الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الثلاثاء، 26 مايو 2026

الطعن 1831 لسنة 2 ق جلسة 2 / 3 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 66 ص 591

جلسة 2 من مارس سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

----------------

(66)

القضية رقم 1831 لسنة 2 القضائية

(أ) مسئولية 

- مناط مسئولية الإدارة عن القرارات الإدارية توافر الخطأ والضرر وعلاقة السببية - يتوافر الخطأ إذا كان القرار الإداري غير مشروع لإصابته بعيب أو أكثر من العيوب المنصوص عليها بالمادة 8 من قانون مجلس الدولة رقم 165 لسنة 1955.
(ب) سبب القرار الإداري 

- قرار بحجز مصاب بمرض عقلي تطبيقاً للمادة 4 من القانون رقم 141 لسنة 1944 - وجوب قيامه على ركنين: إصابة المحجوز بمرض عقلي، وخطورة مرضه بما من شأنه الإخلال بالأمن أو النظام أو سلامة المريض أو الغير - صدور قرار بالحجز رغم انعدام أحد الركنين - فقدانه لركن السبب - إلغاؤه - التعويض عن الضرر الناشئ عنه.
(جـ) مسئولية 

- التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية - مسئوليته عن كل خطأ يقع منه جسيماً كان أو يسيراً - دليل ذلك.

-----------------
1 - إن مناط مسئولية الإدارة عن القرارات الإدارية التي تصدرها في تسييرها للمرافق العامة هو قيام خطأ من جانبها، بأن يكون القرار الإداري غير مشروع لعيب أو أكثر شابه من العيوب المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة وفي المادة الثامنة من القانون رقم 165 لسنة 1955 بشأن إعادة تنظيمه، وأن يلحق صاحب الشأن ضرر، وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر بأن يترتب الضرر على القرار غير المشروع.
2 - إن المادة الرابعة من القانون رقم 141 لسنة 1944 بشأن حجز المصابين بأمراض عقلية تنص على أنه "لا يجوز حجز مصاب بمرض في قواه العقلية إلا إذا كان من شأن هذا المرض أن يخل بالأمن أو النظام العام أو يخشى منه على سلامة المريض أو سلامة الغير وذلك طبقاً لأحكام هذا القانون..."، ويظهر من ذلك أن القرار الذي تصدره الإدارة بالحجز يجب - لكي يكون مطابقاً للقانون - أن يقوم على ركنين هما: إصابة الشخص المحجوز فعلاً بمرض عقلي، ثم خطورة مرضه بأن يكون من شأنه الإخلال بالأمن أو النظام العام أو كان يخشى منه على سلامة المريض أو سلامة الغير. وبغير توافر ذلك يكون حجزه غير جائز قانوناً، ويجب إلغاء القرار بحجزه لانعدام سببه المبرر له، كما يكون له الحق في مطالبة الإدارة بتعويضه عما أصابه من ضرر بسبب هذا القرار إن كان لذلك وجه.
3 - إن التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية، فيسأل عن كل خطأ يقع منه جسيماً كان أو يسيراً، طبقاً للأصل العام الذي رددته المادة 163 من القانون المدني، وهو أن يسأل الشخص عن خطئه أياً كانت درجته دون تفرقة بين درجة هذا الخطأ. وإنما المعيار في تقدير خطأ الطبيب وتعيين مدى واجباته يكون إما بمقارنة مسلك طبيب عادي إذا وجد في مثل ظروفه الظاهرة، أو بمقارنة مسلك طبيب أخصائي مثله إذا وجد في مثل هذه الظروف؛ لأن الأخصائي محل ثقة خاصة لها وزنها عند تقدير معيار الخطأ نظراً لتخصصه، كما أنه إذا كانت الحكمة تتطلب من القاضي ألا يوغل بنفسه في فحص النظريات العلمية المختلف عليها ومناقشتها، وأن يوازن هو بينها ويرجح إحداها على الأخرى ترجيحاً ينبني عليه حكمه في خطأ الطبيب ومساءلته عن هذا الخطأ، إلا أنه ليس معنى هذا أن القاضي ممنوع عن تقدير الخطأ بمعياره القانوني الواجب، أو أن الطبيب لا يسأل عن خطئه الثابت ولو كان يسيراً، بل المقصود من ذلك أن القاضي يجب أن يستخلص الخطأ بمعياره المحدد آنفاً من وقائع واضحة ثبت منها أن مسلك الطبيب - عادياً كان أو أخصائياً بحسب الأحوال - كان مسلكاً يتنافى مع الأصول الثابتة المقررة في المهنة، والتي لا يحتاج القاضي في التثبت منها إلى الخوض في مناقشة نظريات علمية أو أساليب مختلف عليها. فإذا ما ثبت خطأ الطبيب على هذا النحو، وجبت مساءلته عنه، أياً كانت درجته جسيماً كان أو يسيراً.


إجراءات الطعن

في 16 من سبتمبر سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1831 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة) بجلسة 22 من يوليه سنة 1956 في الدعوى رقم 2577 لسنة 9 القضائية المقامة من الدكتور علي عبد السلام ضد وزارة الصحة العمومية، القاضي: "بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي تعويضاً قدره خمسة آلاف جنيه والمصروفات المناسبة، ومبلغ عشرين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين، للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه، "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الصحة في 24 من سبتمبر سنة 1956، وإلى المطعون عليه في 27 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 29 من ديسمبر سنة 1956. وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 13 من نوفمبر سنة 1956 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة اليوم مع الترخيص في تقديم مذكرات. وقد أودعت الحكومة سكرتيرية المحكمة في 12 من يناير سنة 1957 مذكرة بملاحظاتها انتهت فيها إلى طلب "الحكم بقبول الطعن، وإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض دعوى المدعي. ومن باب الاحتياط الكلي سقوط حقه في التعويض عن المدة السابقة على رفع دعواه بثلاث سنوات، مع إلزامه بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة".


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 2577 لسنة 9 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد وزارة الصحة العمومية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 21 من مايو سنة 1955، ذكر فيها أن الحكومة كانت قد حجزته بغير وجه حق بمستشفى الأمراض العقلية منذ 7 من نوفمبر سنة 1942، إلى أن قضى مجلس الدولة في الدعوى رقم 452 لسنة 9 القضائية بجلسة 14 من إبريل سنة 1953 بإلغاء قرار حجزه. وأنه على إثر صدور هذا الحكم أقام الدعوى رقم 4900 لسنة 1953 أمام محكمة القاهرة الابتدائية مطالباً الحكومة فيها بتعويض عن سلبه حريته زهاء عشر سنوات ونصف. ثم قرر فيها بترك المرافعة بعد إذ دفعت الحكومة بعدم اختصاص المحاكم العادية بنظر هذا الطلب، وأقام دعواه أمام محكمة القضاء الإداري طالباً الحكم بإلزام وزارة الصحة بأن تدفع له مبلغ خمسين ألف جنيه على سبيل التعويض عما لحقه من أضرار مادية وأدبية مع المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وأورد شرحاً لدعواه أنه تخرج في كلية الطب في مايو سنة 1938، وعين طبيباً بوزارة الصحة بقسم الأمراض المتوطنة في نوفمبر من العام ذاته، ثم نقل في نوفمبر سنة 1930 معيداً كل الوقت بقسم البكتريولوجيا بكلية الطب بعد أن عانى ضروباً من الاضطهاد، بيد أن هذا الاضطهاد ظل يلاحقه بعد نقله، إذ حرم من البعثات إلى الخارج التي كان من حقه أو يوفد فيها وفاز بها من كانوا يكيدون له وأتباعهم، وقد حصل على دبلوم الصحة العامة في سنة 1933، وعلي دبلوم طب المناطق الحارة في سنة 1933، وعلى بكالوريوس الطب والجراحة في سنة 1934، وفصل من الخدمة بكلية الطب في 24 من فبراير سنة 1934 بغير مبرر بدعوى انقطاعه عن العمل، فالتحق بالكلية بصفة تلميذ أبحاث إلى أن أعيد تعيينه بها في 10 من يونيه سنة 1935، حيث اعترفت بأن فصله كان بسبب عدم وفاقه مع الأستاذ المساعد، ثم رقي لوظيفة مساعد مدرس بقسم البكتريولوجيا في أكتوبر سنة 1936، وطلبت له الترقية إلى الدرجة الخامسة وتعديل مرتبه إلى 20 جنيهاً شهرياً اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1936، ثم أوفدته الجامعة في بعثة لكلية الطب للتخصص في البكتريولوجيا في سنة 1936, فالتحق بجامعة كامبردج وحصل منها على الدكتوراة في سنة 1939، وعاد إلى وطنه ليعمل في وظيفة من الدرجة الخامسة، وقبل أن تنقضي أسابيع على عودته تقرر فصله بحجة انقطاعه عن العمل بغير تحقيق، ولم يكن فصله هذا إلا لإفساح الطريق أمام زميله الذي يليه وهو الدكتور صلاح الدين الخولي. وقد كان لهذا التصرف في نفسه أثر بالغ حفزه إلى التقدم بعدة شكاوى إلى المسئولين ومن بينهم وزير المعارف الذي أرسل إليه كتاباً ظنه الوزير تهديداً، ولما وقف الوزير على حقيقة ظلامته - بعد تحقيق أجرته النيابة العامة - أمر بإنصافه، فأعيد تعيينه بكلية الطب في 2 من إبريل سنة 1940 مدرساً بقسم الأبحاث. غير أن الدسائس نشطت من جديد فطلب إليه الانتقال من وظيفته التي عين فيها إلى وظيفة أخرى، فلما عارض في هذا النقل المخالف لتخصصه منع من العمل ووقف مرتبه اعتباراً من شهر يوليه سنة 1940، وطفق خصومه يشنون عليه حملة تشهير ويرمونه بالجنون بسبب حرصه على كرامته وعلى الصالح العام وعلى ممارسة العمل الذي تخصص فيه. وانتهى الأمر بأن أحالته الكلية في سبتمبر سنة 1940 إلى القومسيون الطبي لفحص قواه العقلية، فلما تجد هذه المحاولة لدى القومسيون الطبي استصدر وكيل الكلية مرة أخرى قراراً من الجامعة في 15 من ديسمبر سنة 1940 بفصله من الخدمة لانقطاعه عن العمل مع إرجاع تاريخ الانقطاع والفصل إلى شهر يوليه سنة 1940. وإذ رأى نفسه يفصل ويشرد للمرة الثالثة دون جريرة عاد يشكو إلى وزير المعارف وغيره من المسئولين. فلما لم يجد مصغياً وذهبت شكواه أدراج الرياح ولم يعمل التحقيق الذي طالب به أقام الدعوى رقم 160 لسنة 1942 أمام محكمة القاهرة الابتدائية مطالباً بتعويض، ولكن الكلية عرقلت سير العدالة بأن أخرت تقديم ملف الموضوع للمحكمة أكثر من سنة، الأمر الذي حمله على العودة إلى طريقته السابقة، فأرسل إلى رئيس مجلس الوزراء وقتذاك عدة شكاوى عقب عليها بخطاب صاغه على نسق الكتاب الذي سبق أن بعث به إلى وزير المعارف، فإذا بهذا الخطاب يحول لا إلى النيابة، بل إلى البوليس السياسي الذي اقتاده إلى كبير الأطباء الشرعيين للكشف على قواه العقلية، ولكن هذا الأخير أبى عليه ضميره أن يرمي المدعي بالجنون، فلما آنس البوليس السياسي منه هذا الموقف وأدرك تردده في توقيع استمارة إحالة المذكور إلى مستشفى الأمراض العقلية تحول عنه إلى طبيب المحافظة، الذي وقع في الحال وثيقة إدخاله مستشفى الأمراض العقلية حيث حجز به من 7 من نوفمبر سنة 1942. وهناك تلقفه الدكتور كامل الخولي مدير مصلحة الأمراض العقلية وكتب عنه تقارير غير صحيحة مدعياً بأنه مصاب بالمرض العقلي المسمى "بارانويا"، وقد تخير هذا المرض بالذات لأنه غير قابل للشفاء حتى يضمن حجزه مدى الحياة من أجل إفساح الطريق أمام ابن عمه الدكتور صلاح الدين الخولي. وقد ذهبت كافة شكاوى المدعي العديدة للجهات المسئولة من هذا الحجز الجائز سدى أمام تقارير الدكتور الخولي المتكررة بأنه مصاب "بالبارانويا"، مما ألجأه إلى رفع دعوى أمام القضاء العادي يطلب فيها الإفراج عنه، إلا أن هذه الدعوى قضي فيها بعدم الاختصاص وتأيد هذا الحكم استئنافياً. وبعد ذلك رفع الدعوى رقم 452 لسنة 4 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري التي أصدرت حكمها فيها لصالحه بجلسة 14 من إبريل سنة 1953. وقد كشف هذا الحكم عن صحة تقارير الدكاترة عبد الحكيم المرصفاوي ومحمد كمال قاسم وفلاك الذين اتفقوا في الرأي على أنه ليس مصاباً بمرض عقلي خلافاً لما أثبته الدكتور الخولي وأعوانه بتقاريرهم. وانتهى إلى أن حكم المادة الرابعة من القانون رقم 141 لسنة 1944 بشأن حجز المصابين بأمراض عقلية غير منطبق على حالته؛ ومن ثم قضي بإلغاء قرار امتناع الحكومة عن إخراجه من مستشفى الأمراض العقلية دون قيد، وإلغاء ما ترتب على ذلك من وضعه تحت الرقابة، وبذا سجل هذا الحكم مدى تجني الحكومة على المدعي وقسوة المسئولين فيها؛ إذ زجوا به في مستشفى الأمراض العقلية تقرباً لرئيس الحكومة بعد سلسة طويلة متتابعة من الاضطهادات، ووصفوه بأنه من الخطرين بسبب مرضه العقلي على سلامة الغير وسلامة نفسه. وقد حاق به نتيجة هذا ضرر بالغ لا يكفي أي مبلغ لتعويضه؛ إذ حشر، وهو العالم المثقف، بين مرضى العقل سنين طويلة، ولم يقتصر الأمر على اعتقاله والعبث بحريته بل عرضه للإرهاق العصبي، إذ فرض عليه بغياً أن يعاشر هؤلاء التعساء وأن يعامل معاملتهم، وبذا تحطمت قواه المادية والمعنوية كما قضي على مستقبله، بحيث لم يعد قادراً على ممارسة مهنته بعد ما ألم به من إفناء لشبابه وإهدار لآدميته وتكبيل لحريته، مما أضحى معه خائر النفس محطم القلب كليم الفؤاد. ولا سيما أن الفرع الذي تخصص فيه هو من العلوم العملية لا النظرية، وأنه يستلزم ممارسة مستمرة للاحتفاظ فيه بالتفوق والمستوى المنشود. فضلاً عن أن هذا التخصص قد حدا به إلى ترك جميع فروع الطب الأخرى بما لا يسمح له الآن بالعمل في الطب العلاجي أو غيره من الفروع التي يتخصص فيها، ومنها التحاليل الطبية التي تمارس في معامل التحليل.
ومن حيث إن الدفاع الذي أبدته الحكومة رداً على موضوع هذه الدعوى يتحصل في إنكارها عليه أنها زجت به في مستشفى الأمراض العقلية، واحتجزته فيه بدافع الشهوة والانتقام، أو رغبة في التقرب إلى رئيس وزارة سابق، أو حباً في إفساح المجال بعد الخلاص منه لترقية بعض أقارب رؤسائه الأطباء بكلية الطب كما يزعم، إذ لم يقم أي دليل على شيء من ذلك، كما أن المدعي لم يثبت ما ينعاه من عيوب على القرارات الإدارية التي أدت إلى إدخاله المستشفى واحتجازه فيه، وبذلك يتعين استبعاد تلك العيوب من مجال مناقشة أسباب التعويض الذي يطالب به ومقداره. أما الحكم الصادر لصالحه من محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 452 لسنة 4 القضائية بإلغاء قرار امتناع الحكومة عن إخراجه من المستشفى فقد حاز قوة الشيء المحكوم فيه بالنسبة إلى الشطر منه الذي تناول العيوب التي سبق أن طرحها المذكور على المحكمة ولم تر الأخذ بها؛ ومن ثم فلا يجوز إعادة البحث في هذه العيوب، بل يتعين حصر مناقشة موضوع الدعوى فيما اعتبر عنواناً للحقيقة في الحكم المشار إليه وما عسى أن يرتبه من مسئولية على الحكومة. ويبين من استعراض أسباب هذا الحكم أن الأطباء الحكوميين قد أجمعوا على إصابة المدعي بمرض عقلي، وأن الدكتور "فلاك" المنتدب مع غيره من الأطباء لفحص حالة المذكور قرر بالاشتراك معهم أن الفحص الأول الذي أجري غير كاف، ولذا اتفقوا على إعادة الفحص، إلا أن الظروف حالت دون ذلك، فانفرد الدكتور "فلاك" بتقديم تقرير نظري انتهى فيه إلى عدم إصابة المدعي بمرض عقلي. وقد رأت المحكمة إزاء تناقض هذه التقارير ندب ثلاثة أطباء باتفاق الطرفين للقيام بالفحص، فقرر أحد الثلاثة أن المدعي مصاب بمرض عقلي، وقرر الآخران عكس ذلك. بيد أن أحدهما أضاف أن للمذكور "شخصية هذائية". وكان أن رأت المحكمة ترجيح الرأي القائل بعدم إصابة المدعي بمرض عقلي أخذاً بتقرير هذين الطبيبين والدكتور "فلاك". وبناء على ذلك قضت بإلغاء القرار المطعون فيه، ولم تقل المحكمة إن تقارير الأطباء الحكوميين بنيت على الغرض والانتقام، كما أنها لم تنسب إلى التقارير العديدة التي بدأت منذ نوفمبر سنة 1942 أنها قامت على خطأ في التشخيص أو غلط فيه، وشتان بين الخطأ والغلط، بل اقتصر بحثها على معرفة ما إذا كان المدعي مريضاً في سنة 1953 ويتعين احتجازه بالمستشفى أم أنه ليس كذلك. ولم تتعرض لحالته في المدة السابقة على تاريخ الحكم، ولا للتقارير العديدة التي قدمت في هذه المدة، ولا لقرار إدخاله المستشفى في سنة 1942. وليس بمستبعد أن يكون مريضاً حقاً في ذلك التاريخ ثم تحسنت حالته نسبياً على مر السنين، الأمر الذي لم يحقق إطلاقاً، ولا يمكن لطبيب في سنة 1953 أن يجزم بأن المدعي لم يكن مريضاً في سنة 1942. وقد كان آخر تشخيص للأطباء الحكوميين في سنة 1950 ثم تحسنت حالته المذكور قليلاً، فإذا فرض في تشخيصهم وقتذاك غلط فإن الغلط الواقع في التشخيص في سنة 1950 لا يدل بذاته على استمرار الخطأ أو الغلط من عدة أطباء ابتداء من سنة 1942، ولا يمكن أن يجرى في هذا بحث أمام محكمة الإلغاء لعدم الطعن في القرارات الصادرة بناء على ذلك في حينها. وإذ كان موضوع الدعوى الحالية هو مطالبة بتعويض عن واقعة بدأت في سنة 1942 فإنها تظل غير صالحة للحكم فيها حتى يقوم الدليل على أن المدعي لم يكن مريضاً منذ سنة 1942 حتى تاريخ صدور الحكم في دعوى الإلغاء، وعلى أن الأطباء الحكوميين وقعوا في خطأ في تشخيص حالته لا في غلط. أما عن المدة التالية لصدور تقارير الأطباء الذين اعتمدت محكمة الإلغاء رأيهم فإن الأمر فيها لا يعدو أن يكون إما خطأً مهنياً في التشخيص تحتمل معه المسئولية، وإما غلطاً لا تقوم معه أية مسئولية. ذلك أن إلغاء القرار لا يعتبر في ذاته سنداً للمسئولية؛ إذ أن المحكمة تلغي القرار سواء بني على خطأ أو على خطأ في التشخيص، وإنما تترتب المسئولية فقط إذا ما ثبت أن التشخيص ينطوي على خطأ مهني. والثابت من الأوراق أن المدعي إنما أدخل مستشفى الأمراض العقلية في 7 من نوفمبر سنة 1942 بعد إذ تبين من تقصي حياته الوظيفية شذوذه العقلي الذي تبدى فيما حفل به مسلكه من مشاغبات وغرائب وتهديدات متكررة لوزير المعارف ولرئيس مجلس الوزراء وقتذاك بالقتل. وقد كان إدخاله مستشفى الأمراض العقلية بناء على شهادة طبية محررة من طبيب أول محافظة القاهرة، بعد سبق الكشف عليه من نائب الطبيب الشرعي بقسم مصر الذي نصح بإدخاله المستشفى لوضعه تحت الملاحظة، ثم حرر تقرير عن حالته من مدير عام مصلحة الأمراض العقلية انتهى إلى أنه مصاب بمرض "البارانويا" وإلى أن حالته تقتضي احتجازه بالمستشفى. وقد عرض أمره مراراً على مجلس مراقبة الأمراض العقلية طبقاً لأحكام القانون رقم 141 لسنة 1944 فكان المجلس في كل مرة يندب طبيباً أو أكثر لإعادة فحصه ثم لا يسعه بناء على التقارير التي تقدم إليه إلا أن يأمر باستمرار حجزه، وبلغ عدد من قدموا عنه تقارير اثني عشر طبيباً جلهم من المتخصصين في الأمراض العقلية وبعضهم أساتذة في الجامعة المصرية، وقد أجمعوا على إصابته بمرض عقلي وعلى أن حالته تستدعي حجزه بالمستشفى، كما بلغ عدد التقارير المقدمة منهم أربعة عشر تقريراً. والقاعدة أن التزام الطبيب ليس التزاماً بغاية، بل هو التزام ببذل عناية للوصول إلى غرض لا يضمن تحقق نتيجته، والعناية المتطلبة هي تلك التي يبذلها الشخص العادي بحسب أصول المهنة، أي من كان من أوسط رجال الفن علماً وكفاية ويقظة، وهو الذي لا يغتفر خطؤه فيما استقرت عليه أصول فنه التي لم تعد محلاً للمناقشة بين رجال هذا الفن. أما المسائل العلمية التي لم يستقر عليها إجماع أهل الفن فليس للقاضي أن يتدخل فيها برأي شخصي، ولا يرتكب الطبيب أي خطأ في الأخذ برأي دون آخر، ولا سيما في مجال الأمراض العقلية التي لا تزال بعد في طورها العلمي الأول؛ إذ يعالج الطبيب مرضاً غير محسوس ولا ملموس مستعيناً في تشخيصه بعناصر غير ثابتة. فإذا وقع منه غلط في هذه الحالة في التشخيص فإنه لا يكون غلطاً من الطبيب بل من علم الطب ذاته، وليس أدل على ذلك من توافر أربعة عشر تقريراً من اثني عشر طبيباً متخصصاً أجمعوا متفرقين على تشخيص واحد. ومتى كانت الدعوى مبنية على غلط في التشخيص، إن صح وقوعه، ولم يكن هذا الغلط نتيجة جهل أكيد بالأصول الطبية الثابتة أو خطأ واضح، فلا مسئولية ولا تعويض. وخلصت الحكومة من هذا إلى طلب "رفض الدعوى، مع إلزام المدعي بالمصاريف ومقابل الأتعاب". وبجلسة 22 من يوليه سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة) "بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي تعويضاً قدره خمسة آلاف جنيه، والمصروفات المناسبة ومبلغ عشرين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها على أن الخطأ في هذه الدعوى متحقق بناء على حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بجلسة 14 من إبريل سنة 1953 في الدعوى رقم 452 لسنة 4 القضائية، الذي أثبت مخالفة القرار الذي قضى بإلغائه للمادة الرابعة من القانون رقم 141 لسنة 1944، وقد حازت أسباب هذا الحكم، المتصلة اتصالاً وثيقاً بمنطوقه، قوة الشيء المقضى به طبقاً للمبادئ العامة ولحكم المادة 17 من القانون رقم 165 لسنة 1955 بشأن تنظيم مجلس الدولة؛ ومن ثم فلا تملك المحكمة في صدد دعوى التعويض أن تعيد بحث أو مناقشة هذا الخطأ وجوداً أو عدماً أو أن تعدل في تكييفه على أساس آخر. أما الضرر فواقع نتيجة احتجاز المدعي في مستشفى الأمراض العقلية المدة التي قضاها بالمستشفى. وقد أنتج الخطأ هذا الضرر بطريق مباشر، وبذا تكون قد قامت علاقة السببية. وقد جاء بأسباب حكم الإلغاء المشار إليه أن التقارير الطبية التي قدمت عن المدعي متضمنة أنه لا يزال مصاباً بمرض "البارانويا" منقوضة من أساسها بما ورد في تقرير الدكتور الكولونيل "فلاك" المؤرخ 4 من ديسمبر سنة 1951، وكذا في تقارير الأطباء الثلاثة الذين ندبتهم المحكمة لفحص حالة المدعي العقلية، والذين اتفقوا جميعاً في الرأي على أن المذكور ليس مصاباً بمرض عقلي مستندين في ذلك إلى أسباب علمية وإلى ما تقصوه من أقوال ووقائع. وتأسيساً على هذا فإن قرار حجز المدعي في مستشفى الأمراض العقلية يكون قد قام على تقارير طبية خاطئة في التشخيص. وإذا كان لا محل لمناقشة هذا الخطأ من حيث وجوده بعد أن ثبت بحكم حاز قوة الشيء المقضى فيه، فإن ذلك لا يحول دون البحث في مداه في مجال تقدير التعويض. ومن المقرر أن خطأ التشخيص الواقع من طبيب الحكومة في تقرير رسمي لا يعتبر خطأً شخصياً وإنما هو خطأ مصلحي لتعلقه بعمل الوظيفة، وأن رجل الفن مسئول عن خطئه المهني المتعلق بالأصول العلمية المستقرة سواء أكان جسيماً أم يسيراً مسئولية مدنية؛ إذ يعد الخروج على هذه الأصول خطأً مهنياً يستوجب المسئولية المدنية. وقد بني القرار الإداري المقضى بإلغائه والمطالب بالتعويض عنه على خطأ مهني في التشخيص من أطباء أخصائيين في الأمراض العقلية، كما أنه أضر بالمدعي أضراراً مادية وأدبية جسيمة؛ إذ وصمه بالمرض العقلي بين ذويه وأهل وطنه وهو منه براء، وأثر في صحته وبنيته، ومنعه زهاء عشرة سنوات من العمل وطلب الرزق سواء في المجال الحكومي أو في الميدان الحر، وهو الطبيب الحاصل على مؤهلات علمية عالية، كما حرمه من التدرج والتقدم وهو الرجل القمين بالتفوق. وقد قدرت المحكمة للمدعي تعويضاً عن ذلك مبلغ خمسة آلاف جنيه مراعية في هذا التقدير العناصر والاعتبارات التي ساقتها مضافاً إليها من الناحية الأخرى الصالح العام الذي يتمثل في مصلحة خزانة الدولة ومبررات إدارة المرفق وفي أن حكم الإلغاء قد رد إلى المدعي بعض اعتباره.
ومن حيث إن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعن في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 16 من سبتمبر سنة 1956 واستند في أسباب طعنه إلى أوجه ثلاثة:
(الوجه الأول) أن الحكم المطعون فيه أقام الخطأ في حجز المدعي بالمستشفى كقرينة قانونية قاطعة لحجية الإلغاء في الدعوى رقم 452 لسنة 4 القضائية، مع أن من المسلم أن الحجية إنما تثبت لمنطوق الحكم وللحيثيات التي ارتبطت به ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يقوم المنطوق إلا بها وبحيث إذا عزل عنها صار مبهماً وناقصاً. وعلى ذلك تثبت الحجية لمنطوق الحكم القاضي بإلغاء امتناع الحكومة عن إخراج المدعي من المستشفى، وكذلك للحيثيات التي كشفت عن عيب عدم المشروعية الذي أصاب هذا القرار فاقتضى إلغاءه. أما رد الخطأ إلى تاريخ حجز المدعي في المستشفى منذ 7 من نوفمبر سنة 1942 على أساس أنه لم يكن مريضاً وقت هذا الحجز فهو تحميل للحيثيات بما لا حاجة إليه في دعوى الإلغاء؛ ومن ثم فإن الخطأ في تصرف الجهة الإدارية، الذي عنته حيثيات حكم الإلغاء والذي تثبت له الحجية قبل الكافة، هو الخطأ في إبقاء المدعي بالمستشفى والامتناع عن إخراجه منها لا الخطأ في حجزه؛ ذلك أن حجية الحيثية لا ترد إلا في حدود المنازعة المعروضة وهي منازعة إدارية خاصة بعدم شرعية امتناع الحكومة عن إخراج المدعي من المستشفى، أما الخطأ في حجزه فهو ركن السبب في قرار آخر هو قرار حجزه الذي يخرج عن هذه الخصومة، والذي لم يكن محل منازعة فيها، ولا يجوز قضاء الإلغاء بالنسبة إليه أية حجية. هذا إلى أن قاضي الإلغاء لا يقوم بنفسه عند مراقبة تجاوز السلطة بفحص أسباب القرار المطعون فيه بعدم المشروعية، إذا ما تعلقت هذه الأسباب بتقدير هيئة فنية بحتة. وقد تحدد الخطأ الذي كشف عنه قاضي الإلغاء بالتاريخ الذي اعتبر فيه امتناع الحكومة عن الإفراج غير مشروع، وهو التاريخ الذي بدأت فيه الموازنة بين آراء الفنيين منذ أن وضع الدكتور "فلاك" تقريره في 4 من ديسمبر سنة 1951، وعلى ذلك يكون حكم التعويض إذ سحب حجية حكم الإلغاء على الخطأ في قرار الحجز قد قام على غير أساس سليم.
(الوجه الثاني) أن حكم التعويض أقام الخطأ في حجز المدعي المبرر لمساءلة الجهة الإدارية على قواعد مدنية خاصة بأخطاء الفنيين في مزاولة المهنة، ولم يأخذ بمعيار الخطأ العادي المرتب للمسئولية الإدارية وهو العيب الذي يرد على مشروعية القرار، ومع ذلك لم يبين كيف استخلص أن الخطأ في الحالة المعروضة هو خطأ مهني؛ إذ اقتصر في هذه المسألة الفنية على الاعتماد على تقديره الخاص للقول بأن القرار الإداري - المقضى بإلغائه والمطالب بالتعويض عنه - قد بني على خطأ مهني في التشخيص من أطباء أخصائيين في الأمراض العقلية؛ وبهذا يكون قد أخطأ في الوصف القانوني للفعل وهو الخطأ المهني المبرر للمسئولية الإدارية.
(الوجه الثالث) أن حيثيات الحكم المطعون فيه أغفلت تطبيق القواعد الإدارية التي تحكم مسئولية الإدارة وطبقت قواعد المسئولية المدنية، وهذه المخالفة في تطبيق قواعد مستقلة قائمة بذاتها هي مخالفة قانونية تهدم الأساس الذي قام عليه الحكم؛ إذ يتعين استبعاد القواعد المدنية في النزاع المعروض استبعاداً تاماً وتطبيق قواعد أخرى تتنوع وفقاً لحاجات المرافق العامة وضرورة التوفيق بين المصالح المتعارضة قدر الاستطاعة، وهي المبادئ الإدارية المرنة التي لا تضع معياراً مجرداً لقياس الخطأ، بل تشترط أن يكون الخطأ على درجة ملموسة من الجسامة في كل حالة على حدة، وتقدر درجة الخطأ باختلاف العمل المنسوب إلى الإدارة وما إذا كان قانونياً أم مادياً. ولما كان قرار الحجز من بين القرارات التي يحتاج تنفيذها إلى أعمال مادية فإنه يتعين الرجوع إلى الحلول والمبادئ الإدارية الخاصة بالمسئولية عن الأعمال الإدارية، وهذه الحلول تختلف باختلاف ظروف الزمان والمكان وطبيعة نشاط المرافق العامة. ففيما يتعلق بمرفق البوليس والصحة يلزم التشدد في درجة جسامة الخطأ الموجب لمسئولية الإدارة بحيث لا تتحقق هذه المسئولية إلا في حالة أقصى درجات الجسامة. ولما كان الثابت أنه لم يقم من جانب الإدارة أي خطأ في حجز المدعي بمستشفى الأمراض العقلية في 7 من نوفمبر سنة 1942، وأن الخطأ في عدم الإفراج عنه اعتباراً من 4 من ديسمبر سنة 1951 لم يبلغ حد الجسامة الموجبة للتعويض لتعلقه بإجراء بوليسي صحي مبني على تقدير جهة فنية، فإن طلب المدعي تعويض الأضرار التي لحقته من جراء إدخاله مستشفى الأمراض العقلية وحجزه بها من 7 من نوفمبر سنة 1942 حتى 14 من إبريل سنة 1953 لا يقوم على أساس سليم من القانون ويتعين رفضه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه وقامت به حالة من حالات الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا. وانتهى السيد رئيس هيئة المفوضين من هذا إلى طلب "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات".
ومن حيث إن الحكومة أودعت سكرتيرية المحكمة في 12 من يناير سنة 1957 مذكرة بملاحظاتها رددت فيها دفاعها السابق، وأضافت إليه أن حجية الحكم الصادر في الدعوى رقم 452 لسنة 4 القضائية تقتصر على خطأ القرار الصادر في 17 من مايو سنة 1950 باستمرار حجز المدعي بالمستشفى، أما مدى مسئولية الحكومة عن الخطأ المهني الذي نتج عنه هذا القرار فقد كان خارجاً عن النزاع، وكذلك كل قرار سابق على القرار الملغي. فلم تكن الدعوى السابقة هي واقعة الحجز في ذاتها؛ ولذا فإن محور النزاع الحالي يدور حول ما إذا كان المدعي قد حجز بحق أو بغير حق، وهو ما كان خارجاً عن موضوع النزاع الأول. والنزاع الحالي لا يتعلق بمبدأ الحرية الشخصية وعدم جواز الحجز عليها فينظر في مدى المسئولية المترتبة على ذلك، بل يقوم على رأي فني من طبيب أدى إلى تطبيق القانون رقم 141 لسنة 1944 وكان من شأنه حجز المدعي بالمستشفى. فالحجز في ذاته صحيح قانوناً، ومتى كان كذلك فلا تسأل الدولة عنه، أما كون هذا الحجز نتيجة لرأي فني خاطئ - لو صح هذا - فينقل مجال البحث إلى مدى مسئولية الطبيب عن رأيه. ولا شك أن الطبيب في هذا الخصوص هو كوكيل النيابة والقاضي لا يسأل إلا عن الخطأ المهني الجسيم. والغلط الذي يقع منه في التشخيص هو غلط فني في مادته يتعين على القاضي أن يكون أجنبياً عنها ولا يكفي لمسئولية الطبيب. ومع ذلك فقد انفرد الحكم المطعون فيه بالرأي الفني أخذاً بزعم المدعي فقضي له بتعويض عن مدة عشر سنوات لمجرد أن الحكم الصادر في دعوى الإلغاء قد استعمل سلطته التقديرية فرجح رأياً صادراً في سنة 1953 على خلاف كل رأي عكسي سابق. على أنه لما كان المدعي يطالب بتعويض عن عمل ضار ابتداء من سنة 1942 مبناه المسئولية التقصيرية، في حين أنه لم يرفع دعواه بهذا التعويض إلا في سنة 1955، فإن حقه فيه يكون قد سقط عن المدة السابقة على رفع الدعوى بثلاث سنوات وفقاً لحكم الفقرة الأولى من المادة 172 من القانون المدني. ولا محل للقول بتعلق الدعوى بالحجز على الحرية الفردية؛ إذ لم يحصل الحجز لذاته بالمستشفى، بل كان تنفيذاً للقانون نتيجة لرأي فني صادر من عدة أطباء بمناسبة ممارستهم لسلطة وظيفتهم. ومن المقرر أن الحرية الشخصية ليست ملكاً خالصاً لصاحبها وإنما يحدها ضمان توافرها لباقي الأفراد وعدم الإضرار بهم، بحيث إذا تعدت هذه الحدود كان على الدولة التزام الحجز عليها. فأساس الحق التضامن الاجتماعي حيث يعيش الفرد وسط المجتمع فلا يجوز له الإضرار به، وهو ما يناط بالدولة المحافظة عليه، وتقصيرها في ذلك يرتب مسئوليتها. وخلصت الحكومة من هذا إلى طلب "الحكم بقبول الطعن، وإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء برفض دعوى المدعي. ومن باب الاحتياط الكلي سقوط حقه في التعويض عن المدة السابقة على رفع دعواه بثلاث سنوات، مع إلزامه بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة".
ومن حيث إن مناط مسئولية الإدارة عن القرارات الإدارية التي تصدرها في تسييرها للمرافق العامة هو قيام خطأ من جانبها؛ بأن يكون القرار الإداري غير مشروع لعيب أو أكثر شابه من العيوب المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة وفي المادة الثامنة من القانون رقم 165 لسنة 1955 بشأن إعادة تنظيمه، وأن يلحق صاحب الشأن ضرر، وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر، بأن يترتب الضرر على القرار غير المشروع.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بركن الخطأ فإن المادة الرابعة من القانون رقم 141 لسنة 1944 بشأن حجز المصابين بأمراض عقلية تنص على أنه "لا يجوز حجز مصاب بمرض في قواه العقلية إلا إذا كان من شأن هذا المرض أن يخل بالأمن أو النظام العام أو يخشى منه على سلامة المريض أو سلامة الغير وذلك طبقاً لأحكام هذا القانون...". ويظهر من ذلك أن القرار الذي تصدره الإدارة بالحجز يجب - لكي يكون مطابقاً للقانون - أن يقوم على ركنين هما: إصابة الشخص المحجوز فعلاً بمرض عقلي، ثم خطورة مرضه بأن يكون من شأنه الإخلال بالأمن أو النظام العام أو كان يخشى منه على سلامة المريض أو سلامة الغير. وبغير توافر ذلك يكون حجزه غير جائز قانوناً، ويجب إلغاء القرار بحجزه لانعدام سببه المبرر له، كما يكون له الحق في مطالبة الإدارة بتعويضه عما أصابه من ضرر بسبب هذا القرار إن كان لذلك وجه.
ومن حيث إن محكمة القضاء الإداري بحكمها الصادر في 14 من إبريل سنة 1953 في الدعوى رقم 452 لسنة 4 القضائية، التي أقامها المدعي على وزارة الصحة قضت "بإلغاء قرار امتناع الحكومة عن إخراج الدكتور علي عبد السلام من مستشفى الأمراض العقلية دون قيد، وبإلغاء ما ترتب على ذلك من وضعه تحت المراقبة". وأقامت قضاءها - حسبما يتضح من آخر حيثيات الحكم - على ما استخلصته من عدم انطباق حكم المادة الرابعة من القانون رقم 141 لسنة 1944 على حالته، لانعدام السبب المسوغ للقرار، لعدم إصابته فعلاً بمرض عقلي، ولأنه أياً كانت حالة المدعي فلا يخشى منها على الوجه الذي حددته تلك المادة، ومهدت لذلك في أسباب حكمها بأن استعرضت تقارير الأطباء الأخصائيين الذين ندبتهم لفحص حالة المدعي بناء على اتفاق الطرفين وبموافقة مجلس المراقبة للأمراض العقلية، وهم الدكتور محمد كمال قاسم من قبل المدعي، والدكتور محمد عبد القادر حلمي من قبل الحكومة، والدكتور البكباشي عبد الحكيم المرصفاوي أخصائي الأمراض العقلية والعصبية بالمستشفى العسكري العام الذي اختاره الأولان، وبعد استعراض تقرير الدكتور الكولونيل فلاك الذي كان قد سبق ندبه قبل هؤلاء. ثم قالت "ومن حيث إن الدكاترة عبد الحكيم المرصفاوي ومحمد كمال قاسم وفلاك قد اتفقوا في الرأي على أن الدكتور علي عبد السلام ليس مصاباً بمرض عقلي استناداً إلى ما أبدوه من أسباب علمية واستشهدوا به من أقوال ووقائع، وهذا هو الرأي الذي يتعين الأخذ به لا سيما أن الدكتور محمد عبد القادر حلمي المنتدب من الحكومة وإن كان قد اختلف معهم في التشخيص إلا أنه قرر أن الإفراج عن الدكتور علي عبد السلام لا يتوقع من ورائه خطر جدي..". وقالت في موضوع آخر "ومن حيث إنه بالرجوع إلى محاضر الأطباء الذين فحصوا حالته يبين بوضوح أنه ليس مصاباً بمرض عقلي، ولقد كانت إجاباته في تلك المحاضر تدل على ذاكرة واعية ومنطق سليم وقد أرجع أقواله إلى مصادرها واعتمد فيها على أسباب سردها ووقائع عينها وتواريخ حددها، وهي لذلك ليست وليدة الوهم الخاطئ وليست من نسج الخيال، بل إن لها أساساً من الوقائع مما يتنافى مع الأعراض الرئيسية لمرض البارانويا...".
ومن حيث إنه يبين من ذلك أن الحكم المشار إليه، وهو حائز لحجية الشيء المحكوم فيه، قد أدان قرار حجز المدعي بمستشفى الأمراض العقلية بعدم المشروعية لانعدام سببه المبرر له قانوناً، وعلى هذا الأساس أقام قضاءه بإلغاء القرار، وهذا الأساس مرتبط بمنطوق الحكم ارتباط العلة بالمعلول، وبهذه المثابة يجوز السبب الذي قامت عليه نتيجة الحكم قوة الشيء المحكوم فيه كالمنطوق ذاته، فلا وجه - والحالة هذه - لما تثيره الحكومة من أن حجية الحكم تنحصر فيما قضى به من إلغاء قرار الامتناع عن إخراج المدعي من المستشفي دون قرار حجزه ابتداء بالمستشفى، إذ أن قرار حجز المصاب بمرض عقلي بالمستشفى هو بطبيعته من القرارات المستمرة التي يقتضي تنفيذها مدة تطول أو تقصر بحسب حالة المرض والشفاء منه إن كان مما يقبل الشفاء. فإذا ثبت أن المحجوز كان مصاباً فعلاً وقت حجزه بمرض عقلي ثم شفي منه، كان ثمة محل للتفرقة بين حجزه ابتداء الذي يكون وقتذاك قائماً على سببه المبرر له، وبين استمرار حجزه بعد شفائه الذي لم يعد له مبرر بعد هذا الشفاء، والحال ليس كذلك في شأن المدعي؛ لأن مرض "البارانويا" هو على ما أجمع عليه الأطباء غير قابل للشفاء، ولم يقل أحد، حتى ولا أطباء مجلس المراقبة، أن هذا المرض قابل للشفاء أو أن المدعي كان مريضاً به أولاً ثم تحسنت حالته بعد ذلك، بل دار بحث الأطباء جميعاً حول ما إذا كان مصاباً بهذا المرض أو غير مصاب به أصلاً، وقد انتهى الحكم المذكور إلى أنه ليس مصاباً به بناء على تقارير الأطباء التي أخذ بها. كما لا وجه كذلك لما تثيره الحكومة من أنه ما دام سبب القرار، وهو إصابة المحجوز بمرض عقلي، يقوم في ذاته على تشخيص طبي، فلا محل للمساءلة إلا إذا كان الخطأ الفني في التشخيص الطبي جسيماً، وأنه يتعين على القضاء عدم الخوض في أمور فنية هي محل الجدل بين أهل الفن أنفسهم - لا وجه لذلك؛ لأن التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية، فيسأل عن كل خطأ يقع منه جسيماً كان أو يسيراً، طبقاً للأصل العام الذي رددته المادة 163 من القانون المدني وهو أن يسأل الشخص عن خطئه أياً كانت درجته دون تفرقة بين درجة هذا الخطأ. وإنما المعيار في تقدير خطأ الطبيب وتعيين مدى واجباته يكون إما بمقارنة مسلك طبيب عادي إذا وجد في مثل ظروفه الظاهرة، أو بمقارنة مسلك طبيب أخصائي مثله إذا وجد في مثل هذه الظروف؛ لأن الأخصائي محل ثقة خاصة لها وزنها عند تقدير معيار الخطأ نظراً لتخصصه. كما أنه إذا كانت الحكمة تتطلب من القاضي ألا يوغل بنفسه في فحص النظريات العلمية المختلف عليها ومناقشتها وأن يوازن هو بينها ويرجح إحداها على الأخرى ترجيحاً ينبني على حكمه في خطأ الطبيب ومساءلته عن هذا الخطأ، إلا أنه ليس معنى هذا أن القاضي ممنوع عن تقدير الخطأ بمعياره القانوني الواجب، أو أن الطبيب لا يسأل عن خطئه الثابت ولو كان يسيراً، بل المقصود من ذلك أن القاضي يجب أن يستخلص الخطأ بمعياره المحدد آنفاً من وقائع واضحة يثبت منها أن مسلك الطبيب - عادياً كان أو أخصائياً بحسب الأحوال - كان مسلكاً يتنافى مع الأصول الثابتة المقررة في المهنة، والتي لا يحتاج القاضي في التثبت منها إلى الخوض في مناقشة نظريات علمية أو أساليب مختلف عليها، فإذا ما ثبت خطأ الطبيب على هذا النحو وجبت مساءلته عنه، أياً كانت درجته جسيماً كان أو يسيراً. وحكم محكمة القضاء الإداري آنف الذكر، لم يقم قضاءه فيما انتهى إليه من عدم مشروعية حجز المدعي على الموازنة بين نظريات علمية في تشخيص أعراض مرض "البارانويا" أو في قابليته أو عدم قابليته للشفاء، كما أن أحداً لم يقل بأن ثمة خلافاً في الأصول المقررة علمياً في هذا الشأن، وإنما انحصر الخلاف في تشخيص هذا المرض على حالة المدعي ومدى انطباقه عليها طبقاً للأصول الفنية المقررة، أي هل هو مريض به أو غير مريض بحسب الأعراض المتفق عليها فنياً، وليس من شك في أنه عند تقدير ركن الخطأ يجب أن يوزن مسلك أطباء مجلس المراقبة الذين قرروا حجز المدعي بمسلك الطبيب الأخصائي، وأن تتثبت المحكمة من ذلك لإنزال حكم القانون على مقتضى ما يثبت؛ ومن أجل ذلك ندبت المحكمة من ندبتهم من الأطباء الأخصائيين بموافقة الطرفين، وبنت قضاءها على ما ثبت لها من تقاريرهم الفنية التي ثبت منها انعدام السبب المبرر قانوناً للحجز على أية صورة، سواء لعدم إصابة المدعي بهذا المرض أصلاً كما ذهبت إلى ذلك جمهرتهم، أو لأنه على فرض وجوده فهو على كل حال لا يخشى منه كما سلم بذلك طبيب الحكومة نفسه.
ومن حيث إن القرار المذكور قد أضر بالمدعي أضراراً مادية وأدبية جسيمة، إذ ترتب عليه تقييد حريته الشخصية بحجزه في مستشفى الأمراض العقلية زهاء عشر سنوات، فأثر ذلك في صحته وأقعده عن التكسب في زهرة حياته ودمر مستقبله مادياً وأدبياً.
ومن حيث إنه لما تقدم، وللأسباب الأخرى التي استند إليها الحكم المطعون فيه، يكون الطعن غير قائم على أساس سليم من القانون متعيناً رفضه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.

الطعن 6979 لسنة 53 ق جلسة 19 / 4 / 1984 مكتب فني 35 ق 98 ص 441

جلسة 19 من إبريل سنة 1984

برياسة السيد المستشار/ الدكتور إبراهيم علي صالح نائب رئيس المحكمة. وعضوية السادة المستشارين/ محمد يونس ثابت نائب رئيس المحكمة ومحمد نجيب صالح وعوض جادو ومصطفى طاهر.

-----------------

(98)
الطعن رقم 6979 لسنة 53 القضائية

(1) دخول عقار بقصد منع حيازته بالقوة. جريمة "أركانها". حيازة. قصد جنائي. حكم "تسبيبه. تسبيب معيب". نظام عام.
الركن المادي في جريمة دخول منزل في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة. متى يتحقق؟
(2) إثبات "بوجه عام". محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب معيب". انتهاك حرمة ملك الغير.
كفاية الشك في ثبوت التهمة. سنداً للبراءة. حد ذلك؟

------------------
1 - لما كان قانون العقوبات إذ نص في المادتين 369، 370 منه على معاقبة كل من دخل عقار في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة أو بقصد ارتكاب جريمة فيه إنما قصد أن يحمي حائز العقار من اعتداء الغير على هذه الحيازة. وكان الركن المادي لهذه الجريمة وهو "الدخول" يتم بكل فعل يعتبر تعرضاً مادياً للغير في حيازته للعقار حيازة فعلية بنية الافتئات عليها بالقوة سواء أكانت هذه الحيازة شرعية مستندة إلى سند صحيح أو لم تكن وسواء أكان الحائز مالكاً وغير ذلك تقريراً من الشارع أن التعرض المادي إذا وقع لحائز العقار دون الالتجاء إلى الجهات القضائية المختصة ولو استناداً إلى حق مقرر يعتبر من الجاني إقامة العدل بنفسه مما يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام.
2 - لئن كان لمحكمة الموضوع أن تقضي بالبراءة متى تشككت في صحة إسناد التهمة إلى المتهم أو لعدم كفاية أدلة الثبوت غير أن ذلك مشروط أن يشتمل حكمها على ما يفيد أنها محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهم أو داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات.


الوقائع

أقامت المدعية بالحق المدني دعواها بالطريق المباشر أمام محكمة جنح الدقي ضد المطعون ضدهم بوصف أنهم اقتحموا الشقة الخاصة بها والمبينة بالأوراق وكان ذلك بطريق الكسر. وطلبت عقابهم بالمادة 370 من قانون العقوبات وبإلزامهم بأن يدفعوا لها مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت.
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً للأول والثاني وغيابياً للباقين عملاً بالمادة 304/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية ببراءة المتهمين من التهمة المسندة إليهم ورفض الدعوى المدنية. استأنفت المدعية بالحقوق المدنية.
ومحكمة الجيزة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف.
فطعن الأستاذ..... المحامي نيابة من المدعية بالحقوق المدنية في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعنة - المدعية بالحقوق المدنية - تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى ببراءة المطعون ضدهم من جريمة دخول مسكن بقصد منع حيازته بالقوة وبرفض الدعوى المدنية قبلهم قد شابه فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب فضلاً عن الإخلال بحق الدفاع ذلك بأن الحكم أسس قضاءه بالبراءة على صدور قرار من السيد النائب العام بتاريخ 14 من يناير سنة 1979 - بتمكين المطعون ضدهم من الشقة محل الاتهام ولم يفطن إلى أن ذلك القرار قد صدر بعد وقوع الفعل المسند إلى المطعون ضدهم وهو اقتحامهم الشقة كما أن المحكمة لم تعرض للمستندات التي قدمتها الطاعنة تدليلاً على ارتكاب المطعون ضدهم بالفعل المسند إليهم إيراداً ورداً كل ذلك، مما يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم الابتدائي - المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه - حصل واقعة الدعوى بما مؤداه أن المدعية بالحقوق المدنية أقامت الدعوى الجنائية بالطريق المباشر قبل المطعون ضدهم بوصف أنهم في يوم 3 من يناير سنة 1979 اقتحموا الشقة الخاصة بها بالعقار رقم 23 شارع التحرير وكان ذلك بطريق الكسر وطلبت عقابهم بالمادة 370 من قانون العقوبات مع إلزامهم بأداء مبلغ 51 جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت، وبالجلسة قدمت مستنداتها وصممت على الطلبات. ثم خلص الحكم إلى تبرئة المطعون ضدهم ورفض الدعوى المدنية قبلهم تبعاً لذلك وبرر قضاءه بقوله "وحيث إن الثابت أن المتهمين قد صدر لهم بتاريخ 14/ 1/ 1979 قرار من السيد النائب العام بتمكينهم من العين المؤجرة الأمر الذي يضحى سبباً ومبرراً لدخول العين وأن ما نسب إليهم من جرائم جاءت الأوراق خلواً من دليل يسانده". لما كان ذلك وكان قانون العقوبات إذ نص في المادتين 369، 370 منه على معاقبة كل من دخل عقار في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة أو بقصد ارتكاب جريمة فيه إنما قصد أن يحمي حائز العقار من اعتداء الغير على هذه الحيازة. وكان الركن المادي لهذه الجريمة وهو "الدخول" يتم بكل فعل يعتبر تعرضاً مادياً للغير في حيازته للعقار حيازة فعلية بنية الافتئات عليها بالقوة سواء أكانت هذه الحيازة شرعية مستندة إلى سند صحيح أو لم تكن وسواء كان الحائز مالكاً أو غير ذلك تقريراً من الشارع أن التعرض المادي إذا وقع لحائز العقار دون الالتجاء إلى الجهات القضائية المختصة ولو استنادا إلى حق مقرر يعتبر من الجاني إقامة العدل بنفسه مما يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام. وكان الحكم المطعون فيه قد برر قضاءه ببراءة المطعون ضدهم من تهمة دخول عقار - على النحو السابق ذكره - بما لا يسوغه ولا يؤدي إلى ما رتبه عليه ذلك أن قرار النائب العام الذي اتخذ منه سنداً لدخول المطعون ضدهم العين المؤجرة قد صدر في تاريخ لاحق لوقوع الفعل وذلك على ما يبين من مدوناته المشار إليها فيما تقدم. لما كان ذلك، وكان البين من الإطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أمام محكمة أول درجة أن الطاعنة قدمت مستندات تمسكت بدلالتها على ثبوت الاتهام قبل المطعون ضدهم وكان الحكم المطعون فيه قد اقتصر في بيانها على قوله "إن المدعية بالحق المدعي قدمت مستنداتها وصممت على طلباتها". لما كان ذلك ولئن كان لمحكمة الموضوع أن تقضي بالبراءة متى تشككت في صحة إسناد التهمة إلى المتهم أو لعدم كفاية أدلة الثبوت غير أن ذلك مشروط أن يشتمل حكمها على ما يفيد أنها محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهم أو داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات. ولما كان الحكم المطعون فيه قد التفت عن تلك المستندات ولم يتحدث عنها مع ما قد يكون لها من دلالة على صحة دفاع الطاعنة ولو أنه عنى ببحثها وفحص الدفاع المؤسس عليها لجاز أن يتغير وجه الرأي في الدعوى. فإنه يكون مشوباً - فضلاً عن قصوره - بالإخلال بحق الدفاع بما يبطله ويوجب نقضه والإحالة.

الطعن 1552 لسنة 2 ق جلسة 2 / 3 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 2 ق 65 ص 584

جلسة 2 من مارس سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

-----------------

(65)

القضية رقم 1552 لسنة 2 القضائية

مدة خدمة سابقة - ضمها 

- المقصود من القاعدة التي تنص على افتراض حصول ترقية بعد كل ست سنوات من المدة المحسوبة.

----------------

إن قرار الإنصاف الصادر من مجلس الوزراء في 30 من يناير سنة 1944 بدأ بعرض اقتراحات في مذكرة للجنة المالية، ويبين من عبارات هذه المذكرة أن مدة الخدمة السابقة في العمل الحكومي لا تسمح بترقيات افتراضية خلالها محسوبة من تاريخ حصول الموظف على الدرجة المعادلة لدرجة مؤهله، بل ما تسمح به هو إعادة بدرجته وماهيته السابقتين إن أعيد لمثل درجته على ألا تزيد الماهية على نهاية الدرجة، مع الاحتفاظ له بما اكتسب من أقدمية في درجته السابقة في خصوص العلاوة أو عند النظر في الترقية مستقبلاً، أما إن تعذرت الإعادة إلى مثل درجته وأعيد لأقل منها، احتسبت له في أقدمية الدرجة الجديدة الأقدمية التي اكتسبها في درجاته السابقة ابتداء من تاريخ حصوله على الدرجة المعادلة للدرجة الجديدة. أما ما جاء في المذكرة بخصوص الخدمة السابقة في هيئة شبه حكومية من أنه "وتقدر الدرجة والماهية على أساس المؤهل الدراسي ودرجة العمل الحكومي المماثل لعمله، وافتراض حصول ترقية بعد كل ست سنوات من المادة المحسوبة"، فليس المقصود منه افتراض الترقية كل ست سنوات في الدرجة الجديدة المعادلة للمؤهل الدراسي، واعتباره مرقى إلى الدرجات التي تليها على حسب المدة المضمومة أياً كانت الدرجة التي يصل إليها هذا الافتراض وأياً كان المرتب الذي يبلغه، وإنما المقصود منها افتراض الترقية كل ست سنوات في الدرجات الأدنى من الدرجة المقررة للمؤهل الدراسي إن كان التماثل بين العمل الحكومي درجته وعمله خلال المدة المضمومة يجعله في درجات أدنى، وذلك كقاعدة تتحدد بها الأقدمية في تلك المدة تضاف أقدميته فيها إلى الأقدمية في الدرجة الجديدة المقررة لمؤهله الدراسي، وهي قاعدة إن كانت تبدو تحكمية إلا أنه قد دعا إليها افتراض أن الترقية في الدرجات الأدنى من الدرجة المقررة للمؤهل لا تسير في تلك الهيئات على نمط يتحاذى مع الترقية فيها في الحكومة، فافترضت الترقية على هذا النحو تنسيقاً للأوضاع في حساب مدد الخدمة السابقة وللوصول بمثل هذا الموظف إلى الوضع المنصف له في الأقدمية وتحديد المرتب في الدرجة الجديدة. وغني عن البيان أنه إذا كانت المدة قد قضيت في هيئة شبه حكومية لا تطبق نظم الحكومة أو هيئة خاصة أو عمل حر فالمفروض أن ليس فيها درجات مماثلة للعمل الحكومي ودرجاته فلا يكون ثمة محل لافتراض الترقية، ولا مندوحة من إضافة نصف المدة فقط في حساب أقدمية الدرجة الجديدة المقررة للمؤهل الدراسي وتحديد المرتب فيها على هذا الأساس.


إجراءات الطعن

في 14 من يونيه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة عريضة طعن في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) بجلسة 19 من إبريل سنة 1956 في الدعوى رقم 521 لسنة 2 ق المقامة من وزارة التربية والتعليم ضد الدكتور عبد الوهاب أحمد شهاب، القاضي: "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع برفضه وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وإلزام الحكومة بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة، للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه، "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء حكم المحكمة الإدارية، وبرفض الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة التربية والتعليم في 31 من يوليه سنة 1956، وإلى المدعى عليه في 7 من أغسطس سنة 1956، وعين لنظره جلسة 2 من فبراير سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المدعي أقام الدعوى رقم 9 لسنة 1 ق أمام المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم، أبان في صحيفتها أنه حصل على بكالوريوس الطب وجراحة الأسنان من جامعة القاهرة في يونيه سنة 1930، وزوال العمل بعيادته الخاصة من أول مايو سنة 1931 إلى أن التحق بوظيفة طبيب وحدة الأسنان للصحة المدرسية بدمنهور اعتباراًً من 12 من فبراير سنة 1947، وقد سوت الوزارة حالته بأن ضمت مدة عمله في عيادته الخاصة وحسبت له نصف هذه المدة في أقدمية الدرجة السادسة فاعتبرته فيها من 31 من مارس سنة 1939، وطلب المدعي أن يرقى إلى الدرجة الخامسة بعد ست سنوات، استناداً إلى القواعد المقررة لضم مدة الخدمة السابقة، وما يترتب على ذلك من آثار. وفي 14 من أغسطس سنة 1954 أصدرت المحكمة الإدارية حكمها "بأحقية المدعي في تسوية حالته على أساس افتراض ترقيته بعد ست سنوات من المدة المحسوبة طبقاً لقرار مجلس الوزراء في 30 من يناير سنة 1944، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الحكومة بالمصروفات ومبلغ ثلاثمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة". وبعريضة مودعة سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 25 من ديسمبر سنة 1954 طعنت وزارة التربية والتعليم في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية، مستندة على كتاب المالية الدوري الصادر في يوليه سنة 1947، وطلبت إلغاء حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه، وإلزام المدعى عليه بالمصروفات. وبجلسة 19 من إبريل سنة 1956 أصدرت المحكمة حكمها "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع برفضه، وتأييد قرر اللجنة القضائية المطعون فيه، وألزمت الحكومة بالمصروفات"؛ وأسست قضاءها على "أنه ما دام المطعون عليه قد عين في 12 من فبراير سنة 1947 - أي قبل صدور قرار 11 من مايو سنة 1947 - فمن حقه أن يستفيد من أحكام قرار 30 من يناير سنة 1944 الذي تعين في ظله، والذي بقي قائماً ومحدثاً أثره برغم كتاب المالية الصادر في 31 من مارس سنة 1946، ويكون من حقه أن تفترض له ترقية إلى الدرجة الخامسة بعد مضي ست سنوات من أقدميته في الدرجة السادسة من ضم مدة عمله الحر بعيادته الخاصة".
ومن حيث إن مبنى الطعن أن فتراض الترقية بعد كل ست سنوات لا يكون إلا في حالة ما إذا كان الموظف قد عين بماهية أو درجة أقل من الماهية أو الدرجة المقررة للمؤهل الدراسي، وذلك للوصول بالموظف إلى الماهية أو الدرجة المقررة لمؤهله الدراسي، ولما لم يكن المدعى عليه قد عين بماهية أو درجة أقل من الماهية أو الدرجة المقررة لمؤهله الدراسي، فهو يخرج إذن عن مجال تطبيق هذه القاعدة، وتكون دعواه على أساس غير سليم من القانون، بذلك يكون الحكم المطعون فيه قد جاء مخالفاً للقانون.
ومن حيث إنه يبين من الوثائق الخاصة بقرار الإنصاف الصادر من مجلس الوزراء في 30 من يناير سنة 1944، أن هذا الموضوع بدأ بعرض اقتراحات في مذكرة للجنة المالية جاء فيها - بعد تحديد الدرجات والرواتب للمؤهلات الدراسية - هذه القاعدة: "ولا يتمتع بالتسويات المقترحة إلا من يكون راتبه الحالي أقل من 20 ج وبحيث لا يزيد الراتب بعد التسوية على هذا المقدار، ولا يصرف منها جميعاً فرق عن الماضي وفي جميع الأحوال المتقدمة يستوي في تسوية الماضي على أساس ما تضمنته هذه المذكرة من اقتراحات كل من عين في وظيفة دائمة أو مؤقتة أو على اعتماد أو بالمياومة أو بمكافآت أو في وظيفة خارج الهيئة بشرط أن يكون للخدمة السابقة صفة الاستقرار وألا يكون وقع فيها فاصل زمني يزيد على سنتين". وبعد أن حددت المذكرة قواعد حساب مدد الخدمة السابقة في الأقدمية والعلاوة والشروط الواجب توافرها لذلك وإلا خضع الموظف لكل ما يخضع له أي مرشح جديد، استطردت إلى القول بأن هذه الشروط "إن توافرت وكانت الخدمة في مصلحة حكومية وعلى وظيفة معينة في الميزانية أو على اعتماد أو بالمياومة أو بالمكافأة أعيد الموظف بدرجته وماهيته السابقتين, على ألا تزيد الماهية على نهاية الدرجة واحتفظ له بما اكتسب من أقدمية للترقية والعلاوة في درجته السابقة قبل تركه الخدمة، هذا إذا كانت الخدمتان متصلتين. أما إذا انفصلتا فلا يحسب إلا ثلاثة أرباعها، وإن تعذرت الإعادة إلى مثل درجته السابقة وأعيد إلى أقل منها حسبت له في درجته الجديدة الأقدمية التي اكتسبها في درجته السابقة ابتداء من حصوله على الدرجة المعادلة للدرجة الجديدة". ويظهر من ذلك بما لا يدع مجالاً لأي شك أن مدة الخدمة السابقة في العمل الحكومي لا تسمح بترقيات افتراضية خلالها محسوبة من تاريخ حصوله على الدرجة المعادلة لدرجة مؤهله، بل ما تسمح به هو إعادته بدرجته وماهيته السابقتين إن أعيد لمثل درجته، على ألا تزيد الماهية على نهاية الدرجة، مع الاحتفاظ له بما اكتسب من أقدمية في درجته السابقة في خصوص العلاوة أو عند النظر في الترقية مستقبلاً، أما إن تعذرت الإعادة إلى مثل درجته وأعيد لأقل منها، احتسبت له في أقدمية الدرجة الجديدة الأقدمية التي اكتسبها في درجاته السابقة ابتداء من تاريخ حصوله على الدرجة المعادلة للدرجة الجديدة، ومتى وضح ذلك فلا يستقيم النظر الذي يذهب إليه المدعي من افتراض الترقية بعد الدرجة المعادلة لدرجة المؤهل كل ست سنوات، أياً كانت الدرجة التي يبلغها على هذا الافتراض وأياً كان مرتبها، وإلا لكان من يعمل في هيئة شبه حكومية أو في عمل حر أحسن حالاً ممن كان يعمل في خدمة الحكومة ذاتها، أما ما جاء في المذكرة بخصوص الخدمة السابقة في هيئة شبه حكومية، من أنه "وتقدر الدرجة والماهية على أساس المؤهل الدراسي ودرجة العمل الحكومي المماثل لعمله، وافتراض حصول ترقية بعد كل ست سنوات من المدة المحسوبة"، فليس المقصود منه افتراض الترقية كل ست سنوات في الدرجة الجديدة المعادلة للمؤهل الدراسي، واعتباره مرقى إلى الدرجات التي تليها على حسب المدة المضمومة، أياً كانت الدرجة التي يصل إليها هذا الافتراض وأياً كان المرتب الذي يبلغه، وإنما المقصود منها افتراض الترقية كل ست سنوات في الدرجات الأدنى من الدرجة المقررة للمؤهل الدراسي، إن كان التماثل بين العمل الحكومي ودرجته وعمله خلال المدة المضمومة يجعله في درجات أدنى، وذلك كقاعدة تتحدد بها الأقدمية في تلك المدة، تضاف أقدميته فيها إلى أقدميته في الدرجة الجديدة المقررة لمؤهله الدراسي, وهي قاعدة وإن كانت تبدو تحكمية إلا أنه قد دعا إليها افتراض أن الترقية في الدرجات الأدنى من الدرجة المقررة للمؤهل لا تسير في تلك الهيئات على نمط يتحاذى مع الترقية فيها في الحكومة، فافترضت الترقية على هذا النحو تنسيقاً للأوضاع في حساب مدد الخدمة السابقة، وللوصول بمثل هذا الموظف إلى الوضع المنصف له في الأقدمية وتحديد المرتب في الدرجة الجديدة، وغني عن البيان أنه إذا كانت المدة قد قضيت في هيئة شبه حكومية لا تطبق نظم الحكومة أو في هيئة خاصة أو عام حر فالمفروض أن ليس فيها درجات مماثلة للعمل الحكومي ودرجاته، فلا يكون ثمة محل لافتراض الترقية، ولا مندوحة من إضافة نصف المدة فقط في حساب أقدمية الدرجة الجديدة المقررة للمؤهل الدراسي وتحديد المرتب فيها على هذا الأساس.
ومن حيث إنه يقطع في صحة ما تقدم أن وزير المالية حين عرض الموضوع على مجلس الوزراء بمذكرة اللجنة المالية المشار إليها لخص مبادئها، وذكر في البند التاسع عشر من تلخيصه في شأن حساب مدد الخدمة السابقة في تحديد الرواتب وحساب الأقدمية العبارة التالية "مع إعطاء قيمة أكبر للخدمة الحكومية السابقة على الخدمة في هيئة شبه حكومية، والخدمة في هذه على الخدمة في الهيئات غير الخاضعة لنظم الحكومة ورقابتها". ولو أخذ بالنظر الذي ذهب إليه المدعي لكان من شأنه أن يجعل هؤلاء أحسن حالاً من أولئك، خصوصاً وقد أشارت المذكرة إلى ركود موظفي الحكومة في الدرجات مدداً تزيد على العشر سنوات. كما أن مجلس الوزراء بعد أن اطلع على تلك المذكرة وافق على المبادئ الواردة بها بقيود فصلها، كان منها المبدأ التالي "حاملو الدرجات الجامعية وما يعادلها من الشهادات العالية الموجودون الآن في أقل من الدرجة السادسة يمنحون هذه الدرجة فوراً، ويسوى ماضي خدمتهم على هذا الأساس، بافتراض أنهم عينوا بماهية 12 ج زيدت بعد سنتين إلى 500 م و13 ج وبعد سنين أخريين إلى 15 ج ثم منحوا بعد ذلك العلاوات المقررة". مما ينفي افتراض الترقية على أساس الدرجة السادسة المقررة للمؤهل الجامعي سواء خلال مدة الخدمة الحالية أو مدة الخدمة السابقة المضمومة، وإنما يدرج راتب تلك الدرجة فقط خلال مدة الخدمة الحالية والمضمومة.
ومن حيث إن المدعي حصل على بكالوريوس الطب وجراحة الأسنان في جامعة القاهرة في يونيه عام 1930، وألحق بخدمة الحكومة في 12 من فبراير سنة 1947 في وظيفة طبيب وحدة الأسنان للصحة المدرسية بدمنهور، وقدم إلى وزارة التربية والتعليم ما يدل على أنه زاول عمله الحر بعيادته من أول مايو سنة 1931 إلى تاريخ التحاقه بالخدمة، وقد اعتمدت الوزارة حساب هذه المدة وضمت نصفها إلى خدمته، واعتبرت أقدميته في الدرجة السادسة راجعة إلى 31 من مارس سنة 1939، وذلك تطبيقاً لقواعد حساب مدد الخدمة السابقة، وهو يطالب باستحقاقه للدرجة الخامسة بعد ست سنوات من ذلك التاريخ مع ما يترتب على ذلك من آثار.
ومن حيث إنه على هدى ما تقدم لا يكون للمدعي الحق في طلب استحقاقه للدرجة الخامسة ما دام قد عين ابتداء بالماهية والدرجة المعادلة لمؤهله الدراسي، ويكون الحكم المطعون فيه - إذ ذهب غير هذا المذهب - قد أخطأ في تطبيق القانون، ويتعين لذلك إلغاؤه ورفض الدعوي.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه ورفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.

التوصية رقم 189: توصية منظمة العمل الدولية بشأن خلق الوظائف في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، 1998.

الديباجة

المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية،

بعد أن دعا إليها مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في جنيف، وبعد أن اجتمعت في دورتها السادسة والثمانين في 2 يونيو 1998، و

إدراكاً لضرورة السعي لتحقيق الرفاه والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والروحية للأفراد والأسر والمجتمعات والأمم،

إدراكاً لأهمية خلق فرص العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإذ نتذكر القرار المتعلق بتعزيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الذي اعتمده مؤتمر العمل الدولي في دورته الثانية والسبعين عام 1986، فضلاً عن الاستنتاجات الواردة في القرار المتعلق بسياسات التوظيف في سياق عالمي، الذي اعتمده المؤتمر في دورته الثالثة والثمانين عام 1996،

مع ملاحظة أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها عاملاً حاسماً في النمو والتنمية الاقتصادية، تتحمل بشكل متزايد مسؤولية خلق غالبية الوظائف في جميع أنحاء العالم، ويمكنها المساعدة في خلق بيئة للابتكار وريادة الأعمال،

إدراكاً للقيمة الخاصة للوظائف المنتجة والمستدامة وذات الجودة العالية،

إدراكاً منا أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم توفر إمكانية حصول النساء والفئات الأخرى المهمشة تقليدياً على فرص عمل منتجة ومستدامة وذات جودة عالية في ظل ظروف أفضل،

إيماناً منا بأن تعزيز احترام اتفاقية العمل الجبري لعام 1930، واتفاقية حرية تكوين الجمعيات وحماية الحق في التنظيم لعام 1948، واتفاقية الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية لعام 1949، واتفاقية المساواة في الأجور لعام 1951، واتفاقية إلغاء العمل الجبري لعام 1957، واتفاقية التمييز (في العمل والمهنة) لعام 1958، من شأنه أن يعزز خلق فرص عمل جيدة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وعلى وجه الخصوص، فإن تعزيز احترام اتفاقية وتوصية الحد الأدنى للسن لعام 1973 سيساعد الأعضاء في جهودهم للقضاء على عمل الأطفال.

كما أنني مقتنع بأن اعتماد أحكام جديدة بشأن خلق فرص العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، يجب أن يؤخذ في الاعتبار إلى جانب ما يلي:

  • (أ) الأحكام ذات الصلة من اتفاقيات وتوصيات العمل الدولية الأخرى حسب الاقتضاء، مثل اتفاقية وتوصية سياسة التوظيف لعام 1964، وتوصية سياسة التوظيف (الأحكام التكميلية) لعام 1984، وتوصية التعاونيات (البلدان النامية) لعام 1966، واتفاقية وتوصية تنمية الموارد البشرية لعام 1975، واتفاقية وتوصية السلامة والصحة المهنية لعام 1981؛ و
  • (ب) مبادرات منظمة العمل الدولية الأخرى المثبتة التي تعزز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في خلق فرص عمل مستدامة وتشجع على التطبيق الكافي والمشترك للحماية الاجتماعية، بما في ذلك برنامج "ابدأ وحسّن عملك" وبرامج أخرى، فضلاً عن عمل المركز الدولي للتدريب التابع لمنظمة العمل الدولية في مجال التدريب وتعزيز المهارات.

سيوفر ذلك إرشادات قيّمة للأعضاء في تصميم وتنفيذ سياسات خلق فرص العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم،

وبعد اتخاذ قرار بشأن اعتماد بعض المقترحات المتعلقة بالشروط العامة لتحفيز خلق فرص العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهو البند الرابع على جدول أعمال الدورة، و

وبعد أن تقرر أن هذه المقترحات ستتخذ شكل توصية؛

في هذا اليوم السابع عشر من شهر يونيو من عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين، تم اعتماد التوصية التالية التي يمكن الاستشهاد بها باسم توصية خلق فرص العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، 1998.

أولاً: التعريف والغرض والنطاق

  1. 1. ينبغي للأعضاء، بالتشاور مع أكثر المنظمات تمثيلاً لأصحاب العمل والعمال، تعريف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم بالرجوع إلى المعايير التي قد تعتبر مناسبة، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية الوطنية، على أن يكون من المفهوم أن هذه المرونة لا ينبغي أن تمنع الأعضاء من التوصل إلى تعريفات متفق عليها بشكل مشترك لأغراض جمع البيانات وتحليلها.
  2. 2- ينبغي على الأعضاء اتخاذ تدابير مناسبة للظروف الوطنية ومتوافقة مع الممارسات الوطنية من أجل الاعتراف بالدور الأساسي الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وتعزيزه فيما يتعلق بما يلي:
    • (أ) تعزيز العمل الكامل والمنتج والمختار بحرية؛
    • (ب) زيادة فرص الحصول على الدخل وخلق الثروة مما يؤدي إلى توظيف منتج ومستدام؛
    • (ج) النمو الاقتصادي المستدام والقدرة على التفاعل بمرونة مع التغييرات؛
    • (د) زيادة المشاركة الاقتصادية للفئات المحرومة والمهمشة في المجتمع؛
    • (هـ) زيادة المدخرات والاستثمارات المحلية؛
    • (و) تدريب وتطوير الموارد البشرية؛
    • (ز) التنمية الإقليمية والمحلية المتوازنة؛
    • (ح) توفير السلع والخدمات التي تتلاءم بشكل أفضل مع احتياجات السوق المحلية؛
    • (ط) الوصول إلى جودة عمل وظروف عمل محسنة قد تساهم في تحسين نوعية الحياة، فضلاً عن السماح لعدد كبير من الناس بالحصول على الحماية الاجتماعية؛
    • (ي) تحفيز الابتكار وريادة الأعمال وتطوير التكنولوجيا والبحث؛
    • (ك) الوصول إلى الأسواق المحلية والدولية؛ و
    • (ل) تعزيز العلاقات الجيدة بين أصحاب العمل والعمال.
  3. 3. من أجل تعزيز الدور الأساسي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة المشار إليها في الفقرة 2، ينبغي على الأعضاء اتخاذ تدابير مناسبة وآليات إنفاذ لحماية مصالح العمال في هذه المؤسسات من خلال تزويدهم بالحماية الأساسية المتاحة بموجب الصكوك الأخرى ذات الصلة.
  4. 4. تنطبق أحكام هذه التوصية على جميع فروع النشاط الاقتصادي وجميع أنواع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بغض النظر عن شكل الملكية (على سبيل المثال، الشركات الخاصة والعامة، والتعاونيات، والشراكات، والمؤسسات العائلية، والملكية الفردية).

ثانيًا: الإطار السياسي والقانوني

  1. 5. من أجل تهيئة بيئة مواتية لنمو وتطور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ينبغي على الأعضاء ما يلي:
    • (أ) اعتماد ومتابعة السياسات المالية والنقدية وسياسات التوظيف المناسبة لتعزيز بيئة اقتصادية مثالية (فيما يتعلق على وجه الخصوص بالتضخم وأسعار الفائدة وأسعار الصرف والضرائب والتوظيف والاستقرار الاجتماعي)؛
    • (ب) وضع وتطبيق الأحكام القانونية المناسبة فيما يتعلق، على وجه الخصوص، بحقوق الملكية، بما في ذلك الملكية الفكرية، وموقع المنشآت، وإنفاذ العقود، والمنافسة العادلة، فضلاً عن التشريعات الاجتماعية والعمالية الكافية؛
    • (ج) تحسين جاذبية ريادة الأعمال من خلال تجنب السياسات والتدابير القانونية التي تضر بمن يرغبون في أن يصبحوا رواد أعمال.
  2. 6- ينبغي استكمال التدابير المشار إليها في الفقرة 5 بسياسات تهدف إلى تعزيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم الكفؤة والتنافسية القادرة على توفير فرص عمل منتجة ومستدامة في ظل ظروف اجتماعية ملائمة. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي على الدول الأعضاء النظر في سياسات من شأنها:
    • (1) خلق الظروف التي:
      • (أ) توفير الدعم لجميع المؤسسات، بغض النظر عن حجمها أو نوعها:
        • (أ) تكافؤ الفرص فيما يتعلق، على وجه الخصوص، بالحصول على الائتمان والعملات الأجنبية والمدخلات المستوردة؛ و
        • (2) فرض ضرائب عادلة؛
      • (ب) ضمان التطبيق غير التمييزي لتشريعات العمل، من أجل رفع جودة العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
      • (ج) تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم على الالتزام بمعايير العمل الدولية المتعلقة بعمل الأطفال؛
    • (2) إزالة القيود التي تعيق تطوير ونمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والناشئة على وجه الخصوص عن:
      • (أ) صعوبات الوصول إلى الائتمان وأسواق رأس المال؛
      • (ب) مستويات منخفضة من المهارات التقنية والإدارية؛
      • (ج) معلومات غير كافية؛
      • (د) انخفاض مستويات الإنتاجية والجودة؛
      • (هـ) عدم كفاية الوصول إلى الأسواق؛
      • (و) صعوبات الوصول إلى التقنيات الجديدة؛
      • (ز) نقص البنية التحتية للنقل والاتصالات؛
      • (ح) متطلبات التسجيل والترخيص والإبلاغ والمتطلبات الإدارية الأخرى غير المناسبة أو غير الكافية أو المرهقة للغاية، بما في ذلك تلك التي تثبط توظيف الأفراد، دون المساس بمستوى ظروف العمل أو فعالية التفتيش العمالي أو نظام الإشراف على ظروف العمل والقضايا ذات الصلة؛
      • (ط) عدم كفاية الدعم للبحث والتطوير؛
      • (ي) صعوبات في الوصول إلى فرص الشراء العامة والخاصة؛
    • (3) تشمل تدابير وحوافز محددة تهدف إلى مساعدة القطاع غير الرسمي وتطويره ليصبح جزءًا من القطاع المنظم.
  3. 7. بهدف صياغة هذه السياسات، ينبغي على الأعضاء، عند الاقتضاء:
    • (1) جمع البيانات الوطنية عن قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتي تغطي من بين أمور أخرى الجوانب الكمية والنوعية للتوظيف، مع ضمان عدم تسبب ذلك في أعباء إدارية لا داعي لها على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛
    • (2) إجراء مراجعة شاملة لتأثير السياسات واللوائح الحالية على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، مع إيلاء اهتمام خاص لتأثير برامج التكيف الهيكلي على خلق فرص العمل؛
    • (3) مراجعة تشريعات العمل والشؤون الاجتماعية، بالتشاور مع أكثر المنظمات تمثيلاً لأصحاب العمل والعمال، لتحديد ما إذا كان:
      • (أ) يلبي هذا التشريع احتياجات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، مع ضمان الحماية الكافية وظروف العمل المناسبة لعمالها؛
      • (ب) هناك حاجة إلى تدابير تكميلية فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، مثل المخططات التطوعية والمبادرات التعاونية وغيرها؛
      • (ج) تمتد هذه الحماية الاجتماعية إلى العمال في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهناك أحكام كافية لضمان الامتثال لأنظمة الضمان الاجتماعي في مجالات مثل الرعاية الطبية، والمرض، والبطالة، والشيخوخة، وإصابات العمل، والأسرة، والأمومة، والعجز، ومزايا الورثة.
  4. 8. في أوقات الصعوبات الاقتصادية، ينبغي للحكومات أن تسعى إلى تقديم مساعدة قوية وفعالة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وعمالها.
  5. 9. عند صياغة هذه السياسات، الأعضاء:
    • (1) يجوز لها التشاور، بالإضافة إلى المنظمات الأكثر تمثيلاً لأصحاب العمل والعمال، مع الأطراف الأخرى المعنية والمؤهلة حسبما تراه مناسباً؛
    • (2) ينبغي أن تأخذ في الاعتبار السياسات الأخرى في مجالات مثل الشؤون المالية والنقدية والتجارة والصناعة والتوظيف والعمل والحماية الاجتماعية والمساواة بين الجنسين والسلامة والصحة المهنية وبناء القدرات من خلال التعليم والتدريب؛
    • (3) ينبغي إنشاء آليات لمراجعة هذه السياسات، بالتشاور مع أكثر المنظمات تمثيلاً لأصحاب العمل والعمال، وتحديثها.

ثالثاً: تطوير ثقافة ريادة الأعمال

  1. 10- ينبغي على الأعضاء اتخاذ تدابير، تُصاغ بالتشاور مع أكثر المنظمات تمثيلاً لأصحاب العمل والعمال، لخلق وتعزيز ثقافة مؤسسية تُشجع المبادرات، وإنشاء المشاريع، والإنتاجية، والوعي البيئي، والجودة، وعلاقات العمل والصناعة الجيدة، والممارسات الاجتماعية الملائمة والعادلة. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي على الأعضاء مراعاة ما يلي:
    • (1) السعي إلى تنمية المواقف الريادية، من خلال نظام وبرامج التعليم وريادة الأعمال والتدريب المرتبطة باحتياجات العمل وتحقيق النمو والتنمية الاقتصادية، مع التركيز بشكل خاص على أهمية علاقات العمل الجيدة والمهارات المهنية والإدارية المتعددة التي تحتاجها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
    • (2) السعي، من خلال الوسائل المناسبة، إلى تشجيع موقف أكثر إيجابية تجاه المخاطرة وفشل الأعمال من خلال الاعتراف بقيمتها كتجربة تعليمية مع الاعتراف في الوقت نفسه بتأثيرها على كل من رواد الأعمال والعمال؛
    • (3) تشجيع عملية التعلم مدى الحياة لجميع فئات العمال ورواد الأعمال؛
    • (4) تصميم وتنفيذ حملات توعية، بمشاركة كاملة من منظمات أصحاب العمل والعمال المعنيين، لتعزيز ما يلي:
      • (أ) احترام سيادة القانون وحقوق العمال، وتحسين ظروف العمل، وزيادة الإنتاجية وتحسين جودة السلع والخدمات؛
      • (ب) نماذج يحتذى بها في مجال ريادة الأعمال وبرامج الجوائز، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والفئات المحرومة والمهمشة.

رابعاً: تطوير بنية تحتية فعالة للخدمات

  1. 11. من أجل تعزيز النمو، وإمكانية خلق فرص العمل، والقدرة التنافسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ينبغي مراعاة توافر مجموعة من خدمات الدعم المباشرة وغير المباشرة لها ولعمالها، وإمكانية الوصول إليها، بما في ذلك:
    • (أ) المساعدة في مرحلة ما قبل بدء الأعمال التجارية، وبدء الأعمال التجارية، وتطويرها؛
    • (ب) تطوير خطة العمل ومتابعتها؛
    • (ج) حاضنات الأعمال؛
    • (د) خدمات المعلومات، بما في ذلك تقديم المشورة بشأن السياسات الحكومية؛
    • (هـ) خدمات الاستشارات والبحوث؛
    • (و) تعزيز المهارات الإدارية والمهنية؛
    • (ز) تعزيز وتطوير التدريب القائم على المؤسسات؛
    • (ح) دعم التدريب في مجال السلامة والصحة المهنية؛
    • (ط) المساعدة في رفع مستوى معرفة القراءة والكتابة والحساب والكفاءات الحاسوبية ومستويات التعليم الأساسي للمديرين والموظفين؛
    • (ي) الوصول إلى الطاقة والاتصالات والبنية التحتية المادية مثل المياه والكهرباء والمباني والنقل والطرق، المقدمة مباشرة أو من خلال وسطاء القطاع الخاص؛
    • (ك) المساعدة في فهم وتطبيق تشريعات العمل، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بحقوق العمال، وكذلك في تنمية الموارد البشرية وتعزيز المساواة بين الجنسين؛
    • (ل) الخدمات القانونية والمحاسبية والمالية؛
    • (م) دعم الابتكار والتحديث؛
    • (ن) نصائح تتعلق بالتكنولوجيا؛
    • (س) تقديم المشورة بشأن التطبيق الفعال لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في عملية الأعمال؛
    • (ص) الوصول إلى أسواق رأس المال والائتمان وضمانات القروض؛
    • (ق) تقديم المشورة في مجال التمويل والائتمان وإدارة الديون؛
    • (ر) تشجيع الصادرات وفرص التجارة في الأسواق الوطنية والدولية؛
    • (ش) أبحاث السوق والمساعدة التسويقية؛
    • (ر) المساعدة في تصميم المنتج وتطويره وعرضه؛
    • (ت) إدارة الجودة، بما في ذلك اختبار الجودة وقياسها؛
    • (خامساً) خدمات التعبئة والتغليف؛
    • (و) خدمات الإدارة البيئية.
  2. 12. قدر الإمكان، ينبغي تصميم خدمات الدعم المشار إليها في الفقرة 11 وتقديمها لضمان الملاءمة والكفاءة الأمثل من خلال وسائل مثل:
    • (أ) تكييف الخدمات وتقديمها مع الاحتياجات المحددة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، مع مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة، فضلاً عن الاختلافات من حيث الحجم والقطاع ومرحلة التنمية؛
    • (ب) ضمان المشاركة الفعالة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والمنظمات الأكثر تمثيلاً لأصحاب العمل والعمال في تحديد الخدمات التي سيتم تقديمها؛
    • (ج) إشراك القطاعين العام والخاص في تقديم هذه الخدمات من خلال، على سبيل المثال، منظمات أصحاب العمل والعمال، والمنظمات شبه العامة، والاستشاريين الخاصين، ومجمعات التكنولوجيا، وحاضنات الأعمال، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم نفسها؛
    • (د) توزيع تقديم الخدمات، وبالتالي جعلها أقرب ما يمكن من الناحية المادية إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
    • (هـ) تعزيز سهولة الوصول إلى مجموعة متكاملة من الخدمات الفعالة من خلال ترتيبات "النافذة الواحدة" أو خدمات الإحالة؛
    • (و) السعي نحو الاكتفاء الذاتي لمقدمي الخدمات من خلال درجة معقولة من استرداد التكاليف من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم ومصادر أخرى، بطريقة تتجنب تشويه أسواق هذه الخدمات وتعزيز إمكانات خلق فرص العمل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
    • (ز) ضمان الاحترافية والمساءلة في إدارة تقديم الخدمات؛
    • (ح) إنشاء آليات للمراقبة والتقييم والتحديث المستمر للخدمات.
  3. 13. ينبغي تصميم الخدمات لتشمل أساليب تعزيز الإنتاجية وغيرها من الأساليب التي تعزز الكفاءة وتساعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والدولية، مع تحسين ممارسات العمل وظروف العمل في الوقت نفسه.
  4. 14- ينبغي على الأعضاء تسهيل حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على التمويل والائتمان بشروط مرضية. وفي هذا الصدد:
    • (1) ينبغي قدر الإمكان تقديم الائتمان والخدمات المالية الأخرى بشروط تجارية لضمان استدامتها، باستثناء حالة الفئات الضعيفة بشكل خاص من رواد الأعمال؛
    • (2) ينبغي اتخاذ تدابير تكميلية لتبسيط الإجراءات الإدارية، وتقليل تكاليف المعاملات، والتغلب على المشاكل المتعلقة بعدم كفاية الضمانات، على سبيل المثال، من خلال إنشاء وكالات تجزئة مالية غير حكومية ومؤسسات تمويل تنموي تعالج التخفيف من حدة الفقر؛
    • (3) يمكن تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم على التنظيم في جمعيات الضمان المتبادل؛
    • (4) ينبغي تشجيع إنشاء رأس المال الاستثماري والمنظمات الأخرى المتخصصة في تقديم المساعدة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم المبتكرة.
  5. 15. ينبغي على الأعضاء النظر في السياسات المناسبة لتحسين جميع جوانب التوظيف في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم من خلال ضمان التطبيق غير التمييزي للتشريعات العمالية والاجتماعية الحمائية.
  6. 16. ينبغي على الأعضاء، بالإضافة إلى ذلك:
    • (1) تيسير، عند الاقتضاء، تطوير المنظمات والمؤسسات التي يمكنها دعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم وقدرتها التنافسية بشكل فعال. وفي هذا الصدد، ينبغي مراعاة التشاور مع المنظمات الأكثر تمثيلاً لأصحاب العمل والعمال؛
    • (2) النظر في اتخاذ تدابير كافية لتعزيز الروابط التعاونية بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والمؤسسات الكبيرة. وفي هذا الصدد، ينبغي اتخاذ تدابير لحماية المصالح المشروعة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم المعنية وعمالها؛
    • (3) النظر في تدابير لتعزيز الروابط بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم لتشجيع تبادل الخبرات وكذلك تقاسم الموارد والمخاطر. وفي هذا الصدد، يمكن تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم على تشكيل هياكل مثل التكتلات والشبكات والتعاونيات الإنتاجية والخدمية، مع مراعاة أهمية دور منظمات أصحاب العمل والعمال؛
    • (4) النظر في تدابير وحوافز محددة للأشخاص الطامحين إلى أن يصبحوا رواد أعمال من بين فئات مختارة من السكان، مثل النساء، والعاطلين عن العمل لفترات طويلة، والأشخاص المتضررين من برامج التكيف الهيكلي أو الممارسات التقييدية والتمييزية، والأشخاص ذوي الإعاقة، والعسكريين المسرحين، والشباب بمن فيهم الخريجون، وكبار السن من العمال، والأقليات العرقية، والشعوب الأصلية والقبلية. وينبغي أن يتم تحديد هذه الفئات بالتفصيل مع مراعاة الأولويات والظروف الاجتماعية والاقتصادية الوطنية.
    • (5) النظر في اتخاذ تدابير خاصة لتحسين التواصل والعلاقات بين الوكالات الحكومية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وكذلك المنظمات الأكثر تمثيلاً لهذه المؤسسات، من أجل تحسين فعالية السياسات الحكومية التي تهدف إلى خلق فرص العمل؛
    • (6) تشجيع دعم ريادة الأعمال النسائية، مع الاعتراف بالأهمية المتزايدة للمرأة في الاقتصاد، من خلال تدابير مصممة خصيصًا للنساء اللواتي هن رائدات أعمال أو يرغبن في أن يصبحن رائدات أعمال.

خامساً: أدوار منظمات أصحاب العمل والعمال

  1. 17. ينبغي على منظمات أصحاب العمل أو العمال أن تنظر في المساهمة في تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم بالطرق التالية:
    • (أ) توضيح مخاوف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم أو عمالها للحكومات، حسب الاقتضاء؛
    • (ب) تقديم خدمات الدعم المباشر في مجالات مثل التدريب والاستشارات وتسهيل الحصول على الائتمان والتسويق وتقديم المشورة بشأن العلاقات الصناعية وتعزيز الروابط مع المؤسسات الأكبر حجماً؛
    • (ج) التعاون مع المؤسسات الوطنية والإقليمية والمحلية وكذلك مع المنظمات الإقليمية الحكومية الدولية التي تقدم الدعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مجالات مثل التدريب والاستشارات وبدء الأعمال التجارية ومراقبة الجودة؛
    • (د) المشاركة في المجالس وفرق العمل والهيئات الأخرى على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية التي تم إنشاؤها للتعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية الهامة، بما في ذلك السياسات والبرامج، التي تؤثر على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
    • (هـ) تعزيز والمشاركة في تطوير إعادة الهيكلة المفيدة اقتصادياً والتقدمية اجتماعياً (من خلال وسائل مثل إعادة التدريب وتعزيز العمل الحر) مع شبكات الأمان الاجتماعي المناسبة؛
    • (و) المشاركة في تعزيز تبادل الخبرات وإقامة الروابط بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
    • (ز) المشاركة في رصد وتحليل القضايا الاجتماعية وقضايا سوق العمل التي تؤثر على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، فيما يتعلق بأمور مثل شروط التوظيف وظروف العمل والحماية الاجتماعية والتدريب المهني، وتعزيز الإجراءات التصحيحية حسب الاقتضاء؛
    • (ح) المشاركة في الأنشطة الرامية إلى رفع مستوى الجودة والإنتاجية، فضلاً عن تعزيز المعايير الأخلاقية والمساواة بين الجنسين وعدم التمييز؛
    • (ط) إعداد دراسات عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وجمع المعلومات الإحصائية وغيرها من أنواع المعلومات ذات الصلة بالقطاع، بما في ذلك الإحصاءات المصنفة حسب الجنس والعمر، وتبادل هذه المعلومات، فضلاً عن دروس أفضل الممارسات، مع المنظمات الوطنية والدولية الأخرى لأصحاب العمل والعمال؛
    • (ي) تقديم الخدمات والمشورة بشأن حقوق العمال، وتشريعات العمل، والحماية الاجتماعية للعمال في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
  2. 18. ينبغي تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وعمالها على التمثيل الكافي، مع الاحترام الكامل لحرية تكوين الجمعيات. وفي هذا الصدد، ينبغي لمنظمات أصحاب العمل والعمال النظر في توسيع قاعدة عضويتها لتشمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

سادساً: التعاون الدولي

  1. 19. ينبغي تشجيع التعاون الدولي المناسب في المجالات التالية:
    • (أ) وضع مناهج مشتركة لجمع البيانات القابلة للمقارنة، لدعم صنع السياسات؛
    • (ب) تبادل المعلومات، المصنفة حسب الجنس والعمر والمتغيرات الأخرى ذات الصلة، بشأن أفضل الممارسات من حيث السياسات والبرامج لخلق فرص العمل ورفع جودة التوظيف في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
    • (ج) إنشاء روابط بين الهيئات والمؤسسات الوطنية والدولية المعنية بتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك منظمات أصحاب العمل والعمال، من أجل تسهيل ما يلي:
      • (أولا) تبادل الموظفين والخبرات والأفكار؛
      • (ثانياً) تبادل المواد التدريبية ومنهجيات التدريب والمواد المرجعية؛
      • (ثالثاً) تجميع نتائج البحوث وغيرها من البيانات الكمية والنوعية، المصنفة حسب الجنس والعمر، حول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وتنميتها؛
      • (رابعاً) إقامة شراكات وتحالفات دولية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وترتيبات التعاقد من الباطن، وغيرها من الروابط التجارية؛
      • (v) تطوير آليات جديدة، باستخدام تكنولوجيا المعلومات الحديثة، لتبادل المعلومات بين الحكومات ومنظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال بشأن الخبرة المكتسبة فيما يتعلق بتعزيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم؛
    • (د) الاجتماعات الدولية وحلقات النقاش حول مناهج خلق فرص العمل من خلال تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك دعم ريادة الأعمال النسائية. وستكون المناهج المماثلة لخلق فرص العمل وريادة الأعمال مفيدة للفئات المحرومة والمهمشة؛
    • (هـ) إجراء بحث منهجي في سياقات وبلدان متنوعة حول عوامل النجاح الرئيسية لتعزيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تتسم بالكفاءة والقدرة على خلق فرص عمل توفر ظروف عمل جيدة وحماية اجتماعية كافية؛
    • (و) تعزيز وصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وعمالها إلى قواعد البيانات الوطنية والدولية حول مواضيع مثل فرص العمل ومعلومات السوق والقوانين واللوائح والتكنولوجيا ومعايير المنتجات.
  2. 20- ينبغي على الأعضاء الترويج لمضمون هذه التوصية لدى الهيئات الدولية الأخرى. كما ينبغي عليهم أن يكونوا منفتحين على التعاون مع تلك الهيئات، عند الاقتضاء، عند تقييم وتنفيذ أحكام هذه التوصية، وأن يأخذوا في الاعتبار الدور البارز الذي تضطلع به منظمة العمل الدولية في تعزيز خلق فرص العمل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.