الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 29 يناير 2022

الطعن 107 لسنة 15 ق جلسة 30 / 1 / 1947 مج عمر المدنية ج 5 ق 147 ص 327

جلسة 30 من يناير سنة 1947

برياسة حضرة جندي عبد الملك وكيل المحكمة وحضور حضرات: أحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك المستشارين.

---------------

(147)
القضية رقم 107 سنة 15 القضائية

حيازة:
أ - متى تعتبر الحيازة سنداً للملك في المنقول؟
ب - خزانة. مفتاح الخزانة. يشبه تذكرة النقل من حيث إن كلاً منهما يجعل حامله حائزاً حيازة رمزية لمنقول ليس في يده فعلا. كون الشيء واقعاً فعلا في حوزة من يدعى حيازته أولا. أمر موضوعي. استقلال قاضى الموضوع بتقديره.
(المادتان 607، 608 من القانون المدني(

-----------------
1 - الحيازة لا تعتبر سنداً للملك في المنقول - وفق ما هو مقرر في المادتين 607 و608 من القانون المدني (1) - إلا إذا كانت فعلية بنية التملك بريئة من شائبة الغموض واللبس (2). وهي لا تكون فعلية إلا إذا ترتب عليها وجود الشيء المحوز في مكنة الحائز وتحت تصرفه، ولا تكون بنية التملك إلا إذا كان الحائز أصيلاً يحوز لنفسه لا لغيره، ولا تكون بريئة من اللبس والغموض إلا حيث تخلص ليد واحدة لا تخالطها يد سواها مخالطة تثير الشك في انفرادها بالتسلط على الشيء والتصرف فيه.
2 - حيازة مفتاح الخزانة هي حيازة رمزية لمنقول غير حاصل فعلاً في اليد، وليست بذاتها دليلاً قاطعاً على حيازة ما هو في الخزانة. وكون الشيء حاصلاً فعلاً في حوزة من يدعى حيازته أو غير حاصل فيها هو من الواقع الذي يحصله قاضى الموضوع في كل دعوى مما يتوافر فيها من دلائل. وإذا كان القانون قد نص في باب البيع على أن تسليم المنقولات المبيعة يصح أن يتم بتسليم مفاتيح المخازن الموضوعة فيها، فإن هذا النص لا يعنى أن كل من يحمل مفتاحاً لخزانة يكون ولا بد حائزاً فعلاً لمحتوياتها، لأن حمل المفتاح لا يلزم عنه حتماً أن حامله مسلط على الخزانة مستأثر بالتصرف في فراغها؛ ومن ثم كانت العبرة في كل دعوى بظروفها الواقعية، فحيث تدل هذه الظروف على أن حامل مفتاح الخزانة كان متسلطاً فعلاً على ما فيها جاز اعتباره حائزاً وإلا فلا. وما يراه قاضى الموضوع في هذا الشأن هو رأى في مسألة واقعية يستقل هو بتقديرها ولا يخضع قضاؤه فيها لرقابة محكمة النقض.


الوقائع

في 19 من نوفمبر سنة 1939 توفيت ببندر جرجا المرحومة إحسان عبد المجيد عثمان البارودي من غير عقب، وانحصر إرثها في زوجها فؤاد أفندي عبد الرحيم عثمان البارودي وأمها السيدة نقية عثمان البارودي وأختها السيدة حافظة عبد الحميد عثمان البارودي وأخيها عبد الوهاب أفندي عبد الحميد عثمان البارودي. ولما كان هذا الأخير قاصراً وقت الوفاة فقد انتقل دردير السيد الأنصاري عمدة جرجا ومعه شيخ الحصة راضي أفندي خليل البارودي إلى المنزل الذي كانت تقيم فيه المتوفاة وهو منزل لها ولباقي ورثة والدها وقاما بإغلاق (الدور) الثالث من المنزل المذكور وهو (الدور) الذي كانت تشغله المتوفاة بسكنها، وختما على بابه بالشمع الأحمر. ثم ختما بالشمع الأحمر أيضاً على خزانة من حديد وجداها داخل (مندرة) بالدور الأرضي من المنزل وأغلقا بابي هذه (المندرة) وختما عليهما أيضاً. وبعد قيام العمدة بهذه الإجراءات وعقب خروجه من المنزل تلقى رسالة برقية منسوبة إلى فؤاد أفندي البارودي يطلب فيها منه العودة إلى المنزل لإجراء الجرد والحصر حالاً. فعاد العمدة في اليوم التالي وجرد المنقولات الموجودة بمسكن المتوفاة في (الدور) الثالث من المنزل وذيل محضره بالعبارة الآتية: "أثناء الحصر وجدنا مفاتيح الخزانة تحت دولاب بأودة النوم وهى مفاتيح الخزنة الحديد الخاصة بالمتوفية بأودة النوم تعلقها. والخزنة الحديد المذكورة موجودة بالدور الأرضي بمندرة من منادر المنزل المذكور ومختوم عليها بالشمع الأحمر بختم راضي أفندي البارودي أحد مشايخ البندر ومصطفى أفندي عبد الرحيم البارودي".
وفى 20 من ديسمبر سنة 1939 استصدر فؤاد أفندي البارودي أمراً من حضرة رئيس محكمة سوهاج قضى بتوقيع الحجز على ما في داخل الخزانة الحديد بعد جرده قانوناً وبتسليمها بعد إغلاقها والختم عليها لحارس مقتدر.
وفى 28 من ديسمبر سنة 1939 تولى أحد محضري محكمة جرجا تنفيذ هذا الأمر في حضور حضرة مأمور المركز الذي كان قد سبق المحضر إلى فتح الخزانة وجردها بأمر من المجلس الحسبي، وكان قد وضع محتوياتها في ملفات ختم عليها بختمه. وثبت في محضر الجرد الذي حرره المحضر والذى على أساسه وقع الحجز أنه وجد في الخزانة 1950 جنيهاً من ورق البنكنوت و 454 جنيهاً من الذهب و38 جنيهاً من العملة الفضية. ووجد داخل "علبة أدوية" من الورق المقوى 115 جنيهاً من ورق البنكنوت وست قطع ذهبية من فئة نصف الجنيه الإنجليزي ومصوغات متنوعة مختلفة ومفتاحين تبين فيما بعد أنهما مفتاحا خزانة كانت المتوفاة قد استأجرتها من بنك مصر بالقاهرة. هذا عدا أوراقاً كثيرة من بينها سند بمبلغ 110 جنيهات لأمر وإذن المتوفاة صادر لها من أخيها عبد الوهاب. وعلى أساس الحجز الذي وقع على محتويات الخزانة التي تناولها الجرد أقام فؤاد أفندي البارودي (الطاعن) الدعوى رقم 74 سنة 1940 كلي سوهاج على باقي ورثة زوجته وهم أخوها عبد الوهاب المطعون ضده الأول وأختها السيدة حافظة المطعون ضدها الثانية وأمها السيدة نقية التي توفيت وحل محلها ولداها. وطلب الطاعن في دعواه المذكورة الحكم بثبوت حقه في نصف الخزانة الحديدية وفى نصف محتوياتها كما وردت في محضر الحجز التحفظي المؤرخ في 28 من ديسمبر سنة 1939 وتثبيت هذا الحجز وجعله نافذاً. واعتمد الطاعن في دعواه هذه على أن الخزانة كانت في حيازة زوجه إلى أن توفيت فتكون بذلك هي ومحتوياتها ملكاً لها. ودفعت أم الزوجة وأخوها وأختها بأن حيازة الخزانة إنما كانت للسيدة نقية عثمان البارودي أم المتوفاة. وفي 17 من أبريل سنة 1941 قضت محكمة سوهاج تمهيدياً بإحالة الدعوى على التحقيق ليثبت "كل من الطرفين مدعاه بشأن محتويات الخزانة الحديدية بجميع الطرق القانونية بما فيها البينة على أن يكون للطرف الآخر النفي بنفس الطرق". وبعد أن تم التحقيق قضت المحكمة بأحقية الطاعن على 2 و5/ 8 قيراطاً من 24 قيراطاً من حديد الخزانة المبينة بمحضر الحجز وتثبيت الحجز المذكور بالنسبة إلى هذا النصيب، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات الطاعن وألزمته بالمصاريف وخمسمائة قرش مقابل أتعاب محاماة.
استأنف الطاعن هذا الحكم لدى محكمة استئناف أسيوط وطلب الحكم بقبول استئنافه شكلا وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف والحكم له بجميع طلباته التي أوردها في دعواه. وفى 10 من مايو سنة 1945 قضت محكمة استئناف أسيوط أولاً بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من أحقية الطاعن إلى 2 و5/ 8 قيراطاً من 24 قيراطا في حديد الخزانة الموضحة بمحضر الحجز التحفظي وتثبيت الحجز المذكور بالنسبة إلى هذا النصيب. ثانياً بإلغاء الحكم المستأنف فيما يتعلق بالأوراق المحجوز عليها بداخل الخزانة وبأحقية الطاعن إلى 2 و5/ 8 قيراطاً من 24 قيراطا في عقود البيع والإيجار والمستندات والأحكام الصادرة لمصلحة المورث الأصلي المرحوم عبد المجيد عثمان البارودي والتي وجدت بداخل الخزانة الحديدية، وكذلك أحقيته إلى 2 و5/ 8 قيراطاً من 24 قيراطا في الأوراق الأخرى من عقود ومستندات خاصة بورثة المورث المذكور وصادرة لمصلحتهم بعد وفاته ووجدت بهذه الخزانة، وبأحقيته أيضاً إلى ثلاثة قراريط من 24 قيراطاً في عقد التخارج المؤرخ أول يوليه سنة 1939 الصادر من الست عريفة خليل البارودي لمصلحة السيدتين إحسان وحافظة كريمتي المرحوم عبد المجيد عثمان البارودي من تركة ابنها المرحوم عبد المجيد عثمان البارودي المذكور والذى وجد بداخل الخزانة، وبأحقية الطاعن إلى النصف في الأوراق الخاصة بمورثته المرحومة إحسان عبد المجيد عثمان البارودي والتي وجدت بداخل هذه الخزانة وفى المفتاحين المبينين بأسباب الحكم، وتثبيت الحجز التحفظي الاستحقاقي الموقع على هذه الأشياء في 28 من ديسمبر سنة 1939 بالنسبة إلى هذا النصيب. ثالثاً بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من رفض باقي طلبات المستأنف.
وأعلن هذا الحكم للطاعن في 5 يوليه سنة 1945 فطعن وكيله بالنقض فيه وفي الحكم التمهيدي المؤرخ في 17 من أبريل سنة 1941 الخ الخ.


المحكمة

وحيث إن مبنى السبب الأولى مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون. ووجه هذه المخالفة، فيما يقول الطاعن، أن النزاع بينه وبين السيدة نقية مورثة المطعون ضدهما انصب على محتويات خزانة حديدية ثبت من مستندات الدعوى ومن ذات الحكم المطعون فيه أن مفاتيحها كانت في حيازة مورثة الطاعن إلى أن توفيت. وهذه واقعة يلزم عنها لذاتها أن تعتبر المورثة المذكورة مسلطة على فراغ الخزانة، أى حائزة لمحتوياتها، إذ الحيازة في حكم القانون ليست إلا السلطان الفعلي الثابت لشخص على مال معين، وكان مقتضى ذلك ولازمه قانوناً أن يفيد الطاعن بصفته خلفاً لمورثته من قرينة الملك التي رتبتها لحائز المنقول المادتان 607 و608 من القانون المدني، فيرفع عنه عبء إثبات ملكية مورثته لمحتويات الخزانة، ويلقى هذا العبء على من ينازع في هذه الملكية. لكن محكمة أول درجة، تجاهلاً منها لحيازة مورثة الطاعن وللقرينة التي رتبها القانون على هذه الحيازة، قضت بإحالة الدعوى على التحقيق "ليثبت كل من الطرفين مدعاه بشأن محتويات الخزانة بجميع الطرق القانونية بما فيها البينة على أن يكون للطرف الآخر النفى". ولما كان الحكم المطعون فيه قد أيد هذا القضاء فإنه يكون قد أخطأ مثل خطئه من حيث إنه لم يفهم الحيازة على وجهها الصحيح، إذ لو كان قد فهمها لاعتبر مورثة الطاعن حائزة الخزانة متى كان مسلماً أن مفاتيحها كانت في حوزتها، ومن حيث إنه لم يرتب على حيازة مورثة الطاعن أثرها القانوني، وهو افتراض أنها مالكة إلى أن يقوم الدليل على العكس.
وحيث إن مبنى السبب الثاني أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون: أولاً - لأنه وصف حيازة مورثة الطاعن لمحتويات الخزانة بأنها حيازة عرضية، معتمداً في ذلك على أن مفاتيح الخزانة إنما كانت تحت يد المورثة المذكورة بطريق الإنابة عن أمها، وعلى أنه متى كان الأمر كذلك فإن يدها على محتويات الخزانة تكون من طريق الإنابة أيضاً. ثم إنه وصف هذه الحيازة نفسها بأنها غير خالصة من شائبة اللبس بناءً على أن الخزانة الحديدية ذاتها ملك شائع بين مورثة الطاعن وباقي ورثة والدها. ويقول الطاعن إن الحكم بهذا الذي ذهب إليه قد خلط بين حيازة حديد الخزانة وحيازة فراغها ومحتوياتها في حين أن حيازة الخزانة ذاتها مستقلة تماماً عن حيازة فراغها، فقد يحوز الشخص خزانة ما حيازة عرضية بالإنابة عن غيره ويحوز، مع ذلك وعلى الرغم من ذلك، محتوياتها حيازة كاملة لا يشوبها عيب ما. فمستأجر الخزانة من بنك يحوزها حيازة عرضية نيابة عن البنك ولكنه هو وحده الذي يحوز فراغها ويحوزه حيازة كاملة، ومن ثم كان هو وحده الذي يحوز محتوياتها. والحكم لا يتغير أياً كان السبب في الحيازة العرضية لذات الخزانة، فسواء كان هذا السبب إيجاراً أو وديعة فالحكم واحد. ذلك أن تسلم مفاتيح الخزانة يمكن المتسلم فعلاً من التسلط على فراغها واستعماله، ويكفى هذا وحده في اعتباره حائزاً لهذا الفراغ. ومن ثم لا يصح البتة أن يستنتج من كون حيازة الخزانة عرضية أو غامضة أن حيازة محتوياتها عرضية أو غامضة كذلك، إذ لا تلازم بين الحيازتين. وعلى ذلك يكون الحكم المطعون فيه قد وصف حيازة مورثة الطاعن بأنها عرضية وغامضة استناداً إلى وقائع يمتنع عقلاً وقانوناً أن تؤدى، على فرض صحتها، إلى النتيجة التي انتهى إليها.
ثانياً - لأنه ذهب إلى أن حيازة مورثة الطاعن لمحتويات الخزانة لم تكن حيازة مادية فعلية، معتمداً في ذلك من جهة على أن حيازة المفاتيح ليست دليلاً قاطعاً في ذاتها على حيازة الخزانة حيازة مادية غير مشوبة أسوة بما تقرر من أن حيازة تذكرة النقل (بوليصة سكة الحديد) ليست من قبيل وضع اليد الحقيقي الذي يعتبر سنداً لملكية المنقول، ومن جهة أخرى على أن الخزانة لم تكن في الدور الثالث الذي كانت تقطنه المورثة بل في الدور الأسفل المخصص لإدارة تركة المرحوم عبد المجيد عثمان البارودي، وهى موضوعة في حجرة كان مفتاحها مع غير المورثة المذكورة. ويقول الطاعن إن قياس مفاتيح الخزانة على تذاكر النقل بسكة الحديد (بوالص الشحن) هو قياس مع الفارق، لأنه ليس لمن بيده تذكرة النقل سلطان فعلى على البضاعة المنقولة، في حين أن من بيده مفاتيح الخزانة له على محتوياتها سلطان فعلى لا سبيل إلى إنكاره. ولا أدل على ذلك من أن الشارع قد اعتبر تسليم المفاتيح دليلاً على نقل الحيازة. فقد نص في المادة 271 من القانون المدني على أن تسليم المبيع عبارة عن وضعه تحت تصرف المشترى بحيث يمكنه وضع يده عليه والانتفاع به بدون مانع، أي إنه عبارة عن نقل حيازته. ونص في المادة 272 من القانون المدني على أن تسليم المنقولات المبيعة يكون بتسليم مفاتيح المخازن الموضوعة بها. ويقول الطاعن أيضاً إن واقعة وجود الخزانة في دور مخصص لإدارة تركة المرحوم عبد المجيد عثمان البارودي هي واقعة لم يقم عليها دليل ما. وبذا يكون الحكم المطعون فيه إذ وصف حيازة مورثة الطاعن بأنها غير فعلية إنما استند إلى سببين أولهما لا ينتج هذا الوصف عقلاً ولا قانوناً، والآخر لم يقم عليه دليل في الدعوى.
ثالثاً - لأنه قضى بملكية محتويات الخزانة للمطعون ضدهما على اعتبار أن مورثتهما المرحومة السيدة نقية كانت هي الحائزة للخزانة، في حين أن الثابت من مستندات الدعوى ومن ذات الحكم المطعون فيه أن السيدة نقية لم يكن في استطاعتها أن تصل إلى ما كانت تحتويه الخزانة لأن مفتاحها لم يكن في يدها، وفى حين أن السيدة نقية حددت أول الأمر مدعاها في محتويات الخزانة بقدر معلوم ثم لما علمت بحقيقة هذه المحتويات من محضر الحجز الموقع في 28 من ديسمبر سنة 1939 ادعت أنها جميعها ملك لها، والعبرة بداهة بالادعاء الأول. على أن الواقع في الدعوى أنه لم يقم دليل على أى من الادعاءين.
وحيث إن مبنى السبب الثالث أن الحكم المطعون فيه قد شاب تسبيبه أنه: أولا - استند إلى واقعة غير صحيحة توهمها هي أن عمدة جرجا إذ عثر على مفاتيح الخزانة بحجرة نوم مورثة الطاعن وجد معها ختم السيدة نقية مورثة المطعون ضدهما. ثانياً - قال إن التحقيق قد ثبت منه بجلاء أن محتويات الخزانة ملك للسيدة نقية وابنها عبد الوهاب من غير أن يبين طريق هذا الثبوت. ثالثاً - تناقض في وصف أقوال السيدة نقية أمام معاون الإدارة فوصفها تارة بأنها إقرار لا يجوز تجزئته ووصفها تارة أخرى بأنها ليست إقراراً. رابعاً - لم يرد على دلالة ختم الخزانة بعد إغلاق مسكن مورثة الطاعن في حضور المطعون ضدهما وأمهما دون اعتراض منهم مما يفيد أنهم مسلمون بأن الخزانة كانت في حيازة المتوفاة. خامساً - تأثر الحكم بما صور به الطاعن من أنه كان متهالكاً على تركة مورثته.
وحيث إن الحيازة لا تعتبر سنداً للملك في المنقول وفق ما هو مقرر في المادتين 607 و608 من القانون المدني إلا إذا كانت فعلية بنية التملك بريئة من شائبة الغموض واللبس. وهى لا تكون فعلية إلا إذا ترتب عليها وجود الشيء المحوز في مكنة الحائز وتحت تصرفه، ولا تكون بنية التملك إلا إذا كان الحائز أصيلا يحوز لنفسه لا لغيره، ولا تكون بريئة من اللبس والغموض إلا حيث تخلص ليد واحدة لا تخالطها يد سواها مخالطة تثير الشك في انفرادها بالتسلط على الشيء والتصرف فيه.
وحيث إن الطاعن إذا ادعى أن مورثته كانت حائزة لمفاتيح الخزانة، وأنها كانت تبعاً لذلك حائزة لمحتوياتها المتنازع عليها، إنما اعتمد على أن هذه المفاتيح وجدت ملقاة تحت دولاب في مسكن مورثته. وإذ قرر الحكم المطعون فيه أن حيازة مورثة الطاعن لمفاتيح الخزانة على هذا النحو لم ترتب لها على محتويات الخزانة حيازة فعلية قال في ذلك "بما أن حيازة المفاتيح ليست دليلاً قاطعاً في ذاتها على حيازة الخزانة حيازة مادية أسوة بما تقرر من أن حيازة تذاكر النقل بالسكة الحديد (بوالص الشحن) ليست من قبيل وضع اليد الحقيقي الذي يعتبر سنداً على ملكية المنقول، سيما إذا تبين أن الخزانة لم تكن في الدور الثالث الذي تقطنه المورثة بل في الدور الأسفل المخصص لإدارة تركة المرحوم عبد المجيد عثمان البارودي، وهي موضوعة في حجرة خاصة مفتاحها مع غير السيدة إحسان، فلا سبيل لها إلى هذه الخزانة إلا بعد فتح تلك الحجرة التي لا تحمل مفتاحها، بدليل ما ثبت في محضر العمدة المحرر يوم الوفاة بتاريخ 19 نوفمبر سنة 1939 من أن الخزانة شمعت واستلمها راضي أفندي البارودي شيخ البلد المختص وأقفلت عليها المندرة التي وجدت بها بالمفتاح، مما يشير إلى أن الحيازة المادية الفعلية لم تكن للسيدة إحسان، كما زعم المستأنف".
وحيث إن هذا الجزء من الحكم لم يرد عليه مما جاء في تقرير الطعن إلا قول الطاعن إن الحكم قد أخطأ إذ قاس حيازة حامل مفاتيح الخزانة على حيازة حامل تذكرة النقل مع قيام الفارق بين الحيازتين، وقوله إن الحكم أخطأ أيضاً إذ استدل بواقعة وجود الخزانة في غرفة بالدور الأرضي مخصصة لإدارة تركة عبد المجيد البارودي في حين أن هذه الواقعة لا سند لها من الأوراق. والقول الأول مردود بأن مفتاح الخزانة يشبه تذكرة النقل من حيث إن كلاً منهما يجعل حامله حائزاً حيازة رمزية لمنقول ليس في يده فعلاً، وتشابه الحالتين في هذا الوجه، وهو بالذات الذي رمى إليه الحكم، يجعل قياس إحدى الحالتين على الأخرى قياساً سليما لا يقدح فيه اختلافهما في وجوه أخرى، إذ ليس شرطاً لصحة القياس أن يتفق المقيس والمقيس عليه من جميع الوجوه. والقول الثاني مردود كذلك بأن الثابت في أوراق الدعوى أن مسكن مورثة الطاعن كان قاصراً على الطابق الثالث من منزل عائلتها، وأن الخزانة وجدت بالطابق الأول. وهذا هو جوهر ما استدل به الحكم على أن الخزانة ذاتها لم تكن في حيازة المتوفاة، اعتباراً بأنها كانت في غرفة ليست داخلة فيما تناوله سكن المتوفاة. أما كون هذه الغرفة مخصصة لإدارة التركة - كما قدر الحكم دون أن يعتمد في ذلك على دليل من الأوراق - أو لم تكن مخصصة، فذلك لا يؤثر في سلامة استدلاله.
وحيث إن كون الشيء واقعاً فعلا في حوزة من يدعى حيازته أو غير واقع فيها هو أمر موضوعي يحصله قاضي الموضوع في كل دعوى مما توافر فيها من دلائل. وإذا كان القانون قد نص في باب البيع على أن تسليم المنقولات المبيعة يصح أن يتم بتسليم مفاتيح المخازن الموضوعة فيها، فإن هذا النص لا يعنى أن من يحمل مفتاحاً لخزانة يكون ولا بد حائزاً فعلاً لمحتوياتها. لأن حمل المفتاح لا يلزم عنه حتماً أن حامله مسلط على الخزانة مستأثر بالتصرف في فراغها. ومن ثم كانت العبرة في كل دعوى بظروفها الواقعية، فحيث تدل هذه الظروف عل أن حامل مفتاح الخزانة كان متسلطاً فعلاً على ما فيها جاز اعتباره حائزاً وإلا فلا. وما يراه قاضى الموضوع في هذا الشأن هو رأى في مسألة واقعية يستقل هو بتقديرها ولا يخضع قضاؤه فيها لرقابة محكمة النقض.
وحيث إنه لما كان ذلك كذلك، وكان الحكم المطعون فيه إذ قرر أن مورثة الطاعن لم تكن لها حيازة فعلية على محتويات الخزانة قد أورد عناصر واقعية صحيحة من شأنها أن تؤدى إلى النتيجة التي انتهى إليها، فإن قضاءه يكون بعيداً عن رقابة هذه المحكمة. ومن ثم كان الوجه الثاني من السبب الثاني لا محل له. ولا اعتداد بعد هذا بما جاء في السبب الأول من أسباب الطعن، لأنه وقد ثبت لمحكمة الاستئناف أن وجود مفاتيح الخزانة في مسكن مورثة الطاعن لم يرتب لها حيازة فعلية على محتويات الخزانة، فإنه ما كان في وسعها إلا أن تؤيد حكم الإحالة على التحقيق اعتباراً بأن الحيازة التي ادعاها الطاعن لمورثته لم تكن متصفة بصفة الفعلية التي لا بد منها لتنهض الحيازة وحدها دليلاً على الملك.
وحيث إنه متى كانت محكمة الموضوع قد قررت في حدود سلطتها أن مورثة الطاعن لم يكن لها حيازة فعلية على محتويات الخزانة، فإنها بذلك تكون قد أثبتت أن الحيازة بشروطها القانونية غير متوافرة لمورثة الطاعن. وهذا كاف لتبرير قضائها. ومن ثم كانت إثارة المناقشة في باقي شروط الحيازة غير مجدية. وبذلك تكون أوجه الطعن التي وردت في هذا الخصوص - وهى الوجه الأول من السبب الثاني والوجهين الأول والثالث من السبب الثالث - غير منتجة.
وحيث إنه لما كانت الدعوى مقامة من الطاعن وحده بملكية مورثته للخزانة وما فيها، ولم تكن السيدة نقية ووالدها إلا مدعى عليهم، وقد قضى الحكم برفض دعوى الطاعن مقيما قضاءه على أسباب كافية لحمله، فإن ما جاء فيه بعد ذلك عن ملكية السيدة نقية وولديها أو حيازتهم للخزانة وما فيها ليس إلا استطراداً زائداً على الحاجة. ومن ثم يكون الوجه الثالث من السبب الثاني والوجه الثاني من السبب الثالث الواقعان على هذا الاستطراد غير منتجين أيضاً.


(1) تقابل هاتين المادتين في القانون الجديد الفقرتان الأولى والثالثة من المادة 976.
 (2)ذكرت الفقرة الثانية من المادة 949 من القانون الجديد العيوب التي تعدم أثر الحيازة ومنها عيب اللبس.

القضية 2 لسنة 14 ق جلسة 20/ 3 / 1993 دستورية عليا مكتب فني 5 ج 2 منازعة تنفيذ ق 13 ص 512

جلسة 20 مارس سنة 1993

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور - أعضاء،

وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب - رئيس هيئة المفوضين،

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد - أمين السر.

--------

قاعدة رقم (13)

القضية رقم 2 لسنة 14 قضائية "منازعة تنفيذ"

(1) المحكمة الدستورية العليا "حدود ولايتها في مجال الفصل في التنازع على الاختصاص".
لا تعتبر المحكمة الدستورية العليا جهة طعن في الأحكام الصادرة من أية جهة قضائية أو هيئة ذات اختصاص قضائي.
(2) دعوى إغفال الفصل في بعض الطلبات الموضوعية "ماهيتها".
جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن مناط تطبيق المادة 193 من قانون المرافعات هو أن تكون المحكمة قد أغفلت عن سهو أو غلط الفصل في طلب موضوعي بما يجعل الطلب باقيا معلقا أمامها. ومن ثم يكون مرد إغفال الفصل في طلب موضوعي مقدم إلى المحكمة هو ألا يصدر عنها قضاء في شأنه ولو كان ضمنيا.
(3) المحكمة الدستورية العليا "استنفادها لولايتها في دعوى التنازع على الاختصاص - أثره".
متى كانت المحكمة الدستورية العليا قد فصلت فصلا قاطعا في الأساس الذي بنيت عليه دعوى التنازع، وتضمن حكمها ردا على هذه الدعوى برمتها، فإن قالة إغفال الفصل في بعض جوانبها لا يكون لها محل. ولا تعدو إثارة النزاع من جديد في شأنها أن تكون منازعة في الدعامة التي قام عليها قضاء المحكمة الدستورية العليا ينحل إلى طعن فيه بالمخالفة لقاعدة نهائية الأحكام الصادرة عنها وعدم قابليتها للطعن.

--------------
1 - من المقرر أن المحكمة الدستورية العليا بما لها من هيمنة على الدعوى - هي التي تعطيها وصفها الحق وتكييفها القانوني الصحيح متقصية في سبيل ذلك طلبات المدعى فيها مستظهرة حقيقة مراميها وأبعادها، وكان المدعى - على ما جاء بصحيفة دعواه ومذكرة دفاعه - قد توخى من منازعته - محل الدعوى رقم 15 لسنة 8 قضائية "تنازع" - التي رفعها إلى المحكمة الدستورية العليا استباق قضاء محكمة النقض في الطعن رقم 2214 لسنة 56 قضائية الذي خاصم بموجبه الحكم الاستئنافي المطعون فيه القاضي بعدم الاختصاص الولائي بنظر دعوى المخاصمة التي كان قد أقامها ضد مستشار بالمحكمة الإدارية العليا وإحالتها إلى محكمة القضاء الإداري، وكذا النعي على قضاء المحكمة المحال إليها أن حكمها بعدم الاختصاص النوعي بنظر دعوى المخاصمة تلك لم يقترن بإحالتها إلى المحكمة الإدارية العليا بالمخالفة لنص المادة 110 من قانون المرافعات. وكان النعي على الحكمين المطعون عليهما خطأهما في تطبيق القانون، يخرج عن ولاية المحكمة الدستورية العليا التي لا يمتد بحثها - في دعوى التنازع على الاختصاص - إيجابيا كان هذا التنازع أم سلبيا إلى تنقية الأحكام المطعون عليها مما قد يشوبها من أخطاء قانونية تقويما لاعوجاجها بالنظر إلى أنها لا تعد جهة طعن تتولى تصحيحها، فإن الفصل في هذه المناعي لا يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا النصوص عليها في البند ثانيا من المادة 25 من قانونها.
2 - جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن مناط تطبيق المادة 193 من قانون المرافعات - هو أن تكون المحكمة قد أغفلت عن سهو أو غلط الفصل في طلب موضوعي بما يجعل الطلب باقيا معلقا أمامها وأن مرد إغفال الفصل في طلب موضوعي مقدم إلى المحكمة هو ألا يصدر عنها قضاء في شأنه ولو كان ضمنيا. وإذ كان قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 15 لسنة 8 قضائية "تنازع" قد خلص إلى أن "مناط قبول طلب الفصل في تنازع الاختصاص السلبى وفقا لنص البند (ثانيا) من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 هو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي وأن تتخلى كلتاهما عن نظرها، وأن قواعد الاختصاص الولائي أو المتعلقة بالوظيفة هي التي تحدد جهة القضاء الواجب رفع النزاع إليها، بينما تحدد قواعد الاختصاص النوعي كيفية توزيع الاختصاص الوظيفي بين محاكم الجهة القضائية الواحدة، وذلك بتحديد نصيب كل نوع منها في الاختصاص المنوط بالجهة التي تتبعها، وأن مؤدى ما تقدم أن يكون تطبيق قواعد الاختصاص الولائي سابقا على تطبيق قواعد الاختصاص النوعي إذ لا محل لأن تخوض المحكمة في بحث اختصاصها النوعي بنظر الدعوى ما لم يكن الفصل فيها داخلا أصلا في ولاية الجهة التي تتبعها. وأنه متى كان التخلي عن نظر دعوى الموضوع الواحد وفقا لأحكام البند "ثانيا" من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا، يفترض أن ترفع هذه الدعوى أمام محكمتين تابعتين لجهتين قضائيتين مختلفتين، وأن يكون قضاء كل منهما بعدم اختصاصها بنظرها قائما على أساس انتفاء ولاية الجهة التي تتبعها، وكان عدم الاختصاص النوعي لا يعد إنكارا لهذه الولاية باعتبار أن قواعد هذا الاختصاص هي التي تقوم بتوزيعه بين مختلف أنواع المحاكم داخل الجهة القضائية الواحدة، وكانت محكمة القضاء الإداري قد أقامت قضاءها بعدم اختصاصها نوعيا بنظر دعوى المخاصمة المرفوعة ضد المدعى عليه - وهي الدعوى رقم 5171 لسنة 40 قضائية - على أساس أن المحكمة الإدارية العليا هي التي تختص دون غيرها بالفصل في دعوى المخاصمة المقامة ضد أحد مستشاريها، وهو ما يتفق وصحيح حكم القانون، فإن التنازع المدعى به في الدعوى الماثلة لا يكون قائما بين جهتين قضائيتين في تطبيق أحكام البند "ثانيا" من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا. ولا يستنهض بالتالي ولايتها للفصل فيه الأمر الذي يجب معه الحكم بعدم قبول الدعوى"، متى كان ما تقدم، وكان ما قررته المحكمة الدستورية العليا على نحو سالف البيان، يدل على أنها فصلت فصلا قاطعا في الأساس الذي بنيت عليه دعوى التنازع، وردت على هذه الدعوى برمتها بما يؤكد تخلف شروط قبولها في شأن الموضوع محل الخصومة القضائية المرددة بين جهتي القضاء العادي والإداري بعد أن اتفقت كلمتهما معا على اختصاص المحكمة الإدارية العليا وظيفيا بنظر تلك الدعوى والحكم فيها، فإن مناط التنازع الذي يقيم ولاية هذه المحكمة يكون منتفيا، ودون أن يعتبر ذلك إنكاراً لحق كل مواطن في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي على ما تقضى به المادة 68 من الدستور، أو إهداراً للقواعد التي تولى المشرع بموجبها توزيع الاختصاص بين الهيئات القضائية المختلفة، بتفويض من المادة 167 من الدستور التي تعهد إلى المشرع بتعيين الهيئات القضائية وتحديد اختصاصاتها وتنظيم طريقة تشكيلها من المادة 167 منه.
3 - متى كانت المحكمة الدستورية العليا قد استنفدت ولايتها في نظر دعوى التنازع بحالتها التي عرضت بها عليها، وكان ما توخاه المدعى بصفتيه من إعادة طرح ذات المنازعة عليها، وبين الأخصام أنفسهم، وللسبب عينه، لا يعدو أن يكون منازعة من جانبه في الدعامة القانونية التي قام عليها قضاؤها في الدعوى السابقة، فإن منعاه ينحل إلى طعن فيه بالمخالفة للمادة 48 من قانون المحكمة الدستورية العليا التي تنص على أن أحكامها وقراراتها نهائية، وغير قابلة للطعن.


الإجراءات

بتاريخ 4 من مايو سنة 1992 أودع المدعى عن نفسه وبصفته وكيلا عن السيد ........ صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة بطلب الحكم باختصاص القضاء العادي ولائيا دون قضاء مجلس الدولة بنظر دعوى المخاصمة المقامة منه بصفتيه ضد المدعى عليه وإحالة الدعوى إلى محكمة استئناف القاهرة للفصل في موضوعها.
قدم المدعى مذكرة أصر فيها على طلباته وأرفق بها صورة طبق الأصل من صحيفة الطعن بالنقض رقم 2214 لسنة 56 قضائية.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عن نفسه وبصفته وكيلا عن الفريق متقاعد سعد محمد الحسيني الشاذلي كان قد أقام الدعوى رقم 15 لسنة قضائية "تنازع" أمام المحكمة الدستورية العليا ضد المدعى عليه طالبا الحكم بتعيين جهة القضاء المختصة بنظر دعوى المخاصمة التي أقامها عن نفسه وبصفته ضد المدعى عليه بعد أن قضت فيها محكمة استئناف القاهرة بعدم الاختصاص الولائي، ومحكمة القضاء الإداري بعدم الاختصاص النوعي. وبجلسة الأول من فبراير سنة 1992 قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم قبول دعوى التنازع المشار إليها. ثم أعقبها المدعى - بصفتيه المتقدمتين - بالدعوى الماثلة طالبا إعادة عرض تلك الدعوى على هذه المحكمة للفصل فيما أغفلت الفصل فيه من طلباته لأحكام المادة 193 مرافعات توصلا من بعد إلى الحكم له بذات طلباته في الدعوى السابقة، قولا منه بأن الأسباب التي استندت إليها صحيفة تلك الدعوى تؤيد وتؤكد ادعاءه بأن محكمة استئناف القاهرة التابعة لجهة القضاء العادي قد تخلت عن اختصاصها بنظر دعواه، حين تمسك قضاء مجلس الدولة بالفصل فيها عاقدا الاختصاص بنظرها لمحكمته الإدارية العليا، وأنه إذ لجأ إلى المحكمة الدستورية العليا صاحبة الاختصاص بالفصل في التنازع الذي عرضه عليها بصورته هذه، فقد انصب قضاؤها على منازعة غير المنازعة التي احتكم إليها في شأنها، مما يخوله حق العودة إليها تطبيقا لأحكام المادتين 68، 167 من الدستور، والمادتين 25، 31 من قانون المحكمة الدستورية العليا، والمواد 193، 494، 495 من قانون المرافعات والمواد 10، 13، 14، 15، 23 من قانون مجلس الدولة فضلا عن المادة الثالثة من قانون إصداره، ثم عاد المدعى في مذكرة دفاعه فقرر أن دعوى المخاصمة رفعت عن موضوع واحد وبطلب واحد وترددت المنازعة فيها بين ذات الأخصام، وتخلت جهة القضاء العادي عن نظرها، كما تخلت عن نظرها أيضا محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة مخالفة بذلك حكم المادتين 109، 110 من قانون المرافعات، وكذا المادة 101 من قانون الإثبات فيما قضت به من حجية الأحكام ونسبية أثرها وكل أولئك يمنحه الحق في عرض دعوى التنازع على المحكمة الدستورية العليا طبقا لنص المادة 25 (ثانيا) من قانونها الذي لم يربط تخلى المحكمتين عن نظر الدعوى الواحدة بأى رباط من جنس أو نوع أو سبب من اختصاص ولائي أو نوعي أو محلي.
وحيث إنه من المقرر أن المحكمة بما لها من هيمنة على الدعوى هي التي تعطيها وصفها الحق وتكييفها القانوني الصحيح متقصية في سبيل ذلك طلبات المدعى فيها مستظهرة حقيقة مراميها وأبعادها، وكان المدعى - على ما جاء بصحيفة دعواه ومذكرة دفاعه - قد توخى من منازعته محل الدعوى رقم 15 لسنة 8 قضائية تنازع، استباق قضاء محكمة النقض في الطعن رقم 2214 لسنة 56 قضائية الذي خاصم بموجبه الحكم الصادر من محكمة استئناف القاهرة القاضي بعدم الاختصاص الولائي بنظر دعوى المخاصمة المقامة منه بصفتيه ضد المدعى عليه وإحالتها إلى محكمة القضاء الإداري، وكذا النعي على قضاء المحكمة المحال إليها عدم إقرانها الإحالة إلى المحكمة الإدارية العليا بحكمها بعدم الاختصاص النوعي بنظر دعوى المخاصمة ذاتها بالمخالفة لنص المادة 110 من قانون المرافعات. وكلا الأمرين لا يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا المنصوص عليها في المادة 25 (ثانيا) من قانونها، لما هو مقرر من أن هذه المحكمة لا تعتبر جهة طعن في الأحكام الصادرة من أية جهة قضائية أو هيئة ذات اختصاص قضائي.
وحيث إن المدعى بصفته يتوسل إلى غايته تلك بقالة إغفال هذه المحكمة الفصل في منازعته، ويدعوها إلى نظرها والحكم فيها من جديد ارتكانا إلى نص المادة 193 من قانون المرافعات الذي يجرى على أنه "إذا أغفلت المحكمة الحكم في بعض الطلبات الموضوعية جاز لصاحب الشأن أن يعلن خصمه بصحيفة للحضور أمامها لنظر هذا الطلب والحكم فيه"، وبسطا لذلك يقرر أن محكمة الاستئناف قد فاتها أن نصوص قانون مجلس الدولة قد خلت مما يعقد لمحاكم ذلك المجلس ولاية نظر دعاوى مخاصمة أعضائه، وبما يوجب إعمال أحكام قانون المرافعات التي تنيط الاختصاص بنظر تلك الدعاوى لمحاكم الاستئناف كل بحسب اختصاصها المكاني، وأن محكمة القضاء الإداري لم تتربص الفصل في الطعن بالنقض المقام منه على حكم عدم الاختصاص الولائي الصادر من محكمة الاستئناف. فضلا عن مخالفة الحكم الإداري لنص المادة 110 من قانون المرافعات الذي يوجب الإحالة إلى المحكمة الإدارية العليا بوصفها محكمة الموضوع المختصة نوعيا بنظر دعوى مخاصمة أحد أعضائها، وأنه إذ ستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيما يدعيه من تنازع بين جهتي القضاء العادي والإداري، فإن قضاءها بعدم قبول الدعوى لا يعتبر فصلا في موضوع منازعته.
وحيث إن النعي مردود بأن مناط تطبيق المادة 193 من قانون المرافعات هو أن تكون المحكمة قد أغفلت عن سهو أو غلط الفصل في طلب موضوعي بما يجعل الطلب باقيا معلقا أمامها. متى كان ذلك، وكان من المقرر قانونا أن مرد إغفال الفصل في طلب موضوعي مقدم إلى المحكمة هو ألا يصدر عنها قضاء في شأنه ولو كان ضمني، وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 15 لسنة 8 قضائية تنازع قد خلص إلى أن: "مناط قبول طلب الفصل في تنازع الاختصاص السلبى وفقا لنص البند "ثانيا" من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 هو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، وأن تتخلى كلتاهما عن نظرها. لما كان ذلك، وكانت قواعد الاختصاص الولائي أو المتعلقة بالوظيفة هي التي تحدد جهة القضاء الواجب رفع النزاع أمامها، بينما تحدد قواعد الاختصاص النوعي كيفية توزيع الاختصاص الوظيفي بين محاكم الجهة القضائية الواحدة، وذلك بتحديد نصيب كل نوع منها في الاختصاص المنوط بالجهة التي تتبعها، فإن مقتضى ذلك ولازمه أن يكون تطبيق قواعد الاختصاص الولائي سابقا على تطبيق قواعد الاختصاص النوعي، إذ لا محل لأن تخوض المحكمة في بحث اختصاصها النوعي بنظر الدعوى ما لم يكن الفصل فيها داخلا أصلا في ولاية الجهة التي تتبعها. لما كان ذلك، وكان التخلي عن نظر دعوى الموضوع الواحد وفقا لأحكام البند "ثانيا" من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا يفترض أن ترفع هذه الدعوى أمام محكمتين تابعتين لجهتين قضائيتين مختلفتين، وأن يكون قضاء كل منهما بعدم اختصاصها بنظرها قائما على أساس انتفاء ولاية الجهة التي تتبعها، وكان عدم الاختصاص النوعي لا يعد إنكارا لهذه الولاية باعتبار أن قواعد هذا الاختصاص هي التي تقوم بتوزيعه بين مختلف أنواع المحاكم داخل الجهة القضائية الواحدة، وكانت محكمة القضاء الإداري قد أقامت قضاءها بعدم اختصاصها نوعيا بنظر دعوى المخاصمة المرفوعة ضد المدعى عليه - وهى الدعوى رقم 5171 لسنة 40 قضائية - على أساس أن المحكمة الإدارية العليا هي التي تختص دون غيرها بالفصل في دعوى المخاصمة المقامة ضد أحد مستشاريها، وهو ما يتفق وصحيح حكم القانون، فإن التنازع المدعى به في الدعوى الماثلة لا يكون قائما بين جهتين قضائيتين في تطبيق أحكام البند "ثانيا" من المادة 25 المشار إليها. ولا يستنهض بالتالى ولاية هذه المحكمة للفصل فيه، الأمر الذي يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى"، متى كان ذلك فإن قضاء المحكمة الدستورية العليا سالف البيان يكون قد فصل فصلا قاطعا في الأساس الذي بنيت عليه دعوى التنازع رقم 15 لسنة 8 قضائية، وتضمن ردا على الدعوى برمتها مفصحا بذلك عن تخلف شروط قبول دعوى التنازع في شأن الموضوع محل الخصومة القضائية المرددة بين جهتي القضاء العادي والإداري بعد أن اتفقت كلمتهما معا على اختصاص المحكمة الإدارية العليا وظيفيا بنظر تلك الدعوى والحكم فيها، بما ينفى معه حتما ولزوما مناط التنازع الذي يقيم ولاية هذه المحكمة، ودون أن يعتبر ذلك إنكارا لحق كل مواطن في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي على ما تقضى به المادة 68 من الدستور أو إهدارا لقواعد توزيع الاختصاص بين الهيئات المختلفة، وهى قواعد فوض الدستور المشرع في أمر تحديدها وفقا لنص المادة 167 منه.
وحيث إنه متى كانت هذه المحكمة قد استنفدت ولايتها في نظر الدعوى رقم 15 لسنة 8 قضائية تنازع بحالتها التي عرضت بها عليها، فإن ما توخاه المدعى بصفتيه من إعادة طرح ذات المنازعة عليها وبين الأخصام أنفسهم وللسبب عينه، لا يعدو أن يكون منازعه من جانبه في الدعامة القانونية التي قام عليها قضاء هذه المحكمة الدستورية العليا في الدعوى السابقة، وينحل بالتالي إلى طعن فيه بالمخالفة للمادة 48 من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 التي تنص على أن أحكامها وقراراتها نهائية وغير قابلة للطعن. ومن ثم فقد أضحى متعينا الحكم بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، والزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 7 لسنة 14 ق جلسة 19/ 6 / 1993 دستورية عليا مكتب فني 5 ج 2 منازعة تنفيذ ق 15 ص 523

جلسة 19 يونية سنة 1993

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله - أعضاء،

وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب - المفوض،

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد - أمين السر.

---------------

قاعدة رقم (15)
القضية رقم 7 لسنة 14 قضائية "منازعة تنفيذ"

(1) دعوى دستورية - "موضوعها - الحكم فيها - حجيته".
الخصومة في الدعاوى الدستورية - وهى بطبيعتها من الدعاوى العينية - قوامها مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور تحريا لتطابقها معها إعلاء للشرعية الدستورية. النصوص التشريعية المطعون عليها هي موضوع الدعوى الدستورية. الحكم الصادر فيها: انسحاب أثره إلى من كان طرفا في الخصومة الدستورية وإلى الأغيار كافة، وتعديه إلى الدولة. المادتان 64، 65 من الدستور.
(2) المحكمة الدستورية العليا - "ولايتها - مصدرها".
تستمد المحكمة الدستورية العليا ولايتها مباشرة من الدستور في مجال الرقابة على الدستورية ومرجعها إلى أحكامه - وهو القانون الأعلى - فيما يصدر عنها من قضاء في المسائل الدستورية.
(3) دعوى دستورية - الحكم فيها - "مجال سريانه".
سريان الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية على الدولة وفى مواجهة الكافة مؤداه، أنها تحمل أسس فرضها في النطاق الإقليمي للدولة.
اقتضاء تنفيذ الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، حق لهؤلاء الذين تتعلق مصالحهم الشخصية المباشرة بإعمال مضمونها، دون ما استثناء ينال منها.
(4) دعوى دستورية - الحكم فيها - "إعمال أثره - كيفيته".
صدور قانون أو قرار بقانون يعكس بصفة نهائية التصفية التي تقرر السلطتان التشريعية أو التنفيذية ضرورتها لإنهاء كافة الآثار المخالفة للدستور التي رتبها النص المحكوم بعدم دستوريته لا يتمحض طريقا وحيدا لإعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية. تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية على هذا النحو هو مما تستقل هاتان السلطتان بتقديره.
(5) منازعة تنفيذ - "ماهيتها - اختصاص".
منازعة التنفيذ التي يدخل الفصل فيها في اختصاص المحكمة الدستورية العليا قوامها أن يكون التنفيذ قد اعترضته عوائق قانونية. عدم التدخل التشريعي لإنفاذ أثر الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية لا يعكس بطبيعته إجراء يناهضها أو يرمى إلى تعطيل تنفيذها.
(6) دعوى دستورية - الحكم فيها - "الامتناع عن تنفيذه - مسئولية - اختصاص".
إهدار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية أو التقاعس عن تنفيذها يعد جريمة معاقبا عليها قانونا - المادة 72 من الدستور - تشكيلها ركن الخطأ في دعوى المسئولية دون الإخلال بالحق في التنفيذ العيني كلما كان ممكنا. اختصاص محكمة الموضوع بدعوى المسئولية في هذه الحالة.
(7) حكم - "طبيعته الكاشفة".
الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، إما أن تكون كاشفة عن صحة النصوص المطعون عليها منذ صدورها، أو مقررة بطلانها اعتبارا من تاريخ العمل بها. أثر ذلك.

----------------------
1 - إن الخصومة في الدعوى الدستورية - وهى بطبيعتها من الدعاوى العينية - قوامها مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور تحريا لتطابقها معها إعلاء للشرعية الدستورية، ومن ثم تكون هذه النصوص ذاتها هي موضوع الدعوى الدستورية. وقضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن تلك النصوص، هو القاعدة الكاشفة عن حقيقة صحتها أو بطلانها. ومن ثم لا يعتبر قضاء هذه المحكمة باستيفاء النص التشريعي المطعون عليه لأوضاعه الشكلية أو انحرافه عنها أو اتفاقه مع الأحكام الموضوعية في الدستور أو مروقه منها، منصرفا إلى من كان طرفا في الخصومة الدستورية دون سواه، بل منسحبا إليه وإلى الأغيار كافة، ومتعديا إلى الدولة التي ألزمها الدستور في المادة 65 منه بالخضوع للقانون، وجعل من علوه عليها، وانعقاد السيادة لأحكامه، قاعدة لنظامها ومحررا لبناء أساس الحكم فيها، على ما تقضى به المادة 64 من الدستور، بما يردها عن التحلل من قضاء هذه المحكمة أو مجاوزة مضمونه.
2 - إن المحكمة الدستورية العليا تستمد مباشرة من الدستور ولايتها في مجال الرقابة الدستورية، ومرجعها إلى أحكامه - وهو القانون الأعلى - فيما يصدر عنها من قضاء في المسائل الدستورية التي تطرح عليها - وكلمتها في شأن دلالة النصوص التي يضمها الدستور بين دفتيه هي القول الفصل، وضوابطها في التأصيل ومناهجها في التفسير، هي مدخلها إلى معايير منضبطة تحقق لأحكام الدستور وحدتها العضوية. وكان حتما أن يكون التقيد بأحكامها مطلقا ساريا على الدولة والناس أجمعين، وعلى قدم من المساواة الكاملة، وهو ما أثبتته المادة 49 من قانون هذه المحكمة.
3 - إن سريان الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية على الدولة بأفرعها المختلفة وفى مواجهة الكافة باعتبار أنهم مخاطبون بها لا يملكون لها تبديلاً ولا يستطيعون عنها حولاً، مؤداه أنها تحمل في ذاتها أسس فرضها في النطاق الإقليمي للدولة، ليكون الاحتجاج بها، واقتضاء تنفيذها، حقا لهؤلاء الذين تتعلق مصالحهم الشخصية المباشرة بإعمال مضمونها، دون ما استثناء ينال منها.
4 - إذ أقام المدعى المنازعة الماثلة بوصفها منازعة تنفيذ مبناها قالة إنه بغير صدور قانون من السلطة التشريعية أو قرار قانون عن السلطة التنفيذية برد الأموال التي أممها العهد الناصري عينا إلى أصحابها، فإن الأحكام التي أصدرتها المحكمة الدستورية العليا في هذا النطاق تغدو مجرد أحكام أفلاطونية لا تقترن بالتنفيذ الكامل لمضمونها مما يعدم قيمتها، وكان صدور قانون أو قرار بقانون يعكس بصفة نهائية وشاملة التصفية التي تقرر السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية ضرورتها لإنهاء كافة الآثار المخالفة للدستور التي رتبها النص التشريعي المحكوم بعدم دستوريته خلال فترة نفاذه، وإن كان أمرا مرغوبا فيه بالنظر إلى ما تؤول إليه هذه التصفية من رد الحقوق المختلفة التي عطلها هذا النص أو قيدها إلى أصحابها دون تمييز، إلا أن تدخل السلطة التشريعية أو التنفيذية على هذا النحو، لا يتحمض طريقا وحيدا لإعمال آثار الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة في المسائل الدستورية. هذا بالإضافة إلى أن إقرار قانون أو إصدار قرار بقانون في موضوع معين، هو مما تستقل السلطتان التشريعية والتنفيذية بتقديره وفقا لأحكام الدستور. ولا يجوز بالتالي جملهما على التدخل في زمن معين، أو على نحو ما. كذلك فإن قعودهما عن إقرار تنظيم تشريعي في هذا النطاق، لا يعتبر بمثابة عقبة قانونية تحول بذاتها دون إنفاذ الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية وفرضها على المعارضين لها لضمان النزول عليها. بل يعتبر موقفا سلبيا لا يكشف عن إجراء يناهض مضمونها.
5 - إن منازعة التنفيذ التي يدخل الفصل فيها في اختصاص المحكمة الدستورية العليا وفقا للمادة 50 من قانونها، قوامها أن يكون التنفيذ قد اعترضته عوائق قانونية تحول دون إتمامه، أو تحد من جريانه وفقا لطبيعته وعلى ضوء الأصل فيه. ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية هي المسألة الكلية التي يدور حولها طلب إزالتها بقصد إنهاء الآثار القانونية الملازمة لها أو المترتبة عليها ولا يكون ذلك إلا بإسقاطها لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. ومناطها بالضرورة عمل إيجابي يكون بذاته مقيداً أو معطلاً قضاء المحكمة الدستورية العليا.
6 ، 7 - لا محاجة في القول بأن تنفيذ الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية لن يكون ممكنا بغير التدخل التشريعي على النحو المتقدم بيانه، ذلك أنه بالإضافة إلى أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية - أيا كانت الجهة التي أصدرتها - من قبل المسؤولين عن إعمال مقتضاها يعد جريمة معاقبا عليها قانونا وفقا لنص المادة 72 من الدستور، فإن إهدار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية أو التقاعس عن تنفيذها، إنما ينحل إلى إنكار لحجيتها المطلقة، ويشكل ركن الخطأ في المسئولية التي يقوم الحق في التعويض بتوافر أركانها، ودون ما إخلال بالحق في اقتضاء تنفيذ قضاء هذه المحكمة عينا، كلما كان ذلك ممكنا. وكلا الأمرين - التعويض والرد - منوط بمحكمة الموضوع وحدها ولكل ذي شأن - ولو لم يكن طرفا في الدعوى الدستورية - أن يقيم دعواه أمام محكمة الموضوع التي تتولى بنفسها إنزال قضاء المحكمة الدستورية العليا عليها لرد غائلة العدوان عنها، ذلك أن قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن موافقة النصوص التشريعية المطعون عليها لأحكام الدستور أو مخالفتها، إما أن يكون كاشفا عن صحتها منذ صدورها، أو مقررا بطلانها وملغيا قوة نفاذها اعتبارا من تاريخ العمل بها وهو بذلك يعتبر محددا - وبصفة نهائية - للقاعدة القانونية اللازمة للفصل في النزاع الموضوعي، والتي يتعين على محكمة الموضوع أن تطبقها - دون تعديل في مضمونها - على العناصر الواقعية التي حصلتها. وليس ذلك إلا إنفاذا لقضاء المحكمة الدستورية العليا، والتزاما بأبعاده بإعمال أثره على الناس كافة دون تمييز، وبإخضاع الدولة لمضمونه دون قيد.


الإجراءات

بتاريخ 4 نوفمبر سنة 1992 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبا الحكم "بقبول الإشكال الموضوعي التنفيذي" في الحكم الصادر منها بجلسة 7 مارس سنة 1992، وإصدار حكم تقريري بتنفيذه، وإلزام المدعى عليهم بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
قدمت إدارة قضايا الدولة، مذكرة طلبت فيها الحكم أصليا ببطلان صحيفة الدعوى للتجهيل، واحتياطيا برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، قدمت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فيما قرره المدعى من أن المحكمة الدستورية العليا كانت قد أصدرت أحكاما بعدم دستورية قوانين التأميم التي أقرها العهد الناصري لانطوائها على عدوان على الملكية الخاصة وإثر صدور هذه الأحكام أقام دعوى أمام محكمة جنوب القاهرة يلتمس فيها من رئيس الجمهورية أن يصدر قانونا برد الأموال التي أممها العهد الناصري عينا إلى أصحابها، ذلك أنه بغير صدور هذا القانون، فإن أحكام المحكمة الدستورية العليا تغدو هائمة في الفراغ، مجردة من كل قيمة، ولن تجد الاستثمارات الأجنبية ما يغريها بالتدفق إلى مصر، ما دامت الاستثمارات السابقة لا تزال في يد أعوان الناصرية. واختتم المدعى دعواه بطلب تكليف المدعى عليهم الحضور إلى المحكمة الدستورية العليا لسماع الحكم التقريري بإشكال موضوعي في التنفيذ وقطعا للنزاع بأن أحكام المحكمة الدستورية العليا المشار إليها ومن بينها حكمها الصادر في 7 من مارس 1992، ستكون مجرد أحكاما أفلاطونية يتناقلها الناس في ثرثراتهم لعدم اقترانها بالتنفيذ الكامل لمضمونها خلال مدة معقولة وهو ما يناقض حقوق الإنسان الإفريقي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويجعل الأحكام القضائية مجرد حبر على ورق.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة في المسائل الدستورية - سواء فيما فصل فيه من ناحية العيوب الشكلية أو المطاعن الموضوعية - إنما يحوز حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بكامل سلطاتها وعلى امتداد تنظيماتها المختلفة، وهى حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه، أو السعي لنقضه من خلال إعادة طرحه على هذه المحكمة لمراجعته، ذلك أن الخصومة في الدعوى الدستورية - وهى بطبيعتها من الدعاوى العينية - قوامها مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور تحريا لتطابقها معها إعلاء للشرعية الدستورية. ومن ثم تكون هذه النصوص ذاتها هي موضوع الدعوى الدستورية أو هي بالأحرى محله، وإهدارها بقدر تهاترها مع أحكام الدستور، هي الغاية التي تبتغيها هذه الخصومة. وقضاء في شأن تلك النصوص، هو القاعدة الكاشفة عن حقيقة صحتها أو بطلانها. ومن ثم لا يعتبر قضاء هذه المحكمة باستيفاء النص التشريعي المطعون عليه لأوضاعه الشكلية أو انحرافه عنه، أو اتفاقه مع الأحكام الموضوعية في الدستور أو مروقه منها، منصرفا إلى من كان طرفا في الخصومة الدستورية دون سواه، بل منسحبا إليه وإلى الأغيار كافة، ومتعديا إلى الدولة التي ألزمها الدستور في المادة 65 منه بالخضوع للقانون، وجعل من علوه عليها، وانعقاد السيادة لأحكامه، قاعدة لنظامها ومحررا لبناء أساس الحكم فيها، على ما تقضى به المادة 64 من الدستور بما يردها عن التحلل من قضاء المحكمة الدستورية العليا أو مجاوزة مضمونه، ويلزم كل شخص بالعمل على مقتضاه، وضبط سلوكه وفقا لفحواه، ذلك أن هذه المحكمة تستمد مباشرة من الدستور ولايتها في مجال الرقابة الدستورية، ومرجعها إلى أحكامه - وهو القانون الأعلى - فيما يصدر عنها من قضاء في المسائل الدستورية التي تطرح عليها - وكلمتها في شأن دلالة النصوص التي يضمها الدستور بين دفتيه هي القول الفصل، وضوابطها في التأصيل ومناهجها في التفسير، هي مدخلها إلى معايير منضبطة تحقق لأحكام الدستور وحدتها العضوية، وتكفل الانحياز لقيم الجماعة في مختلف مراحل تطورها. وليس التزامها بإنفاذ الأبعاد الكاملة للشرعية الدستورية إلا إرساء لحكم القانون في مدارجه العليا، وفاء بالأمانة التي حملها الدستور به، وعقد لها ناصية النهوض بتبعاتها. وكان حتما أن يكون التقيد بأحكامها مطلقا ساريا على الدولة والناس أجمعين، وعلى قدم من المساواة الكاملة، وهو ما أثبتته المادة 49 من قانون هذه المحكمة.
وحيث إن سريان الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية على الدولة بأفرعها المختلفة وفى مواجهة الكافة باعتبار أنهم مخاطبون بها لا يملكون لها تبديل، ولا يستطيعون عنها حولا، مؤداه أنها تحمل في ذاتها أسس فرضها في النطاق الإقليمي للدولة، ليكون الاحتجاج بها، واقتضاء تنفيذها، حقا لهؤلاء الذين تتعلق مصالحهم الشخصية المباشرة بأعمال مضمونها، دون ما استثناء ينال منها.
وحيث إن المدعى أقام المنازعة الماثلة بوصفها منازعة تنفيذ مبناها قالة إنه بغير صدور قانون من السلطة التشريعية أو قرار بقانون عن السلطة التنفيذية برد الأموال التي أممها العهد الناصري عينا إلى أصحابها، فإن الأحكام التي أصدرتها المحكمة الدستورية العليا في هذا النطاق تغدو مجرد أحكام أفلاطونية لا تقترن بالتنفيذ الكامل لمضمونها مما يعدم قيمتها.
وكان ما قرره المدعى على هذا النحو مردود بأن صدور قانون أو قرار بقانون يعكس بصفة نهائية وشاملة التصفية التي تقرر السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية ضرورتها لإنهاء كافة الآثار المخالفة للدستور التي رتبها النص التشريعي المحكوم بعدم دستوريته خلال فترة نفاذه، وإن كان أمرا مرغوبا فيه بالنظر إلى ما تؤول إليه هذه التصفية من رد الحقوق المختلفة التي عطلها هذا النص أو قيدها إلى أصحابها دون تمييز، إلا أن تدخل السلطة التشريعية أو التنفيذية على هذا النحو، لا يتمحض طريقا وحيدا لإعمال آثار الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة في المسائل الدستورية. هذا بالإضافة إلى أن إقرار قانون أو إصدار قرار بقانون في موضوع معين، هو مما تستقل السلطتان التشريعية والتنفيذية بتقديره وفقا لأحكام الدستور، ولا يجوز بالتالي حملهما على التدخل في زمن معين، أو على نحو ما. كذلك فإن قعودهما عن إقرار تنظيم تشريعي في هذا النطاق، لا يعتبر بمثابة عقبة قانونية تحول بذاتها دون إنفاذ الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية وفرضها على المعارضين لها لضمان النزول عليها. ذلك أن منازعة التنفيذ التي يدخل الفصل فيها في اختصاص المحكمة الدستورية العليا وفقا للمادة 50 من قانونها، قوامها أن يكون التنفيذ قد اعترضته عوائق قانونية تحول دون إتمامه، أو تحد من جريانه وفقا لطبيعته. وعلى ضوء الأصل فيه، ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية هي المسألة الكلية التي يدور حولها طلب إزالتها بقصد إنهاء الآثار القانونية الملازمة لها أو المترتبة عليها. ولا يكون ذلك إلا بإسقاطها لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. ومناطها بالضرورة عمل إيجابي يكون بذاته مقيدا أو معطلا قضاء المحكمة الدستورية العليا انحرافا عن مضمونه. ولا كذلك الموقف السلبى الذي نعاه المدعى على السلطتين التشريعية والتنفيذية، إذ لا يعكس بطبيعته إجراء يناهض أحكامها ويرمى إلى تعطيل تنفيذها. ولا محاجة في القول بأن تنفيذ الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية لن يكون ممكنا بغير التدخل التشريعي على النحو المتقدم بيانه، ذلك إنه بالإضافة إلى أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية - أيا كانت الجهة التي أصدرتها - من قبل المسئولين عن إعمال مقتضاها يعد جريمة معاقبا عليها قانون، وفقا لنص المادة 72 من الدستور، فإن إهدار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية أو التقاعس عن تنفيذها، إنما ينحل إلى إنكار لحجيتها المطلقة، ويشكل ركن الخطأ في المسئولية التي يقوم الحق في التعويض بتوافر أركانها، ودون ما إخلال بالحق في اقتضاء تنفيذ قضاء هذه المحكمة عينا كلما كان ذلك ممكنا. وكلا الأمرين - التعويض والرد - منوط بمحكمة الموضوع وحدها ولكل ذى شأن - ولو لم يكن طرفا في الدعوى الدستورية - أن يلوذ بها لاقتضاء الحقوق التي عطلها النص التشريعي المحكوم بعدم دستوريته أو قيده، وذلك بأن يقيم لطلبها دعواه أمام محكمة الموضوع التي تتولى بنفسها إنزال قضاء المحكمة الدستورية العليا عليها لرد غائلة العدوان عنها، ذلك أن قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن موافقة النصوص التشريعية المطعون عليها لأحكام الدستور أو مخالفتها، إما أن يكون كاشفا عن صحتها منذ صدورها، أو مقررا بطلانها وملغيا قوة نفاذها اعتبارا من تاريخ العمل بها. وهو بذلك يعتبر محددا - وبصفة نهائية - للقاعدة القانونية اللازمة للفصل في النزاع الموضوعي، والتي يتعين على محكمة الموضوع أن تطبقها - دون تعديل في مضمونها - على العناصر الواقعية التي حصلتها وليس ذلك إلا إنفاذا لقضاء المحكمة الدستورية العليا، والتزاما بأبعاده، بإعمال أثره على الناس كافة دون تمييز، وبإخضاع الدولة لمضمونه دون قيد.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى، والزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 7 لسنة 14 ق جلسة 20/ 3 / 1993 دستورية عليا مكتب فني 5 ج 2 تنازع ق 14 ص 520

جلسة 20 مارس سنة 1993

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور - أعضاء،

وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب - رئيس هيئة المفوضين،

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد - أمين السر.

----------------

قاعدة رقم (14)
القضية رقم 7 لسنة 14 قضائية "تنازع"

التناقض بين الأحكام النهائية "شرط اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالفصل فيه"
كلما كان التناقض واقعا بين حكمين نهائيين صادرين من هيئتين تابعتين لجهة قضائية واحدة، فإن هذه الجهة وحدها - وليس المحكمة الدستورية العليا - هي التي تكون لها ولاية الفصل فيه وفقا للقواعد المعمول بها في نظامها.

---------------
مناط قبول طلب الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين - طبقا للبند "ثالثا" من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - أن يكون أحد الحكمين صادرا من أى جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهة أخرى منه، وأن يكون قد حسما النزاع في موضوعه وتناقضا بحيث يتعذر تنفيذهما معا، مما مؤداه أن النزاع الذي يقوم بسبب التناقض في الأحكام، وتنعقد لهذه المحكمة ولاية الفصل فيه، هو ذلك الذي يقوم بين أحكام أكثر من جهة من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي. فإذا كان واقعا بين حكمين صادرين من هيئتين تابعتين لجهة قضائية واحدة، فإن هذه الجهة وحدها هي التي تكون لها ولاية الفصل فيه وفقا للقواعد المعمول بها في نطاقها. لما كان ذلك، وكان الحكمان المدعى بوقوع تناقض بينهما صادرين من محكمتين تابعتين لجهة قضائية واحده، هي جهة القضاء العادي، وكان هذا التناقض لا يستنهض ولاية هذه المحكمة للفصل فيه، باعتبار أن الجهة القضائية التي تنتمى هاتان المحكمتان إليها، هي التي تتولى النظر فيه وفقا للقواعد التي تحكمها، فإن شروط قبول دعوى التناقض وفقا لقانون هذه المحكمة - وطبقا لما جرى عليه قضاؤها - تكون متخلفة، ويتعين من ثم القضاء بعدم قبول الدعوى.


الإجراءات

بتاريخ 18 أكتوبر سنة 1992 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبا الحكم بقبول الدعوى شكلا وفى الموضوع بوقف تنفيذ الحكم الصادر من محكمة استئناف الإسكندرية في الاستئناف رقم 428 لسنة 47 قضائية مساكن وتنفيذ الحكم الصادر من محكمة الجنح المستأنفة في القضية رقم 10715 لسنة 1992س غرب الإسكندرية مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق المداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فيما قرره المدعى من أنه كان قد أقام الدعوى رقم 596 لسنة 1989 مدني كلي مساكن الإسكندرية بطلب إلزام المدعى عليهما بأن يحررا عقد إيجار باسمه عن العين الكائنة بالعقار رقم 30 شارع محمد كريم وإذ خلص قضاء محكمة أول درجة إلى إلزام المدعى عليهما بتحرير عقد إيجار للمدعى عن عين النزاع، فقد استأنفاه أمام محكمة استئناف الإسكندرية، وقيد استئنافهما برقم 428 لسنة 47 قضائية. وإذ قضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء حكم محكمة أول درجة وإخلاء المدعى من العين التي يستأجرها، وكان ذات النزاع في موضوعه مرددا بين الخصوم أنفسهم أمام محكمة جنح أمن الدولة جمرك إسكندرية في الدعوى رقم 43 لسنة 1991 التي قضى فيها حضوريا بتغريم المؤجر مبلغ مائة جنيه نظير تخلفه عن إبرام عقد إيجار للمدعى متضمنا البيانات المنصوص عليها قانونا. وقد طعن المدعى عليهما على ذلك الحكم باستئنافهما رقم 10715 لسنة 1992، وانتهت محكمة الجنح المستأنفة إلى تأييد الحكم المستأنف لأسبابه، بما مؤداه أن حكمين صارا متناقضين هما الحكم الجنائي الذي بقيام علاقة إيجارية في شأن عين النزاع، والحكم المدني الذي اعتبر هذه العلاقة غير قائمة. وإذ كان هذان الحكمان نهائيين وواجبى التنفيذ، وكانا قد تناقضا في موضوع النزاع على نحو يتعذر معه تنفيذهما معا، فقد أقام المدعى الدعوى الماثلة على أساس أن الاختصاص بفض هذا التناقض ينعقد للمحكمة الدستورية العليا دون غيرها طبقا لنص المادتين 25 (ثالثا) و32 من قانونها.
وحيث إن مناط قبول طلب الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين - طبقا للبند ثالثا من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، هو ـ وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن يكون أحد الحكمين صادرا من أي جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهة أخرى منه، وأن يكون قد حسما النزاع في موضوعه وتناقضا بحيث يتعذر تنفيذهما معا، مما مؤداه أن النزاع الذي يقوم بسبب التناقض في الأحكام، وتنعقد لهذه المحكمة ولاية الفصل فيه، هو ذلك الذي يقوم بين أحكام أكثر من جهة من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، فإذا كان واقعا بين حكمين صادرين من هيئتين تابعتين لجهة قضائية واحدة، فإن هذه الجهة وحدها هي التي تكون لها ولاية الفصل فيه وفقا للقواعد المعمول بها في نطاقها. لما كان ذلك، وكان الحكمان المدعى بوقوع تناقض بينهما صادرين في محكمتين تابعتين لجهة قضائية واحدة، هي جهة القضاء العادي، وكان هذا التناقض لا يستنهض ولاية هذه المحكمة للفصل فيه، باعتبار أن الجهة القضائية التي تنتمى هاتان المحكمتان إليها هي التي تتولى النظر فيه وفقا للقواعد التي تحكمها، فإن شروط قبول دعوى التناقض وفقا لقانون المحكمة الدستورية العليا - وطبقا لما جرى عليه قضاؤها - تكون متخلفة، ويتعين من ثم القضاء بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى.


الجمعة، 28 يناير 2022

الطعن 537 لسنة 25 ق جلسة 4 / 10 / 1955 مكتب فني 6 ج 4 ق 351 ص 1201

جلسة 4 من أكتوبر سنة 1955

برياسة السيد الأستاذ حسن داود المستشار، وحضور السادة الأساتذة: محمود إبراهيم إسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمود محمد مجاهد، ومحمد محمد حسنين المستشارين.

---------------

(351)
القضية رقم 537 سنة 25 القضائية

(أ) إثبات. اعتراف. قبض. تفتيش.

الاعتماد على الاعتراف كدليل مستقل عن القبض والتفتيش الباطلين. لا مانع.
(ب) إثبات. شاهد.

الأخذ بأقواله التي أدلى بها في جلسة المحاكمة ولو خالفت أقواله في مراحل التحقيق الأخرى. جائز.

---------------
1 - إذا كان المستفاد من عبارة الحكم أن المحكمة بما لها من سلطة تقدير قيمة الاعتراف كدليل إثبات في الدعوى وتقدير الظروف التي أحاطت بصدوره من المتهم قد اعتبرته دليلاً سليما مستقلا عن القبض والتفتيش الباطلين وأن المتهم حين أدلى به لم يكن متأثرا بما وقع عليه بل قصد الإقرار بالجريمة طائعا مختارا - فإن إدانة المتهم اعتمادا على هذا الاعتراف لا تخالف القانون في شيء.
2 - للمحكمة في سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بأقوال الشاهد التي أدلى بها في جلسة المحاكمة ولو خالفت أقواله في مراحل التحقيق الأخرى إذ المرجع في ذلك إلى اطمئنانها إلى صحة الدليل الذى تأخذ به.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: أحرز جواهر مخدرة عبارة عن سيقان وأوراق وبذور وقمم زهرية "أنثى الحشيش" الجاف في غير الأحوال المصرح بها قانونا. وطلبت من غرفة الاتهام إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمواد 1 و2 و7 و33 ج و35 و37 من المرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952 والجدول (أ) الملحق بند 12. فقررت بذلك. ومحكمة جنايات أسوان نظرت هذه القضية وقضت حضوريا عملا بالمواد 1، 2، 33 ج، 35 من المرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952 والجدول رقم (أ) الملحق بمعاقبة نور حسن غربي بالأشغال الشاقة المؤبدة وبغرامة قدرها ثلاثة آلاف جنيه والمصادرة.
فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض... ألخ.


المحكمة

وحيث إن مبنى الأوجه الثلاثة الأول هو القصور والخطأ في تطبيق القانون لاعتماد الحكم في إدانة الطاعن على دليل باطل، ذلك بأنه رغم تسليم الحكم ببطلان إجراءات القبض والتفتيش واطراح ما أسفرت عنها من ضبط المخدر، واستبعاد الدليل المستمد من أقوال المخبر والأومباشي اللذين أجريا القبض الباطل، فقد دان الطاعن استنادا إلى اعتراف نسب صدوره منه إلى الكونستابل عياد موسى ميخائيل - وهو الضابط المنوب فور القبض والتفتيش الباطلين، وهو استناد خاطئ يخالف ما جرى عليه الفقه والقضاء من عدم جواز الأخذ بمثل هذا الاعتراف الذى صدر في وقت كان المتهم فيه متأثرا بالقبض الباطل وبما أسفر عنه التفتيش المخالف للقانون، وكان في حالة نفسية لا يستطيع معها أن يختار لنفسه سوى الاعتراف، هذا إلى أن الكونستابل المذكور بعد أن تلقى هذا الاعتراف من الطاعن أحاله إلى ضابط المباحث الذي باشر التحقيق معه، ومفاد ذلك أن الكونستابل قد ساهم في الإجراءات التي أعقبت القبض والتفتيش، مما كان يتعين معه استبعاد أقواله وعدم سماع شهادته، وقد أثار الدفاع عن الطاعن هذه الاعتراضات غير أن الحكم لم يعرض لها إلا بأسباب قاصرة لا تصلح ردا عليها يضاف إلى ذلك أن المحكمة أيدت الاعتراف بالدليل المستمد من نتيجة تحليل المواد المضبوطة مع أن هذا الدليل تولد عن إجراءات باطلة هي القبض والتفتيش فاذا أسقط هذا الدليل واستبعد تعين النظر في كفاية الدليل المستمد من الاعتراف وحده، لأن الأدلة في المواد الجنائية متساندة يشد بعضها بعضا.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما مؤداه "في حوالى منتصف الساعة الخامسة من مساء يوم 27 من فبراير سنة 1954 ذهب رجل البوليس السري صادق مراد عبد القادر إلى محطة أسوان لملاحظة ركاب القطار الذى يصل في ذلك الوقت ولما وصل القطار اتخذ المخبر المذكور موقفه عند الباب الخلفي للمحطة وبدأ الركاب يخرجون تباعا وقد خرج المتهم نور حسن غربي من بين خرجوا وكان يحمل معه كيسا من القماش غير ظاهر منه شيء وما أن وقع نظره على المخبر حتى أسرع بالجري خارج المحطة في شارع سعد زغلول فتبعه المخبر وعدا خلفه للحاق به وضبطه وعند ذلك ألقى المتهم الكيس وتابع الجري فالتقط المخبر الكيس وجد في أثره واستعان بأومباشي البوليس عبد الحميد عثمان محمد الذى تصادف مروره أثناء ذلك وقد تمكنا من القبض على المتهم ولما سأله المخبر عما يحتويه الكيس أخبره بأن به دخانا أخضر (بانجو) وتوسل إليه أن يخلي سبيله ووعده بأنه سيقابله فيما بعد غير أنه قاده بمساعدة زميله الأمباشي عبد الحميد عثمان إلى مركز البوليس وهناك التقيا بالضابط النوبتجي الكونستابل الممتاز عياد موسى ميخائيل فقص عليه المخبر خبر الحادث وقدم له الكيس المضبوط وقد سأل الضابط المتهم عن جلية الأمر فاعترف له بأنه هو صاحب الكيس واعترف له أن به مادة الدخان الأخضر (البانجو) فعرض الكونستابل الأمر بدوره على ضابط المباحث الذي تولى التحقيق ثم أخطر النيابة بالحادث، هذا وقد ثبت من تقرير المعمل الكيماوي أن المادة المضبوطة بداخل الكيس عبارة عن مسحوق نباتي أخضر اللون وجاف السيقان وأوراق وبذور وقمم زهرية لأنثى نبات الحشيش وثبت أن وزنها مع الكيس 276 جراما" وخلص الحكم من هذه الوقائع إلى استبعاد الدليل المستمد من أقوال المخبر صادق مراد عبد القادر الذي حاول اللحاق بالطاعن واضطره إلى التخلي عن حيازته الكيس لأن إلقاء الكيس لم يكن عن طواعية واختيار وإنما تخلى الطاعن عنه أثناء محاولة القبض عليه في غير حالة من حالات التلبس أو الأحوال القانونية الأخرى التي تجيز القبض، كما استبعد لحكم أقوال الأومباشى عبد الحميد عثمان من أن الطاعن اعترف له فور ضبطه مباشرة بملكيته للكيس وما يحتويه من مادة مخدرة وعلل الحكم ذلك بأن شهادة هذا الشاهد انصبت على اعتراف الطاعن فور ضبطه فلا يجوز الأخذ بها والتعويل عليها، ثم عرض الحكم بعد ذلك لما يثيره الطاعن فيما تقدم بشأن الاعتراف الذى صدر منه للكونستابل فقال "إن اعتراف المتهم للضابط النوبتجي الكونستابل الممتاز عياد موسى ميخائيل بأنه هو صاحب الكيس ومالكه وأنه يحتوى على مادة البانجو والتي أثبت التحليل صحة ذلك أن هذا الاعتراف قد جاء سليما وصحيحا وقد صدر من المتهم بعد أخذه إلى المركز ومثوله أمام الضابط النوبتجي فلا تثريب علي المحكمة أن تأخذ به وتعول علي شهادة الضابط النوبتجي بشأن..... خصوصا وقد ثبت أن الشاهد المذكور لم يشترك في القبض على المتهم ولا دخل له فيه وقد صدر له اعتراف المتهم عند مثوله أمامه بمركز بوليس أسوان... ولم يصدر الاعتراف له فور الضبط كما سبق بيانه" ولما كان ما قاله الحكم من ذلك وأسس عليه قضاءه بإدانة الطاعن اعتمادا على هذا الاعتراف لا يخالف القانون في شيء لأن المستفاد من عبارة الحكم أن المحكمة بمالها من سلطة تقدير قيمة الاعتراف كدليل إثبات في الدعوى، وتقدير الظروف التي أحاطت بصدوره من الطاعن قد اعتبرته دليلا سليما مستقلا عن القبض والتفتيش بمعنى أنه حين أدلى به لم يكن متأثرا بما وقع عليه وأنه قصد الإقرار بالجريمة طائعا مختارا، لما كان ذلك وكان الاعتراف منصبا على المادة المضبوطة فليس ثمة ما يمنع المحكمة من أن تتخذ من نتيجة تحليلها دليل إثبات مؤيدا للإدانة، لما كان ما تقدم فإن ما يثيره الطاعن في الوجوه المتقدمة لا يكون له محل.
وحيث إن مبنى الوجه الرابع هو أن للشاهد عياد موسى ميخائيل ثلاث روايات في صدد الاعتراف المنسوب إلى الطاعن، الرواية الأولى أثبتها في محضر ضبط الواقعة ومحصلها أن الطاعن اعترف له بملكيته للكيس المضبوط وادعى بأن الكيس يحتوى على دخان، والرواية الثانية هي التي أدلى بها في تحقيق النيابة وفحواها أن الطاعن اعترف له بملكيته للدخان الذى يحتويه الكيس، والرواية الثالثة هي التي أدلى بها في الجلسة وأخذت بها المحكمة وهي تفيد أن المتهم اعترف له بملكيته الكيس كما اعترف بأن بداخله (بانجو) وهى رواية جديدة لم يذكرها في التحقيقات، وهذا التضارب في أقوال الشاهد يجعل شهادته غير جديرة بالثقة هذا إلى أن الحكم حين دان الطاعن بجريمة إحراز (بانجو) خلافا لما أثبته التحليل من أن المادة المضبوطة هي كمنجة وليست بانجو فإنه يكون باطلا للخطأ في الإسناد.
وحيث إن ما ينعاه الطاعن في هذا الوجه مردود بأن للمحكمة في سبيل تكوين عقيدتها أن تأخذ بأقوال الشاهد التي أدلى بها في جلسة المحاكمة ولو خالفت أقواله في مراحل التحقيق الأخرى إذ المرجع في ذلك إلى اطمئنانها إلى صحة الدليل الذى تأخذ به، ولما كان الثابت في مدونات الحكم أن نتيجة التحليل دلت على أن المادة المضبوطة هي (بانجو) وهي ذات المادة التي اعترف الطاعن في محضر ضبط الواقعة بإحرازها، وكان لا جدوى للطاعن مما يثيره من أن التحليل أثبت أن المادة هي (كمنجة) وليست (بانجو) ما دام أن هذين النوعين هما من مشتقات الحشيش كما هو مبين بالجدول رقم 1 المشتمل على المواد المعتبرة مخدرة وهو الجدول الملحق بالمرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952 الذى طبقه الحكم، لما كان ذلك فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الوجه لا يكون له أساس.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن متعين الرفض موضوعا.