسنة 1984 نظاما لمعاش الأجر المتغير، مستهدفا أن يوفر للمؤمن عليه معاشا مناسبا مقاربا لما كان يحصل عليه من أجر أثناء خدمته، موجبا تسويته على أساس المتوسط الشهري للأجور التي أديت على أساسها الاشتراكات عن هذا الأجر خلال مدة الاشتراك عنه- حظر المشرع تطبيق الأحكام المنصوص عليها في قوانين خاصة بشأن الحقوق المستحقة عن الأجر المتغير، ولم يستثن من ذلك إلا الوزراء ونواب الوزراء ومن في حكمهم المخاطبين بأحكام المادة (31) من قانون التأمين الاجتماعي، حيث اختصهم المشرع بنظام خاص حدد بموجبه كيفية حساب المعاش المستحق لهم، سواء عن الأجر الأساسي أم الأجر المتغير- بذلك تكون الأحكام الواردة في قانون التأمين الاجتماعي بشأن معاش الأجر المتغير هي الواجبة الإعمال على جميع المخاطبين بالقانون المذكور، بما في ذلك أعضاء الهيئات القضائية.
فوض المشرع وزير التأمينات في إصدار قرار بقواعد حساب عناصر الأجر المتغير، والمقصود بالقواعد في اللغة: الأسس، وبالحساب: العد والإحصاء والتقدير، فبذلك يكون المشرع قد فوضه في تحديد الأسس التي يعتد بها في مجال تقدير عناصر الأجر المتغير، بما مؤداه تفويضه في وضع الحد الأقصى للأجر المتغير الخاضع لاشتراك التأمينات- ناط المشرع كذلك بوزير التأمينات إصدار اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذ أحكام قانون التأمين الاجتماعي، كما ناط به إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام القانون رقم 47 لسنة 1984، وهو ما يستتبع بحكم اللزوم المغايرة بين القرارات التنفيذية، والقرار المحدد لقواعد حساب عناصر الأجر المتغير، ومن ثم لا يعد هذا الأخير من قبيل القرارات التنفيذية، بل هو قرار صادر في إطار التفويض التشريعي للوزير بتحديد قواعد حساب عناصر الأجر المتغير، ومنها الحد الأقصى للاشتراك عن هذا الأجر- نتيجة لذلك: تكون القرارات الصادرة بوضع حد أقصى لأجر الاشتراك المتغير قد صدرت في إطار التفويض التشريعي المقرر لوزير التأمينات، ويتعين الاعتداد بما تضمنته في هذا الصدد.

من يستحق معاملة (وزير) من أعضاء مجلس الدولة من حيث المعاش المستحق عن الأجر الأساسي وعن الأجر المتغير، يطبق في شأنه فيما يتعلق بمعاش الأجر المتغير ما ورد بقراري وزير التأمينات رقمي 346 لسنة 2009 و102 لسنة 2012، وما تلاهما من قرارات صادرة في هذا الشأن، بصرف النظر عن كونه قد بلغ سن الإحالة على المعاش قبل التاريخين المحددين بهما، وهما (1/7/2009 و1/7/2012)؛ لأن هذين التاريخين لا يتعلقان إلا بالتنفيذ وإعمال الأثر الفوري والمباشر للقرارين المذكورين، وليس بتحديد فئة المخاطبين بأحكامهما- لا محل للقول بأن أحكام هذين القرارين يطبقان فقط على من بلغ السن القانونية بعد التاريخين المحددين بهما؛ فهذا القول يؤدي إلى ازدواج المعاملة التأمينية بين أصحاب المعاشات الذين بلغوا السن قبل التاريخين المشار إليهما، والذين بلغوها بعدهما، بالرغم من اتحادهم في المراكز القانونية- ترتيبا على ذلك: تتعين تسوية معاش أعضاء مجلس الدولة المذكورين عن الأجر المتغير على أساس المتوسط الشهري لأجورهم المتغيرة، أو على أساس آخر أجر متغير كانوا يتقاضونه عند انتهاء خدمتهم، أيهما أفضل، ويدخل في حساب الأجر المتغير جميع عناصره المحددة في المادة (5 بند ط/2) من قانون التأمين الاجتماعي.
- المواد أرقام (5) و(18 مكررا) و(19) و(20) و(31) من قانون التأمين الاجتماعي، الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975.
- المواد (الثانية عشرة) و(الثالثة عشرة) و(السابعة عشرة) من القانون رقم 47 لسنة 1984 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي، الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 وزيادة المعاشات، معدلا بموجب القانون رقم 107 لسنة 1987.
- قرار وزير المالية رقم 346 لسنة 2009 بتعديل بعض أحكام قرار وزير المالية رقم 554 لسنة 2007 بشأن القواعد المنفذة لقانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975.
- قرار وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية رقم 102 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام قرار وزير المالية رقم 554 لسنة 2007 بشأن القواعد المنفذة لأحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975.
- حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 3 لسنة 28ق (طلبات أعضاء) بجلسة 15/4/2007.
- حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 2 لسنة 34ق (طلبات أعضاء) بجلسة 18/5/2014.

(ج‌) مجلس الدولة:
شئون الأعضاء- معاش- الجمع بين المرتب والمعاش- قرر المشرع أحقية أعضاء الهيئات القضائية في تقاضي الحقوق التأمينية عند بلوغهم سن الستين، ومن ثم جمعهم بين المرتب والمعاش خلال الفترة من تاريخ بلوغ سن الستين وحتى انتهاء الخدمة ببلوغه سن السبعين- اعتبارا من تاريخ بلوغ عضو المجلس سن الستين يوقف استقطاع اشتراكات التأمينات الاجتماعية من مرتبه، ويجمع بين مرتبه والمعاش المستحق له.
- المادة الأولى من القانون رقم 183 لسنة 2008 بتنظيم الحقوق التأمينية لأعضاء الهيئات القضائية.

(د‌) مجلس الدولة:
شئون الأعضاء- معاش- مكافأة نهاية الخدمة- نص القانون رقم 47 لسنة 1984 على ألا تطبق الأحكام المنصوص عليها في قوانين خاصة في شأن قواعد حساب هذه المكافأة، ومن ثم تتعين تسويتها على وفق القواعد التي تضمنتها المادة (30) من قانون التأمين الاجتماعي- يستحق المؤمن عليه مكافأة متى توفرت إحدى حالات استحقاق المعاش أو تعويض الدفعة الواحدة، وتحسب المكافأة بواقع أجر شهر عن كل سنة من سنوات مدة الاشتراك في نظام المكافأة، ويقدر أجر حساب المكافأة بأجر حساب معاش الأجر الأساسي.
- المادة (12) من القانون رقم 47 لسنة 1984 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي، الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وزيادة المعاشات.

(هـ) مجلس الدولة:
شئون الأعضاء- معاش- تعويض الدفعة الواحدة- خلا قانون مجلس الدولة من أي أحكام تنظم هذا التعويض، فيطبق عليهم حكم المادة (26) من قانون التأمين الاجتماعي بشأنه.

- المادة (26) من قانون التأمين الاجتماعي، الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1979.

(و) مجلس الدولة:
شئون الأعضاء- معاش- حساب مدة الحرب مضاعفة في المعاش- تعد مدة الخدمة بالقوات المسلحة خلال فترة الحرب (التي يصدر بتحديدها قرار عن رئيس الجمهورية) مدة خدمة مضاعفة، يتعين حسابها لصاحب المعاش عند تقاعده نهائيا من خدمة الحكومة أو القطاع العام، وذلك بثلاثة شروط وهي: (الأول) أن يكون طالب الضم من الضباط أو ضباط الصف أو الجنود الاحتياط. (الثاني) أن يكون من العاملين المدنيين بالدولة أو القطاع العام، بما لازمه أن تكون المدة المطلوب حسابها مضاعفة قد قضيت أثناء الخدمة المدنية، فلا عداد بما يسبقها أو يلحقها. (الثالث) أن تكون الخدمة قد قضيت في المدة من 5 يونيه سنة 1967 وحتى 1/1/1986 (مدة الحرب)- إذا كان التعيين في الحكومة أو في القطاع العام بعد انتهاء زمن الحرب، فقد تخلف أحد شروط حساب مدة الخدمة العسكرية مدة مضاعفة في المعاش.

- المادة (1) و(6) و(72) من القرار بقانون رقم 116 لسنة 1964 في شأن المعاشات والمكافآت والتأمين والتعويض للقوات المسلحة (الملغى لاحقا بموجب القانون رقم 90 لسنة 1975 بشأن التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة).

- المادتان (8) و(73) من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة، الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975.
- قرارا رئيس الجمهورية رقما 807 لسنة 1971، و36 لسنة 1986 بشأن مدة الحرب.
---------------
الوقائع
في يوم الثلاثاء الموافق 10/1/2012 أودع وكيل الطاعن قلم كتاب المحكمة تقرير الطعن الماثل، طالبا في ختامه الحكم: (أولا) بقبول الطعن شكلا، و(ثانيا) في الموضوع بأحقيته في تسوية المعاش المستحق له على أساس آخر مربوط الوظيفة التي كان يشغلها، أو آخر مرتب كان يتقاضاه مضافا إليه العلاوات الخاصة، أيهما أصلح، ودون التقيد بحد أقصى، مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية، وإلزام المدعى عليهما بصفتيهما المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

وباشرت هيئة مفوضي الدولة تحضير الطعن على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وخلالها أودع الحاضر عن الطاعن حافظة مستندات طويت على المستندات المعلاة بغلافها، وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرها بالرأي القانوني في الطعن.

وتدوول نظر الطعن أمام الدائرة الثانية بالمحكمة على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وخلالها أثبت طالبو التدخل تدخلهم في الطعن للحكم لهم بذات طلبات الطاعن، وبجلسة 6/4/2013 قدم الحاضر عن الهيئة المطعون ضدها (الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي) مذكرة دفاع، كما حضر الطاعن وعدل طلباته لتصبح الحكم: (أولا) بإعادة تسوية معاش الأجر الأساسي طبقا لحكم المادة (124) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 باعتبار آخر أجر أساسي كان يتقاضاه عند بلوغه سن الستين أو في 1/7/2008، مضافا إليه العلاوات الخاصة التي لم يكن قد تم ضمها إلى المرتب، وصرف الفروق المالية المترتبة على ذلك، و(ثانيا) بإعادة تسوية معاش الأجر المتغير بتطبيق أحكام قرار وزير المالية رقم 346 لسنة 2009، وكذا قرار وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية رقم 102 لسنة 2012، الذي تدرج بالحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير من 1500 جنيه إلى 1800 جنيه اعتبارا من 1/7/2012، ثم إلى 2070 جنيه اعتبارا من 1/1/2013، وما يستجد من زيادات على وفق الجدول المرافق لهذا القرار، وصرف الفروق المالية المترتبة على ذلك. و(ثالثا) بإعادة تسوية مكافأة نهاية الخدمة على وفق معاش الأجر المتغير الصحيح طبقا للتسوية التي تمت في البندين السابقين، وصرف الفروق المالية المترتبة على ذلك.

وبالجلسة نفسها قررت المحكمة إحالة الطعن إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير تكميلي فيه في ضوء الطلبات المعدلة، وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا تكميليا في الطعن.

وتدوول نظر الطعن أمام الدائرة المذكورة على النحو المبين بالجلسات، وبجلسة 2/7/2013 قدم الحاضر عن الهيئة المطعون ضدها مذكرة دفاع، طلب في ختامها: (أصليا) الحكم –أولا- بعدم قبول الطعن لانتفاء شرط المصلحة، و-ثانيا- برفض موضوع الطعن. و(احتياطيا) بإحالة الطعن إلى مصلحة الخبراء لتحقيق مدى قيام الهيئة بالتسوية طبقا لأحكام القانون من عدمه، وقررت الدائرة إصدار الحكم في الطعن بجلسة 29/8/2013، ثم قررت إعادته للمرافعة وإحالته إلى الدائرة الأولى عليا (موضوع) لنظره مع طعون مماثلة محالة إليها.

وجرى تداول الطعن أمام هذه الدائرة، حيث التمس طالبو التدخل الحكم لهم بالطلبات نفسها، وذلك على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 7/12/2013 تنازل طالب التدخل رقم (64) عن طلبه المتعلق بحساب مدة خدمته العسكرية كمدة مضاعفة في المعاش، وتمسك بالحكم له بذات طلبات الطاعن. وبجلسة 1/2/2014 حضر طالب التدخل رقم (64) وعدل طلباته الختامية بإضافة طلب ضم مدة خدمته العسكرية مدة مضاعفة في المعاش والذى سبق له التنازل عنه.

وبجلسة 5/4/2014 طلب الطاعن إعادة تسوية معاشه عن الأجر الأساسي على أساس آخر مربوط الدرجة التي كان يشغلها، أو آخر أجر كان يتقاضاه مع ضم العلاوات الخاصة التي لم تكن قد ضمت من قبل على حساب المكافأة والتعويض الإضافي، وكذلك إعادة تسوية معاش الأجر المتغير على أساس أحكام القرار رقم 102 لسنة 2012، كما قدم الحاضر عن الهيئة المطعون ضدها مذكرة دفاع.

وبتلك الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة 7/6/2014 وصرحت بتقديم مذكرات لمن يشاء خلال أسبوعين، ولم تودع أية مذكرات خلال الأجل المضروب، ثم قررت مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم لإتمام المداولة، وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وإتمام المداولة قانونا.

وحيث إن الطاعن وطالبي التدخل يطلبون الحكم بما هو مبين سلفا.

- وحيث إنه عن طلبات التدخل في الطعن، فإنه وطبقا لحكم المادة (126) من قانون المرافعات يجوز لكل ذي مصلحة أن يتدخل في الدعوى منضما لأحد الخصوم، أو طالبا الحكم لنفسه بطلب يرتبط بالدعوى، وذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى، أو بطلب يقدم شفاهة في الجلسة ويثبت في محضرها، وإذ تقدم طالبو التدخل بطلبات تدخلهم في الطعن بالطريق المقرر قانونا، واستوفت هذه الطلبات شرائطها القانونية، فقد تعين القضاء بقبول طلبات التدخل المشار إليها.

- وحيث إنه عن الدفع المبدى بعدم قبول الطعن لانتفاء شرط المصلحة، على سند من أن الهيئة المطعون ضدها قامت بتسوية المعاش عن الأجر الأساسي على أساس آخر أجر كان يتقاضاه الطاعن بواقع 100% من أجر الاشتراك الأخير، ومعاملته معاملة نائب الوزير، فإن هذه التسوية ليست هي التسوية المقررة قانونا على نحو ما سيرد بعدُ، ومن ثم يغدو هذا الدفع غير سديد جديرا بالالتفات عنه.

- وحيث إن الطعن قد استوفى جميع أوضاعه الشكلية المقررة قانونا، فمن ثم يكون مقبولا شكلا.

- وحيث إن المادة رقم (124) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، معدلا بموجب القانون رقم 17 لسنة 1976 تنص على أن: "تعتبر استقالة عضو مجلس الدولة مقبولة من تاريخ تقديمها إلى رئيس المجلس إذا كانت غير مقترنة بقيد أو معلقة على شرط.

واستثناءً من أحكام قوانين المعاشات لا يترتب على استقالة عضو المجلس سقوط حقه في المعاش أو المكافأة، أو خفضهما.

وفي جميع حالات انتهاء الخدمة يسوى معاش العضو أو مكافأته على أساس آخر مربوط الوظيفة التي كان يشغلها، أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح له، وفقا للقواعد المقررة بالنسبة للموظفين الذين تنتهي خدمتهم بسبب إلغاء الوظيفة أو الوفر".

وتنص المادة (125) من القانون نفسه على أنه: "إذا لم يستطع عضو مجلس الدولة بسبب مرضه مباشرة عمله بعد انقضاء الإجازات المقررة في المادة 110، أو ظهر في أي وقت أنه لا يستطيع لأسباب صحية القيام بوظيفته على الوجه اللائق، أُحيل إلى المعاش بقرار من رئيس الجمهورية يصدر بناءً على طلب رئيس مجلس الدولة وبعد موافقة المجلس الخاص للشئون الإدارية.

ويجوز للمجلس المذكور في هذه الحالة أن يزيد على خدمة العضو المحسوبة في المعاش أو المكافأة مدة إضافية بصفة استثنائية، على ألا تجاوز هذه المدة الإضافية مدة الخدمة ولا المدة الباقية لبلوغ السن المقررة للإحالة للمعاش, كما لا يجوز أن تزيد تلك المدة على ثماني سنوات ولا أن يكون من شأنها أن تعطيه حقا في معاش يزيد على أربعة أخماس مرتبه.

ومع ذلك لا يجوز أن يقل المعاش عن أربعة أخماس آخر مرتب كان يتقاضاه العضو أو يستحقه عند انتهاء خدمته إذا كانت مدة الخدمة المحسوبة في المعاش لا تقل عن عشرين سنة.

وتسري أحكام الفقرتين السابقتين في حالة الوفاة.

وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يزيد المعاش على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات".

وتنص المادة الرابعة من مواد القانون رقم 79 لسنة 1975 بإصدار قانون التأمين الاجتماعي على أن: "يستمر العمل بالمزايا المقررة في القوانين والأنظمة الوظيفية للمعاملين بكادرات خاصة...".

وتنص المادة رقم (18) من قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه على أن: "يستحق المعاش في الحالات الآتية:

(1) انتهاء خدمة المؤمن عليه قبل بلوغه سن الستين أو سن التقاعد المنصوص عليه بنظام التوظف المعامل به، لغير الأسباب المنصوص عليها بالبنود التالية متى كانت مدة اشتراكه في التأمين 240 شهرا على الأقل.

ويستحق صرف المعاش في هذه الحالة اعتبارا من تاريخ بداية الفترة التي ستحدد على أساسها النسبة المشار إليها بالمادة (21) أو من اليوم التالي لتاريخ انتهاء الخدمة أيهما ألحق. ..."( ).

وتنص المادة الأولى من القانون رقم 183 لسنة 2008 بتنظيم الحقوق التأمينية لأعضاء الهيئات القضائية على أنه: "مع مراعاة سن التقاعد المنصوص عليه بنظام التوظيف المعامل به أعضاء الهيئات القضائية, يستحق عضو الهيئة القضائية حقوقه التأمينية وفقا للبند (1) من المادة رقم 18 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 عند بلوغه سن الستين, ويوقف استقطاع اشتراكات تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة اعتبارا من بلوغه السن المذكورة.

ويسري حكم الفقرة السابقة على أعضاء الهيئات القضائية الذين تجاوزوا سن الستين اعتبارا من تاريخ العمل بهذا القانون.

ولا تخل الفقرتان السابقتان بجمع عضو الهيئة القضائية بين المرتب والمعاش حتى بلوغه سن التقاعد".

وحيث إن مفاد ما تقدم أن المشرع بموجب المادة الرابعة من مواد القانون رقم 79 لسنة 1975 بإصدار قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه، ولاعتبارات قدرها، أوجب استمرار العمل بالمزايا التأمينية المقررة في التشريعات المنظمة لشئون المعاملين بكادرات خاصة، ومنهم أعضاء مجلس الدولة، الذين تضمن القانون المنظم لشئونهم الوظيفية (الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972) بيان المزايا التأمينية لأعضاء المجلس، مفرقا بين فئتين من الأعضاء، وذلك على النحو الآتي:

(أولا) الأعضاء الذين تنتهي خدمتهم ببلوغهم سن الإحالة على المعاش أو بالاستقالة، وهؤلاء يطبق في شأنهم حكم المادة (124) من القانون المذكور، التي أوجبت تسوية معاش كل منهم أو مكافأته على أساس آخر مربوط الدرجة التي كان يشغلها، أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح له.

ومما هو جدير بالتنويه أن هذه المادة قبل تعديلها بموجب القانون رقم 17 لسنة 1976 كانت تعول على آخر مربوط الدرجة التي كان يشغلها العضو، وعندما استشعر المشرع أن آخر مربوط الدرجة لم يعد هو نهاية المطاف، بالنظر إلى الحالات التي يمكن للعضو فيها أن يتجاوزه، فقد تناول المشرع ذلك الحكم بالتعديل، على نحو يسمح بتسوية المعاش على أساس آخر مربوط الدرجة أو آخر مرتب، أيهما أصلح، وهذا التعديل باعتباره تاليا لتاريخ العمل بقانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 يؤكد اتجاه إرادة المشرع إلى استمرار معاملة أعضاء الكادرات الخاصة بالأحكام الواردة في أنظمتهم الخاصة بشأن المعاشات.

وغني عن البيان أن المشرع في المادة (124) المشار إليها لم يورد بالنسبة للطائفة المذكورة أية قيود، خلافا لما قرره بالنسبة للطائفة الأخرى، وعلى نحو ما سيلي بيانه فيما بعد، كما لم يورد حدا أقصى يتعين التقيد به عند تسوية المعاش، وهو ما يستوجب إعمال المبدأ طليقا من كل قيد، ومن ثم تسوية المعاش على أساس آخر مربوط الدرجة التي يشغلها العضو، أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح.

(ثانيا) الأعضاء الذين تنتهى خدمتهم لعدم اللياقة الصحية أو بسبب الوفاة، وهؤلاء يطبق في شأنهم حكم المادة (125) من قانون مجلس الدولة المشار إليه، التي حددت قواعد تسوية المعاش المستحق لهم أو للمستحقين عنهم بحسب الأحوال، وعلى ألا يزيد في جميع الأحوال على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وعلى النحو المقرر صراحة بموجب حكم المادة المذكورة.

ومتى كان ذلك، وإذ قرر المشرع بموجب القانون رقم 183 لسنة 2008 بتنظيم الحقوق التأمينية لأعضاء الهيئات القضائية أحقية أعضاء الهيئات القضائية (ومنهم أعضاء مجلس الدولة) في تقاضي الحقوق التأمينية عند بلوغهم سن الستين، ومن ثم جمعهم بين المرتب والمعاش خلال الفترة من تاريخ بلوغ سن الستين وحتى انتهاء الخدمة ببلوغه سن السبعين، فإنه اعتبارا من تاريخ بلوغ عضو المجلس سن الستين يوقف استقطاع اشتراكات التأمينات الاجتماعية من مرتبه، ويجمع بين مرتبه والمعاش المستحق له، والذي يحدد على النحو المشار إليه في البند (أولا) المشار إليه، دون أن يغير من ذلك:

أ- الإشارة في المادة الأولى من القانون رقم 183 لسنة 2008 المشار إليه إلى البند (1) من المادة 18 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975؛ بحسبان أن هذا البند لا شأن له بتحديد المستحقات التأمينية، بل بتاريخ استحقاقها في بعض الحالات، ومن ثم يبقى تحديد المعاش على حكم الأصل المقرر في قانون مجلس الدولة، وعلى نحو ما سلف بيانه.

ب- ما ورد في البند (1) من الفقرة الثالثة من المادة (20) من قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه، الذي استثنى من الحد الأقصى المحدد بالفقرة الثالثة (وقدره 80% من الأجر الذي يتخذ أساسا لتسوية المعاش) "المعاشات التي تنص القوانين أو القرارات الصادرة تنفيذا لها بتسويتها على غير الأجر المنصوص عليه في هذا الباب (الباب الثالث من القانون)، فيكون حدها الأقصى 100% من أجر اشتراك المؤمن عليه الأخير"؛ وذلك بحسبان أن عبارة "القوانين..." الواردة في صدر هذا البند لا تهدم الاستثناء المقرر بموجب المادة الرابعة من مواد الإصدار والمتعلقة بالقوانين المنظمة لشئون الكادرات الخاصة، إذ تبقى هذه القوانين هي الواجبة الإعمال فيما يتعلق بهذه الكادرات؛ بحسبان أن عبارة "القوانين..." المشار إليها لا تشمل المعاملين بكادرات خاصة؛ إعمالا لصريح عبارة المشرع في المادة الرابعة من مواد الإصدار المبينة آنفا.

وبناءً على ما تقدم، فإنه بالنسبة للطاعن والمتدخلين فقد تبين من الأوراق أن بعضهم شغل، ويشغل وظيفة رئيس مجلس الدولة، والبعض الآخر شغل، ويشغل وظيفة نائب رئيس مجلس الدولة، وبلغ راتبهم راتب رئيس مجلس الدولة، فيطبق بشأنهم حكم المادة (124) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، بما مؤداه أحقية كل منهم في تسوية معاشه عن أجره الأساسى على وفق آخر مربوط الدرجة التي يشغلها، أو آخر مرتب كان يتقاضاه في 1/7/2008 أو عند بلوغه سن الإحالة على المعاش، أيهما أصلح له، ودون التقيد بأي حد أقصى في هذا الشأن، ويضاف إلى ذلك العلاوات الخاصة التي لم يسبق ضمها إلى المرتب الأساسي.

وإذ قامت الهيئة المطعون ضدها بتسوية معاشاتهم على غير هذا الأساس، فإن التسوية التي أجريت لهم تكون قد وقعت مخالفة لأحكام القانون، ويتعين لذلك القضاء بإلزام الهيئة المطعون ضدها إعادة حساب معاش كل منهم على النحو المشار إليه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها صرف الفروق المالية المستحقة لكل منهم عن الفترة السابقة على تاريخ صدور هذا الحكم.

وحيث إنه عن المعاش عن الأجر المتغير، وإذ تنص المادة رقم (5) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 على أنه: "في تطبيق أحكام هذا القانون، يقصد:... ط: الأجر( ): كل ما يحصل عليه المؤمن عليه من مقابل نقدى من جهة عمله الأصلية لقاء عمله الأصلي، ويشمل:

1- الأجر الأساسي: ويقصد به...

2- الأجر المتغير: ويقصد به باقي ما يحصل عليه المؤمن عليه، وعلى الأخص:...

ويصدر وزير التأمينات قرارا بقواعد حساب عناصر هذا الأجر...".

وتنص المادة (18) مكررا من القانون المذكور، المضافة بالقانون رقم 47 لسنة 1984 على أن: "يستحق المعاش عن الأجر المتغير أيا كانت مدة اشتراك المؤمن عليه عن هذا الأجر، وذلك متى توافرت في شأنه إحدى حالات استحقاق المعاش عن الأجر الأساسي...".

وتنص المادة (19) منه على أن: "... ويسوى معاش الأجر المتغير على أساس المتوسط الشهرى للأجور التى أديت( ) على أساسها الاشتراكات خلال مدة الاشتراك عن هذا الأجر...".

وتنص المادة (20) من القانون نفسه بعد استبدالها بموجب القانون رقم 130 لسنة 2009 على أن: "يسوى المعاش بواقع جزء واحد من خمسة وأربعين جزءا من الأجر المنصوص عليه في المادة السابقة عن كل سنة من سنوات مدة الاشتراك في التأمين...

ويربط المعاش بحد أقصى مقداره (80%) من الأجر المشار إليه في الفقرة الأولى، ويستثنى من هذا الحد الحالات الآتية:

1- المعاشات التي تنص القوانين أو القرارات الصادرة تنفيذا لها بتسويتها على غير الأجر المنصوص عليه في هذا الباب، فيكون حدها الأقصى (100%) من أجر اشتراك المؤمن عليه الأخير، وتتحمل الخزانة العامة الفرق بين هذا الحد والحد الأقصى المشار إليه. ...

وفي جميع الأحوال يتعين ألا يزيد الحد الأقصى للمعاش على (80%) من الحد الأقصى لأجر الاشتراك في تاريخ الاستحقاق".

وتنص المادة رقم (31) منه على أن: "يسوى معاش المؤمن عليه الذى شغل منصب وزير أو نائب وزير على أساس آخر أجر تقاضاه، وذلك وفقا للآتي:

أولا: يستحق الوزير معاشا مقداره 150 جنيها شهريا ونائب الوزير معاشا مقداره 120 جنيها شهريا في الحالات الآتية:.. .

ثانيا: يسوى له المعاش عن مدة اشتراكه في التأمين التى تزيد على المدد المنصوص عليها في البند أولا ويضاف إلى المعاش المستحق وفقا للبند المذكور، على ألا يتجاوز مجموع المعاش الحد الأقصى المنصوص عليه في الفقره الأخيرة من المادة (20)... وتتحمل الخزانة العامة بالفرق بين المعاش المحسوب وفقا لهذه المادة والمعاش المحسوب وفقا للنصوص الأخرى...".

وتنص المادة الثانية عشرة من القانون رقم 47 لسنة 1984 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 وزيادة المعاشات، بعد تعديلها بالقانون رقم 107 لسنة 1987 على أن: "تحسب الحقوق المقررة بقانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975, عن كل من الأجر الأساسى والأجر المتغير قائمة بذاتها وذلك مع مراعاة الآتي:

1- يكون الحد الأقصى للمعاش المستحق عن الأجر المتغير 80% ولا تسرى في شأن هذا المعاش أحكام الحد الأقصى المنصوص عليه في الفقرة الأخيرة من المادة 20 من قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه.

...

7- لا تسري الأحكام المنصوص عليها في قوانين خاصة في شأن الحقوق المستحقة عن الأجر المتغير وذلك باستثناء ما جاء في هذه القوانين من معاملة بعض فئاتها بالمادة 31 من قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه، كما لا تسرى الأحكام المشار إليها في شأن قواعد حساب المكافأة.

وفي تطبيق المادة المشار إليها يراعى ما يأتي:

أ‌- يحسب المعاش عن كل من الأجرين الأساسى والمتغير معا وفقا للمادة المشار إليها، أو وفقا للقواعد العامة، أيهما أفضل.

ب‌- يستحق المعاش عن الأجر المتغير بالقدر المنصوص عليه في البند أولا من المادة المشار إليها طالما توافرت شروط تطبيق هذا البند في شأن معاش الأجر الأساسي، وذلك أيا كانت مدة اشتراك المؤمن عليه عن الأجر المتغير. ...

11- تتحدد قواعد حساب معاش أجر الاشتراك المتغير على أساس تاريخ انتهاء مدة الاشتراك عن هذا الأجر وتاريخ تحقق الواقعة المنشئة للاستحقاق".

وتنص المادة الثالثة عشرة من القانون نفسه على أن: "يلغى كل حكم منصوص عليه في أي قانون آخر بشأن أجر الاشتراك يخالف التعريف المنصوص عليه في المادة 5 (بند ط) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975".

وتنص المادة السابعة عشرة منه على أن: "يصدر وزير التأمينات القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره".

وتنص المادة الأولى من قرار وزير المالية رقم 346 لسنة 2009 بتعديل بعض أحكام قرار وزير المالية رقم 554 لسنة 2007 بشأن القواعد المنفذة لقانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975( ) على أن: "يستبدل بالبند ثانيا من الجدول رقم (1) بشأن الحد الأدنى والأقصى لأجر الاشتراك في التأمين المرفق بقرار وزير المالية رقم 554 لسنة 2007 المشار إليه، النص الآتي: ثانيا: اعتبارا من 1/7/2009 يكون الحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير 9000 جنيه سنويا و18000 جنيه سنويا للمؤمن عليه الذي يشغل منصب وزير ومن يعامل معاملة هذا المنصب من حيث المرتب والمعاش".

وتنص المادة الثانية من هذا القرار على أن: "يلغى كل حكم يخالف أحكام هذا القرار".

كما تنص المادة الثالثة منه على أن: "ينشر هذا القرار في الوقائع المصرية، ويعمل به من 1/7/2009".

كما تنص المادة الأولى من قرار وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية رقم 102 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام قرار وزير المالية رقم 554 لسنة 2007 بشأن القواعد المنفذة لأحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 على أن: "يستبدل بالبند (ثانيا) من الجدول رقم (1) المرفق بقرار وزير المالية رقم 554 لسنة 2007 المشار إليه، النص الآتي: اعتبارا من 1/7/2012 يكون الحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير بواقع 14400 جنيه سنويا، و21600 جنيه للمؤمن عليه الذى يشغل منصب وزير ومن يعامل معاملة هذا المنصب من حيث المرتب والمعاش. ويزاد الحد الأقصى المشار إليه بنسبة (15%) سنويا منه في بداية كل سنة ميلادية".

وتنص المادة الثانية منه على أن: "ينشر هذا القرار في الوقائع المصرية، ويعمل به اعتبارا من 1/7/2012، ويلغى كل حكم يخالف أحكام هذا القرار".

وحيث إن المستفاد مما تقدم أن المشرع بموجب القانون رقم 47 لسنة 1984 المشار إليه استحدث نظاما لمعاش الأجر المتغير، وحدد قوامه والأسس التى يقوم عليها بنيانه، وعلى نحو كفل تحديد المقصود بالأجر المتغير وكيفية تسوية المعاش المستحق عنه، موجبا تسويته على أساس المتوسط الشهري للأجور التي أديت على أساسها الاشتراكات عن هذا الأجر خلال مدة الاشتراك عنه، وعلى نحو ما ورد في المادة (19) من قانون التأمين الاجتماعي، وإمعانا في التأكيد على الاعتداد بما ورد في قانون التأمين الاجتماعي وحده بشأن الأجر المتغير، حظر المشرع سريان الأحكام المنصوص عليها في قوانين خاصة بشأن الحقوق المستحقة عن الأجر المتغير، ولم يستثن من ذلك إلا الوزراء ونواب الوزراء ومن في حكمهم المخاطبين بأحكام المادة (31) من قانون التأمين الاجتماعي، حيث اختصهم المشرع بنظام خاص حدد بموجبه كيفية حساب المعاش المستحق لهم، سواء عن الأجر الأساسي أم الأجر المتغير، وعلى النحو الموضح تفصيلا في المادة (31) من قانون التأمين الاجتماعي، والمادة الثانية عشرة من القانون رقم 47 لسنة 1984 المشار إليهما، وقرر تحمل الخزانة الفرق بين المعاش المحسوب على وفق ذلك والمعاش المحسوب على وفق النصوص الأخرى، وعلى ذلك تكون الأحكام الواردة في قانون التأمين الاجتماعي بشأن معاش الأجر المتغير هي الواجبة الإعمال على جميع المخاطبين بالقانون المذكور، بما في ذلك أعضاء الهيئات القضائية، لاسيما أن التشريعات المنظمة لشئونهم لم تتضمن تنظيما خاصا لمعاش الأجر المتغير على نحو ما تضمنته بالنسبة لمعاش الأجر الأساسي، وعلى فرض وجود مثل هذا النظام، كان يتعين عدم الأخذ به إعمالا لحكم البند (7) من المادة الثانية عشرة من القانون رقم 47 لسنة 1984 المشار إليه.

ومتى كان ذلك، وكان المشرع في الفقرة قبل الأخيرة من المادة (5) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 المشار إليه، المضافة بالقانون رقم 107 لسنة 1987، قد فوض وزير التأمينات في إصدار قرار بقواعد حساب عناصر الأجر المتغير، وكان المقصود بالقواعد في اللغة: الأسس، وبالحساب: العد والإحصاء والتقدير، فبذلك يكون المشرع قد فوض وزير التأمينات في تحديد الأسس التي يعتد بها في مجال تقدير عناصر الأجر المتغير، بما مؤداه تفويضه في وضع الحد الأقصى للأجر المتغير الخاضع لاشتراك التأمينات.

ومما هو جدير بالتنويه في هذا الصدد أن المشرع في المادة الخامسة من مواد إصدار قانون التأمين الاجتماعي رقم 79 لسنة 1975 ناط بوزير التأمينات إصدار اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذ أحكام القانون المذكور، كما ناط في المادة السابعة عشرة من القانون رقم 47 لسنة 1984 المشار إليه بوزير التأمينات إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون، وهو ما يستتبع بالضرورة وبحكم اللزوم المغايرة بين القرارات التنفيذية، والقرار المحدد لقواعد حساب عناصر الأجر المتغير، ومن ثم عدم اعتبار الأخير من قبيل القرارات التنفيذية، بل هو قرار صادر في إطار التفويض التشريعي للوزير بتحديد قواعد حساب عناصر الأجر المتغير، ومنها الحد الأقصى للاشتراك عن هذا الأجر، وعلى ذلك تكون القرارات الصادرة بوضع حد أقصى لأجر الاشتراك المتغير (ومنها القرار رقم 346 لسنة 2009 بتعديل بعض أحكام قرار وزير المالية رقم 554 لسنة 2007 الذى جعل الحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير 9000 جنيه سنويا و18000 جنيه سنويا للمؤمن عليه الذي يشغل منصب وزير ومن يعامل معاملة هذا المنصب من حيث المرتب والمعاش) –تكون- قد صدرت في إطار التفويض التشريعي المقرر لوزير التأمينات، ويتعين الاعتداد بما تضمنته في هذا الصدد.

ومما يؤيد ما سبق أن المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 3 لسنة 28 القضائية (طلبات أعضاء)، قد انتهت إلى أن نصي المادتين (19) و(20/7) من قانون التأمين الاجتماعي، الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، المعدل بالقانون رقم 107 لسنة 1987، والمادة رقم (12) من القانون رقم 47 لسنة 1984 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي، والمادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987، مؤداها أن المشرع -لحكمة تغياها- أفرد نظاما خاصا لحساب معاش الأجر المتغير المستحق للمعاملين بمقتضى المادة (31) من قانون التأمين الاجتماعي وهم الوزراء ونواب الوزراء ومن في حكمهم، فنص في البند (7) من المادة (12) من القانون رقم 47 لسنة 1984 الذي استحدث معاش الأجور المتغيرة، والمعدل بالقانون رقم 107 لسنة 1987، على عدم سريان الأحكام المنصوص عليها في قوانين خاصة في شأن الحقوق المستحقة عن الأجر المتغير، باستثناء ما جاء في هذه القوانين من معاملة بعض فئاتها بالمادة رقم (31) من قانون التأمين الاجتماعي، وفي تطبيق هذه المادة يحسب المعاش عن كل من الأجرين الأساسي والمتغير معا على وفقها أو على وفق القواعد العامة، أيهما أفضل، ومن ثم يجب التقيد بهذا النص، وذلك بحساب معاش الأجر المتغير للخاضعين لأحكامها، إما على أساس آخر أجر متغير كان يتقاضاه، وإما على أساس المتوسط الشهري لأجور المؤمن عليه التي أديت على أساسها الاشتراكات خلال مدة الاشتراك عن هذا الأجر، أيهما أفضل له، فإن قل المعاش عن 50% من أجر التسوية رفع إلى هذا القدر عملا بالمادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 متى توفرت في حقه شروط تطبيق هذه المادة، وبمراعاة الحد الأقصى المقرر بالمادة الثانية عشرة من القانون رقم 47 لسنة 1984، وهو 80% من أجر التسوية، شريطة ألا تزيد على 100% من أجر اشتراك المؤمن عليه عن الأجر المتغير، لأن هذا الحد هو السقف الذي يحكم علاقة المؤمن عليه بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، فلا يجوز تجاوزه. (حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 3 لسنة 28 قضائية- طلبات أعضاء بجلسة 15/4/2007).

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن أصل الحق في المعاش عن الأجر المتغير كان قد تقرر بمقتضى القانون رقم 47 لسنة 1984 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي، الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، امتدادا للحماية التأمينية لتشمل أجر المؤمن عليه بمختلف عناصره، وكان ما تغياه المشرع بذلك هو أن يوفر للمؤمن عليه معاشا مناسبا مقاربا لما كان يحصل عليه من أجر أثناء خدمته، يفي باحتياجاته الضرورية بعد بلوغ سن التقاعد التي يتحقق عندها الخطر المؤمن منه، حيث استهلت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 47 لسنة 1984 بالقول: "حرصت الدولة منذ بدء تقريرها لنظام التأمين الاجتماعي على تحقيق وظيفة التأمينات الاجتماعية في ضمان الدخل المناسب لما كان يحصل عليه المؤمن عليه خلال فترة عمله، وإلى تجميع مدخراته بما يكفل حصوله على مبلغ من دفعة واحدة يواجه به احتياجاته والتزاماته الاجتماعية التى لم يستطع أجره الدوري -وتبعا لذلك معاشه- الوفاء بها". (حكمها في القضية رقم 2 لسنة 34 قضائية - طلبات أعضاء بجلسة 18/5/2014).

وبناءً عليه فإنه بالنسبة للطاعن والمتدخلين، الذين شغل بعضهم، ويشغل وظيفة رئيس مجلس الدولة، وشغل البعض الآخر، ويشغل وظيفة نائب رئيس مجلس الدولة، فإنهم جميعا يعاملون معاملة الوزير من حيث المعاش المستحق عن الأجر الأساسي وعن الأجر المتغير على وفق ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة، ومن ثم يطبق في شأنهم فيما يتعلق بمعاش الأجر المتغير ما ورد بالقرارين رقمى 346 لسنة 2009 و102 لسنة 2012 المشار إليهما، وما تلا ذلك من قرارات صادرة في هذا الشأن، بصرف النظر عن كونهم قد بلغوا سن الإحالة على المعاش قبل التاريخين المحددين بهما وهما (1/7/2009 و1/7/2012)؛ وذلك بحسبان أن هذين التاريخين -على وفق ما يجرى عليه قضاء هذه المحكمة- لا يتعلقان إلا بالتنفيذ وإعمال الأثر الفوري والمباشر للقرارين المذكورين، وليس بتحديد فئة المخاطبين بأحكامهما، والقول بما ذهبت إليه الهيئة المطعون ضدها من سريان أحكام هذين القرارين على من بلغ السن القانونية بعد التاريخين المحددين بهما، هو قول يعوزه الدليل ويجافي المنطق والقانون، ويؤدى إلى ازدواج المعاملة التأمينية بين أصحاب المعاشات الذين بلغوا السن قبل التاريخين المشار إليهما، والذين بلغوها بعدهما، بالرغم من اتحادهم في المراكز القانونية، ومثل هذا الازدواج والمغايرة بين أصحاب المراكز القانونية الواحدة في قوانين المعاشات أمر غير جائز قانونا؛ منعا للغبن ودرءا للضرر. (حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 33179 لسنة 55 ق. عليا بجلسة 2/6/2012).

ولذلك فإنه يتعين إعادة تسوية معاش الطاعن والمتدخلين عن الأجر المتغير على أساس المتوسط الشهري لأجورهم المتغيرة، أو على أساس آخر أجر متغير كانوا يتقاضونه عند انتهاء خدمتهم، أيهما أفضل، ويدخل في حساب الأجر المتغير جميع عناصره المحددة في المادة (5) بند ط/2 من قانون التأمين الاجتماعي، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وصرف الفروق المالية المترتبة عليه.

وحيث إنه عن مكافأة نهاية الخدمة، فإنه وفقا للبند السابع من المادة (12) من القانون رقم 47 لسنة 1984 الذي يقضي بأنه لا تطبق الأحكام المنصوص عليها في قوانين خاصة في شأن قواعد حساب المكافأة، فمن ثم تتعين تسويتها على وفق القواعد التي تضمنتها المادة (30) من قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه، والتي جرى نصها على أن: "يستحق المؤمن عليه مكافأة متى توافرت إحدى حالات استحقاق المعاش أو تعويض الدفعة الواحدة، وتحسب المكافأة بواقع أجر شهر عن كل سنة من سنوات مدة الاشتراك في نظام المكافأة، ويقدر أجر حساب المكافأة بأجر حساب معاش الأجر الأساسي...".

ومتى كان ذلك وكان المعاش بالنسبة للطاعن والمتدخلين يسوى على أساس آخر أجر أساسي كانوا يتقاضونه شاملا العلاوات الخاصة، فمن ثم تتعين تسوية مكافأة نهاية الخدمة لهم على أساس آخر أجر أساسي كان يتقاضاه كل منهم، مضافا إليه العلاوات الخاصة.

وحيث إنه عما يطلبه الطاعن والمتدخلون من إعادة حساب تعويض الدفعة الواحدة عن مدة الاشتراك الزائدة، وإذ خلا قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 من أي أحكام تنظم هذا التعويض، فلا مناص من إعمال حكم المادة (26) من قانون التأمين الاجتماعي بشأنها، ومن ثم يحسب التعويض للطاعن ولمن يتوفر في حقه ذلك من المتدخلين بنسبة 15% من الأجر السنوي عن كل سنة من السنوات الزائدة.

وحيث إنه عن طلب الخصم المتدخل رقم (64) بحساب مدة خدمته العسكرية كمدة مضاعفة في المعاش، فإن المادة الأولى من القرار بقانون رقم 116 لسنة 1964 في شأن المعاشات والمكافآت والتأمين والتعويض للقوات المسلحة تنص على أن: "تسري أحكام هذا القانون على المنتفعين الآتين...:

أ-... ب-... ج- ضباط الصف والجنود المجندون ومن في حكمهم بالقوات المسلحة الرئيسية والفرعية في حدود الأحكام الخاصة الواردة بهذا القانون".

وتنص المادة (6) منه على أن: "تضاف المدد الآتية إلى مدة الخدمة الحقيقية عند حساب المعاش أو المكافأة:

أ- مدة مساوية لمدة الخدمة في زمن الحرب، وتحدد مدد الحرب بقرار من رئيس الجمهورية...".

وتنص المادة (72) من القانون المذكور على أن: "تضاف الضمائم ومدد الخدمة الإضافية المنصوص عليها في المادتين (6 ، 7) من هذا القانون إلى مدد خدمة الضباط وضباط الصف والجنود الاحتياط من الموظفين العموميين في حساب معاشاتهم أو مكافآتهم عند تقاعدهم نهائيا من خدمة الحكومة والقطاع العام".

وحيث إنه تنفيذا لنص المادة السادسة من القانون رقم 116 لسنة 1964 المشار إليه، أصدر رئيس الجمهورية القرار رقم 807 لسنة 1971، وتضمن في مادته الأولى النص على أن: "تعتبر الخدمة بالقوات المسلحة خدمة حرب من 5/6/1967 بالنسبة لجميع أفراد القوات المسلحة المعاملين بالقانون رقم 116 لسنة 1964 المشار إليه".

وتنص المادة الثانية من هذا القرار على أن: "يتحدد تاريخ انتهاء مدة الحرب بقرار من رئيس الجمهورية".

وقد أنهى قرار رئيس الجمهورية رقم 36 لسنة 1986 العمل بقراره السابق اعتبارا من 1/1/1986.

وحيث إن المادة (8) من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة، الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975، تنص على أن: "تضاف الضمائم الآتية إلى مدة الخدمة الفعلية عند حساب المعاش أو المكافأة:

أ‌- مدة مساوية لمدة الخدمة -في زمن الحرب- وتحدد مدة الحرب بقرار من رئيس الجمهورية، ويحدد وزير الدفاع فئات المنتفعين بهذه الضميمة.

ب‌- مدة لا تزيد على مدة الخدمة في المناطق التى يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية، ويبين هذا القرار قواعد حساب المدة المضمومة في كل منطقة، ويشترط ألا تقل مدة الخدمة في هذه الحالة عن ثلاثة أشهر متصلة.

ج-...

ومع عدم الإخلال بأحكام المادة (9) لا يجوز الجمع بين أكثر من ضميمة واحدة من الضمائم المذكورة في البنود (أ، ب، ج) عن مدة خدمة فعلية واحدة، وفي هذه الحالة تحسب الضميمة الأطول".

وتنص المادة (73) من القانون المذكور على أن: "... وينتفع بحكم الفقرة السابقة من خدم بوزارة الحربية أو بالقوات المسلحة والمعارون والمنتدبون والملحقون منهم للعمل بالقوات المسلحة خلال مدة عملهم بها، وكذلك من خدم بوزارة الحربية أو بالقوات المسلحة أو كان من أفرادها والمعارون والمنتدبون والملحقون أثناء الحرب العالمية الثانية أو حملة فلسطين أو الاعتداء الثلاثى أو حرب اليمن أو منذ عدوان يونيه 1967 خلال مدة وجودهم الفعلى بها".

وحيث إن مفاد ما تقدم أن المشرع مراعاة منه وتقديرا للدور الذي قام به أفراد القوات المسلحة الذين دافعوا عن تراب هذا الوطن في أصعب أوقاته، ألا وهو وقت الحرب، فقد قرر لهم بموجب القانون رقم 90 لسنة 1975 بشأن التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة (الذي حل محل القانون رقم 116 لسنة 1964 في شأن المعاشات والمكافآت والتأمين للقوات المسلحة) اعتبار مدة خدمتهم بالقوات المسلحة خلال فترة الحرب (التي صدر بتحديدها قرار رئيس الجمهورية رقم 807 لسنة 1971 بأنها الفترة التي تبدأ من 5 يونيه 1967) مدة خدمة مضاعفة، يتعين حسابها لهم عند تقاعدهم نهائيا من خدمة الحكومة والقطاع العام، ثم أصدر القرار رقم 36 لسنة 1986 بإنهاء العمل بقراره المذكور اعتبارا من 1/1/1986 على الفئات المنصوص عليها بالمادة (72) من القانون رقم 116 لسنة 1964 المشار إليه، ومن ثم فإن المشرع اشترط ثلاثة شروط وهي: (الأول) أن يكون طالب الضم من الضباط أو ضباط الصف أو الجنود الاحتياط. (الثاني) أن يكون من العاملين المدنيين بالدولة أو القطاع العام، بما لازمه أن تكون المدة المطلوب حسابها مضاعفة قد قضيت أثناء الخدمة المدنية، فلا عداد بما يسبقها أو يلحقها. (الثالث) أن تكون الخدمة قد قضيت في المدة من 5 يونيه سنة 1967 وحتى 1/1/1986، ورتب على ذلك التزام جهة الإدارة بحساب تلك الفترة مدة خدمة مضاعفة عند تسوية المعاش.

وهديا بما تقدم، ولما كان الثابت من الأوراق أن الخصم المتدخل/... قد خدم بالقوات المسلحة كملازم مجند في المدة المحددة بشهادة الخدمة العسكرية، وقدرها سنة وشهران و16 يوما، وكانت مدة خدمته تلك تدخل ضمن الخدمة أثناء فترة الحرب، لكونه تجند بتاريخ 15/4/1978، وانتهت خدمته بالقوات المسلحة في 1/6/1979 بنقله إلى الاحتياط، وذلك على النحو الثابت بنموذج 51 س الصادر عن إدارة السجلات العسكرية بوزارة الدفاع، ثم عين في وظيفة إدارية بمجلس الدولة اعتبارا من 14/1/1980، ومن ثم فقد تخلف في حقه شرط من الشروط الثلاثة المبينة آنفا؛ لكون تعيينه بالمجلس جاء لاحقا لقضائه مدة الخدمة الإلزامية بالقوات المسلحة، فالمدة المطلوب حسابها مضاعفة يجب أن تكون قد قضيت أثناء الخدمة المدنية، فلا عداد بما يسبقها أو يلحقها، وهو ما يغدو معه طلب حساب تلك الفترة كمدة خدمة مضاعفة عند تسوية معاشه فاقدا لسنده، جديرا بالالتفات عنه.

أما بالنسبة للمتدخلين أرقام (104) و(107) و( 128) و(140) وهم:...، فإنه يبين من الأوراق أنه قد انتهت خدمة مورثيهم بسبب الوفاة قبل بلوغهم سن الإحالة على المعاش، ومن ثم فلا مناص من تطبيق حكم المادة (125) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 فيما يتعلق بتسوية معاشهم عن الأجر الأساسي، فقد تضمنت المادة المذكورة النص على ألا يقل المعاش عن أربعة أخماس آخر مرتب كان يتقاضاه العضو أو يستحقه عند انتهاء خدمته إذا كانت مدة الخدمة المحسوبة في المعاش لا تقل عن عشرين سنة. وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يزيد المعاش على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات. وهذا الحكم أوجد مغايرة في المعاملة المالية بينهم وبين باقي المتدخلين في الطعن ممن ينطبق عليهم حكم المادة (124) من القانون المشار إليه.

وحيث إن المادة (53) من دستور 2014 تنص على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأي سبب آخر. ... تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز...".

كما تنص المادة (186) من الدستور على أن: "القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون وهم متساوون في الحقوق والواجبات.... ويبين القانون الحقوق والواجبات والضمانات المقررة لهم".

وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن مبدأ المساواة أمام القانون الذي رددته الدساتير المصرية جميعها، بدءا بدستور1923، وانتهاءً بالدستور القائم، يستهدف حماية حقوق المواطنين وحرياتهم في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، وهو بذلك يعد وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في الدستور، بل يمتد مجال إعمالها إلى الحقوق التي يقررها القانون العادي ويكون مصدرا لها، ومن ثم فلا يجوز للقانون أن يقيم تمييزا غير مبرر تتنافر به المراكز القانونية التي تتماثل في عناصرها. (حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 81 لسنة 25 قضائية دستورية بجلسة 13 فبراير 2005).

وحيث إن المشرع الدستوري استهدف إقرار المساواة في المعاملة المالية بين أعضاء الهيئات القضائية جميعها، سواء في المخصصات المالية المقررة للوظائف من مرتبات وبدلات أو مزايا أخرى، أم في المعاشات المستحقة لشاغليها بعد انتهاء خدمتهم، ويجري هذا الحكم على المخصصات والمعاشات المستحقة لشاغلي الوظائف المقابلة لها في الهيئات والجهات القضائية، ومن ثم فقد أصبحت قاعدة المساواة على النحو المبين آنفا مستقرة، لا يجوز الإخلال بها، على النحو الذي يمتنع معه وجود أي تفاوت بين جميع الأعضاء في المرتبات والبدلات والمزايا والمعاشات بالنسبة لجميع تلك الهيئات والجهات إعمالا لهذه القاعدة. (في هذا المعنى: حكم المحكمة الإدارية العليا -الدائرة الثانية– في الطعن رقم 1 لسنة 53 ق. عليا الصادر بجلسة 22/9/2012).

وإذ حددت المادة (125) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 قواعد تسوية المعاش المستحق لأعضاء مجلس الدولة، أو للمستحقين عنهم بحسب الأحوال، ممن تنتهى خدمتهم بالوفاة قبل بلوغهم سن الإحالة على المعاش، فنصت على أنه لا يجوز أن يقل المعاش عن أربعة أخماس آخر مرتب كان يتقاضاه العضو أو يستحقه عند انتهاء خدمته إذا كانت مدة الخدمة المحسوبة في المعاش لا تقل عن عشرين سنة، فضلا عن القيد الخاص بألا يزيد المعاش في جميع الأحوال على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، بينما نص القانون نفسه في المادة (124) منه (التى تخاطب عضو مجلس الدولة الذي تنتهى خدمته بالاستقالة) على وجوب تسوية معاشه على أساس آخر مربوط الوظيفة التي كان يشغلها أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح له، ولم يورد المشرع في المادة الأخيرة نسبة معينة (أربعة أخماس)، ولم يربط هذه النسبة بالمرتب فقط على ما سلف بيانه، فضلا عن أن هذه المادة لم تضع حدا أقصى يتعين التقيد به عند تسوية المعاش، بما مؤداه إعمال المبدأ طليقا من كل قيد، بخلاف حكم المادة (125) المذكورة.

ولما كانت المغايرة بين هاتين الفئتين من قضاة مجلس الدولة في المزايا التأمينية –بالرغم من تماثلهما في المراكز القانونية– تتعارض مع مبدأ المساواة المكفول دستوريا، كما حدد النص سقفا للمعاش المنصرف لورثة عضو مجلس الدولة الذي تنتهى خدمته بالوفاة بالرغم من أنهم قد يكونوا أحوج من غيرهم لمبلغ المعاش، بينما يكون المستَحقُّ ذاته لعضو المجلس المستقيل بمحض إرادته متحررا من هذا السقف.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المغايرة التى أوجدتها المادة (125) من قانون مجلس الدولة لا مثيل لها في النصوص المنظمة للحقوق التأمينية لسائر الجهات والهيئات القضائية الأخرى وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة بين عضو مجلس الدولة وأقرانه في سائر تلك الجهات والهيئات.

وحيث إنه إعمالا لنص المادة (29) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 والتى تنص على أن: "تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي:

(أ) إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية. (ب)..."

وتطبيقا لما تقدم فإن المحكمة ترجئ الفصل في طلبات المتدخلين أرقام (104) و(107) و(128) و(140)، وتقضي بوقف الطعن تعليقيا بالنسبة لهم، وبإحالة نص المادة (125) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته فيما تضمنه من تقييد معاش عضو مجلس الدولة الذي تنتهى خدمته للوفاة قبل بلوغه سن الإحالة على المعاش بنسبة معينة من مرتبه لا يجوز تجاوزها (أربعة أخماس)، وربط هذه النسبة بآخر مرتب كان يتقاضاه فقط، وليس بآخر مربوط الوظيفة، أو آخر مرتب كان يتقاضاه، أيهما أصلح، وكذا وضع سقف لمعاشه لا يزيد في جميع الأحوال على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات، بينما لم تتضمن المادة (124) من القانون نفسه القيود المشار إليها عند حساب المعاش المستحق لعضو المجلس الذي تنتهي خدمته بالاستقالة؛ لكون هذه المغايرة في المزايا التأمينية التي أوجدتها المادة المذكورة على التفصيل المبين سالفا جاءت متعارضة مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادتين (53) و(186) من الدستور، سواء بالنسبة لقضاة مجلس الدولة فيما بينهم، أم مقارنة بأقرانهم في الجهات والهيئات القضائية الأخرى التي لا يوجد في النصوص المنظمة للحقوق التأمينية لأعضائها نص مماثل لنص المادة (125) من قانون مجلس الدولة المشار إليه.

وحيث إن الهيئة المطعون ضدها معفاة من المصروفات طبقا لأحكام قانون التأمين الاجتماعي.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول تدخل السادة المستشارين المبينة أسماؤهم بصدر هذا الحكم، وبقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بأحقية الطاعن والمتدخلين في الآتي:

1- إعادة تسوية المعاش عن الأجر الأساسي على أساس آخر مربوط الدرجة التي كان يشغلها كل منهم، أو آخر مرتب كان يتقاضاه في 1/7/2008 أو عند بلوغه سن الإحالة إلى المعاش أو عند وفاة مورثه -بحسب الأحوال-، مضافا إليه العلاوات الخاصة، أيهما أصلح، وذلك دون التقيد بحد أقصى في هذا الشأن.

2- إعادة تسوية المعاش عن الأجر المتغير في 1/7/2008 أو عند بلوغه سن الإحالة إلى المعاش أو عند وفاة مورثه -بحسب الأحوال-، بواقع 80% من أجر التسوية، شريطة ألا يزيد على 100% من أجر الاشتراك، وذلك على أساس أحكام القرارين رقمي 346 لسنة 2009 و102 لسنة 2012، وما تلا ذلك من قرارات صادرة في هذا الشأن.

3- إعادة حساب مكافأة نهاية الخدمة المقررة لتكون على أساس آخر أجر أساسي كانوا يتقاضونه في البندين السابقين، مضافا إليه العلاوات الخاصة.

4- حساب تعويض الدفعة الواحدة عن المدة الزائدة بنسبة 15% من الأجر السنوي عن مدة الاشتراك الزائدة، وهذا كله على النحو المبين بالأسباب.

5- صرف الفروق المالية المترتبة على كل ما تقدم، ورفض ماعدا ذلك من طلبات بالنسبة للمتدخل رقم (64).

6- بوقف الطعن تعليقيا بالنسبة للمتدخلين أرقام (104) و(107) و(128) و(140)، وإحالته بالنسبة لهم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية نص المادة (125) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم (47) لسنة 1972، فيما تضمنه من تقييد معاش عضو مجلس الدولة الذي تنتهي خدمته بالوفاة قبل بلوغه سن الإحالة على المعاش بنسبة معينة من مرتبه لا يجوز تجاوزها، وهي أربعة أخماس المرتب، وربط هذه النسبة بآخر مرتب كان يتقاضاه، وليس بآخر مربوط الوظيفة أو آخر مرتب كان يتقاضاه أيهما أصلح، وكذا وضع سقف لمعاشه لا يزيد في جميع الأحوال على الحد الأقصى المقرر بمقتضى قوانين المعاشات.

الطعن 28746 لسنة 54 ق جلسة 5 / 4 / 2015 إدارية عليا مكتب فني 61 ج 2 ق 124 ص 1709

جلسة 5 من إبريل سنة 2015
الطعن رقم 28746 لسنة 54 القضائية (عليا)
(الدائرة السابعة)
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ حسن كمال محمد أبو زيد شلال نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ د. محمد ماهر أبو العينين، وصلاح شندي عزيز تركي، وحسن محمود سعداوي محمد، ود. مجدي صالح يوسف الجارحي. نواب رئيس مجلس الدولة
-----------------
(أ‌) دعوى:
الصفة في الدعوى- يجب اختصام وزير الصحة في الدعاوى المقامة على الهيئة العامة للتأمين الصحي؛ لأنه رئيسها الأعلى، وما يصدر من أحكام على الهيئة تتولى تنفيذه تحت إشرافه.

(ب‌) مسئولية:
المسئولية على أساس الخطـأ المفترض- المسئولية المدنية بنوعيها (التقصيرية والعقدية) قامت في الأساس على فكرة الخطأ الذي يسبب ضررا- تطور الحياة الاجتماعية أدى إلى محاولة تعويض الأضرار التي لا تنسب مباشرة إلى من قام بالخطأ، فتبلورت فكرة التعويض عن الخطأ المفترض من المتبوع، أو حارس الأشياء، أو متولي الرقابة، وذلك بقصد حماية المضرور- كانت هذه حيلة قانونية لاستمرار فكرة الخطأ أيا كان مرتكبه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

(ج‌) مسئولية:
نظرية المسئولية دون خطأ- نظرة تاريخية على نشأتها وتطورها في مصر وفرنسا- المقصود بها- يقصد بالمسئولية دون خطأ: المسئولية التي يكفي أساسا لقيامها وجود علاقة سببية مباشرة بين الضرر والعمل أو النشاط، في غيبة أي خطأ من جانب الإدارة، حتى لو كان العمل أو النشاط مصدر الضرر في ذاته سليما وصحيحا- الفكرة المحورية في ذلك تقوم على إقامة نوع من التوازن بين المزايا المترتبة على وجود المرافق العامة، والأضرار الناجمة عنها- يميز هذه المسئولية أنها تتعلق بالنظام العام، وأن المدعى عليه لا يستطيع أن يدفعها إلا بإثبات خطأ المضرور نفسه أو القوة القاهرة، فلا تأثير من ثم لخطأ الغير أو الحادث الطارئ في قيامها.

(د‌) مسئولية:
المسئولية دون خطأ- الفرق بينها وبين المسئولية على أساس قرينة الخطأ- في نطاق (المسئولية على أساس قرينة الخطأ) يوجد خطأ، لكن يتعذر اكتشافه، وهنا يأتي دور القرينة في إثباته، ويتم التعويض على أساس توفرها، أما في نطاق (المسئولية دون خطأ) فيستحق المضرور التعويض، ولو كان العمل مشروعا؛ على أساس العدالة ومساواة الأفراد أمام التكاليف العامة.

(هـ) مسئولية:
المسئولية دون خطأ- تطبيقها في مصر- بات القضاء الإداري المصري مهيئا للأخذ بنظرية "المسئولية دون خطأ"، تأسيسا على اعتبارات العدالة، ومبدأ المساواة أمام الأعباء العامة المنبثق من مبدأ التضامن الاجتماعي- للقضاء الإداري في المرحلة الأولى أن يأخذ بضوابط هذه النظرية المستقرة في قضاء مجلس الدولة الفرنسي، ومن أهمها أنها مسئولية استثنائية، لا يتم اللجوء إليها إلا في حالة تخلف وجود أي خطأ ولو بسيط في سير المرافق الإدارية، وبشرط أن يكون الضرر المترتب على هذا الفعل من الجهة الإدارية جسيما، ومباشرا، لم يتدخل المضرور في إحداثه- اعتراض جانب من الفقه على الأخذ بهذه النظرية هو لأسباب فنية بحتة، ومنها الخوف من اتساع نطاق تطبيقها على نحو يخل بالموازنة العامة للدولة، إلا أن اعتبار هذه المسئولية هي في الأصل مسئولية استثنائية يخفف من هذا الاعتراض.
مجلس الدولة في تبنيه لهذه النظرية يستطيع الانطلاق نحو تعويض الأضرار المترتبة على أعمال السيادة، وعن الجرائم الإرهابية والجنائية الجماعية، والتجمعات والتظاهرات حتى لو كان مسموحا بها، مادامت قد أصابت بعض الأفراد بأضرار، ويتمكن القاضي الإداري من إكمال منظومة العدالة بقضائه بالتعويض عن قرارات وإجراءات هي في الأصل مشروعة، لكنها سببت أضرارا لبعض الأفراد حتى لو كانوا جمعا كبيرا، فمن العدل وتطبيقا لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة أن يعوض من أصابه ضرر من هذه الإجراءات أو القرارات أو الأفعال.
على المشرع أن يتدخل -مثلما هو الحال في فرنسا- لوضع قوانين تنظم التعويض عن أعمال السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية دون خطأ، فقواعد التضامن الاجتماعي وضمان أمن المجتمع وسلامته والعدالة، تتطلب تعويض من أضيروا من جراء الجرائم الجنائية والإرهابية، ومضاعفات الجراحات والتقنيات الحديثة في العلاج أو الأمراض الجديدة التي ظهرت وتؤثر بصورة جماعية في الصحة العامة.

(و) مسئولية:
المسئولية دون خطأ- المسئولية عن الأعمال المادية لجهة الإدارة في خصوص المرفق الطبي- هذه المسئولية تقوم على أساس الخطر أو المخاطر، فاستخدام التقنيات العلاجية يمكن أن يكون له ردود فعل غير متوقعة على جسم الإنسان، والمرفق الطبي العام كغيره من الأشخاص المعنوية الأخرى يجب أن يضمن هذه المخاطر- مخاطر العملية الجراحية يجب أن يتحملها المرفق الطبي، وأن يقوم بتعويض المضرور، ولو لم يكن هناك خطأ من جانب المرفق، أو من جانب أي من أطبائه- المجال الخصب لنظرية المخاطر في المجال الطبي يظهر في الصعوبات الناتجة عن إثبات خطأ الطبيب المعالج في أغلب الأحيان، نتيجة وجود مسائل فنية دقيقة يصعب الفصل فيها- إقرار نظام المسئولية دون خطأ في المرفق الطبي العام يكتسب بعدا إنسانيا بإعلاء قيمة الفرد وتأكيد حماية القانون لجسده وضمان سلامته، خاصة في بعض الحالات الدقيقة، كنقل الدم ونقل الأعضاء.
-------------
الوقائع
في 9/6/2008 أقام الطاعن طعنه بإيداع تقريره قلم كتاب المحكمة، مقررا الطعن على الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بقنا- الدائرة الأولى، في الدعوى رقم 1414 لسنة 11ق بجلسة 24/4/2008، الذي انتهى إلى رفض الدعوى وإلزام المدعي المصروفات، وطلب الطاعن في ختام تقرير طعنه الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بأحقيته في التعويض بمبلغ مليون جنيه مع إلزام جهة الإدارة المصروفات.
وتم إعلان تقرير الطعن على النحو الثابت بالأوراق.
وانتهت هيئة مفوضي الدولة في تقريرها إلى أنها ترى الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، وتقدير المحكمة التعويض المناسب للطاعن، وتدوول الحكم أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضر الجلسات حيث تقرر إصدار الحكم بجلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
-------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.

وحيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية المقررة، ويتعين رفض ما دفعت به هيئة قضايا الدولة من عدم قبول الطعن في مواجهة وزير الصحة بصفته؛ ذلك أن وزير الصحة هو الرئيس الأعلى للهيئة العامة للتأمين الصحي، وما يصدر من أحكام على الهيئة تتولى الهيئة تنفيذها تحت إشرافه، فاختصامه واجب حتى يكون الحكم الصادر على الهيئة في مواجهته لإلزامها تنفيذه.

وحيث إن واقعات الحكم المطعون فيه تخلص -حسبما يظهر من الأوراق- في أن الطاعن كان قد أقام دعواه رقم 1414 لسنة 11ق أمام محكمة القضاء الإداري بقنا في 25/2/2003، مختصما وزير الصحة ومدير عام التأمين الصحي بقنا ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي (بصفاتهم)، طالبا الحكم بالتعويض المناسب عما أصابه من أضرار مادية ومعنوية، وإلزام جهة الإدارة المصروفات.

وقال المدعي شرحا لدعواه إنه من المنتفعين بنظام التأمين الصحي، وفي 1/5/1997 أصيب بإرهاق في عينه، فتم تحويله إلى مستشفى التأمين الصحي بمدينة نصر بالقاهرة، وبعد إجراء عملية جراحية بالعين اليسرى، تم تحويله إلى مستشفى القصر العيني، وتم إجراء عدة عمليات لترقيع القرنية، إلا أنها باءت بالفشل، وترتب على ذلك فقدان بصره للعين اليسرى نتيجة أخطاء المسئولين بالتأمين الصحي. وانتهى إلى طلباته المبينة سالفا.

وبجلسة 28/12/1997 قضت المحكمة -وقبل الفصل في الموضوع- بندب فرع مصلحة الطب الشرعي بقنا لندبه بدوره كبير أطبائه المتخصصين لأداء المأمورية المبينة بالحكم، وبعد ورود التقرير انتهت المحكمة إلى حكمها المطعون فيه برفض الدعوى، وأقامته على أن تقرير كبير الأطباء الشرعيين المودع بملف الدعوى قرر عدم وجود أي خطأ طبي أو إهمال أو تقصير يمكن نسبته للأطباء الذين تناولوا حالة المدعي بالعلاج، وأن المضاعفات التي حدثت في حالة المدعي تعد من المضاعفات المسلم بإمكان حدوثها عقب عملية إزالة المياه البيضاء وزرع وتركيب القرنية، وانتهى التقرير إلى عدم وجود أي صورة من صور الخطأ، فقضت المحكمة بحكمها المطعون فيه.

ويقوم الطعن على أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله؛ ذلك أن الإصابة التي حدثت في عين الطاعن اليسرى كانت بسبب الأطباء التابعين للهيئة، أو بسبب إهمال المرفق الصحي نفسه بالهيئة، وأن الهيئة ملزمة بتعويضه عما أصابه من أضرار، منها فقد إبصاره بعينه اليسرى تماما، كذلك يجب أن يشمل التعويض تكاليف العلاج وإجراء الفحوصات ومصاريف التقاضي، وهو ما يقدره بمبلغ مليون جنيه.

وتدوول الطعن أمام هذه المحكمة التي قررت بجلسة 16/2/2014 ندب لجنة طبية مكونة من ثلاثة أطباء استشاريين -تخصص عيون- بكلية الطب جامعة القاهرة، يناط بهم الكشف على العين اليسرى للطاعن، وأداء المهمة الموضحة بالحكم، والتي تضمنت الاطلاع على الأوراق والتقارير العلاجية الخاصة به، وتحديد ما إذا كانت الجراحات التي أجريت له قد تمت على وفقالأصول الطبية من عدمه، وما إذا كان هناك خطأ يمكن نسبته إلى أي من الأطباء الذين قاموا بإجراء هذه الجراحات من عدمه، وما إذا كانت الإصابة التي لحقت بعينه كانت بسبب جراحى أو علاجي من عدمه.

وورد تقرير اللجنة إلى المحكمة، وجاء به أنه بتوقيع الكشف الطبي على الطاعن، وبالاطلاع على ملف علاجه والتقارير الطبية السابق إعدادها بشأن الحالة الطبية للعين اليسرى بالمستشفيات والجهات المختلفة، تبين أن العين اليسرى لا ترى الضوء، وبها ضمور، وضغطها منخفض، وتوجد آثار عملية زرع قرنية صناعية، ولا يوجد بها ما يشير إلى عدم مراعاة الأصول الطبية في إجرائها، ولا يمكن التكهن بسبب إصابة العين، ولا يوجد ما يشير إلى وجود خطأ جراحي أو علاجي أو بسبب أي طبيب، ولم يتبين من الأوراق وجود أي خطأ أو إهمال طبي تجاه المريض، وحالة المريض نهائية، ولا يرجى منها أي تدخل جراحي أو علاجي لاسترداد أي إبصار، بالداخل أو الخارج.

وحيث إن الطاعن وإن طلب التعويض عما أصابه من أضرار نتيجة فقد إبصار عينه اليسرى بعمليات جراحية متعددة، ناسبا الخطأ إلى أطباء الهيئة، إلا أن التقارير المشار إليها توضح أنه لم يكن هناك خطأ شخصي أو مرفقي أدى إلى الإضرار بالعين اليسرى في خصوص حالة الطاعن، ومن ثم فإنه لم يتبق لبحث مسئولية الهيئة العامة للتأمين الصحي عن تعويض الطاعن إلا البحث عن حقه في التعويض في ضوء (نظرية المخاطر الطبية)، وهي فرع عن نظرية (المسئولية دون خطأ)، التي يطبقها القضاء الإداري الفرنسي دائما، ويطبقها قضاء مجلس الدولة المصري في بعض الأحيان، وهو ما يستدعي من المحكمة استعراض أسس وقواعد هذه المسئولية في القانون المدني والقضاء الإداري.

وحيث إنه في مجال المسئولية المدنية بنوعيها (المسئولية التقصيرية والمسئولية العقدية) فقد تطور الفكر القانوني (الفقه والقضاء والتشريع) فيما يتعلق بالقواعد الأساسية التي قامت عليها هذه المسئولية، فهي مسئولية قامت في الأساس على فكرة الخطأ الذي يسبب ضررا، ويتعين لذلك تعويض المضرور، إلا أن تطور الحياة الاجتماعية أدى إلى محاولة تعويض الأضرار التي لا تنسب مباشرة إلى من قام بالخطأ، فجاءت مسئولية المتبوع، ومسئولية متولي الرقابة، والمسئولية عن الأشياء، لتضع قرائنَ بعضُها بسيط والبعضُ الآخر لا يقبل إثبات العكس حول وجود الخطأ، أي إنه في بعض الحالات يعد الخطأ مفترضا، وظهر من خلال هذه المسئولية وجود من يلتزم بالتعويض دون أن يقوم بارتكاب فعل مادي ينسب إليه في هذا الخصوص، بل ينسب الفعل إلى غيره، وإن كانت هناك علاقة بين من تسبب في الخطأ ومن هو مسئول عن التعويض، فجاءت مسئولية المتبوع عن خطأ تابعه فيمايقع منه في حالة تأديته وظيفته أو بسببها (المادة 174 مدني)، وجاءت مسئولية متولي الرقابة عن العمل غير المشروع الذي يرتكبه من هو تحت رقابته، لتشدد من أسباب دفع المسئولية عن متولي الرقابة بإلقاء العبء عليه ليتخلص من المسئولية إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة،أو أثبت أن الضرر كان لابد واقعا ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية (المادة 33 مدني).

وبتطور المجتمع، وازدياد الحاجة إلى الآلات الميكانيكية، كانت مسئولية حارس الأشياء مفترضة، وعليه لنفيها أن يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه.

وهذا التطور في افتراض الخطأ كان المقصود به حماية المضرور، حيث إنه لن يستطيع مطالبة التابع أو القاصر أو مَنْ به إعاقة عقلية أو جسمية بالتعويض عما يصيبه من أضرار؛ لأن هؤلاء في الغالب الأعم من الحالات لا يملكون مالا يتم تعويضه منه، وكذلك المسئولية عن الأشياء، فبدون افتراض مسئولية الحارس عليها سيضيع حق المضرور، ومن هنا تبلورت فكرة التعويض عن الخطأ المفترض من المتبوع أو حارس الأشياء أو متولي الرقابة، وكانت هذه حيلة قانونية لاستمرار فكرة الخطأ، أيا كان مرتكبه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وقد انتهى الفكر في القانون المدني إلى تبني المسئولية دون خطأ في خصوص مضار الجوار غير المألوفة على وفق ما نصت عليه المادة (807) فقرة (2) من القانون المدني، ويظهر بوضوح أن هذه المضار غير المألوفة هي مسئولية دون خطأ عند النظر إلى الفقرة (1) من المادة نفسها التي ذهبت إلى أنه على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار، فهذه الفقرة أوضحت أنه مع عدم وجود أي نوع من الخطأ لا يجوز للمالك أن يصل في استعمال حقه إلى أن يضر بملك الجار، وجاءت الفقرة الثانية ونصت على أنه ليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها، إنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت حد المألوف، على أن يراعى في ذلك العرف وطبيعة العقارات، وهو ما أكد معه بعض الفقه أن هذه صورة من صور المسئولية دون خطأ في القانون المدني. (د..........، تحديد الأساس القانوني للمسئولية عن مضار الجوار غير المألوفة، مجلة الحقوق بالكويت، السنة السابعة، العدد الثاني، يونيو 1983، وتراجع رسالة د. .............، المسئولية عن الأشياء، سنة 1952، جامعة عين شمس).

وعلى كل، فإن التطور الحديث في الفقه والقضاء يرسخالنظر إلى الجوانب الموضوعية في المسئولية بالتركيز على ركن الضرر، أكثر من التركيز على الجانب الشخصي، وهو ركن الخطأ؛ نظرا إلى الصعوبات العديدة التي أظهرتها نواحي التقدم العلمي والتكنولوجي في خصوص الأضرار التي قد تسببها أدوات هذا التقدم، والتطورات الاجتماعية التي تظهر من بعض الأفكار المتطرفة في شأن المسئولية عن تعويض ضحايا حوادث المرور وضحايا الإرهاب ومستغلي المنشآت النووية.

وقد وقفت القواعد القديمة لفكرة "شخصية الخطأ" عائقا أمام تحقيق تعويض عادل لضحايا هذه الجوانب، مما أدى إلى تدخل المشرع بالنص على قواعد خاصة للتعويض دون خطأ عن الأضرار الناجمة عن استعمال المنشآت النووية أو عن الحوادث التي تقع من بعض المنظمات الإرهابية، وكذلك تدخل المشرع ليضع قواعد للتعويض عن الأضرار التي تسببها بعض المهن الخطرة، كالخدمة في القوات المسلحة, وتدخل في بعض الأحيان لوضع قواعد للتعويض عن الإصابة أثناء العمل وبسببه في جميع الوظائف، وهو ما يوضح بجلاء قصور الجانب الشخصي في المسئولية بالتركيز فقط على الخطأ، دون النظر إلى الجانب الموضوعي الثابت دائما، ألا وهو الضرر.

وكذلك الأمر بخصوص المسئولية العقدية التي تقوم في الأساس على وجود مخالفة من أحد الطرفين للعقد بما يشكل خطأ يستوجب التعويض، وقد عبر أحد الباحثين عن هذا التطور حيث ذهب إلى أنه في الواقع فإنه بقدوم نظرية تحمل التبعة -التي ظهرت في نهاية القرن الماضي بغرض إزاحة فكرة الخطأ باعتباره أثرا من مخلفات الماضي- تحولت قضايا المسئولية إلى مجرد مشاكل موضوعية تقتصر على البحث عن علاقة السببية أو عن المساهمة في الضرر على وفق المادة الأولى من قانون 5 يوليو 1985 الخاص بحوادث المرور.ومما لا شك فيه أن الفوائد العملية لنظرية تحمل التبعة لا يمكن إنكارها؛ إذ هي تسمح بصفة عامة بسهولة تعويض الضحايا بدرجة أفضل من نظرية الخطأ، ولقد أفلتت جوانب عديدة للأنشطة البشرية من النفوذ المطلق للخطأ تماما، وأصبحت تخضع بصفة جزئية أو كلية لنظرية تحمل التبعة، سواء عن طريق القضاء أم عن طريق المشرع نفسه. ومن الجدير بالذكر أن هذه المجالات التي أفلتت من نفوذ الخطأ تمس القطاعات الأكثر حيوية في الحياة الاجتماعية، مثل حوادث العمل وحوادث المرور وغيرها، وبفضل انتشار التأمين وصناديق الضمان في معظم هذه المجالات أصبحت اجتماعية المخاطر أمرا واقعا مسلما به، بينما تراجعت المسئولية الفردية القائمة على الخطأ، ولم تعد تحتل بعد سوى مكانة هامشية متواضعة. (د...........، تطور مفهوم الخطأ كأساس للمسئولية المدنية، رسالة جامعة عين شمس 1998، ص417).

علما بأن تأسيس المسئولية على فكرة "تحمل التبعة" فيه إعفاء للمضرور من إثبات الخطأ، وهذه النظرية تحقق التوازن بين الحقوق، وتحقق التضامن الاجتماعي وفكرة المساواة، مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق العدل. (د........، الوسيط، ج 1، ص240).

وقد أخذ المشرع المصري بالمسئولية دون خطأ في القانون المدني، فكما سبق وأشرنا كانت المادة (78) من القانون المذكور تنظم مضار الجوار غير المألوفة، وهي مسئولية دون خطأ.

كما أخذ المشرع المصري أيضا بالمسئولية في حالة الضرورة في المادة (168) مدني، التي تقضي بأن من سبب ضررا للغير ليتفادى ضررا أكبر محدقا به أو بغيره، لا يكون ملزماإلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا.

ويرى الفقه في هذه المسئولية استثناءً من قواعد المسئولية القائمة على الخطأ، وهو ما يشير بدوره إلى هذا الطريق الذي اختاره التشريع والقضاء في سبيل إعمال التعويض، دون التقيد بفكرة الخطأ نفسها في مثل هذه الفروض الخاصة للمسئولية.

وجاءت المادة (147) من القانون المدني، وأخذت من تطبيقات مجلس الدولة الفرنسي نظرية "الظروف الطارئة" في نطاق العقد، وهي المسئولية التي رسخها مجلس الدولة الفرنسي في حكمه في قضية "غاز مدينة بوردو" في 30/3/1916، وهي مسئولية دون خطأ في نطاق التعاقد، وطبقها مجلس الدولة الفرنسي، وتقضي بتدخل القاضي في حال وجود ظروف طارئة غير متوقعة من شأنها أن تجعل تنفيذ الالتزام مرهقا على المتعاقد مع الإدارة، برد الالتزام المرهق للحد المعقول، وكان ذلك من مجلس الدولة عملا على مبدأ "دوام سير المرافق العامة بانتظام واضطراد"، وقد انتقل هذا المبدأ إلى الفقه والتشريع المدني، ونصت عليه المادة (147) من القانون المدني المصري، وهذا تكريس للمسئولية العقدية دون خطأ من المتعاقد، وخروج على مبدأ سلطان الإرادة في القانون المدني.

وتفوق مجلس الدولة الفرنسي أيضا في مجال المسئولية العقدية دون خطأ في ابتداع نظرية "عمل الأمير" في 19/11/1909، ونظرية "الصعوبات المادية غير المتوقعة" في 18/3/1869، وهي في مجملها النظريات التي يطلق عليها في فقه القانون الإداري "نظريات التوازن المالي في العقد".

وَسَبْقُ مجلس الدولة الفرنسي إلى ابتداع هذه النظريات كان لاتصال العقود الإدارية بسير المرافق العامة، فكان لابد لحماية سير هذه المرافق بانتظام واطراد أن يتم الأخذ في الاعتبار ضرورة مساعدة المتعاقد مع الإدارة لتنفيذ التزاماته، وإلا اختل سير المرافق العامة، مما شجع مجلس الدولة على ابتداع هذه النظريات، ثم الانطلاق إلى تطبيق قواعد المسئولية دون خطأ في جميع الأنشطة الإدارية.

وفي نطاق القانون العام ظلت فكرة "سيادة الدولة" حائلا دون تقرير مسئولية الدولة عن أفعالها الضارة، إلا أن هذا المبدأ قد انهار مع قيام الثورة الفرنسية، وصدور وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن في 26/8/1789، التي تضمنت مبدأين أساسيين كان لهما دور في التحول إلى قاعدة المسئولية الإدارية دون خطأ، (المبدأ الأول) المساواة بين المواطنين أمام الأعباء العامة، و(المبدأ الثاني) مبدأ المسئولية الشخصية للموظف.

ومؤدى مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة أنه مادام جميع المواطنين على قدم المساواة في تحمل التكاليف العامة، فالجميع يلتزم بدفع الضرائب للدولة في مقابل ما تؤديه لهم من خدمات، ونتيجة لذلك فعليهم أن يتحملوا ما ينجم من أضرار مألوفة، فإذا تحمل البعض دون البعض الآخر عبئا إضافيا، فهذا من شأنه الإخلال بمبدأ المساواة، وتلتزم الدولة بتعويض المضرور عن هذا العبء غير العادي، رغبة في إعادة التوازن المفقود طبقا لهذا المبدأ الدستوري الذي يعد أساسا لقيام مجتمع ديمقراطي حر. (د.فوزي أحمد شادي، تطور أساس مسئولية الدولة، رسالة جامعة عين شمس، سنة 2009).

وعلى ذلك تم التحول تدريجيا من مبدأ "عدم مسئولية الدولة" إلى تقرير مبدأ "مسئولية الموظفين الشخصية"، ثم الانتقال إلى مبدأ "مساءلة الدولة نفسها"، وقد كان مجلس الدولة الفرنسي سباقا إلى تقرير وجود قواعد للمسئولية الإدارية مختلفة عن القواعد الواردة في القانون المدني،وذلك في حكم "روتشلد" في 6/12/1855، إلا أن هذا المبدأ لم يترسخ إلا بصدور حكم محكمة التنازع الفرنسية في حكم "بلانكو" الصادر في 8/2/1873، حيث جاء حاسما في تقرير وجود مسئولية إدارية مختلفة عن قواعد القانون المدني.

وقد تبنت محكمة التنازع اتجاه مجلس الدولة في هذا الصدد على وجه مطلق، إذ قررت أن مسئولية الإدارة عن الأضرار التي تلحق الأفراد بسبب تصرفات الأشخاص الذين تستخدمهم في المرفق العام لا يمكن أن تحكمها المبادئ التي يقررها القانون المدني للعلاقات فيما بين الأفراد، وهذه المسئولية ليست عامة ولا مطلقة بل لها قواعدها الخاصة التي تتنوع على وفق حاجات المرفق وضرورة التوفيق بين حقوق الدولة والحقوق الخاصة، وقد تعلق حكم "بلانكو" في الأساس بمسئولية الإدارة عن أعمالها المادية، وهو ما ساعد -كما سيبين- على الوصول إلى "المسئولية دون خطأ".

وتطور قضاء مجلس الدولة الفرنسي، وظهرت التفرقة بين "الخطأ الشخصي" و"الخطأ المرفقي" في حكم محكمة التنازع في فرنسا في 30/7/1873 في قضية "بيليتييه"، ثم بتعميم مسئولية الإدارة عن أخطائها، وكان ذلك في قضية "تيفاجيوني" في 1/7/1904، وتأكد ذلك في قضية "توماس وجريكو" في 1/2/1905، واطردت بعد ذلك الأحكام التي تناولت الخطأ المرفقي، فالخطأ المرفقي دائماهو خطأُ شخصٍ طبيعي أو أكثر، سواء كان معلوما أم مجهولا، وتتحمل الإدارة نتائجه الضارة، والأشخاص الاعتبارية ليست لها إرادة مستقلة، بل يعبر ممثلوها عنها، كما أن إدارة المرافق العامة لا تعدو أن تكون مجموعة من الأعمال التي يتولاها الأفراد، والتي يشوب بعضها أحيانا نقص أو مخالفة للقانون مما تسأل عنه الإدارة، ومن صور الخطأ المرفقي: سوء قيام المرفق بالخدمة المطالب بأدائها، أو عدم قيام المرفق بالخدمة المطالب بأدائها، أو تأخر قيام المرفق بالخدمة المطالب بأدائها.

ومن حالات المسئولية عن الخطأ المرفقي التي تلتزم الجهة الإدارية بالتعويض عنها: مسئوليتها عن الأعمال المادية غير المشروعة، وكذلك القرارات الإدارية غير المشروعة.

ويفرق بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي في الغالب الأعم أن الخطأ الشخصي هو خطأ جسيم.

وفي خصوص التقاضي المتعلق بالخطأ المرفقي أو الشخصي: تطورت أحكام مجلس الدولة الفرنسي من عدم الجمع بين المسئولية عن الخطأ الشخصي والمرفقي، إلى الجمع بين المسئولية عن الخطأ الشخصي والمرفقي في حالة مساهمة الخطأين في إحداث الضرر، ثم استقر على مسئولية الدولة عن الخطأ الشخصي للموظف، وعليها الرجوع عليه بعد أن تقوم بسداد المبلغ المحكوم به عليه في حالة الخطأ الشخصي، أي إنها أصبحت محل التقاضي الأصلي، حتى لو كان الخطأ شخصيا. (يراجع في تطور هذا الأمر: د.............، نظرية الخطأ المرفقي، دراسة مقارنة، جامعة القاهرة، 1968، ص 234، ورسالة د................، نظرية الخطأ الشخصي في مجال المسئولية الإدارية، سنة 1988).

وتختلف قواعد المسئولية الإدارية عن المسئولية المدنية في عدة أمور، منها أن المسئولية الإدارية ذات مصدر قضائي، على عكس الأمر في خصوص المسئولية المدنية، ويزيد على ذلك:

1- تتسم قواعد المسئولية الإدارية بالمرونة، حيث لا يعتمد مجلس الدولة الفرنسي أو المصري على معيار ثابت في تقدير الخطأ كأساس للمسئولية، بل يتم تقدير كل منازعة على حدة على وفق ظروف المرفق وطبيعة نشاطه وأهميته الاجتماعية ومدى صعوبة العمل المنوط به، في حين يلتزم القاضي العادي بمعيار ثابت في هذا الصدد.

2- اشتراط درجة جسامة معينة لانعقاد المسئولية الإدارية بالنسبة لبعض المرافق ذات الطبيعة الخاصة، بخلاف المسئولية المدنية التي تنعقد بمجرد تحقق الخطأ.

3- اعتماد مسئولية الإدارة عن أعمال موظفيها على التفرقة التقليدية بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وذلك لحصر مسئولية كل منهما على وفق طبيعة الخطأ المرتكب.

4- تنفرد المسئولية الإدارية بجانب الخطأ كأساس عام بأساس تكميلي ذي أصل قضائي في فرنسا وتشريعي في مصر، وهي مسئولية المخاطر، التي يتجلى دورها في الحالات التي تتعارض فيها اعتبارات العدالة تعارضا صارخا مع اشتراط إثبات خطأ ما في جانب الإدارة.

بينما يتخلف الأمر في نطاق المسئولية المدنية التي لا تعرف هذا الأساس التكميلي، أو بمعنى أدق لا تطبقه إلا بناء على نص صريح. (د..........، رسالة مسئولية الإدارة على أساس المخاطر، جامعة عين شمس، سنة 1995، ص 65).

ولكن كيف حدث التطور في قضاء مجلس الدولة الفرنسي من مسئولية الدولة عن الخطأ المرفقي إلى تقرير مسئوليتها دون خطأ؟

إن هذا التطور ساهم فيه إلى حد كبير تقرير اختصاص مجلس الدولة بنظر التعويض عن أعمال الإدارة المادية منذ حكم "بلانكو"، كما ساهم فيه أيضا مسعى مجلس الدولة الفرنسي إلى ابتداع فكرة القرينة القضائية على وجود الخطأ، وإلقاء عبء نفيها على الجهة الإدارية، ذلك أنه نظرا لصعوبة إثبات خطأ الإدارة في بعض الحالات المتعلقة بالمسئولية الإدارية عن الأعمال المادية القائمة على أساس الخطأ، وضعف موقف المدعي (المضرور) في الدعوى الإدارية، ورغبة من القضاء الإداري في التخفيف عن كاهله؛ اتجه القضاء في مصر وفرنسا إلى الاستعانة بالقرائن القضائية، ولاسيما قرينة الخطأ لإثبات هذا الركن، مما يؤدي إلى تحرر المضرور مؤقتا من عبء الإثبات المنوط به أصلا في هذا الشأن، ونقله إلى عاتق الإدارة المدعى عليها، بحيث لا يلتزم المضرور بإثبات الخطأ، ويكفي عندئذ لقيام المسئولية الإدارية أن يثبت المدعي الضرر الذي أصابه، وعلاقة السببية بينه وبين تصرفات الإدارة أو أنشطتها التي يفترض معها الخطأ، وهو إثبات ميسور نسبيا.

وقد استند مجلس الدولة الفرنسي صراحة إلى قرينة الخطأ في 22 ديسمبر عام 1924، وذلك في مجال حوادث السير التي تسببها سيارات الإدارة، وجعلها قرينة غير قابلة لإثبات العكس، حتى عَدَلَ عن ذلك في 5/3/1931، ثم انتقل الاختصاص بالنظر في منازعات حوادث السيارات إلى القضاء العادي، وكانت فكرة قرينة الخطأ مدخلا أخيرا لتبني مجلس الدولة وتوسعه في الأخذ بالمسئولية دون خطأ.

وتفترق "المسئولية على أساس قرينة الخطأ" عن "المسئولية بدون خطأ" في أن الأولى يوجد بشأنها خطأ، لكن يتعذر اكتشافه، وهنا يأتي دور القرينة في إثباته ويتم التعويض على أساسه، في حين أنه في الثانية يستحق المضرور التعويض، ولو كان العمل مشروعا، على أساس العدالة ومساواة الأفراد أمام التكاليف العامة. (د.................، قرينة الخطأ في مجال المسئولية الإدارية دراسة مقارنة، دار النهضة المصرية، سنة 2005، ص 114).

وقد ولدت "المسئولية دون خطأ" أو "المسئولية على أساس المخاطر" بحكمين: الأول حكم مجلس الدولة في قضية "كاميه" في 21/6/1895، ويتعلق بحادثة عمل أصابت المذكور أثناء ممارسته لعمله بإحدى مؤسسات الدفاع الوطني في يده اليسرى على نحو أدى إلى عدم استطاعته استعمالها بصفة نهائية، فكان مجال حوادث العمل أول مجالات المسئولية على أساس المخاطر. وكذلك حكم مجلس الدولة في قضية "رينيه ديزروازيه" في 28/3/1999، حيث تعلق الأمر بانفجار هائل في مخزن للقنابل اليدوية وقع بالقرب من تجمع سكني كبير، مما أوقع العديد من القتلى والجرحى وسبب خسائر مادية كبيرة، فقد قام الحكم على وجوب تعويض الضرر، دون النظر إلى الخطأ المرفقي. (د...........، تراجع فكرة الخطأ أساس لمسئولية المرفق الطبي العام، منشأة المعارف 2003، ص80، ورسالة د...........، الاختصاص بدعاوى التعويض عن الأعمال المادية للإدارة سنة 2004).

ويمكن القول إنه بجانب المسئولية الإدارية التي تقوم على أساس فكرة الخطأ، أنشأ مجلس الدولة الفرنسي نوعا آخر من المسئولية لا علاقة له بفكرة الخطأ، بمعنى أنه قرر التعويض عن أضرار نتجت عن تصرف مشروع من جانب الإدارة، غير أن هذه المسئولية ماتزال ذات صفة استثنائية، وتقوم بدور تكميلي بالنسبة للمسئولية القائمة على أساس الخطأ، بمعنى أن مجلس الدولة لا يحكم فيها على الإدارة بتعويض جميع الأضرار الناجمة عن نشاطها الإداري، لكنه يقتصر على حالات خاصة يكون فيها تطبيق قواعد المسئولية القائمة على أساس الخطأ مجحفا بالأفراد، ومتنافيا بصورة صارخة مع مبادئ العدالة.

وتعتمد الفكرة المحورية لنظام المسئولية دون خطأ على إقامة نوع من التوازن بين المزايا المترتبة على وجود المرافق العامة، والأضرار الناجمة عنها.

وقد أقر مجلس الدولة مسئولية الإدارة دون خطأ في مجالات عديدة استنادا إلى الخطر الكامن في النشاط المادي بالنسبة للأعمال المادية، أو استنادا إلى مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة بالنسبة للأعمال القانونية.

والمسئولية على أساس المخاطر، أو المسئولية دون خطأ، أو المسئولية الموضوعية، هي تلك المسئولية التي يكفي أساسا لقيامها وجود علاقة سببية مباشرة بين الضرر والعمل أو النشاط مصدره، في غيبة أي خطأ من جانب الإدارة، حتى لو كان العمل أو النشاط مصدر الضرر في ذاته سليما وصحيحا.

ويميز المسئولية على أساس المخاطر أيضا:

1- أنها تتعلق بالنظام العام، ويستطيع المدعي إثارتها في أي حالة تكون عليها الدعوى، كما يستطيع القاضي من تلقاء نفسه أن يفصل في الدعوى على أساسها.

2- أن المدعى عليه لا يستطيع أن يدفع المسئولية إلا بإثبات خطأ المضرور نفسه أو القوة القاهرة، ولا تأثير من ثم لخطأ الغير أو الحادث الطارئفي قيامها.

وعلى الرغم من أن أغلب الفقهاء يُعرفون "المسئولية دون خطأ" على أنها "المسئولية على أساس المخاطر"، إلا أن منهم من ينتهي إلى أن المسئولية دون خطأ تشمل طائفتين: الأولى مسئولية المخاطر، والثانية: المسئولية الناشئة عن الإخلال بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام الأعباء العامة، وهذا التقسيم هو الأدق؛ لأن مسئولية المخاطر تصلح للتعويض عن الأضرار الناشئة عن الأشغال العامة والأنشطة الخطرة والمخاطر المهنية، في حين أن المسئولية القائمة على الإخلال بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام الأعباء العامة تتحقق في حالة مسئولية الدولة عن قراراتها المشروعة، وعن القوانين والمعاهدات الدولية. (في هذا الفهم: د...........، قانون القضاء الإداري، الكتاب الثالث، مسئولية السلطة العامة ، دار النهضة العربية، سنة 2004، ص240).

ونظرا إلى أن المسئولية دون خطا تقوم في الأساس على عنصرين فقط، هما علاقة السببية والفعل الذي تسبب في الضرر، فبخصوص علاقة السببية لم يتطلب القضاء فيها سوى أن يكون الضرر ناتجا مباشرة عن الفعل أو الإجراء الذي اتخذته الجهة الإدارية، وقد تشدد مجلس الدولة في شروط الضرر الموجب للتعويض في حالة المخاطر، فاشترط، بالإضافة إلى كونه مباشرا، أن يكون محقَّقا، بحيث يكون قد صدر فعلا، أو لم يصدرلكن تحققه مؤكد، وأن يكون ماسا بمركز يحميه القانون، فمشروعية مركز المضرور هي التي تبرر -مع الخصائص الأخرى- إمكانية المطالبة بالتعويض.

وبالإضافة إلى هذه الخصائص العامة للضرر فقد اشترط مجلس الدولة الفرنسي شرطين جوهريين في الضرر: الأول: ضرورة توفر الخصوصية في الضرر، والثاني: الصفة غير العادية للضرر.

ويقصد بمفهوم "الخصوصية": انحصار آثار الضرر الناجم عن نشاط الإدارة في فرد أو أفراد محددين، إلا أن مجلس الدولة الفرنسي لم يستقر على معيار ثابت ومحدد في هذا الخصوص، لكن أغلب التطبيقات تأخذ بالمعيار الكمي، أي الاعتماد على نسبة المضرورين وإمكانية حصرهم، إلا أنه طبق في أحيان أخرى النظرية على الأضرار التي تسببها القوانين باعتبار أنها من قبيل العبء العام رغم ضخامة أعداد المضرورين.

وبخصوص "الضرر غير العادي" فيقصد به: الضرر الذي يفوق في أهميته -سواء من حيث استمراره أو قيمته المادية- الأضرار التي يتحملها المواطن عادة في حياته اليومية، مما يجعل تركه دون تعويض إجحافا بالعدالة، ولا يتقيد مجلس الدولة الفرنسي بضابط محدد في هذا المجال، فهو يستخدم تعبير "مخاطر الجوار غير العادية" أو مصطلح "ضرر ذو جسامة كافية"، كما اعتمد في بعض الأحيان على القيمة الاقتصادية للضرر.

ومن المجالات التي طبق فيها مجلس الدولة الفرنسي المسئولية دون خطأ ومسئولية المخاطر: مسئولية الإدارة دون خطأ عن استخدامها لأشياء خطرة، كاستخدام الأسلحة النارية، وحوادث السيارات، والأنشطة ذات الطابع العسكري، وكذلك في مجال إصابات العمل،والأضرار عن الأشغال العمومية، والمخاطر التي تصيب العاملين والمتعاملين بمرفق الصحة، كما طبق مجلس الدولة الفرنسي المسئولية دون خطأ عن الأعمال التي تتم تحت مظلة "الظروف الاستثنائية"، مثل تعرض قنصل فرنسا في كوريا الجنوبية للاعتقال حين اندلعت الحرب بينها وبين كوريا الشمالية في حكم "بيروش" في أكتوبر 1963.

ومن التطبيقات المتصلة بالأعمال القانونية: التطبيقات الخاصة بالمسئولية دون خطأ في مجال القرارات الفردية واللائحية المشروعة، ومنها قرارات الفصل الفجائي، أو المتعلقة بإلغاء الوظيفة، والقرارات الصادرة بالاستيلاء، أو إيقاف النشاط، أو القرارات اللائحية التنظيمية الصادرة بإعادة تنظيم المرور في الشوارع التجارية، مما يلحق الضرر بأصحاب المحلات.

كذلك طبق مجلس الدولة الفرنسي المسئولية دون خطأ عن الأضرار غير العادية التي تسببها القوانين، وكانت البداية في حكم "لافلوريت" في 1938، وكذلك تلك التي تسببها المعاهدات الدولية، وكان ذلك في الحكم الصادر الخاص بقضية "بيرجا" في 29 أكتوبر 1976، وإن كان قد سبقته أحكام أخرى اعترفت بعدم وجود خطأ في المعاهدة، إلا أنها لم تصرف التعويض؛ لانتفاء الخصوصية.

ويُرجع الفقهاء أساس المسئولية دون خطأ إلى عدة مبادئ كلها صالحة لإقامة النظرية عليها، ومنها: مبدأ "المساواة أمام الأعباء والتكاليف العامة الناشئة عن سير المرافق العامة"، وهو المبدأ الذي سبق وأشرنا إلى أساسه في نص المادة (13) من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26/8/1789، وأقام آخرون هذه النظرية على أساس "الغرم بالغنم" و"تحمل التبعة"، وهي تغطي حالات مخاطر الجوار غير المألوفة، ويرى آخرون أن فكرة "المخاطر" هي الأساس الوحيد للمسئولية دون خطأ، في حين أن بعض الفقه –وبحق- ينسب هذه النظرية إلى فكرة "العدالة"، فهي الفكرة الوحيدة القادرة على تفسير كل حالات المسئولية أيا كانت طبيعتها، إلا أنها لا تكفي بذاتها لتحقيق الدور المناط بها كأساس للمسئولية إلا من خلال مشاركة ومعاونة مبدأ المساواة بين المواطنين أمام الأعباء العامة، وهذا المبدأ لا يقوم بهذا الدور إلا إذا توفر ضرر خاص غير عادي من شأنه الإخلال بهذا المبدأ، وهو الركن الأساسي لانعقاد هذه المسئولية. (يراجع فيما جاء بهذا الخصوص: د...............، المرجع السابق، ود...............، المرجع السابق، ود.............، المسئولية دون خطأ للمرافق الطبية العامة، ورسالة د..................، مسئولية الدولة على أساس المخاطر، دراسة مقارنة، جامعة القاهرة، 1997، ص 340، ص 340 وما بعدها).

وفي خصوص المسئولية عن الأعمال المادية لجهة الإدارة في خصوص المرفق الطبي، فإن هذه المسئولية تقوم على أساس الخطر أو المخاطر، فاستخدام التقنيات العلاجية يمكن أن يكون له ردود فعل غير متوقعة على جسم الإنسان، والمرفق الطبي العام -كغيره من الأشخاص المعنوية الأخرى- يجب أن يضمن هذه المخاطر، ومع ذلك ظل القضاء العادي الفرنسي وجانب من الفقه مدة طويلة يرفضان فكرة مسئولية المرفق الطبي العام إلا بالنسبة لأعمال تنظيم وإدارة المرفق، أما بالنسبة للأعمال الطبية فإن المسئولية عنها تنشأ على عاتق الطبيب الممارس على وفق قواعد القانون الخاص.

وقد حسمت محكمة التنازع اختصاص القضاء الإداري وتطبيق قواعد المسئولية الإدارية بالنسبة لأخطاء الأطباء؛ لأنها متعلقة بأداء نشاط المرفق العام، باستثناء الأخطاء الشخصية المنفصلة عن نشاط المرفق، وهذه يختص بها القضاء العادي (تنازع 2 مارس 1957 شيلو)، ومنذ ذلك الحين أصبحت الدعاوى ترفع على المرفق الطبي العام أمام القضاء الإداري لطلب التعويض عن الضرر الناتج عن ممارسة العمل الطبي داخل المرفق، وكانت بداية إقرار القضاء لفكرة الخطأ المفترض في مجال المسئولية الطبية بحكم "ديجو" في 7/3/1958 في مجال التطعيم الإجباري، وذلك قبل أن يتدخل المشرع نفسه بقانون أول يوليو عام 1964 ليقيم المسئولية في هذا المجال على أساس المخاطر. (د...............، المرجع المشار إليه، ص 155، ورسالة د................. سالفة البيان، ص 119).

والمجال الخصب لهذه النظرية (نظرية المخاطر) في المجال الطبي تجد أساسها في الصعوبات الناتجة عن إثبات خطأ الطبيب المعالج في أغلب الأحيان، نتيجة وجود مسائل فنية دقيقة يصعب الفصل فيها، فضلا عن اعتبارات المجاملة بين الأطباء لزملائهم في حالة اتهامهم بالتقصير، فإقرار نظام المسئولية دون خطأ في المرفق الطبي العام يكتسب بعدا إنسانيا بإعلاء قيمة الفرد وتأكيد حماية القانون لجسده وضمان سلامته، خاصة في بعض الحالات الدقيقة، كنقل الدم ونقل الأعضاء.

إلا أن حكم "بياتشي" في 9/4/1993 كان واضحا وصريحا في تطبيق فكرة المخاطر في المسئولية الطبية، حيث أجريت عملية تصوير إشعاعي للعمود الفقري للسيد بياتشي، وكان هذا الفحص ضروريا بسبب ما كان يعانيه من آلام، إلا أنه بعد أن أفاق من المخدر وجد نفسه مصابا بشلل رباعي، ولم يثبت حدوث خطأ فيما يتعلق بالعمل الطبي نفسه، ومع ذلك قرر له مجلس الدولة التعويض عما أصابه من أضرار. (تراجع التطورات في رسالة الدكتور ............ المشار إليها، ص230 و د...................، تراجع فكرة الخطأ أساسا لمسئولية الخطأ الطبي العام ص 45 وكذلك د. ............، المرجع السابق المشار إليه، ص330).

وقد استمر مجلس الدولة الفرنسي في تطبيق قواعد المسئولية دون خطأ في المجال الطبي بالنسبة لموظفي المستشفيات العامة والعاملين المؤقتين والمتطوعين (كعمليات نقل الدم وإجراء الأبحاث)، وكذلك المرضى العقليين، وكذلك بالنسبة للمتعاملين مع المرفق عن التبعات الناتجة عن التطعيمات الإجبارية، والأمراض الناتجة عن نقل الأعضاء أو الدم، أو استخدام التقنيات العلاجية الجديدة، كنقل الأعضاء والأنسجة البشرية في حال التبرع بها.

ومن ثم فإن مجلس الدولة الفرنسي يعوض الضرر الناشئ عن نشاط المرافق العامة الطبية، بشرط أن يكون الضرر محققا وخاصا وغير عادي أو جسيما، ولا تدفع علاقة السببية إلا بفعل المضرور أو القوة القاهرة. (د...............، رسالة المسئولية الإدارية عن أضرار المرافق العامة الطبية، دراسة مقارنة، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، سنة 2005، ص240).

وكما اختلف الفقه في أساس المسئولية دون خطأ، اختلفوا أيضا في أساس المسئولية على أساس المخاطر في المجال الطبي، فمنهم من أرجعها إلى الخطر العلاجي الاستثنائي كأساس لهذه المسئولية، ومنهم من أرجعها إلى مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة كأساس لهذه المسئولية، إلا أن من الفقهاء من يرجع أساس هذه المسئولية إلى العدالة وقواعد التكافل والتضامن في المجتمع التي أرساها مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. (تراجع تفصيلات هذه الآراء في: د. ........، نحو مسئولية موضوعية عن التبعات الطبية، دار الجامعة الجديدة، سنة 2011، ص202).

والملاحظ أن الغالبية العظمى من الفقهاء في مصر يؤيدون ضرورة أخذ مجلس الدولة المصري بهذه النظرية في نطاق القانون العام، وليس هناك من يعترض عليها إلا قلة قليلة من الفقهاء، يرجع اعتراضهم لأسباب فنية بحتة، ومنها الخوف من اتساع نطاق تطبيقها على نحو يخل بالموازنة العامة للدولة، إلا أن اعتبار هذه المسئولية هي في الأصل مسئولية استثنائية يخفف من هذا الاعتراض. (عرض لآراء المؤيدين والمعارضين: رسالة د................... المشار إليها، ورسالة د. ...........، مسئولية الدولة على أساس المخاطر, المرجع السابق، ص 230).

وقبل أن نتناول اتجاهات القضاء الإداري المصري في هذا الخصوص، نشير إلى أن الشريعة الإسلامية قد عرَفت المسئولية دون خطأ، حيث استنبط الفقهاء هذا الفهم من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم):"لا ضرر ولا ضرار"، ومنه استنبط الفقهاء قاعدة "الضرر يزال"، وهذه القاعدة توجب التعويض دون اشتراط وقوع اعتداء أو فعل محظور، اكتفاءً بتوفر الضرر، ومنها أيضا أن المباشر ضامن وإن لم يتعدَّ، حيث يكفي لتطبيقها أن يكون هناك مجرد ضرر أدى إليه فعل المباشر، دون أن يمثل تعديا منه، ودون أن يتدخل معه فعل آخر تنقطع به رابطة السببية. (الشيخ ...........، الضمان في الفقه الإسلامي، ورسالة د....................، المشار إليها، ص17).

أما عن مجلس الدولة المصري فقد طبق قاعدة الخطأ الشخصي والمرفقي منذ إنشائه،وتوسع فيها، حتى يظهر جليا من تحليل أحكام المجلس اتجاهُ المجلس لقبول فكرة التعويض دون خطأ، ومن تطبيقاته الأولى التي أخذت بفكرة الخطأ الشخصي: ما ذهبت إليه محكمة القضاء الإداري من تعويض أحد الضباط تم إنهاء خدمته، حيث ألغت محكمة القضاء الإداري هذا القرار، إلا أن وزير الحربية أشر على طلب تنفيذ الحكم بالرفض، فقضت المحكمة بتعويض الضابط بمبلغ ألفي جنيه بالتضامن بين الوزارة ووزير الدفاع بصفة شخصية؛ لأن ما ارتكبه الوزير هو خطأ شخصي، وعندما اعترض الوزير على الخصم من راتبه تنفيذا للحكم المذكور أيد قسم الرأي هذا الفهم. (حكم محكمة القضاء الإداري في القضية رقم 88 لسنة 3ق، جلسة 29/6/1950، وطلب الرأي ملف رقم 29/1/7 في 20/12/1953- تفاصيل القضية: د. .....................، قضاء التعويض عن أعمال السلطات العامة، 2007).

وبجانب هذا التطبيق لفكرة الخطأ الشخصي والمرفقي ذهبت محكمة القضاء الإداري في بعض أحكامها القديمة إلى مسئولية الحكومة عن تعويض الموظفين الذين أحالتهم على المعاش، وقالت المحكمة إن الحكومة تملك حق إحالة الموظف على المعاش،لكن يجب حين يحكم بالتعويض أن يتضح من الأوراق أن هذه القرارات قد صدرت بغير مسوغ، ودون أن يأتي الموظف المفصول عملا يستوجب إبعاده عن الوظيفة التي يشغلها، أو أن تكون هذه القرارات قد صدرت في وقت غير لائق، وتوجب قواعد العدالة تعويض الموظف المفصول عن الأضرار التي لحقته بسبب قرار الفصل أو الإحالة على المعاش حتى لو تعذر عليه إثبات عيب إساءة استعمال السلطة، أو استبان أن هذا القرار قد صدر بغير مبرر شرعي أو قانوني، وطبقت هذا الفهم في قضايا عديدة، وهو ما دعا بعض الفقه إلى القول بأن المحكمة أخذت بالمسئولية دون خطأ، وهذا قول غير صحيح؛ لأن المحكمة قد أخذت بفكرة الخطأ المرفقي فقط، حيث أشارت إلى وجود خطأ في هذا الأمر، وأن هذا الخطأ وإن كان لا يصل إلى حد جواز إلغاء القرار بدعوى إساءة استعمال السلطة، إلا أنه يجب التعويض عن هذا الخطأ المرفقي. (الحكم الأول صدر سنة 1949 في القضية رقم 312 لسنة 2ق، وهناك أحكام أخرى منها الحكم الصادر في القضية رقم 21 لسنة 4ق جلسة 15/6/1950، وفي تحليل هذه الأحكام: تراجع رسالة د. ............... المشار إليها ص430 وما بعدها).

وبعد إنشاء المحكمة الإدارية العليا، اطردت أحكامها على الأخذ في التعويض بضرورة توفر الخطأ حتى لو كان مرفقيا، وأن عبء إثبات هذا الخطأ يقع على عاتق من يدعي وقوعه (أي المتضرر)، وهذه هي القواعد الأساسية في المسئولية القائمة على أساس الخطأ، إلا أنه عبر المسيرة الطويلة للمحكمة فإنها أخذت بفكرة المسئولية دون خطأ في أحيان قليلة جدا، ثم توسعت على نحو كبير في الأخذ بقرينة الخطأ على نحو اقترب كثيرا من اعترافها القديم بالمسئولية دون خطأ، وأصبحت في الوقت الحالي مؤهلة لتتبنى نظرية المسئولية دون خطأ على النحو الذي سنوضحه.

فقد ذهبت المحكمة في أحد أحكامها إلى تعويض الأضرار الناجمة عن تعطيل قرار إداري لحكم قضائي، وتتلخص وقائع هذا الحكم في قيام ممثل إحدى المدارس التابعة لوزارة المعارف (كما كان يطلق على وزارة التربية والتعليم آنذاك) باستئجار مبنى بمدينة القاهرة من أحد الأفراد لاستخدامه كمدرسة طبقا لشروط العقد المتفق عليها، والتي تضمنت فيما بينها شرطا هاما بمقتضاه يحظر على المستأجر إجراء تعديلات أو تغييرات بالعين إلإ بإذن كتابي من المالكين. وإذ قام السكرتير المسئول بالمدرسة بإجراء تعديلات وتوسعات مخالفة لشروط العقد، فقد ثارت حفيظة الملاك ولجأوا إلى جهة القضاء العادي (محكمة مصر الابتدائية)، فأصدرت حكمها بإلزام المدعى عليه إخلاء ما يشغله بالعين المؤجرة وملحقاتها، مع إلزامه المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

وإزاء هذه التطورات، وحرصا من وزارة المعارف على ما قد يترتب من آثار خطيرة قد تؤثر في مستقبل التلاميذ وتشريدهم، أصدر الوزير المختص قرارا بالاستيلاء على المبنى، وقد بررت الإدارة قرارها بالخشية من أن يترتب على تنفيذ حكم الإخلاء تشريد هؤلاء التلاميذ وتعطيل مرفق التعليم بما لا يتفق مع المصلحة العامة بأية حال، فأريد بالقرار تفادي هذه النتائج الخطيرة، فيكون القرار قد صدر لضرورة ملحة اقتضتها المصلحة العامة.

وفي ضوء ذلك طعن المحكوم لمصلحتهم أمام مجلس الدولة بطلب إلغاء قرار الاستيلاء لصدوره بدافع الرغبة في تمكين المستأجر من التخلص من الحكم القضائي الصادر بالإخلاء، ولأنه مخالف للقانون بعدم احترام الأحكام، وإعانة المستأجر على الإفلات من تنفيذها.

وقد قررت المحكمة الإدارية العليا في هذا الحكم أنه ولئن كان لا يجوز للقرار الإداري أن يعطل تنفيذ حكم قضائي إلا إذا كان مخالفا للقانون، إلا أنه إذا كان يترتب على تنفيذه فورا إخلال خطير بالمصلحة العامة يتعذر تداركه، كحوادث فتنة أو تعطيل سير مرفق عام، فترجح حينئذ المصلحة العامة على المصلحة الفردية، لكن بمراعاة أن تقدر الضرورة بقدرها، وأن يعوض صاحب الشأن إن كان لذلك وجه. (حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 724 لسنة 7ق.ع جلسة 10/1/1959).

وقد أكدت هذا الفهم في حكم حديث نسبيا، حيث ذهبت إلى أن الامتناع العمدي بدون مبرر عن تنفيذ الأحكام القضائية، وإن كان يتضمن عدوانا على الدستور والقانون، ويعد جريمة جنائية بالنسبة لمرتكبها من الموظفين العموميين المختصين، فإن ثبوت عدم المبادرة إلى تنفيذ الأحكام التي يترتب على تنفيذها تحقيق مصلحة خاصة لأصحاب حق ملكية عقار أو منقول أو ما يماثلها، مع الخلل أو الاضطراب في الأمن العام مما يهدد السلام الاجتماعي والاستقرار العام على مستوى منطقة معينة، أو على مستوى الدولة ككل، فإن تجنب ما سيحدث حتما من صدام الجماهير ورجال الأمن، لا يعد خطأ من جهة الإدارة يبرر إلزامها التعويض عما يحيق بصاحب الحقوق الفردية من أضرار خاصة، كما هو الشأن في الخطأ العادي الذي يقوم عليه التزام المخطئ بالتعويض على وفق قواعد المسئولية المدنية، بل هو تصرف تفرضه الضرورة المتعلقة بحسن سير وانتظام المرافق العامة أو استقرار الأمن العام لفترة تطول أو تقصر بحسب الأوضاع الواقعية التي تفرضها مصالح المجتمع وأمنه واستقراره، واستمرار الخدمات العامة اللازمة لحياة المواطنين بدون تضحيات بالأرواح أو بالممتلكات، ونتيجة لذلك يلزم بناء المجتمع على التضامن الاجتماعي -الذي يقوم عليه طبقا للمادة (7) من الدستور- بتعويضِ مَن يصيبه الضرر من هذا الإجراء الضروري الذي تفرضه الظروف لمصلحة جميع المواطنين، ويتعين على الخزانة العامة للدولة الوفاء بهذا التعويض لمن تحمل من المواطنين عبء الضرر الخاص ماديا أو أدبيا لوقايتهم من ضرر عام يتعين توقيه للمصلحة العامة والخير العام للشعب. (الطعنان رقما 1771 لسنة 34 ق.ع و1767 لسنة 3.ع جلسة 22/11/1992).

وحيث إنه لا ريب أن الطريق المؤدي إلى توطيد نظرية المسئولية دون خطأ -كما هو الحال في فرنسا- هو في تقرير مسئولية الدولة عن أعمالها المادية، وهذه المسئولية قررتها محاكم مجلس الدولة منذ فترة طويلة، لكن كان التطبيق عرضيا، دون تأكيد الاختصاص بنظر هذه الأعمال، حيث كان اختصاص مجلس الدولة على سبيل الحصر، وكان الاختصاص بذلك معقودا للمحاكم المدنية قبل أن يصبح مجلس الدولة صاحب الاختصاص العام.

فقد قضت محكمة القضاء الإداري بتعويض أحد الأفراد عن احتجاز جواز سفره دون مقتضٍ، وهو ما أدى إلى تقييد حريته في السفر. (القضية رقم 628 لسنة 4ق بجلسة 8/4/1952).

وذهبت المحكمة إلى التعويض عن حالات القبض على المتهم في غير الحالات التي يجيزها القانون باعتباره إجراءً إداريا لا يستند إلى أساس من القانون. (حكم محكمة القضاء الإداري القضية رقم 469 لسنة 5ق بجلسة 4/12/1955).

وقضت المحكمة الإدارية العليا بالتعويض لأحد المواطنين لأن الجهة الإدارية بعد أن احتجزت معداته ومنقولاته تركتها في العراء دون حراسة، مما أدى إلى ضياعها. (حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعنين رقمي 3501 و363 لسنة 14ق. ع بجلسة 21/4/1973).

إلا أن الحكم الواضح والصريح في اختصاص مجلس الدولة بنظر التعويض عن أعمال الإدارة المادية بوصفها منازعة إدارية -بعد صدور دستور 1971، وقانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، وجعْل المجلس مختصا بنظر المنازعات الإدارية وصاحب الولاية العامة في المنازعات الإدارية- هو الحكم الصادر في 25/6/1981 في الطعن رقم 114 لسنة 24ق.ع، حيث أكد بوضوح اختصاص محاكم مجلس الدولة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن الأعمال المادية في نطاق القانون العام كلما اتصلت المنازعة مباشرة بمرفق يدار على وفق أحكام القانون العام وأساليبه، ويبدو واضحا وجه السلطة العامة ومظهرها.

وتأكد هذا الحكم بحكم آخر صادر عن دائرة فحص الطعون بالمحكمة برفض الطعن على تعويض قدرته محكمة القضاء الإداري لإحدى المواطنات من جراء سقوط عمود كهرباء بالشارع عليها. (الطعن رقم 2056 لسنة 30ق بجلسة 18/1/1988)(تفصيلات هذه الطعون في: د. ................، المرجع المشار إليه، ص 198 وما بعدها، والدكتور ................، مسئولية الإدارة عن أعمالها المادية، 1992، دار النهضة العربية، ص 46، ورسالة د. ..............، الاختصاص بدعاوى التعويض عن الأعمال المادية للإدارة، سنة 2004).

ومن هنا كان انطلاق المحكمة الإدارية العليا إلى تقرير التعويض عن أي أعمال مادية لجهة الإدارة أصابت المواطنين بضرر، وتوسعت فكرة الخطا المرفقي إلى حد كبير.

وإذا أضفنا إلى ذلك استخدام المحكمة لقرينة الخطأ في العمل المادي الصادر من جهة الإدارة لَتَبين لنا بما لا يدع مجالا للشك أن المحكمة تتقدم باطراد صوب تبني مبدأ المسئولية دون خطأ، فقد ذهبت المحكمة إلى تعويض ورثة أحد العاملين عن وفاته نتيجة حريق شب في دورة مياه الوحدة التي يعمل بها، وكان ناتجا عن عدم صيانة وإهمال الجهة الإدارية في تزويد الوحدة بأدوات الإطفاء ومعداته. (الطعن رقم 2288 لسنة 39ق.ع بجلسة 15/3/1998).

وكذلك التعويض عن انهيار أحد الجسور مما أدى إلى غرق أراضي الطاعنين، وأرجعت المحكمة الخطأ إلى وجود عيوب في تصميم الجسر. (الطعن رقم 4262 لسنة 44ق.ع جلسة 5/5/2001 والطعن رقم 8223 لسنة 47ق.ع جلسة 1/2/2003).

وكذلك قررت التعويض عن الأضرار الناجمة عن سقوط سقف جراج على الطاعن دون تحديد المسئول عن ذلك. (الطعن رقم 1606 لسنة 45ق.ع جلسة 10/5/2003).

وقد توسعت المحكمة الإدارية العليا إلى حد كبير في تقرير مسئولية الجهة الإدارية عما يصيب الجنود من أضرار داخل الوحدات العسكرية على نحو جعلها (أي تلك المسئولية) أقرب إلى المخاطر، فقد ذهبت إلى أنه ثبت نشوب حريق بالورشة أدى إلى وفاة مورث الطاعنين، وكان ذلك داخل وحدة عسكرية، وأنه وإن لم تسفر التحقيقات عن معرفة المتسبب في نشوب الحريق أو قصور في آلات مقاومة الحريق، إلا أن القدر المتيقن منه هو أن المتسبب هو أحد الموجودين بالوحدة،ولو لم تتوصل التحقيقات إلى معرفته، فإن مورث الطاعنة كان تحت إمرة وحدته العسكرية، وكان واجبا اتباع وسائل الأمان داخل الوحدة، وتجنب حدوث الحريق الذي أدى إلى وفاته، وانتهت إلى تعويضهم. (الطعن رقم 12716 لسنة 50ق.ع بجلسة 5/3/2011).

وأخذت المحكمة في هذا الخصوص بقرينة لا تقبل إثبات العكس، مفادها أن من تم تجنيده هو لائق للخدمة العسكرية، فإذا أصابه أي ضرر خلال مدة خدمته العسكرية فإن الجهة الإدارية تلتزم بتعويضه عن هذا الضرر؛ بوصف أن هناك خطأً مرفقيا مفترضا، فالمجند إما أن يكون غير لائق للخدمة ثم يتم تجنيده بالرغم من ذلك فتتفاقم حالته المرضية، ويكون خطأ الجهة الإدارية واقعا. (الطعن رقم 613 لسنة 53ق.ع جلسة 19/2/2011)، وإما أنه أصيب بسبب العمليات العسكرية فترتب عليها ضرر لحق به فيستحق تعويضا عن عدم قيام الجهة الإدارية بإجراء تحقيق حول الحادث، وتراخي الجهة الإدارية لا يعد مانعا من حصوله على حقوقه. (الطعنان رقما 2481 و2485 لسنة 46ق .ع بجلسة 8/12/2001، والطعن رقم 25891 لسنة 52ق.ع جلسة 28/5/2011).

وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة الإدارية العليا في خصوص تعويض المجندين أو رجال الشرطة أو أي فرد يقع عمله في إطار الأعمال الخطرة لا تكتفي بالتعويض الذي قرره القانون في بعض حالات الإصابة أثناء الخدمة وبسببها، بل استقرت على صرف تعويض إضافي للمضرور على وفقنص المادة (233) من القانون المدني، التي تجيز للدائن المطالبة بتعويض تكميلي إذا ثبت أن الضرر الذي يجاوز الفوائد قد تسبب فيه المدين بسوء نية، وربطت المحكمة الإدارية العليا بين عبارة سوء النية والخطأ المرفقي الجسيم في أحكامها، وحكمت بالتعويض التكميلي في عدة حالات. (يراجع في التعويض الإضافي بالنسبة إلى الخدمة العسكرية: د.محمد ماهر أبو العنين، المبادئ القضائية الحديثة للمحكمة الإدارية العليا، ص 229).

وذهبت في ذلك إلى أن قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 أوجب إجراء تحقيق في كل إصابة تحدث للمجند ينشأ عنها جرح أو عاهة أو وفاة، بواسطة الجهات العسكرية المختصة لإثبات سبب ذلك، وأوجبت حقوقا تأمينية وتعويضية ومعاشات مستحقة للمجند الذي يصاب بسبب الخدمة بهذه الجروح أو العاهات أو الأمراض، دون أن يحول ذلك عن أنه في حالات الخطأ العمدي أو الخطأ الجسيم فإن الحقوق التي قدرها وقررها المشرع في القانون المذكور لا تكون كافية لتغطية الضرر الذي يصيب المجند، وعندئذ يكون ظرف العمد أو الخطأ الجسيم موجبا للحكم بتعويض مكمل يوازي حجم الضرر، إلى جانب ما قدره القانون للمستحقين من حقوق، ويكون من حق المضرور المطالبة بحقه في التعويض الجابر للضرر الذي سببه الخطأ طبقا للقواعد العامة خارج ما هو منصوص عليه في القانون المشار إليه، استنادا إلى أحكام المسئولية التقصيرية المنصوص عليها في المواد 225 إلى 231 من القانون المدني (استقرت على هذا المبدأ بدءا من حكمها في الطعن رقم 2343 لسنة 32ق.ع الصادر بجلسة 25/1/1995، وحتى حكمها في الطعن رقم 2464 لسنة 56ق.ع جلسة 28/6/2014)، وفي هذا الحكم الأخير انتهت المحكمة إلى أن إلغاء القرار الصادر بعدم اعتبار إصابة المجند أثناء الخدمة وبسببها، يجعل له أحقية في التعويض عنها حتى لو كانت الإصابة هي استئصال غضروف قطني في ركبته تخلف عنه عجز جزئي، وأقامت المحكمة جميع المنازعات المتعلقة بهذا الأمر على قرينة لا تقبل إثبات العكس، وهي أن المجند سليم وصحيح بدنيا، وما يحدث له من إصابة أثناء تجنيده يجب أن يعوض عنها من جهة الإدارة، وتوسعت المحكمة الإدارية العليا في هذا الأمر توسعا كبيرا اقتربت فيه حالات الخطأ المرفقي من حالات المسئولية دون خطأ، وقد انتهت المحكمة إلى وجوب تعويض ورثة المجند عن المرض الذي ألم به أثناء التجنيد، وتطور حتى أدى إلى وفاته، مما ينبئ عن أنه كان غير لائق أصلا للخدمة العسكرية. (الطعن رقم 6663 لسنة 47ق.ع بجلسة 25/6/2005، وأكدت ذلك في حكم أحدث: الطعن رقم 613 لسنة 53ق.ع بجلسة 19/2/2011).

وقضت بتعويض إضافي قدره خمسون ألف جنيه عن العاهة العقلية التي أصابته نتيجة كدمات بالمخ بحادث تصادم أثناء التجنيد. (الطعنان رقما 2471 و2620 لسنة 48ق.ع بجلسة 3/3/2012).

كما ارتفعت قيمة التعويضات في قضائها الحديث، واتسعت فكرة الخطأ المفترض على نحو كبير، فذهبت إلى تعويض مجند عن إصابة لحقته عند عبور الشارع لركوب سيارة وزارة الداخلية بعد انتهاء نوبة حراسته،نشأت عنها عاهة مستديمة بعجز 40%، بمبلغ مئة ألف جنيه، وقالت في تبرير التعويض الإضافي إن الوزارة لم تكفل سلامة المجند لإمكانه عبور الشارع بأمان للوصول إلى السيارة المعدة لنقله. (الطعن رقم 13953 لسنة 48ق.ع بجلسة 9/4/2011).

كما قررت التعويض نفسه نتيجة إصابة المجند عندما حاول إصلاح مركبة عسكرية، حيث لم تكفل له الإجراءات والوسائل التي تساعد على تجنب حدوث ذلك. (الطعن رقم 17258 لسنة 52ق.ع بجلسة 15/6/2013).

كما قررت تعويضا بمبلغ خمسين ألف جنيه عن استئصال كلية أحد المجندين نتيجة أمراض أصابته أثناء الخدمة، وأقامت حكمها على قرينة أن إصابته كانت بعد دخوله الخدمة سليما. (الطعن رقم 45070 لسنة 56ق.ع جلسة 18/1/2015).

علما بأن المحكمة الإدارية العليا قررت وجوب التعويض في حال عدم إجراء التحقيق المنصوص عليه في قانون التقاعد والتأمين. (الطعن رقم 15481 لسنة 53ق.ع بجلسة 17/3/2012).

كما ذهبت إلى صرف تعويض قدره مئة وخمسون ألف جنيه، مع تعويض شهري ثابت عن إصابة أمين شرطة بحريق نتج عنه عاهة مستديمة لاندلاع النيران في إحدى الشقق حال تفقد تسرب الغاز منها، نتج عنها عجز مستديم بنسبة 50%. (الطعن رقم 23881 لسنة 51ق.ع بجلسة 18/1/2015).

وكذلك قضت بتعويض بمبلغ مئة ألف جنيه لإصابة مساعد شرطة بورم في المخ نتج عنه وفاته؛ لأن الجهة الإدارية لم تتخذ الإجراءات العاجلة حيال حالته المرضية التي تتطلب سرعة التعامل معها نظرا لخطورتها. (الطعن رقم 37798 لسنة 56ق.ع بجلسة 18/1/2015).

وبخصوص المسئولية الإدارية عن الأعمال المادية، ذهبت في أحد أحكامها إلى تعويض مورث أحد المواطنين عن الإصابة التي أدت إلى وفاته من جراء تطاير قطعة خشبية من اصطدام قطار بعربة يد وكان المذكور واقفا في انتظار القطار، وقررت المحكمة وجود خطأ مرفقي من الجهة الإدارية في عدم غلق المزلقان، مما يقتضي تعويضا قدره مئتا ألف جنيه. (الطعن رقم 2104 لسنة 55ق.ع والطعن رقم 12540 لسنة 55 ق.ع بجلسة 18/5/2014).

بل إن المحكمة الإدارية العليا قد انتهت إلى اختصاص محاكم مجلس الدولة بنظر التعويض عن القرارات الصادرة بناء على قوانين أو لوائح قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريتها، فتصبح هذه القرارات في نظر المحكمة منعدمة وقضت بالتعويض عنها. (الطعنان رقما 4855 و4964 لسنة 46ق.ع بجلسة 22/11/2003، والطعن رقم 8803 لسنة 48ق.ع جلسة 3/5/2003، والطعنان رقما 6012 و3148 لسنة 48ق.ع بجلسة 7/12/2003، ويراجع حكمها في الطعن رقم 7036 لسنة 46ق.ع بجلسة 26/1/2001 حيث أجازت طلب التعويض، إلا أنها اشترطت خصوصية الضرر، في حين أن التعويض في هذه الحالة هو عن خطأ، وليس على أساس المخاطر، وهو لا يتطلب في هذه الحالة خصوصية الضرر).

وفي المجال الطبي أكدت في حكم مهم لها أن دعوى التعويض التي أقامها المدعي بغرض تعويضه عن الأضرار التي يدعيها بسبب خطأ أطباء مستشفى قناة السويس هي دعوى تعويض عن عمل مادي، مدارها مسئولية الدولة عن أعمالها المادية في نطاق القانون العام ومجالاته، فهي منازعة يتأكد اتصالها بمرفق عام يدار على وفقا لقانون العام وأساليبه، ويبدو فيها واضحا وجه السلطة العامة ومظاهرها، ومن ثم يتعين الفصل فيها على هذا الأساس، وتقدير التعويض على وفق توفر الخطأ المرفقي. (الطعن رقم 3475 لسنة 32ق.ع بجلسة 26/12/1993).

وعلى وفق هذا الفهم انتهت في حكم آخر إلى مسئولية المستشفى الحكومي عن إصابة أحد الأطفال أثناء الولادة في رأسه، ولو لم يكن ذلك عن إهمال طبقا لآراء الأطباء الذين أخذت النيابة أقوالهم، وأخذت المحكمة بشهادة الشهود من معاوني الطبيب الذي أجرى الولادة، وانتهت إلى وجود تقصير أثناء عملية الولادة أدى إلى إصابة الطفل، واستبعدت تقرير الطبيب الشرعي الذي انتهى إلى عدم وجود خطأ أو إهمال أديا إلى الإصابة التي لحقت بالطفل، ولم تأخذ أيضا بحفظ النيابة للتحقيق في الواقعة لعدم وجود مسئولية جنائية، وقررت تعويض والدي الطفل بمبلغ مئة ألف جنيه تدفعها المستشفى نظرا لجسامة الإصابة. (الطعنان رقما 9646 و10170 لسنة 53ق.ع بجلسة 14/1/2012).

كما قضت المحكمة الإدارية العليا بتعويض أحد المرضى عن الأضرار التي أصابته من جراء نقل دم ملوث له أثناء عملية جراحية أدت إلى إصابته بالعديد من الأمراض بالرغم من تضارب التقارير الطبية، إلا أن المحكمة اعتبرت نكول جهة الإدارة عن تقديم الملف الطبي يكفي لتأكيد صحة ما ذهب إليه المدعي في دعواه، وانتهت إلى تعويضه بمبلغ خمسين ألف جنيه. (الطعن رقم 5949 لسنة 50ق.ع بجلسة 25/5/2013).

وحيث إنه لما تقدم، فإن مجلس الدولة أصبح مهيئا للأخذ بنظرية المسئولية دون خطأ في نطاق القانون العام، حيث إنه أكثر تطورا من القضاء المدني الذي يلتزم دائما بالنصوص القانونية، أما القانون الإداري فهو قانون قضائي في المقام الأول، ولهذا يمكن لمجلس الدولة إذا تطرق إلى اعتماد المسئولية دون خطأ أن يأخذ في هذا الخصوص في المرحلة الأولى بضوابط هذه النظرية المستقرة في قضاء مجلس الدولة الفرنسي، ومن أهمها أنها مسئولية استثنائية لا يتم اللجوء إليها إلا في حالة تخلف وجود أي خطأ ولو بسيط في سير المرافق الإدارية من ناحية، وأن يكون الضرر المترتب على هذا الفعل من الجهة الإدارية جسيما ومباشرا لم يتدخل المضرور في إحداثه.

ففي هذه الحالة فقط يتم النظر في تحقق المسئولية الإدارية دون خطأ؛ استنادا إلى العدالة، وكذلك مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، المنبثق من مبدأ التضامن الاجتماعي المنصوص عليه في جميع الدساتير المصرية، وأكدته المادة (8) من الدستور الحالي الصادر في يناير 2014، التي تنص على أن يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعي، وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين،ونص المادة (18) منه على أن لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقا لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة ودعمها. ونص الفقرة الثانية من هذه المادة على التزام الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي كل الأمراض، وينظم القانون إسهام المواطنين في اشتراكاته.

وبناء على ذلك فإن المحكمة الإدارية العليا سبق لها أن قضت في أحد أحكامها بإلزام الهيئة العامة للتأمين الصحي أن تؤدي للطاعن تكاليف عملية زرع كبد له بالصين، مخصوما منها ما حصل عليه قبل إجراء هذه العملية، مع ما يترتب على ذلك من آثار. (حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 44712 لسنة 57ق.ع بجلسة 23/9/2012).

ومجلس الدولة في تبنيه لهذه النظرية يستطيع الانطلاق نحو تعويض الأضرار المترتبة على أعمال السيادة، وعن الجرائم الإرهابية والجنائية الجماعية، والتجمعات والتظاهرات حتى لو كان مسموحا بها، مادامت قد أصابت بعض الأفراد بأضرار، ويتمكن القاضي الإداري من إكمال منظومة العدالة بقضائه بالتعويض عن قرارات وإجراءات هي في الأصل مشروعة، لكنها سببت أضرارا لبعض الأفراد حتى لو كانوا جمعا كبيرا، فمن العدل وتطبيقا لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة أن يعوض من أصابه ضرر من هذه الإجراءات أو القرارات أو الأفعال، والأمر مهيأ لمجلس الدولة مادام قد أصبح قاضي القانون العام.

- وحيث إنه لما كان ذلك، وفي خصوص حالة الطاعن الذي فقد الرؤية بعينه اليسرى تماما، وإن كان من الممكن للمحكمة أن تنتهي إلى تلمس أو اختلاق أي خطأ للجهة الإدارية، وتتجاهل تقارير الأطباء كما سبق وذهبت إلى ذلك في بعض أحكامها المشار إليها سالفا، إلا أن وضع الأمور في نصابها، وترسيخ الناحية الفنية الدقيقة في وصف الواقعة محل حكمها الماثل، وتقرير واقع يؤكد عدم وجود خطأ نتيجة عدة عمليات جراحية لزرع القرنية وإزالة المياه البيضاء بدأت بمستشفى مدينة نصر بالقاهرة للتأمين الصحي (على وفق الكتاب المرافق لحافظة المستندات المقدمة من الهيئة العامة للتأمين الصحي المقدمة أمام محكمة القضاء الإداري بقنا بجلسة 13/6/2005)، ومرورا بعمليات ترقيع للقرنية فاشلة بمستشفى القصر العيني، وانتهاء بفقد الإبصار بهذه العين؛ فإنه يتعين تعويضه عن مخاطر العمليات الجراحية الطبية، فعلى وفق تقرير الطب الشرعي فإن العمليات الخاصة بترقيع القرنية تتضمن زرع قرنية قد يرفضها الجسم، وهذا وارد في مثل هذه العمليات، ومن ثم فإن مخاطر العملية الجراحية يجب أن تتحملها الهيئة، وأن تقوم بتعويض المضرور، حتى لو لم يكن هناك خطأ من جانبها أو من جانب أي من أطبائها، وهو ما تنتهي إليه المحكمة.

وتراعي المحكمة في تقدير هذا التعويض أن الطاعن كان يكابد منذ إجراء هذه العملية في عام 2000 (أي من قرابة خمسة عشر عاما) آلاما بدنية ونفسية من جراء هذه العمليات المتتالية، وكذلك ما أنفقه من مصروفات للعلاج والانتقال ومصاريف التقاضي على درجتين، وهو ما تقدره المحكمة تعويضا بمبلغ ثلاث مئة ألف جنيه.

- والمحكمة في النهاية تهيب بالمشرع أن يتدخل -مثلما هو الحال في فرنسا- لوضع قوانين تنظم التعويض عن أعمال السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية دون خطأ، فلا يمكن تصور وجود أبحاث ورسائل دكتوراه تناولت مسئولية الحكومة والدولة على أساس المخاطر (تناول الدكتور/ ....... مسئولية الحكومة المصرية بوصفها صاحبة الولاية العامة في عام 1915 أي منذ قرن، وأعقب ذلك رسالته عن مسئولية الدولة عن أعمال السلطات العامة عام 1928، وطلب فيها تطبيق المسئولية على أساس المخاطر، وتكلم الدكتور/ .... عن مسئولية الدولة عن أعمالها المشروعة- القوانين واللوائح - عام 1952، وأشار فيها إلى المسئولية دون خطأ)، وها نحن نواجه اليوم جرائم جماعية جنائية وإرهابية، ولم نفكر في وضع تنظيم لتعويض المضارين من هذه الجرائم دون خطأ من الدولة، فقواعد التضامن الاجتماعي وضمان أمن المجتمع وسلامته والعدالة تتطلب تعويض من أضيروا من جراء الجرائم الجنائية والإرهابية، ومضاعفات الجراحات والتقنيات الحديثة في العلاج أو الأمراض الجديدة التي ظهرت وتؤثر بصورة جماعية في الصحة العامة، ولنا فيما انتهت إليه فرنسا في هذا الشأن مثال يحتذى به في هذا الخصوص.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبإلزام الهيئة العامة للتأمين الصحي دفع مبلغ ثلاث مئة ألف جنيه تعويضا شاملا للطاعن -على النحو المبين بالأسباب-، وإلزامها المصروفات عن الدرجتين.