الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الجمعة، 24 أكتوبر 2025

حكم القاضي غير المسلم في الدولة الحديثة

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
تاريخ الفتوى: 04 أغسطس 2020 م
رقم الفتوى: 5064
التصنيف: التقاضي والشهادات
السؤال:

يتيح القانون المصري أن يكون القاضي مسيحيًّا؛ فهل هذا يتعارض مع الشريعة الإسلامية في شيء؟ وهل ينفذ قضاء القاضي حينئذ؟الجواب:

لا مانع شرعًا من أن يكون القاضي في الدولة المصرية الحديثة مسيحيًّا، وينفذ قضاؤه ما دام قد صار حكمًا نهائيًّا باتًّا، وفق المنظومة الإجرائية المعمول بها؛ فالقاضي في الفقه الموروث له مواصافات معينة، وطبيعة عمله وصلاحياته تختلف عنها في قاضي الدولة الحديثة في أمور كثيرة؛ منها الولاية شرعية التي تجعل حكمه نافذًا إذا حكم بأي مذهب فقهي معتبَر، ما لم يخالف نصًّا جليًّا أو إجماعًا قطعيًّا، من غير أن يتقيد بقانون ملزم، أما في الدولة الحديثة المبنية على المواطنة فالأمر يختلف؛ حيث تتعدد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وتتكامل فيما بينها، ويحكمها القانون الملزم للقاضي، ولا تشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا يحكم بما يراه أرجح في نظره من المذاهب بقدر ما تشترط فيه فهم القانون والقدرة على تنزيله على الوقائع والقضايا؛ بحيث يكون القاضي جزءًا من المنظومة القضائية التي لا تتوقف عليه، ويكون هو مؤتمنًا على تطبيقها؛ فينقض حكمه إذا خالف القانون، ويوضع عليه من القيود في تنفيذ حكمه ما لا يجعله نافذًا حتى يراجَع من قِبَل الاستئناف، ثم النقض بعد ذلك إذا تم الطعن فيه، وبهذا نكون قد خرجنا من السلطة الشخصية للقاضي، إلى سلطة المحكمة التي يعتبر القاضي جزءًا منها، والتي ينقض حكمها إذا خالف القانون أو تفسيره الصحيح، ولا يسمح لحكمها بالتنفيذ إلا بعد أخذ حقه في المراجعة والنظر في الدرجات القضائية الأعلى عبر محكمة الاستئناف، ثم محكمة النقض والتي تحاكم الحكم لا المتهم، كل هذا في إطار السعي الحثيث في رفع الظلم وإقرار العدل.التفاصيل....




الشروط التي ذكرها الفقهاء لتولى القضاء

القضاء ولاية من جملة المصالح العامة الواجبة على الكفاية، والأصل في وجوب القضاء بين الخصوم قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: 26]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
والقضاء داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
ولأن الشائع في طباع الناس التنافس والتغالب، فيكثر فيهم التشاجر والتخاصم، فاحتاجوا إلى من ينظر في نزاعهم، ويفصل بينهم بالحق، ويلزم الأطراف بحكمه فيهم، وهذا هو ما جرت به عادات الأمم ووردت به جميع الشرائع. انظر: "أدب القاضي" للماوردي (1/ 135-136، ط. وزارة الأوقاف العراقية).
وقد اعتبرت الشريعة في القاضي عدة شروط ترجع إلى تحقيق كفايته وصلاحيته لأداء مهمته في النظر في المنازعات وإلزام الخصوم ورد الحقوق، وقد ذكر الفقهاء هذه الشروط في كتبهم، وبعضها متفق عليه؛ كالعقل والبلوغ، وبعضها مختلف فيه؛ كالذكورة، وسلامة الحواس.
نصوص الفقهاء الواردة في اشتراط الإسلام لتولي القضاء

من الشروط التي ذكروها: شرط الإسلام، وهذا الشرط قد تتابع العلماء من المذاهب المختلفة على ذكره واعتباره، وهو منصوص كتب المذاهب الأربعة. يراجع: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 3، ط. دار الكتب العلمية)، و"التاج والإكليل" للمَوّاق (8/ 63، ط. دار الكتب العلمية)، و"أسنى المطالب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (4/ 278، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 295، ط. دار الكتب العلمية).
وحكاه الإمام أبو الوليد الباجي في "المنتقى شرح الموطأ" (5/ 183، ط. دار الكتاب الإسلامي) بما قد يفهم منه أنه حُكمٌ إجماعي؛ فقال: [وأما اعتبار إسلامه -أي: القاضي- فلا خلاف بين المسلمين في ذلك] اهـ.
ودليل ذلك القول: قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 28]؛ قال الإمام أبو بكر الجَصّاص في "أحكام القرآن" (2/ 17، ط. دار الفكر): [وفي هذه الآية ونظائرها دلالة على أنَّ لا ولاية للكافر على المسلم في شيء] اهـ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]؛ يقول العلامة الشربيني في "مغني المحتاج" (6/ 262، ط. دار الكتب العلمية): [ولا سبيل أعظم من القضاء] اهـ؛ ووجهه: أن مُقتَضى ولاية القضاء أن ينفذ حكم القاضي على المتخاصمين شاؤوا أو أبَوْا.
وما رواه البيهقي والدارقطني عن عائذ المزني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
والحديث بعمومه يدل على علو الإسلام في كل أمر ومنه القضاء، والقول بجواز تولية غير المسلمين على المسلمين فيه إعلاء لغير الإسلام عليه، وهو خلاف ما يدل عليه الحديث.
ومع ذلك فقد قرر فقهاء الشافعية أنه يحتمل أن ولي الأمر لو قلد القضاء لغير المسلم أن قضاءه ينفذ حينئذ، وهو الذي رجحه الإمام البلقيني منهم، ورأى الإمام ابن حجر الهيتمي أنه الأوجه؛ لأن الغرض الاضطرار. انظر: "تحفة المحتاج" (10/ 114، ط. دار إحياء التراث العربي).
وهذا الاجتهاد منهم يدل على أن درء الفتن واستقرار الأوضاع في المجتمع وتجنب الفوضى غاية مهمة ومقصود متأكد يصلح أن نتجاوز عن بعض الشروط الشرعية لأجل تحقيقه؛ لأن مفسدة الفوضى وعدم الاستقرار وشق الصف أشد من مفسدة فوات بعض الشروط الشرعية، ويكون هذا من قبيل الضرورة، وهذا هو ما صرح به الفقهاء عند بيانهم لجهة الضرورة؛ فقالوا: "لئلا تتعطل مصالح الناس". انظر مثلًا: "تحفة المحتاج" (10/ 113).
قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 557-558، ط. دار المنهاج): [وشرط القاضي: مسلم، مكلف، حر، ذكر، عدل، سميع، بصير، ناطق، كاف، مجتهد؛ وهو أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، وخاصه وعامه، ومجمله ومبينه، وناسخه ومنسوخه، ومتواتر السنة وغيره، والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوة وضعفًا، ولسان العرب لغة ونحوًا، وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم؛ إجماعًا واختلافًا، والقياس بأنواعه، فإن تعذر جمع هذه الشروط، فولى سلطان له شوكة فاسقًا أو مقلدًا نفذ قضاؤه؛ للضرورة] اهـ.
قال العلامة ابن حجر في "تحفة المحتاج" شارحًا عبارة "المنهاج" (10/ 113-114): [(فإن تعذر جمع هذه الشروط) أو لم يتعذر (فولى سلطان) أو من (له شوكة) غيره (فاسقًا أو مقلدًا) ولو جاهلا (نفذ قضاؤه) الموافق لمذهبه المعتد به، وإن زاد فسقه (للضرورة)؛ لئلا تتعطل مصالح الناس. ونازع كثيرون فيما ذكر في الفاسق وأطالوا، وصوبه الزركشي؛ قال: لأنه لا ضرورة إليه بخلاف المقلد. اهـ. وهو عجيب؛ فإن الفرض أن الإمام أو ذا الشوكة هو الذي ولاه عالمًا بفسقه، بل أو غير عالم به على ما جزم به بعضهم، فكيف حينئذ يفرع إلى عدم تنفيذ أحكامه المترتب عليه من الفتن ما لا يتدارك خرقه؟!! وقد أجمعت الأمة -كما قاله الأذرعي- على تنفيذ أحكام الخلفاء الظلمة وأحكام من ولوه؟ ورجح البلقيني نفوذ تولية امرأة، وأعمى فيما يضبطه، وقن، وكافر، ونازعه الأذرعي وغيره في الكافر، والأوجه ما قاله؛ لأن الغرض الاضطرار، وسبقه ابن عبد السلام للمرأة، وزاد أن الصبي كذلك قال الأذرعي] اهـ بتصرف يسير.
وقال العلامة ابن قاسم العبادي في حواشيه على "تحفة المحتاج": [قوله -أي: المصنف-: (للضرورة) أي: لضرورة الناس؛ أي: لاضطرارهم إلى القاضي وشدة احتياجهم إليه؛ لتعطل مصالحهم بدونه، وقد تعين فيمن ولاه السلطان، وهذا التعليل يصح بالنسبة لما زاده الشارح أيضًا؛ لأنه لما انحصر الأمر فيمن ولاه السلطان ولو مع وجود الأهل ثبت اضطرار الناس إليه؛ لعدم وجود قاض أهل، وهذا في غاية الظهور] اهـ.
الأسباب التى جعلت الفقهاء يشترطون الإسلام لتولى القضاء

الذي يظهر -والعلم عند الله- أن ما ذكره الفقهاء الأقدمون وقرروه من اعتبار شرط الإسلام في الأساس صحيح في واقعهم؛ من عدة اعتبارات:
منها: غياب فكرة المواطنة ساعتئذ.
ومنها: أن القاضي كان مجتهدًا مستقلا بالنظر والاجتهاد في فهم نصوص الشرع الشريف، ولم يكن هناك تقنين لأحكام الشريعة في ذلك الوقت بحيث تكون مواده ملزمة للقضاة ومقيدة لسلطاتهم ومنظمة لأحكامهم، والشأن أن غير المسلم ليست عنده تلك المكنة والقدرة على القيام بمهمة تفسير النصوص الشرعية.
ومنها: أن إزالة النزاع من نفوس المتقاضيين، ومن ثم إرجاع الحقوق لأصحابها والأموال لأهلها لا يتأتى إلا بقبول المتقاضيين للقضاة، وتسليمهم بنزاهتهم وعدالتهم؛ نظرًا لخطورة الأمن النفسي وقدرته على زرع الطمأنينة في نفوس المتقاضيين، والتسليم بقضاء القضاة والنزول على أحكامهم.
والإسلام بعدالته لم يعمل على تحقيق ذلك للمسلمين فقط، بل أقر بذلك لغيرهم؛ فعمل على إشباع رغبتهم وساعد على تحقيق أمنهم النفسي؛ فمنع قضاة المسلمين من التصدي لمنازعاتهم، إلا إذا قبلوا هم بذلك ورضوا به، واعترف بأحكام من يرتضونه من الحكام وما يترتب على ذلك من إجراءات ونقل ملكيات وخلافه، لهذا لم يمنعهم من استقلال القضاء أحكامًا ورجالا، بل ضمن لهم ذلك وسعى في ترسخيه وتدعيمه.
حكم تولي غير المسلم منصب القضاء في البلاد الإسلامية

أما في الدولة الحديثة المبنية على المواطنة فالأمر يختلف، فهذه الدولة تتعدد فيها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وتتكامل فيما بينها، ويحكمها القانون الملزم للقاضي، ولا تشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا يحكم بما يراه أرجح في نظره من المذاهب بقدر ما تشترط فيه فهم القانون والقدرة على تنزيله على الوقائع والقضايا؛ بحيث يكون القاضي جزءًا من المنظومة القضائية التي لا تتوقف عليه، ويكون هو مؤتمنًا على تطبيقها؛ فينقض حكمه إذا خالف القانون، ويوضع عليه من القيود في تنفيذ حكمه ما لا يجعله نافذًا حتى يراجَع من قِبَل الاستئناف ثم النقض بعد ذلك إذا تم الطعن فيه، وبهذا نكون قد خرجنا من السلطة الشخصية للقاضي إلى سلطة المحكمة التي يعتبر القاضي جزءا منها، والتي ينقض حكمها إذا خالف القانون أو تفسيره الصحيح، ولا يسمح لحكمها بالتنفيذ إلا بعد أخذ حقه في المراجعة والنظر في الدرجات القضائية الأعلى عبر محكمة الاستئناف ثم محكمة النقض والتي تحاكم الحكم لا المتهم، كل هذا في إطار السعي الحثيث في رفع الظلم وإقرار العدل.
وبهذا يتضح أن مواصفات القاضي في الفقه الموروث وطبيعة عمله وصلاحياته تختلف عنها في قاضي الدولة الحديثة في أمور كثيرة؛ حيث إن للقاضي قديمًا ولايةً شرعية تجعل حكمه نافذًا إذا حكم بأي مذهب فقهي معتبَر، ما لم يخالف نصًّا جليًّا أو إجماعًا قطعيًّا، أما وظيفة القاضي الآن فمختلفة كما سبق، والمنظومة القضائية نفسها صارت مختلفة في عملها عن المنظومة القضائية القديمة.
ومما يمكن استدعاؤه كذلك في هذا السياق: ما ذهب إليه بعض أهل العلم من القدامى من جواز أن يتقلد أهل الذمة المناصب الوزارية التنفيذية؛ لأنها وظيفة إدارية لا ولاية فيها ولا استقلال.
قال الإمام الماوردي في "الأحكام السلطانية" (ص: 56-58، ط. دار الحديث): [وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف وشروطها أقل؛ لأن النظر فيها مقصور على رأي الإمام وتدبيره، وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة يؤدي عنه ما أمر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم، ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدد من حدث ملم؛ ليعمل فيه ما يؤمر به، فهو معين في تنفيذ الأمور، وليس بوال عليها ولا متقلدًا لها، فإن شورك في الرأي كان باسم الوزارة أخص، وإن لم يشارك فيه كان باسم الواسطة والسفارة أشبه.. ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة] اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابه "الأحكام السلطانية" (ص: 32، ط. دار الكتب العلمية): [الإسلام معتبر في وزارة التفويض وغير معتبر في وزارة التنفيذ.. وقد ذكر الخرقي ما يدل على أنه يجوز أن يكون وزير التنفيذ من أهل الذمة، لأنه قال: ولا يعطى من الصدقة لكافر ولا عبد إلا أن يكونوا من العاملين فيعطوا بحق ما عملوا] اهـ.
وهذا المعنى ليس بعيدًا عن المعنى الذي ذكرناه في شأن القاضي في الدولة المصرية الحديثة.
والتراث الفقهي القضائي كان مهتمًّا بالحكم على الواقع وتحليل الوقائع في نوازل تفصيلية، وهذا كله من فقه الزمان والمكان، إلا أن الاهتمام بالقواعد القضائية الكلية كان قليل الحجم بالنسبة لفقه النوازل القضائية التفصيلية.
والمهم الآن هو ضبط هذه القواعد وتأصيلها لتحقيق حكم الشريعة بالأمر بالعدل ولبسط روح الشريعة الإسلامية للوصول إلى الإنصاف والإحسان في كل مكان ولكل إنسان، وقد تغيرت نظم القضاء التفصيلية، وستبقي في تغير مستمر، كما كان الأمر فيما يتعلق بالمدين المماطل حيث كان طريق وصول الدائن إلى حقه منه هي ملازمته إياه، فاستبدلت فكرة الملازمة بوسيلة أخرى وهي حبس المدين، وهذا كان في عصر واحد، وهو يشير إلى إمكانية تغير النظم والأحكام والآليات القضائية مع تبدل الأجيال والعصور.
الخلاصة

عليه: فلا مانع من أن يكون القاضي الآن في الدولة المصرية الحديثة مسيحيًّا، وينفذ قضاؤه ما دام قد صار حكمًا نهائيًّا باتًّا وفق المنظومة الإجرائية المعمول بها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الخميس، 23 أكتوبر 2025

القضية 64 لسنة 21 ق جلسة 7 / 3 / 2004 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 63 ص 390

 جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وبحضور السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي وإلهام نجيب نوار والدكتور عادل عمر شريف. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

-----------------

قاعدة رقم (63)
القضية رقم 64 لسنة 21 قضائية "دستورية"

(1) دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة. مناطها".
المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية -، مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المطروحة أمام محكمة الموضوع. تطبيق.
(2) تنظيم الحقوق "سلطة تقديرية - ضوابطها".
الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق - ومن بينها الحق في التقاضي - هو إطلاقها ما لم يكن الدستور قد فرض في شأن ممارستها ضوابط محددة باعتبار أن جوهر هذه السلطة هو المفاضلة بين البدائل التي تتصل بالموضوع محل التنظيم.
(3) حق التقاضي "لا يرتبط بأشكال جامدة".
التنظيم التشريعي لحق التقاضي، لا يتقيد بأشكال جامدة، بل يجوز أن يغاير المشرع فيما بينها وأن يقرر لكل حال ما يناسبها، ليظل هذا التنظيم مرناً يفي بمتطلبات الخصومة القضائية وقد كفل الدستور لكل مواطن - بنص مادته الثامنة والستين - حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي مخولاً إياه بذلك أن يسعى بدعواه إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعتها، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها.
(4) رسوم قضائية "رسوم نسبية".
المشرع قد نص على أسس تقدير الرسوم النسبية في دعاوى الحكم بصحة العقود أو فسخها بحسب قيمة الشيء المتنازع فيه، ولم يلزم طالب الحماية القضائية في تلك الدعاوى بأن يؤدي كامل الرسوم القضائية المستحقة عند إقامته الدعوى ابتداء، وإنما ألزمه بأداء قدر ضئيل منها كرسوم ابتدائية.
(5) مصروفات قضائية "الرسوم جزء منها - أساس الإلزام بها".
الحكم بالمصروفات القضائية، والرسوم جزء منها، أساسه حصول نزاع في الحق الذي حكم به.
(6) رسوم قضائية "الإعفاء منها".
نظم المشرع سبل إعفاء غير القادرين مالياً من أداء الرسوم القضائية على نحو ما جاء بالمادة (23) من قانون الرسوم القضائية المشار إليه، سواء قبل رفع الدعوى أو أثناء نظرها أو بعد الفصل فيها. فضلاً عن أن المشرع لم يجعل سلطة قلم الكتاب في تقدير الرسوم النسبية المستحقة على دعاوى صحة العقود أو فسخها - وغيرها من الدعاوى - مطلقة، بل أتاح لذي الشأن المعارضة في أمر تقديرها.

--------------------
1 - المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يقوم ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المطروحة أمام محكمة الموضوع. إذ كان ذلك، وكانت مصلحة المدعين في الدعوى الموضوعية تتبلور في إلغاء أمري التقدير المتظلم منهما واللذين صدرا استناداً لحكم البند الثالث من المادة (75) من القانون رقم 90 لسنة 1944 بشأن الرسوم القضائية، وهو النص المطعون عليه بعدم الدستورية، ويترتب على القضاء بعدم دستوريته زوال السند القانوني لأمر تقدير الرسوم القضائية المستحقة على هذه الدعوى، فإنه بذلك تكون قد توافرت للمدعين مصلحة في دعواهم الدستورية التي يتحدد نطاقها فيما تضمنه نص البند (ثالثاً) من المادة (75) من القانون سالف البيان من تحديد أسس الرسوم النسبية المستحقة على دعاوى طلب الحكم بصحة العقود أو فسخها بأن تقدر بقيمة الشيء المتنازع فيه.
2 - الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق - ومن بينها الحق في التقاضي - هو إطلاقها ما لم يكن الدستور قد فرض في شأن ممارستها ضوابط محددة باعتبار أن جوهر هذه السلطة هو المفاضلة بين البدائل التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، موازناً بينها، مرجحاً ما يراه أنسبها لمصالح الجماعة، وأدناها إلى كفالة أثقل هذه المصالح وزناً.
3 - التنظيم التشريعي لحق التقاضي، لا يتقيد بأشكال جامدة، بل يجوز أن يغاير المشرع فيما بينها وأن يقرر لكل حال ما يناسبها، ليظل هذا التنظيم مرناً يفي بمتطلبات الخصومة القضائية وقد كفل الدستور لكل مواطن - بنص مادته الثامنة والستين - حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي مخولاً إياه بذلك أن يسعى بدعواه إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعتها، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها، مهيئاً دون غيره للفصل فيها، وأن لحق التقاضي غاية نهائية يتوخاها تمثلها الترضية القضائية، التي يتناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على الحقوق التي يطالبونها، فإذا أرهقها المشرع بقيود تعسر الحصول عليها أو تحول دونها كان ذلك إخلالاً بالحماية التي كفلها الدستور لهذا الحق وإنكاراً لحقائق العدل في جوهر ملامحها.
4 - المشرع قد نص على أسس تقدير الرسوم النسبية في دعاوى الحكم بصحة العقود أو فسخها بحسب قيمة الشيء المتنازع فيه، ولم يلزم طالب الحماية القضائية في تلك الدعاوى بأن يؤدي كامل الرسوم القضائية المستحقة عند إقامته الدعوى ابتداء، وإنما ألزمه بأداء قدر ضئيل منها كرسوم ابتدائية - على نحو ما نصت عليه المادة (1) من قانون الرسوم القضائية سالف البيان - بواقع 2% إلى 3% عن الألف جنيه الأولى من قيمة الحق المتنازع عليه، ثم تدرج في الزيادة إلى 5% - كحد أقصى فيما زاد على أربعة آلاف جنيه - بحيث تتناسب مع الخدمة المقدمة، كمقابل يناسبها عاد على طالبها ما يوازيها وعلى وجه لا يرهق فيه وصول الحقوق لأصحابها، وتتم تسويتها بعد صدور الحكم النهائي في الدعوى ويلزم بها - كرسوم نهائية - خاسر الدعوى.
5 - الحكم بالمصروفات، والرسوم جزء منها، أساسه هو حصول النزاع في الحق الذي حكم به، فإذا كان مسلماً به ممن وجهت إليه الدعوى أو كان الغرض من التداعي الكيد للمدعى عليه أو الإضرار به فغرم التداعي يقع على من وجهها، وإذا كان الحق منكوراً ممن وجهت إليه الدعوى، فغرم التداعي يقع على عاتقه، باعتباره المتسبب دون وجه حق في إجراءات الخصومة القضائية، بحسبان أن مرفق العدالة أدى له الخدمة التي طلبها كمقابل لتكلفتها عوضاً عما تكبدته الدولة من نفقة في سبيل تسيير هذا المرفق، بما لا يتعارض ومساهمة المتقاضين في نفقات تسييره على نحو ما سلف.
6 - نظم المشرع سبل إعفاء غير القادرين مالياً من أداء الرسوم القضائية على نحو ما جاء بالمادة (23) من قانون الرسوم القضائية المشار إليه، سواء قبل رفع الدعوى أو أثناء نظرها أو بعد الفصل فيها. فضلاً عن أن المشرع لم يجعل سلطة قلم الكتاب في تقدير الرسوم النسبية المستحقة على دعاوى صحة العقود أو فسخها - وغيرها من الدعاوى - مطلقة، بل أتاح لذي الشأن المعارضة في أمر تقديرها على النحو المبين في المواد (16، 17، 18) من قانون الرسوم القضائية آنف البيان، بحيث تكون مراجعتها والكلمة الفصل فيها للقضاء وحده، ومن ثم فإن النص الطعين يكون قد جاء ملتزماً بالضوابط الدستورية التي تحكم سلطته التقديرية في مجال تنظيم حق التقاضي دون أن يصادرها أو يقيدها أو يفرغها من مضمونها، غير متناقض مع المذهب الاشتراكي الذي تنتهجه الدولة وما يستلزمه من تسيير سبل العدالة، متخيراً من بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم أنسبها وأكفلها لتحقيق الأغراض التي يتوخاها في مجال تنظيم حق التقاضي وتسيير مرفق العدالة بما يتفق وأحكام الدستور.


الإجراءات

بتاريخ الرابع والعشرين من إبريل سنة 1999، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبين الحكم بعدم دستورية المادة (75/ 3) من القانون رقم 90 لسنة 1944 بشأن الرسوم القضائية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أنه أقيمت ضد المدعين في الدعوى (الماثلة) الدعوى رقم 11714 لسنة 1997 مدني كلي شمال القاهرة بطلب الحكم بإثبات الفسخ والتنازل عن عقد البيع الابتدائي المؤرخ 20/ 8/ 1997، وبجلسة 25/ 12/ 1997 قضى بالطلبات سالفة البيان، مع إلزامهم بالمصروفات وعشر جنيهات مقابل أتعاب المحاماة، وبناء على ذلك أصدر قلم المطالبة بتلك المحكمة الأمرين رقمي 2594، 2540 لسنة 1997، 1998 بتقدير الرسوم المستحقة على تلك الدعوى بواقع 17410 جنيها رسوم نسبية، ومبلغ 8705 جنيهاً رسم صندوق الخدمات، وأعلن بها المدعين فتظلموا من الأمرين المذكورين بموجب الدعوى رقم 13516 لسنة 1998 مدني كلي شمال القاهرة، ابتغاء الحكم بإلغائهما واعتبارهما كأن لم يكونا، مع ما يترتب على ذلك من آثار لما شابهما من أخطاء ومغالاة في التقدير، وفي أثناء نظر موضوع التظلم دفع الحاضر عن المدعين بعدم دستورية نص البند الثالث من المادة (75) من القانون رقم 90 لسنة 1944 بشأن الرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية، لتعارضه مع نص المادة (68) من الدستور، وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع وصرحت لهم برفع الدعوى الدستورية، فقد أقاموا الدعوى الماثلة خلال الأجل المحدد.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية -، مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المطروحة أمام محكمة الموضوع، إذ كان ذلك، وكانت مصلحة المدعين في الدعوى الموضوعية تتبلور في إلغاء أمري التقدير المتظلم منهما واللذين صدرا استناداً لحكم البند الثالث من المادة (75) من القانون رقم 90 لسنة 1944 بشأن الرسوم القضائية، وهو النص المطعون عليه بعدم الدستورية، ويترتب على القضاء بعدم دستوريته زوال السند القانوني لأمر تقدير الرسوم القضائية المستحقة على هذه الدعوى، فإنه بذلك تكون قد توافرت للمدعين مصلحة في دعواهم الدستورية التي يتحدد نطاقها فيما تضمنه نص البند (ثالثاً) من المادة (75) من القانون سالف البيان من تحديد أسس الرسوم النسبية المستحقة على دعاوى طلب الحكم بصحة العقود أو فسخها بأن تقدر بقيمة الشيء المتنازع فيه.
وحيث إن البند ثالثاً من المادة (75) من القانون رقم 90 لسنة 1944 بشأن الرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المسائل المدنية ينص على أن "يكون أساس تقدير الرسوم النسبية على الوجه الآتي: -
(أولاً)........ (ثانياً)........ (ثالثاً) في دعاوى طلب الحكم بصحة العقود أو إبطالها أو فسخها تقدر قيمتها بقيمة الشيء المتنازع فيه، وفي دعاوى المنازعة في عقود البدل يقدر الرسم على أكبر قيمة البدلين".
وحيث إن المدعين ينعون على هذا النص مخالفته للمادة (68) من الدستور التي تكفل للناس كافة حق اللجوء إلى القضاء، ذلك أنه يفرض رسوماً كبيرة تمثل قيداً على حق التقاضي وتتناقض مع المذهب الاشتراكي الذي تنتهجه الدولة.
وحيث إن هذا النعي مردود ذلك أن - المقرر في قضاء هذه المحكمة - أن الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق - ومن بينها الحق في التقاضي - هو إطلاقها ما لم يكن الدستور قد فرض في شأن ممارستها ضوابط محددة باعتبار أن جوهر هذه السلطة هو المفاضلة بين البدائل التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، موازناً بينها، مرجحاً ما يراه أنسبها لمصالح الجماعة، وأدناها إلى كفالة أثقل هذه المصالح وزناً وأن التنظيم التشريعي لحق التقاضي، لا يتقيد بأشكال جامدة، بل يجوز أن يغاير المشرع فيما بينها وأن يقرر لكل حال ما يناسبها، ليظل هذا التنظيم مرناً يفي بمتطلبات الخصومة القضائية وقد كفل الدستور لكل مواطن - بنص مادته الثامنة والستين - حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي مخولاً إياه بذلك أن يسعى بدعواه إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعتها، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها، مهيئاً دون غيره للفصل فيها، وأن لحق التقاضي غاية نهائية يتوخاها تمثلها الترضية القضائية، التي يتناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على الحقوق التي يطالبونها، فإذا أرهقها المشرع بقيود تعسر الحصول عليها أو تحول دونها كان ذلك إخلالاً بالحماية التي كفلها الدستور لهذا الحق وإنكاراً لحقائق العدل في جوهر ملامحها.
وحيث إنه لما كان المشرع قد نص على أسس تقدير الرسوم النسبية في دعاوى الحكم بصحة العقود أو فسخها بحسب قيمة الشيء المتنازع فيه، ولم يلزم طالب الحماية القضائية بتلك الدعاوى بأن يؤدي كامل الرسوم القضائية المستحقة عند إقامته الدعوى ابتداء، وإنما ألزمه بأداء قدر ضئيل منها كرسوم ابتدائية - على نحو ما نصت عليه المادة (1) من قانون الرسوم القضائية سالف البيان - بواقع 2% إلى 3% عن الألف جنيه الأولى من قيمة الحق المتنازع عليه، ثم تدرج في الزيادة إلى 5% - كحد أقصى فيما زاد على أربعة آلاف جنيه - بحيث تتناسب مع الخدمة المقدمة، كمقابل يناسبها عاد على طالبها ما يوازيها وعلى وجه لا يرهق فيه وصول الحقوق لأصحابها، وتتم تسويتها بعد صدور الحكم النهائي في الدعوى ويلزم بها - كرسوم نهائية - خاسر الدعوى، إذ أن أساس الحكم بالمصروفات، والرسوم جزء منها، هو حصول النزاع في الحق الذي حكم به، فإذا كان مسلماً به ممن وجهت إليه الدعوى أو كان الغرض من التداعي الكيد للمدعى عليه أو الإضرار به فغرم التداعي يقع على من وجهها، وإذا كان الحق منكوراً ممن وجهت إليه الدعوى، فغرم التداعي يقع على عاتقه، باعتباره المتسبب دون وجه حق في إجراءات الخصومة القضائية، بحسبان أن مرفق العدالة أدى له الخدمة التي طلبها كمقابل لتكلفتها عوضاً عما تكبدته الدولة من نفقة في سبيل تسيير هذا المرفق، بما لا يتعارض ومساهمة المتقاضين في نفقات تسييره على نحو ما سلف. والتزاماً منه بما نصت عليه المادة (69) من الدستور نظم المشرع سبل إعفاء غير القادرين مالياً من أداء الرسوم القضائية على نحو ما جاء بالمادة (23) من قانون الرسوم القضائية المشار إليه، سواء قبل رفع الدعوى أو أثناء نظرها أو بعد الفصل فيها. فضلاً عن أن المشرع لم يجعل سلطة قلم الكتاب في تقدير الرسوم النسبية المستحقة على دعاوى صحة العقود أو فسخها - وغيرها من الدعاوى - مطلقة، بل أتاح لذي الشأن المعارضة في أمر تقديرها على النحو المبين في المواد (16، 17، 18) من قانون الرسوم القضائية آنف البيان، بحيث تكون مراجعتها والكلمة الفصل فيها للقضاء وحده، ومن ثم فإن النص الطعين يكون قد جاء ملتزماً بالضوابط الدستورية التي تحكم سلطته التقديرية في مجال تنظيم حق التقاضي دون أن يصادرها أو يقيدها أو يفرغها من مضمونها، غير متناقض مع المذهب الاشتراكي الذي تنتهجه الدولة وما يستلزمه من تسيير سبل العدالة، متخيراً من بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم أنسبها وأكفلها لتحقيق الأغراض التي يتوخاها في مجال تنظيم حق التقاضي وتسيير مرفق العدالة بما يتفق وأحكام الدستور. ومن ثم فإن النص الطعين استقامت أحكامه في هذا الإطار مع أحكام المادتين (68، 119) من الدستور.
وحيث إنه متى كان ما تقدم وكان النص سالف البيان لا يخالف أي نص آخر في الدستور، فإنه يتعين رفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعين المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 60 لسنة 21 ق جلسة 7 / 3 / 2004 مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 62 ص 386

جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: عبد الوهاب عبد الرازق وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف ومحمد خيري طه وتهاني محمد الجبالي وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

-----------------

قاعدة رقم (62)
القضية رقم 60 لسنة 21 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "حجية الحكم فيها - عدم قبول الدعوى".
سابقة الحكم برفض الطعن على النص الطعين - حجيته مطلقة - عدم قبول الدعوى.

------------------
حيث إن المحكمة الدستورية العليا قد سبق لها أن حسمت الأمر في شأن النعي بعدم دستورية هذه الفقرة - مع فقرات أخرى من ذات المادة المطعون على فقرتها قبل الأخيرة - بحكمها الصادر بجلسة 6/ 7/ 2003 في القضية رقم 98 لسنة 21 ق دستورية والذي قضت فيه برفض الدعوى، ونشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 30 (مكرر) بتاريخ 26/ 7/ 2003. وإذ كان مقتضى أحكام المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تعقيباً من أية جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد مما يكون متعيناً معه - والأمر كذلك - القضاء بعدم قبول الدعوى.


الإجراءات

بتاريخ الثالث عشر من إبريل سنة 1999، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص الفقرة قبل الأخيرة من المادة الثالثة من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليه الرابع كان قد أقام الدعوى رقم 878 لسنة 1998 إيجارات كلي المنيا طلباً للحكم بإخلاء المدعي - في الدعوى الدستورية - من الشقتين المؤجرتين له والمستعملتين عيادة وذلك لعدم سداده الزيادة القانونية للأجرة المقررة بالقانون رقم 6 لسنة 1997، وأثناء نظر الدعوى دفع الأخير بعدم دستورية الفقرة - قبل الأخيرة - من المادة الثالثة من القانون المذكور، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت للمدعى برفع دعواه الدستورية فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن الفقرة قبل الأخيرة من المادة الثالثة من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية - المطعون عليها - تنص على أن "تزاد الأجرة القانونية الحالية للأماكن المنشأة من 10 سبتمبر 1977 وحتى 30 يناير 1996 بنسبة 10% اعتباراً من ذات الموعد"، موعد استحقاق الأجرة التالية لتاريخ نشر هذا القانون".
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قد سبق لها أن حسمت الأمر في شأن النعي بعدم دستورية هذه الفقرة - مع فقرات أخرى من ذات المادة المطعون على فقرتها قبل الأخيرة - بحكمها الصادر بجلسة 6/ 7/ 2003 في القضية رقم 98 لسنة 21 ق دستورية والذي قضت فيه برفض الدعوى، ونشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 30 (مكرر) بتاريخ 26/ 7/ 2003. وإذ كان مقتضى أحكام المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تعقيباً من أية جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد مما يكون متعيناً معه - والأمر كذلك - القضاء بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 51 لسنة 21 ق جلسة 7 / 3 / 2004 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 61 ص 381

 جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: عبد الوهاب عبد الرازق وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف ومحمد خيري طه وتهاني محمد الجبالي وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

----------------

قاعدة رقم (61)
القضية رقم 51 لسنة 21 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "حجية الحكم فيها - عدم قبول الدعوى".
سابقة الحكم برفض الطعن على دستورية النص الطعين - حجيته مطلقة - عدم قبول الدعوى.

-------------------
تناولت المحكمة الدستورية العليا ذات المسألة الدستورية المثارة في الدعوى الماثلة بحكمها الصادر بجلسة 14/ 4/ 2002 في القضية رقم 203 لسنة 20 ق "دستورية" والذي قضى برفض الدعوى التي أقيمت طعناً على المادتين الأولى والخامسة من القانون رقم 6 لسنة 1997 المشار إليه ومواد لائحته التنفيذية المرتبطة بهاتين المادتين، وإذ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 27/ 4/ 2002 العدد 17 (تابع)، وكان مقتضى المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة للدولة - بسلطاتها المختلفة - وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد، فإن الخصومة في الدعوى الراهنة تكون غير مقبولة.


الإجراءات

بتاريخ الخامس عشر من مارس سنة 1999، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية، ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار الجمهوري رقم 237 لسنة 1997.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى، واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي بصفته كان قد أقام الدعوى رقم 3437 لسنة 1997 إيجارات كلي جنوب القاهرة الابتدائية ضد ورثة المرحوم عبد العزيز حنفي الجندي - المدعى عليهم من الخامس وحتى الأخيرة في الدعوى الدستورية - بطلب الحكم بانتهاء عقد الإيجار المؤرخ 1/ 1/ 1982 والمحرر لصالح مورثهم، عن الشقة عين التقاضي المبينة بصحيفة الدعوى والمؤجرة لمباشرة أعمال المقاولات والأعمال الحرفية، على سند مما قضت به المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 44 لسنة 17 ق دستورية بجلسة 22/ 2/ 1997 بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وذلك فيما نصت عليه من استمرار الإجارة التي عقدها المستأجر في شأن العين التي استأجرها لمزاولة نشاط حرفي أو تجاري لصالح ورثته بعد وفاته. وبجلسة 25/ 11/ 1997 قضت محكمة أول درجة برفض الدعوى. وإذ لم يرتض المحكوم ضده هذا القضاء فطعن عليه بالاستئناف رقم 6 لسنة 1997 وأثناء نظره دفع بعدم دستورية القانون رقم 6 لسنة 1997، ولائحته التنفيذية. وإذ قدرت محكمة الاستئناف جدية هذا الدفع وصرحت للمستأنف برفع دعواه الدستورية فقد أقام الدعوى الماثلة خلال الأجل القانوني المقرر.
وحيث إن الدعوى الموضوعية تدور حول مدى أحقية المدعي بصفته في إخلاء العين موضوع النزاع واستلامها من المدعى عليهم من الخامس وحتى الأخيرة بعد وفاة مورثهم المستأجر الأصلي دون أن يمتد إليهم عقد إيجار تلك العين رضاء. ومن ثم فإن نطاق الدعوى الدستورية ينحصر في الطعن على المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية وذلك فيما تضمنته من استمرار عقد إيجار العين المؤجرة لمزاولة نشاط تجاري أو صناعي أو مهني و حرفي لصالح ورثة المستأجر الأصلي من الأزواج والأقارب حتى الدرجة الثانية الذين يستعملون العين في ذات النشاط الذي كان يمارسه مورثهم طبقاً للعقد، كما يشمل هذا النطاق ما تضمنته المادة الخامسة من القانون رقم 6 لسنة 1997 المشار إليه من سريان نص الفقرة الأولى من المادة الأولى من القانون المذكور اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون رقم 49 لسنة 1977، وكذا أحكام اللائحة التنفيذية للقانون رقم 6 لسنة 1997 المتعلقة بهاتين المادتين فقط، وهي المسائل التي تدعي المحكمة الدستورية العليا للفصل فيها دون أن تمتد إلى ما عدا ذلك من أحكام شملها القانون واللائحة المطعون عليهما لخروجها عن هذا النطاق.
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا سبق أن تناولت ذات المسألة الدستورية المثارة في الدعوى الماثلة بحكمها الصادر بجلسة 14/ 4/ 2002 في القضية رقم 203 لسنة 20 ق "دستورية" والذي قضى برفض الدعوى التي أقيمت طعناً على المادتين الأولى والخامسة من القانون رقم 6 لسنة 1997 المشار إليه ومواد لائحته التنفيذية المرتبطة بهاتين المادتين، وإذ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بتاريخ 27/ 4/ 2002 العدد 17 (تابع)، وكان مقتضى المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة للدولة - بسلطاتها المختلفة - وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد، فإن الخصومة في الدعوى الراهنة تكون غير مقبولة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الطعن 6456 لسنة 53 ق جلسة 16 / 2 / 1984 مكتب فني 35 ق 32 ص 160

جلسة 16 من فبراير سنة 1984

برياسة السيد المستشار/ حسن جمعه نائب رئيس المحكمة. وعضوية السادة المستشارين/ راغب عبد الظاهر نائب رئيس المحكمة وأحمد أبو زيد وحسن عميرة ومحمد زايد.

---------------

(32)
الطعن 6465 لسنة 53 القضائية

شيك بدون رصيد. أسباب الإباحة "حالة الضرورة". مسئولية جنائية. جريمة "أركانها".
تذرع الطاعن بأن الشيك كان مسلماً لأمين على ذمة تصفية حساب بينه وبين المدعي المدني لا ينفي مسئوليته الجنائية - ليست الحالة من حالات ضياع الشيك أو ما يدخل في حكمها التي يتحصل فيها على الشيك عن طريق إحدى جرائم سلب المال التي أبيح فيها للساحب أن يتخذ من جانبه ما يصون به ماله استناداً إلى سبب من أسباب الإباحة.

-------------------
لما كان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن الشيك قد استوفى شرائطه القانونية فإنه لا يجدي الطاعن ما يثيره من جدل في صدد نفي مسئوليته الجنائية من أن الشيك كان مسلماً لأمين على ذمة تصفية حساب بينه وبين المدعي بالحق المدني ولأن هذه الحالة لا تدخل بالنسبة إلى الطاعن في حالات الاستثناء التي تندرج تحت مفهوم حالة ضياع الشيك - وهي الحالات التي يتحصل فيها الشيك عن طريق إحدى جرائم سلب المال كالسرقة البسيطة والسرقة بظروف والنصب والتبديد وأيضاً الحصول عليه بطريق التهديد - فحالة الضياع وما يدخل في حكمها هي التي أبيح فيها للساحب أن يتخذ من جانبه ما يصون به ماله بغير توقف على حكم للقضاء تقديراً من الشارع بعلو حق الساحب في تلك الحال على حق المستفيد استناداً إلى سبب من أسباب الإباحة.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه أعطى بسوء نية شيكاً لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب, وطلبت عقابه بالمادتين 336، 337 من قانون العقوبات.
وادعى (المجني عليه) مدنياً قبل المتهم بمبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت.
ومحكمة جنح دكرنس قضت حضورياً عملاً بمادتي الاتهام بحبس المتهم ستة أشهر مع الشغل وكفالة عشرين جنيهاً لإيقاف التنفيذ وإلزامه بأن يؤدي للمدعي بالحق المدني مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت.
فاستأنف المحكوم عليه.
ومحكمة المنصورة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت غيابياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف.
فعارض وقضى في معارضته بقبولها شكلاً وفي الموضوع بتعديل الحكم المعارض فيه والاكتفاء بحبس المتهم ثلاثة أشهر مع الشغل.
فطعن الأستاذ..... المحامي عن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض.....


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة إعطاء شيك بدون رصيد قد شابه قصور في التسبيب، ذلك أنه أثار دفاعاً مؤداه بأن الشيك سلم إلى أمين سماه في التحقيقات على ذمة تصفية حساب بينه وبين المدعي بالحق المدني وقام الأمين بتسليم الشيك إلى المدعي بالحق المدني قبل تصفية الحساب إلا أن الحكم لم يعرض لهذا الدفاع ولم يرد عليه, مما يعيبه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة إعطاء شيك بدون رصيد وأقام عليها في حقه أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت أن الشيك قد استوفى شرائطه القانونية فإنه لا يجدي الطاعن ما يثيره من جدل في صدر نفي مسئوليته الجنائية من أن الشيك كان مسلماً لأمين على ذمة تصفية حساب بينه وبين المدعي بالحق المدني ولأن هذه الحالة لا تدخل بالنسبة إلى الطاعن في حالات الاستثناء التي تندرج تحت مفهوم حالة ضياع الشيك - وهي الحالات التي يتحصل فيها الشيك عن طريق إحدى جرائم سلب المال كالسرقة البسيطة والسرقة بظروف النصب والتبديد وأيضاً الحصول عليه بطريق التهديد - فحالة الضياع وما يدخل في حكمها هي التي أبيح فيها للساحب أن يتخذ من جانبه ما يصون به ماله بغير توقف على حكم للقضاء تقديراً من الشارع بعلو حق الساحب في تلك الحال على حق المستفيد استناداً إلى سبب من أسباب الإباحة وهو ما لا يصدق على الحقوق الأخرى التي لا بد لحمايتها من دعوى ولا تصلح مجرده سبباً للإباحة. لما كان ما تقدم فإن الطعن يكون على غير أساس متعيناً القضاء بعدم قبوله.

التحذير من جريمة التحرش وانتهاك خصوصيات الآخرين

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

تاريخ الفتوى: 17 مايو 2022 م
رقم الفتوى: 6847
التصنيف: فقه المرأة
السؤال:

ما حكم الشرع الشريف في التحرُّش الجنسي؟ حيث قام أحد الأشخاص بمحاولة التحرّش بالألفاظ تجاة إحدى الفتيات في الطريق، وعندما نهيتُه عن ذلك ادّعى أنَّ الفتاة هي السبب؛ لنوع ملابسها التي ترتديها. نرجو منكم التكرّم بالردّ على مثل هذه الدعاوى التي تُبرِّر هذه الجريمة وتُلقي بالتهمة على الفتاة وملابسها. 

الجواب:

يُطْلَق "التحرُّش" عرفًا على: الأفعال أو الأقوال أو الإشارات ذات الطابع الجنسي التي يُنْتَهك بها خصوصية الغير. وهذا هو التوصيف القانوني لهذا الفعل، كما نَصَّ على ذلك قانون العقوبات المصري في المادة (306 مكرر "أ").

والشرع الشريف قد حَذَّر من انتهاك الحرمات والأعراض، وقبَّح ذلك ونفَّر منه، وشدَّد الوطأة والعذاب على مرتكبيه، ونوَّه إلى عِظَم شأن الحرمات وكبير وزنها عند الله تعالى؛ من أجل تعلقها بحقوق العباد؛ فأخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَي يَوْمٍ هَذَا؟»، قالوا: يوم حرام، قال: «فَأَي بَلَدٍ هَذَا؟»، قالوا: بلد حرام، قال: «فَأَي شَهْرٍ هَذَا؟»، قالوا: شهر حرام، قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا»، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ..».

والمُتَحَرِّش الذي أَطْلَق سهام شهوته جامعٌ بين منكرين؛ الأول: استراق النظر، والثاني: خَرْق خصوصية الغير، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَرِ» متفق عليه.

بل إنَّ هذه الفِعْلة القبيحة من شأن المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ۝ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ۝ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-62].

قال الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب" (25/ 184، ط. دار إحياء التراث العربي): [الذي في قلبه مرض: الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه] اهـ.

فأعلن الإسلامُ الحربَ على مَنْ يقترف مثل هذه الجريمة، وتَوعَّد فاعليها بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة؛ وأوجب على أولي الأمر أن يتصدّوا لمظاهرها الـمُشينة بكل حزمٍ وحَسْمٍ، ولذا فقد نَصَّ قانون العقوبات على تجريم هذه الفِعْلة ووضع العقاب الرادع لكل مَنْ تُسَوِّل له نفسُه التلطخَ بهذا العار.

وفي سبيل ذلك؛ فإنَّ إلصاقَ جريمة التَّحَرُّش النَّكْرَاء بقَصْر التُّهْمَة على نوع ملابس المرأة وصفته؛ تبريرٌ واهمٌ لا يَصْدُر إلَّا عن ذوي النفوس المريضة والأهواء الدنيئة، فالحجاب لا يُنْظَر فيه إلى توصيف شَكْل أو نوع الملابس، كما أنَّ المُسْلِم في ذلك مأمورٌ بالبُعْد عن المحرَّمات في كل الأحوال والظروف؛ وذلك امتثالًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30].

وبناءً على ذلك: فالتحرُّش الجنسي من الكبائر، ومِن أشنع الأفعال وأقبحها في نظر الشرع الشريف.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الطعن 6098 لسنة 93 ق جلسة 26 / 5 / 2024

باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية 
دائرة الأحد (ب)
المؤلفة برئاسة السيد القاضي / صلاح محمد أحمد نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / توفيق سليم و أيمن شعيب شعبان محمود و محمد ثابت نواب رئيس المحكمة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / مصطفى الوكيل.
وأمين السر السيد / نجيب لبيب محمد .
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم الأحد 18 من ذي القعدة سنة 1445 ه الموافق 26 من مايو سنة 2024 م.
أصدرت الحكم الآتي : المرفوع من :
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 6098 لسنة 93 القضائية .
النيابة العامة الطاعنة
ضد
............. مطعون ضده
--------------
" الوقائع "
اتهمت النيابة العامة المطعون ضده في قضية الجنحة رقم 462 لسنة 2022 جنح مركز شبين (والمقيدة برقم 1476 لسنة 2021 حصر أمن الدولة العليا) بأنه في غضون عام ۲۰۲۰ وحتى مايو ۲۰۲۱ بدائرة مركز شبين الكوم - محافظة المنوفية.
1- قذف في حق موظف عمومي ....... مساعد وزير التنمية المحلية بطريق النشر، طاعنا في أعماله الوظيفية ناسبا إليه فيه أمورا لو كانت صادقة لأوجبت عقابه بالعقوبات المقررة قانونا واحتقاره عند أهل وطنه، بأن دون عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) عبارات أسند إليه فيها استغلال منصبه ونفوذه بوزارة التنمية المحلية للحصول على قرارات تمكين لقطعة أرض مجاملة له، وتسخير أجهزة الدولة بالمنوفية لخدمته وعجز عن إثبات كل فعل أسنده إليه على النحو المبين بالتحقيقات.
2- تعمد إزعاج ومضايقة المجني عليه سالف الذكر - مساعد وزير التنمية المحلية- ، بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات بأن استخدم حساب بموقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) ارتكب من خلاله الجريمة محل الاتهام السابق على النحو المبين بالتحقيقات.
وطلبت عقابه بالمواد 171/5، 302/1، 303/2 من قانون العقوبات وبالمادة 76/2 من القانون رقم ۱۰ لسنة ۲۰۰۳ بشأن تنظيم الاتصالات.
وأحالته إلى محكمة جنايات شبين الكوم لمعاقبته طبقا للقيد والوصف المبين بالأوراق .
وادعى المجني عليه مدنيا قبل المتهم بإلزامه بدفع مبلغ مائة ألف وواحد جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت.
والمحكمة المذكورة قضت حضوريا بتاريخ ٢٥ من سبتمبر سنة ٢٠٢٢، بعدم اختصاص المحكمة نوعيا بنظر الدعوي وإحالتها للنيابة العامة لاتخاذ شئونها نحو إحالتها للمحكمة الاقتصادية المختصة.
وقيدت الأوراق برقم ۲ لسنة ۲۰۲۲ جنح نشر اقتصادية طنطا، ومحكمة طنطا الاقتصادية - بهيئة استئنافية – قضت حضوريا بتاريخ ١٥ من يناير سنة ۲۰۲۳، بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية وألزمت المدعي بالحق المدني بالمصروفات ومائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
فطعنت النيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 15/2/2023 .
وأودعت مذكرة بأسباب الطعن بذات التاريخ موقعا عليها من محام عام بها.
وبجلسة المحاكمة سمعت المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة .
--------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر وبعد سماع المرافعة والمداولة قانونا .
من حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.
ومن حيث إن ما تنعاه الطاعنة - النيابة العامة - على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بعدم قبول الدعويين المدنية والجنائية قد أخطأ في تطبيق القانون.
وحيث إنه يبين من الحكم المطعون فيه أنه قد أقام قضاءه بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية على ما ثبت له من أن المدعي بالحقوق المدنية لم يتقدم بشكواه شخصيا أو بوكيله الخاص - بل بموجب وكالة عامة - لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القيد الوارد على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية إنما هو استثناء ينبغي عدم التوسع في تفسيره وقصره في أضيق نطاق على الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى دون سواها ولو كانت مرتبطة بها، وكانت جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات - التهمة الثانية ذات العقوبة الأشد - المؤثمة بالمادة ٧٦/٢ من قانون تنظيم الاتصالات رقم ١٠ لسنة ۲۰۰۳ ليست إحدى الجرائم التي عددت حصرا في المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية - أو غيره - والتي يتوقف رفع الدعوى الجنائية فيها على شكوى من المجني عليه أو من وكيله الخاص، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أطلق قضاءه بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية عن تهمة القذف - وهي إحدى تلك الجرائم - وعن تهمة تعمد إزعاج المجني عليه باستعمال أجهزة الاتصالات معا فإنه إذ تطلب الشكوى بالنسبة للجريمة الأخيرة يكون قد أخطأ القانون مما يوجب نقضه - في خصوص الدعوى الجنائية فقط - لأن طعن النيابة العامة على الحكم لا يكون إلا في خصوص قضائه فيها وإذ كان هذا الخطأ قد حجب محكمة الموضوع عن نظر موضوع الدعوى فإن نقض الحكم يكون مقرونا بالإعادة .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى محكمة جنايات طنطا الاقتصادية لتحكم فيها من جديد دائرى أخرى.

رعاية الشرع الشريف لحقوق ذوي الهمم

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام


تاريخ الفتوى: 31 مايو 2022 م
رقم الفتوى: 6710
التصنيف: الطب والتداوي

السؤال:

يقول السائل: خلقنا المولى سبحانه وتعالى مختلفين، ووجَّه الشرع الشريف اهتمامه وعنايته بكل فئة من فئات المجتمع، ومن هذه الفئات (ذوي الهمم)؛ فنرجو من فضيلتكم بيان اهتمام الشرع الشريف ورعايته لهم بتخفيفه عنهم في جانب التكليفات، وبيان حقوقهم بصفة خاصة.

الجواب:

بيان المقصود بـ"ذوي الهمم" ورعاية الشرع الشريف لحقوقهم

(ذوو الهمم) -كما يُعرِّفهم قانون "حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة" رقم (10) لسنة 2018م- هم: [الأشخاص الذين لديهم قصورٌ أو خَللٌ كليّ أو جزئي، سواء كان بدنيًّا، أو ذهنيًّا، أو عقليًّا، أو حسيًّا، إذا كان هذا الخلل أو القصور مستقرًّا، ويمنعهم لدى التعامل مع مختلف العوائق من المشاركة بصورة كاملة وفَعَّالة مع المجتمع، وعلى قَدَم المساواة مع الآخرين] اهـ.
ومن المعلوم أنَّ دين الإسلام هو دين الرحمة والتيسير على عباد الله؛ يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: 185]، وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثتُ بِالحَنِيفِيةِ السَّمْحَةِ».
لذلك فإنَّ مِن محاسن الشرع الشريف أنَّه قد رَفَع الحرج في كثير من العبادات والواجبات عن بعض المكلفين، وممَّن خصَّهم الشرع الشريف بمزيد من التيسير ورفع الحرج: ذوو الهمم، سواء كانت إعاقتهم جسدية أو ذهنية أو كلاهما معًا؛ فقد قدَّر الإسلام أعذارهم، فأسقط عنهم الكثير من التكاليف الشرعية؛ سواء كانت فرائض وواجبات أو سننًا ونوافل؛ يقول تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17].
يقول العلامة البيضاوي في "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (5/ 129، ط. دار إحياء التراث العربي): [نفت الآية الكريمة الحرج عن أصحاب الأعذار الذين تخلَّفوا عن الجهاد مع رسول الله ض واستثنتهم من الوعيد والعقوبة التي ستنال المتخلفين عن الجهاد بلا عذر] اهـ. بتصرف.
كما ورد في السنة النبوية ما يدلّ على رفع الحرج عن أصحاب الأعذار؛ فقد أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
الأدلة على تحريم السخرية والاستهزاء بالآخرين

إذا كان هذا في جانب التكاليف الشرعية؛ فإنَّ جانب الحقوق لذوي الهمم من الأمور التي أَوْلَى بها الشرع عناية خاصة؛ فحَرَّم السخرية والاستهزاء بكل صورها وأشكالها؛ وذلك لأنَّ الشريعة الإسلامية جاءت لحث الناس على مكارم الأخلاق والبعد عن بذيء الأقوال والأفعال؛ ولذلك جاء الذم والنهي عن السخرية واللمز والاحتقار، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
وفي حديث الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».
كما أنَّ السخرية من ذوي الهمم قد تشتمل على السبّ وبذاءة اللسان، وهو مَحرَّمٌ شرعًا أيضًا، ومُوجِبٌ لفسق صاحبه؛ ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».
يقول الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (9/ 241، ط. مكتبة الرشد): [سباب المسلم فسوق؛ لأن عرضه حرام كتحريم دمه وماله، والفسوق في "لسان العرب": الخروج من الطاعة، فينبغي للمؤمن أن لا يكون سبَّابًا ولا لعَّانًا للمؤمنين، ويقتدي في ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ السب سبب الفرقة والبغضة] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (2/ 54، ط. دار الفكر): [وأما معنى الحديث: فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق] اهـ.
موقف القانون من الاعتداء على الآخرين بالسخرية والاستهزاء منهم

إضافة لما سبق؛ فإنَّ السخرية من الآخرين التي تُلْحِق بهم الأذى -ولو معنويًا-؛ هي فِعْلة مُجَرَّمٌة قانونًا؛ فتنُص المادة (309 مكرر "ب") من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937م طبقًا لآخر تعديلاته بالقانون رقم 189 لسنة 2020م: [يُعَدُّ تَنمُّرًا كُلُّ قولٍ، أو استعراض قوة، أو سيطرة للجاني، أو استغلال ضعف للمجني عليه، أو لحالة يعتقد الجاني أنها تُسيء للمجني عليه؛ كالجنس، أو العِرْق، أو الدِّيْن، أو الأوصاف البدنية، أو الحالة الصحية، أو العقلية، أو المستوى الاجتماعي؛ بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية، أو الحَطِّ من شأنه، أو إقصائه من محيطه الاجتماعي.
ومع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها في أي قانون آخر: يعاقب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد عن ثلاثين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين] اهـ.
دور الأسرة فى رعاية ذوي الهمم وحقهم في الزواج والتصرفات المالية

من الأمور التي أَوْلَى بها الشرع عناية في جانب الحقوق لذوي الهمم: الحق في الزواج متى صَلُح له ذلك بقول المتخصصين؛ لأنَّ الزواج أمرٌ ثابتٌ بمقتضى الجِبِلَّة والطَّبع؛ لأنَّه إنسان مُرَكَّبٌ فيه الشهوةُ والعاطفةُ، وكذا الحق في التصرف في الأموال بشتَّى أنواع التصرفات المشروعة ما دام تصرفّه لمصلحةٍ معتبرةٍ ارتآها، شريطة ألَّا يُؤثِّر مرضه على تصرفه.
ويجدر الإشارة إلى أنَّ للأسرة دَور في رعاية فئة ذوي الهمم؛ من ذلك: إغداق مزيدٍ من الرعاية والحنان تجاههم؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَرَى المؤْمِنينَ في تَراحُمِهِم، وَتَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِم، كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذا اشْتَكَى عُضْواً تَدَاعَى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بالسّهَرِ والحُمَّى» متفق عليه، واللفظ للبخاري.
فإذا كان هذا في حق عموم المسلمين، فهو في حق ذوي الهمم أولى وآكد.
ومن ذلك أيضًا: مراعاة الجانب النفسي لذوي الهمم، فقد أَسَّس الإسلام لمبدأ مراعاة الجوانب النفسية لأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ فعن أنس رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. رواه مسلم.

وهذا من رحمته صلى الله عليه وآله وسلم بذوي الهمم ومراعاتهم نفسيًّا واجتماعيًّا والعمل على قضاء حوائجهم.
وقد كان أهل الجاهلية يترفَّعون عن مخالطة ذوي الهمم في الطعام، فنزل قول الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ ‌عَلَى ‌ٱلۡأَعۡمَىٰ ‌حَرَجٞ ‌وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ ﴾ [النور: 61].
جاء في تفسير هذ الآية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لمَّا أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] تحرَّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفى الطعام، فأنزل الله هذه الآية، وقال سعيد بن جبير والضحاك: كان العرجان والعميان يتنزهون عن مؤاكلة الاصحاء، لأنَّ الناس يتقذَّرونهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ينظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: 223، ط. مؤسسة الحلبي).
ومن الرعاية أيضًا: إلحاقهم بالجهات التعليمية الخاصة بهم؛ فينبغي على مَن يتولى رعايتهم أن يحرص على ذلك، فمن حقهم أن تتهيأ لهم الأسباب والطرق المناسبة لينالوا حقهم في التعلم.
يضاف لذلك أنَّ من أهمِّ أدوار الأسرة في رعاية أبنائهم من ذوي الهمم هو: السعي في علاجهم؛ فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَدَاوَوا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُنْزِل دَاءً، إِلَّا أَنزَلَ مَعَهُ شِفَاءً» أخرجه الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد في "المسند"، وغيرهم.
وعن جابر رضي الله عنه قال: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّم إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِي اللهُ عَنهُ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ". أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
قال الشيخ ابن القيم الحنبلي في "زاد المعاد في هدي خير العباد" (4/ 9، ط. الرسالة): [فكان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه] اهـ.
لكن يجب في هذا الرجوع لأهل التخصّص الذين يحسنون التعامل مع أهلينا وأبنائنا من ذوي الهمم، وقد أرشد الشرع الشريف إلى الرجوع في التداوي من الأمراض إلى متخصّصي الأطباء؛ لأنهم أهل الذِّكْر في هذا؛ فعن هلال بن يساف قال: جُرِح رجلٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «اُدْعُواْ لَهُ الطَّبِيبَ» فقال: يا رسول الله، هل يُغْنِي عنه الطبيب؟ قال: «نَعَمْ، إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّاَ أنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً».
وعن زيد بن أسلم أنَّ رجلًا أصابه جرح، فاحتقن الدم، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا له رجلين من بني أنمار فقال: «أيُكُمَا أَطَبُّ؟» فقال رجل: يا رسول الله، أو في الطب خير؟ فقال «إِنَّ الذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ» أخرجهما ابن أبي شيبة في "مصنفه".
توصية دار الإفتاء المصرية بـ "ذوي الهمم"

دار الإفتاء المصرية تُناشِد جميع فئات المجتمع بالتعامل مع ذوي الهمم بكامل التقدير، وتحَمُّل المؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية دورها من خلال بيان خطورة الانتقاص منهم، وإرساء ثقافة مراعاة حقوقهم وآداب التعامل معهم.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم الاستعانة بمترجم الإشارة أو بالكتابة لذوي الهمم في إجراءات التقاضي




من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

تاريخ الفتوى: 30 أغسطس 2021 م
رقم الفتوى: 5536
التصنيف: ذوي الهمم

السؤال:

هل يجوز للأشخاص من ذوي الهمم -وخاصة فاقدي حاسة السمع والكلام -أن يستعينوا في التعبير عن إرادتهم بمترجم إشارة، أو التعبير بالكتابة لمن يجيدها، وذلك في إجراءات التقاضي والشهادة في المحكمة؟
الجواب:

لا مانع شرعًا من الاعتماد على تعبير ذوي الهمم ممن فقدوا حاستي السمع والكلام أو إحداهما عن إرادته عن طريق الكتابة إذا كانت واضحة، أو عن طريق الإشارة المعهودة المفهمة بشرط أن يكون غير قادر على الكتابة.
وينبغي التأكد من أن هؤلاء مدركٌون لما يجري حولهم، ويمكن الاستعانة بمترجم إشارةٍ متخصص ماهر في هذه الحالة.
والأمر موكول لعدالة المحكمة والقاضي حسب ظروف كل حالة على حدة.

المقصود بالأبكم والأخرس

الأبكم في اللغة -وزان أَفْعَل صفة من البكم-: وهو الأخرس الذي لا يتكلّم، والخرس ذهاب الكلام خِلقةً أو عيًّا-أي بسبب المرض-.
وبعض اللغويّين فرَّق بينهما بأنَّ الأخرس الذي خُلِقَ ولا نُطْقَ له، والأبكم: الذي له نطق ولا يَعْقِل الجواب.
وفرَّق آخرون بأنَّ الأبكم الذي يولد أخرس، فكلُّ أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم، فيكون الأخرس أعمّ مطلقًا من الأبكم.
قال الجوهري: رجل أبكم، وبكيم؛ أي: أخرس بيِّن الخرس.
وقال الأزهري: بين الأبكم والأخرس فرقٌ في كَلامِ العرب؛ فالأخرس: الذي خلق ولا نطق له..، والأبكم: الذي للسانه نطق، وهو لا يعقل الجواب، ولا يحسن وجه الكلام. انظر: "التكملة والذيل" للصغاني (5/ 582).
والأبكم في الاصطلاح الطبي: هو الشخص المصاب بغياب النطق الكلي بسبب وجود خلل في أحد الأعصاب الحسيَّة، أو وجود خللٍ في عضلات الوجه واللسان المسؤولة عن النطق، أو بسبب الإصابة بصدمة نفسية.
وقد عرَّفه الأستاذ الدكتور جمال الخطيب بأنَّه: عدم القدرة على إصدار أي صوت. انظر: "مقدمة في الإعاقة السمعية" للدكتور جمال الخطيب (ص: 86).
وعرفه سمير الدبابنة بأنَّه: عدم القدرة على الكلام، وعدم القدرة على التعبير عن الأفكار الصريحة بكلمات منطوقة، وبشكل عام: عدم القدرة على إصدار الرموز الصوتية. انظر: "نافذة على تعليم الصم" لسمير الدبابنة (ص: 21).
والأصمّ في اللغة: من به صمم، والصمم: فقدان السمع، ويأتي وصفًا للأذن وللشخص، فيقال: رجل أصمُّ، وامرأة صمَّاء، وأذن صمَّاء، والجمع صُمٌّ، وعرفه ابن سيده: بأن الصمم انسداد الأذن وثقل السمع، صَمَّ يَصَمُّ وصَمِمَ بإظهار التضعيف نادر صَمًّا وصَمَمًا وأَصَم. انظر: "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (8/ 277).
أمَّا الصمم من الناحية الطبيَّة: فهو أعلى درجات الإعاقة السمعية، وقد عرفه عبد الرحمن سيد سليمان بأنه: الغياب الجزئي أو الكلي لحاسة السمع، أو هي الحالة التي لا تكون حاسة السمع فيها هي الوسيلة الأساسية التي يتم بها تعلم الكلام واللغة، وتكون معها حاسة السمع مفقودة أو قاصرة بدرجة مفرطة بحيث تعوق الأداء السمعي العادي لدى الفرد. انظر: "معجم الإعاقة السمعية" لعبد الرحمن سيد سليمان (ص19).
ولا يخرج استعمال الفقهاء في المصطلحين عن المعنى اللغوي.
قال السمعاني في "تفسير القرآن" (1/ 53): [الأَصَم، وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع، والبُكم: جمع الأبكم، وَهُوَ الَّذِي لَا ينْطق، وَوُلد على الخرس] اهـ.
والإعاقة: إما أن تكون في حواس الإدراك، وهي السمع والبصر، أو في حواس التعبير وهي حاسة الكلام، والأولى تؤثر على أهلية الشخص لتلقي التكاليف والخطابات الشرعية، وهو ما يعرف قانونًا بأهلية الوجوب وهي: صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، أمَّا فقد القدرة على التعبير فإنها تؤثر على الاعتداد بتعبير الشخص عن إرادته، وهو ما يسمى بأهلية الشخص للأداء وهي: صلاحية الشخص للقيام بالتصرفات القانونية بنفسه على وجه يعتد به قانونًا.
تكليف معتل الحواس بخطابات الشارع

المقرر شرعًا: أن التكليف فرع العلم بخطاب الشارع، وأنَّ الأصل أنَّ معتل الحواس مكلَّف بخطابات الشارع بشرط ألَّا تنعدم الوسيلة لإفهامه هذا الخطاب، أمَّا إذا فقدت الوسيلة إلى إفهامه فإنَّه يُعَدُّ عاجزًا، وشرط التكليف هو الاستطاعة، فهو بهذا ليس أهلًا لتحمل الواجبات إلَّا من خلال قواعد الضمان المقررة بخطاب الوضع، ويخاطَب عنه في ذلك وفي تقبُّل الحقوق بدلًا منه من يُقِيمَه الشرع أو القاضي مقامه كما هو مقرر في أبواب الفقه.
والمراد بِمُعْتَلِّ الحواس عند الفقهاء: هو من به أكثر من إعاقة؛ بحيث يكون تعدد الإعاقة مانعًا له من إدراك ما حوله.
قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (1/ 531): [لا تكليف مع العجز] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (9/ 225): [ويجب في الردِّ على الأصمِّ الجمع بين اللفظ والإشارة بنحو اليد، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلِّم عليه بين اللفظ والإشارة، ويغني عن الإشارة في الأول -كما بحثه الأذرعي- العلمُ بأن الأخرس فهم بقرينة الحال، والنظر إلى فمه في الرد عليه] وقال أيضًا في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (1/ 129): [(وسئل) -نفع الله به- عمَّن ولد أصم أعمى أخرس فهل تجب عليه الصلاة؟
(فأجاب) بقوله: صرح ابن العماد بأنها لا تجب عليه؛ كمن لم تبلغه الدعوة، وهو ظاهر موافق لما عليه أئمتنا وغيرهم؛ أنه لا تكليف إلا بعد علم، فحيث انتفى عنه هذا العلم بالشرع من أصله، فهو غير مكلف بالصلاة وغيرها] اهـ.
وقال العلَّامة القليوبي في "حاشيته" (1/ 138): [(بالغ عاقل) أي سالم الحواس وبلغته الدعوة، فلا يطالب بها من خلق أعمى وأصم وأبكم] اهـ.
حكم الإشارة المعهودة المفهمة من الأخرس

قد ضبط الفقه الإسلامي أحكام تعبير فاقد النطق عن إرادته، ولم يخلُ باب من أبواب الفقه من الحديث عن إشارة الأخرس وكتابته أثناء الحديث عن ركن الصيغة.
والمستقر عند كافَّة فقهاء المذاهب أنَّ الإشارة المعهودة المفهمة من الأخرس كالعبارة من الناطق، والإشارة المعهودة: هي التي تَصَالَحَ عليها الناس واتخذوها بينهم أداة للتعبير والإفهام.
كما أنَّ الكتابة منه تقوم مقام اللفظ إذا كانت مستبينة كالكتابة على الورق؛ لأنها كالقول في الإبانة عن المراد.
قال العلَّامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (5/ 302): [(وطلاق الأخرس واقع بالإشارة) ش: إن كانت له إشارة تعرف في نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشرائه يقع استحسانًا، سواء قدر على الكتابة أم لا، وبه قال الشافعي ومالك لأنَّه يحتاج إلى ما يحتاج إليه الناطق، ولو لم يجعل إشارته كعبارة الناطق لأدى إلى الحرج وهو مدفوع شرعًا] اهـ.
وقال العلامة المرغيناني في "الهداية ومعها شرح العناية" (10/ 524): [وإذا قُرئ على الأخرس كتابُ وصيته فقيل له: أنشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فأومأ برأسه: أي نعم أو كتب، فإذا جاء من ذلك ما يعرف أنه إقرار فهو جائز] اهـ.
وقال العلَّامة السرخسي في "المبسوط" (18/ 172): [وإقرار الأخرس إذا كان يكتب ويعقل جائزٌ في القصاص وحقوق الناس؛ لأن له إشارة مفهومة تَنْفُذُ تصرفاته بتلك الإشارة، ويحتاج إلى المعاملة مع الناس فيصح إقراره بحقوق العباد] اهـ.
قال الإمام القرافي في "الذخيرة" (4/ 304): [وتقوم مقام اللفظ الإشارةُ والكتابةُ من الأخرس] اهـ.
وقال الإمام الشيرازي في "المهذب في فقه الإمام الشافعي" (3/ 86، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الأخرس فإنه إن لم يكن له إشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصحّ لِعَانَهُ؛ لأنه في معنى المجنون، وإن كانت له إشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لِعَانَهُ؛ لأنه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكان كالناطق في لِعَانَهُ] اهـ.
وقال العلَّامة ابن قدامة المقدسي في "الكافي في فقه الإمام أحمد" (3/ 21، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا فهمت إشارة الأخرس صحَّ النكاح بها؛ لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته، كبيعه] اهـ.
كما نصَّ "قانون الإثبات" في المادة 83 منه على من لا قدرة له على الكلام يؤدي الشهادة إذا أمكن أن يبيِّن مراده بالكتابة أو بالإشارة.
حكم الاستعانة بمترجم الإشارة أو بالكتابة لذوي الهمم في إجراءات التقاضي

تقديم الكتابة من الأخرس -إذا كان يقدر عليها- على الإشارة هو الجاري على مقصود الشرع في تمكينه من التعبير عن إرادته مع الحفاظ على حقوقه، كما أنَّه هو الموافق للعرف القائم؛ حيث إنَّ معرفة الكتابة الآن أصبحت شائعة ومنتشرة بخلاف الماضي، وما قرره بعض الفقهاء من التسوية بينهما كان هو اللائق بزمانهم؛ ولأن الكتابة أضبط وأبين في التعبير عن المقصود من الإشارة، كما يسهل حفظها والعودة إليها وقت الحاجة أو الجحود ولذلك فإن الأوفق عدم الانتقال إلى الإشارة إلَّا بعد العجز عن الكتابة.
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (6/ 143، ط. دار المعرفة): [وإذا طَلَّقَ الأخرس امرأته في كتاب، وهو يكتب، جاز عليه من ذلك ما يجوز على الصحيح في كتابه؛ لأن الأخرس عاجزٌ عن الكلام، وهو قادر على الكتاب، فهو والصحيح في الكتاب سواء، والأصل أن البيان بالكتاب بمنزلةِ البيان باللسان؛ لأن المكتوب حروف منظومة تدل على معنى مفهوم كالكلام، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، وقد بلغ تارة بالكتاب وتارة باللسان.
ثم الكتاب على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكتب طلاقًا أو عتاقًا على ما لا يتبين فيه الخط كالهواء، والماء، والصخرة الصمَّاء، فلا يقع به شيء نوى أو لم يَنْوِ؛ لأن مثل هذه الكتابة كصوت لا يتبين منه حروف، ولو وقع الطلاق لوقع بمجرد نيته، وذلك لا يجوز.
الثاني: أن يكتب طلاق امرأته على ما يتبين فيه الخط، ولكن لا على رسم كَتْبِ الرِّسَالَةِ، فهذا ينوي فيه؛ لأن مثل هذه الكتابة قد تكون للإيقاع، وقد تكون لِتَجْرِبَةِ الخَطِّ، وَالقَلَمِ، وَالْبَيَاضِ، وفيه ينوي كما في الألفاظ التي تشبه الطلاق، فإن كان صحيحًا تبين نيته بلسانه، وإن كان أخرس تبين نيته بكتابه.
والثالث: أن يَكْتُبَ عَلَى رَسْمِ كَتْبِ الرِّسَالَةِ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ أو عتاق عبده فيقع الطلاق والعتاق بهذا في القضاء، وإن قال: عنيت به تجربة الخط لا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، وهو نظير ما لو قال: أنت طالق، ثم قال: عنيت الطلاق من وثاق، ثم ينظر إلى المكتوب، فإن كان كتب: امرأته طالق، فهي طالق سواء بعث الكتاب إليها، أو لم يبعث، وإن كان المكتوب: إذا وصل إليك كتابي هذا فأنت طالق، فما لم يصل إليها لا يقع الطلاق؛ كما لو تكلم] اهـ.
والاعتداد بالكتابة والإشارة بالنسبة للأبكم أو الأصم الأبكم على ما قرره الفقهاء هو فرع الاعتراف له بأهلية الأداء، والتي هي عبارة عن ثبوت الصلاحية القانونية لما يصدر عن الشخص من تصرفات وأعمال، للتمتع بالحقوق على النحو الأكمل، فالإحاطة بجوانب الأمور والتعبير عن الإِرادةِ هي قوام أهليَّة الأداء.
وهذا ما قرره القانون المدني في المادة 93 منه، والتي نصت على: التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المتداولة عُرفًا، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على حقيقة المقصود.
إلَّا أنَّه ينبغي التفرقة بين اعتبار إشارة الأبكم في اكتساب الحقوق، وبين اعتبار إشارته في التزامه بالواجبات، وإقراره للغير بالحقوق، وفي اعتبارها سببًا في إنزال العقوبة أو إقامة الحد عليه؛ إذ ينبغي ألَّا يكون ذلك إلا بما يعبر عن إرادته على وجه اليقين، وهو ما جرى عليه فقهاء الحنفية.
قال العلَّامة داماد الحنفي في "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (1/ 585، ط. دار إحياء التراث العربي): [(مُكَلَّف) خرج به وطء المجنون، والمعتوه، والصبي وزاد صاحب البحر قوله: ناطق طائع، خرج بالناطق وطء الأخرس، فإنه غير موجب للحد لاحتمال أن يدعي شبهة] اهـ.
وقال العلَّامة الحصكفي في "الدر المختار" (4/ 5، ط. دار الفكر): [(ناطق) خرج وطء الأخرس، فلا حدَّ عليه مطلقًا للشبهة] اهـ.
فالأصل أن الصُّمَّ والبُكْمَ أصحاب أهلية كاملة كالأصحاء فيما يمكن لهم فهمه والتعبير عنه، ويجب تمكينهم من ممارسة التصرفات التي تجلب لهم النفع حسب قدرة كل واحد فيهم.
أمَّا إذا كانت الإعاقة سببًا في عدم إلمام الشخص بما يقال له أو في عدم إمكان قيامه بالتعبير عن إرادته تعبيرًا صحيحًا مفهومًا للكافَّة فلا تثبت له حينئذ أهلية الأداء، ويجب على الجهات المختصة أن تقيم له من ينوب عنه قانونًا؛ كالقيِّم أو من يساعده في القيام بهذا الدور وهو المساعد القضائي حسب حالته، مع إيجاد الضمانات التي تضمن لهم نقل إرادتهم نقلًا صحيحًا وأمينًا، ودون أن يتسبب ذلك في تعطيل مصالحهم.
موقف القانون المصري من ذلك

هذا ما اعتمده القانون المدني المصري في المادة 117 فقرة 1 منه والتي قررت: إذا كان الشخص أصم أبكم، أو أعمى أبكم، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته جاز للمحكمة أن تعين له مساعدًا قضائيًّا يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك.
الخلاصة

بناءً على ما سبق يمكننا أن نستفيد التالي:
إنه لا مانع شرعًا من الاعتماد على تعبير الأصم أو الأبكم أو الأصم الأبكم عن إرادته عن طريق الكتابة إذا كانت مستبينة، أو عن طريق الإشارة المعهودة المفهمة بشرط أن يكون غير قادر على الكتابة.
وينبغي التأكد من أن الأصم مدركٌ لما يجري حوله، ويمكن الاستعانة بمترجم إشارة معتمد في هذه الحالة.
والأمر موكول لعدالة المحكمة والقاضي حسب ظروف كل حالة على حدة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.