الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الاثنين، 6 يوليو 2026

عقوبة الإعدام في المغرب: بين الضرورة وانتهاك الحق في الحياة / محمد مرحوم

عقوبة الإعدام  في المغرب: بين الضرورة وانتهاك الحق في الحياة

 

محمد مرحوم

دكتور في الحقوق

كلية الحقوق-جامعة المولى اسماعيل مكناس

 

ملخص:

نص دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على الحق في الحياة، وأناط بالقانون مهمة حماية هذا الحق. ويعتبر هذا التنصيص من أهم المستجدات التي حملها دستور 2011، في الوقت الذي تحاشت فيه الدساتير السابقة أي حديث عن الحق في الحياة، الذي يعتبر أول الحقوق ويتيح التمتع بباقي الحقوق الأخرى. في المقابل يرتب القانون الجنائي عقوبة الإعدام لمجموعة من الجرائم، مما يجعلها في مواجهة الحق الدستوري في الحياة، ورغم أن تنفيذها قد توقف في المغرب منذ سنة 1993، فإن النطق بها مازال يطرح انقسامات مجتمعية حول جدوى هذه العقوبة ونجاعتها.


 The death penalty in Morocco: between necessity and a violation of the right to life

Mohamed Marhoum

Doctor of Laws Faculty of Law - University of Moula Ismail Meknes

 

Abstract :

The Constitution of the Kingdom of Morocco of 2011 stipulated the right to life, and the law was tasked with protecting this right. This stipulation is considered one of the most important developments in the 2011 constitution, at a time when previous constitutions avoided any discussion of the right to life, which is the first right and allows the enjoyment of the rest of the other rights. On the other hand, the criminal law arranges the death penalty for a group of crimes, which makes it in the face of the constitutional right to life, and although its implementation has been suspended in Morocco since 1993, its pronouncement still raises societal divisions about the feasibility and effectiveness of this punishment.

 

مقدمة:

شكل انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة تأسيس المجتمع السياسي، محورا للتفكير الفلسفي نتج عنه مجموعة من النظريات والتوجهات، أخضعت هذا الانتقال إلى كثير من الدراسة والتحليل. وإذا كانت جل النظريات في الفكر السياسي قد أجمعت على  ضرورة وجود سلطة وإرادة فوق الجميع، وتتمتع بالتفوق على كل الأفراد حتى يسود الأمن والاستقرار في المجتمع الإنساني، فإنها قد اختلفت في طريقة تأسيسها وحدودها، وتبقى أهمية هذه النظريات كامنة في الاتفاق على وجود قانون يلزم أفراد المجتمع على الانصياع له واحترامه، تأسيسا للعيش المشترك وتجاوز حالة الفوضى والطبيعة.

يعتبر القانون أسمى تعبير عن الأمة، يتم سنه وتشريعه من طرف السلطة التشريعية المنبثقة عن الشعب بواسطة الانتخابات، ليرتبط بالحياة العامة بالمجتمع وليضبط سلوك لأفراد، يوقع الجزاء والعقوبة على كل مقترف لفعل أو تصرف وضعه القانون ضمن الأفعال المجرمة، مما يطرح حدود سياسة التجريم ومدى ملاءمة وتناسب الفعل أو الجرم للعقوبة، كمبدإ أساسي يضمن عدم الغلو في التجريم والعقاب، وفي نفس الوقت استحضار عدم التساهل مع جرائم تهدد الأمن والنظام داخل المجتمع، والتي تنزع به نحو حالة الفوضى والطبيعة.

يهدف التشريع الجنائي بشقيه المسطري والعقابي إلى إضفاء الفعالية على العدالة الجنائية  لغاية حماية مصالح المجتمع [1]، حيث يتموضع القضاء الجنائي ضمن معادلة صعبة، تتجلى في التوفيق بين حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من جهة، وتحديد الاختيارات والقواعد التي يتعين أن تقوم عليها السياسة الجنائية في مجال التجريم والعقاب [2] من جهة أخرى، وما دام إصدار حكم قضائي سيؤثر في وضعية المتهمين ، فإن المشرع عمل على سن قواعد وإجراءات يجب اتباعها والتقيد بها، وإلا وقع حكم المحكمة تحت طائلة البطلان، أخذا بعين الاعتبار سلطة القاضي التقديرية في تدقيق وتمحيص وترجيح الأدلة.

وعلى هذا الأساس، يعتبر الاجتهاد القضائي الجنائي ضمانة أساسية لحماية الحقوق المضمونة دستوريا، أو بواسطة قوانين عادية أو تنظيمية، إلا أن هذا التدخل الجنائي لا يجب أن يؤخذ على أنه مدخل للمساس بجوهر حقوق الإنسان، فالتوازن يتطلب وضع الحدود لممارستها، دون أن يسمح بتقييدها بما ينال من جوهرها أو محتواها [3]، خاصة فيما يتعلق ببسط الرقابة على أعمال الضابطة القضائية والنيابة العامة، وتكييف الجرائم وتعليل الأحكام. فإذا كان التشريع الجنائي يشكل آلية حاسمة في حماية حقوق الإنسان سواء تعلق الأمر بالجاني أو المجني عليه، فإن القضاء يقرر في موضوع مسؤولية الجاني والتدبير الجنائي الذي سيطبق في حقه [4] .

ولأن لكل حديث سياقه الذي ينهل منها مناسبة الكتابة والكلام، فإن سياق كتابة هذا المقال هو نفسه الذي عاشه المجتمع المغربي، جراء ارتكاب جريمة بشعة بمدينة طنجة، راح ضحيتها طفل لم يتجاوز عمره إحدى عشرة سنة، وفقد على إثرها حقه في الحياة بعد اغتصابه، وهي جريمة اهتزت لها جميع مكونات الشعب المغربي، ولتعيد فتح النقاش المجتمعي حول عقوبة الإعدام وجدواها، هذه العقوبة التي تصدر اليوم في أحكام قضائية، ولكن لا تجد طريقها للتنفيذ.

ومن أجل المشاركة في هذا النقاش المجتمعي، ارتأينا أن نخص عقوبة الإعدام بالدراسة والتحليل، في استحضار لبعدها القانوني سواء في التشريع الوطني، أو في مصادر القانون الدولي خاصة في الاتفاقيات الدولية التي تعرضت للحق في الحياة وعقوبة الإعدام، ومن  أجل ذلك سنسلط الضوء على الحق في الحياة وحدوده في التشريع الوطني (المطلب الأول)، على أن نتعرض لعقوبة الإعدام في التشريع المغربي وجدواها في القانون الجنائي المغربي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الحق في الحياة بين التشريع الوطني والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان

نص دستور 2011 على أن "الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق" [5]،  لتتم دسترة هذا الحق الذي يأتي في الدرجة الأولى في سلم الحقوق [6]، وكتجاوز لعدم تضمين الدساتير المتعاقبة التنصيص على هذا الحق وحمايته.  لم تشر الدساتير السابقة المتعاقبة (1962- 1970- 1972- 1992- 1996) للحق في الحياة، لتغفل هذه الدساتير أول حق في سلم الحقوق وأهمها، فلا يمكن أن نتصور تمتع المواطن بحقوقه دون التنصيص على الحق في الحياة.

إن حماية الحق في الحياة التي لا تتحقق بدون إيجاد السبل لمنع القتل، فمفهوم الحق في الحياة لا ينحصر في المعنى الفزيائي أي بقاء الإنسان حيا [7]، بل يجب أن يشمل اتخاذ إجراءات لتأمين الحياة والحفاظ عليها [8]، وهذا ما ينسجم مع ما نص عليه المشرع عند تنصيصه على أن القانون يحمي هذا الحق، حيث استعمل المشرع في الفصل المذكور تعبير "لكل إنسان"، للدلالة على أن الحياة هي ملك لكل إنسان، بغض النظر عن الظروف والملابسات المحيطة به، وحماية القانون لهذا الحق لن تكون إلا بإلغاء أي فعل أو إجراء يهدف إلى إزهاق الروح البشرية.

يعتبر الحق في الحياة من أول الحقوق التي يتمتع بها الإنسان، بحيث تكون الحقوق الأخرى من دونه غير ذات معنى، فالحياة شرط لممارسة باقي الحقوق[9]، فهو حق ملازم للإنسان يكتسبه بمجرد خروجه إلى الحياة، بل حتى وهو في بطن أمه عندما يتعلق الأمر باعتداء على حياة جنين، فحق الحياة مكفول بموجب الشرائع السماوية ونصوص الاتفاقيات الدولية، كأصل ثابت لكل إنسان وقاعدة عامة. نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، على حق الفرد في الحياة والحرية والأمان الشخصي[10]، كما أدرجه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واعتبره حقا ملازما لكل إنسان، وذهب إلى أن الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، كما وجه الدول التي لم تلغ عقوبات الإعدام، إلى الحكم به في الجرائم أشد خطورة، ولم يعف مسؤوليتها في حماية هذا الحق[11].

وبالرجوع إلى دستور 2011، فقد نص على أن  الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان ويحمي القانون هذا الحق[12]، وهو ما يعني أن المشرع الدستوري وإن أقر الحق في الحياة للمواطنين، فإنه أوكل مهمة حماية هذا الحق للقانون أي  للبرلمان، باعتباره صاحب الاختصاص بالتشريع في الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، وفي فصول أخرى من الدستور[13]، وحماية القانون لهذا الحق لن تكون إلا بإلغاء أي فعل أو إجراء يهدف إلى إزهاق الروح البشرية، بما فيها المجني ضحية فعل القتل، حيث يقع على عاتق المشرع إخراج نصوص قانونية تردع المجرمين المحتملين من ارتكاب هذه الجريمة البشعة في المستقبل، في المقابل فإن واقع الحال يؤكد أن القضاء المغربي لازال يصدر عقوبة الإعدام في مجموعة من الجرائم، رغم أنه يتعامل معها بكثير من التريث والاتزان[14]، مما يطرح  إشكالية مدى دستورية عقوبة الإعدام وحدود انتهاكها للحق في الحياة؟

وفي هذا الإطار تنبغي الإشارة إلى أن دراسة عقوبة الإعدام يجب أن تحاط بالقدر الكافي من الاستقلالية والتجرد والموضوعية، في استحضار تام لأبعاد جريمة القتل وما تحدثه من ألم واضطراب لأسر الضحايا وحرمانهم من حقهم في الحياة، وما يستتبعه من النطق بحكم الإعدام لدى المجرمين، ومدى قدرة هذه العقوبة على ردع الجناة المحتملين في المستقبل، لنضع عقوبة الإعدام في معادلة طرفاها ضرورة تطبيقها وإيقاع القتل على مرتكبه، وفي الطرف الآخر من المعادلة مدى انتهاك الحق في الحياة أثناء نطق القاضي بعقوبة الإعدام. 

فإذا كانت عقوبة الإعدام منصوص عليها في التشريع الجنائي، وبمقدور القضاء الزجري الحكم بها، فإن الممارسة أبانت عن توجه ثابت نحو الإلغاء الواقعي لها، بالتقليص من نطقها والعزوف عن تنفيذها، وقد نفذت ثلاث مرات منذ الاستقلال وغالبا ما يتمتع المدانون بها بالعفو الملكي[15]، في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات المنادية بإلغاء هذه العقوبة، ولاسيما من طرف المنظمات غير الحكومية، خاصة مع ظهور الائتلاف المغربي لمناهضة عقوبة الإعدام[16]. إن الإعدام عقوبة خطيرة يترتب عنها سلب حياة الإنسان، مع عدم إمكانية العدول عنها بعد التنفيذ، وبالتالي يمكن أن يعتمد القاضي على أدلة ووقائع باطلة، يستنتج منها حكمه بالإعدام، والذي رغم عدم تنفيذه فإنه يخلف آلاما نفسية عميقة للمحكومين به.

وفي نفس الوقت، لابد أن نستحضر بشاعة الجرائم التي يقترفها المحكومون بالإعدام، مما يجعل عقوبة الإعدام في المنتصف بين الضرورة والانتهاك، وسيشكل الحق في الحياة ومن دون شك، موضوعا للدفع بعدم دستورية القوانين التي تنتهكه، على اعتبار أن الحق في الحياة وكما بينا سابقا هو حق دستوري لكل إنسان، أحاطه المشرع الدستوري بالحماية، وقد أكدت المحكمة الدستورية الألمانية على ضرورة تناسب العقوبة مع جسامة الفعل المعاقب عليه، على أساس احترام كرامة الإنسان التي تعني بشكل خاص منع العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة، ولا يمكن أن يتحول الجاني لشيء بسيط لمكافحة الجريمة وينتهك حقه في الاحترام والحماية الدستورية لقيمه الاجتماعية[17].

وبالرجوع إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإنه قد نص على أن الحق في الحياة ملازم للإنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا[18]، وهو ما نستنتج معه بمفهوم المخالفة، أنه يمكن حرمان إنسان من الحياة كعقوبة إذا لم تقترن بالتعسف في إلحاقها، وهو ما بينته نفس المادة عند تنصيصها على أنه لا يجوز أن يحكم بهذه العقوبة في البلدان التي لم تلغها، إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقا للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة، وبمقتضى حكم صادر عن محكمة مختصة[19]، الشيء الذي دفع بعض الدول إلى التمسك بعقوبة الإعدام، كجزاء يوقع على المجرمين المرتكبين لأبشع الجرائم، أخذا بعين الاعتبار أن تعبير "أبشع الجرائم" مفتوح على كل تأويل، خاصة في الأنظمة غير الديمقراطية التي لا تحترم حقوق الإنسان، فيتم تكييف أي سلوك أو تعبير عن المعارضة بارتكاب أبشع الجرائم.

وتعتبر عقوبة الإعدام محل خلاف عالمي تعيشه العديد من الدول، حيث تتجاذبه ثلاث اتجاهات[20]:

- دول تبنت الإلغاء الكلي للإعدام آخرها ماليزيا.

- دول أبقت عقوبة الإعدام مع التنفيذ، منها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية.

- دول أبقت عقوبة الإعدام مع وقف التنفيذ، مثل حالة المغرب.

ومن بين التوصيات التي تضمنها التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، مواصلة الانضمام إلى اتفاقيات القانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة المصادقة على البرتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمتعلق بمنع عقوبة الإعدام [21]، الذي لم ينضم إليه المغرب بعد. وإذا كان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، قد تضمن موادا تعاملت مع عقوبة الإعدام كواقع يمارس في مجموعة من الدول، من أجل الحد من ممارستها، فإن البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، قد دعا إلى إلغاء عقوبة الإعدام من أجل المساهمة في تعزيز الكرامة الإنسانية، والتطوير التدريجي لحقوق الإنسان، واعتبار أن التدابير الرامية إلى إلغاء عقوبة الإعدام تشكل تقدما في التمتع بالحق في الحياة[22]، وفي هذا السياق نصت المادة الأولى منه على أن الدول المنضمة إليه، تلتزم بعدم إعدام أي شخص خاضع لولايتها القضائية، كما أنها  مطالبة باتخاذ جميع التدابير لإلغاء عقوبة الإعدام، ليبقي البروتوكول الثاني على إمكانية تطبيق الإعدام في وقت الحرب، للإدانة في جريمة بالغة الخطورة ذات طبيعة عسكرية.

المطلب الثاني: عقوبة الإعدام في القانون الجنائي

ترتبط عقوبة الإعدام بأبعاد نفسية واجتماعية ودينية، مما يجعل من جدواها بين مفترق الاتجاهات الفكرية التي تناولت فلسفة العقوبة بالبحث والتحليل[23]. وبالرغم من أن المغرب لم يعد ينفذ عقوبة الإعدام، إلا أن القضاء لازال يرتبها كعقوبة لمجموعة من الأفعال والجرائم. يرتب القانون الجنائي عقوبة الإعدام في الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة والاعتداءات والمؤامرات ضد الملوك والأسرة الملكية وشكل الحكومة[24]، بالإضافة إلى الجنايات والجنح المرتكبة ضد أمن الدولة الخارجي[25] أو الداخلي[26]، أو جزاء لمرتكب جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد[27]، أو لاستعمال وسائل التعذيب وارتكاب أعمال وحشية لتنفيذ فعل يعد جناية[28]. كما يرتب القانون الجنائي لشاهد الزور الذي ترتبت عن شهادته الحكم على المتهم بعقوبة أشد من السجن المؤقت، الحكم عليه بنفس العقوبة[29].

يشتمل القانون الجنائي على فصول تتعلق بمكافحة الإرهاب رتب لها عقوبة الإعدام، حيث حدد لائحة الأفعال والجرائم التي تعتبر فعلا إرهابيا، وتتمثل في جرائم المس الخطير بالنظام العام، والاعتداء عمدا على حياة الأشخاص وسلامتهم[30]. كما رتب الظهير المتعلق بزجر الجرائم الماسة بصحة الأمة، عقوبة الإعدام لكل فعل يستهدف صنع منتوجات أو مواد معدة للتغذية البشرية، تشكل خطرا على الصحة العمومية[31]. كما نجد عقوبة الإعدام مقررة في القانون المتعلق بالقضاء العسكري، في حق أفراد الجيش المتورطين في الفرار إلى صفوف العدو أو إلى جماعة أو عصابة ثائرة[32]، أو الفرار المقرون بالتآمر[33] والتمرد أمام العدو[34]، وعدم الامتثال للأمر بالزحف[35] والإعداد لتغيير النظام والاستيلاء على جزء من التراب الوطني[36].

وعطفا على ما سبق، يكون القانون المغربي قد تضمن حالات عديدة يرتب لها عقوبة الإعدام، والتي تقتضي إزهاق الروح البشرية، وهو ما يمكن أن يشكل انتهاكا للحق في الحياة، في المقابل  فإن الإعدام قد يكون عقوبة لارتكاب جريمة القتل، التي تشكل في حد ذاتها اعتداء على الحق في الحياة، ليثار النقاش حول الجدوى من توقيع عقوبة الإعدام، والذي سيستند إلى تصورين: يتمثل الأول في النظر إلى جريمة القتل كاعتداء على الحياة، ومن أجل حمايتها لابد من توقيع عقوبة الإعدام على مرتكب جريمة القتل. أما التصور الثاني فيتأسس على اعتبار  إلحاق عقوبة الإعدام بمرتكب جريمة القتل اعتداء على الحياة، فإعدام القاتل لن يغير من واقع الجريمة ونتيجتها، وينطبق هذا التحليل على جرائم الإرهاب التي تزهق الأرواح، أما الجرائم التي سبق ذكرها والتي لم ينتج عنها اعتداء على الأرواح وانتهاك حق الحياة، فإن جسامة الخطأ والجريمة هي ما جعلت المشرع يرتب لها هذه العقوبة.

أما من وجهة نظرنا، يبقى المغرب من بين مجموعة من الدول التي ترتب عقوبة الإعدام لمجموعة من الجرائم، وبالتالي فإن المغرب ليس استثناء ولا يشكل نشازا في هذا الباب، وإن كان التوجه الدولي يسير نحو إلغائها. وفي هذا الصدد ينبغي التمييز بين جرائم القتل والإرهاب، والتي تجعل من مقترفيها خارج أي مسوغ لالتماس التخفيف وظروفه، فجريمة القتل هي اعتداء على حق حياة الجاني، فلا يمكن أن نمتع القاتل الذي أزهق الروح البشرية بالتماس الأعذار، لأن فعله يكتسي خطورة جسيمة ولا يمكن إصلاحه بعد وقوعه، فجريمة القتل ليست اعتداء على حياة الضحية فحسب، بل هي اعتداء على حياة المجتمع وتهديد لها.

إن مرتكب جريمة القتل العمد بغض النظر عن الظروف والملابسات، يؤسس لعدالة القوي والشارع، بعيدا عن عدالة القضاء، كمؤسسة تسعى إلى حل النزاعات وتوقيع الجزاءات. فإذا كانت الغاية من إصدار التشريع وسن القوانين هو ضبط سلوك الأفراد داخل المجتمع، وجعله سلوكا مدنيا ينهل من ثقافة العيش المشترك، فإن المشرع وهو بصدد صناعة التشريع، ينفذ إلى الغايات الكبرى من وضع القوانين، فالردع ليس غاية في حد ذاته، وإنما الغاية من سن العقوبات والتي ينبغي لها أن تتناسب مع الجرائم والأفعال، أن تشكل ردعا لكل أفراد المجتمع ولكل المجرمين المحتملين في المستقبل، فحتى الذين ينادون بأن الإعدام ليس حلا، ويصورونه كعقوبة انتقامية لا تغير من سلوك المجرمين، فإن السجن كعقوبة حبسية أتبث هو الآخر عدم نجاعته في تقويم سلوك المجرمين، وبالتالي وبهذا المنطق هل يعتبر ذلك مبررا إلغاء العقوبة الحبسية؟

إن ما يميز النقاش الذي يطفو من الحين إلى الآخر في الفضاءات المجتمعية حول عقوبة الإعدام، عادة ما يتجادبه طرفان يتبادلان الاتهامات، الطرف الأول يرى في عقوبة الإعدام تطبيق عملي للقصاص المنصوص عليه في القرآن الكريم،  مصداقا لقوله تعالى:

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .[37]

وتنبغي الإشارة في هذا السياق، أن مجموعة من الأحكام والحدود التي أتى بها القرآن الكريم هي معطلة وغير مطبقة على مجموعة من الجرائم التي تطرق لها القرآن الكريم ورتب لها مجموعة من العقوبات والحدود، كحد الزنا والسرقة، وبالتالي فإن التحجج بحد القتل كعقوبة يعتبر انتقائيا، في ظل تعطيل مجموعة من الحدود الأخرى، في المقابل فإن الدول التي تنفذ عقوبة الإعدام، لا تنفذها باعتبارها دولة مسلمة تطبق الحد، وإنما فلسفتها في إقامة العدل داخل المجتمع توافقت مع التصور الإلاهي، فالفطرة السليمة واستخدام العقل يرشد الإنسان إلى الانسجام مع التوجهات الإلاهية.

أما الطرف الثاني والذي يتبنى إلغاء عقوبة الإعدام، فإنه في الغالب يبني ذلك على مواجهة فكر وثقافة دينية يحظى فيها الدين الإسلامي بالصدارة على سلم الهوية والتوجه والاختيار، كما يعتبر الرصيد الثقافي الذي ينهل منه تحديد معالم المجتمع وفلسفته، رصيدا لم يعد صالحا كأرضية لتحديد الاختيارات وفلسفة المجتمع، فينتزع من المجتمع خصوصيته ومعطياته الثقافية والهوياتية التي تميزه عن باقي شعوب العالم، فلكل مجتمع خصوصيته وثقافته ينهل منها ويتأثر بها، وبالتالي فإن أي محاولة لاستئصال الجانب الثقافي في تحديد التوجهات، سيكون محكوم عليها بالفشل في ظل عدم احترام محددات ثقافية اكتسبت قدسيتها وأخضعت المواقف لها.

على سبيل الختم

إن إلغاء عقوبة الإعدام وإن كان نقاشا مجتمعيا صحيا  ينبغي تسليط الضوء عليه، فإنه في كثير من الأحوال يتم تحوير النقاش من الفضاء الحقوقي القانوني، ومن النقاش العلمي الأكاديمي، إلى فضاء للتوظيف السياسي والإيديولوجي لقوى لا تقدم للمجتمع بديلا غير التناحر الفكري، يتشبث أحد أطرافها بالدين كأرضية للمعاملات والأحكام والتوجهات، فيجعله ساكنا غير مساير لتطور الإنسان، أما الطرف الآخر فينسلخ من أي محدد ثقافي وديني يستحضر فيه خصوصية المغرب كبلد إسلامي توجد في قمته إمارة المؤمنين.

وبين ذلك وذاك، فإننا اليوم في حاجة إلى نقاش عقلاني هادئ، نستحضر فيه البعد الغائي لعقوبة الإعدام المبنية على الدراسات والإحصائيات وليس الأهواء والإيديولوجية، لأننا نعيش في سفينة واحدة وأي خلل في الاختيار، فإنه يتهدد حياة المجتمع وسلامته   

تبقى الإشارة في الأخير إلى أن المحكمة الدستورية ستكون في صلب هذا النقاش المجتمعي، بعد أن جعلها المشرع في دستور 2011 منفتحة على إحالة المتقاضين للنصوص القانونية الواجبة التطبيق، في النزاع المعروض أمام المحكمة [38]، حتى يتسنى لها فحص دستوريته، وجدير بالذكر أن القوانين والنصوص التي ترتب عقوبة الإعدام ستكون موضوعا للدفع بعدم دستورية القانون في مواجهة الحق في الحياة كحق دستوري نص عليه الفصل الواحد والعشرين(21) من الدستور، وعموما فإن القاضي الدستوري ينتظره الفصل في دستورية هذه النصوص، اعتمادا على تأويله للدستور مع تبيان الحق في الحياة وحدوده.

لائحة المراجع

  • -القرآن الكريم
  • -الطيب أنجار، دور القاضي الجنائي في حماية حقوق الإنسان ورقابة قضاء النقض لشرعية العقوبة، سلسلة دفاتر المجلس الأعلى ع 5/2005.
  • -أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري الشرعية الدستورية في قانون العقوبات- الشرعية الدستورية في قانون الإجراءات الجنائية-، دار الشروق، الطبعة الثانية، القاهرة، 2002.
  • -عبد العزيز لعروسي، التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ملاءمات قانونية ودستورية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 87، 2014.
  • -عبد القادر الأعرج، السياسة التشريعية والقضائية وإشكالية حماية حقوق الإنسان بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس أكدال، السنة الجامعية 2011-2012.
  • -سعدي محمد الخطيب، أسس حقوق الإنسان في التشريع الديني والدولي، منشورات الحلبي الحقوقية الطبعة الأولى 2010، لبنان.
  • -يوسف البحيري، حقوق الإنسان المعايير الدولية وآليات الرقابة، المطبعة الوطنية للداوديات، الطبعة الأولى، مراكش، 2010.
  • -أحمد السوداني، أحكام المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية الحقوق والحريات الأساسية، الجزء الثاني، مؤسسة كونراد أديناور، مطبعة لون، الرباط، 2017.
  • -أحمد التهامي، الحقوق المدنية واجتهاد الغرفة الجنائية، ضمن عمل المجلس الأعلى والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، عمل المجلس الأعلى والتحولات الاقتصادية والاجتماعية أشغال الندوة المنعقدة بالرباط بتاريخ 18-20 دجنبر 1997، مطبعة الأمنية، الرباط، 1999.
  • -محمد السكتاوي، خارطة طريق من أجل التغيير وحقوق الإنسان في المغرب، مجلة الغد، عدد5 شتاء 2012.

o       ورقة حول عقوبة الإعدام أعدتها وزارة العدل والحريات منشورة على الرابط

o       الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948.

o       العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

o البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

o  الظهير الشريف رقم 380-59-1 المتعلق بزجر الجرائم الماسة بصحة الأمة، ج-ر عدد 2453 بتاريخ 30/10/1959.

o  القانون 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.187 صادر 10 ديسمبر 2014، ج-ر عدد 6322 بتاريخ ،1/01/2015 والاستدراك الوارد بج-ر عدد 6366 بتاريخ 04 يونيو 2015.

o القانون الجنائي، صيغة محينة بتاريخ 25 مارس 2019


[1] الطيب أنجار، دور القاضي الجنائي في حماية حقوق الإنسان ورقابة قضاء النقض لشرعية العقوبة، سلسلة دفاتر المجلس الأعلى عدد 5/2005، ص82.

[2] عبد العزيز لعروسي، التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ملاءمات قانونية ودستورية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 87، 2014، ص72.

[3] أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري الشرعية الدستورية في قانون العقوبات- الشرعية الدستورية في قانون الإجراءات الجنائية-، دار الشروق، الطبعة الثانية، القاهرة، 2002، ص224.

[4] عبد العزيز لعروسي، التشريع والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، مرجع سابق، ص475.

[5] الفصل 20 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

[6] سعدي محمد الخطيب، أسس حقوق الإنسان في التشريع الديني والدولي، منشورات الحلبي الحقوقية الطبعة الأولى 2010، لبنان، ص111.

[7] يوسف البحيري، حقوق الإنسان المعايير الدولية وآليات الرقابة، المطبعة الوطنية للداوديات، الطبعة الأولى، مراكش، 2010، ص53.

[8] عبد القادر الأعرج، السياسة التشريعية والقضائية وإشكالية حماية حقوق الإنسان بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس أكدال، السنة الجامعية 2011-2012، ص128.

[9] عبد القادر الأعرج، السياسة التشريعية والقضائية وإشكالية حماية حقوق الإنسان بالمغرب، مرجع سابق، ص:127.

[10] المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948.

[11] المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المنشور في ج-ر عدد 3225 بتاريخ 21 ماي 1980.

[12]  الفصل 20 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

[13] الفصل 71 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

[14] ورقة حول عقوبة الإعدام أعدتها وزارة العدل والحريات منشورة على الرابط www.justice.gov.ma/downloanding//fille_apropos-paine.mort.PDFaspx .

[15] أحمد التهامي، الحقوق المدنية واجتهاد الغرفة الجنائية، ضمن عمل المجلس الأعلى والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، عمل المجلس الأعلى والتحولات الاقتصادية والاجتماعية أشغال الندوة المنعقدة بالرباط بتاريخ 18-20 دجنبر 1997، مطبعة الأمنية، الرباط، 1999، ص 351-352.

[16] محمد السكتاوي، خارطة طريق من أجل التغيير وحقوق الإنسان في المغرب، مجلة الغد، عدد5 شتاء 2012، ص104.

[17] أحمد السوداني، أحكام المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية الحقوق والحريات الأساسية، الجزء الثاني، مؤسسة كونراد أديناور، مطبعة لون، الرباط، 2017، ص 37.

[18] أنظر المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[19]  الفقرة الثانية من المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[20] ورقة حول عقوبة الإعدام من إعداد وزارة العدل والحريات منشورة في الموقع الرسمي للوزارة، على الرابط

www.justice.gov.ma/downloanding//fille_apropos-paine.mort.PDFaspx.،

[21] أنظر التقرير الختامي الكتاب الأول، الحقيقة والإنصاف والمصالحة، ص 131.

[22] أنظر ديباجة البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[23] محمد بنعليلو، عقوبة الإعدام في القانون المغربي، مقال منشور على موقع المجلس الوطني لحقوق الإنسان على الرابط: www.cnh.ma/ar/bulletin-d-information/qwb-/dm-fy-lqnwn-Lmgrby..

[24] أنظر الفصول 163، 156، 167 من القانون الجنائي، صيغة محينة بتاريخ 25 مارس 2019، منشورة على موقع وزارة العدل والحريات، على الرابط:

adala.justice.gov.ma/production/legislation/ar/.../مجموعة%20القانون%20الجنائي.docx

[25] الفصول من 181 إلى 190 من القانون الجنائي، نفس المرجع.

[26] أنظر الفصول 201، 202، 203، 204، 235 من القانون الجنائي، نفس المرجع.

[27] أنظر الفصول 393، 396، 397، 398 من القانون الجنائي، نفس المرجع.

[28] أنظر الفصل 399 و 438 من القانون الجنائي، نفس المرجع.

[29] الفصل 369 من القانون الجنائي، نفس المرجع.

[30] حددت المادة 1-218 من القانون الجنائي عشرة أنواع من الجرائم، تصبح جرائم إرهاب عندما تكون لها علاقة عمدا بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام، كما أضافت المادة 1-1-218 إلى لائحة الأفعال الإرهابية، الالتحاق أو محاولة الالتحاق بكيانات أو تنظيمات أو عصابات إرهابية، وتلقي تدريب أو تكوين أو تجنيد بقصد ارتكاب احد الأفعال الإرهابية.

[31] أنظر الظهير الشريف رقم 380-59-1 المتعلق بزجر الجرائم الماسة بصحة الأمة، ج-ر عدد 2453 بتاريخ 30/10/1959.

[32] الفصل 162 من القانون 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.187 صادر 10 ديسمبر 2014، ج-ر عدد 6322 بتاريخ ،1/01/2015 والاستدراك الوارد بج-ر عدد 6366 بتاريخ 04 يونيو 2015.

[33] الفصل 163 من القانون 108.13، نفس المرجع.

[34] الفصل 170 من القانون 108.13، نفس المرجع.

[35] الفصل 171 من القانون 108.13، نفس المرجع.

[36] الفصل 206 من القانون 108.13، نفس المرجع.

[37] سورة المائدة الآية 45.

[38] نص الفص 133 من دستور المملكة المغربية على ما يلي: " تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور.

ضمانات عقوبة الإعدام دكتور/ أشرف عبد القادر قنديل

ضمانات عقوبة الإعدام

دكتور/ أشرف عبد القادر قنديل

كلية الحقوق جامعة الإسكندرية

المقدمة

    بعد التطور الصناعي لجأ أغلب المشرعين إلى تجريم كل ما يمس المصالح والعقاب عليها بجزاء جنائي وكان ذلك من أجل الحفاظ على استمرار عهد صناعي بدأ ضعيفا. ([1])

    منذ فترة ليست بالقصيرة اختلف الفقهاء والمشرعون حول الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها، وقد انعكس ذلك على مختلف دول العالم، فبينما احتفظت العديد من الدول بهذه العقوبة، نجد دولا أخرى قد قامت حاليا بإلغائها ولجميع الجرائم، في حين أن دولا أخرى ألغتها لجميع الجرائم ما عدا الجرائم الاستثنائية كجرائم الحرب.

    وفي هذه البحث سنتناول هذه القضية وفقا للمعاهدات والاتفاقيات الدولية الشارعة في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما سنتعرض لأهم النظريات الفقهية سواء القانونية أو الفلسفية التي تعرضت لدراسة هذه المسألة الخلافية.

المبحث الأول

مقتضيات الإبقاء على عقوبة الإعدام:

    يرى المطالبون بالإبقاء على عقوبة الإعدام، أن ذلك يعد حماية للنظام والأمن في المجتمع، وأن العقوبة لا تستخدم إلا تجاه فئة خطيرة على المجتمع تهدد أمنه بل وحتى بقاءه لهذا يحرص المشرع على النص على هذه العقوبة، ردعا للعتاة من المجرمين، وضمانا لحق الضحايا وعوائلهم.

   وتتأسس تلك النظرية على أن من يقتل ظلما لا بد من حماية حقوق ورثته. وهذا يستلزم معاقبه الظالم، وإلا صارت الحياة فوضى، واعتدى الناس بعضهم على بعض، وأن العدل يقتضي أن من يقتل غيره ظلما وعدوانا لابد من أن يعاقب بالقتل أيضا لتكون هناك مساواة ويتحقق الردع؛ لأن القاتل الظالم عندما يعلم بمصيره إذا قتل غيره سيكف عن القتل، ويسود الأمان.

   يؤيد فريق من الشراح الإبقاء على عقوبة الإعدام، نذكر منهم، بصفة خاصة، روسي، ولاكاني، ورومانبوزي، وكانت، وفون.

   وتستند حجج الإبقاء على الإعدام إلى الاعتبارات الآتية:

  1. عقوبة الإعدام تفي بحاجات هامة للمجتمع لا يمكن سدها بطرق أخرى، وسواء نفذت علنا أم حجبت عن الأنظار وراء جدران السجن، فإن الحجة المستخدمة هي أن عقوبة الإعدام ضرورية، على الأقل مؤقتا من أجل خير المجتمع.
  2. تعرف عقوبة الإعدام على أنها وسيلة فريدة في فعاليتها وملاءمتها لمنع الجريمة والمعاقبة عليها. لذا نادت المدرسة الوضعية بالإبقاء عليها بوصفها وسيلة صالحة لتحقيق الدفاع الاجتماعي، وهو غاية العقاب. فضرورة إنقاذ الجانب السليم من البنيان الاجتماعي تحتم بتر الجانب المريض واستئصاله، وعقوبة الإعدام هي أداة لحماية المنفعة العامة.

   وذهب بعض الفقهاء إلى حد تشبيه تطبيق هذه العقوبة بأنه من قبيل نزع الملكية بالمنفعة العامة الذي تباشره الدولة قبل صاحب العقار (1). ([2])

  1. إن الحجة الأكثر شيوعا لتبرير استخدام عقوبة الإعدام هي عامل الردع، وعقوبة الإعدام تحقق أقصى قدر من الزجر والإرهاب في النفس خشية سلب الحق في الحياة، وبالتالي فهي أكثر الوسائل فاعلية لتحقيق أهداف الدولة، والمحافظة على نظامها الاجتماعي.

  وإحدى الدراسات التي تظهر وجود أثر رادع واضح لعقوبة الإعدام هي دراسة أجراها عالم اقتصاد أمريكي يدعى "إسحاق ارليج" واستخدم فيها أسلوبا إحصائيا يعرف بأسلوب "تحليل التراجع" بفحص التأثير المحتمل للإعدامات وغيرها من المتغيرات في جرائم القتل في الولايات المتحدة الأمريكية بمجملها في الفترة الواقعة ما بين عام 1932 - 1970 فخلال تلك الفترة، وبخاصة في الستينات، ارتفع عدد جرائم القتل، بينما انخفض عدد الإعدامات. وفي مقالة نشرت عام 1975 استنتج "إسحاق ارليج" أن بحثه أشار إلى وجود رادع فعال لعقوبة الإعدام، وذكر أن تنفيذ إعدام إضافي كل سنة طوال الفترة موضوع الدراسة ربما أدى إلى انخفاض في عدد جرائم القتل بمعدل سبع أو ثماني جرائم. ([3])

  1. ثم هناك حجة الإعجاز، وتتلخص في أنه يجب قتل المحكوم عليه للتأكد من عدم تكراره للجريمة.
  2. وبجانب حجج الردع والإعجاز، فإن حجة الجزاء تؤكد أنه يجب قتل مجرمين معينين لا لمنع وقوع الجريمة، بل إرضاء لمطالب العدالة، فالإعدام يعتبر مجازاة على فعل شرير، وبقتل المجرم يظهر المجتمع شجبه لجريمته، والإقناع بهذه الحجة يستمد جذوره من النفور الشديد الذي تثيره جرائم العنف في المواطنين الحريصين على القانون، فالرأي العام يطالب
    ويتمسك بها.

المبحث الثاني

مقتضيات إلغاء عقوبة الإعدام

    تشكل عقوبة الإعدام - وفقا لآراء العديد من المنظمات الدولية وأيضا فقهاء القانون الدولي، عقوبة في منتهى القسوة، واللاإنسانية، والإهانة. وهي عقوبة لا يمكن الرجوع عنها حال تنفيذها، ويمكن أن تنزل بالأبرياء. ولم يتبين قط أنها تشكل رادعا ضد الجرائم أكثر فعالية من العقوبات الأخرى.

    ويرى البعض أن عقوبة الإعدام هي الاسم الحكومي لكلمة القتل، فالأفراد يقتلون بعضهم البعض، ولكن الحكومات والدول تعاقب الأفراد بعقوبة الإعدام، وينبع مطلب إلغاء الإعدام ومنع القتل كلاهما من السبب نفسه؛ أي معارضة القتل المتعمد مع سبق الإصرار والترصد من قبل شخص ما لشخص آخر، وسواء قام بالقتل حكومة معينة أو مرجع ذو صلاحية، فلن يغير ذلك من حقيقة الأمر أبدا، وهي أننا نواجه حالة قتل متعمد. فعقوبة الإعدام هي أبشع أشكال القتل المتعمد وأقذرها، وأشدها سخافة؛ لأن ثمة مؤسسة سياسية تقرر أمام الناس، وتعلن مسبقا على الزملاء وبأقصى درجات اللامبالاة وبرود الأعصاب والشعور بالحقانية عن قرارها في قتل شخص، وتعلق أيضا اليوم والساعة التي ستقوم فيها بهذا الأمر. ([4])  وفي مقابل الدعوة للإبقاء على عقوبة الإعدام - تقود منظمة العفو الدولية - الدعوة إلى إلغاء تلك العقوبة حيث تكتسب مؤيدين وأنصارا وأرضا جديدة في دعوتها، فالمشاهد أن الدول التي ألغت عقوبة الإعدام من تشريعاتها الجنائية في ازدياد مستمر.

    ومن أبرز معارضي هذه العقوبة "كرارا carrara" وعلى سبيل المثال يتحدث الدكتور "هانز أيزنك hans eysenck " أستاذ علم النفس بجامعة لندن، عن أثر عقوبة الإعدام في الردع العام نافيا هذا الأثر، وقائلا "وقد تركزت المناقشات التي دارت حديثا حول عقوبة الإعدام شيئا فشيئا حول نقطة واحدة حاسمة وهي: هل تعوق العقوبة أو لا تعوق الناس من ارتكاب الجرائم التي وضعت هذه العقوبة من أجلها؟.

    ومن الناحية الإحصائية هناك دلائل مقنعة على أن عقوبة الإعدام لم تمنع الناس من ارتكاب الجرائم، فقد أتضح مرارا أن إلغاء عقوبة الإعدام لم ينتج عنه ازدياد في جرائم القتل، وأنه عند إعادة العقوبة لا يقل، عددها وزيادة على ذلك، فإنه منذ عام 1975 عندما ألغى القانون عقوبة الإعدام (في انجلترا) بالنسبة لبعض الجرائم وأبقاها بالنسبة لبعض الجرائم الأخرى، ازداد عدد تلك الجرائم التي ظلت العقوبة قائمة بالنسبة لها، وما تزال توجد حجج انفعالية ضد إلغاء عقوبة الإعدام، ولكن الحجج العقلية تبدو في صف إلغائها.

   وإحدى العقبات الغريبة في وجه إلغاء عقوبة الإعدام هي الإحساس الذاتي الذي يحس به الكثير من الناس من أنها تمنعهم هم أنفسهم من الانغماس في القتل وغيره من الجرائم التي عاقب عليها القانون بالإعدام، ومن ثم فإنها - أي عقوبة الإعدام - تمنع الناس الذين ربما كان احتمال ارتكابهم لتلك الجرائم أكثر من ارتكابها.

  وتؤيد منظمة العفو الدولية ذلك الرأي فتقرر: ([5])

    فمن الخطاء افتراض أن جميع الذين يرتكبون جرائم خطرة كالقتل - أو معظمهم يقومون بذلك بعد التفكير في النتائج بشكل عقلاني. فجرائم القتل ترتكب، في معظم الأحيان، في لحظات انفعال عندما تتغلب العواطف الهائجة على الصواب. وقد ترتكب أيضا تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو في لحظات الذعر مثلا عندما يفاجأ مرتكبها متلبسا بجريمة سرقة، وبعض الأشخاص الذين يقترفون جرائم عنف يكونون فاقدين التوازن عاجزين عن ضبط عواطفهم أو مصابين بمرض عقلي، وفي كل هذه الحالات لا ينتظر أن يردع الخوف من عقوبة الإعدام من ارتكاب الجريمة.

    وبعد قضاء 32 عاما في مصلحة السجون الطبية توصل طبيب بريطاني إلى أن (الردع ليس على الإطلاق مسألة بسيطة كما يفكر بعض الناس... فهناك نسب كبيرة من القتلة يكونون متوترين وقت ارتكاب الجرائم إلى درجة تجعلهم غير مكترثين للعواقب التي قد تنزل بهم بينما ينجح آخرون في إقناع أنفسهم بأن بإمكانهم النجاة من العواقب).

   لقد قامت اللجنة الملكية المعينة بعقوبة الإعدام في المملكة المتحدة (1949 – 1953) بدراسة الإحصائيات المتوافرة حول السلطات القضائية التي ألغت عقوبة الإعدام أو توقفت عن فرضها في جريمة القتل العمد.

  ومن خلال دراستها لسبعة بلدان أوروبية بالإضافة إلى نيوزيلندا وولايات مفردة داخل استراليا والولايات المتحدة الأمريكية استنتجت اللجنة أن: (ليس هناك أدلة واضحة في أي من الأرقام التي فحصناها تثبت أن إلغاء عقوبة الإعدام قد أدى إلى ارتفاع معدل جرائم القتل أو أن إعادة فرضها قد أدت إلى انخفاض هذا المعدل).

   وعلى نحو مماثل تفشل إحصائيات توافرت مؤخرا عن الجرائم في بلدان ألغت عقوبة الإعدام في إظهار أي أثار ضارة ناجمة عن الإلغاء.

   ورغم أن عدد الإدانات على جرائم قتل في استراليا الجنوبية كان خلال السنوات الخمس بعد الإلغاء أعلى مما كان عليه في السنوات الخمس قبلها، أظهرت دراسة أجريت على مدى أطول أنه: (لم يكن لإلغاء عقوبة الإعدام أي تأثير لمعدل جرائم القتل في تلك الولاية) (ألغيت عقوبة الإعدام هناك عام 1976).

   وفي جاميكا لم يحدث أي تغير ملحوظ في معدل جرائم القتل خلال فترة وقف الإعدامات ما بين عام 1976 - 1980 رغم حدوث موجة من أعمال القتل السياسي خلال الانتخابات العامة سنة 1980، وفي كندا هبط معدل جرائم القتل بالنسبة لكل 100000 نسمة بعد أن بلغ ذروته 3.09 عام 1975 وهي السنة التي سبقت عقوبة الإعدام على جريمة القتل العمد إلى إن بلغ 2.74 عام 1973 و بلغ عام 1986 أدنى نسبة له منذ 15 سنة.

  أما في المملكة المتحدة، فقد ارتفع عدد جرائم القتل منذ إلغاء عقوبة الإعدام على جريمة القتل العمد، ولكن هذه الزيادة كانت أقل كثيرا من الزيادة في جرائم عنف خطرة أخرى.

   وتبين الأرقام أن الإلغاء لا يؤثر سلبا في معدلات الجريمة، ففي كندا انخفض معدل القتل لكل 10000 نسمة من 3.09 في العام 1975 (العام الذي سبق الإلغاء) إلى 1.73 في العام 2003 وهو أدنى معدل في ثلاثة عقود. ([6])
إن المؤيدين لإلغاء عقوبة الإعدام يسنتدون في دعم آرائهم إلى الأسانيد الآتية: ([7])

أولا: أن عقوبة الإعدام يستحيل معها إصلاح المحكوم عليه وإعادة تقويمه. وهذا من الأهداف التي يجب أن تسعى إليها الدولة بفرض العقاب، ولو كأهداف ثانوية والعقوبة التي تقطع باب الأمل أمام الفرد لا يمكن أن تكون عادلة.

ثانيا: أن عقوبة الإعدام غير مجزية وغير نافعة سواء من وجهة فردية أو من وجهة إقناعية، فهي تحول دون أن يشرع المحكوم عليه - تحت رقابة الدولة - في إصلاح آثار الجريمة كلما كان ذلك ممكنا. كما أن العقوبة تحرم الدولة من قوة عاملة يمكن أن تسهم في الإنتاج، وبخاصة بعد أن أصبح العمل في السجون عاملا في زيادة الإنتاج.

ثالثا: هذه العقوبة يستحيل إصلاح آثارها حين يبدو أن العدول عنها حق وواجب، فقد تظهر براءة المحكوم عليه بعد تنفيذ العقوبة، وذلك لأن الأخطاء القضائية ليست نادرة والعدالة الإنسانية نسبية، حتى إن أغلب التشريعات الوضعية تقر الحق في تصحيح أخطاء الأحكام.

ومن قبيل ذلك التماس إعادة النظر الذي قرره المشرع المصري في المواد 441 /453 من قانون الإجراءات الجنائية، ويقتضي هذا النظام جواز إعادة النظر في الأحكام في أحوال معينة كما (إذا حكم على المتهم في جريمة قتل ثم وجد المدعي قتله حيا)

   وواضح أنه إذا كان الحكم صادرا بالإعدام ونفذ، فلا سبيل لإنقاذ مواطن بريء. أما إذا كان الحكم صادرا بعقوبة أخرى، فيمكن إيقاف تنفيذها، ومنح هذا المواطن حريته.

رابعا: عقوبة الإعدام غير عادلة؛ لأنها غير قابلة للتدرج وفقا لمبدأ مسؤولية الجاني أو مدى خطورته أو مدى ما حققه من ضرر. ([8])

خامسا: عقوبة الإعدام تتسم بالضراوة والبشاعة، فالإعدام ليس فيه عظه تربوية بل يوقظ الشهوة إلى سفك الدماء.

سادسا: وحجة فلسفية استند إليها أنصار الإلغاء ذلك أنه إذا كان أساس حق العقاب هو العقد الاجتماعي، فإن الإنسان - الذي ليس له الحق في القتل لا يمكن أن يتنازل للدولة عن حقه في الحياة.

كما يستند بعض مؤيدي إلغاء عقوبة الإعدام إلى إحصائيات كثيرة تمت في ظروف متعددة تشير إلى أن تشديد العقاب، بوجه حام، لم يؤد، بالضرورة، إلى تخفيف حدة الجريمة، كما أن تخفيفه لم يؤد، بالضرورة، إلى زيادتها، لكن ازدياد نسبة الإجرام أو نقصها أمر يمكن أن يرجع إلى جملة عوامل وظروف شخصية واجتماعية، لعل من أقلها شأنا تأثير العقاب في النفوس مقدارا أو نوعا ولو وصلت إلى حد الإعدام.

  ولعل هذا الاعتبار كان - بالإضافة إلى العوامل الإنسانية والحضارية والعلمية المتنوعة - من أقوى الاعتبارات التي أدت إلى إلغاء عقوبة الإعدام في دول كثيرة متزايدة خصوصا في مستهل هذا القرن حتى الآن.

المبحث الثالث

ضمانات تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام

لقد اعتمد المجلس الاقتصادي والاجتماعي لمنظمة الأمم المتحدة بقراره رقم 50/1984 بتاريخ 25 مايو 1984 قرارا يضمن العديد من الضمانات التي تكفل حماية حقوق الأفراد الذين يواجهون عقوبة الإعدام، وهذا يؤكد الحرص والعناية التي أولتها منظمة الأمم المتحدة للحق في الحياة باعتباره حقا أصيلا، بل يعد حق الحقوق الإنسانية الأساسية.

    وقد راعى المجلس في قراره هذا العديد من الفئات والمجموعات والأفراد التي قد تواجه وقوع عقوبة الإعدام ضدها.

  1.  في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، لا يجوز أن تفرض عقوبة الإعدام إلا في أخطر الجرائم على أن يكون مفهوما أن نطاقها ينبغي ألا يتعدى الجرائم المتعمدة التي تسفر عن نتائج مميتة أو غير ذلك من النتائج البالغة الخطورة. ([9])
  2.  لا يجوز أن تفرض عقوبة الإعدام إلا في حالة جريمة بنص القانون، وقت ارتكابها، على عقوبة الموت فيها، على أن يكون مفهوما أنه إذا أصبح حكم القانون يقضي بعد ارتكاب الجريمة بفرض عقوبة أخف، استفاد المجرم من ذلك.
  3.  لا يحكم بالموت على الأشخاص الذين لم يبلغوا سن الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجريمة، ولا ينفذ حكم الإعدام بالحوامل، أو بالأمهات الحديثات الولادة، ولا بالأشخاص الذين أصبحوا فاقدين لقواهم العقلية.
  4.  لا يجوز فرض عقوبة الإعدام إلا حينما يكون ذنب الشخص المتهم قائما على دليل واضح ومقنع لا يدع مجالا لأي تفسير بديل للوقائع.
  5.  لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة بعد إجراءات قانونية توفر كل الضمانات الممكنة لتأمين محاكمة عادلة، مماثلة على الأقل للضمانات الواردة في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك حق أي شخص مشتبه في ارتكابه جريمة يمكن أن تكون عقوبتها الإعدام أو متهم بارتكابها في الحصول على مساعدة قانونية كافية في كل مراحل المحاكمة.
  6.  لكل من يحكم عليه بالإعدام الحق في الاستئناف لدى محكمة أعلى، وينبغي اتخاذ الخطوات الكفيلة بجعل هذا الاستئناف إجباريا.
  7.  لكل من يحكم عليه بالإعدام الحق في التماس العفو، أو تخفيف الحكم، ويجوز منح العفو أو تخفيف الحكم في جميع حالات عقوبة الإعدام.
  8.  لا تنفذ عقوبة الإعدام إلى أن يتم الفصل في إجراءات الاستئناف أو أية إجراءات تتصل بالعفو أو تخفيف الحكم.
  9.  حين تحدث عقوبة الإعدام، تنفذ بحيث لا تسفر إلا عن الحد الأدنى الممكن من المعاناة.

المبحث الرابع

الاتفاقيات الدولية الداعية لإلغاء عقوبة الإعدام

  فضلا عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948 والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر أيضا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966، "فقد اعتمدت حديثا معاهدات دولية تلزم الدول بموجبها بعدم توقيع عقوبة الإعدام.

   ومن أهم التطورات في السنوات الأخيرة اعتماد معاهدات دولية تلتزم الدول بموجبها بعدم تطبيق عقوبة الإعدام. وتوجد الآن أربع معاهدات من هذا النوع:

  1. البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صدقت عليه 54 دولة. ووقعت ثماني دول أخرى على البروتوكول معبرة عن نيتها بأن تصبح أطرافا فيها في تاريخ لاحق.
  2. البروتوكول الملحق بالاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لإلغاء عقوبة الإعدام الذي صدقت عليه ثماني دول ووقعت عليه دولة واحدة أخرى في الأمريكتين.
  3. البروتوكول رقم 6 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان)، الذي صدقت عليه 44 دولة أوروبية ووقعت عليه اثنتان آخريان.
  4. البروتوكول رقم 13 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان)، الذي صدقت عليه 30 دولة أوروبية ووقعت عليه 13 دولة أخرى.

حقائق وأرقام حول عقوبة الإعدام([10])

  1. الدول التي ألغت العقوبة والدول التي تحتفظ بها:

    ألغت أكثر من نصف دول العالم الآن عقوبة الإعدام في القانون والممارسة. وتبين آخر معلومات منظمة العفو الدولية أن: 89 دولة ومنطقة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم؛ وأن 10 دولة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم باستثناء الجرائم غير العادية مثل جرائم الحرب؛ ويمكن اعتبار 30 دولة بأنها ألغت العقوبة عمليا: فهي تحتفظ بعقوبة الإعدام في القانون لكنها لم تنفذ أية عمليات إعدام طوال السنوات العشر الماضية أو أكثر، ويعتقد أنها تنتهج سياسة أو لديها ممارسة تقضي بعدم تنفيذ عمليات إعدام مما يرفع مجموع الدول التي ألغت عقوبة الإعدام في القانون والممارسة إلى 129 دولة.

    تحتفظ 68 دولة ومنطقة أخرى بعقوبة الإعدام وتستخدمها، لكن عدد الدول التي تعدم السجناء فعلا في أي سمنة بعينها أقل من ذلك بكثير.

  1. التقدم الذي تحقق نحو إلغاء العقوبة عالميا

    ألغت أكثر من 40 دولة عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم منذ العام 1990. وهي تشمل دول في أفريقيا (تشمل الأمثلة الحديثة كوت ديفوار والسنغال)، وفي الأمريكتين (كندا والبراغواي)، وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ (بوتان، وساموا، وتركمنستان) وأوروبا وجنوب القوفاز (أرمينيا، والبوسنة والهرسك، وقبرص، واليونان، وصربيا، والجبل الأسود، وتركيا).

  1. تحركات لإعادة العمل بعقوبة الإعدام

    حالما يتم إلغاؤها، نادرا ما تتم إعادة العمل بعقوبة الإعدام. فمنذ العام 1985، ألغت أكثر من 50 دولة عقوبة الإعدام في القانون أو أنها بعد أن ألغتها سابقا بالنسبة للجرائم العادية، انتقلت لإلغائها بالنسبة لجميع الجرائم. وخلال الفترة ذاتها أعادت أربع دول ملغية فقط العمل بعقوبة الإعدام. إحداها - نيبال - التي ألغت العقوبة مرة أخرى منذ ذلك الحين؛ واستأنفت دولة أخرى هي الفليبين تنفيذ أحكام الإعدام لكنها توقفت فيما بعد. ولم تنفذ أية عمليات إعدام في الدولتين الآخريتين وهما (غامبيا، وبابوا غينيا الجديدة).

  1. أحكام الإعدام وعمليات الإعدام

    خلال العام 2004، أعدم ما لا يقل عن 3797 شخصا في 25 دولة، وحكم بالإعدام على ما لا يقل عن 7395 شخصا في 64 دولة.

   وكانت هذه الأرقام لدينا فقط؛ أما الأرقام الحقيقية فهي بالتأكيد أعلى.

  وفي 2004، جرت نسبة 97 بالمائة من جميع عمليات الإعدام المعروفة في الصين، وإيران، وفيتنام، والولايات المتحدة الأمريكية.

   وبناء على الأنباء العلنية المتوافرة، تشير تقديرات منظمة العفو الدولية إلى أن ما لا يقل عن 3400 شخص قد أعدموا في الصين خلال العام، رغم الاعتقاد بأن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير. ([11])

  وفي مارس /آذار 2004، قال مندوب في المؤتمر الشعبي الوطني أن "قرابة 10000 شخص" يعدمون سنويا في الصين. وأعدمت إيران ما لا يقل عن 159 شخصا، وفيتنام ما لا يقل عن 64 شخصا. ونفذت 59 عملية إعدام في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الرقم أقل من رقم 65 عملية إعدام نفذت في العام 2003.

  1. استخدام عقوبة الإعدام ضد المذنبين الأطفال

   تحظر المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان إصدار أحكام بالإعدام أو تنفيذها ضد أي شخص يقل عمره عن 18 عاما وقت ارتكاب الجريمة.

  وترد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل والميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان ترد فيها جميعها نصوص بهذا المعنى. وهناك أكثر من 110 دولة ما زالت تنص قوانينها على عقوبة الإعدام بالنسبة لبعض الجرائم على الأقل قوانين تستثني تحديدا إعدام المذنبين الأطفال أو قد يفترض أنها تستبعد عمليات الإعدام هذه عبر كونها طرفا في إحدى المعاهدات المذكورة أعلاه. بيد أن عددا قليلا من الدول يواصل إعدام المذنبين الأطفال.

   ومن المعروف أن ثماني دول أعدمت منذ العام 1990 سجناء كانوا دون سن 18 عاماً وقت ارتكاب الجريمة - الصين، والكونغو (جمهورية الكونغو الديمقراطية) وإيران، ونيجيريا، وباكستان، والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، واليمن. وقد رفعت الصين، وباكستان، واليمن السن الدنيا إلى 18 عاما، وبحسب ما ورد فإن إيران هي في صدد القيام بذلك. وأعدمت الولايات المتحدة الأمريكية عددا من المذنبين الأطفال يفوق ما أعدمته أية دولة أخرى. (19 بين العامين 1990 و 2003).

   وسجلت منظمة العفو الدولية 4 عمليات إعدام لمذنبين أطفال في العام 2004 - واحد في الصين وثلاثة في إيران. وأعدم مذنب طفل آخر في إيران في يناير/كانون الثاني 2005.

    وفي ذلك يقول: (ولأنه بغير حرية الاختيار لا توجد أخلاق بالمعنى الذي يفهمه المجموع، ولأن الإحساس الخلقي وحده يحتم عقاب الجاني كما يرى كثير من رجال القانون قد شرع لما تبين من خشية العقاب قد تؤدي إلى الإحجام عن الجريمة، وأن حرية الإرادة لا تكون مفهومه على أساس قانون الوقائع الطبيعية الذي تحكمه السببية بغير اعتبار لقانون الإرادة الإنسانية مع أنه حقيقي وثابت كقانون السببية سواء بسواء.

وتأسيسا على ذلك فإن "تارد" لا يعارض مبدأ الدفاع الاجتماعي للعقاب فإن على الجماعة أن تدافع عن نفسها كالفرد، ولكن كما يختلف رد الفعل باختلاف الفعل كذلك تدافع الجماعة عن نفسها إزاء مرتكب الجريمة بشكل يختلف عن دفاعها إزاء المجنون، لأن العقاب دافع اجتماعي ضد من ينسب إليهم الخطأ لا على أنهم مجرد أذى أو خطر.

   إن فكرة الخطأ أقدم وأعم بكثير من فكرة حرية الاختيار بمعناها المدرسي، ومن ثم فإن التقدم الذي يبشر به "فري" - على ما يرد "تارد" - يستلزم قضاء تاما على الشعور الإنساني بحيث يقضي تماما على الانفعالات التي تثيرها الجريمة، ولكن النفعية البحتة تقضي بأن الخوف رادع، وتجعل الشعور الخلقي ضرورة تحتم عقاب مرتكب الجريمة بينما لا ضرر من عدم العقاب على جريمة ارتكبها مجنون، إذ لا يخشى من ألا يرتدع بقية المجانين. ([12])

المبحث الخامس

رأي الباحث في الموضوع

    قبل أن نناقش إلغاء أو بقاء هذه العقوبة، دعونا أولا نتكلم عن الغرض الاجتماعي الذي توفره هذه العقوبة، ثم نناقش على ضوئها ضرورة بقائها، أو إلغائها في جميع المجتمعات، المتقدمة منها والمتخلفة، توجد فلسفة عقابية. فالعقاب ليس لمجرد العقاب. ولكن لأنه توجد أهداف أبعد من مجرد الانتقام يستهدفها المجتمع.

والأهداف العامة التي تتفق عليها معظم المجتمعات تتلخص في الآتي:

  1. القصاص، أي أن من آذى المجتمع. يستحق الإيذاء بنفس المقدار.
  2. الردع: ويوجد له شقان: الردع العام، أي ردع أو تحذير المجتمع بأكمله، وحتى لا يرتكب هذه الجريمة المعاقب عليها، والردع الخاص. أو تحذير مرتكب الجريمة من ارتكابهـا مرة أخرى.
  3. حماية المجتمع، أي منع مرتكب الجريمة من إيذاء المجتمع طوال فترة العقوبة.
  4. التأهيل: أي إعطاء المحكوم عليه فرصة لكي يعيد حساباته، ويتم تأهيله للعودة إلى أحضان المجتمع بعد تدريبه على مهنة أو صنعة تنفعه بعد الإفراج عنه.
  5. التثقيف، أي إتاحة الفرصة للمحكوم عليه لكي يزيد من ثقافته، وإتاحة الفرصة له لكي ينهج في الحياة منهجا أفضل بعد الإفراج عنه.
  6. الاستنكار: أي أن المجتمع بتوقيعه العقوبة يبين استنكاره للجرم الذي ارتكبه المحكوم عليه.
  7. إحساس بالعدالة فالمجنى عليه وأسرته وبقية المجتمع سوف يزداد للقانون، لأن القانون قد حقق العدالة.

هذه هي الأهداف العامة، فإذا طبقناها على عقوبة الإعدام سنجد أنها قد حققت بعض وليس كل هذه الأهداف.

إن الهدف الأول الذي تحقق هو القصاص، فلقد ارتكب الجاني جريمة، استحق عليها الإعدام.

   ولكن القصاص يقتضي أن تكون العقوبة مساوية للجرم، وفي بعض الدول، يتم توقيع عقوبة الإعدام على جرائم غير القتل، ففي بعض مدن جنوب شرق آسيا، توقع عقوبة الإعدام على مرتكبي جريمة تهريب المخدرات. وفي مصر يجوز للمحكمة توقيع عقوبة الإعدام في حالة ارتكاب جريمة الاغتصاب، التي تصحابها جريمة الخطف.

الهدف الثاني: الذي تحقق هو منع المتهم من تكرار الجريمة التي عوقب عليها.

    ولكن إذا نظرنا إلى الردع العام. فإن كثير ممن ارتكبوا جريمة القتل، لم يرتدعوا، فرغم أن جميع أحكام الإعدام تملأ الصحف اليومية. فذلك لم يردعهم من ارتكاب الجريمة. فقد فشلت العديد من الدراسات بإثبات أن الإعدام يردع أكثر من عقوبة السجن لفترات طويلة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة الأمريكية أعلى نسبة في جرائم القتل بين دول العالم الصناعي، وهذه المعدلات أعلى في الولايات الجنوبية حيث أعلى انتشار لتطبيق عقوبة الإعدام؟

وإذا نظرنا إلى الردع الخاص، فإنه لا حاجة إليه، لأن المحكوم عليه بالإعدام لن يكون معنا في الحياة لكي نردعه.

والإعدام قد يريح بعض القلوب التي تحس بأن العدالة قد تحققتز ولكن. فضلا عن أن عقوبة الإعدام تطبق على جرائم لا تستحق إزهاق روح، وما زالت معاقبة بالإعدام.

الخاتمة

    ولكن مهما قيل من مبررات تحلق في السماء بعيدا عن أرض الواقع فإن عقوبة الإعدام هي عقوبة واقعية لابد وأن تبقى إلى قيام الساعة، ولأن نفرا من المجرمين وطائفة من الجرائم لا يصلح في مواجهتها إلا تلك العقوبة وبعيدا عن فلسفة العقاب وعلته من ردع أو زجر أو إعادة تأهيل للمجرم أو غير ذلك مما تعنيه علوم العقاب وحتي لو قيل أن جميع أغراض العقوبة غير متحققة بالنسبة للإعدام فإنه يكفي مبررا للإبقاء عليها مجرد اشفاء غيظ وغليل المجني عليه أو ذويه إذ بغير تلك العقوبة لا تستقيم عدالة في المجتمع أو حتى في نفوس أفراده. ولكن ومع تأييدنا قديما وحديثا لعقوبة الإعدام خاصة لما نراه من أنها عقوبة شرعية أوجبها الحق تبارك وتعالى في جرائم القصاص فإننا مع وجوب احاطة تلك العقوبة بالعديد من الضمانات التي نرى أن الواقع القانوني الحالي يقصر عن بلوغها، ومن أهم تلك الضمانات

  1. إجراء مراجعة تشريعية للمواضع التي أفرد المشرع فيها عقوبة الإعدام:

إذ إن المشرع قد أسرف كثيرا في تقرير تلك العقوبة بحيث ينبغي أن تقتصر على نوعية محددة من الجرائم وعلى صنف معين من المجرمين دون تجاوز لهذا الحد،

  1. تقرير مبدأ التقاضي على درجتين في مواد الجنايات التي يعاقب المشرع فيها بعقوبة الإعدام بحيث يجيز القانون في هذا النوع من الجرائم استئناف أحكام محكمة الجنايات أمام محكمة أعلى تتشكل من عدد أكبر من مستشاري الاستئناف مع الابقاء قطعا على ضمانة الطعن بالنقض زيادة في ضمانة التحقق من صحة الحكم بالإعدام واستحقاق المتهم لتلك العقوبة المغلوظة،
  2. بوجوب أن يصاحب اعتراف المتهم - خاصة في قضايا الإعدام - بعرضه فور اعترافه على الطب الشرعي والنفسي للكشف عليه وبيان ما إذا كان تعرض لإكراه مادي أو معنوي ولو دون طلب منه، إذ استنت العديد من التشريعات الحديثة تلك الضمانة احتياطا واستيثاقا من هذا الاعتراف الذي يكون في أغلب أحكام الإعدام هو الركيزة الأساسية التي يتساند إليها الحكم وليس أدل على أهمية تلك الضمانة المقترحة مما نشر قبل أسبوعين من الحكم ببراءة متهم سبق أن حكم عليه بالإعدام بعد أن رفضت المحكمة عرضه على طبيب نفسي لفحص حالته ولولا فطنة محكمة النقض المصرية التي ألغت هذا الحكم وأحالت الدعوى لإعادة محاكمة المتهم أمام دائرة أخرى والتي عرضته على مصحة نفسية وعقلية انتهت إلى كونه غير مسئول عن أفعاله فقضت ببراءته بعد أن كان محكوما عليه بالإعدام، وتبدو أهمية هذه الضمانة فيظل التعديل الأخير الخاص بقانون الصحة النفسية الذي ساوي بين المرض النفسي والعقلي في شأن امتناع المسئولية الجنائية، على الأخص في ظل تماحي الفواصل بين الأمراض النفسية والعقلية وظهور أنماط من تلك الأمراض يعيش بها الإنسان وهو جاهل لها وقد تدفعه إلى ارتكاب جرائم تحت تأثيرها، فلا يتصور والحال كذلك أن يطلب عرضه للكشف عن مرض هو يجهل إصابته به ومن ثم فإن تلك الضمانة لا ينبغي أن تكون رهنا بمشيئة المتهم أو دفاعه وإنما لابد أن ينظر إليها كضمانة لمصلحة العدالة والقانون التي تأبى خاصة في جرائم الإعدام التي توقع تلك العقوبة المغلظة على شخص مريض عقليا أو نفسيا غير مسئول عن أفعاله.
  3. إعطاء قاضي تجديد الحبس صلاحية التحقيق عن انكار المتهم الماثل أمامه للجريمة بعد سابقة اعترافه للوقوف على حقيقة هذا الاعتراف ثم العدول عنه بعد ساعات قليلة أمام القاضي وتفعيل الضمانة التي استحدثها المشرع في المادة 124 اجراءات في شأن وجود حضور محامي التحقيقات مع المتهم بجناية أو جنحة يعاقب عليها بالحبس وجوبا، إذ أنه ورغم وجود هذه الضمانة إلا أن الواقع العملي يشهد بتجاوزها والتحلل منها بمبرر الاستعجال والسرعة، وهو مبرر لو أسرفنا في استعماله فسوف يتسع لتعطيل الضمانة والعصف بها كلية، كما من الواجب النظر بعين الاعتبار في جرائم الإعدام إلى تصالح المجني عليه أو ذويه خاصة في جرائم الدم التي قد ينتج فيها الصلح أثرا في المجتمع التي وقعت فيه الجريمة أفضل كثيرا من أثر توقيع عقوبة الإعدام التي قد تفتح الباب إلى سيل متجدد من الجرائم خاصة في المجتمعات المحكومة بالعصبيات وثقافة الثأر،
  4. تدريب أعضاء النيابة العامة الذين سوف يعتلون في الغد منصة القضاء تدريبا يتسع ليشمل الإلمام الكامل بخطورة تلك العقوبة وما قد يترتب عليها من آثار وما ينبغي أن يصاحب تطبيقها من ضمانات وفلسفة وعلة كل ضمانة فضلا عن الإلمام بعلوم الإجرام الحديثة التي تغوص في شخص المجرم وأسباب الجريمة لأن في إدراك القاضي لجميع ذلك ما يساعده على حسن تقدير الوقائع ووزن الشخصية والخطورة الإجرامية للمتهم بما يسلمه إلى حسن تقدير العقوبة التي يستحقها. فعقوبة الإعدام هي واقع وضرورة لابد من الإبقاء عليها ولكن بضمانات تحد من المخاوف التي تحيط بتطبيق تلك العقوبة وتجعلها في إطارها المنضبط.

المراجع

  1. الأستاذة الدكتورة آمال عثمان - أصول علم العقاب، - دار النهضة العربية، 1983.
  2. الأستاذ الدكتور. أمين مصطفى - الحد من العقاب – نحو نظرية عامة لقانون العقوبات الإداري، دراسة مقارنة، رسالة الإسكندرية. 1993
  3. الأستاذ الدكتور. جلال ثروت - الظاهرة الإجرامية - دراسة في علم العقاب، الإسكندرية، دار المعرفة، 1987
  4. الأستاذ الدكتور رءوف عبيد: أصول علمي الإجرام والعقاب، دار الجيل للطباعة. القاهرة 1989، ص 89.
  5. الأستاذ الدكتور. محمد زكى أبو عامر - دراسة في علم الإجرام والعقاب. الإسكندرية، 1985.
  6.   الأستاذ الدكتور. محمد نجيب حسني – علم العقاب - دار النهضة العربية، القاهرة. 1967.فقرة 1

تقارير ووثائق:

  1. الوثيقة رقم 2005 / 006 / 50 act 5 ابريل 2005 م. منظمة العفو الدولية.
  2. الوثيقة رقم act 2005 / 006 / 50. 5 ابريل 2005 حملة منظمة العفو الدولية ضد عقوبة الإعدام
  3. تقرير منظمة العفو الدولية عن عقوبة الإعدام ضد حقوق الإنسان، 1989 م.

[1]الأستاذ الدكتور. أمين مصطفى - الحد من العقاب - نحو نظرية عامة لقانون العقوبات الإداري. دراسة مقارنة، رسالة الإسكندرية، 1993. ص 9

[2]الأستاذ الدكتور. محمد نحيب حسني - علم العقاب - دار النهضة العربية. القاهرة، 1967. فقرة 1. ص 11.

[3]الأستاذ الدكتور. جلال ثروت – الظاهرة الإجرامية - دراسة في علم العقاب. الإسكندرية، دار المعرفة. 1987

[4]منظمة العفو الدولية، الوثيقة رقم 2005 / 006/ 50 act 5 ابريل 2005 م.

[5]حملة منظمة العفو الدولية ضد عقوبة الإعدام، رقم الوثيقة act 2005/006/ 50. 5 أبريل 2005.

[6]منظمة العفو الدولية - الوثيقة رقم 2005 / 006 / 50 act - المرجع السابق.

[7]د. آمال عثمان - أصول علم العقاب، - دار النهضة العربية. 1983، ص 62.

[8]الأستاذ الدكتور. محمد زكي أبو عامر - دراسة في علم الإجرام والعقاب، الإسكندرية، 1985، ص 256

[9]د. رءوف عبيد : أصول علمي الإجرام والعقاب، دار الجيل للطباعة. القاهرة، 1989، ص 89.

[10]تقرير منظمة العفو الدولية عن عقوبة الإعدام ضد حقوق الإنسان، 1989 م

[11]منظمة العفو الدولية، المرجع السابق.

[12] Trade (G): Essais et Melanges Sociologiques 1985-p153.