الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

الجمع بين أجرة حضانة من زواج سابق ونفقة زوجية من زواج قائم

من فتاوى: أمانة الفتوى


تاريخ الفتوى: 17 نوفمبر 2008 م
رقم الفتوى: 4497
التصنيف: دعاوى وبينات

السؤال:

الخطاب الوارد من هيئة قضايا الدولة المتضمن صورةً من صحيفة الدعوى المرفوعة من أحد المواطنين المصريين ضد فضيلة المفتي بصفته، وضد السيد وزير العدل بصفته أيضًا، وضد إحدى المواطنات المصريات. وهي الدعوى التي يعرض فيها أن المُعلَن إليها الثالثة حصلت منه على نفقة زوجية، وحصلت من زوجٍ سابقٍ على أجرة حضانة، وهو الأمر الذي يترتب عليه -في رأيه- أن أصبحَ الاحتباسُ ناقصًا، وفَوَّت عليه -كزوج- مصلحة حقيقية، وهو ما يتعارض مع الحظر؛ طبقًا لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وهو الحظر المتعلِّق هنا بالنظام العام -بحسب دعواه-.
وجاء إعلان المعلَن إليه الأول بصفته كان يتعين عليه -بحسب دعواه- أن يصدر فتواه بهذا الحظر المُدَّعَى، وأنَّ عدمَ صدوره يعتبر قرارًا سلبيًّا يتعين الطعن عليه بالإلغاء -في رأيه-.
كما جاء إعلان المعلَن إليه الثَّاني بصفته؛ لأن المحاكم لم تصلها تلك المعلومات المُدَّعاة.
وعليه فهو يطلب في دعواه إلغاء القرار الإداري السلبي الذي لم يصدر في صورة فتوى من المعلَن إليه الأول بصفته، يحظر فيها الجمع بين أجرة حضانةٍ من زوجٍ سابقٍ ونفقة زوجيةٍ من زوجٍ حاضر، وهو ما يتعارض -في رأيه- مع مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.
ويطلب في شِقِّهِ المستعجل وقفَ تنفيذ هذا القرار السلبي مع إلزام المعلَن إليهما الثاني والثالث بالمصروفات وأتعاب المحاماة.

الجواب:

هذه الدعوى من الناحية الشرعية غير صحيحة؛ حيث إنه ليس هناك في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى ما يمنع الزوجة من أخذ أجرة حضانة من زوج سابق والجمع بينها وبين نفقة زوجية من زوج قائم، كما أنه لا مانع من أن تأخذ المرأة أكثر من متعة من أكثر من مُطَلِّق سابق مع كونها تأخذ نفقتها الزوجية من الزوج القائم؛ حيث إنه من المعلوم أن اختلافَ الجهات وانفكاكَها يمنع التعارضَ والتناقض؛ فنفقةُ الزوجية سببها الاحتباس؛ عملًا بالأصل العام: "أن كل مَن احتُبِسَ لِحَقِّ غيرِه ومنفعتِه فنفقتُه على مَن احتُبس لأجْله"، بينما نفقة الحضانة سببها القيام على المحضون ورعايته؛ لأن أجرَ الحضانةِ به شَبَهٌ بالنفقة من ناحية؛ لأنها جزء من نفقة الصغير، وهي تجب في مال الصغير إن كان له مالٌ، أو في مال مَن تجب عليه نفقته إن لم يكن له مال، وبه شَبَهٌ بالأجرة من ناحية أخرى؛ لأنها تُعطَى للحاضنة نظير عمل تقوم به، فهي تقوم بحفظ المحضون وتربيته وتحبس نفسها من أجل الحضانة. انظر: "حاشية ابن عابدين" (3/ 561).
فلا تعارُض لقيامِ حقِّ المكتَسِبِ في الجمع بين طريقين مختلفين للكسب كلٌّ منهما شرعيٌّ، كما أنَّه لا تعارض من جهة انتقاص حقِّ الزوج في احتباس زوجته عليه وتفويت مصلحة حقيقية عليه -كما يزعم-؛ فهي دعوى غير صحيحة من هذه الجهة أيضًا؛ حيث إن حضانتها للصغار من زوجها السابق إما أن تكون قد تمت بموافقةِ المدَّعِي؛ حيث إنَّها بعد زواجِها تَسقُطُ الحضانةُ عنها إلى مَن يليها في ترتيب المستحقين للحضانة إلَّا أن يوافق هو، بشرط ألَّا يكون أجنبيًّا عن المحضون -كما هو مقرر في موضعه من شروط الحضانة-، وإما أن يكون قد تم مخالفًا لشروط الحضانة، ولكنه لم يُبدِ اعتراضًا على ذلك في حينه، فليس له الآن أن يتراجع عما سبق وأقره إما بطريقةٍ مباشرةٍ وإما بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ بسكوته؛ حيث إن الاحتباس حقٌّ يتجدد، فيحتاج مِن الذي يتضرر مِن عدمه إلى إظهار ذلك في حينه، وإلا سقط؛ كما إذا اشترطت الزوجة ألا ترضع أولادها إلا بأجرٍ فلها ذلك، وموافقة الزوج على ذلك لا تُعَدُّ انتقاصًا من حقِّه في الاحتباس ولا ضياعًا لحقوقه الخاصة؛ لأنه هو مَن وافق على ذلك، وبذا تكون قد جمعت جمعًا شرعيًّا صحيحًا بين نفقة الزوجية وأجرةِ حاضنة من نفس الزوج؛ لأن مصدرَي الكسب مختلفان، ومثل ذلك ما لو وافق على عملها خارج البيت أو داخله مستأجَرةً للغير من غير أن يشترط عليها المشاركة في نفقات البيت، فهذه موافقةٌ ضِمنيَّةٌ منه على استحقاقها لكامل أجرتها من عملها مع ما وجب لها عليه من نفقة، من غير أن يُعَدَّ ذلك مُسقِطًا لنفقتها، أو يُسَوِّغ له الادعاءَ بأنها انتقصت من حقوقه وقَصَّرت في حقِّ الاحتباس بعد إذنه لها ورضاه.
وإن كان المدَّعِي يستند في دعواه إلى كون عدم الحظر المزعوم مخالفًا للنظام العام، فإن النظام العام -وهو بنود الدستور- يخلو من التفاصيل فيما يخص المسألة محلَّ الدعوى، وعليه فيتم الرجوع إلى خصوصها في قانون الأحوال الشخصية، والذي بدوره يخلو من ذلك أيضًا، وعندئذ فالمعمولُ به في الأحوال الشخصية أنه: إذا لم تندرج المسألة تحت نصوص مواد القانون فإنَّه يطبَّق عليها أرجحُ الأقوالِ في مذهب الإمام أبي حنيفة؛ طبقًا للمادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000م.
وبالرجوع إلى مذهب الإمام أبي حنيفة لا نرى هذا المنع المزعوم؛ فالمذهب الحنفي ليس فيه ما يمنع جمع الزوجة لأكثر من نفقة مِن أكثر مِن جهة بسببها الشرعي الصحيح، وإنما أُتِيَ المدعي من قِبل سوء الفهم؛ إذ إنَّ الممنوعَ هو أن تأخذ الزوجةُ نفقةَ حضانةٍ من زوجها عن حضانتها لأولادها منه أثناء قيام الزوجية أو في عدَّةِ الطلاق الرجعي؛ حيث إنَّ الحضانةَ تجب عليها ديانةً، وأجر الحضانة ليس أجرةً خالصةً، بل له شَبَهٌ بالنفقة -كما سبق بيانه-، والزوجة تتقاضى نفقتها من الزوج نظير احتباسها لمصلحته، وتأخذها في الطلاق الرجعي لقيام الزوجية بينهما حكمًا، ولا يجوز لها تقاضي نفقتين في وقتٍ واحدٍ على شيءٍ واحدٍ وإن تعدَّد السبب.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الطعن 1915 لسنة 49 ق جلسة 14 / 1 / 1980 مكتب فني 31 ق 13 ص 65

جلسة 14 من يناير لسنة 1980

برئاسة السيد المستشار عادل برهان نور نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: شرف الدين خيري؛ وفوزي المملوك؛ وفوزي أسعد؛ وهاشم قراعة.

----------------

(13)
الطعن رقم 1915 لسنة 49 القضائية

عقوبة "أنواع العقوبات". مواد مخدرة. نقض "التقرير بالطعن" "إيداع الكفالة".
عقوبة المنع من الإقامة في مكان معين إعمالاً لنص المادة 48/ 2، 3 مكرراً من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل. طبيعتها. عقوبة حقيقية إلا أنها ليست من العقوبات السالبة أو المقيدة للحرية. هي نوع من التدابير الوقائية. وجوب إيداع كفالة لقبول الطعن المقدم من المتهم بشأنها. عدم تقديم الكفالة أثره: عدم قبول الطعن شكلاً.

-------------------
عقوبة المنع من الإقامة في مكان معين إعمالاً للمادة 48/ 2، 3 مكرر من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1966 - هي نوع من التدابير الوقائية وهي عقوبة حقيقية رتبها القانون لفئة خاصة من الجناة وإن لم ترد في قانون العقوبات، بيد أنها ليست من العقوبات السالبة أو المقيدة للحرية التي نص عليها القانون. ومن ثم فقد أوجب المشرع حينئذ لقبول الطعن شكلاً - المقدم من غير النيابة العامة - إيداع الكفالة المنصوص عليها في المادة 36 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: سبق اتهامه لأسباب جدية في قضايا المخدرات المبينة بالمحضر وطلبت عقابه بالمادة 48 مكرراً من القانون رقم 182 سنة 1960. ومحكمة جنح مصر القديمة قضت غيابياً عملاً بمادة الاتهام بمعاقبة المتهم بمنع إقامته بدائرة مصر القديمة لمدة سنة. عارض، وقضي في معارضته باعتبارها كأن لم تكن. فاستأنف ومحكمة جنوب القاهرة الابتدائية (بهيئة استئنافية) قضت غيابياً بعدم قبول الاستئناف شكلاً للتقرير به بعد الميعاد. عارض، وقضي في معارضته بقبولها شكلاً ورفضها موضوعاً وتأييد الحكم المعارض فيه. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض .... إلخ.


المحكمة

من حيث إن الحكم المطعون فيه صدر من محكمة القاهرة الابتدائية منعقدة بهيئة استئنافية بتاريخ 15 من أكتوبر سنة 1975 قاضياً بقبول المعارضة شكلاً وفي الموضوع برفضها وتأييد الحكم المعارض فيه الذي قضى بعدم قبول استئناف الطاعن شكلاً للتقرير به بعد الميعاد، وكان الحكم الابتدائي قد دان الطاعن بوصف أنه سبق اتهامه لأسباب جدية في قضايا المخدرات وقضى بمنعه من الإقامة بدائرة قسم مصر القديمة لمدة سنة عملاً بالمادة 48 مكرراً من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1966 وقد قرر الأستاذ...... المحامي المقبول لدى المحكمة النقض بالطعن في الحكم بطريق النقض نيابة عن المحكوم عليه بمقتضى توكيل مرفق يجيز له ذلك وأودع في ذات التاريخ مذكرة بأسباب الطعن موقعاً عليها منه.
وحيث إن عقوبة المنع من الإقامة في مكان معين إعمالاً للمادة 48/ 2، 3 مكرراً من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1966 - هي نوع من التدابير الوقائية وهي عقوبة حقيقية رتبها القانون لفئة خاصة من الجناة وإن لم ترد في قانون العقوبات، بيد أنها ليست من العقوبات السالبة أو المقيدة للحرية التي نص عليها القانون. ومن ثم فقد أوجب المشرع حينئذ لقبول الطعن شكلاً - المقدم من غير النيابة العامة - إيداع الكفالة المنصوص عليها في المادة 36 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959. ولما كان يبين من مطالعة الأوراق أن الطاعن لم يودع خزانة المحكمة التي أصدرت الحكم مبلغ الكفالة المقررة في القانون ولم يحصل على قرار من لجنة المساعدة القضائية بإعفائه منها فإنه يتعين الحكم بعدم قبول الطعن شكلاً.

القضية 231 لسنة 20 ق جلسة 7 / 3 / 2004 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 60 ص 371

جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وإلهام نجيب نوار والدكتور عادل عمر شريف وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

-------------------

قاعدة رقم (60)
القضية رقم 231 لسنة 20 قضائية "دستورية"

(1) حراسة "ماهيتها: غايتها".
الحراسة هي تدبير قضائي مؤقت بطبيعته يقصد به التحفظ والوقاية، ويفرض لمصلحة المجتمع كله، بقصد تثبيت دعائم استقامة المسعى بين المواطنين، وشل حركة رأس المال عندما يتحرك صاحبه للإضرار بمصالح الوطن العليا.
(2) مدعي عام اشتراكي "الإشراف على أعمال الحراسة".
عهد القانون بالإشراف على أعمال الحراسة إلى المدعي الاشتراكي وأعطى لدائني الخاضع - يستوي في ذلك ذوي الديون العادية والممتازة - التوجه إلى جهة الحراسة مباشرة للمطالبة بديونهم. وجعل لكل ذي شأن التظلم من الحكم الصادر بفرض الحراسة.
(3) قضاء القيم "القاضي الطبيعي لفرض الحراسة وما يتمحض عنها".
في إطار التنظيم الذي وضعه المشرع للحراسة، نشأ قضاء القيم بوصفه القاض الطبيعي بالنسبة لفرض الحراسة وما يتمحض عنها من أوضاع، وذلك كجهة قضاء نوعي تختص دون غيرها بكل ما يتعلق بالحراسة. علة ذلك.
(4) وقف الخصومة "أنواعه - وقف بقوة القانون - تطبيق".
وقف الخصومة نظام إجرائي يعرفه قانون المرافعات في أحوال معينة من مراحل سير الخصومة، ويتنوع ما بين وقف وجوبي وآخر جوازي تقضي به المحكمة بما لها من سلطة تقديرية في إدارة العدالة بما يحقق حسن سيرها.
(5) حق التقاضي "تنظيمه تشريعياً. الحراسة تدبير مؤقت. دواعيه - مساواة".
لكل مواطن حق اللجوء إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعة الخصومة القضائية، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها، مهيأً للفصل فيها، وكان الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال سعيهم لرد العدوان على الحقوق التي يدعونها، بل يملكون الوسائل عينها في شأن طلب الحقوق ذاتها واقتضائها.
والتنظيم الإجرائي للخصومة بوقف سيرها يتفق وطبيعة الحراسة كتدبير مؤقت يقوم على غل يد الخاضع للحراسة عن إدارة أمواله توقياً لتهريبها أو اختلاسها أو إتلافها إضراراً بالدائنين وإضعافاً لضمانهم العام، وصوناً لجوهر مصالحهم التي ينافيها تزاحمهم فيما بينهم من خلال التسابق لتحصيل حقوقهم بطرق ووسائل بعيدة عن رقابة المدعي الاشتراكي الذي ينوب قانوناً عن الخاضع، ويحول دون إخراج الأموال الخاضعة للحراسة كلها أو بعضها من نطاقها على غير سند من القانون.

--------------------
1 - الحراسة - على ما يبين من نصوص القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب ومذكرته الإيضاحية - هي تدبير قضائي مؤقت بطبيعته يقصد به التحفظ والوقاية، ويفرض لمصلحة المجتمع كله، بقصد تثبيت دعائم استقامة المسعى بين المواطنين، وشل حركة رأس المال عندما يتحرك صاحبه للإضرار بمصالح الوطن العليا، وذلك في الحالات التي حددتها المادتان الثانية والثالثة من هذا القانون. وجامعها أنها تنصرف إلى أنواع من الأعمال من شأنها إلحاق الضرر بالوطن وأمنه وسلامته واستقرار نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبالحياة المطمئنة السليمة لأبنائه وعماله، وقيام دلائل جدية على ارتكاب الشخص لمثل هذه الجرائم الهدامة لمبادئ المجتمع وقيمه تستتبع أن يدرأ خطره بوضع ماله تحت رقابة المجتمع وإدارته، حماية للمجتمع من انحرافاته، ولمواجهة الحالات التي تلفت أنظار الناس بضخامة المال الحرام فيها، ولدرء المخاطر الجسيمة التي تحيق بأمن الوطن وسلامته.
2 - عهد القانون بالإشراف على أعمال الحراسة إلى المدعي الاشتراكي وأعطى لدائني الخاضع - يستوي في ذلك ذوى الديون العادية والممتازة - التوجه إلى جهة الحراسة مباشرة للمطالبة بديونهم، وذلك كأثر قانوني لإحلال إرادة الحارس محل إرادة الخاضع للحراسة، وحتى لا يكون التداعي وسيلة للحصول على أحكام يتم بمقتضى تنفيذها استرداد المال الخاضع للحراسة في غيبة عنها. وجعل لكل ذي شأن التظلم من الحكم الصادر بفرض الحراسة.
3 - في إطار التنظيم الذي وضعه المشرع للحراسة، نشأ قضاء القيم بوصفه القاض الطبيعي بالنسبة لفرض الحراسة وما يتمحض عنها من أوضاع، وذلك كجهة قضاء نوعي تختص دون غيرها طبقاً لأحكام القانون رقم 95 لسنة 1980 بكل ما يتعلق بالحراسة، وينعقد الاختصاص لمحكمة القيم بقصد تركيز المنازعات الخاصة بالحراسة وما يترتب عليها من اختصاص جهة قضائية واحدة بما يكفل سرعة الفصل ويحول دون تقطيع أوصال المنازعة بين جهات قضائية مختلفة قد تتناقض أحكامها.
4 - وقف الخصومة نظام إجرائي يعرفه قانون المرافعات في أحوال معينة من مراحل سير الخصومة، ويتنوع ما بين وقف وجوبي وآخر جوازي تقضي به المحكمة بما لها من سلطة تقديرية في إدارة العدالة بما يحقق حسن سيرها، ووقف الخصومة على هذا النحو هو حالة تطرأ عليها تدخل بها في حالة ركود تستبعد أي نشاط حتى ينتهي، وهو هنا وقف بقوة القانون يتحقق بمجرد توافر سببه ويترتب عليه أثران هامان: الأول: أن الخصومة - رغم الوقف - تعتبر قائمة، ولهذا فإن آثار المطالبة القضائية تظل كما هي، وبصفة خاصة الآثار الإجرائية. الثاني: أن الخصومة - رغم قيامها - تعتبر راكدة، بمعنى أنه لا يجوز القيام بأي عمل من أي شخص، وإذا تم مثل هذا العمل فإنه يعتبر باطلاً، وإذا كانت هناك مواعيد إجرائية لم تبدأ فإنها لا تبدأ أثناء الوقف، وإذا كان الميعاد قد بدأ قبل الوقف ولم ينته، فإنه يقف ويستأنف سريانه بعد انتهاء الوقف.
5 - لكل مواطن حق اللجوء إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعة الخصومة القضائية، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها، مهيأً للفصل فيها، وكان الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال سعيهم لرد العدوان على الحقوق التي يدعونها، بل يملكون الوسائل عينها في شأن طلب الحقوق ذاتها واقتضائها والتنظيم الإجرائي للخصومة بوقف سيرها يتفق وطبيعة الحراسة كتدبير مؤقت يقوم على غل يد الخاضع للحراسة عن إدارة أمواله توقياً لتهريبها أو اختلاسها أو إتلافها إضراراً بالدائنين وإضعافاً لضمانهم العام، وصوناً لجوهر مصالحهم التي ينافيها تزاحمهم فيما بينهم من خلال التسابق لتحصيل حقوقهم بطرق ووسائل بعيدة عن رقابة المدعي الاشتراكي الذي ينوب قانوناً عن الخاضع، ويحول دون إخراج الأموال الخاضعة للحراسة كلها أو بعضها من نطاقها على غير سند من القانون، لتظل وديعة عند الأمين عليها يبذل في رعايتها العناية التي يبذلها الشخص المعتاد، ثم يردها - مع غلتها المقبوضة - إلى ذويها بعد استيفاء الحراسة لأغراضها بما مؤداه أن الحراسة وما يترتب عليها من وقف المطالبات والدعاوى - بالنظر إلى طبيعتها ومداها - لا تعدو أن تكون إجراء تحفظياً لا تنفيذياً، وأن الخطر العاجل الذي يقتضيها يعتبر شرطاً موضوعياً متطلباً لفرضها، وأن صفتها الوقتية تحول دون استمرارها بعد زوال مبرراتها.


الإجراءات

بتاريخ السابع عشر من ديسمبر سنة 1998، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (20) من القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليه الرابع كان قد اشترى من المدعي العقار الكائن بمدينة برج العرب بالإسكندرية بموجب عقد البيع المؤرخ 22/ 12/ 1992 بثمن قدره 21500 جنيه، سدد منها مبلغ 8000 جنيه والباقي على أقساط، وبحلول أجلها طالب المدعي بسدادها، وإزاء عدم السداد فقد أقام الدعوى رقم 3469 لسنة 1998 مدني كلي أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية، بطلب فسخ عقد البيع لعدم سداد باقي الثمن، وأثناء نظر هذه الدعوى طالب المدعى عليه الثالث بوقفها تعليقاً لحين انقضاء الحراسة المفروضة على المدعى عليه الرابع وأولاده البالغين والقصر ومنعهم من التصرف في أموالهم العقارية والمنقولة، بموجب الحكم الصادر من محكمة القيم بجلسة 6/ 7/ 1996 في الدعوى رقم 19 لسنة 26 قيم حراسات، مما حدا بالمدعي إلى الدفع بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 20 من القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع وصرحت للمدعي برفع دعواه الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 20 من القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب تنص على أنه "إذا حكم بفرض الحراسة على جميع أموال الخاضع ترتب على ذلك الحكم وقف المطالبات والدعاوى المتعلقة بالأموال المفروض عليها الحراسة، ولا يجوز استئناف السير فيها إلا إذا انقضت الحراسة دون مصادرة...".
وحيث إن المدعي ينعى على النص المشار إليه إخلاله بحق التقاضي المكفول للناس جميعاً، لإرهاقه بقيود لا يقتضيها تنظيمه تتمثل في وقف الدعاوى حماية للخاضع للحراسة. وكذا عدوانه على حق الملكية بتعطيل البائع عن استخدام حقه في دعوى الفسخ التي يكفلها له القانون المدني، كما ينطوي كذلك على إخلاله بالمساواة بينه وبين من هم في مثل مركزه القانوني من البائعين لشخص غير خاضع للحراسة، وهو ما يجعل هذا النص مخالفاً أحكام المواد (34 و40 و68 و165 و166) من الدستور.
وحيث إن الحراسة - على ما يبين من نصوص القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب ومذكرته الإيضاحية - هي تدبير قضائي مؤقت بطبيعته يقصد به التحفظ والوقاية، ويفرض لمصلحة المجتمع كله، بقصد تثبيت دعائم استقامة المسعى بين المواطنين، وشل حركة رأس المال عندما يتحرك صاحبه للإضرار بمصالح الوطن العليا، وذلك في الحالات التي حددتها المادتان الثانية والثالثة من هذا القانون. وجامعها أنها تنصرف إلى أنواع من الأعمال من شأنها إلحاق الضرر بالوطن وأمنه وسلامته واستقرار نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبالحياة المطمئنة السليمة لأبنائه وعماله، وقيام دلائل جدية على ارتكاب الشخص لمثل هذه الجرائم الهدامة لمبادئ المجتمع وقيمه تستتبع أن يدرأ خطره بوضع ماله تحت رقابة المجتمع وإدارته، حماية للمجتمع من انحرافاته، ولمواجهة الحالات التي تلفت أنظار الناس بضخامة المال الحرام فيها، ولدرء المخاطر الجسيمة التي تحيق بأمن الوطن وسلامته. وقد عهد القانون بالإشراف على أعمال الحراسة إلى المدعي الاشتراكي وأعطى لدائني الخاضع - يستوي في ذلك ذوي الديون العادية والممتازة - التوجه إلى جهة الحراسة مباشرة للمطالبة بديونهم، وذلك كأثر قانوني لإحلال إرادة الحارس محل إرادة الخاضع للحراسة، وحتى لا يكون التداعي وسيلة للحصول على أحكام يتم بمقتضى تنفيذها استرداد المال الخاضع للحراسة في غيبة عنها. وجعل لكل ذي شأن التظلم من الحكم الصادر بفرض الحراسة.
وفي إطار التنظيم الذي وضعه المشرع للحراسة، نشأ قضاء القيم بوصفه القاض الطبيعي بالنسبة لفرض الحراسة وما يتمحض عنها من أوضاع، وذلك كجهة قضاء نوعي تختص دون غيرها طبقاً لأحكام القانون رقم 95 لسنة 1980 بكل ما يتعلق بالحراسة، وينعقد الاختصاص لمحكمة القيم بقصد تركيز المنازعات الخاصة بالحراسة وما يترتب عليها من اختصاص جهة قضائية واحدة بما يكفل سرعة الفصل ويحول دون تقطيع أوصال المنازعة بين جهات قضائية مختلفة قد تتناقض أحكامها.
وحيث إن النص الطعين وقد قضى بوقف المطالبات والدعاوى المتعلقة بالأموال المفروض عليها الحراسة، ولم يجز استئناف السير فيها إلا إذا انقضت الحراسة دون مصادرة. وكان وقف الخصومة نظاماً إجرائياً يعرفه قانون المرافعات في أحوال معينة من مراحل سير الخصومة، ويتنوع ما بين وقف وجوبي وآخر جوازي تقضي به المحكمة بما لها من سلطة تقديرية في إدارة العدالة بما يحقق حسن سيرها، ووقف الخصومة على هذا النحو هو حالة تطرأ عليها تدخل بها في حالة ركود تستبعد أي نشاط حتى ينتهي، وهو هنا وقف بقوة القانون يتحقق بمجرد توافر سببه ويترتب عليه أثران هامان: الأول: أن الخصومة - رغم الوقف - تعتبر قائمة، ولهذا فإن آثار المطالبة القضائية تظل كما هي، وبصفة خاصة الآثار الإجرائية. الثاني: أن الخصومة - رغم قيامها - تعتبر راكدة، بمعنى أنه لا يجوز القيام بأي عمل من أي شخص، وإذا تم مثل هذا العمل فإنه يعتبر باطلاً، وإذا كانت هناك مواعيد إجرائية لم تبدأ فإنها لا تبدأ أثناء الوقف، وإذا كان الميعاد قد بدأ قبل الوقف ولم ينته، فإنه يقف ويستأنف سريانه بعد انتهاء الوقف.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن لكل مواطن حق اللجوء إلى قاض يكون بالنظر إلى طبيعة الخصومة القضائية، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها، مهيأً للفصل فيها، وكان الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال سعيهم لرد العدوان على الحقوق التي يدعونها، بل يملكون الوسائل عينها في شأن طلب الحقوق ذاتها واقتضائها؛ وكان النص المطعون فيه لا يتضمن افتئاتاً على حق دائني الخاضع للحراسة في اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي، وهو قضاء القيم، فإن إدعاء مخالفته لنص المادة (68) من الدستور، يكون لغواً، سيما وأنه لا تناقض بين حق التقاضي كحق دستوري أصيل، وبين تنظيمه تشريعياً، طالما أن المشرع لم يتخذ من هذا التنظيم وسيلة لإهدار هذا الحق أو إعناته، وأن التنظيم الإجرائي للخصومة بوقف سيرها يتفق وطبيعة الحراسة كتدبير مؤقت يقوم على غل يد الخاضع للحراسة عن إدارة أمواله توقياً لتهريبها أو اختلاسها أو إتلافها إضراراً بالدائنين وإضعافاً لضمانهم العام، وصوناً لجوهر مصالحهم التي ينافيها تزاحمهم فيما بينهم من خلال التسابق لتحصيل حقوقهم بطرق ووسائل بعيدة عن رقابة المدعي الاشتراكي الذي ينوب قانوناً عن الخاضع، ويحول دون إخراج الأموال الخاضعة للحراسة كلها أو بعضها من نطاقها على غير سند من القانون، لتظل وديعة عند الأمين عليها يبذل في رعايتها العناية التي يبذلها الشخص المعتاد، ثم يردها - مع غلتها المقبوضة - إلى ذويها بعد استيفاء الحراسة لأغراضها بما مؤداه أن الحراسة وما يترتب عليها من وقف المطالبات والدعاوى - بالنظر إلى طبيعتها ومداها - لا تعدو أن تكون إجراء تحفظياً لا تنفيذياً، وأن الخطر العاجل الذي يقتضيها يعتبر شرطاً موضوعياً متطلباً لفرضها، وأن صفتها الوقتية تحول دون استمرارها بعد زوال مبرراتها، ومن ثم فإن النص الطعين لا يعزل المحاكم عن نظر نزاع بعينه، ولا يصادر الحق في التقاضي، ولا يخرج عن أن يكون تنظيماً فاعلاً لإدارة سير العدالة بما يحقق مصلحة عامة مشروعة.
وحيث إن النص الطعين قد ساوى بين المدعي ومن هو في مثل مركزه القانوني، ولم يمايز بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي في نطاق القواعد الإجرائية أو الموضوعية فإنه لا يكون قد انطوى على ثمة إخلال بمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (40) من الدستور.
وحيث إنه بالنسبة للنعي على النص المطعون فيه مساسه بحق الملكية والحماية الواجبة لها طبقاً لنص المادة (34) من الدستور، فإنه مردود بأن ما تضمنه النص الطعين هو مجرد ترتيب إجرائي لا يمس جوهر الحق، وإنما ينظم الحصول عليه. كما أن قصر المطالبات والدعاوى خلال مدة فرض الحراسة على جهة قضاء القيم وحدها يحول دون تشعبها وتناقض الأحكام القضائية الصادرة بشأنها، ومن ثم فإن النعي عليه بمخالفة المادة (34) من الدستور يكون منتحلاً.
وحيث إن النص الطعين لا يخالف أحكام الدستور من أوجه أخرى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 149 لسنة 20 ق جلسة 7 / 3 / 2004 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 59 ص 367

جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وبحضور السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي والدكتور عادل عمر شريف. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

----------------

قاعدة رقم (59)
القضية رقم 149 لسنة 20 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "حجية الحكم فيها - عدم قبول الدعوى".
سابقة الحكم برفض الطعن على النص الطعين - حجيته مطلقة - عدم قبول الدعوى.

-----------------
سبق للمحكمة الدستورية العليا أن حسمت المسألة الدستورية المثارة ولذات المناعي الشكلية والموضوعية التي أثارها المدعي في الطعن الماثل بحكمها الصادر بجلسة 14/ 4/ 2002 في القضية رقم 203 لسنة 20 قضائية دستورية، حيث قضت برفض الدعوى لموافقة النص لأحكام الدستور. وإذ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد (17) تابع الصادر بتاريخ 27/ 4/ 2002، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإن الدعوى الماثلة تكون غير مقبولة.


الإجراءات

بتاريخ الرابع عشر من يوليو سنة 1998، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلباً للحكم بعدم دستورية المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى واحتياطياً رفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي في "الدعوى الماثلة" وآخرين أقاموا الدعوى رقم 15645 لسنة 1997 إيجارات شمال القاهرة على المدعى عليهما الرابع والخامس بطلب الحكم بإخلائهما من عين النزاع المبينة بصحيفة تلك الدعوى بصفتيهما ورثة المستأجر الأصلي لإخلاله بشروط التعاقد ومخالفة القانون ولانتهاء عقد الإيجار مع تسليمهم العين خالية، على سند من أن مورثة المدعى عليهما استأجرت عين النزاع وتركتها لزوجها دون موافقة المالك، وكذا لصدور حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977 التي كانت تنص على الامتداد القانوني لورثة المستأجر الأصلي، ومن ثم فقد انتهى عقد إيجار مورث المدعى عليهما، وبجلسة 29/ 4/ 1998 دفع المدعي بعدم دستورية المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع فأجلت نظر الدعوى لجلسة 10/ 6/ 1998 لاتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية، وبتلك الجلسة طلب أجلاً للقرار السابق، فتأجلت لجلسة 5/ 7/ 1998 فأقام الدعوى الدستورية بتاريخ 14/ 7/ 1998 على النحو سالف البيان ناعياً على النص الطعين مخالفته للمواد (7، 32، 34، 40، 41) من الدستور.
وحيث إنه سبق لهذه المحكمة، أن حسمت المسألة الدستورية المثارة ولذات المناعي الشكلية والموضوعية التي أثارها المدعي في الطعن الماثل بحكمها الصادر بجلسة 14/ 4/ 2002 في القضية رقم 203 لسنة 20 قضائية دستورية، حيث قضت برفض الدعوى لموافقة النص لأحكام الدستور. وإذ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد (17) تابع الصادر بتاريخ 27/ 4/ 2002، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإن الدعوى الماثلة تكون غير مقبولة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 125 لسنة 20 ق جلسة 7 / 3 / 2004 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 58 ص 364

جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وبحضور السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي والدكتور عادل عمر شريف. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

--------------

قاعدة رقم (58)
القضية رقم 125 لسنة 20 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "حجية الحكم فيها - عدم قبول الدعوى".
سابقة الحكم برفض الطعن على دستورية النص الطعين - حجيته مطلقة - عدم قبول الدعوى.

-------------------
سبق للمحكمة الدستورية العليا أن حسمت المسألة الدستورية بالنسبة لنص الفقرة السادسة من المادة الثالثة من القانون رقم 6 لسنة 1997 محل الطعن الماثل، بحكمها الصادر بجلسة 11/ 5/ 2003 في القضية رقم 14 لسنة 21 قضائية "دستورية"، حيث قضت برفض الطعن عليه، ونشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد 22 (تابع) الصادر بتاريخ 29/ 5/ 2003، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإن الدعوى الماثلة تكون غير مقبولة.


الإجراءات

بتاريخ الخامس عشر من يونيو سنة 1998، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من القانون رقم 6 لسنة 1997 بشأن تعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليه الرابع "في الدعوى الماثلة" سبق وأن أقام الدعوى رقم 4398 لسنة 1997 إيجارات كلي الزقازيق، ضد المدعي "في الدعوى الماثلة" طالباً الحكم بإخلاء العين المؤجرة له لغير أغراض السكنى، لامتناعه عن سداد الأجرة والزيادة القانونية المنصوص عليها بالمادة الثالثة من القانون رقم 6 لسنة 1997. وأثناء نظر الدعوى دفع المدعى عليه بعدم دستورية القانون رقم 6 لسنة 1997 فيما تضمنه من زيادة سنوية بصفة دورية بنسبة 10% من قيمة آخر أجرة قانونية، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له برفع الدعوى الدستورية فقد أقامها.
وحيث إنه سبق لهذه المحكمة، أن حسمت المسألة الدستورية بالنسبة لنص الفقرة السادسة من المادة الثالثة من القانون رقم 6 لسنة 1997 محل الطعن الماثل، بحكمها الصادر بجلسة 11/ 5/ 2003 في القضية رقم 14 لسنة 21 قضائية "دستورية"، حيث قضت برفض الطعن عليه، ونشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد 22 (تابع) الصادر بتاريخ 29/ 5/ 2003، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإن الدعوى الماثلة تكون غير مقبولة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعي بالمصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.


أصدرت المحكمة الدستورية العليا بذات الجلسة حكماً مماثلاً في القضية رقم 146 لسنة 21 قضائية "دستورية".

القضية 91 لسنة 20 ق جلسة 7 / 3 / 2004 دستورية عليا مكتب فني 11 ج 1 دستورية ق 57 ص 360

جلسة 7 مارس سنة 2004

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي - رئيس المحكمة وبحضور السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي والدكتور عادل عمر شريف. وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما - رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن - أمين السر.

---------------

قاعدة رقم (57)
القضية رقم 91 لسنة 20 قضائية "دستورية"

دعوى دستورية "حجية الحكم فيها - عدم قبول الدعوى".
سابقة الحكم برفض الطعن على دستورية النص الطعين - حجيته مطلقة - عدم قبول الدعوى.

-----------------
سبق للمحكمة الدستورية العليا أن حسمت المسألة الدستورية المثارة ولذات المناعي الشكلية والموضوعية التي أثارها المدعون في الطعن الماثل بالنسبة للنصين سالفي البيان، بحكمها الصادر بجلسة 14/ 4/ 2002 في القضية رقم 203 لسنة 20 قضائية "دستورية"، حيث قضت برفض الدعوى لموافقة النصين لأحكام الدستور. وإذ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد 17 (تابع) الصادر بتاريخ 27/ 4/ 2002، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإن الدعوى الماثلة تكون غير مقبولة.


الإجراءات

بتاريخ التاسع والعشرين من إبريل سنة 1998، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبين الحكم بعدم دستورية المادتين الأولى والخامسة من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعين (في الدعوى الماثلة) كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 3867 لسنة 1997 إيجارات أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية ضد المدعى عليهم رابعاً "في الدعوى المعروضة"، بطلب الحكم بطردهم من المحل التجاري موضوع عقد الإيجار المؤرخ 1/ 6/ 1973 والمؤجر لمورثهم، وذلك لانتهاء مدة العقد ولوفاة المستأجر الأصلي، واستندوا في ذلك لنصوص المواد (558، 598، 601، 602) من القانون المدني وبجلسات المرافعة (طلب المدعى عليهم رابعاً) رفض الدعوى تأسيساً على حكم المادة الأولى والخامسة من القانون رقم 6 لسنة 1997 التي تقرر الامتداد القانوني لعقد إيجار الأماكن غير السكنية، وأثناء نظر الدعوى دفع المدعون بعدم دستورية نص المادتين سالفتي الذكر، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وصرحت للمدعين برفع الدعوى الدستورية فقد أقاموها ناعين على نص المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 مخالفته لنصوص المواد (2، 7، 32، 34) من الدستور ومخالفة المادة الخامسة من القانون سالف البيان لنص المادة (187) من الدستور.
وحيث إنه سبق لهذه المحكمة، أن حسمت المسألة الدستورية المثارة ولذات المناعي الشكلية والموضوعية التي أثارها المدعون في الطعن الماثل بالنسبة للنصين سالفي البيان، بحكمها الصادر بجلسة 14/ 4/ 2002 في القضية رقم 203 لسنة 20 قضائية "دستورية"، حيث قضت برفض الدعوى لموافقة النصين لأحكام الدستور. وإذ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بالعدد 17 (تابع) الصادر بتاريخ 27/ 4/ 2002، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته، فإن الدعوى الماثلة تكون غير مقبولة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعين المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الطعن 1396 لسنة 49 ق جلسة 13 / 1 / 1980 مكتب فني 31 ق 12 ص 61

جلسة 13 من يناير سنة 1980

برئاسة السيد المستشار محمد عادل مرزوق نائب رئيس المحكمة؛ وعضوية السادة المستشارين: أحمد فؤاد جنينة، ومحمد حلمي راغب، وأحمد محمود هيكل، ومحمد محمود عمر.

---------------

(12)
الطعن رقم 1396 لسنة 49 القضائية

(1) إجراءات. "إجراءات المحاكمة". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". استئناف. "نظره والحكم فيه". محكمة استئنافية (1).
سؤال المتهم عن تهمته. واجب أمام محكمة أول درجة فحسب. وهو إجراء تنظيمي لا يترتب البطلان على إغفاله.
(2) محضر الجلسة. محكمة استئنافية. استئناف. نظره "والحكم فيه". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن ما لا يقبل منها".
النعي على المحكمة قعودها عن الرد على دفاع لم يثر أمامها. لا يقبل.
خلو محضر الجلسة من إثبات دفاع الطاعن كاملاً. لا يعيب الحكم. إذ كان عليه أن يتمسك بإثباته فيه.
(3) حكم. "ما لا يعيبه". "بيانات الديباجة". نقض. "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
الخطأ في ديباجة الحكم لا يعيبه. علة ذلك. مثال.

-------------------
1 - من المقرر أن سؤال المتهم عن تهمته ليس واجباً إلا أمام محكمة أول درجة، أما لدى الاستئناف فالقانون لم يوجب هذا السؤال، وهو - بعد - من الإجراءات التنظيمية التي لا يترتب البطلان على إغفالها.
2 - متى كان الطاعن لا يدعي بأن المحكمة قد منعته من إبداء دفاعه فإنه لا يعيب الحكم خلو محضر الجلسة من إثبات دفاعه كاملاً إذ كان عليه إن كان يهمه تدوينه أن يطلب صراحة إثباته في المحضر. لما كان ذلك، وكان البين من محضر جلسة المعارضة الاستئنافية أن الطاعن لم يبد عذراً لتجاوزه ميعاد الاستئناف وقد خلت الأوراق من الشهادة المرضية التي يدعي بوجه الطعن تقديمها دليلاً على عذره، ومن ثم فليس له أن ينعى على المحكمة الاستئنافية قعودها عن الرد على دفاع لم يثره أمامها وإعراضها عن دليل لم يطرحه عليها.
3 - لئن كان البين من الحكم الغيابي الاستئنافي أنه قد ورد خطأ بديباجته أن محكمة أول درجة قضت غيابياً بالعقوبة في 14/ 3/ 1977 في حين أن هذا التاريخ هو تاريخ صدور الحكم المستأنف الصادر في المعارضة باعتبارها كأن لم تكن، غير أنه لما كان الثابت من الحكم الغيابي الاستئنافي أن الطاعن قرر باستئناف الحكم المستأنف في 28/ 3/ 1977 بعد فوات الميعاد المقرر قانوناً محسوباً من تاريخ صدور الحكم في المعارضة الابتدائية، وقضاؤه بذلك سليم، وكان من المقرر أن الخطأ في ديباجة حكم لا يعيبه لأنه خارج عن موضوع استدلاله، وكان ما وقع من خطأ بديباجة الحكم الغيابي الاستئنافي على النحو المتقدم بيانه لا يعدو أن يكون خطأ مادياً لا أثر له في النتيجة التي انتهى إليها، فإن منعى الطاعن في هذا الخصوص لا يكون له محل.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه بدد المحجوزات المبينة الوصف والقيمة بالمحضر والمحجوز عليها قضائياً لصالح....... والتي سلمت إليه على سبيل الوديعة لحراستها وتقديمها في اليوم المحدد للبيع فاختلسها لنفسه إضراراً بالدائن الحاجز. وطلبت عقابه بالمادتين 341، 342 من قانون العقوبات. ومحكمة مركز فارسكور الجزئية قضت غيابياً عملاً بمادتي الاتهام بحبس المتهم شهرين مع الشغل وكفالة مائتي قرش لإيقاف التنفيذ فعارض وقضي في معارضته باعتبارها كأن لم تكن. فاستأنف، ومحكمة دمياط الابتدائية (بهيئة استئنافية) قضت غيابياً بعدم قبول الاستئناف شكلاً لرفعه بعد الميعاد. فعارض وقضي في معارضته بقبولها شكلاً وفي الموضوع برفضها وتأييد الحكم المعارض فيه. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بقبول المعارضة الاستئنافية شكلاً ورفضها موضوعاً وتأييد الحكم الغيابي المعارض فيه الصادر بعدم قبول الاستئناف شكلاً قد شابه بطلان في الإجراءات وقصور في التسبيب، ذلك بأن المحكمة الاستئنافية لم تواجه الطاعن بالتهمة المسندة إليه ولم تثبت دفاعه بمحضر الجلسة. هذا إلى أن الحكم لم يعرض للشهادة المرضية المقدمة من الطاعن تبريراً لتجاوزه ميعاد الاستئناف واعتنق أسباب الحكم الغيابي الاستئنافي رغم ما وقع بديباجته من خطأ في تاريخ الحكم الغيابي الابتدائي.
وحيث إنه لما كان من المقرر أن سؤال المتهم عن تهمته ليس واجباً إلا أمام محكمة أول درجة، أما لدى الاستئناف فالقانون لم يوجب هذا السؤال، وهو - بعد - من الإجراءات التنظيمية التي لا يترتب البطلان على إغفالها، ولما كان الطاعن لا يدعي بأن المحكمة قد منعته من إبداء دفاعه فإنه لا يعيب الحكم خلو محضر الجلسة من إثبات دفاعه كاملاً إذ كان عليه إن كان يهمه تدوينه أن يطلب صراحة إثباته في المحضر. لما كان ذلك، وكان البين من محضر جلسة المعارضة الاستئنافية أن الطاعن لم يبد عذراً لتجاوزه ميعاد الاستئناف وقد خلت الأوراق من الشهادة المرضية التي يدعي بوجه الطعن تقديمها دليلاً عن عذره ومن ثم فليس له أن ينعى على المحكمة الاستئنافية قعودها عن الرد على دفاع لم يثره أمامها وإعراضها عن دليل لم يطرحه عليها. لما كان ذلك، ولئن كان البين من الحكم الغيابي الاستئنافي أنه قد ورد خطأ بديباجته أن محكمة أول درجة قضت غيابياً بالعقوبة في 14/ 3/ 1977 في حين أن هذا التاريخ هو تاريخ صدور الحكم المستأنف الصادر في المعارضة باعتبارها كأن لم تكن، غير أنه لما كان الثابت من الحكم الغيابي الاستئنافي أن الطاعن قرر باستئناف الحكم المستأنف في 28/ 3/ 1977 بعد فوات الميعاد المقرر قانوناً محسوباً من تاريخ صدور الحكم في المعارضة الابتدائية، وقضاؤه بذلك سليم، وكان من المقرر أن الخطأ في ديباجة الحكم لا يعيبه لأنه خارج عن موضوع استدلاله، وكان ما وقع من خطأ بديباجة الحكم الغيابي الاستئنافي على النحو المتقدم بيانه لا يعدو أن يكون خطأ مادياً لا أثر له في النتيجة التي انتهى إليها، فإن منعى الطاعن في هذا الخصوص لا يكون له محل. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.


(1) المبدأ ذاته مقرر في الطعن رقم 575 لسنة 51 ق جلسة 11/ 11/ 1981.

حكم ختان الإناث والمساعدة على فعله

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
تاريخ الفتوى: 15 مايو 2022 م
رقم الفتوى: 6711
التصنيف: جنايات وأقضية
السؤال:

سائل يسأل عن حكم الشرع في ختان الإناث، وهل يأثم الطبيب الذي يقوم به؟
الجواب:

ختان الإناث مُحرَّمٌ شرعًا ومُجَرَّمٌ قانونًا؛ فلا يجوز لأولياء الأمور الإقدام على ختان بناتهم؛ لثبوت ضرره الطبِّي والنفسي الجسيم بشهادة الأطباء، وكذلك يحْرُم الإقدام على ممارسته من الطبيب أو الإعانة عليه إلَّا في حالات الضرورة المرضية التي حَدَّدها القانون.التفاصيل....



بيان المقصود بختان الإناث

ختان الإناث مسألة طبية يُنظر إليها من جانب الوجود؛ لارتباطه بصحة المرأة الجسدية والنفسية، وجانب الوحي فيها لم يَرِد إلا على جهة تنظيمه وبيان ماهيَّتِهِ تخفيفًا لِبَلْوَتِهِ، لا الأمرِ بِهِ أو استحسان صَنعَتِهِ:

فأما جانب الوجود المنظور: فختان الأنثى هو إجراء يتعلق بجسدها الذي أوجب الله تعالى رعايته والحفاظ عليه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]؛ وأباح من أجل ذلك كل ما يضمن سلامته؛ كالاغتذاء والتداوي، وحرَّم كل ما يؤول إلى تضرّره؛ كالتغيير فيه، أو الإيلام من غير ضرورة، أو حاجة تنزل منزلتها.

وإذا كانت عملية الختان عبارة عن قطعٍ كليّ أو جزئيّ أو شقٍّ لجزءٍ من جسد المرأة هو منها بمثابة عضوٍ له وظيفته؛ فإنه يلزم لإجرائها الرجوع إلى ما يُقَرِّره أهل الطب المختصون، باعتبارهم أهل الذكر والخبراء فيما يتعلق بصحة الجسد البشري والتعامل فيه؛ ذلك أنَّ الشريعة المحكَمة أناطت المعرفة الصحيحة بالرجوع إلى أهلها، فلا يسوغ في هذا الأمر إلا سؤالُهُم؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، واستطلاعُ الآثار المترتبة، والوقوفُ على الأضرار أو المنافع المتوقَّعة بإنبائهم؛ بما خُوِّل لهم في هذا المجال ما لم يُخَوَّل لغيرهم، من خلال دراستهم وممارستهم وخبرتهم؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 14].

وكما هو مستفاد من صياغة الآية الكريمة: فإنَّ مجرد الإنباء لا يتحقق به المطلوب من العلم الذي تنبني عليه الأحكام حتى يكون من خبيرٍ بما ينبئ عنه؛ حتى يجمع إلى صفة الصدق ومطابقة الواقع صفة الخبرة والتخصص.

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُراعي قواعد الطب فيما يتعلق بصحة جسده؛ فكان يعادل -مثلًا- في تناول الأطعمة بما يحدّ من ضررها؛ قال العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية" (2/ 164، ط. المكتبة التوفيقية): [وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب] اهـ.
النهي عن ختان الإناث وبيان مخاطره

قرر الفقهاء ضرورة الرجوع إلى الأطباء في كثير من المسائل الفقهية التي تتعلق بالجسد البشري كلٌّ في تخصصه؛ فَبَنَوُا الكثير من أحكامهم فيها على ما وصل إليه السقف المعرفي في العلوم الطبية، ومن ذلك ما قاله الإمام الشافعي في "الأم" (1/ 16، ط. دار المعرفة) في سياق الكلام عن كراهة الوضوء بالماء المشَمَّس: [ولا أكرهه إلَّا مِن جهة الطِّب] اهـ.

وإنفاذًا لهذا المنهج الشرعي المحكم: فقد أفاد الخبراء أنَّ لختان الإناث بأنواعه المختلفة مخاطر كثيرة؛ منها ما هو قصير المدى؛ كالألم المفرط، أو حدوث نزيف حاد، أو التهابات شديدة، ومنها ما هو طويل المدى؛ كحدوث ضيق أو انسداد في مجرى البول، أو صعوبة في خروج دم الحيض، أو الألم البالغ أثناء العلاقة الزوجية مما يُسَبِّب للمرأة مشاكل نفسية واجتماعية، وقد يصل ما للختان من ضرر إلى حدّ تأخير الولادة الطبيعية وصعوبتها ممَّا قد يؤدي إلى وفاة الأم أو الطفل. وذلك حسبما أفادت "الموسوعة البريطانية".

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"؛ فمتى ثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصي والأسري، دون أدنى فائدة مرجوة تعود عليها بالمسرة، أو على زوجها بالحظوة، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُفَوِّت كمال الانتفاع، ببتر محلِّ لذة الجماع، ويطفئ النضارة والسرور، لِتَحِلَّ الكآبةُ ويحصل النُّفور؛ وجب حينئذٍ القول بتحريمه واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة.
الأحاديث الواردة في الأمر بختان الإناث وبيان المقصود منها

أما جانب الوحي المسطور: فما رُوي في الختان من أحاديث -إن صحت- إنما يُستدلّ بها على عظيمِ حرص الشريعة الإسلامية على حماية جسد المرأة وصيانته عن العبث به والتمثيل بخِلقته، وعِظَمِ جريمة التعدي عليه والتنكيل به، ووجوبِ تقييد هذا الفعل ما أمكن، لا مشروعيته أو الأمر به.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم عطية حين سألته عن الختان: «إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تَنْهِكِي؛ فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أخرجه الطبراني في "المعجم"، والبيهقي في "السنن".

وعن أمِّ عطيةَ الأنصارية رضي الله عنها: أن امرأةَ كانَت تَخْتُنُ بالمدينةِ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَنْهِكِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ، وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ» أخرجه أبو داود في "سننه"، وقال: هذا حديث ضعيف.

فهذا الفعل وإن لم يأت النصُّ النبويُّ بالنهي عنه مباشرةً؛ مراعاةً لما جرت به الأعراف المستقرة، إلا أنه جاء بتقييده إلى الحدّ الذي يتضمن النهي عنه.

ومن هذا البيان يمكن القول بأنَّ المسلك الذي اختاره التشريع الإسلامي في النهي عن ختان الإناث بتقييده إلى الحدّ الذي يوصّل إلى تركه، دون التصريح بالنهي المباشر عنه، رعايةً منه للعادات والأعراف المجتمعية المستقرة، هو ذات المسلك الذي اختاره في تحريم الرق بتجفيف المنابع، والحث على العتق لكل رقيقٍ تابع.

وعلى هذا الفَهم تواردت نصوص الفقهاء: فنَصُّوا على أنَّ ما ورد في الختان من رواياتٍ لا يصحّ الاستدلال بها على مشروعيته.

قال الإمام الشوكاني في مناقشته لأحاديث ختان الإناث في "نيل الأوطار" (1/ 191، ط. دار الحديث): [ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به، فهو لا حُجَّةَ فيه على المطلوب] اهـ.

وقال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود" (14/ 126، ط. دار الكتب العلمية): [وحديث ختان المرأة رُوي من أوجُهٍ كثيرة، وكلها ضعيفةٌ معلولةٌ مخدوشةٌ لا يصح الاحتجاج به] اهـ.

كما لا يصح الاستدلال على مشروعية الختان للإناث بما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» وذلك فيما أخرجه أبو يوسف في "الآثار"، والشافعي وأحمد في "المسند"، وعبد الرزاق الصنعاني وابن أبي شيبة في "المصنف".

وبيان ذلك: أنَّ التعبير عن مختلِفَيْن باسمِ الغالِب منهما إذا كان بين مَدْلُولَيْهِمَا عُلْقَةٌ أَو اختلاط؛ هو في اللغة العربية من باب التغليب، ومن ذلك: قولهم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: العمران، والأب والأم: الأبوان، والتمر واللبن: الأسودان، والشمس والقمر: القمران.

قال العلامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (1/ 333، ط. دار الكتب العلمية): [فذكر الختانين بطريق التغليب؛ كالعمرين والقمرين] اهـ.

فغاية الأمر في ختان الإناث أنه من العادات التي انتشر فعلها في بعض المجتمعات دون بعض؛ ظنًّا منهم أنَّ فيه صيانةً للمرأة ونفعًا لها؛ حتى إن كثيرًا من البلدان الإسلامية لا تعرف الختان ولا تفعله؛ كبلاد الخليج العربي، والشمال الأفريقي، وكثير من أهل مصر، ومن هنا نجد الفقهاء حين ذكروه فرَّقوا بين نساء المشرق والمغرب، فدلَّ هذا على أنَّ المسألة مرتبطة بجانب الوجود (أي: الحقائق الطبية، والرصد والتتبع).

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (1/ 333): [وفي "الدراية": ذكر الختانين بناءً على عادة العرب؛ فإنهم يختنون النساء] اهـ.

وقال العلامة أبو الحسن العدوي في "حاشيته على كفاية الطالب" (1/ 596، ط. دار الفكر): [وهو في نساء المشرق، لا نساء المغرب] اهـ.
مراعاة العرف في الأحكام الشرعية وأثره في الفتوى

نصَّ المُحَقِّقُون من فقهاء المذهب على أنَّه لو طرأ عرفٌ جديد في زمان دون زمان فللمفتي أن يفتي بما يناسب زمانه ولو خالف المنصوص في كتب مذهبه، وأنَّ المتأخرين الذين خالفوا المنصوص عليه في كتب مَن سبقهم لم يفعلوا ذلك إلا لتغيرِ العرف تبعًا لتغير الزمان، ولِعِلْمِهِم أن هؤلاء السابقين لهم لو كانوا في زمانهم لأفتَوا بما أفتَوا به، وأن العالِم مهما حفظ من كتب الفقه ومسائله ودلائله وظاهر الرواية فيه فإنَّ هذا كلَّه لا يكفيه في الفتوى حتى يَبْنِيَها على عُرف أهل زمانه وعاداتهم، وإلَّا كان ضررُه أعظمَ من نفعه؛ قال العلامة ابن عابدين في رسالته "نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف"، المطبوعة ضمن "مجموعة رسائله" (2/ 128): [فإن قلتَ: العرف يتغير ويختلف باختلاف الأزمان؛ فلو طرأ عرفٌ جديدٌ هل للمفتي في زماننا أن يفتي على وِفْقِهِ ويخالف المنصوص في كتب المذهب؟ وكذا هل للحاكم الآن العملُ بالقرائن؟ قلتُ: مَبْنَى هذه الرسالة على هذه المسألة؛ فاعلم أن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة لم يخالفوه إلا لتغير الزمان والعرف، وعِلْمِهِم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه] اهـ.
توجيه النهى الوارد في الأمر بختان الإناث في السنة النبوية الشريفه

من ذلك يُعلم: أن ختان الإناث لا موجب له من الشرع، وأن ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي، وصل إليه حينذاك العقل البشري، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وترتب عليه تغير المدرك العقلي، أو تغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير بناءً على ذلك ما استقر لدى هذه المجتمعات من تلك العادات، وهذا ما أقره الشرع في قواعده والأصول واستحسنه، وتواردت نصوصه على أنَّ الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

قال العلامة القرافي المالكي في "الفروق" (3/ 29، ط. عالم الكتب): [فإن الأحكام المرتبة على العوائد: تَتْبَعُ العوائد، وتتغير عند تغيرها] اهـ.

وقال في "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" (ص: 218، ط. دار البشائر): [إنَّ إِجراءَ الأحكام التي مُدْرَكُها العوائدُ مع تغيُّرِ تلك العوائد: خلافُ الإِجماع، وجهالةٌ في الدّين، بل كلُّ ما هو في الشريعةِ يَتْبَعُ العوائدَ: يَتغيَّرُ الحكمُ فيه عند تغيُّرِ العادةِ إِلى ما تقتضيه العادَةُ المتجدِّدةُ، وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلِّدين حتى يُشترَطَ فيه أهليةُ الاجتهاد؛ بل هذه قاعدةٌ اجتهدَ فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غيرِ استئنافِ اجتهاد] اهـ.

يضاف إلى ذلك: أنَّ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تمَّ تدوينها ونقل أحداثها إلينا كاملة بأدق ما فيها من تفاصيل، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ختن بناته أو واحدةً منهن عليهن السلام، مثلما نقل عنه أنه ختن حفيديه الحسن والحسين عليهما السلام.

وعلى ذلك؛ فإذا ثَبَت ضرر ختان الإناث ومَنْعه، فلا يجوز لأحدٍ من الأطباء الإقدام على ممارسته؛ إذ فيه تعدٍّ على جسد الآدمي بدون داعٍ إليه، بل بما يترتب عليه مضارُّ كثيرة عليها: جسدية ونفسية؛ ممَّا يستوجب معه القولَ بحرمة الإقدام والإعانة عليه؛ فممَّا هو مقرَّرٌ في الشريعة الغرَّاء أنَّ "الإعانة على الحرام حرام"؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان لضرورة مرضية يحددها الطبيب المختص.
موقف القانون من ختان الإناث

قد استند المشرع المصري في قطع دابر هذا الفعل الإجرامي إلى أقوال أهل العلوم والخبرة الطبية؛ تطبيقًا لما أمرت به نصوص الشريعة الإسلامية، فأصدر من القانون ما يَمنَعُ به هذه الفِعلة الشنعاء، ويَعُدُّها جريمة نكراء، ويغلِّظ العقوبة على مُرتَكِبِها والجزاء؛ فنصَّ قانون العقوبات المصري المعدل برقم 10 لسنة 2021م، على أنه: [يُستبدل بنصّى المادتين (٢٤٢ مكررًا) و (٢٤٢ مكررًا/أ) من قانون العقوبات، النصان الآتيان:

مادة (٢٤٢ مكررًا): يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختانًا لأنثى بإزالة أي جزء من أعضائها التناسلية الخارجية بشكل جزئي، أو تام، أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات.

وتكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس سنوات إذا كان من أجرى الختان المشار إليه بالفقرة السابقة طبيبًا أو مزاولًا لمهنة التمريض، فإذا نشأ عن جريمته عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة.

وتقضى المحكمة فضلًا عن العقوبات المتقدمة بحرمان مرتكبها من الأطباء ومزاولي مهنة التمريض من ممارسة المهنة، مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس سنوات، تبدأ بعد انتهاء مدة تنفيذ العقوبة، وغلق المنشأة الخاصة التي أجرى فيها الختان، وإذا كانت مرخصة تكون مدة الغلق مساوية لمدة المنع من ممارسة المهنة، مع نزع لوحاتها ولافتاتها سواء أكانت مملوكة للطبيب مرتكب الجريمة، أم كان مديرها الفعلي عالمًا بارتكابها، وذلك بما لا يخل بحقوق الغير حسن النية.

مادة (٢٤٢ مكررًا/أ): يُعاقب بالسجن كل مَن طلب ختان أنثى وتم ختانها بناءً على طلبه على النحو المنصوص عليه بالمادة (٢٤٢) مكررًا من هذا القانون.

كما يُعاقب بالحبس كل من روَّج، أو شجع، أو دعا بإحدى الطرق المبينة بالمادة (١٧١) من هذا القانون لارتكاب جريمة ختان أنثى ولو لم يترتب على فعله أثر] اهـ.
الخلاصة

بناءً على ذلك: فلا يجوز لأولياء الأمور الإقدام على ختان بناتهم؛ لثبوت ضرره الطبِّي والنفسي الجسيم بشهادة الأطباء، وكذلك يحْرُم الإقدام على ممارسته من الطبيب أو الإعانة عليه إلَّا في حالات الضرورة المرضية التي حَدَّدها القانون.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

بيان خطورة الهجرة غير الشرعية والتحذير منها شرعًا

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

تاريخ الفتوى: 18 مايو 2022 م

رقم الفتوى: 6848

التصنيف: جنايات وأقضية

السؤال:

ما خطورة الهجرة غير الشرعية؟ يقوم بعض الشباب باتباع أسلوب الهجرة غير الشرعية؛ من أجل الوصول إلى بعض البلاد والإقامة فيها من دون موافقة قوانين هذه البلاد، فنرجو منكم بيان حكم ذلك شرعًا؟الجواب:

الهجرة غير الشرعية على الوجه الذي يحصل الآن لا يجوز فعله أو الإقدام عليه شرعًا؛ لما تتضمَّنه من جملة من المخالفات والمفاسد، والتي منها مخالفة ولي الأمر الذي يحرم مخالفته شرعًا، وتعريض النفس للهلاك، وخرق المعاهدات والعقود الدولية التي تنظم الدخول والخروج من بلد إلى آخر، وما تشتمل عليه بعض صورها من تزوير وغش وتدليس على سلطات الدولتين المُهَاجَر منها والمُهَاجَر إليها، وهو من باب الكذب. التفاصيل....


الهجرة غير الشرعية –ويطلق عليها: (الهجرة السرية)، أو (الهجرة غير القانونية)- هي: دخول شخصٍ ما حدود دولة ما دون وثائق قانونية تفيد موافقة هذه الدولة على ذلك، ويتم ذلك عن طريق التسلل خفية عبر الطرق البرية أو البحرية أو باستخدام وثائق مزورة، ومن صور الهجرة غير الشرعية كذلك الدخول بوثائق مؤقتة بمدة، ثم المكث بعد هذه المدة دون موافقة قانونية مماثلة.
والهجرة غير الشرعية على الوجه الذي يحدث في هذه الأيام تتضمَّن وتستلزم جملة من المخالفات والمفاسد؛ منها ما يلي:
أوَّلًا: ما في ذلك من مخالفة ولي الأمر، وهذه المخالفة غير جائزة؛ ما دام أنَّ ولي الأمر أو الحاكم لم يأمر بمُحَرَّم؛ فقد أوجب الله تعالى طاعة أولي الأمر فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. والأدلة على هذا كثيرة.
فمَن أراد أن يهاجر من بلد إلى آخر، فعليه الالتزام بالقوانين التي أمر الحاكم أو مَن يُفوِّضه بالالتزام بها؛ وقد نَصَّ القانون المصري رقم (97) لسنة 1959م -والمعدَّل بعدة قوانين وقرارات آخرها القرار الوزاري رقم (19) لسنة 2022م-، في شأن جوازات السفر على أنَّه: لا يجوز لمصري مغادرة البلاد أو العودة إليها إلا إذا كان حاملًا لجواز سفر، ومن الأماكن المخصصة لذلك، وبتأشيرة على جواز سفره، ورَتَّب القانون عقوبةً على مخالفي هذا الحكم.
ثانيًا: ما يكون في بعض صورها من تعريض النفس للهلاك من غير مُسَوِّغ شرعي، وقد جاءت نصوص الشريعة بالنهي عن تعريض النفس للهلاك؛ ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
ثالثًا: ما يترتب على هذا النوع من الهجرة من إذلال المسلم نفسه؛ فإنَّ الدخول إلى البلاد المهاجَر إليها من غير الطرق الرسمية المعتبَرة يجعل المهاجِرَ تحت طائلة التَّتَبُّع المستمر له من قِبَل سلطات تلك البلد، فيكون مُعرَّضًا للاعتقال والعقاب، فضلًا عما يضطر إليه كثير من المهاجرين غير الشرعيين من ارتكاب ما يُسِيء إليهم وإلى بلادهم، بل وأحيانًا دينهم، ويعطي صورة سلبية عنهم؛ كالتسول وافتراش الطرقات، وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم المُسلمَ أن يُذِلَّ نفسه؛ فقد روى الترمذي -وحسَّنه- عن حذيفة بن اليَمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يَنبَغي للمؤمِن أَن يُذِلَّ نَفسَه» قالوا: وكيف يُذِلُّ نَفسَه؟ قال: «يَتَعَرَّض مِن البلاء لما لا يُطِيق».
رابعًا: ما في هذه الهجرة من خرق للمعاهدات والعقود الدولية التي تنظم الدخول والخروج من بلد إلى آخر، وقد روى الترمذي في "سننه" -وقال: "حسن صحيح"- عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا».
خامسًا: ما يكون في بعض صورها من تزوير وغش وتدليس على سلطات الدولتين المُهَاجَر منها والمُهَاجَر إليها، وهو من باب الكذب، والكذب هو: الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه، والأصل فيه التحريم؛ وقد قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30].
وهذه المخالفات والمفاسد قد تجتمع كلها في صورة واحدة من صور الهجرة غير الشرعية، وقد يتخلف بعضها في بعض الصور، لكن لا تخلو صورة من صورها عن مفسدة منها، وتَحقُّق مفسدة منها في صورةٍ كافٍ للقول بالمنع والتحريم.
وبناءً على ذلك: فإنَّ الهجرة غير الشرعية على الوجه الذي يحصل الآن لا يجوز فعله أو الإقدام عليه شرعًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم الأخذ بالثأر



من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

تاريخ الفتوى: 11 سبتمبر 2013 م
رقم الفتوى: 2519


التصنيف: القصاص والديات


السؤال:

ما حكم الأخذ بالثأر؛ فقد حدث في قريتنا أن قام رجل بقتل اثنين وحرقهما، ثم تَمَّ القبض عليه وحبسه قيد التحقيق لمحاكمته أمام القضاء. ولكن المشكلة الآن أن كل عائلة من عائلتي القتيلين تريد أن تأخذ بثأر فقيدها من أحد أقارب المتهم بالقتل، فما حكم الشرع في هذا؟
الجواب:

العقوبات في العصر الحاضر في ظل دولة المؤسسات إنما تناط بجهة محددة تُسنَدُ إليها، وهي السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، والسلطة التشريعية، وكل جهة من هذه الجهات الثلاث تُعَدُّ هي ولي الأمر فيما أقيمت فيه.

وما تريد أن تفعله كل عائلة من عائلتي الرجلين المقتولين من أخذها بثأر فقيدها من أحد أقارب المتهم بالقتل جرمٌ جسيم ومُحَرَّم عظيم؛ لما فيه من التعدي والافتيات على ولي الأمر في شيء من صلاحياته التي رتبها له الشرع وفوضه فيها دون غيره، وهو الاختصاص باستيفاء العقوبات، والافتيات على ولي الأمر محرمٌ شرعًا، ولما فيه من تسويغ الفوضى والجور والاعتداء على الأنفس المعصومة بغير حق شرعي، وأخذها بجريرة غيرها، وقد نهى الله عن ذلك؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
التفاصيل....


تحذير الإسلام من القتل وبيان عقوبته في الآخرة

حرص الإسلام أشدَّ الحرص على حماية الحياة الإنسانية، وجعل صيانتها من حيث هي مَقْصِدًا شرعيًّا، وحَرَّم الاعتداء عليها، وتَوَعَّد المعتديَ بالوعيد الشديد؛ فالإنسان بنيان الله تعالى في الأرض، مَلعونٌ مَن هَدَمه.

قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 151]، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].

وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذَكَر الكبائر، أو سُئِل عن الكبائر، فقال: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ».
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»، والمعنى كما يقول الحافظ ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/ 590، ط. دار الوطن): [أنه -أي المؤمن- في أي ذنبٍ وقعَ كان له في الدين والشرع مخرجٌ إلا القتل؛ فإن أمره صعب] اهـ.

وروى الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَجِيءُ المَقْتُولُ بِالقَاتِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ، قَتَلَنِي هَذَا، حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ العَرْشِ»، ومعنى تَشْخب: تسيل.

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللهُ فِي النَّارِ».
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "إنَّ مِن وَرَطاتِ الأمور التي لا مَخْرَج لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيها، سَفْكَ الدَّمِ الحرام بغير حِلِّه". إلى غير ذلك من النصوص الدينية التي تُبين بَشاعة هذا الجرم، ووعيد مرتكبه وعقوبته الأخروية عند الله تعالى.
عقوبة القتل العمد في الشريعة الإسلامية

رتَّب الشرع الشريف عقوبةً حَدِّيَّة صارمة على القتل العمد، وهي القصاص من القاتل جزاءً وفاقًا لما اقترفته يداه.
والعمد: هو قصد الفعل العدوان، وقصد عَين الشخص، والفعل بما يقتل قطعًا أو غالبًا كما في "مغني المحتاج" للعلامة الخطيب الشربيني (5/ 212، ط. دار الكتب العلمية).

فإن عفا أهل القتيل أو أحدهم عن القاتل سقط القصاص عنه ووجبت عليه الدية؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178]، فأرسى الشرعُ بهذه العقوبة الردعَ المجتمعي اللازم؛ فبتطبيق القصاص تحقن الدماء، كما قالت العرب: القتل أَنفى للقتل، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179].

قال الإمام الرازي في "تفسيره" (5/ 229، ط. دار إحياء التراث العربي): [ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة؛ لأن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حقِّ من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا، أما في حق من يريد أن يكون قاتلًا، فلأنه إذا علم أنه لو قَتَل قُتِل تَرَك القتل، فلا يَقتل؛ فيَبقى حَيًّا، وأما في حق من يراد جعله مقتولًا؛ فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله، فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما؛ فلأن في شرع القصاص بقاء مَن هَمَّ بالقتل، أو من يَهِمُّ به، وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تعظم بسبب القتل، فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالَم من الناس، وفي تصور كون القصاص مشروعًا زوال كل ذلك، وفي زواله حياة الكل] اهـ.
مفارقة بين الأخذ بالثأر والقصاص

راعى الشرع بعقوبة القصاص نفسية أهل المقتول التي تفور بالألم والرغبة في مكافأة دم صاحبهم، ولم يفرض عليهم التسامح فرضًا، بل جعله خيارًا مُرَغَّبًا فيه، يثاب فاعله ويؤجر عليه.

يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الأم" (6/ 8): [كان كُتِب على أهل التوراة أنه مَن قتل نفسًا بغير نفس حقَّ له أن يُقاد بها ولا يُعفى عنه ولا تقبل منه الدية، وفُرِض على أهل الإنجيل أن يعفى عنه ولا يقتل، ورُخِّصَ لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا، فذلك قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: الدية تخفيف من الله؛ إذ جعل الدية ولا يُقتل] اهـ.

ونَبَّه الشارع أيضًا مع ذلك على وجوب مراعاة العدل عند استيفاء القصاص، والعدل هنا يشمل أمرين:
الأول: ألا يُتَجاوَز إلى تعذيب القاتل قبل إنفاذ الحَدِّ فيه أو التمثيل بجسده بعده.

والثاني: ألا يُتَجاوَز إلى قتل من لا ذنب له ممن له علاقة بالقاتل بقرابة ونحوها؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33].

قال الإمام البيضاوي في "تفسيره" (3/ 254، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ غير مستوجب للقتل ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾ للذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث ﴿سُلْطَانًا﴾ تسلطًا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه، أو بالقصاص على القاتل؛ فإن قوله تعالى: ﴿مَظْلُومًا﴾ يدل على أن القتل عمد عدوان؛ فإن الخطأ لا يسمى ظلمًا. ﴿فَلَا يُسْرِفْ﴾ أي: القاتل. ﴿فِي الْقَتْلِ﴾ بأن يقتل من لا يستحق قتله؛ فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك، أو الولي بالمثلة، أو قتل غير القاتل] اهـ.

وهذا المعنى المستفاد من الآية الكريمة تجريمٌ لصورة من صور الثأر الذي يُنتَقَم فيه لدم القتيل بقتل أحد من قرابة القاتل.

وهذه عادة من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام الحنيف ليقضي عليها؛ فكان إذا قُتِل منهم قتيلٌ لم يكتفوا بقتل قاتله، بل تَعَدَّوْا إلى أهله وعشيرته، حتى تبقى بينهم الحروب الطاحنة من أجل ثأرهم، وكانوا يُعْرَفُون بالعصبية القبلية.

يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الأم" (6/ 8، ط. دار المعرفة): [وكان الشريف من العرب إذا قُتِل يُجاوَز قاتلُه إلى مَن لم يقتله من أشراف القبيلة التي قتله أحدها، وربما لم يرضَوْا إلا بعدد يقتلونهم، فقتل بعضُ غَنِيٍّ شأسَ بن زهير، فجمع عليهم أبوه زهير بن جذيمة، فقالوا له -أو بعض من ندب عنهم-: سل في قتل شأس، فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها. قالوا: وما هي؟ قال: تحيون لي شأسًا، أو تملئون ردائي من نجوم السماء، أو تدفعون إليَّ غَنِيًّا بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عِوَضًا. وقُتِل كُليبُ وائلٍ، فاقتتلوا دهرًا طويلًا، واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابنًا له يقال له: بجير، فأتاهم فقال: قد عرفتم عزلتي، فبجير بكليب، وكفوا عن الحرب، فقالوا: بجير بشسع نعل كليب، فقاتلهم وكان معتزلًا] اهـ.

ولا شك أن الأخذ بالثأر على هذا الوجه فيه اعتداء عظيم على النفوس المعصومة، وأخذها بجريرة غيرها، فالمقتول يُقتَل وليس له ذنب يُعاقَب عليه ولا جريرةٌ يُؤخَذُ بها، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: [لَا يُؤْخَذ أحد بذنب غَيره] اهـ. انظر: "الدر المنثور" (7/ 213، ط. دار الفكر).

ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126].

روى الترمذي عن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أُحُدٍ أُصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمَثَّلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أَصَبْنا منهم يومًا مثل هذا لنُرْبِيَنَّ عليهم، قال: فلما كان يوم فتح مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إِلَّا أَرْبَعَةً».

وروى الحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظر يوم أحد إلى حمزة وقد قُتِل ومُثِّل به، فرأى منظرًا لم يرَ منظرًا قط أوجع لقلبه منه ولا أوجل، فحلف وهو واقف مكانه: «وَاللهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ مَكَانَكَ»، فنزل القرآن وهو واقف في مكانه لم يبرح: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ حتى ختم السورة، وكَفَّرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن يمينه وأمسك عما أراد] اهـ.

قال الإمام البيضاوي في "تفسيره" (3/ 245، دار إحياء التراث العربي): [وفيه دليل على أن للمُقْتَصِّ أن يُماثِلَ الجاني، وليس له أن يجاوزه، وحث على العفو تعريضًا بقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾، وتصريحًا على الوجه الآكد بقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾؛ أي: الصبر ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من الانتقام للمنتقمين] اهـ.
وكذلك فإن القاعدة الشرعية تقول: إن "الضرر لا يزال بالضرر". انظر: "الأشباه والنظائر"، للحافظ السيوطي، (ص86، ط. دار الكتب العلمية).

فإذا كان أهل المقتول قد تضرروا بقتل قريبهم، وأصابتهم المرارة ولحقتهم الأحزان فلا يعطيهم هذا مبررًا مقبولًا في أن يُداوُوا مراراتهم بإلحاق الضرر بالأبرياء الذين لا ذنب لهم ولا جريرة فيما وقع للمقتول.

كما أن هناك مفسدةً أخرى في ممارسة عادة الثأر بشكل عام، وهي التعدي والافتيات على ولي الأمر في شيء من صلاحياته التي رتبها له الشرع وفوضه فيها دون غيره، وهو الاختصاص باستيفاء العقوبات. والافتيات على ولي الأمر بوجه عام ممنوعٌ محرمٌ؛ لأنه تَعَدٍّ على حقه بمزاحمته فيما هو له، هذا من جهة، وتَعَدٍّ على إرادة الأمة التي أنابت حاكمها عنها في تدبير شئونها من جهة أخرى.

وقد روى ابن زنجويه في كتاب "الأموال" (3/ 1152، ط. مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية): [عن مسلم بن يسار، عن أبي عبد الله رضي الله عنه؛ رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال مسلمٌ: كان ابن عمر رضي الله عنهما يأمرنا أن نأخذ عنه، قال: هو عالم، فخذوا عنه، فسمعته يقول: "الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة: إلى السلطان"] اهـ.

وروى البيهقي في "سننه الكبرى" [عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء الذين يُنتَهَى إلى قولهم مِن أهل المدينة، كانوا يقولون: لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئًا مِن الحدود دون السلطان] اهـ.

وقال الإمام القرطبي في "تفسيره" (2/ 245 - 246، ط. دار الكتب المصرية): [لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر؛ فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود] اهـ.
القائم بتنفيذ العقوبات في العصر الحاضر

إقامة العقوبات في العصر الحاضر في ظل دولة المؤسسات إنما تناط بجهة محددة تُسنَدُ إليها، وهي السلطة التنفيذية، وهذه الجهة لا تستطيع أن تُنَفِّذَ عقوبةً ما إلا بعد أن تَبُتَّ فيها الجهة المختصة بالسلطة القضائية، فتقوم بالنظر في الواقعة المعينة، وتستوفي فيها الأدلة والقرائن، وتستنطق الشهود، وتنظر في الملابسات والظروف المحيطة، ثم تقضي بعقوبة مخصوصة فيها، وهذه الجهة بدورها لا تستقل بعقوبة لم يُنَصَّ عليها في القانون المعمول به في البلاد، والذي تقوم على اختياره وصياغته الجهة المختصة بالسلطة التشريعية، وكل جهة من هذه الجهات الثلاث تُعَدُّ هي ولي الأمر فيما أقيمت فيه. قال العلامة ابن عاشور في "التحرير والتنوير" ( 5/ 97-98، ط. الدار التونسية للنشر) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء: 59]: [أولو الأمر مِن الأمَّة ومِن القوم هم الذين يُسنِد الناسُ إليهم تدبير شئونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنَّه مِن خصائصهم .. فأولو الأمر هنا هم مَن عدا الرسول مِن الخليفة إلى والي الحسبة، ومِن قواد الجيوش، ومِن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخِّرة، وأولو الأمر هم الذين يُطلَق عليهم أيضًا أهل الحلِّ والعقد] اهـ.

وقيام آحاد الناس الآن بتطبيق العقوبات بأنفسهم فيه افتياتٌ على أصحاب هذه السلطات الثلاث؛ فقد يُعاقَب المجرمُ بغير ما قُرِّر له من العقوبة في القانون، وقبل ذلك فإنه يُدان من هؤلاء المُفْتَاتِينَ بلا تحقيق أو دفاع، ثم إن إنزال العقاب يحصل بعد ذلك من غير ذي اختصاص، وفي بعض الأحوال يُنزَلُ العقاب بالأبرياء الذين لا ذنب لهم، وكلُّ هذا في النهاية يقود المجتمع إلى الفوضى وإلى الخلل في نظامه العام.
الخلاصة

عليه وفي واقعة السؤال: فإن ما تريد أن تفعله كل عائلة من عائلتي الرجلين المقتولين من أخذها بثأر فقيدها من أحد أقارب المتهم بالقتل جرم جسيم ومُحَرَّم عظيم؛ لما فيه من تسويغ الفوضى والجور والاعتداء على الأنفس المعصومة بغير حق شرعي.

والله سبحانه وتعالى أعلم.