الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون تحقيق الجنايات المختلط 1937

مضابط مجلس الشيوخ ملاحق عام 1937 ص 672

مذكرة

عن مشروع قانون تحقيق الجنايات المختلط

يمثل هذا المشروع في عمومه الأسس والقواعد الموجودة في كل من قانوني تحقيق الجنايات الأهلي والمختلط مع إدخال ما رأى من التعديلات عليها مما دعت إليه ضرورة استكمال النقص أو إصلاح العيب الذي أظهره العمل في كثير من المواضع، ومما استوجبته ملاحقة الخطى الواسعة التي خطاها علم القانون على العموم والعلوم الجنائية على الخصوص في الفترة الطويلة التي انقضت منذ وضع ذينك القانونين الى اليوم .

فقد مست الحاجة الى مواجهة صور النشاط الإجرامي بعد أن اتسع مجاله ونشطت حركته بما يسرت له المدنية الحاضرة والاختراعات والاكتشافات الحديثة . فأصبح واجب التشريع ملاحقة هذا النشاط ومجاراته فى خصائصه من السرعة والاستعانة بالوسائل التي أوجدها العلم الحديث .

لذلك كانت سرعة الإجراءات هي الطابع المميز للقوانين الحديثة في المواد الجنائية ، فقد روعي فيها التخلص من الإجراءات المعقدة التي كانت تعطل حركة سير العدالة غير محققة بحال شيئا من الضمانات التي كانت مقصودة فبسطت الإجراءات بحيث يستطاع تحقيق الواقعة والفصل فيها في وقت قصير يضمن للعدالة أثرها في النفوس ويحمى نشاطها من عيب التراخي أو البطء الذي من شأنه أن يضعف أثر القصاص ويقوى روح الاستهتار بالقانون والاستخفاف بأحكامه - وذلك من غير انتقاص الضمانات الجوهرية التي تحمى الحرية الفردية وتحقق الموازنة بين مصلحة المجموع في حماية كيانه ومصلحة الفرد في حماية حريته تحققت هذه القوانين من وراء هذا التبسيط مزايا السرعة والاقتصاد في النفقات وتخفيف العمل عن كاهل القائمين بخدمة العدالة

وقد روعيت هذه الاعتبارات في وضع هذا المشروع واستهدى فيما أدخل من التعديلات ببعض التشريعات الحديثة كالتشريع الإيطالي والتركي ، كما استرشد بالقانونين الألماني والنمساوي و بما طرا على قانون تحقيق الجنايات الفرنسي من التطورات وقد اعتمد في وضعه إلى حد كبير على أعمال اللجنة التي شكلت بوزارة الحقانية في سنة ١٩٢٧ لوضع نظام للإجراءات الجنائية أمام المحاكم المختلطة .

ولم يكن ثمة بد من ترتيب أحكام هذا المشروع على نسق أقرب إلى المنطق مما هي عليه في القانون الحالي وأكثر اتساقاً مع القواعد العلمية لكي يبدو كلا مترابط الأجزاء محكم الحلقات مستغنياً بنفسه على قدر الامكان عن غيره من القوانين . ولذلك خصص - الكتاب الأول للدعوى الجنائية والدعوى المدنية والتحقيق الابتدائي وهو يشمل سبعة أبواب : الأول عن كل ما يتعلق بالشكوى والتبليغ وطبيعة الدعوى الجنائية ، والثاني عن الدعوى المدنية والثالث عن الصلح في المخالفات ، والرابع عن سقوط الحق في إقامة الدعوى العمومية بمضي المدة ، والخامس عن جمع الاستدلالات الأولية ، والسادس عن طرق مباشرة الدعوى الجنائية ، والسابع عن التحقيق الابتدائي .

أما الكتاب الثاني فقد خصص الجهات الحكم في المسائل الجنائية. فذكر في الباب الأول منه القواعد العامة المتبعة أمام هذه الجهات وفى الباب الثاني القواعد المشتركة بين محاكم المواد الجزئية ومحاكم الجنح وفي الثالث القواعد الخاصة بمحاكم المواد الجزئية وفي الرابع القواعد المتعلقة بمحاكم الجنح وخصص الخامس لمحاكم الجنايات . أما الباب السادس فقد بينت فيه الإجراءات التي تتبع في حق المتهمين الغائبين في مواد الجنايات

وعقد الكتاب الثالث لبيان طرق الطعن في الأحكام فذكرت فيه قواعد الاستئناف والطعن بالنقض والإبرام وإعادة النظر والتنازل عن طرق الطعن

وجعل الكتاب الرابع لبيان قواعد الارتباط وأحكام البطلان والاختصاص وإيقاف الدعوى وأحكام تسليم الأشياء المضبوطة وغير ذلك من القواعد المتبعة في كل الإجراءات الجنائية على السواء.

أما الكتاب الخامس فقد خصص لتنفيذ الأحكام والقواعد سقوط العقوبات فبينت فيه القواعد الخاصة بالمصاريف وبالتنفيذ وما يعترضه من المسائل الفرعية ثم ذكرت فيه أحكام سقوط العقوبات بمضي المدة

وخصص الكتاب السادس لبيان أحكام الإفراج تحت شرط وأحكام رد الاعتبار .

...

وقد وجد التعديل والإصلاح سبيله إلى كل باب من هذه الأبواب تقريبا على صور تختلف تبعا لخطر المسائل التي يعالجها . ففى المواد من 1 إلى 9 أعيد تنظيم أحكام التبليغ ووضعت قواعد خاصة بالشكاوى لا سيما في الأحوال التي يعلق فيها القانون السير في الإجراءات الجنائية على تبليغ المجني عليه فقد أوجب تقديم الشكوى في مدة ثلاثة شهور من تاريخ العلم بالجريمة حتى لا تزول معالمها وحتى لا يتخذ التبليغ وسيلة للتهديد . كما بينت القواعد الخاصة بالشكوى ومن له حق تقديمها وسحبها مما كان محلاً لاجتهاد المحاكم والشراح كذلك نص على أنه إذا توقفت الإجراءات على سبق الإذن بها من بعض الجهات فان سحب الإذن بعد صدوره لا يترتب عليه أي أثر وذلك لأن الجهة التي أصدرت الإذن ليست خصماً في الدعوى فلا يجوز أن تظل الدعوى مرهونة برأيها .

وأدخل على نظام الدعوى المدنية الوارد في المواد من 10 إلى ۲۲ تعديل جوهري فألغي حق رفع الدعوى مباشرة من المدعي بالحق المدني إقراراً لمبدأ حصر الدعوى العمومية في يد النيابة .

واحتيط لمصلحة المجني عليهم المدعين بحقوق مدنية بأن أوجبت على النيابة إذا رأت ألا محل للسير في الدعوى رفع الأمر لقاضي التحقيق ليقرر ما يراه فيها وجعل للنيابة وللمتهم الحق في الاعتراض على قبول الدعوى المدنية حتى قبل أن تحال القضية إلى المحكمة ، وذلك بالمعارضة أمام غرفة المشورة . ثم نص على اعتبار غياب المدعي بالحق المدني بعد إعلانه بالجلسة تركاً لدعواه ، كما نص على عدم قبول معارضته في الأحكام التي تصدر في غيبته . وعلى أن تنازل المدعي بالحق المدني عن دعواه أمام المحكمة الجنائية يمنعه من رفعها الى المحكمة المدنية إلا إذا حفظ لنفسه هذا الحق عند التنازل

وقد كان إثبات المعاملات المدنية أمام المحكمة الجنائية خاضعا للقواعد المقررة في القانون المدنى إلا أن القضاء الجنائي اضطر في أحوال كثيرة الى الحد من مدى تطبيق هذه القواعد حتى أصبح تطبيقها مقصوراً على دائرة ضيقة، وهذا طبيعي لأن القاضي الجنائي يحكم بأشد العقوبات بناء على اقتناعه الذي يتكون بكل طرق الإثبات ، فلا محل لتقييده بقواعد الإثبات المدنية فيما هو أقل خطورة من الأحكام الجنائية . خصوصاً وأن له من وسائل التحقيق لكشف الحقيقة ما لا يملكه القاضي المدني فلا محل لتقييده بقواعد قد تؤدي إلى ضياع هذه الحقيقة

وفضلا عن ذلك فإن النيابة العمومية التي تتولى مباشرة الدعوى الجنائية لم تكن طرفاً في التعاقد حتى يمكن مطالبتها بتقديم الدليل المدني عليه

لهذه الاعتبارات نص المشروع على أن يتبع في المسائل المدنية التي تعرض في القضايا الجنائية قواعد الإثبات الجنائية .

وقد نص المشروع على أن الأحكام الجنائية تقيد المحكمة المدنية حتماً فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها للمتهم ولو كانت هذه الأحكام قد صدرت بناء على قواعد الإثبات الجنائية .

كذلك روعي تنظيم المسائل الأولية المتعلقة بالأحوال الشخصية ونص على وجوب إيقاف الدعوى كلما استلزم السير أو الحكم فيها الفصل في مسألة من مسائل الأحوال الشخصية على أن يحدد للخصوم أجل لاستصدار حكم فيها فإن انقضى الأجل من غير أن يفصل فيها جاز للمحكمة الجنائية أن تفصل في القضية غير مقيدة بقواعد الإثبات في مسائل الأحوال الشخصية ونص أيضا على جواز إيقاف الدعوى الجنائية حتى يفصل في الدعوى المدنية المتعلقة بها إذا رئي محل لذلك (المادة (۲) وهذا النص لا يستلزم طبعاً أن تتقيد المحكمة الجنائية بالحكم المدني الذي يصدر .

وقد قرر المشروع القاعدة الأساسية التي تقضي بأن اتخاذ الإجراءات الجنائية يوقف سير الدعوى المدنية التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً ( المادة ٢٠ ) .

وقد نقلت أحكام الصلح فى المخالفات المقررة في القانون الأهلي الحالي الى الباب الثالث ( في المواد من ٢٣ الى ٢٥ ) لما ظهر من فائدتها في تخفيف العمل وتفادي المحاكمات عن المخالفات القليلة الأهمية وقد بقيت قواعد سقوط الدعوى العمومية بمضي المدة كما هي بوجه عام ( المواد من ٢٦ إلى ٣٠ ) ولكن رئي ألا تتجدد مدة السقوط بأكملها كلما اتخذ إجراء قاطع لها حتى لا يظل المتهم مهدداً بالدعوى مهما تقادم العهد على الجريمة فنص على ألا تطول مدة السقوط مهما تكررت الإجراءات القاطعة لأكثر من نصفها في الجنايات والجنح ولا لأكثر من ستة شهور في المخالفات وبينت الإجراءات التي من شأنها قطع مدة السقوط وجعل من بينها إجراءات الاستدلال ورفع الدعوى المدنية كما نص على عدم جواز رفع الدعوى المدنية أمام المحاكم الجنائية اذا كانت الدعوى العمومية قد سقطت بمضي المدة .

وقد نظم المشروع في ( المواد ٣١ إلى ٥٦ ) جمع الاستدلالات وبین آثارها القانونية والحدود التي تفصلها عن التحقيق بمعناه الاصطلاحي

ففي القانون الحالى تعتبر إجراءات البوليس القضائي في أحوال التلبس من إجراءات التحقيق أما فيما عدا ذلك فلا تكون إلا مجرد تحريات ليس لها أثر قانوني

وقد رئي أن لا محل لهذا التفريق فجعل عمل البوليس في الإجراءات الجنائية تحت عنوان جمع الاستدلالات . ونص على أن مباحثه تكون تحت إشراف النيابة كما نص على وجوب مراعاة أوضاع معينة فيها تكفل بقدر الإمكان تحقيق الغاية منها . ومما استحدثه المشروع في هذا الباب نصه على عدم جواز تحليف الشهود اليمين أثناء جمع الاستدلالات إلا في حالة استثنائية استدركها وهي حالة احتمال أن الشاهد لا يستطيع تأدية شهادته بعد ذلك مؤيدة باليمين أمام السلطة المختصة كحالة المرض أو الإصابة الشديدة أو السفر ونصه على إجازة تحليف الخبراء الذين يطلب منهم تقديم آرائهم في تقارير مكتوبة

وقد رئي أن لا تعرض على قاضي التحقيق كل قضية مهما كانت قليلة الأهمية وأن لا يكون تحقيقه واجباً إلا في قضايا الجنايات التي ترى النيابة العمومية السير فيها (مادة ٦١) أما قضايا الجنح فقد ترك للنيابة الخيار في أن تطلب من القاضي تحقيقها أو لا تطلبه حسبما تتبينه من ظروف الدعوى . فإذا رأت أن عناصر الاستدلال التي جمعت كافية للسير في تحقيقها في الجلسة - كان لها أن تكلف المتهم بالحضور أمام المحكمة مباشرة. وللمتهم إذا رأى أن قضيته تحتاج الى تحقيق بواسطة قاضي التحقيق أن يعترض على هذه الإحالة. وقد بين المشرع طريق ذلك الاعتراض وإجراءاته ورتب على قبول الاعتراض بطلان ورقة التكليف بالحضور ووجوب تحقيق الدعوى أمام قاضي التحقيق ( المادة ٥٨)

على أن حق النيابة في رفع الدعوى مباشرة إلى المحكمة في مواد الجنح مقيد بوجوب سماع أقوال المتهم في محضر الاستدلال أو ثبوت عدم إمكان استجوابه لغيبته أو لاستحالة معرفة محل إقامته المادة (٥٧) والعلة في ذلك أن عناصر الدعوى لا تعتبر متوفرة إلا بعد سماع أقوال المتهم فإنها قد تكشف عن عناصر أخرى ربما حملت النيابة على العدول عن المحاكمة أو على رفع الأمر إلى قاضي التحقيق . و إذا كان المتهم مقبوضاً عليه تعين على النيابة إذا رأت رفع الدعوى مباشرة أن تقيمها في ظرف أربع وعشرين ساعة من وقت القبض عليه وفي هذه الحالة يجب على المحكمة أن تفصل في القضية في الجلسة الأولى إلا إذا طلب المتهم التأجيل أو كان التأجيل ضروريا سبب آخر ، وفي حالة التأجيل تنظر المحكمة في حبس المتهم احتياطيا أو الإفراج عنه (المادة ٥٩) .

أما إذا لم تيسر للنيابة تقديم القضية في ظرف أربع وعشرين ساعة ورأت إبقاء المتهم مقبوضاً عليه وجب عليها عرض الأوراق على قاضي التحقيق ليأذن باستمرار القبض مدة أو مدداً لا يزيد مجموعها بحال على أربعة أيام أو يتولى هو التحقيق ( المادة ٦٠) والملحوظ في ذلك هو التوفيق بين الانتفاع بنظام جمع الاستدلالات وعدم إطالة مدة القبض المسموح بها للضبطية القضائية إذا كانت هذه الإطالة لا يقتضيها استيفاء الأدلة أو ضرورة إجراء تحقيق بمعرفة القاضي بل مجرد انتظار عمل أو إجراء لا يتوقف إتمامه غالبا على نشاط رجال الضبطية كورود صحيفة السوابق أو الكشف الطبي أو نتيجة التحليل

وقد ركز المشروع التحقيق الابتدائي في يد قاضي التحقيق (المواد ٦٢ وما بعدها ) وبين حقوق الخصوم فيه فنص على وجوب حضور النيابة والمتهم والمدعى بالحقوق المدنية والمسئول عنها الا إذا رأى القاضي أن يجربه في غير حضورهم ( المادة ٩٢ ) .

وقد أوجب المشروع على قاضي التحقيق عند استجواب المتهم أن يبين له خلاصة الوقائع المسندة إليه . كذلك أوجب عليه أن يعين للمتهم عند استجوابه محامياً إذا طلب ذلك ولم يكن له محام. ورتب البطلان على مخالفة هذا الإجراء إلا في أحوال الاستعجال فقد رفع هذا الواجب عن القاضي مخافة تفويت مصلحة قد لا تهيأ للتحقيق فيما بعد ( المادة ٩٤ ) .

وقد خول المشروع للقاضي سلطة التقرير بأن لا وجه لإقامة الدعوى إذا رأى أن الفعل لا عقاب عليه أو أن الأدلة لا تكفي لإقامة الدعوى كما خوله سلطة إحالة الدعوى على المحكمة في مواد الجنح والمخالفات . وهذا هو المتبع في القانون الأهلي والقانون الفرنسي.

أما في مواد الجنايات فنظرا لخطورتها ودقة التصرف فيها في غالب الأحيان فقد رئي أن لا ينفرد قاضي التحقيق بإحالتها على محكمة الجنايات ولذلك نص على أنه إذا رأى أن الواقعة جناية وأن الأدلة تبرر رفع الدعوى العمومية فيها فيحيلها إلى غرفة المشورة لتنظر هي في إحالتها على محكمة الجنايات أو على محكمة أخرى أو تقرر بأن لا وجه لإقامة الدعوى أصلاً

وقد جعل قرار قاضي التحقيق بأن لا وجه قابلاً للطعن فيه بطريق المعارضة أمام غرفة المشورة ( المادتان ١٢٦ و ١٣٠)

ومن المبادئ المقررة فى القانون الحالي أن قاضي التحقيق متى تصرف في القضية بإحالتها فإنها تخرج من يده نهائياً ولا يجوز له أن يباشر فيها بعد ذلك إجراء ما . والمحكمة التي تنظر في القضية هي التي تقوم بكل ما تدعو إليه الحاجة من وجوه استكمال التحقيق . والواقع أن هذا الفصل بين سلطتين هما بحكم وظيفتهما وطبيعة عملهما متعاونتان ومتصلتان يصعب تعليله ، ولذلك لم يؤخذ به في كثير من القوانين ولم يؤخذ به كذلك في المشروع. فجعل لقاضي التحقيق حتى بعد إحالة القضية الى المحكمة أن يجري تحقيقات تكميلية بناء على طلب النيابة من تلقاء نفسها أو إذا التمس المتهم منها ذلك ؛ فإذا تبين للقاضي من التحقيق الجديد أن أمر الإحالة الصادر منه في غير محله فله أن يصدر قرارا بذلك ( المادتان ١٤٥ و ١٤٦ )

وبهذا وفر المشروع على المحكمة بكامل هيئتها وقتاً وجهداً يكفي أن يقوم به قاض واحد هو مختص بذلك أصلاً ، وكان من حقه أن يجربه لو ثبتت له ضرورته فى الوقت المناسب . ولا تخفى الفائدة التي تعود من تفادى المضي في إجراءات المحاكمة العلنية متى ظهر ما يستوجب العدول عنها . وإن هذه الفائدة تزداد وضوحاً إذا كانت القضية قد أحيلت بغير أن يستجوب المتهم لعدم إمكان القبض عليه ولذلك نص المشروع ( المادة ١٤٤) على أنه إذا قبض على المتهم بعد صدور أمر الإحالة كان لقاضي التحقيق ولغرفة المشورة بحسب الأحوال وبعد استجواب المتهم أن يقررا إلغاء أمر الإحالة أو إبقاءه

ولعل أهم ما يتصل بمرحلة التحقيق السلطات التي يملكها المحقق أو المأمور القضائي والتي يترتب على استعمالها تقييد للحريات.

فقد أبقى المشروع للبوليس القضائي سلطة القبض على الأشخاص في حالة التلبس بالجريمة وفي بعض الجرائم الأخرى الخطيرة التي وردت على سبيل الحصر فى المادة ٥١ وذلك أسوة بما هو معمول به في القانون الأهلي

كذلك خوّل له حق تفتيش شخص المتهم في نفس هذه الأحوال ( المادة ٥٤ ) وهو ما كان من قبل موضع شك وخلاف في التأويل نظراً لخلو القوانين الحالية من نص على ذلك. وخول له أيضا في الأحوال عينها حق تفتيش محل المتهم وما يستتبعه ذلك من حق تفتيش من يوجد بهذا المحل ويشتبه في أنه يخفي شيئا مما يجري التفتيش من أجله ( المادة ٥٤ ) .

وقد عني المشروع بتنظيم إجراء التفتيش فنص على تمكين المتهم من حضوره إن كان موجوداً و إلا فيسمح بحضوره لأحد أقاربه البالغين أو أحد القاطنين معه أو أحد جيرانه ( المادة ٥٥ ) .

وضماناً لسرية المكاتيب نص على أنه في حالة ضبط المكاتيب والأوراق المختومة أو المقفلة بأية طريقة كانت لا يجوز للنيابة ولا البوليس الاطلاع على محتوياتها إلا بإذن من حائزها وإلا وجب رفع الأمر إلى قاضي التحقيق ليطلع هو على هذه الأوراق ويأمر بضم ما يرى ضمه منها إلى ملف الدعوى بعد سماع أقوال الخصوم ( المادة ٤٣ )

وأجيز للنيابة أن تضبط الرسائل البريدية والبرقية على ألا يطلع عليها إلا قاضي التحقيق ليأمر بما يراه نحوها ، أما من عدا النيابة العمومية من رجال الضبطية القضائية فليس له إلا أن يخطر مصلحة البريد أو التلغراف بعدم تسليم الرسائل إلى أن تنظر النيابة في الأمر ( المادة ٤٤)

وخول للبوليس القضائي ضبط الأشياء والأسلحة والأدوات وكل ما يحتمل أنه استعمل في ارتكاب الجريمة أو يفيد في إظهار الحقيقة (المادة ۳۸) وخول له بشروط خاصة وضع الأختام على المحلات محافظة على ما يوجد بها من الآثار التي قد تفيد في كشف الحقيقة ( المادة ٣٩) .

كذلك جعل للبوليس حق منع المحادثات التليفونية وحق تسمعها ( المادة ٤٤ ) الأمر الذي كان محلاً للشك من قبل .

أما قاضي التحقيق فسلطته بالضرورة أوسع من ذلك ولكنها قيدت ببعض قيود منها أنه لا يستطيع البدء في عمله من تلقاء نفسه وبغير طلب من النيابة (المادة ٦٢) . ومنها أنه عند قيامه بتفتيش منزل المتهم أو غيره يجب عليه أن يمكن من يجرى التفتيش في محله من الحضور بنفسه إذا كان موجوداً وإلا فيحضر عنه أحد أقاربه أو أحد جيرانه ( المادة ٧٦) ومن ذلك يتضح الفارق بين سلطة قاضي التحقيق وسلطة رجال الضبطية القضائية فهؤلاء لا يملكون إلا ما خولهم القانون، أما هو فيملك ما يحظره عليه ، على أنه في مباشرة هذه السلطة الواسعة خاضع لرقابة غرفة المشورة التي أجاز المشروع للخصوم التظلم إليها من قراراته والتي لها حق الإشراف على سير التحقيق والإرشاد الى كل ما يضمن حسن سيره كالتنبيه الى ضرورة إنجازه ( المادة ٦٤ ) .

وبديهي أن كل ما يجيزه قاضي التحقيق لغيره أو يأذن له فيه يملك هو أن يباشره بنفسه، فله أن يفتش وأن يضبط الخ ولكن عليه في بعض الأحيان أن يباشر بعض هذه الإجراءات بنفسه فلا يجوز له انتداب غيره للاطلاع على الأوراق المغلقة وإن جاز له في ظروف استثنائية إشراك غيره من رجال السلطة القضائية في عملية فرزها (المادة ۷۸).

وقد نص المشروع على أنه يجوز لقاضي التحقيق حجز المتهم لفحص قواه العقلية ووضعه تحت الاختبار وقد بينت المادة ٧٣ شروط وحدود هذه السلطة . وبهذا وضح المشروع مسألة كانت موضع لبس وخلاف نظرا لخلو القانون الحالي من نص عليها . وأهم ما تنبغي الإشارة إليه من سلطات قاضي التحقيق هو الحبس الاحتياطي ، فقد كان هذا الإجراء ولا يزال ميداناً تتضارب فيه الأفكار والآراء . فهو من جهة قيد ثقيل للحرية ويبدو ظالماً إذا أسفرت المحاكمة عن براءة المتهم المحبوس . وهو من جهة أخرى احتياط من العبث بالأدلة ومن إفلات المتهم . فضلاً عن أن بقاء المتهم مطلق السراح بعد ارتكاب الجريمة يثير شعور الناس من إيمانهم بسلطة القانون وكفالة الاقتصاص من المجرم ؛ لذلك تنازع هذا الموضوع من القانون تياران مختلفان باختلاف وجهة النظر : أحدهما يذهب إلى أن الحرية الشخصية أولى بالاعتبار وأجدر بالحماية فيجنح إلى تقييد سلطة التحقيق في الحبس الاحتياطي ويغلو في الضمانات التي تحصر هذا الحق في أضيق حدوده ، والثاني يحرص على أمن المجتمع وضرورة الدفاع عنه ويعتبر الحبس الاحتياطي أخف الضررين فيميل إلى إعطاء سلطة التحقيق فيه حقوقا واسعة . وقد كان القانون الفرنسي ميدانا تداول السبق فيه أنصار الرأيين وانتهى الحال في سنة ١٩٣٥ إلى إقرار قواعد رئي أنها توفق بين كل الاعتبارات . وعلى هدي ما استقر عليه التشريع في فرنسا حيث تتمتع الحرية الشخصية بأوسع الضمانات وضع هذا المشروع أحكام الحبس الاحتياطي ( المواد ٩٩ وما بعدها ) .

وقد لوحظ أن وجود التحقيق في يد قاض ضمان كاف يغني عن المبالغة في تقييد سلطة الحبس الاحتياطي فأطلق حقه فيه في كل جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون بالحبس أو بعقوبة أشد . ولكن رئي مع ذلك أن ينص على أن الحبس الاحتياطي لا يكون إلا لمدة شهر ينتهي بانتهائه إلا إذا طلب قاضي التحقيق أو النيابة من غرفة المشورة تجديده فيكون لها أن تجدده لمدة أو مدد فيما يتجاوز كل منها شهراً حتى يتم التحقيق ، على أن تسمع أقوال النيابة والمتهم عند كل تجديد ( المادة ١٠٥) .

ولقاضي التحقيق بطبيعة الحال أن يفرج عن المتهم في أي وقت وللنيابة أن تعارض في هذا الإفراج أمام غرفة المشورة . ويترتب على تقديم هذه المعارضة فى ميعادها وقف تنفيذ أمر الإفراج الى ان يفصل فيها كما أن قيام ميعاد المعارضة نفسه يوقف التنفيذ (المادة ۱۱۱) . وقد روعي في ذلك أنه مادام قاضي التحقيق لا يستقل بالأمر بالإفراج بل عليه في ذلك رقيب من غرفة المشورة فالأحوط ألا ينفذ أمر الإفراج حتى تبدي غرفة المشورة رأيها فيه وإلا فقد تصبح المعارضة عديمة الجدوى بهرب المتهم عقب الإفراج عنه . ولهذا النص نظير في التشريع الفرنسي .

ولم يفت المشروع تحويل المتهم حق طلب الإفراج عنه من قاضي التحقيق وتخويله حق المعارضة في رفض طلبه. ويجوز أن يقيد الإفراج بالضمان كما يجوز أن يكون بغير ضمان (المادة ۱۱۳). وقد أجيز للقاضي مع الإفراج أن يحرم على المتهم الإقامة في جهة معينة أو يلزمه بالإقامة في جهة أخرى غير الجهة التي وقعت فيها الجريمة (المادة ۱۱۳) . وقد راعى المشروع في ذلك حماية شخص المتهم والمحافظة على الأدلة واحترام شعور أهل الجهة التي وقعت فيها الحادثة

وقد نص على ضرورة إجابة طلب الإفراج بالضمان في مواد الجنح إلا إذا خيف أن يعرقل الإفراج ظهور الحقيقة أو خيف أن يهرب المتهم أو كان المتهم خطراً على الأمن العام . وفي هذه الأحوال يتعين تسبيب قرار الرفض ( المادة ١١٥ ) .

أما في مواد الجنايات فلا يجب الإفراج بحكم القانون وإنما يجوز للقاضي أن يأمر به مع الكفالة (المادة ١١٦)

ومما لا شك فيه أن قيمة أي تشريع خاص بالإجراءات الجنائية تتوقف على مدى نجاحه في التوفيق بين الضمانات التي تكفل صحة الحكم وبين الإجراءات التي تضمن عدم الابطاء في إصداره .

وقد راعى المشروع في النصوص الخاصة بالمحاكمة وطرق الطعن في الأحكام التوفيق بين الغرضين المذكورين .

فإنه من المسلم به أن كثرة الأحكام الغيابية وكثرة الطعن في الأحكام بطريق المعارضة والاستئناف لا ترجع في الغالب إلى موانع حقيقية حالت بين المتهمين وبين الحضور أو الى عيوب جدية تكون قد شابت الأحكام المطعون فيها - بل كثيرا ما ترجع الى رغبة المتهمين في تعطيل سير القضايا بالتخلف عن الحضور فيها أو رغبتهم في إطالة الإجراءات وتأخير تنفيذ الأحكام بالطعن فيها بكل طرق الطعن الجائزة قانونا . وقد سهل لهم ذلك في التشريع الحالي عدم تقييده حرية المتهم في الغياب وسماحه بالمعارضة في كل الأحكام الغيابية مهما كانت القضية تافهة وإجازة الاستئناف في قضايا الجنح أيا كانت العقوبة ، كما سهله عدم إيجاب القانون الحكم على المتهم بمصاريف ما يفشل فيه من طرق الطعن التي يسلكها .

وليس بخاف ما يترتب على ذلك من ضياع وقت القضاة ورجال النياية وأقلام الكتاب وإرهاقهم بعمل لا فائدة فيه ولا تستفيد منه العدالة شيئاً

وقد عني المشروع بتدبير علاج لهذه الحال فقضى بأن حضور المتهم أمام محكمة الجنح أو المواد الجزئية في إحدى الجلسات ثم غيابه بعد ذلك يجعل الحكم الذي يصدر عليه حضوريا لا تجوز فيه المعارضة (المادة ٢٠٦) . وكذلك يعتبر الحكم حضوريا إذا انسحب المتهم من الجلسة بعد حضوره فيها (المادة ٢٠٥).

وقد أجيز لمحكمة الجنح أن تأمر بالقبض على المتهم الذي لم يحضر وإبقائه تحت تصرف النيابة الى أن يصدر الحكم في الدعوى على وجه الاستعجال ( المواد ۲۲٥ و 226 و ۲۲۷ )

كذلك قضى المشروع بأن من يستأنف من الخصوم، عد النيابة، حكما صادرا من محكمة المواد الجزئية ثم لا يحضر في الجلسة المحددة لنظره يعتبر متنازلاً عن استئنافه وتقضي المحكمة برفضه ولا يجوز له الطعن في هذا الحكم الأخير بطريق المعارضة ( المادة ٢٥٧) .

وأوجب في جميع الأحوال على المحكمة أن تقضي مع العقوبة بالمصاريف كما تقضي على كل من يخسر طعناً بمصاريف ذلك الطعن (المواد ۳۰۲ وما بعدها ) . هذا الحكم ليس إلا تطبيقاً للقاعدة العامة التي جرت عليها كل الشرائع الأخرى والتي تقضي بأن من خسر الدعوى يلزم بمصاريفها .

ورغبة في عدم تعطيل الفصل في القضايا رأى المشروع أن لا محل لإلزام المحكمة الجنائية بالفصل في الدعوى المدنية إذا كان هذا الفصل يترتب عليه تعطيل الفصل في الدعوى الجنائية فأوجب على المحكمة - إذا كانت تصفية التعويض أو تقديره أو الفصل فيما يجب رده يستلزم تحقيقاً طويلاً يعطل الدعوى العمومية أن تقضي في الدعوى الجنائية وتتخلى عن الدعوى المدنية وتكلف الخصوم برفعها إلى المحكمة المدنية المختصة (المادة ٢٠٠) .

ومما يتصل بهذا الشأن ما اتخذه المشروع من وسائل لتبسيط إجراءات الفصل في الجرائم القليلة الأهمية .

فقد اعتبر الجنح التي لا يحكم فيها إلا بالحبس لمدة لا تزيد على ثلاثة شهور أو بالغرامة التي لا تزيد على عشرة جنيهات في حكم المخالفات وجعل نظرها من اختصاص محكمة المواد الجزئية ( المادة ٢١٢ ) .

ثم أخذ فيما يتعلق بالمخالفات وبهذه الجنح بنظام الأمر الجنائي بدلاً من نظرها بالطرق العادية (المواد ٢١٦ وما بعدها ) وهذا النظام يقتضي أن تعرض النيابة الأوراق على قاضي المواد الجزئية وتطلب منه كتابة أن يصدر - بعد الاطلاع عليها وبغير مرافعة - أمراً جنائياً بتوقيع عقوبة الغرامة على المتهم. ولا تزيد الغرامة التي يمكن الحكم بها في هذه الحالة على ۱۰۰ قرش عدا المصاريف والملحقات والتعويضات المدنية الواجب الحكم بها. وعلى القاضي أن يرفض الأمر إذا وجد أن التهمة غير ثابتة أو أنه لا يمكنه الحكم للمدعي بالحق المدني بالتعويضات أو أن المتهم يستحق عقوبة أشد من هذه الغرامة أو أن هناك ما يدعو إلى نظر القضية بالطريق العادي . وقد روعي في ذلك كله أن التظلم من هذا الأمر غير جائز لا للنيابة ولا للمدعي بالحقوق المدنية . ولا يلزم القاضي بتسبيب الأمر الجنائي ، ولكن يجب إعلان هذا الأمر للمتهم ، ويجوز له أن يعارض فيه أمام القاضي وأن يطلب محاكمته بالطريق العادي. ومعارضة المتهم لا تمنع المحكمة من تشديد العقوبة عليه . وإذا لم يحضر المعارض في الجلسة المحددة لنظر الدعوى يعتبر متنازلاً عن المعارضة . أما إذا حضر فتنظر قضيته بالطريق العادي

وحكمة تشريع نظام الأمر الجنائي ترجع إلى ظاهرة لوحظت في قضايا المخالفات والجنح القليلة الأهمية ، إذ شوهد أن غالبية المتهمين فيها يتعمدون عدم الحضور كسباً للوقت وتعطيلاً لسير الدعوى حتى تصدر الأحكام عليهم غيابياً ثم تعلن إليهم فيعارضون فيها ولا يحضرون فيصدر حكم في المعارضة ثم يستأنفون . وهكذا تستنفد كل مراحل التقاضي ولا يتغير في الغالب الحكم الأول الذي صدر في الدعوى غيابياً بناء على الأوراق كما شوهد أن عدداً غير قليل ممن ترفع عليهم الدعوى في هذه القضايا لا يكلفون أنفسهم عناء الحضور مكتفين برأي القاضي في شأنهم راضين بالعقوبة التي يوقعها عليهم غيابياً . وقد قصد بالأمر الجنائي اختصار المرحلة التي تنتهي عادة بصدور الحكم الغيابي وأن يستعاض بالأمر الجنائى عن هذا الحكم الذي يصدر مثل الأمر بناء على الأوراق بحيث لا يكون للتكليف بالحضور ونظر القضية في جلسة علنية من أثر في الحكم أو في رأي القاضي، بل لا يكون له من نتيجة سوى ضياع الوقت ومضاعفة العمل . وهذا النظام هو ونظام الصلح في المخالفات يكمل أحدهما الآخر ولم يأخذ به المشروع إلا بعد أن أثبت العمل به في كثير من البلاد الأجنبية فائدته ونجاحه .

ومن المسائل التي كانت محل بحث عند وضع المشروع مسألة تشكيل محاكم الجنح والمخالفات. وهل يؤخذ فيها بنظام القاضي الفرد كما هو الحال فى القضاء الأهلي، أم يؤخذ فيها بالنظام المعمول به الآن في المحاكم المختلطة من قصر القضاء المنفرد على قضايا المخالفات وجعل الفصل في قضايا الجنح كلها لثلاثة قضاة يفصلون فيها نهائياً بحكم لا يقبل الاستئناف . وقد استقر الرأي على حل وسط دعت إليه اعتبارات خاصة بنظام المحاكم المختلطة ، فجعل من اختصاص القاضي المنفرد قضايا المخالفات وقضايا الجنح البسيطة التي لا يجوز الحكم فيها بالحبس لأكثر من ثلاثة شهور أو بغرامة لا تزيد على عشرة جنيهات (المادة ۲۱۲) على أن تكون الأحكام قابلة للاستئناف فى الأحوال الواردة في المادة ٢٤٩ وجعل نظر بقية الجنح لدائرة مشكلة من ثلاثة قضاة يفصلون فيها نهائياً كما جعل لهذه الدائرة نظر استئناف الأحكام الصادرة من قاضي المواد الجزئية ( المادة ٢٢٢ ) .

أما محاكم الجنايات (المواد ۲۲۸ وما بعدها) تتشكل بحسب المشروع من خمسة قضاة منهم اثنان ، على الأقل ، من مستشاري محكمة الاستئناف ويكون تشكيلها وتحديد أدوار انعقادها من اختصاص الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف . وقد نص على أن هذه المحاكم تعقد في القاهرة والاسكندرية والمنصورة وبورفؤاد وفي غيرها من البلاد التي تعينها الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف. كما نص على أن القضايا ترفع الى محكمة الجهة التي حققت فيها إلا إذا رأت النيابة رفعها الى محكمة أنرى فتطلب ذلك من الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف

أما الإجراءات المتبعة أمام محكمة الجنايات فهي في عمومها نفس الإجراءات المقررة في النظام الأهلي بمقتضى قانون تشكيل محاكم الجنايات رقم 4 لسنة ١٩٠٥

وقد نص أيضا على طريقة انتداب المدافعين عن المتهمين في مواد الجنايات وعلى واجبهم وأتعابهم (مواد ١٤٧ وما بعدها) بما يتفق أيضا والنظام المقرر في قانون تشكيل محاكم الجنايات وكذلك الحال فيما يتعلق بأوامر الإحالة وبسلطة المحكمة في تعديل التهمة أو تشديدها أو إصلاح الخطأ أو تدارك السهو الذي يقع في هذه الأوامر ، وإنما رئي تحقيقاً للفائدة والمصلحة جعل النصوص الخاصة بذلك عامة وغير مقصورة على محاكم الجنايات (المواد ١٣٦ وما بعدها والمادة ۱۹۸) .

وتمتاز الإجراءات أمام محاكم الجنايات حسب المشروع بتعديل جوهري في نظام الغيبة ، فقد رئي أنه لا فائدة من صدور حكم غيابي على المتهم في جناية متى كان هذا الحكم يسقط من نفسه بمجرد حضور المتهم أو القبض عليه وتعاد الإجراءات كلها من جديد والأثر الوحيد الذي يترتب على هذا الحكم في النظام الحالي هو أن مدة سقوطه هي المدة المقررة لسقوط العقوبة لا مدة سقوط الدعوى

لذلك لم يجز المشروع إصدار أحكام غيابية في قضايا الجنايات وإنما نص على تدابير من شأنها أن تكره المتهم على الحضور وأن تزيد من النشاط في تعقب المتهم الهارب ( المواد ٢٣٦ وما بعدها ) .

فقد أجاز المشروع، بعد إعلان المتهم بالدعوى حقيقة أو حكماً، أن تنظر المحكمة في غيابه وتحقق أدلتها محافظة عليها من مضي الوقت ؛ كما أجاز للنيابة أن تطلب من المحكمة معاقبة المتهم على غيابه بغرامة من ۱۰ إلى ۱۰۰ جنيه وبالحبس من أسبوع إلى سنة أو بإحدى هاتين العقوبتين

فإذا أصر المتهم على الغياب بعد فترة لا تقل عن ستة شهور جاز تكرار توقيع عقوبة جديدة عليه كالعقوبة السابقة بشرط ألا يزيد مجموع مدد الحبس عن مدة العقوبة المقررة قانوناً للجريمة التي يحاكم من أجلها ، وهذه الأحكام يجوز للمحكمة سحبها والعدول عنها بعد حضور المحكوم عليه وبناء على طلبه

وقد أجاز المشروع أيضا للحكمة أن تعين حارساً على أموال المتهم الغائب، إذا رأت ذلك لازماً لتحصيل حقوق المجني عليه أو المصاريف وكل ما قد يحكم به على المتهم . وتبقى الحراسة إلى حين صدور الحكم الحضوري أو وفاة المتهم أو ثبوت غيبته المنقطعة . وينشر حكم الحراسة في الجريدة الرسمية . ومن تاريخ شره يفقد المتهم حقه في التصرف في أمواله إلا بالوصية أو غيرها من التصرفات بين الأحياء

ويمتاز المشروع على القانون الحالي في هذا الموضوع بأنه يرمي إلى تعقب المتهم دائما بتكرار الإجراءات ضده ؛ كما يرمي إلى المحافظة على أدلة الدعوى بإعادة تحقيقها أمام المحكمة خشية تأثرها بمضي الوقت . أما عن مدة السقوط فقد اكتفى في شأنها بأن اتخاذ الإجراءات أمام محكمة الجنايات في حق المتهم الغائب يقطع سريانها.

ولم يدخل المشروع على القواعد الحالية للطعن في الأحكام عدا ما سبق ذكره إلا تعديلات جزئية - مثل النص على عدم جواز المعارضة من المسئول عن الحقوق المدنية ومن المدعي بها في الأحكام الغيابية (المادة ۲۱۱) والنص على إجراء ما من شأنه التثبت من تسلم المتهم ورقة التكليف بالحضور قبل الحكم عليه غيابيا (المادة ۲۰۸) وعلى أن ميعاد المعارضة يبدأ من تاريخ إعلان المتهم شخصياً بالحكم الغيابي وإلا فلا يبدأ الميعاد إلا من تاريخ العلم بالتنفيذ (المادة ٢٠٩) . وحكمة هذا النص الأخير ظاهرة إذ يجب ألا يحرم من المعارضة إلا من ثبت بطريقة أكيدة علمه بالحكم الغيابي الذي صدر عليه وعدم رفعه معارضة عنه في الأجل الذي حدده القانون ، وكالنص على أن استئناف أحد الخصوم يترتب عليه مد ميعاده خمسة أيام بالنسبة للباقين (المادة ٢٥٠) وذلك لنفس الأسباب التي شرع من أجلها الاستئناف الفرعي في المواد المدنية. على أنه رئي في الوقت نفسه عدم قصر حق هذا الاستئناف على المستأنف عليه الأصلي بل تحويله لسائر الخصوم تحقيقا للعدالة والمساواة في المواد الجنائية وتحاشياً لتناقض الأحكام في الجريمة الواحدة، لاسيما وأن الاستئناف الفرعي لا يكلف نظره كثيراً من الجهد والوقت مع قيام الاستئناف الأصلي . وقد حذا المشروع في هذا الصدد حذو القانون الفرنسي

ونص أيضا لداعي الاقتصاد والسرعة على أن قلم الكتاب يحدد للمستأنف عند تقريره الاستئناف تاريخ الجلسة ويعتبر هذا إعلاناً به للمستأنف، فاذا تغيب المتهم الذي استأنف وحده فليس له حق المعارضة في الحكم الذي يصدر في استئنافه. وبينت الآثار التي تترتب على الاستئناف سواء من جهة التنفيذ (المادة ٢٥٤) أو من جهة ما يتناوله الاستئناف من الحكم المستأنف والخصوم في الدعوى (المواد ٢٥١ وما بعدها) .

أما فيما يتعلق بالطعن بطريق النقض والإبرام فأهم وجوه التعديل فيه معالجة المشروع للموقف الناشئ عن عدم ختم الحكم المطعون فيه في الميعاد القانوني . فقد نص المشروع على أن الخصم الذي يريد الطعن في الحكم بطريق النقض إذا وجد أن الحكم لم يختم في ميعاد الثمانية الأيام يخطر قلم الكتاب بأنه اتخذ محلاً مختاراً له في دائرة المحكمة، فإذا ما ختم الحكم يعلنه قلم الكتاب بصورة منه في ذلك المحل ومن تاريخ ذلك الإعلان يبدأ ميعاد الطعن (المادة ٢٦٢) .

ويسد هذا النص نقصاً كبيراً إذ أنه كان يكفي في هذه الحالة أن يقرر الطعن لهذا السبب وحده ثم ينظر النقض على أساسه فتعطي محكمة النقض للطاعن ميعادا آخر يقدم فيه أسباب طعنه وقد لا يجد مطعناً قانونيا على الحكم ولا يخفى ما في ذلك من ضياع للوقت والعمل .

كذلك نص المشروع على أنه إذا حكم على عدة أشخاص فطعن فيه بعضهم بالنقض وقبل طعنه فإن الحكم ينقض بالنسبة للمحكوم عليهم جميعا إلا إذا كان وجه الطعن خاصا بمن رفعه (المادة ٢٧٦) وقد أملت هذا النص مقتضيات العدل والمساواة فإذا رأت محكمة النقض والإبرام أن الفعل المسند للطاعن لا عقاب عليه مثلاً يعين عدلاً أن يستفيد شريك الطاعن من هذا الحكم .

وبين المشروع الأحوال التي ينقض الحكم مستهدياً بما جاء في قانون النقض المدني (المادة ٢٥٩) ولم يجز المشروع المعارضة في الأحكام التي تصدر غيابيا من محكمة النقض والابرام (المادة ٢٦٩) وبذلك وضع حدا للخلاف القائم بين فقهاء القانون والمحاكم في هذا الشأن . وبين الأحوال التي تتولى فيها محكمة النقض الحكم في الدعوى بعد قبول الطعن (المادة ۲۷۰) والأحوال التي تحيل فيها الدعوى أو تعيدها للحكم فيها من جديد (المادة ۲۷۱) . وقد رؤي أن ينص في المشروع على أن ما يقع في أسباب الحكم من الأخطاء القانونية التي لم تؤثر في منطوقه لا توجب النقض وكذلك الحال بالنسبة للخطأ في ذكر مواد القانون ( المادة ٢٧٤)

ولكن المشروع من ناحية أخرى قيد سلطة المحكمة التي تحال إليها الدعوى فإذا كان الطعن مرفوعاً من المتهم وحده ونقض الحكم وأحيلت الدعوى لمحكمة أو دائرة أخرى فلا يجوز الحكم عليه بأكثر مما قضى به الحكم المنقوض (المادة ٢٧٥) لكيلا ينقلب سعى الطاعن لمصلحته وبالاً عليه .

وقد أضاف المشروع الى الأحوال التي يجوز فيها طلب إعادة النظر في الأحكام الجنائية حالة ما يكون الحكم المطعون فيه قد صدر بناء على ورقة ثبت تزويرها بعد صدوره (المادة ۲۷۸) وذلك لكي يتساوى في هذا الشأن الأحكام الصادرة بناء على شهادة الزور والأحكام الصادرة بناء على أوراق مزورة خصوصاً وأن هذه الحالة الجديدة منصوص عليها في قانون المرافعات وأن اعتماد المحاكم الجنائية على الأوراق وانخداعها بها كثير الوقوع وأشد خطراً منه في المسائل المدنية . والواقع أنه مما لا يسوغ أن يبقى حكم بني مثلا على تقرير خبير مزور في حين يبطل حكم بني على شهادة الزور. على أن تزوير الورقة يجب كما في حالة شهادة الزور أن يثبت بحكم حتى لا تبقى الأحكام النهائية مهددة بتكرار المطاعن عليها .

وقد على المشروع بالنص على جواز تنازل الخصوم فيما عدا النيابة عن حقهم في الطعن في الأحكام ، فذكر أنه ليس للنيابة أن تتنازل عن الطعن بعد رفعه أما باقي الخصوم فلهم أن يتنازلوا عن الطعن سواء بعد رفعه أو قبل رفعه ولو كان ذلك قبل انقضاء المواعيد (المادة ۲۷۹) .

أما فيما يتعلق بإجراءات المحاكمة على العموم فقد أدخل المشروع بعض تعديلات ، منها طريقة إعلان المحبوسين وتحرير تقارير طعنهم في الأحكام والأوامر (المواد ۱۵۲ وما بعدها) والقواعد التي أدخلت بهذا الشأن هي المقررة الآن بالأمر العالي الصادر في ٢٤ مايو سنة ۱٩٠١، ومنها جواز دخول المسئول عن الحقوق المدنية في الإجراءات (المادة ١٥٥) ، والنص على جواز تحليف المدعي بالحقوق المدنية اليمين وسماعه كشاهد في حالة ما إذا طلب هو ذلك أو دعته المحكمة اليه (المادة ١٦٩) ، وحكمة هذا النص ظاهرة في أن المجني عليه قد يكون هو الشاهد الوحيد في الدعوى فترى المحكمة لكي تطمئن إلى أقواله أن يؤيدها بالقسم. ومنها النص على حظر رد الشهود مع تخويل طائفة منهم حق الامتناع عن الشهادة كالأقارب والأصهار للدرجة الثانية ألخ (المادة ١٧٢) وقد احتاط المشروع في الوقت نفسه ، تحقيقا لحسن سير العدالة ، فلم يجز الامتناع عن الشهادة إذا كان الممتنع هو المجني عليه في الجريمة أو المبلغ عنها أو كان مدعيا بحق مدني أو كانت الجريمة وقعت إضراراً بقريب آخر من الأقرباء أو الأصهار المذكورين أو إذا مست الحاجة لسماع الشهادة لعدم وجود دليل آخر على الجريمة أو كان الدليل القائم غير كاف . ونص على أنه يجوز للأشخاص المؤتمنين على أسرار معاقب على افشائها أن يمتنعوا عن أداء الشهادة عنها إلا إذا أذن لهم بالشهادة من استودعهم السر ( المادة ۱۷۳) . ونص من جهة ثالثة على عدم جواز سماع شهادة الموظفين عن الوقائع التي علموا بها بسبب وظائفهم إذا كانت مما يجب أن يظل محوطاً بالكتمان لتعلقه بمصالح الدولة وذلك ما لم يأذنهم رئيسهم بالشهادة ( المادة ١٧٤ ) .

ومن أهم ما يتميز به المشروع تشدّده في ضمان علانية وشفوية المحاكمة وفي ألا تبني المحاكم الجنائية أحكامها إلا على ما يجرى أمامها في الجلسة من تحقيقات في مواجهة الخصوم . وهو في سبيل ذلك قد حرص على عدم جواز الاعتماد على التحقيقات الابتدائية أو الاستدلالات إلا إذا كان ما جاء بها قد تلي علنا في الجلسة في الحدود والقيود التي نص عليها والتي روعي في تقريرها مواجهة ضرورات استثنائية تجعل تلاوة هذه الأوراق أمراً لابد منه نظراً لتعذر حضوره وقد استهدى المشروع في ذلك بقوانين تركيا وألمانيا والنمسا وغيرها من القوانين الأجنبية

والواقع أنه مادام الشاهد موجوداً يمكن حضوره أو إحضاره من غير أن يترتب على ذلك ضرر جسيم له أو تعطيل السير العدالة فإنه يتعين سماعه عملاً بالقاعدة العامة التي تقضي بأن تحقق المحكمة الدعوى بنفسها وان يكون تحقيقها هذا حضورياً أي في مواجهة الخصوم . أما أن تعتمد المحكمة على قوال شاهد في التحقيقات الابتدائية من غير أن تكون قد سمعته في الجلسة أو تليت أقواله فيها ومكن الخصوم من مناقشتها والرد عليها وتمحيصها ففيه إخلال ظاهر بأصول المحاكمات الجنائية . ولا شك أن تلاوة الأوراق في الجلسة لا تحقق من معنى العلنية والمواجهة ما يحققه حضور الشاهد شخصياً وسماع أقواله مباشرة أمام المحكمة ومناقشة الخصوم له . ومن ثم كانت القاعدة هي وجوب حضور الشهود والاستثناء هو تلاوة الأوراق المتضمنة أقوالهم في التحقيقات عند تعذر حضورهم. وقد بين المشروع حالات هذا الاستثناء على سبيل الحصر أما غير الشهود مثل آل الخبرة فإن حضورهم بذواتهم لا يزيد في قيمة ما يدونونه أو في تيسير استظهار الحقيقة كما هو الشأن في حضور الشاهد وسماعه أمام المحكمة وما يقال عن تقارير الخبراء ينطبق على محاضر المعاينات ونحوها مما تحرره سلطات التحقيق إثباتا لمشاهداتها (المادتان 186 و ۱۸۷) .

والأحوال التي أجيزت فيها تلاوة أقوال الشاهد في التحقيق هي : حالة وفاته أو إصابته بمرض عقلي أو سفره أو عدم معرفة محل إقامته وتعذر حضوره لأسباب هامة كالمرض وبعد الشقة وكذلك حالة امتناع الشاهد عن إداء الشهادة مع وجوب أدائها (المادة ۱۸۲)

وأجيزت أيضا تلاوة أقوال الشاهد أمام الخبير وأثناء جمع الاستدلالات في الأحوال المتقدمة كما أجيزت تلاوة أقواله في التحقيق إذا لم يحضر بعد تكليفه بالحضور تكليفا صحيحا (المادة ۱۸۳)

وأجيزت تلاوة أقواله لتذكيره بواقعة قرر أنه لا يذكرها أو لمواجهته بالتناقض بين ما قرره أمام المحكمة وبين ما قرره في التحقيقات (المادة ١٨٤) .

وضمانا لالتزام الحدود المتقدم ذكرها نص المشروع (المادة ۱۸۰) على أنه لا يجوز فيما عدا تلك الأحوال أن يبني الحكم على أقوال شهود فى محضر الاستدلالات أو شهاداتهم في التحقيق الابتدائي وإلا كان الحكم باطلا .

ومما يتصل بهذا الموضوع ما نصت عليه المادة ۱۷۷ من المشروع من أنه إذا رأت المحكمة تعذر تحقيق دليل أمامها كسماع شاهد ندبت لذلك أحد أعضائها أو قاضي التحقيق فان محضر هذا التحقيق يجب أن يتلى فى الجلسة تحقيقا لمعنى العلنية .

كذلك يتصل بهذا الشأن ما جاء في المادة ١٨٨ من أنه إذا طلب الى المتهم أثناء المرافعة إيضاح بعض الوقائع فامتنع أو أوضحها بما يخالف أقواله في التحقيق أو الاستدلالات جازت تلاوة أقواله فيها

ولما كان المتهم قد يصدر عنه في التحقيقات الابتدائية أو الاستدلالات الأولية اعتراف بالفعل المنسوب إليه فقد حرص المشروع على تنبيه المحكمة الى وجوب العناية والاحتياط في الأخذ به فنص (المادة ۱۸۹) على أنه لا يجوز الأخذ بهذا الاعتراف اذا رأت المحكمة أنه صدر عن وعد أو تهديد أو أية وسيلة أخرى قصد بها حمله على الاعتقاد بأنه قد يكون من وراء اعترافه فائدة يجنيها أو ضرر يتقيه

ويلاحظ أن المشروع قد أعطى الخصوم كامل الحرية في إثبات ما يهمهم إثباته من الوقائع المتعلقة بالدعوى تحت إشراف المحكمة التي لها أيضا من تلقاء نفسها سلطة تحقيق أي دليل تراه منتجاً في إظهار الحقيقة (المادة ١٦٧)

وتقرير هذا الحق نتيجة لازمة لمبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته وعدم تقيده في ذلك بما يتقيد به القاضي المدني (المادة ۱۸۵) ذلك المبدأ الذي راعاه المشروع الي أقصى حد حتى إنه اطرح من أجله وجوب اتباع قواعد الإثبات المدنية في المسائل المدنية المرتبطة بالدعوى الجنائية

وقد روعي لداعي الاقتصاد في الوقت ولعدم إطالة أمد التقاضي أن يباح للمحكمة قصر عدد المحامين الحاضرين مع المتهم أمامها على اثنين منهم فقط (المادة ۱۹۲) إذا رأت أن هذا العدد يحقق مصلحة الدفاع ولا يخل بحق المتهم فيه ، وقد استنبط هذا النص من القوانين الحديثة

ولما كان القانون الحالي قد اكتفى في أحكام بطلان الإجراءات بنصوص متفرقة بصدد مواضيع خاصة مما اضطر المحاكم والشراح إلى التماس معظم قواعد بطلان الإجراءات في قانون المرافعات بعد قياس الإجراءات الجنائية على الإجراءات المدنية في المواضع التي يصح فيها هذا القياس فقد حرص المشروع على تدارك هذا النقص فعقد باباً خاصا لقواعد بطلان الإجراءات الجنائية جمع فيه هذه القواعد بعد تهذيبها على أساس ما استقر عليه الرأي الفقهي والقضائي وعلى هدى أحكام بعض القوانين الأجنبية فأصبحت بذلك بعيدة عن الغموض الذي كان يشوبها .

فقد عنى المشروع في المادة ۲۸۳ بالنص على وجوه البطلان المتعلقة بالنظام العام فذكر فيها ما تعلق منها بتشكيل المحكمة و بصفات القائمين بالقضاء أو بعمل النيابة العمومية وبضرورة تمثيل النيابة في الإجراءات الجنائية ومساعدة المتهم والدفاع عنه .

ونص في المادة ٢٨٤ على تصحيح الأخطاء المادية التي تقع في القرارات والأحكام وعلى إمكان إجرائه إما بمعرفة الجهة التي أصدرتها من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم

ونص في المادة ۲۸٥ على حق القاضي في الحكم ببطلان الإجراء من تلقاء نفسه ، كما نص فيها على أن النيابة العمومية وغيرها من الخصوم لا يجوز لهم التمسك بوجه بطلان تسببوا هم فيه أو لا مصلحة لهم فى التمسك به . كذلك تقرر أن بطلان الإجراء يزول إذا أدى الاجراء الغرض منه بالنسبة لجميع الخصوم كما يزول إذا قبل صاحب المصحة في البطلان آثار الاجراء ولو قبولاً ضمنياً. كذلك إذا وقع الإجراء الباطل في حضور المتهم بالتحقيق الابتدائي أو في حضور المدافع عنه أمام محكمة الجنايات أو الجنح فإن البطلان يزول بعدم اعتراض عليه من المنهم أو النيابة العمومية (المادة ٢٨٧) .

على أن المشروع لم يشترط وجوب تمثيل المتهم في الجلسة التي وقع فيها البطلان إذا كانت الواقعة مجرد مخالفة

ولما كان بطلان إجراءات التحقيق لا أهمية له في الواقع إلا من ناحية تأثيره على قيمة الأدلة أو الاجراءات المقدمة للمحكمة عند نظرها في الدعوى فقد نص المشروع على عدم جواز التمسك به إلا في الحدود المذكورة (مادة ۲۸۸) ، ومما يتصل بذلك بطلان ورقة التكليف بالحضور فان هذا البطلان يفقد حكمته إذا حضر المتهم بنفسه أو بوكيل في الأحوال التي يجوز له فيها التوكيل إذ يكون قد تحقق المقصود من هذا الإجراء بحضور المتهم .

ولذلك نص المشروع على أن حضور المتهم أو وكيله يزيل ما في ورقة التكليف من بطلان ، على أن يكون للتهم في هذه الحالة طلب تأجيل نظر القضية وتنبغي إجابته إلى ذلك إذا كان بطلان ورقة التكليف بالحضور ناشئا عن عدم مراعاة مواعيد التكليف بالحضور (المادة ٢٨٩)

وقد حددت قواعد الاختصاص المكاني فنص على أن الاختصاص الأصلي يكون لمحكمة محل وقوع الجريمة (المادة ٢٩٠) فإن لم يعرف فيكون المحكمة محل ضبط المتهم وإلا فلمحكمة إقامته (المادة ۲۹۱) وفيما يتعلق بالجرائم التي تقع خارج القطر يكون الاختصاص لمحكمة القاهرة إذا لم يتيسر الأخذ بقاعدة من القواعد السابقة (المادة ٢٩٢)

وقد عنى المشروع أيضا بتدبير وسيلة لفض تنازع الاختصاص بنوعيه السلبي والإيجابي سواء فيما بين سلطات التحقيق أو فيما بين سلطات الحكم . وذلك برفع الأمر إلى محكمة الاستئناف منعقدة بهيئة محكمة نقض و إبرام ( المادتين ٢٩٣ و ٢٩٤)

ومما استحدثه المشروع نصه على أنه إذا حكمت محكمة الجنح بعد نظرها في الدعوى والتحقيق فيها بعدم الاختصاص على اعتبار أنها جناية كان حكمها هذا بمثابة أمر بالإحالة على محكمة الجنايات ووجب أن يشتمل على البيانات الواجب ذكرها في أمر الإحالة ( المادة ۱۹۷) . وقد وفر هذا النص الوقت والعمل بتفادي إعادة القضية إلى سلطة التحقيق لتصدر أمرا بالإحالة فيها

وقد بين المشروع طريقة إيقاف الدعوى عند ظهور عته المتهم (المادتين ۲۹٥ و 296) وأوجب قياساً على الحبس الاحتياطي خصم المدة التي يقضيها المتهم محجوزاً في أحد محلات المجاذيب من مدة العقوبة التي قد يقضى بها عليه بعد شفائه

وأفرد المشروع بابا ( المواد ۲۹۷ وما بعدها ) فصلت فيه أحكام تسليم ما يضبط أثناء تحقيق الدعاوى الجنائية من اشياء وبينت فيه الجهات التي خول لها أن تقضي بهذا التسليم . وقد اهتدى المشروع في ذلك بما وضع في القوانين الأجنبية من القواعد التي قصد بها التيسير على الناس فى استرداد ما لهم من الأشياء التي استوجب ضبطها تحقيق القضايا الجنائية أو الحكم فيها من غير حاجة الى رفع دعاوى أمام المحاكم المدنية تكبدهم المشاق والنفقات وتخفيفاً لأثر الجريمة على المجنى عليه قد حرص المشروع على أن يمكنه من استرداد المال الذي خرج من يده بسببها بأسرع طريق . وروعي في الوقت نفسه ألا تزدحم دور المحاكم بأشياء لم يبق موجب لحفظها بها .

والتسليم و إن اعتبر بمقتضى النصوص الواردة في المشروع صحيحا فإنه لا يمنع أولى الشأن من المطالبة بحقوقهم أمام المحاكم المدنية المختصة . على أنه إذا كان التسليم قد أمرت به المحكمة الجنائية بناء على طلب المجنى عليه الذي ادعى بحقوق مدنية فإن هذا يمنعه هو والمتهم من الالتجاء بعد ذلك إلى المحاكم المدنية (المادة ٢٩٩).

أما المصاريف (المواد ۳۰۲ وما بعدها) فقد جرى المشروع على قاعدة إلزام المتهم بها متى ثبت ارتكابه للجريمة وذلك وفقا لما هو مقرر في معظم القوانين الأجنبية واتباعا للقاعدة المقررة في المواد المدنية لأن المتهم يجب أن يتحمل المصاريف التي تسبب فيها بارتكابه الجريمة التي اقتضت تلك المصاريف . وقد بين المشروع القواعد والأحكام المختلفة الخاصة بالمصاريف .

وليس فيما ذكره القانون من قواعد تنفيذ العقوبات ما يستحق الإشارة إليه بصفة خاصة إلا نصه على عدم جواز التنفيذ بالإكراه البدني على من حكم عليهم مع إيقاف التنفيذ ولا على المجرمين الأحداث (المادة ٣٢٦) ولولا ذلك لضاعت الفائدة من إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس التي حكم بها مع الغرامة أو المصاريف . أما الأحداث فالغالب أن لا مال لهم حتى يكرهوا على التنفيذ فيه فضلا عما في حبسهم من الخطر عليهم .

وقد أجاز المشروع تأجيل تنفيذ العقوبة المقيدة للحرية على الحبلى إلى ما بعد وضع حملها (المادة ۳۱۷) وأوجب وقف التنفيذ إذا أصيب المحكوم عليه بمرض خطر على حياته (المادة ۳۱۸) كما أوجب إيداع من يجن من المحكوم عليهم في محل المصابين بالأمراض العقلية مع خصم المدة التي يقضيها في هذا المحل من العقوبة (المادة ۳۱۹) وروعي في هذا وذاك عوامل الرحمة ودواعي الرفق والإنسانية . وأجيز تسديد العقوبات المالية على أقساط في الأحوال الاستثنائية التي تدعو إلى قبول عذر المحكوم عليهم (المادة ۳۲۳) وأوجب المشروع تحقيقا للعدالة خصم مدة الحبس الاحتياطي من مقدار العقوبة التي يحكم بها على المتهم أيا كانت (المادتين ٣١٦ و ٣٢٥) . وقد عالج المشروع ما تضاربت فيه الآراء بشأن الجهة التي تختص بالفصل في النزاع الذي يقع بين النيابة والمحكوم عليه في تنفيذ الأحكام الجنائية فنص في المادة ٣٣٢ على أن كل إشكال وكل نزاع في التنفيذ بين النيابة العمومية والمتهم يطرح أمام المحكمة التي صدر منها الحكم المتعلق به هذا الخلاف واحتاط المشروع فنص على أنه إذا كان الإشكال قد نشأ بعد انفضاض دور انعقاد محكمة الجنايات فانه يطرح أمام محكمة الجنح وذلك كي لا يتعطل الفصل في النزاع مع أن له بطبيعة الحال صفة الاستعمال .

وقد عنى المشروع بوضع باب خاص بسقوط العقوبة بالتقادم نص فيه على أن هذا التقادم ينقطع بالقبض على المحكوم عليه وبكل عمل من أعمال التنفيذ علم به المحكوم عليه (المادة ٣٣٤) وينقطع أيضا إذا ارتكب المحكوم عليه خلال المدة جريمة من نوع الجريمة المحكوم عليه من أجلها (المادة ٣٣٥) وهذا تعديل طالما نادى به المشتغلون بالعلوم الجنائية وقد قرره كثير من القوانين الحديثة لأنه لا محل لأن يتسامح المجتمع في تنفيذ العقوبة بمضي وقت لم يرتدع فيه المتهم بل تمادى فى الإجرام والإساءة إليه .

وقد أورد المشروع قواعد الإفراج تحت شرط (المواد ٣٣٧ وما بعدها) وهي في عمومها القواعد المذكورة في لائحة السجون الصادر بها الأمر العالي في 9 فبراير سنة ١٩٠١ ، ولم يجز المشروع منح هذا الإفراج إلا إذا كان المحكوم عليه قد قام بجميع التزاماته المدنية المترتبة على الجريمة وذلك ما لم يثبت فقره (المادة ٣٤٠) وقد روعى فى ذلك أنه ليس من العدل أن يتمتع الجاني بحريته كاملة على مرأى من المجني عليه قبل أن يكفر عن ذنبه ويعوض الضرر الذي أحدثه . ومما أخذه المشروع عن بعض القوانين الحديثة وجوب إشراف السلطة القضائية على الافراج عن المحكوم عليهم قبل تمام تنفيذ العقوبة فنص فى المادة ٣٣٩ على أن وزير الداخلية يأمر بهذا الإفراج بناء على طلب مفتش عام السجون وموافقة النائب العام كما نص في المادة ٣٤٢ على أن وزير الداخلية يأمر بالغاء أمر الإفراج بناء على طلب المحافظ أو المدير وموافقة النائب العام . وأجيز للنائب العام أن يأمر بالقبض موقتاً على من أفرج عنه تحت شرط وعليه في هذه الحالة أن يطلب قرار الوزير في ظرف خمسة عشر يوما بحيث اذا انقضى هذا الزمن ولم يلغ أمر الإفراج يخلى سراح المقبوض عليه (المادة ٣٤٣)

كذلك خصص المشروع بابا لإعادة الاعتبار أورد فيه (المواد ٣٤٥ وما بعدها) أحكام المرسوم بقانون رقم ٤١ لسنة ١٩٣١ ولم يخالفه إلا في جعله الفصل في طلب رد الاعتبار من اختصاص المحكمة الابتدائية التي يقيم في دائرتها الطالب وقد لوحظ في ذلك التيسير على الناس وعدم شغل محاكم الجنايات بكثرة الطلبات لا سيما وهي لا تعقد إلا في أدوار محددة

الاثنين، 17 أغسطس 2026

تقرير لجنة الحقانية عن مشروع قانون تحقيق الجنايات المختلط 1937

مضابط مجلس الشيوخ ملاحق عام 1937 ص 645

ملحق رقم ١٤٦

جلسة يوم الاثنين ١٨ جمادى الأولى سنة ١٣٥٦

( ٢٦ يوليه سنة ١٩٣٧ )

تقرير لجنة الحقانية

عن مشروع قانون تحقيق الجنايات المختلط

المقرر حضرة الشيخ المحترم الأستاذ عبد الرحمن البيلي )

بحثت لجنة الحقانية بجلستي ۲۱ و ۲۳ يوليه سنة ١٩٣٧ مشروع هذا القانون بحثا تمهيديا وحضر الجلسة الأولى حضرة الأستاذ المحترم محمد صبري أبو علم الوكيل البرلماني لوزارة الحقانية . ثم أحال المجلس على اللجنة بجلسة ٢٥ يوليه سنة ۱٩٣٧ مشروع هذا القانون فنظرته بجلسة ٢٥ يوليه سنة ١٩٣٧ وأقرته وفيما يلي تقريرها عنه :

استقرت أمور مصر السياسية بمعاهدة التحالف والصداقة التي أبرمت في العام الماضي واستردت سيادتها التشريعية الكاملة بعقد معاهدة مونترو قدمت لها مظاهر الاستقلال والسيادة والسلطان جميعا

ولا يسع اللجنة . وهي بصدد أول تشريع تصدره الحكومة المصرية ليسرى على كافة ساكنيها من الأجانب . إلا أن تغتبط أشد الاغتباط بجنى أولى ثمرات السيادة وأتم مظاهر السلطة التشريعية باستصدار مشروع قانون تحقيق الجنايات. هذا القانون الذي وضع على أحدث النظم القضائية العصرية والذي كفل للمتقاضين والمجتمع أكبر الضمانات وأوفاها حتى ليمكن القول بأن هذا التشريع مما تفخر به مصر ويعتر به القضاء سواء في مبادئه أو إجراءاته أو ضماناته

وقد جاء هذا المشروع وافياً بالغرض ومحققاً للعدالة مع مطابقته لروح العصر وتمشيه مع أحدث المبادئ والنظم المعمول بها في الدول الراقية وخاصة ما تضمنه من تبسيط الإجراءات والعمل بنظام قاضي التحقيق ، ليس هذا فحسب بل لقد تضمن المشروع أبوابا جديدة جاءت محققة لحسن مدير العدالة فوضع حدا لمسائل متنوعة كانت مثار خلافات ومنازعات كما استحدث أبوابا جديدة وعمل على تنظيم كثير من شؤون التحقيق والإجراءات تفاديا من التقصير وطمعا في الوصول إلى الحق من أقرب سبيل

وقد أدخلت لجنة الحقانية بمجلس النواب بعض تعديلات على مشروع القانون ووافق عليها حضرة مندوب وزارة الحقانية وأقرها مجلس النواب وتناولت هذه التعديلات المواد التالية

المادة 7 - حذفت الفقرة الأولى من المادة السابعة من المشروع وكانت تتناول القيود التي وضعها الشارع لصحة قبول تنازل الشاكي عن شكواه حتى يترك الأمر إلى السلطات المختصة وأن يكون التنازل بأي طريقة تثبت حصوله

وألحقت الفقرة الثانية من المادة السابقة إلى المادة السادسة لتكون فقرة أخيرة لها

المادة ٤٤ حذفت الفقرة الأخيرة من هذه المادة لما فيها من المخالفة الواضحة لنصوص الدستور ولما في ذلك من انتهاك حرمات المنازل والتجسس على أسرار العائلات فضلا عن أن هذا العمل لا ترجى منه فائدة تبلغ الحد الذي يبرره

المادة ٨٦ - أضيف القيد التالى على المادة وهو " ذلك بعد سماع أقوال النيابة العمومية في جميع الأحوال .

المادة ١٦٧ - استبدلت كلمة " رقابة " بكلمة " إشراف " .

المادة ١٩٢ حذفت وأصلها " يجوز للمحكمة أن تقصر عدد المدافعين عن المتهم على اثنين أثناء المرافعة متى رأت لزوما لذلك

المادة ٢٠٥ - استبدلت عبارة يعتبر حضوريا بعبارة "لا تجوز فيه المعارضة "

المادة ٢٠٦ - أضيفت العبارة التالية للمادة ويجوز له أن يعارض في الحكم اذا ثبت قيام عذر منعه عن الحضور أو إرسال وكيل" .

المادة ٢١٦ - استبدل لفظ " عدا " بلفظ " فضلا عن " .

المادة ٢٢٠ - حذفت العبارة التالية " ويجوز للمحكمة في حالة الحكم على المتهم أن يحكم عليه في حدود القانون بعقوبة أشد من الغرامة التي قضى بها الأمر .

المادة ٢٣٢ - استبدلت الفقرة الأولى من المادة بالفقرة الآتية : صورة من أمر الإحالة قبل الجلسة بعشرة أيام كاملة وورقة التكليف بالحضور قبل الجلسة بثلاثة أيام كاملة وذلك خلاف مواعيد المسافة ".

المادة ٢٥٠ استبدلت عبارة " ولا تزاد على هذه المدة مواعيد المسافة بعبارة " وذلك خلاف مواعيد المسافة " وذلك في آخر الفقرة الأولى من المادة .

ومما اشتمل عليه القانون من المبادئ الجديدة إلغاء حق رفع الدعوى مباشرة من المدعي بالحق المدني إقرارا لمبدأ حصر الدعوى العمومية في يد النيابة . فلا يباح رفعها مباشرة من المدعي المدني كيلا تتخذ الدعوى المباشرة وسيلة للتشهير أو سلاحاً للتنكيل ، ولم يفته في هذه النقطة أن يدع الأمر هملا بل رأى احتياطياً لحق المجني عليهم المدعين بالحق المدني أنه إذا رأت النيابة ألا محل للسير في الدعوى أن ترفع الأمر لقاضي التحقيق وقراره محل معارضة أمام غرفة المشورة .

وتلك جميعها ضمانات وكفالات قررها المشروع لأطراف الخصومة بما يصون مصالحهم المختلفة

نظم المشروع كذلك قيام الدعوى المدنية إلى جانب الدعوى العمومية تنظيماً يحمل المدعي الجاد على ملاحظة دعواه . فإذا غاب بعد إعلانه يعتبر تاركا لها ولا تقبل معارضته في الحكم الغيابي واعتبر تنازله عن دعواه أمام المحكمة الجنائية مانعاً من رفع الدعوى أمام المحكمة المدنية إلا إذا احتفظ بحقه في ذلك صراحة وهذا جميعه حث له على متابعة الخصومة .

وعني المشروع أيضاً عناية خاصة بمسألة الاختصاص وقسم ذلك تقسيما يحقق سرعة الفصل فيها بألا يتنافر مع استعمال وسائل الدفاع مجتمعة فجعل للقاضي الفرد حق الفصل في المخالفات والجنح قليلة الأهمية ( وهي التي عقوبتها الحبس لثلاثة شهور أو الغرامة لغاية عشرة جنيهات ) .

وأدخل عليها نظام الأمر الجنائي تستصدره النيابة من القاضي بالغرامة لغاية مائة قرش وينفذ هذا الأمر على المتهم وتنتهي به الدعوى ما لم يعارض فيه المتهم ويطلب نظر دعواه بالطريق العادي. أما باقي الجنح فتنظرها هيئة مكونة من ثلاثة قضاة وتفصل فيها نهائياً كما تفصل هذه الهيئة في استئناف الأحكام التي يصدرها القاضي الفرد ، أما تنظيم محاكم الجنايات فقضى المشروع بتشكيلها من خمسة قضاة ثلاثة منهم على الأقل من بين مستشاري محكمة الاستئناف وحظر عليها إصدار الأحكام الغيابية لما في ذلك بعد المعارضة من تكرار لا مبرر له في الإجراءات بل جعل لها حق إجراء التدابير التي من شأنها إكراه المتهم على الحضور أمامها كالحكم عليه فرعياً بالغرامة أو بالحبس وكتعيين حارس على أمواله يمنع المتهم من التصرف فيها، كل هذا مع مواصلة تعقبه وجعل اتخاذ أي إجراء من هذه الإجراءات مانعاً من سريان المدة المسقطة للعقوبة .

كما أحاط المشروع الطعن في الأحكام بضمانات واسعة المدى جمعت بين تحقيق الغرض منها وسرعة الفصل فيها مع أنه لا يحكم غيابياً على المتهم إلا بعد التثبت من وصول الإعلان إليه فإن ميعاد المعارضة لا يبدأ إلا من تاريخ إعلانه شخصياً بالحكم أو علمه بالتنفيذ ، وفيما يخص بالاستئناف أوجب أن يعلن المستأنف يوم التقرير بالجلسة التي تحدد لنظره وتلك ميزة فوق ما فيها من إسراع بالفصل في الاستئناف فإن فيها أيضا توفيراً للنفقات التي يتطلبها الاعلان والجهود التي تبذل في سبيله والمصالح التي تعطل بسببه. كما استحدث المشروع الاستئناف الفرعي لجميع أطراف الخصومة عندما يستأنف أحدهم وفي هذه الحالة يمتد الميعاد خمسة أيام أخرى وهي مدة كافية ليعلن المستأنف الفرعي رأيه ويحدد مركزه .

أما فيما يتعلق بالنقض فقد قضى المشروع على علة كانت ولا تزال ظاهرة في تحديد الموقف القانوني عند عدم ختم الحكم في ميعاد الثمانية أيام المحددة لهذا الغرض فلم يعلق على هذا الإجراء الآلي أي أثر سوى أن يتخذ المتهم محلاً مختاراً له يخطر به قلم الكتاب فيعلنه فيه بالحكم عند ختمه ومن تاريخ هذا الإعلان يبدأ ميعاد النقض وبذلك تلافى نقصا وسد بابا لتسويف .

وقرر المشروع فى هذا الباب أحكاما عادلة منها أن قبول الطعن بالنسبة للطاعن يستفيد معه من كان مساوياً له في المركز ولو لم يقدم طعناً

وكذا قرر مبدأ الحكم بالمصاريف على المتهم المدان وعلى من يخسر أي طعن يتقدم به.

وقرر كذلك أن المحكمة الجنائية ليست مقيدة بالدعوى المدنية إذا كانت تعطل الدعوى الجنائية بل لها أن تتخلى عنها وتكلف الخصوم رفعها للمحكمة المدنية .

ولما كان القاضي الجنائي يحكم في المسائل الجنائية باقتناعه فقد حاله المشروع من التقيد بالأحكام المدنية وعلى الأخص لأن النيابة لم تكن طريق في التعاقد حتى تطالب بالدليل المدني . ولذلك نص على أن يتبع في المسائل المدنية التي تعرض في القضايا الجنائية قواعد الإثبات الجنائية . وأن الأحكام الجنائية هي التي تقيد المحكمة المدنية ولو كانت صدرت بناء من قواعد الإثبات الجنائية

ولم يدع المشروع أمر الجريمة معلقا إلى ما لا نهاية بل رأى أن لا تتجدد مدة السقوط مهما تكررت كلما اتخذ إجراء قاطع لأكثر من نصفها في مواد الجنايات والجنح ولأكثر من ستة شهور في مواد المخالفات كما أوضح الإجراءات القاطعة بأن منها إجراءات الاستدلال ورفع الدعوى المدنية التي نص على عدم جواز رفعها أمام المحكمة الجنائية إذا كانت الدعوى العمومية قد سقطت بمضي المدة كما نص على انقطاع التقادم بالقبض على المحكوم عليه وبكل عمل من أعمال التنفيذ علم به المحكوم عليه وبارتكابه جريمة مماثلة .

وقد وافقت اللجنة بإجماع الآراء على مشروع هذا القانون بالصيغة الواردة من مجلس النواب . وهي تتشرف برفع تقريرها إلى هيئة المجلس الموقرة الموافقة عليه .

رئيس اللجنة

كامل إبراهيم



الطعن 14378 لسنة 93 ق جلسة 27 / 9 / 2025

محكمة النقض

الدائرة المدنية

دائرة السبت (ج) المدنية

محضر جلسة

برئاسة السيد القاضي / عبد الفتاح أحمد أبو زيد نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / أشرف الكشكي ، وليد عثمان ، طارق أبو رية و أحمد البكري الصادق " نواب رئيس المحكمة "

بحضور السيد أمين السر / محمد جمال .

في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .

أصدرت القرار الآتي :

في يوم السبت 5 من ربيع الآخر سنة 1447ه الموافق 27 من سبتمبر سنة 2025م .

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 14378 لسنة 93 ق .

المرفوع من

- ............. . المقيم / ........ز - بندر ديروط .

ضد

- ........... . المقيمة / .......... - بندر ديروط - محافظة أسيوط

---------------

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة :-

لما كان من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن الحكم الصادر بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى والإحالة هو حكم منه للخصومة أمام المحكمة التي أصدرته ، فإذا لم يطعن الخصوم في هذا الحكم بطرق الطعن المقررة قانونا فإن قضاءها في هذا الشأن يحوز قوة الأمر المقضي ، ووجوب تقيد المحكمة المحال إليها به وامتناعها والخصوم عن معاودة الجدل ولو كان قد خالف صحيح القانون. لما كان ذلك؛ وكان البين من الأوراق أنه سبق صدور الحكم الصادر في الاستئناف رقم ۱۷۳۹ لسنة ٩٦ ق في الدعوى ، القاضي بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به - من اختصاص محكمة ديروط لشئون الأسرة نوعيا بنظر الدعوى - وإحالتها إلى محكمة ديروط الكلية المختصة لنظرها ، وكان ذلك الحكم هو حكم منه للخصومة يجوز الطعن عليه استقلالا ، وإذ لم يقدم الطاعن الدليل على أنه قد طعن على هذا الحكم وخلت الأوراق مما يفيد ذلك، فإن مسألة الاختصاص النوعي تكون قد حسمت ولا محل لمناقشة تلك المسألة أخذا بحجية الأمر المقضي ويكون النعي في هذا الشأن غير مقبول. وكان من المقرر أن لقاضي الموضوع السلطة التامة في فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة والمستندات المقدمة فيها بما في ذلك آراء أهل الخبرة والموازنة بينها وترجيح ما يطمئن إليه منها متى كان استخلاصه سائغا له أصله الثابت بالأوراق وهو غير ملزم بالرد استقلالا على كل قول أو حجة أو مستند يقدمه الخصوم مادام في الحقيقة التي اقتنع بها وأورد دليلها الرد الضمني المسقط لما عداها. لما كان ذلك ، وكان البين من الحكم المطعون فيه أنه قضى بإلزام الطاعن برد فارق قيمة المصوغات الذهبية للمطعون ضدها بالمبلغ الذى قدره بما تمثله تلك القيمة من تغير وفقا لسعر سوق الذهب ، على ما خلص إليه من أوراق الدعوى من أن المطعون ضدها سبق وأن تحصلت على الحكم رقم ۳۸۲۰ لسنة ۲۰۱۷ جنح مستأنف ديروط بإلزام الطاعن برد قيمة قائمة أعيان منقولاتها الزوجية ومنها المصاغ الذهبي، وإذ عرض الطاعن قيمة القائمة اثناء تلك المحاكمة ، والتي اثبت بمحضر جلستها ، حفظ حقها بفرق سعر الذهب ، ولدى تعذر الرد العيني له فمن ثم ألزمته برد قيمتها وفقا للسعر السوقي لدى التنفيذ ، وبالسعر الذي ارتضيته وفق افادة مصلحة الدمغة والموازين في ذلك الشأن ، رغم إنه أقل من أسعار الذهب المنشورة على شبكة المعلومات الدولية كون سعر الذهب متغير بصفة دورية متجددة ، وكون الحكم انف الذكر لم يحدد سعرا معينا للمصوغات الذهبية المقضي بردها. وأن الطاعن لم يثبت براءة ذمته بالمتبقي من فارق السعر ، وكان ما خلص إليه الحكم سائغا وله أصله الثابت بالأوراق ويكفي لحمل قضائه ، ومن ثم يضحى النعي عليه في هذا الشأن جدلا فيما تستقل به محكمة الموضوع بتقديره مما لا يجوز إثارته أمام هذه المحكمة ومن ثم غير مقبول.

لذلك

قررت المحكمة - في غرفة مشورة - بعدم قبول الطعن ، وألزمت الطاعن بالمصروفات مع مصادرة الكفالة.

الطعن 24735 لسنة 94 ق جلسة 3 / 5 / 2026

محكمة النقض

الدائرة المدنية

دائرة الأحد ( ج )

برئاسة السيد المستشار/ بدوى إبراهيم عبد الوهاب " نائب رئيس المحكمة " وعضوية السادة المستشارين/ مصطفى عز الدين صفوت ، هشام محمد عمر ، عبدالله عبدالمنعم عبدالله و د/ مصطفى محمد الجابرى " نواب رئيس المحكمة "

والسيد أمين السر / إسماعيل فوزى .

في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .

أصدرت القرار الآتي

في يوم الأحد 16 من ذو القعدة سنة 1447 ه الموافق 3 من مايو سنة 2026 م .

في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 24735 لسنة 94 القضائية.

المرفوع من

‏- ........ .المقيم / مركز بلقاس – محافظة الدقهلية .

ضد

‏- .............المقيمة / ..... - بلقاس – محافظة الدقهلية

عرض الطعن في غرفة مشورة وبعد المداولة صدر القرار الآتي :

------------

المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق والمداولة .

لما كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى رفض دفع الطاعن بعدم اختصاص المحكمة نوعيا بنظر الدعوى واختصاص محكمة الأسرة تأسيسا على أن الاختصاص النوعي للمحكمة الأخيرة قد تحدد على سبيل الحصر وليس منه التعويض عن تبديد المنقولات الزوجية ، وأن موضوع الدعوى الراهنة هو التنفيذ بطريق التعويض لاستحالة التنفيذ العيني للحكم النهائي رقم 502 لسنة ۲۰۲۲ أسرة بلقاس الصادر لصالح المطعون ضدها بإلزام الطاعن برد منقولاتها الزوجية ومصاغها الذهبي والذي تبين تبديدها وفق الثابت بمحضر التنفيذ رقم ۲۳۱۰ لسنة ۲۰۲۳ ، ومن ثم فإن النزاع - بهذه المثابة مما يدخل في نطاق اختصاص المحاكم المدنية العادية ويخرج عن كونه من المنازعات التي تدخل في نطاق ولاية محاكم الأسرة، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد وافق صحيح القانون، وعما يثيره الطاعن من أن طلبات المطعون ضدها هي المطالبة بقيمة المنقولات الزوجية والمصاغ الذهبي والتعويض المادي والأدبي عن إطالة أمد التقاضي في الحصول عليهم أو قيمتهم، فهو نعى غير صحيح إذ أن طلباتها قد تحددت ابتداء بطلب التعويض، ومن ثم يضحى والطعن برمته غير مقبول .

لذلك

قررت المحكمة : عدم قبول الطعن وألزمت الطاعن المصروفات ومبلغ مائتي جينه مقابل أتعاب المحاماة مع مصادرة الكفالة .

الطعن 3139 لسنة 68 ق جلسة 20 / 12 / 2010

برئاسة السيد المستشار / عبد الجواد هاشم فراج نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين / عادل عبد الحميد , محمد محسن غبارة نائبي رئيس المحكمة وصلاح أبو رابح , أمين طنطاوى محمد

بحضور السيد رئيس النيابة / ياسر الجوهرى .

أمين السر السيد / طارق عبد المنعم

----------------

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد القاضي المقرر / محمد محسن غباره والمرافعة وبعد المداولة .

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية .

وحيث إن الوقائع على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق تتحصل بالقدر اللازم للفصل فى الطعن فى أن المطعون ضدها أقامت على الطاعن الدعوى التى صار قيدها برقم 98 سنة 1997 مدنى محكمة الزقازيق الابتدائية " مأمورية منيا القمح " بطلب الحكم بإلزامه بأن يؤدى لها 18937 جنيها قيمة المنقولات الزوجية فضلاً عن التعويض

المادى والأدبى لما لحقها من أضرار من جراء تبديده المنقولات وقالت بياناً لذلك إن الطاعن تسلم منقولاتها الزوجية على سبيل الأمانة إلا أنه اختلسها لنفسه , وتحرر عن الواقعة المحضر رقم 1269 سنة 1993 جنح منيا القمح أدين فيه بحكم جنائى بات , فقد أقامت الدعوى بمطلبها سالف البيان , حكمت المحكمة بإلزام الطاعن بأن يؤدى للمطعون ضدهما مبلغ 2500 جنيه تعويضاً مادياً وأدبياً وبعدم قبول باقى الطلبات لرفعها قبل الأوان بحكم استأنفه الطاعن بالاستئناف رقم 1885 سنة 40 ق لدى محكمة استئناف المنصورة مأمورية الزقازيق وبتاريخ 13 / 1 / 1998 قضت المحكمة بتعديل الحكم المستأنف بإلزام الطاعن بأن يؤدى للمطعون ضدها مبلغ 13437 جنيهاً قيمة المنقولات والتأييد فيما عدا ذلك , طعن الطاعن فى هذا فى هذا الحكم بطريق النقض , وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأى بنقض الحكم المطعون فيه , وإذ عرض الطعن على المحكمة فى غرفة مشورة حددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها .

وحيث إن حاصل ما ينعاه الطاعن بسببى الطعن على الحكم المطعون فيه الخطأ فى تطبيق القانون والفساد فى الاستدلال إذ قضى بإلزامه بأن يؤدى للمطعون ضدها قيمة المنقولات الزوجية استناداً إلى حجية الحكم الجنائى الصادر فى القضية رقم 1269 سنة 1993 جنح منيا القمح فى حين أن هذا الحكم ليس باتاً لقيامة باستئنافه وقضى غيابياً بتأييده , كما أنه لا يصار إلى التنفيذ بطريق التعويض ما دام أن التنفيذ العينى ممكناً وقد قام بعرض المنقولات على المطعون ضدها ورفضت استلامها حسبما يبين من تحقيقات الجنحة المشار إليها وإذ قضى الحكم المطعون فيه على خلاف ذلك فإنه يكون معيباً بما يستوجب نقضه .

وحيث إن هذا النعى فى محله ذلك أن مؤدى نص المادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية و102 من قانون الإثبات وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن الحكم الصادر فى المواد الجنائية لا تكون له حجية فى الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية إلا إذا كان قد فصل فصلاً لازماً فى وقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفى الوصف القانونى لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله وأن النص فى المادة 203 / 1 من القانون المدنى على أن " يجبر المدين بعد إعذاره على تنفيذ التزامه عيناً متى كان ذلك ممكنا .... " وفى المادة 115 منه على أنه " إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عينا حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه .... " يدل على أن الأصل هو تنفيذ الالتزام تنفيذاً عينياً متى كان ذلك مكنا ولا يصار إلى التنفيذ بطريق التعويض إلا إذا استحال التنفيذ العينى بخطأ المدين أو كان هذا التنفيذ مرهقاً له دون أن يكون العدول عنه ضاراً بالدائن ضرراً جسيما , فإذا لجأ الدائن إلى طلب التعويض وعرض المدين القيام بتنفيذ التزامه عيناً وكان ذلك ممكنا وجاداً انتفى من هذا التاريخ موجب التعويض من عدم التنفيذ سواء قبل الدائن ذلك التنفيذ أو لم يقبله وأن الأصل أن الدائن لا يكون له الجمع بين التنفيذ العينى والتنفيذ بطريق التعويض إلا أنه إذا تأخر المدين فى تنفيذ التزامه عيناً فإن ذلك الأصل لا يخل بداهة بحق الدائن فيما يجب له من تعويض عما لحقه من أضرار بسبب هذا التأخير إذ لا يكون عندئذ قد جمع بين تنفيذ الالتزام عيناً وتنفيذه بطريق التعويض عن فترة التأخير . لما كان ذلك , وكان البين من الأوراق أن الحكم الجنائى رقم 1269 سنة 1993 جنح منيا القمح المؤيد بالاستئناف رقم 1345 سنة 1993 جنح مستأنف منيا القمح وأن كان قضى بمعاقبة الطاعن بالحبس شهراً مع الشغل والايقاف إلا أنه سجل فى مدوناته أن الطاعن قام بعرض المنقولات الزوجية بموجب إنذار عرض جاء مطابقاً لمحضر الجرد الذى قام به المحضر مع قائمة المنقولات إلا أن المطعون ضدها رفضت الاستلام وهو ما يفيد أن الحكم الجنائى رغم صدوره إلا أنه لم يفصل فى الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية , وأن الطاعن قد عرض على المطعون ضدها التنفيذ العينى الذى كان ممكناً وإذ قضى الحكم المطعون فيه على خلاف ذلك وألزم الطاعن بقيمة المنقولات الزوجية , ودون أن يعنى ببحث إمكانية التنفيذ العينى وجديته , واستحالته بخطأ المدين , وأثر كل ذلك فى الدعوى , فإنه يكون معيباً بما يستوجب نقضه .

لذلك

نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه وأحالت القضية إلى محكمة استئناف المنصورة " مأمورية الزقازيق " وألزمت المطعون ضدها المصاريف ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة .

قرار وزير العدل 9563 لسنة 2015 بإنشاء دوائر تختص بجرائم العنف بكافة أنواعه ضد المرأة والطفل

جمهورية مصر العربية

وزارة العدل

مكتب الوزير

قرار

وزير العدل

رقم (9563) لسنة ٢٠١٥ .

وزير العدل

بعد الإطلاع على قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بالقانون رقم (٤٦) لسنة ۱۹۷۲ وتعديلاته

وعلى نص المادة (۱۳) من ذات القانون " لوزير العدل أن ينشئ بقرار منه محاكم جزئية بعد موافقة الجمعية العامة للمحكمة الابتدائية ويخصها بنظر نوع معين من القضايا ويبين في القرار مقر كل محكمة ودائرة اختصاصها " .

وعلى كتاب السيدة المستشارة / مساعد وزير العدل لشئون المرأة والطفل

قرر

( المادة الأولي )

تنشأ في كل محكمة جزئية وبالمحاكم الابتدائية دائرة تختص بنظر جميع القضايا الخاصة بجرائم العنف بكافة أنواعه ضد المرأة والطفل وما يشكل في قانون العقوبات من جرائم معاقب عليها بعقوبة الجنح

( المادة الثانية )

علي الإدارات المختصة تنفيذ هذا القرار .

مدرنی :  29 / 1 / 2015

وزير العدل

المستشار/

الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني / نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد طلعت الغنيمي

نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي

الأستاذ الدكتور محمد طلعت الغنيمي

أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام كلية الحقوق - جامعة الإسكندرية

القانون الإنساني والقانون الإنسانوي :

حديثي هذا في القانون الدولي الإنساني الإسلامي . والحديث في شرع الله يطول ولا يمكن أن تحيط به الأفهام والعقول فهو البحر الزاخر والفيض الهادر . فأنى لفرد أن يسبر أغواره وكيف لمدقق أن يجمع آثاره ، فحسبي من تقصيري صدق المحاولة ويغنيني في عجزي بعدي عن المطاولة ، وكما يقولون فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله . فماذا نقصد بالقانون الدولي الإنساني ؟ .

يجرى في لغة الفقه الدولي مصطلحان هما القانون الإنساني وحقوق الإنسان . وحقوق الإنسان عندي هي ( القانون الإنسانوي » فكما أن القانون الإنساني ينسب إلى الإنسانية فان القانون الإنسانوي ينسب إلى الإنسان . ويختلف الفقهاء حول مدلول الاصطلاحين

فهناك فريق يتوسع في التفسير فيقصد باصطلاح « القانون الإنساني » مجموعة القواعد الدولية التي تتضمن حرية شخص الإنسان ورفاهيته وبذلك يجمع تحت هذا الاصطلاح ( القانون الإنسانوي » ومنهم من يتخذ موقفا مقابلا فيرى أن اصطلاح ( القانون الإنسانوي » هو الأوسع مدلولا بحيث يندرج تحته ( القانون الإنساني » كذلك والحق أن هذا الجدل حول مدلول المصطلحات جدل نظري يكفي في حله أن نختار للمصطلح مدلولا نتفق عليه . وإنا استملح أن يكون لكل مصطلح معنى منفصل عن الآخر . فالقانون الإنساني عندي - وفي هذا العرض - هو القانون الذي يهتم بحقوق الإنسان وقت الحرب وأثناء النزاع المسلح ، والقانون الإنسانوي هو القانون الذي ينظم حقوق الإنسان زمن السلام .

وقد يحيك في الصدر حائك وأنا أتكلم عن القانون الدولي الإنساني الإسلامي ، كيف يتفق أن نميز في القانون الدولي الإسلامي فرعا نصفه بأنه إنساني في حين أن القانون الدولي الإسلامي كله قانون إنساني والإسلام من السلام . ولا أنكر أن هذه الحكاكة حاكت بصدري وأنا كذلك ولكني أزحتها لاعتبارات عارضة ، فأنا بصدد دراسة الاصطلاح جرى في لغة العصر على معنى فيه قصر . والحق أنه وان كان السلام روح الإسلام إلا أن السلام ليس هو الحقيقة الوحيدة في الاجتماع البشري الذي يعرف كذلك - وبضراوة - التنافس والتناحر، وفي هذا أذكر القول الكريم : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) . وإذن فدفع الباطل وكشف شر قوم عن غيرهم بما خلقه الله ويقدره من الأسباب هو درء المفسدة ومجلبة للخير . ومن بين صور هذا الدفع يذكر القرآن الكريم القتال . (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) . فإذا كان القتال طيلة من حقائق الحياة وشأنا من فنون الدنيا فها أخرى الإسلام - وهو دين ودولة - بأن ينظم أموره ويرتب أحكامه بل لقد كان الإسلام أول هدى أضاء أمام بشرنة بربرية هوجاء تجعل من الحرب عديلاً للإبادة وبديلاً للتخريب ولا ترعى في العدو إلا ولا ذمة. وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة .

لقد كانت الحنيفية السمحاء النقلة الكبرى التي خرجت بالناس من ظلمات الأفكار اليونانية والرومانية عن الحرب مع الأعداء إلى نور ملأ الأرجاء بقهر للعدو بحقوق ويضمن للمحارب حمايات ، ولم تكن هذه النقلة الكبرى بالقياس إلى وحشية الحروب التي عرفها الإغريقي الروماني ، بل أنها لا زالت كبرى بالقياس إلى ما نشهده اليوم بعد جهود أربعة قرون سلخها القانون الدولي المعاصر في محاولات لهدهدة أهوال الحرب وتخفيف ويلاتها

كلمة حق :

وضعت الشريعة الإسلامية علامات تهتدي بها الدولة الإسلامية في علاقاتها الدولية ورسمت لها خطوطاً تتحراها في سلوكها مع غيرها من الدول. وقد كثرت الآيات الكريمة في ذلك ولذا فإني أختار منها على سبيل المثال قوله عز من قائل : الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ، صدق الله العظيم

وفي شرح هذه الآية نقرأ في ابن كثير أن رجلين أتيا ابن عمر في فتنة ابن الزبير مقالا : أن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما منعك أن تخرج ؟ . قال منعني أن الله حرم دم أخي فذكرا له الآية ، قال : قاتلناهم حتى أم تكن فتنة وكان الدين الله وأنتم تريدون القتال حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله .

فالحرب في الإسلام تستهدف أحد أمرين : حماية ديار المسلمين من أن تغزى وتمكين دينهم من أن يطمس ولذا فإنها تتوخى الفضيلة وتقيم العدالة وتكرم الفرد ، فلا غرو أن يخاطب الشاعر أحمد شوقي حضرة الرسول فيقول :

الحرب في حق لديك شريعة ومن السموم النافعات دواء

وأن يوضح الهدي الإلهي غاية الحرب إذ يقول تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) .

فلسفة القانون الدولي الإنساني والمفهوم الإسلامي :

أما والأمر كما قلت فما هو دور القانون الدولي الإنساني ؟ . واضح مما أسلفت أن القانون الدولي الإنساني لا يمكن أن يؤدي دوره إلا أنا وفق بين المتناقضين : اعتبارات الإنسانية ومتطلبات الضرورة. فالإنسانية تشده إلى التوادد والتراحم والضرورة لدفعه إلى القوة والتزاحم . وينجح القانون الدولي الإنساني في تحقيق أهدافه وغاياته بقدر ما ينجح في التوفيق بين هذه المتناقضات، ولقد لخص الرسول الكريم هذا الدور للقانون الدولي الإنساني الإسلامي في حديثه الشريف أنا نبي المرحمة وأنا نبي الرحمة ) ، فقرن الملحمة بالمرحمة وقدم المرحمة على الملحمة حتى يقر في قلب المقاتل المسلم بأنه يد العدالة وليس سيف الندالة . وقد كان الرسول الكريم دقيقا في اختيار اللفظ ، فهو عندما اختار المرحمة قصد التعبير عن التعاطف والتراحم في علاقات متبادلة ولذلك فضل المرحمة على الرحمة . أما الملحمة وان كانت تعني القتال الشديد والمعركة العظيمة إلا أن في معناها القتال في الفتنة وليس مجرد القتال فدل بذلك على أن ملحمته ليست ملحمة الغلبة والسلطان وإنما هي ملحمة درء الفتن وتحقيق الأمان وفيها أيضا معنى الإصلاح ، ففي اللغة لحم الأمر إذا أحكمه وأصلحه وتلك هي نهاية القتال في الإسلام وهي أيضا ضابط بضبط سلوك المحارب المسلم. وفي هذه المعاني السامية تلتقي المرحمة مع الملحمة

لقد عارض الإنسان أخاه الإنسان منذ أول لقاءه على البسيطة فما كاد آدم يستقر به المقام عالي الأرض حتى خضب أحد ولديه أديمها ، بدم أخيه وتلك قصة صراع البشرية التي تحكيها القرون وترويها الأحداث التي تقابل بين النوازع البناءة التي تعمر وتوحد والنوازع الهدامة التي تخرب وتقتل ولكنها جميعا لتكامل في ملحمة واحدة هي سياسات القوى في العلاقات الدولية. وفي هذا الصراع يلعب القانون الدولي الإنساني دورا لتغلب نوازع الخير ، ولقد حاول الفقيه السويسري جان بكتيه أن يلخص فلسفة القانون الدولي الإنساني في عبارة جامعة فلم يجد خيرا من مبدأ : أحب لأخيك كما تحب لنفسك . ونحن نعلم أن الحديث الشريف يقول " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وهكذا فان الالتزام بفلسفة القانون الدولي الإنساني هو شعبة في الإسلام من شعب الإيمان وهو بعد الأركان الخمسة ركن من الأركان. وادا كانت الفلسفات والأديان الأخرى قد اشتركت مع الإسلام في هذا المبدأ فإنها قد قامت به توجيها ونصيحة ، أما الإسلام فقد أرساه التزاماً واقعاً لا شائبة فيه ولا حرجة .

وقد حار الفقيه السويسري في تحديد جوهر القواعد التي تستمدها من تلك الفلسفة بين أنصار القانون الطبيعي الذين يزعمون إن الفطرة هي التي توحي لنا بتلك القواعد وزين أنضار القانون الوضعي الذين يقولون أن الممارسة الدولية تكشف عن تلك القواعد وتشيدها لسنة فوق أخرى حتى يكتمل البناء، والفقيه عذره في هذه الحيرة فهو كغيره من فقهاء الغرب عندما يطالعون في تاريخ العلاقات الدولية يبدأون بالحضارة الإغريقية والرومانية ثم يروحون في سبات عميق تغلفه ظلمات العصر الوسيط ولا يفيقون إلا على طرقات عصر النهضة ظنا منهم بأنها طرقات يد أوروبية وجهود غربية . وبديهي أن النائم لا يستطيع أن يشهد نور حضارة أهلت على الشرق في هذا العصر الوسيط ولم تغرب شمسها إلا بعد أن أسلمت إلى الغرب تقاليد النهضة ومقومات الصحوة تلك هي حضارة الإسلام التي ابتدعت غير مسبوقة ما يكون القانون الدولي الإنساني من أحكام وانتقل بعضها مع من عاد من محاربي الصليبيين ودرس بعضها في جامعات إيطاليا وأسبانيا حيث نشأ آباء الفقه الدولي المعاصر ، ولا أريد أن أحيد عن موضوع المقال في هذا المجال ولكن الأدلة في ذلك دامغة لمن أراد أن يلقى وما كان الفكر الإغريقي والروماني وهو خلو من السمع وهو شهيد أي احترام للعدو أن يكون مصدراً تاريخياً للمبادئ، لم يعرفها وقواعد لم يطبقها وادا كان القانون الدولي الإنساني المعاصر قد دون في بمعاهدة وثائق لعلها بدأت بفضل جهود السويسري الإنسان دونان . سنة ١٨٦٤ إلا أن هذه المبادئ المكتوبة لا يمكن أن تنفصل عن أصولها العرفية ، وقد سجلت ديباجة الملحقين المكملين لاتفاقيات جنيف تلك الحقيقة بالنص صراحة على أن ما لا تحكمه القواعد المكتوبة إنما تحكمه قواعد العرف الدولي وتحميه مبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام، ودور الشريعة الإسلامية في إرساء تلك الأعراف مشهود وفضلها غير محدود والتزام موجهات الضمير فيها مبدأ بلا حدود . فالقرآن الكريم يحرم الإثم " ﴿وَذَرْوَ ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ » . والرسول يعرف الإثم بأنه كل ما حاك في صدر الإنسان وخشى أن يطلع عليه الناس ، بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره )

حقيقة إن أحكام القانون الدولي الإنساني هي أحكام الفطرة ولكنها في الإسلام فطرة أوصى بها الله وصاغ مقتضياتها في كتابه الكريم وأحاديث نبيه الحليم فرضاً على الناس وإلزاماً وجبراً عليهم واحتراماً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

وإذا كانت الضرورة هي القيد الإنساني الذي يرد على مبدأ حب الخير للغير، فإن شريعة الإسلام قد وقفت من تلك الضرورة موقفاً لم يقفه الغرب ولا أحسب أنه قادر على أن يقفه فهو يستحث المسلم على إيثار الغير على نفسه ولو قامت بالمسلم ضرورة ويجعل ذلك صفة من صفات الإيمان المحببة ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

وحتى إذا أراد المسلم أن يحتمى بالضرورة فان حقه في ذلك موصوف ومحدود إذ جاء في الوحي القرآني فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه : ومن ثم كان تصرف المسلم في حالة الضرورة ليس مطلق بما يهواه وإنما هو محكوم بألا يكون بغياً ولا عدواناً ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم . وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وفي المعنى ذاته تقول الآية الكريمة ، (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

مسلمات :

هناك مسلمات أود أن أثبتها قبل أن أخوض في الحديث عن القانون الدولي الإسلامي الإنساني وأوجزها فيما يلي :

1 - أن ما عرض من مبادئ وأفكار إسلامية تحكم علاقة المسلم تماما كما تحكم علاقة المسلم بالمسلم لان الإسلام ينظر إلى الإنسان - بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه - على أنه نفحة من روح الله وقبس من نوره وهذا النسب السماوي هو الذي رشحه لأن يكون خليفة في الأرض. وهذا النسب السماوي هو الذي جعل احترام الإنسانية في الفرد احتراماً للقدرة الإلهية، فلا عجب أن يقف رسول الله لجنازة مرت به فلما قال له أصحابه أنها جنازة يهودي أجاب في شفافية النبوة  وسماحة الأخوة ( أليست نفساً » ، ومن هنا كان الحكم الإلهي عاماً شاملاً ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»

الأفكار العامة في القانون الدولي الإنساني ( النزاع المسلح ذو الطبيعة الدولية والنزاع المسلح الذي ليست له الطبيعة الدولية ) :

أقف عند هذا الحد من المقدمة لأنتقل إلى حديث مباشر ولا أجد خيراً في عرض وجيز من أن أسلك طريق الفقيه السويسري جان بكتيه بأن أعرض للمبادئ العامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي على هدى مما هو مستقر الآن من مبادئ دولية إنسانية وضعية . وللمبادئ دور هام فهي التصورات الكلمية التي تجلي القيم العامة وتقدم الحلول لما هو ليس منظورا من قضايا وتقف وراء تطوير ما هو قائم بما تخطه له من درب سليم ونهج قويم . وينقسم النزاع المسلح - أو القتال - في المدرك الإسلامي إلى قسمين عامين أحدهما هو ما يمكن أن نطلق عليه أخذاً باصطلاح الماوردي - حروب المصالح ، والآخر هو حروب المشركين والمرتدين .

ا - حروب المصالح :

يقول الماوردي ويجاريه في ذلك كثير من الفقهاء القدامى - إن حروب المصالح تنقسم الى ثلاثة أفسام : (۱) قتال أهل الردة. (۲) قتال أهل البغي والخوارج . (۳) قتال المحاربين وقطاع الطريق . وفي تقديري أن هذا التقسيم ليس دقيقاً لأن قتال أهل الردة يمكن أن يأخذ حكم قتال المشركين فتنطبق عليه الأحكام ذاتها التي تطبق على قتال المشركين . كما أن قتال المحاربين وقطاع الطريق لا يندرج تحت مدرك القتال الذي يهم القانون الدولي الإنساني . ولا يبقى من حروب المصالح قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني سوى قتال البغاة والخوارج . ومن هنا أستطيع أن أقول أن قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني الحديث النزاع المسلح الذي ليست له طبيعة دولية ، كما أن قتال المشركين - ويلحق بهم المرتدون على تفصيل أذكره - يقابل ما نتعارف عليه اليوم بمسمى النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية . وهكذا نرى أن التقسيمة الثنائية للنزاع المسلح في الشريعة الإسلامية يقابلها تقسيمة ثنائية في القانون الدولي الإنساني المعاصر ، ولكن النظامين الإسلامي والوضعي - يختلفان في مسميات النزاع وبعض الأحكام التي تطبق .

وأرى توضيحاً لما قدمت أن أورد فقرة عن كل صنف من أصناف حروب المصالح التي أسلفت تعدادها ، فضلا عن الماوردي وأبي يعلى ومن جاراهما .

أ - قتال أهل الردة أي قتال قوم حكم بإسلامهم ثم ارتدوا عن الإسلام، وهؤلاء قال فيهم رسول الله . من بدل دينه فاقتلوه ) وقال عليه الصلاة والسلام ( لا يحل دم أمرئ المسلم لا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان أو وزنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس ) .

وحكم هؤلاء إن كانوا في قدرة المسلمين لقلة عددهم لأنهم لم يتميزوا بها عن المسلمين فلا حاجة إلى قتالهم فان تابوا قبلت توبتهم ولا يجوز إقرار المرتد على ردته بجزية ولا عهد ولا تؤكل ذبيحته ولا تنكح منهم امرأة . واختلف في قتلهم هل يعجل في الحال أم يؤجلون فيه ثلاثة أيام. والحق أن هذا الفرض لا يخرج من كونه جريمة يرتكبها من تمتد إليه الولاية الشخصية للدولة فيعاقب بالعقوبة الجنائية التي ينص عليها القانون

وهو بذلك في صلته بالقانون الدولي إدخل في القانون الإنسانوي منه في القانون الإنساني، أما إذا انحازوا إلى ارض ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين أو في قول آخر إذا أصبحوا حكومة واقع تمارس سلطاناً على جزء من الإقليم فيجب قتالهم على الردة ويجري على قتالهم بعد الإنذار والإعذار حكم قتال أهل الحرب مع فروق أربعة : أحدها أنه لا يجوز أن يهادنوا على الموادعة في ديارهم ويجوز أن يهادن أهل الحرب والثاني أنه لا يجوز أن يصالحوا على ما يقرون به على ردتهم ويجوز أن يصالح أهل الحرب والثالث أنه لا يجوز أن يسترقوا ولا أن تسبى نسائهم ( على خلاف بين الفقهاء ، ويجوز أن يسترق أهل الحرب وتسبى نسائهم والرابع أنه لا يملك الغانمون أموالهم ويملكون ما غنموه من أهل الحرب

ويدخل في حكم المرتدين ويعاملون معاملتهم في القتال بما أسلفت من أحكام القوم الذين يمتنعون عن أداء الزكاة الى الإمام العادل جاحدين بها، وتلك هي فتوى أبي بكر وصحابة الرسول التي كانت مبرراً لحروب الردة .

ب - قنال أهل البغي والخوارج وهم الذين يخرجون على الإمام ويخالفون الجماعة وينفردون بمذهب ابتدعوه، والخوارج وان كانوا أهل بغي فإنما يقصد بهم في التاريخ الإسلامي من فارقوا علي بن أبي طالب وخرجوا عليه عندما قبل التحكيم مع معاوية ونزلوا في مكان يقال له حروراء ومن ثم قيل لهم الحرورية ، وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء البشكري وشبت التميمي ، وقد عرض منهم قوم لعلي وهو يخطب على منبره وتنادوا ولا حكم إلا لله تعالى ، فقال على ( كلمة حق أريد بها باطل ، لكم علينا ثلاث : لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله . ولا نبدؤكم بقتال . ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا

وحكم هؤلاء إن تظاهروا وهم على اختلاطهم بأهل العدل ( أي باقي الشعب ) أن يوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوا وبطلان ما ابتدعوا ليرجعوا عنه الى اعتقاد الحق وموافقة الجماعة - ويجوز للإمام أن يعزر منهم من تظاهر بالفساد أدباً وزجراً ولا يتجاوز ذلك الى قتل أو حد ، والوضع هنا أقرب ما يكون الي أحزاب المعارضة فإن حرية الرأي مكفولة لهم ما داموا لا يقرنون المعارضة بأعمال عنف أو يدعموها بالقوة فإن هم فعلوا ذلك كان للإمام - أي ولي الأمر - أن يعزرهم وهذا أيضا فرض لا علاقة له بالقانون الدولي الإنساني ، ولا يتغير هذا الحكم حتى ولو اعتزلت تلك الفئة الباغية أهل العدل وتحيزت بدار تميزت فيها عن مخالطة الجماعة - أي أنهم لا يحاربون ما أقاموا على الطاعة وأدوا ما عليهم من حقوق ، فقد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا بالنهروان فولى عليهم عاملاً أقاموا على طاعته زماناً إلى أن قتلوه وخرجوا على الطاعة ومنعوا ما عليهم من حقوق ، ولكن الحكم يختلف إذا خرجت الفئة الباغية على الإمام .

ذلك أن المروق عن طاعة الإمام - سواء تجمع أصحابه تحت إمرة زعيم لهم أم لا - هو نوع من الحرب الأهلية تقتضي محاربتهم طواعية لقوله عز وجل ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . والبغي المقصود هنا قد يكون بالتعدي في القتال وقد يكون بالعدول عن الصلح .

ويخالف قتالهم قتال المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه :

1 - أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يعتمد به قتلهم ويجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين

2 - نقاتلهم مقبلين ونكف عنهم مديرين، ويجوز قتال أهل الردة والحرب مقبلين ومدبرين

3 - ألا يجهز على جريحهم وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين ) على تفصيل أذكره ) . وقد أمر على بن أبي طالب مناديه أن ينادي يوم معركة الجمل : ألا لا يتبع مدبر ولا يذف على جريح (أذف الجريح أسرع قتله وتمم عليه ) .

4 - لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين ( على خلاف اذكره ) .

ويختبر أحوال من في الأسر منهم فمن أمنت رجعته الى القتال أطلق ، ومن لم تؤمنه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق ولم يجز أن يحبس بعدها . أطلق الحجاج أسيراً من أصحاب قطري بن الفجاوة لمعرفة كانت بينهما فقال له قطري عد الى قتال عدو الله الحجاج فقال هيهات غل يدا مطلقها واسترق رقبة معتقها .

ه - لا تغنم أموالهم ولا تسبى زراريهم . قال الرسول « منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها » ودار البغاة دار إسلام .

٦ - لا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي و إن جاز أن يستعان على قتال أهل الحرب والردة .

7 - لا يهادنهم الإمام الي مدة ولا يوادعهم على مال فإن هادنهم إلى مدة لم يلزمه فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة ونظر في المال فإن كان من صدقاتهم أو من فيئهم لم يرده عليهم وصرف الصدقات في أهلها والفيء في مستحقها. وان كان من خالص أموالهم لم يجز أن يملكه عليهم ووجب رده اليهم .

8 - لا ينصب عليهم العرارات ( العرارة آلة من آلات الحرب وهي منجنيق صغير ) ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع عليهم النخيل والاشجار لانها كما قلت دار إسلام وإن بغى أهلها فإن أحاطوا بأهل العدل ( أي جيوش الدولة الأم والمدنيون فيها ( وخاف أهل العدل منهم الابادة جاز أن يدفعوا عن أنفسهم ما استطاعوا بالوسائل الفعالة للدفاع فإن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل ، وهذا تطبيق منطقي لحق الدفاع الشرعي.

ويختلف الرأي حول جواز الاستعانة بدوابهم وسلاحهم في قتالهم بين مانع ومجيز .

وأهل البغي والخوارج - كما أسلفت - يقابلون من تتكلم عنهم المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف وأورد نصها على سبيل المقارنة :

(في حالة قيام اشتباك مسلح ليست له صفة دولية في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدين ، يتعين على كل طرف في النزاع أن يطبق - كحد ادنى – الأحكام الآتية :

1 - الأشخاص الذين ليس لهم دور ايجابي في الأعمال العدائية بما فيهم أفراد القوات المسلحة الذين سلموا سلاحهم أو أبعدوا عن القتال بسبب المرض أو الجروح أو الأسر أو أي سبب آخر ، يعاملون في جميع الأحوال معاملة انسانية دون أن يكون للعنصر أو اللون أو الدين أو الجنس أو النسب أو الثروة أو ما شابه ذلك أي تأثير سيء على هذه المعاملة .

ولهذا الغرض تعتبر الأعمال الآتية محظورة . وتبقى معتبرة كذلك في أي وقت وفي أي مكان بالنسبة للأشخاص المذكورين أعلاه

أ - أعمال العنف ضد الحياة والشخص وعلى الأخص القتل بكل انواعها وقطع الأعضاء والمعاملة القاسية والتعذيب .

ب - أخذ الرهائن .

ج - الاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص التحقير والمعاملة المزرية .

د - إصدار أحكام وتنفيذ عقوبات دون محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة بصفة قانونية تكفل جميع الضمانات القضائية التي تعتبر في نظر الشعوب المتمدنة لا مندوحة عنها

٤ - يجمع الجرحى والمرضى ويعتني بهم

وقد قيض الله لهذه الفئة لحقاً هو اللحق ( البروتوكول ) الثاني من اللحقين الذين تمخض عنهما مؤتمر جنيف لتطوير القانون الانساني في ١٩٧٦ . وقد تعثر هذا اللحق الى حد يسمح للمرء بأن يقول في ثقة أنه ولد موؤدا رغم تواضع أحكامه وتخاذل ضماناته . ويشترك اللحق ذاك مع المادة التي أسلفت نصها فى أنه يقصر ضماناته الأساسية على من لا يقوم بدور إيجابي في الأعمال العدوانية ومعهم الجرحى والمرضى والغرقى ، ويقدم لهؤلاء ضمانات لا تخرج في تفصيلها عما عممته المادة آنفة الذكر . ويضيف الى ذلك بشأن وسائل وطرائق القتال ما يمنع الضرار ويحرم الخديعة ولا يسمح بحرمان الاحياء من حق الاستجارة ويضع مبادىء لحماية المدنيين والشعب المدني والأطفال - وما جاء في هذه الحماية وتلك الضمانات هو بعض ما جاء في أحكام النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية ولذا اكتفى هنا بالاشارة الى أن أوضح فيما بعد العبارة

ولنا أن نقارن هذا بما قاله علي بن أبي طالب لجنوده في حربه مع معاوية فقد أمرهم بالآتى : ( إذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً ولا تعذبوا النساء بأذى وان شتمنكم وشتمن أمراءكم واذكروا الله لعلكم تعلمون ) .

وجلي مما قدمت أن التنظيم الخاص بالنزاع العسكري الذي ليست له طبيعة دولية يسعى على استحياء ، فهو دون الضمانات التي جاءت بها أحكام النزاع المسلح ذى الطبيعة الدولية بكثير بل إن الفلسفة من وراء تجزئة أحكام تطوير القانون الانساني الى لحقين إنما قامت على الضن على النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية . أما النظرية الاسلامية فتقف على النقيض إذ تنظر الى الاشتباك المسلح مع البغاة والخوارج نظرة حانية تضمن لهم من القواعد والكفالات ما بخلت به على النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية مع المشركين والمرتدين .

ج - قتال المحاربين وقطاع الطريق . ويقصد بهؤلاء طائفة من أهل الفساد تجتمع على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ الاموال وقتل النفوس ومنع السابلة فهم المحاربون الذي عناهم الله سبحانه وتعالى بقوله : « إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ » .

وحدود هؤلاء عند أبي يعلى مرتبة باختلاف أحوالهم لا باختلاف صفاتهم : فما قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب . ومن أظهر السلاح ولم يأخذ المال عزر ولم يقتل ولم يقطع وتعزيره نفيه من بلد الى بلد ومن قرية إلى قرية .

أما الماوردي فيقول أن الفقهاء اختلفوا في حكم هذه الآية على ثلاثة مذاهب : أحدها هو المذهب الذي قال به أبو يعلى والمذهب الثاني هو أن الإمام ومن استنابه على قتالهم من الولاة بالخيار بين أن يقتل ولا يصلب وبين أن يقتل ويصلب وبين أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وبين أن ينفيهم من الأرض . والمذهب الثالث أن من كان منهم ذا رأي وتدبير قتله ومن كان ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف ومن دون ذلك عزره وحبسه

وجلي أننا هنا أمام صنف من القتال لا يندرج تحت مفهوم القتال الذي يستهم القانون الدولي الإنساني ، ولذا فان الحكم فيه أتى تشريع جنائي تطبقه الدولة على إقليمها ومن فيه بما لها من سيادة والعقوبة المشددة التي فرضتها الآية الكريمة ترجع الى بشاعة الجرم وتهديده لأمن الجماعة . وقيل أن الآية نزلت في قوم من عرينة أو عكل ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا ماله . وقيل المحارب هو اللص الذي يقطع الطريق . وقيل الذي يشهر السلاح في المصر على أهليه ليلاً أو نهاراً . والفساد هنا هو الزنا والسرقة والقتل وإهلاك الحرث والنسل

ب - حروب المشركين والمرتدين :

انتقل الآن الي الكلام عن الاشتباك المسلح ذي الطبيعة الدولية أي حروب المشركين وأهل الردة . وكما وعدت فإنني سأوجز الحديث عن أحكام القانون الدولي الإنساني التي تعنى بهذا الصنف من الاشتباك عن طريق عرض أهم المبادىء العامة التي تحكم ذلك الصنف من الاشتباك. ويمكن أن أقول دون أن أخشى عيب التعمي أن هذه المبادىء جميعها تنبعث في القانون الوضعي عن مدرك عام هام تضمنته ديباجة تصريح سانت بطرسبرج سنة ۱۸٦٨ وهو أن الهدف الوحيد المشروع الذي يجب على الدول أن تتوخاه في الحرب هو إضعاف قوة العدو العسكرية . ومن ثم فان كل ما يدخل في اطار هذا الهدف لا يناقض متطلبات القانون الدولي الإنساني أما ما يتجاوزه ولا يمنعه حكم عرفي أو وفاقي إنما يتجاوز ما عبر عنه اللحقان بمبادئ الإنسانية ومقتضيات الضمير العام وفي هذا المعنى يقول الهادي الكريم : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ومن ثم فقد منع الله عز وجل أن يتجاوز القتال أهدافه واعتبر ذلك عدواناً لا يحبه والآية صريحة في أن هدف القتال هو دفع الاعتداء . والحق أن اصطلاح العدوان هنا هو من جوامع الكلم فى موضعه ولذا قال المفسرون أن منع الاعتداء هنا يدخل فيه ارتكاب المناهي التي نهى الإسلام المحارب المسلم عن ارتكابها على تفصيل أذكره بعد قليل . وعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( أن قوما كانوا أهل ضعف وسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر أهل الضعف عليهم فعمدوا الى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فاسخطوا الله عليهم الى يوم القيامة » . ويقول ابن كثير أن هذا حديث حسن ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم واستعملوهم فيما لا يليق بهم أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء وفي معرض حديثي هذا نلتقي بآيات كريمة وأحاديث شريفة تزكي ما أقول أقف عن ذكرها الآن منعاً للتكرار وأحيل إليها فيما يلي من عرض. 

إن هذا هو المبدأ العام وهو الأصل الذي تبنى عليه عدة مضامين تقيد من حرية الدول في مناخ يمكن أن أجمعها في ثلاث : (أ) استخدام السلاح (ب) معاملة العدو في المعركة (ج) معاملة الأسرى. وأتناول في إيجاز كلا من هذه المضامين واحدا بعد الآخر .

أ - استخدام السلاح :

تحرص الأفكار الإنسانية على أن تهدهد قدر الإمكان من وحشية الاشتباك العسكري ومن بين وسائل التخفيف من غلظة الحرب تلك القيود التي تضعها على حق المحارب في اختيار السلاح الذي يستخدمه فهي تنأى به عن أن يستخدم سلاحاً يسبب من الآلام ما لا مبرر له . ولكنها لا زالت تجبن عن أن تضع قاعدة حاسمة في هذا المجال، فالقواعد العامة التي تصوغها لتحقيق تلك الغاية واهية العبارة مفككة الصياغة . وأحدث تلك القواعد ما جاءت به المادتان ۳۳ ، ٣٤ من اللحق الأول والمادة ٢٠ من اللحق الثاني . وتكاد هذه المواد أن تكرر ما جاء في المادتين ۲۲ ، ۲۳ من اتفاقية لاهاي سنة ۱۹۰۷ . وتتضمن هذه المواد حكمين : الأول أن حق أطراف النزاع في اختيار وسائل وطرائق المعركة ليس بغير حدود . والصياغة على هذا النحو هي من الميوعة والقضاء . بحيث يمكن أن نقول إنها أقرب الي النصيحة والرجاء منها الى الإلزام

وبتعرض الحكم الثاني لبعض الاسلحة فيحرم استخدامها على نحو يضاعف من آلام المحارب بلا فائدة أو يجعل قتله محتماً أيا كانت الظروف . والنص على هذا النحو يرتعد أمام الهوى الجامع للدول فهو لا يجرؤ على أن يحرم استخدام أسلحة الدمار الشامل تحريماً قاطعاً وإنما يتحايل على ذلك بنص يترك الباب مفتوحاً أمام البطش والبغي الذي قد تمارسه بعض الدول . وهنا نسمع من يقول أن تصريح سانت بطرسبرج سنة ١٨٦٨ يعتبر قيداً على حسن تقدير الدول لأنه تطلب ألا تتجاوز الآلام ما يكفي لاعجاز المحارب عن القتال . وعندئذ أتساءل كيف واتت الدول الشجاعة منذ قرن مضى وهي تضمن تصريح سانت بطرسبرج هذا التحديد كرغبة أو امنية ثم خانتها وهي تصوغ ذلك التصريح في نصوص قانونية آمرة ملزمة . هل تسير الإنسانية في تراحمها إلى الإمام أم أنها تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثا .

رب قائل يتهمني بتجاهل وفاقات دولية تحرم استخدام بعض أسلحة الدمار الشامل مثل بروتوكول جنيف سنة ١٩٢٥ الذي يحرم استخدام الغازات الخانقة والسامة وما إليها من غازات وكذا أسلحة الجراثيم والكيمياء . ولكنا لو أمعنا النظر نجد أن هذه الوفاقات تبرم لتحريم سلاح بعد أن يستخدم فعلا وتكوى البشرية بناره واغلب الظن أنها تبرم بعد أن يهتدي العالم لسلاح آخر أشد وأنكى . وها نحن اليوم نشهد سفسطة بيزنطية حول تحريم الأسلحة النووية . فلا عجب إذن أن تترك المادة ٣٤ من اللحق الأول لتقدير الدول الأطراف مناسبة استخدام الأسلحة الجديدة. وما أبعد أن تنفق الدول على أمر من هذا القبيل

لقد أطلت في التعليق هنا ولكني قصدت أن أوضح أن جهود القانون الدولي الإنساني في هذا الأمر لا تعدو أن تكون فقاعة لا تكاد وأغلب الظن أن هذه المشكلة لم تشغل بال الفقهاء المسلمين التقليديين لأنها لم تكن معروفة لديهم فالأسلحة التي تقترب منها حتى تنفجر جرت عادة الحروب على استخدامها وقتئذ أسلحة لم تتوفر فيها التقنية التي تجعلنا نصفها بأنها ذات تدمير شامل أو أنها تحدث أضراراً تتجاوز ما هو لازم لإعجاز العدو ، أو على الأقل فإن تصور هؤلاء الفقهاء لم يتطرق إلى هذا الاحتمال الذي لم تثره الأحداث أمامهم

ومع ذلك فإن الفرض لم يغب عن بعض المجتهدين المتأخرين فقد قرأت عن خليل المالكي في مختصره عن الجهاد أنه يحرم استخدام الأسلحة التي يمكن لا تنال المحارب بأضرار تتجاوز ما يمكن أن يحقق لخصمه منفعة ، ويضرب لذلك مثلا يتفق مع أفق التفكير العسكري في زمانه فيقول إن استخدام نبل سم حرام، أي أن غمس السهم في السم ثم وما حرام لما يمكن أن يسببه السم من آلام لا مبرر تلف العدو به مسموما لها لمن يصيبه السهم . أن الحكم الفقهي هنا لم يترك الأمر مائعا ولم يتقاعس أمام شهوة العنف بل حدد السلاح ومنعه وجعل حكمه التحريم. ورأي هذا الفقيه تسنده الأحكام العامة فالإسلام ينهى عن الإسراف في القتل حتى لمن جعل الله له سلطانا ، وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ) . وقريب من هذا ما رواه أبو هريرة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في بعث قتال فقال أن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله حين أردنا الخروج " اني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وان النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما ) ، وعدول الرسول هنا عن الحرق الي القتل عندي سنة في تحریم قتل العدو بسلاح يؤذيه بما لا مبرر له من آلام

كما أن قول الرسول ( الإنصاف مأمور به فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة) ، هو في تقديري نص مباشر فيما تعرض له وإذا أخذنا برأي خليل هذا يمكن أن تقرر بأن صياغة النص الإسلامي تحتمل أن نستعرض الاسلحة وننتقي منها ما يمكن أن ينال المحارب بآلام لا مبرر لها ثم نورده بمسماه نصاً وتقرر تحريم استخدامه قطعاً بلا مواربة ، وهي بذلك أكثر قابلية للضبط والدقة من النصوص الزمنية الحالية . وقد عزل عمر خالدا لكثرة قتله الأعداء وقال ( إن في سيف خالد لرهقا ) وكانت تعجبه حرب عمرو بن العاص لقلة القتل فيها ويقول انها حرب رفيقة بل إن الإسلام ذهب في حماية الخصم ضد الآلام التي تتجاوز المطلوب حدا يمكن اذا أخذنا في الاعتبار أننا بصدد معركة وقتال أن أصفه بالتدليل وفاق بذلك ما تتباهى به اليوم إنسانية الحضارة الغربية . ففي حديث ابن حاتم عن النبي قال : إذا قاتل أحدكم أخاه فليجنب الوجه فان الله خالق آدم على صورته » إن إصابة الوجه محرمة أو هي على الأقل مكروهة لغير ضرورة وهذا بعد بالسلاح عن أن يتجاوز حدود الإنسانية.

فلا يذهب البعض في نقض ما قدمت الى الزعم بأن عليا بن أبي طالب حرق قوما من أنصاره . إن ما قيل من أن عليا حرق قوما - وهم السبئية اتباع ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي - لانهم كانوا يقولون ان الله حل في على وذلك بقصد تضليل المسلمين يرد عليه الدكتور طه حسين فيما كتبه عن الفتنة الكبرى بتفنيد رصين فيقول ( ان المحدثين وأصحاب الجدل ينفردون من دون الطبري وأصحابه بشيء آخر فيزعمون أن ابن السوداء واتباعه الهوا عاليا وأن عليا حرقهم بالنار . ولكنك تبحث عن هذا في كتب التاريخ فلا تجد له ذكرا . وليس تحريق جماعة من الناس بالنار في الصدر الأول من الإسلام ومن جماعة من أصحاب النبي ومن صلحاء المسلمين بالشيء الذي يغفل عنه المؤرخون فلا يذكرونه ولا يوقفونه وإنما يهملونه إهمالاً تاما وأضيف انه قد جاء في القرآن الكريم على لسان موسى الكليم ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين .

كذلك مما تستهدفه الأفكار الإسلامية في شأن السلاح هو منع استخدام السلاح بطريقة عشوائية تنال المحارب وغير المحارب بلا تحرز وتصيب الاهداف العسكرية بلا تمييز . ومن هنا كان على المحارب التزام مزدوج :

أ - أن يفرق بين المحارب وغير المحارب ولا يوجه سلاحه إلا إلى المحارب .

ب - أن يفرق بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية فلا يمارس هجماته إلا ضد الأهداف العسكرية . أما ابن المحارب المسلم يجب أن يفرق بين المحارب وغير المحارب ففيه أثر عن الرسول فقد رأى عليه الصلاة والسلام الناس في بعض غزواته مجتمعين فبعث رجلا فقال انظر علام اجتمع هؤلاء فعاد فقال امرأة قتيل فقال الرسول « ما كانت هذه لتقاتل » . وتعليق الرسول الكريم هذا واضح الدلالة في ضرورة التفرقة بين المقاتل وغير المقاتل وإنكار استخدام السلاح بطريقة عمياء لا تميز بين المحارب وغير المحارب .

ولذلك كان المبرر الذي أنكر الرسول القتل على أساسه هو أنه انصرف الى غير المحاربين. وحصل أن جارى بعض المسلمين أعداءهم فقتلوا بعض الأطفال . فقال الرسول غاضبا ( ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية » .

ومن ثم فان المحارب المسلم لا يصح أن يجاوز به القتل الى الحد الذي لا يفرق به بين المحارب وغير المحارب . والمحارب في الإسلام هو من كان صالحا للقتال سواء اشترك فيه أم لم يشترك . ويفرض الإسلام على المحارب المسلم أن يضاعف من حذره اذا كان بين الأعداء مسلمون غير محاربين حتى لا يصيبهم فتصيبه من ذلك معرة وإثم وفي هذا يقول سبحانه وتعالى ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .

ولعل مما يعين العدو على تميز المحارب من غير المحارب أن يلبس المحارب زياً خاصاً أو يحمل شارة بذاتها . وقد روي أن الرسول كان يلبس عباءة خاصة أثناء المسيرة الحربية . ولكن لا دليل على أنه كانت هناك محاولات منظمة في عهد الرسول لتزويد كافة أعضاء الجماعة بالزي سوى أنه ذكر أن المسلمين لبسوا يوم بدر علامة مميزة هي صوفة ، ولذا قال الطبري في تفسيره ( أول ما كان الصوف ليومئذ يعني بدرا » .

وفي التزام المحارب المسلم بالتفرقة بين الأهداف العسكرية والأغراض المدنية يقول الشافعي أنه لا يرى بأسا في أن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها مساكن . وفكرة الشافعي الا ترمى البيوت التي فيها المساكن ( إلا أن يلتحم قريبا من الحصن ) فكرة لا يفسرها إلا التزام بقصر الهجمات على الأهداف العسكرية وحدها ما لم تكن الأغراض المدنية قريبة منها الى حد يصعب معه وقايتها . ولا ننسى أن التخريب لذات التخريب ممنوع في الإسلام لا سيما وأن الغالب أن تعود الأرض بعد الفتح الى المسلمين على تفصيل يفرق فيه الفقهاء بين ما يملكه المسلمون عنوة وما يملكونه عفوا وما يستولون عليه صلحاً . والحق أن الاعتداء على الأعراض غير العسكرية دون مبرر هو صورة من صور العدوان الذي حرمه الله وبعد عن القسط الذي أمر به عز وجل « قل أمر ربي بالقسط » وأعلن حبه لأهله « إن الله يحب المقسطين » والقسط هو العدل . وفي فهم معناه أورد الآية الكريمة ونضع الموازين القسط ليوم القيامة » .

ب ـ معاملة العدو أثناء المعركة :

يتناول الكلام هنا معاملة العدو المتعلقة بشخصه كما يتناول معاملة العدو المتعلقة بماله وهذا ما أتناوله بإيجاز فيما يلي :

المعاملة المتعلقة بشخص العدو

وهذه بدورها قد تكون تصرفات توجه للعدو المحارب وقد تكون تصرفات توجه للمدنيين والشعب المدني في إقليم العدو ، وأبدأ بما يوجه للعدو المحارب :

1 - لعل أول ما يقضى به القانون الدولي الإنساني هو أن يمتنع المحارب عن إيذاء خصمه بالقتل أو الجرح أو التعذيب أو سوء المعاملة إذا ما أصبح ذلك الخصم عاجزا عن القتال سواء بإلقاء سلاحه أو لأنه لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه أو لأنه أسلم نفسه

ذلك حكم أساسي من أحكام القانون الدولي الإنساني سجلته المادة ٢٣/ جـ من اتفاقية لاهاي سنة ۱۹۰۷ وأكدته المادة ۳۸ من اللحق الأول والمادة 7 من اللحق الثاني . والحق أن القانون الدولي الإنساني الإسلامي قد عنى بذلك المبدأ عناية بالغة فكثرت فيه النصوص وتعددت الاحاديث .

فالله عز وجل يأمر المسلمين بأن يستقيموا لأعدائهم حال ما يستقيم الأعداء لهم ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم أن الله يحب المتقين » .

وان يميلوا الى السلم اذا مال الخصم اليه . « وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » . ويمنع على المحارب المسلم السبيل على خصمه اذا ما اعتزله الخصم وكف عن القتال (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا » .

وقال هشام بن حكيم : أشيد أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا . ويقول عليه الصلاة والسلام ( تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل مدر ووبر . الا ان تأتوني بهم مسلمين أحب الى من أن تأتوني بنسبائهم وتقتلوا رجالهم » .

اذا فهي حرب رفيقة تفضل التأليف على القتل ولا تستبيح النفس بغير ضرورة ملحقة

٢ - ويرتبط بالمبدأ السالف حكم آخر لا يقل أهمية عنه يمنع على المقاتل أن يلجأ الى الغدر لقتل خصمه او إصابته أو القبض عليه. وهذا ما تمسكت به المادتان ۲۳ / ب ، ٢٤ من اتفاقية لاهاى سنة ١٩٠٧ وفصلته المادتان ٣٥ من اللحق الأول ، ۲۱ من اللحق الثاني . وهنا تفرق قواعد القانون الدولى الانساني بين الخديعة والغدر فتجيز الخديعة وتحرم الغدر ، والغدر كما عرفه اللحقان هو خيانة الثقة

وتأخذ النظرية الاسلامية بتلك التفرقة . فقد وصف الرسول الكريم الحرب بأنها خدعة اذ جاء نعيم بن مسعود في غزوة الخندق فقال يا رسول الله قد أسلمت وان قومى لم يعلموا باسلامى فمرنی بما شئت. فقال الرسول : ( انما انت فينا رجل واحد فخذل عنا ان استطعت فان الحرب خدعة » .

لذا يجوز قتل العدو اغتيالا ، أي على غفلة منه ، وكان الرسول يرسل من يندسون لاشاعة الهزيمة ونشر الإشاعات لتثبيط همة العدو .

ويقول النووى أن العلماء اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما امكن إلا أن يكون هناك نقض عهد أو أمان فلا يجوز ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها » .

وجاء في النوادر السلطانية لابن شداد مثلاً طريقة للخديعة هو أن يضع المحاربون خنازير على ظهر السفينة بدلا من الجنود لتضليل العدو .

ويحكى ان حجاج بن علاط السلمى أسلم وشهد خيبر مع الرسول فلما فتحت قال : يا رسول الله ان لي بمكة ما لا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالا مفرقا فى تجار أهل مكة فأذن لي يارسول الله فأذن له . فقال انه لابد لى يارسول الله من أن أقول . قال : قل - أي انه استأذن الرسول في أن يحتال على القوم لجمع ماله - فلما قدم مكة سأله قومها عن أخبار خيبر فقال لهم إن محمدا هزم هزيمة لم يسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه واسر وقالوا لا نقتله حتى نبعث به الى مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن أصاب من رجالهم . ففرح أهل مكة وانتهز هو الفرصة فقال لهم : أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار الى ما هنالك فقال : فقاموا فجمعوا لي مالي بأحث جمع سمعت به .

أما الغدر فلا يجيزه الإسلام . قال صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا » .

ولما كان أبو جندل بن سهيل في المدينة هاربا بدينه من مشركي مكة وعلم أن الرسول سيعيده الي أهله طواعية للعهد الذي التزم به الرسول وقف في المسلمين يسألهم أيعيدونه الى أهل الشرك فيفتتنوه في دينه . فقال له الرسول ( انا قوم لا يصلح لهم الغدر » وهنا يقرر الرسول مبدا هاما وهو أن الغدر لا يصلح لادارة شئون المسلمين ولا المشركين يجوز لهم التعامل به حتى ولو كان من أجل استنقاذ مسلم من بين براثن

وقد بلغ عمر بن الخطاب أن محاربا مسلما قال المقاتل فارسي لا تخف » ثم قتله . فكتب عمر الى قائد الجيش « انه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج ( أى الرجل الفارسي أو الرومي حتى اذا استقر في الجبل وامتنع فيقول له لا تخف فاذا أدركه قتله . واني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحدا فعل ذلك إلا قطعت عنقه ) .

ويقول الشافعي في ذلك « ما يقبله المسلمون ويجتمعون على أنه الحلال في دار الإسلام فهو حلال في بلاد الكفر والحرام في دار الإسلام حرام في دار الكفر فمن أصاب حراما فقد حده الله على ما جاء منه ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئا .

3 - كذلك يمتنع على المحارب أن يعمل على :

1 - ابادة الخصم أو تهديده بذلك أو انكار الملجأ عليه . وهذا ما قالت به المادتان ۳۸ من اللحق الأول و ۲۲ من اللحق الثاني تدعيما إنا جاء في المادة ٢٣/ د. من اتفاقية لاهاى سنة ۱۹۰۷ . فالخصم ممنوع إذا ما سلم خصمه له أو وقع خصمه في قبضته من أن يجهز عاليه كما أنه ممنوع من أن يهدد الخصم بذلك ليضطره الى الاسراع بالتسليم ، فإذا عرض الخصم أن يسلم نفسه بلا قيود ولا شروط وجب أن يوفر له الملجأ . وسبق الإسلام في هذا الخصوص واضح وجلي . فهذا يدخل في مدلول ما قدمت من آيات كريمة تأمر بالجنوح الى السلم اذا ما جنح العدو له وانقضاء سبيل المحارب المسلم على عدوه اذا ما اعتزله عدوه والقى السلاح واستسلم

ولم يؤثر أمر بإبادة قوم أو قتلهم قتلاً جماعياً بعد سحق العدو . وفي موقف الرسول من أهل مكة بعد أن فتحها الله عليه خير دليل فقد أذهبهم جميعا طلقاء حتى أن أهلها هؤلاء عرفوا في التاريخ الإسلامي بالطلقاء . رب قائل يهمس بما حدث لبني قريظة . والقصة تبعد الشبهة فنحن نعلم أن الرسول التمن بني قريظة على حماية ظهر المسلمين في غزوة الخندق وأن البلاء اشتد بالمسلمين في تلك الغزوة حتى أن الرسول عرض على غطفان ثلث تمر المدينة ان رجعت عنه وعن أصحابه وان يهود بني قريظة لم يتوانوا عن انتهاز هذه الفرصة للايقاع بالمسلمين فلما زالت الغمة دعا الرسول بنقض عهدهم والتحالف مع المشركين عليا وسلمه لواءه إلى بني قريظة فلما دنا من حصونهم سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله ولكن الله نصره عليهم فلما أصبحوا تواثبت الأوس فقالوا : يا رسول الله انهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي اخواننا بالامس ما قد علمت ( يعنون بني قينقاع لما أطلقهم الرسول ) . وانتهى الجدل بأن قبل اليهود أن يحكم بينهم رجل من الاوس هو سيدهم سعد بن معاذ فحكم فيهم بحكم دينهم . وحكم ما يزعمون من كتاب هو أن يقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذراري والنساء : فقال الرسول لقد حكمت عليهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة . بيد أن هذه السابقة ليست صورة من صور الابادة وإنما هي حكم تحكيم طلبه الخصم وارتضاه حكما وقانونا ، وهذا يتفق تماما مع القواعد التي تقررها اتفاقيات جنيف ١٩٤٩ بالنسبة لأسرى الحرب وكذا الأشخاص المحميين . ثم إن الحكم لم يكن حكم الاسلام وانما حكم ما يقول به كتاب الخصم « التثنية » . أما ما ينسب الى الاسلام هنا فانما يمتدح له إذ يقبل الاسلام في خصومته لعدوه الذي أغرق في الخصومة ولج في العنان ان يحتكم الى قانون ذلك الخصم وشريعته . وكيف يقال غير هذا وقد قال فيهم الرسول بعد ما احترق النهار في يوم صائف الا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح. قيلوهم حتى يبردوا وكان الرسول قد أمرهم بأحمال التمر فنثرت بين أيديهم فكانوا يكدمونها كدم الحمود ) أي يعضونها بمقدم الأسنان كما يكدم الحمار ) ثم انهم أبوا الاحتكام الى الرسول ونحن نعلم أن حكم الرسول في مجاوريهم السابقين من بني النضير وبني قينقاع كان جزاء في المال دون الأرواح

وفيما برويه أبو هريرة في قصة أسردها ماله دلالته في تأكيد حكم الإسلام . قال أبو هريرة سمعت رسول الله يقول قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى اليه الله أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح .

أما الملجأ ففيه حكم قرآني صريح . يقول تعالى ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ » . وفى شرح الآية يقول ابن كثير وأن أحدا من المشركين» الذين أمرتك بقتالهم وأحللت استباحة نفوسهم وأموالهم « استجارك » ان استأمنك اجبه الى طلبه ) حتى يسمع اللام الله » أي تقرؤه عليه ويذكر فيه شيئا من الدين تقيم عليه به حجة الله ۱۰ ثم ابلغه مامنه ) ای واهو آمن مستمر الامان حتى يرجع الى بلاده و داره ومأمنه . ( ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) أي إنما شرعنا امان هؤلاء ليعلموا في دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده . وسئل الاوزاعي عن الآية قال السائل : وان مأمنه ؟ ارايت أن قال مأمنى القسطنطينية قال اذا أبلغه حصنا من حصونهم أو معقلا من معاقلهم فهو مأمنه . قال السائل فان لقيتهم سرية المسلمين في بلادهم قبل أن يبلغوا مأمنهم قال لا يعرضون لهم . وسئل كذلك عن العدو ينزلون أرض المسلمين بأمان على ان الامان لهم حتى يصدرو اراجعين حتى يواقعوا بعض جبال أرضهم ثم تضربهم الريح فتردهم فيقولون نحن على اماننا قال أرى ذلك لهم وأراهم على أمانهم .

والآية تجر الى حديث قصير عن الامان فالامان في الاسلام نظام من نظم الخير التي تتميز بها أحكام الاسلام عن غيرها من الاحكام . فالامان في الاسلام يحرم به قتل ورق وأسر وأخذ مال . ويشترط أن يكون من مسلم عاقل مختار ويصح من أحد الرعية - أن الفرد العادي - ومن امام وأمير ، ولعل الفرق بين الامانين أن أمان الفرد - يستوى في ذلك الحر والعبد والرجل والمرأة - يكون لعدد صغير وهو عند الفقهاء جائز لما لا يزيد عن عشرة أشخاص أو لقافلة أو الحصن صغيرين . أما أمان الامام والامير فجائز أيا كان تعداد العدو ثم أن من حق الامام - في حالة الضرورة القصوى التي تعرض المصلحة الاسلامية العليا للمخاطر أن ينقص امان الفرد ولكنه يلتزم عندئذ بأن يعيد المؤمن الى مأمنه . وبصح الامان بكل ما يدل عليه من قول واشارة مفهومة ورسالة وكتاب فاذا قال للخصم الق سلاحك أو لا تخف فقد أمنه وإن خرج الاعداء من حصنهم بناء على اشارة أمان لم يجز قتلهم ويردون إلى مأمنهم . وتحلو الافاضة في احكام الامان لولا ضيق القام .

ب - توقيع العقوبات الجماعية لاسيما الردع الثاري ، وهذا منكم مستفاد من نصوص المادة ٤٦ من اتفاقية جنيف الأولى والمادة ٤٧ من الاتفاقية الثانية والمادتين ۲۰ من الملحق الأول و ١٥ من الملحق الثاني.

فهذه كلها تحظر اعمال الثأر الردعي ضد الجرحي 1 والمرضى أو الغرقى أو الأفراد أو السفن أو المهمات التي تحميها الاتفاقيات

ولعل الجماعة الدولية احست بعجز جهودها الانسانية في هذا المضمار إذ راحت الأمم المتحدة تصوغ معاهدة ١٩٤٨ بشأن جريمة الإبادة الجماعية أو إبادة الجنس البشرى وهى ما أسميها بجريمة الاصطلام ) وقد كنت من قبل أسميها جريمة الاثخان . (وفي اللغة يقال اصطلهم الدهر أو الموت أو العدو استأصلهم والادهم) . وقد وصفت المادة الثانية جريمة الاصطلام بأنها : ١ - قتل أفراد الجماعة 2 - تسبيب أضرار جسدية أو عقلية خطيرة لأفراد الجماعة 3 - فرض ظروف حياة عمدا يكون من شأنها أن تدمر وتحطم حياة الجماعة كلها أو جزءا منها ٤ - فرض انظمة تستهدف منع التناسل داخل الجماعة ه - نقل أطفال الجماعة الى جماعة أخرى بالاكراه . 

وحظر العقوبة الجماعية فى الإسلام حظر عام لا يخص فئة دون فئة ولا يميز فريقا على فريق لان القاعدة فى الاسلام الا تزر وازرة وزر أخرى وان الله الله ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)

ولا أتردد في أن أقول أن تفصيل ما جاء في اتفاقية جريمة الاصطلام آنفة الذكر ويندرج فيما تقبله وتؤيده النظرية الإسلامية ويمكن أن يعتبر شرحاً فيها وتفصيلاً ، أما بالنسبة للردع الثأري فهناك آيات كريمة تقرر مبادئ العقوبة : وجزاء سيئة سيئة مثلها ( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا » ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ » ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » . والآيات بمفهومها الواضح ترسى قاعدة المعاملة بالمثل في العقاب ومن هنا فان المرء قد يفهم أن الآيات الكريمة تجيز للمسلمين. معاملة بالمثل - أن يمارسوا الردع الثأري ضد العدو اذا كان لعدو يمارس ذلك ضدهم ولكن هذا الفهم ترد عليه ملاحظتان : الأولى هو أن الردع الثأري في معناه الحديث الذي قصدت إليه مواد اتفاقيات القانون الدولي الإنساني هو تصرف غير مشروع تتخذه الدولة للثأر من دولة أخرى تقصد أن تفرض عليها قول تسوية نزاع نجم عن تصرف سابق غير مشروع ارتكبته الدولة الاخيرة . ومن ثم فان الردع الثاري هو تصرف غير مشروع ضد تصرف غير مشروع وليس من المتصور أن تأتي القوات الإسلامية التي تتقيد بأحكام الإسلام تصرفا ضد العدو غير مشروع ببرر أن ترتكب أعمال ردع ثأري ضدها . وتبعا فان الفرض يخرج عن نطاق التطبيق الصحيح للأحكام الإسلامية .

والملاحظة الثانية أن تطبيق قاعدة المعاملة بالمثل يقيد في الشريعة الاسلامية بقيد هام هو أنه لا يجوز للمسلم أن يجاري الأعداء في مآثمهم وفي ذلك يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن العلاقات الدولية في الإسلام . وقد يعجب بعض الناس من أن الفضيلة تحكم في وسط السيوف وحيث يستباح الانسان فانه حيث استبيح لا يبقى من القيود شيء يحترم ولكنا نقول انها حرب مقيدة بقانون السماء وهي حرب الفضيلة وتنهك حرماتها في الميدان من أهلها مجاراة للمعتدين . ولذلك كانت الحرب من جانب المسلمين مقيدة بالفضيلة لا تعدوها ولو جاوز حدودها المعتدون وإذا كان الأعداء يمثلون بالقتلى من المسلمين ويشوهون لا تفعل مثل ذلك في قتلاهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والمثلة ولقد قتل المشركون في غزوة أحد حمزة بن عبدالمطلب ومثاوا بجثته أشنع تمثيل وأثر ذلك في نفس النبي عليه الصلاة والسلام لأنه عمه واحب قرابته إليه ومع ذلك لم يفكر فى أن يمثل بأحد من قتلاهم فيما جد بعد ذلك من حروب . وإذا كان الأعداء يجيعون الأسرى ويقتلونهم بالعطش فإن جيش الفضيلة لا يجاريهم في ذلك لأن الله تعالى أمر بإكرام الأسرى والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقتل أحد آخر بالتعطيش

ج - كذلك تغزل قواعد القانون الدولي الإنساني باحترام الجرحى والمرضى والالتزام بمعاملتهم معاملة إنسانية . ومن أجل هذا أضيفت الرعاية على الهيئات الطبية . ومن هذا المفهوم تستمد كثير من الأحكام التي تفرضها اتفاقيات جنيف سنة ١٩٤٩ واللحقان المكملان لها في شأن الجرحى والمرضى والمنكوبين فى البحر والهيئات الطبية . ويكفيني في بيان مدى احترام الإسلام لجرحى ومرضى الأعداء أن أذكر بقصة يوسف صلاح الدين الايوبى مع ريتشارد قلب الاسد عندما أصاب الاخير مرض عضال وهو أعتى الصليبيين وأقواهم ، إذ تسلل صلاح الدين الى معسكر عدوه وعالجه حتى شفي من دائه . أن عناية المسلمين في هذه القصة لم تقتصر على من في قبضتهم من جرحى ومرضى بل تعدت ذلك الى جرحى ومرضى العدو في معسكره . وأيا كانت بواعث هذا التصرف فليس المثل صلاح الدين أن يفعله لو أنه كان مخالفا لتعاليم الاسلام .

ولا أحسب أنني أخطىء إذا قلت ان ارتكاب فعل غير مشروع ضد الجرحى والمرضى وغيرهم ممن تحميهم الاتفاقيات الزمنية لا يمكن أن تقبله النظرية الاسلامية فى نطاق ما أسلفت من بيان

وفيما قدمت وما أذكر بعد تأييد لما أقول . وجدير بالذكر أن النظرية الاسلامية التقليدية لم تتعرض في تفصيل لمنكوبي البحار لأن انشغال المسلمين الاوائل بالحرب البرية كان محدوداً ومع ذلك فإنهم اعتبروا السفينة في حكم الحصن ويطبق عليها وعلى من فيها ما يطبق على حصن العدو ، وهنا أكرر ما قدمت من ما حوته الوفاقات الدولية

الانسانية في هذا الخصوص من أحكام تعتبر في مجموعها تفصيلاً في النظرية الاسلامية وتتماشى مع التطبيق العملي لأحكامها

ويكفيني في العرض وما أسلفت قولا في المبادئ العامة التي تحكم علاقة المحارب بالمحارب وبقي في علاقة المتحاربين الشخصية أن أعرض في عجالة للمبادئ الأساسية التي تنظم سلوك المحارب حيال المدنيين والشعب المدني في أرض العدو .

لقد صدر في ذلك بيانان رئيسيان أحدهما من رسول الله والثاني من خليفه الصديق . أما وصية رسول الله فتقول « انطلقوا باسم الله وبالله وعلى بركة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا واحسنوا إن الله يحب المحسنين وفي هذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام ( سيروا باسم الله وقاتلوا أعداء الله ولا تغلوا ) أي لا تخونوا ) ولا تغدروا ولا تنفردوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا » .

ويوجه تعليماته الى خالد بن الوليد في احدى الغزوات فيقول لا تقتل زرية ولا عسيفا ( أى عاملا ( ) ، وفى هذا المفهوم يتكرر المأثور عن الرسول في تحديد مسالك الجيش الاسلامي .

أما أبو بكر فقد وقف في رجاله وجيش اسامي على أهبة الرحيل فقال : (يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى : لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا اكلة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما افرغوا انفسهم له . وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها الوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليه وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقا . اندفعوا باسم الله

وليس بعد بيان رسول الله وصاحبه بيان .

وواضح من هذا البيان أن جيش الاسلام ممنوع من قتل :

1 - الشيخ الفاني وفي حكمه الزمن ( أي المريض الذي أقعده المرض المزمن ( إلا أن يكون له رأي في الحرب ومشورة ، فهم بذلك يصبحون من أئمة الكفر ، فقاتلوا ائمة الكفر أنهم لا ايمان لهم تعليم ينتهون ، . والصحيح أن الآية عامة وان كان سبب نزولها مشركي قريش ، وهؤلاء هم من عناهم أبو بكر في وصيته السالفة إذ بين الجند أنهم سيجدون قوما محلوقة رؤوسهم ولذا نصح الجند بان يضربوا معاقل الشيطان منهم بالسيوف وقال : والله لأن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم .

٢ - الطفل والمرأة ، ويذهب نفر من الفقهاء المسلمين - ويجاريهم في ذلك ما أخذت به احكام القانون الدولى الانساني - الى أن حصانة المرأة والطفل ، مرهونة بمدى اشتراك أيهما في الأعمال العسكرية ، ومع ذلك فقد سئل مالك عن نساء العدو وصبيانهم يكونون على الحصون يرمون بالحجارة ويعيشون على المسلمين أيقتلون . فقال نهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان.

3 - أهل الصنائع والإجراء والأكارين ( الزراع ) الذين لا يقاتلون وغيرهم ممن يسيرون في ركاب الجيش دون أن يشتركوا في الأعمال العدوانية كالتجار فهؤلاء جميعا يدخلون في حكم العسيف ( أي الاجير) أصلاً أو حكماً . لأن هؤلاء بانصرافهم إلى شئون المدينة هم بناء العمران والحرب الاسلامية ليست لازالة العمران أو تقويض دعائمه

4 - الرهبان ويدخل فيهم كل من خالف الإسلام من أهل الصوامع وغيرهم ممن حبس نفسه من كهنة أهل الكتاب. وقد سئل الاوزاعي عن هؤلاء وعن المرأة والصغير لو خيف أن يدلوا العدو هل يقتلون فقال لا حتى يدلوا ولا يقتلون على الفن وهذه الحصانة كفيرها مرهونة ببقاء هؤلاء في صوامعهم وبيعهم أما اذا خرجوا إلى المعركة مشتركين في أعمال العدوان أو ساعين إلى فتنة الناس فانهم يتقابلون حصانتهم

إذ كما يقول السرخسي : " إن المبيح للقتل من حيث المحاربة فإذا اغلقوا الباب على أنفسهم اندفع شرهم مباشرة وتسبيبا ".

بقي من الكلم عن حظر حرمان المدنيين والشعب المدني من الغذاء أماكنهم . لقد منع الإسلام . والشراب اللازم لبقائهم بقصد إجاعتهم أو جبرهم على الارتحال من كما هو واضح من وصية أبي بكر - ذبح الحيوانات إلا للاكلة أي حيث تقوم ضرورة لذلك ومنع قتل الحيوان حرقا حفاظا على قيمته الاقتصادية من أن تهدر دون مبرر . ذلك أن النبي نهى من أن يقتل شيء من الدواب جبراً إلا لضرورة عسكرية كان يخشى أن يقوى به العدو فيجوز عندك أن يقتل أو يعركب فان المسلمين إذا خرجوا في الغو ولم يجدوا من الطعام ما يشترونه بالثمن وأن الناس لا يبيعوهم إلا أن يأخذوه كرها كان لهم ذلك دفعا للضرورة وعلى سبيل الاستثناء

واذا كان الإسلام قد أجاز قطع الماء عن العدو وجعل الدم فيه والقذرة والدم متى يفسده فإنما قصد بذلك المحاربين وليس المدنيين وتلك إباحة محدودة كما قدمت بضرورتها

واذا ارتحل المسلمون وتركوا طعاما لا حاجة لهم به فلا يحرقوه الا اذا كان قوة لعدوهم ، أى أنه لا يجوز لهم اعدامه الا لضرورة عسكرية . وعندما غادر الرسول مكة مهاجرا امر عليا بأن يرد الودائع الى اصحابها وهم غير مسلمين . وحصل أن أسر المسلمون تمامة سيد يمامة في السنة السادسة من الهجرة فأسلم واتخذ قرارا بمنع أهل مكة ما يتمونون به من حبوب عشيرته - وكانت هي المصدر الرئيسي لتموين أهل مكة حتى يسلموا أو يأمره الرسول بغير ذلك فلما تعرضت مكة للمجاعة طلبوا رفع هذا الحظر . فكتب لثمامة بذلك بل ان الرسول نفسه ارسل لاهل مكة العجوة وقت أن كانت أعمال العداء على أشدها وامدها بمبلغ طيب من المال . ولست بحاجة الى أن أوضح أن مكة كانت في حالة حرب مع الرسول منذ أن تركها مهاجرا إلى أن دخلها فاتحا ، وفي حكم منع التخريب الذي أوجزه بعد قليل ما يكمل ما اقول .

انتقل الآن إلى الكلام عن التزامات المحارب حيال اسوال خصمه ويمكن في إيجاز بالغ ان القول ان الالتزام الأساسي هنا هو التفرقة بين الأهداف العسكرية والأموال المدنية وحظر تخريب الأموال المدنية .

لقد جاءت رصية أبي بكر صريحة في منع التخريب وليس اعلم بهدی رسول الله من صاحب رسول الله ثاني اثنين إذ هما في الغار . ولكن جمهرة من الفقهاء يجيزون هدم البناء وقطع الاشجار ، وحجتهم في ذلك :

۱ - جواز قطع النخل اقتداء بقوله تعالى (ما قطعتم من لينة او تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله » وهؤلاء فهموا اللينة بمعنى النخلة .

2 - ضرب المسلمون بيوت بني النضير بأمر الرسول وفي ذلك يقول القرآن الكريم ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) .

3 - روي عن الرسول أنه أمر بتحريق قصر مالك بن عوف أمي الجيوش بالطائف وأمر برمي حصن ثقيف بالمنجنيق وقطع كرومها وان اهل ثقيف عجوا عن ارادة قطعها وقالوا : كيف نعيش بعد قطعها .

وقد تناول الشيخ محمد ابو زهرة هذه الحجج بالتفنيد فقال ( ان النظرة الأولى لهذه الروايات تربنا أنها لا تبيح التخريب اباحة مطلقة وذلك لان اللينة التي استشهد بها في النص القرآني .. ليس المراد بها النخلة وانما المراد بها الثمرة والنص القرآني يفيد ذلك اذ يقول : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله » ولا يمكن فرض قيامها على أصولها الا اذا كانت هي الثمرة لا أصل النخلة. وقطع الثمرة لا بعد تخريبا . ثم ينتقل الى تخريب المؤمنين لبيوت بني النصير فيقول « أن ذلك كان لانهم اتخذوها حصونا واعتصموا بها وانزلوا الاذى بالمسلمين منها فكان لابد لزوال اذاها من تخريبها أو محاولة تخريبها وكان ما فعله الصحابة على قدر الضرورة ولكنهم أي اليهود لما علموا انهم مسلموها وتاركوها أتوا عليها هدما وتخريبا » .

وأضيف أن هذا المعنى واضح في الآية الكريمة لأن التخريب لم يكن من عمل المؤمنين وحدهم بل كان باشتراك اليهود أنفسهم فيه ..

أما رمي الحصون فلأنها حصون وبنو ثقيف قوم غلاظ أشداء وتخريب الحصون إنما يكون لإضعاف قوة العدو. أما التهديد بقطع كروم الطائف فلأنهم كانوا يتخذون منها الخمر وان النبي صلى الله عليه سلم أمر بالقطع ولم يقطع وذلك ليحملهم على التسليم فتحقن الدماء». وأقول أن هذا يضاف له انه عندما قدم الاسود الى الرسول مسلما وهو عبد ليهودى كانت معه ماشية لسيده - وذلك في معركة خيبر - فقال له الرسول اذهب الى مكان آمن واطلقها فى طريق صاحبها .

والذي يبدو لي أن الخلاف بين من أخذ كلام أبي بكر على محله والذي أجاز ما حرمه لا يختلفون مقصدا ، فالفريق الذي يحرم إنما يضع القاعدة العامة، والفريق الذي يجيز إنما يتأثر باعتبارات الضرورة المحظورات. العسكرية وصالح المسلمين ولا خلاف على أن الضرورات تبيح

وهنا أود أن أضرب مثلا لواقعة قد لا تكون وثيقة الصلة بما أقول في فحواها ولكني اعتقد أن لها مغزاها في مقصودها ومعناها وهي أن الضرورة العسكرية دعت قائد المسلمين لان يحتلها فأعاد الضرائب الى أهلها لانهم جبوها لحمايتهم ولما كان ذلك لم يعد ممكنا فلا حق لهم فيها .

معاملة أسرى الحرب :

تلك صفحة مشرقة من صفحات الهدى السماوي تزدان بأحكام لما تحققها المواثيق والأعراف الدولية المعاصرة .

ونقطة البداية في تحديد المركز القانوني للأسير هو أن الأسير في ضمان الدولة العدو وليس فى سلطان المحارب الذي يأسره . وتلك نقطة جلاها الإسلام بقوله عز وجل ( فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها » .

والآية الكريمة تأمر بالقتال الى أن يثخن المسلمون بالكفار أي يحققوا الغلبة عليهم - ثم بعد ذلك يشدون الوثاق - أي يأسرونهم . فإن تحقق الاسر انتهى القتال ولا يبقى الا المن أو الفداء . ولذا فان القاعدة الإسلامية هي أن الأمر بالقتال هو لغاية الأسر ثم تترك الخيار بعد ذلك للإمام ، وتبعا فان الأسير فى ضمان الإمام الى أن يقضى في أمره. ولذا يقول الرسول ( لا يعترض أحدكم أسير أخيه فيقتله » .

ومما يستدل في هذا الخصوص ما روى من أن عبد الله بن عامر بعث إلى ابن عمر بأسير ليقتله فقال : أما والله مصرورا (أي موثوقاً) فلا اقتله . يعنى أنه لا يملك أن يقتله بعد شده وأسره لأن أمره بهذا أصبح للإمام .

ويجمع الفقهاء على مسئولية الأسر إذا قتل أسيره لكنهم يختلفون في الجزاء . فيقول الاوزاعي اذا قتل الأسر أسيره قبل إبلاغ الامام عوقب واذا قتله بعد ابلاغ الامام عوقب وغرم ثمنه. ويرى الشافعي الا غرم عليهم الا إذا قتل طفلاً أو امرأة

بيد أن الأسر لا يسقط صفة المحارب عن الأسير ولكنه محارب عجز عن المحاربة لكونه مقهورا في أيدينا . ولذا لابد من انهاء هذه الصفة بإجراء ما . وتقول جمهرة الفقهاء أن الإمام - في إنهاء الأسر - بالخيار بين أمور أربعة : المن أو الفداء أو القتل أو الأسر . والآية التي أسلفتها صريحة في أن مصير الأسير هو أحد أمرين : المن أو الفداء أما القتل والاسر فاضافة منها كلام .

وفي عقيدتي أن المن على الأسير هو أول ما يجب أن ينظر فيه الإمام ولا ينصرف عنه إلا لاعتبارات تقضيها مصلحة المسلمين . ذلك أن الآية

الكريمة قدمت المن على الفداء فدلت بذلك على أنه هو الأولى بالاتباع . ثم إن الله تعالى بقول " يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى ان يعلم الله في قلوبكم يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفو ررحيم » كان الله قد وعد من فى قلبه خير من الاسرى بعوض أكبر ومغفرة فان العبد أحرى بأن يفعل ذلك فان كان هناك خير في المن كان عليه أن يمن .

ويجوز أن يكون المن مشروطا ويجوز أن يكون غير مشروط فان كان مشروطا وجب على الأسير أن يلتزم بشرطه ذلك أن الرسول من في معركة بدر على أبي عزة وكان شاعرا بعد أن أعطى موثقا بألا يظاهر أحدا على الرسول ولكنه عاد فقدم مع المشركين في غزوة أحد ووقع أسيرا في يد المسلمين فاسترحم الرسول ولكن الرسول أبى وقال لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين : إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين : ثم أمر بضرب عنقه

أما الفداء فصوره متعددة فقد يكون مالا وقد يكون عتادا وقد يكون غير ذلك ففي بدر مثلا كان من الغداء تعليم عشرة صبية ، كما حكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أطلق سراح مائة ألف أسير لقاء مدينة بيزنطية . واذا كان الفداء أسرى بأسرى فهذا ما نطلق عليه تبادل الأسرى ولا نشترط النظرية الاسلامية أن يكون التبادل عدديا بمعنى أن يكون التبادل أسيرا بأسير كما تسمح بأن الأسير المسلم فداء لغيره من المسلمين لان الرسول فدى العقيلي الذي أسلم برجلين من المسلمين . وتدل الممارسة الاسلامية على جواز الاذن لممثلى العدو بزيادة أماكن الأسرى لحصرهم والاستيثاق من صحة عددهم كما تشير الممارسة الإسلامية لي ضرورة حماية وسائط نقل الأسرى حتى يكون ذلك مبعث اطمئنان في الحال والاستقبال .

أما قتل الاسرى فيختلف عليه الفقهاء ، فريق يجيزه وفريق ينكره يقول الجصاص في أحكام القرآن أن فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا تعلم بينهم خلافا فيه وقد تواترت الأخبار عن النبي في قتله الاسمر ويجيز الشافعي وأبو يوسف القتل اذا كان فيه نظر للمسلمين من تقوية دین الله وتوهين عدده .

ولكن الجصاص في تعميمه لم يكن دقيقا لان أبا يوسف ذكر في كتاب الخراج إن الحجاج أتى بأسير لعبد الله بن عمر وقال له : قم فاقتله فقال بن عمر : ما بهذا أمرنا إن الله تبارك وتعالى يقول « فشدوا الوثاق فأما منا بعد وإما فداء » . وان الحسن البصرى وعطاء يكرهان قتل الاسرى . بل إن من فقهاء المسلمين - مثل مجاهد ومحمد بن سيرين من يحرمون قتل الأسرى ويرون أن الخيار بين المن والفداء كما فعل الرسول في أسرى بدر . وقد تلى الحجاج بأسير وقال لعبد الله بن عمر قم فاقتله فقال ابن عمر ما بهذا أمرنا وقرأ آية المن والفداء

والحق أن المأثور عن الرسول قد ينهض دليلا للفريقين كل حسب فهمه فالرسول أمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأبي عزة الشاعر وشرط على ابن ابي الحقيقي الا يكتم شيئا فلما ظهر على خيانته و كتمانه قتله وأمر بعد فتح مكة بقتل هلال بن اخطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن يعد بن أبي سرح وقال اقتلوهم وان وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة . ولكنه أنكر على خالد بن الوليد قتل أسرى بني خذيمة حين قالوا : صبانا صبانا . والآية الكريمة لم تذكر القتل عقوبة للاسير . ولذا يختلف المفسرون في شأنها فبعضهم يقول انها نسخت وبعضهم ينفى ذلك .. والأمر عندى أبسط في أن يثير البلبلة ذلك أن السوابق التي أمر فيها الرسول بقتل الاسير محدودة ونادرة ولو اننا فحصناها واحدة بعد الاخرى لوجدنا أن عقوبة القتل لم تكن جزاء على الاسير لانه اسير ولا خيارا للإمام فى تقرير مصير الاسير وانما كانت عقوبة عن أفعال صدرت عن هؤلاء الأسرى قبل الاسر وخارج نطاق المعركة التي أسروا فيها فهي عقوبة على جريمة ارتكبوها ضد الرسول والاسلام وليست جزاء يبرره الاسر . وهذا أمر توقعته واجازته المادة ٨٥ من اتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب اذ تقول « أسرى الحرب الذين يحاكمون بمقتضى قوانين الدولة الحاجزة عن ذنوب اقترفوها قبل وقوعهم في الاسر لهم حق الاستفادة بمزايا هذه الاتفاقية حتى ولو حكم عليهم )

اما اذا لم يكن هناك من جرم اقترفه الاسير قبل وقوعه في الاسر فإن الامام لا يملك أن يأمر بقتله كخيار من بين الخيارات التي يمارسها حيال الاسرى . ولا يقال هنا أن مصلحة المسلمين قد تقتضى ذلك لان مصلحة المسلمين لا يضيرها اطلاق أسير لم يعرف عنه ما يهدد الاسلام والمسلمين فان جدت ضرورة دعت الى ذلك فان القتل هنا يكون سياسة وليس ممارسة لخيار وحق استنادا الى المبدأ الذى تقره الدول المتمدينة وهو أن الضرورات تبيح المحظورات. وأغلب الظن أن هذه التفرقة لم تثر بذهن الفقهاء الذين أجازوا قتل الاسير ولعلها لم تكن واضحة تماما عندما قالوا بكراهية قتله .

ودليلي على ما أقول في التفرقة بين معاقبة الأسير عن جرم ارتكبه قبل الأسر وبين أسير لم ينسب إليه شيء أن الرسول بكى حتى اخضلت لحيته من الدموع عندما سمع قول أخت الحارث وهي ترثي أخاها في قصيدة مطلعها :

يا راكبا ان الائيل مظنه من صبح خامسة وأنت موفق

وتخاطب الرسول فيها بقولها

امحمد او لست ضن نجيبة في قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو متت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق

النضر أقرب من قتلت قرابة وأحقهم ان كان عتق يعتق

أو كنت قابل فدية فلنأتين بأعز ما يغلو لديك وينفق .

وقال « لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه » فالرسول يتكلم هنا عن العفو ولا يكون العفو إلا عن جريمة والقتال ليس جريمة ما دام في نطاق آدابه وحدود أحكامه والأسر ليس اجراء من الاجراءات الجنائية وإنما هو تحفظ على المحارب لإعجازه عن متابعة القتال . ولم يشرع الله في القتال قتل المحارب إلا إذا قاتل فحسب « فان قاتلوكم. فاقتلوهم » واذن فالعقوبة هنا لم تقرر كجزء يمكن أن يوقع على الأسير وإنما كجزاء على ما اقترفه من وقع في الأسر عن جرائمهم السابقة ولم يكن الأسر سوى ظرف امكن الدولة الاسلامية من المجرم وأوقعه في سلطانها . وهنا أسوق ما قاله أبو يوسف أنه أحسن ما سمع في ذلك الخصوص . يقول أبو يوسف ( اذا أمن المحارب لم يؤخذ بشيء كان أصابه في حال حربه إلا أن يكون شيئا أصابه قبل ذلك فيؤخذ به » .

إذكر فى تزكية ما أقول أن قريشا بعثت في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان - اللذين أسرتهما سرية عبد الله بن جحش فقال الرسول ( لا نفديكما حتى يقدم صاحبانا » - يعنى سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فانا نخشاكم عليهما. فان تقتلوهما فقتل صاحبيكم» فقد مسعد وعتبة فأفداهما رسول الله فالتهديد بقتل الأسيرين كان تهديدا بالمعاملة بالمثل تأمينا لحياة أسيرين مسلمين ولم يكن ممارسة لخيار يملكه الإمام حيال الأسير . ولذلك نهى الرسول عن قتل أبي النجترى بن هشام لأنه كان أكف الناس عنه وهو بمكة كان لا يؤذيه و يبلغه عنه شيء يكرهه أما عقبة بن أبي معيط فقد سأل الرسول عندما أمر الرسول بقتله قال أتقتلني يا محمد من بين قريش ؟ قال : نعم أتدرون ما صنع هذا بي ؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجليه على عنقى وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستدوران وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسى وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي . وان انتقاء عقبة من بين الأسرى وقتله لم يكن سابقة في تقرير حق الإمام في قتل الأسرى وإنما كان عقوبة على ما سبق فيه من اعتداء على الرسول وكذلك كان النضر بن الحارث من شر عباد الله وأكثرهم كفرا وعنادا وهذان هما فقط الشخصان اللذان قتلا من بين أسرى بدر ت حين أطلق بعض أسرى بدر بلا فداء منهم أبو العاص الربيع الأموي