الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

عدم دستورية نظر طلبات رجال مجلس الدولة على درجة واحدة

الدعوى رقم 125 لسنة 35 ق "دستورية" جلسة 3 / 11 / 2018
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثالث من نوفمبر سنة 2018م، الموافق الخامس والعشرون من صفر سنة 1440 هـ.
برئاسة السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: محمد خيرى طه النجار والدكتور عادل عمر شريف وبولس فهمى إسكندر ومحمود محمد غنيم وحاتم حمد بجاتو
والدكتور طارق عبد الجواد شبل     نواب رئيس المحكمة
وحضور    السيدة المستشار/ شيرين حافظ فرهود رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع     أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
      في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 125 لسنة 35 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت المحكمة الإدارية العليا - الدائرة السابعة - بحكمها الصادر بجلسة 2/9/2007 ملف الطعـــن رقــم 18456 لسنة 51 قضائية "عليا".
المقام من
المستشار/ سيد عنتر مرسى محمد
والخصوم المتدخلين هجوميًّا وهم السادة المستشارين:-
1 ‑ السيد بكر عباس جلال جاد المولى
2 ‑ صلاح يوسف عبد العليم يوســــف
3 ‑ أمير يعقوب مكى يعقـــوب
4 ‑ أسامة محمد عبد التواب محمــد
5 ‑ أحمد محمد حسنى عثمـان إدريس
6 ‑ أحمد مرزوق سلامة    كشـك
7 ‑ أسامة محمد أحمد حسنيــن
8 ‑ أحمد محسن فهمى خليــــل
9 ‑ أحمد محمد دسوقى محمــود
10 ‑ أحمد زكريا عبد التواب السيد
11 ‑ أبو الحسن عبد الغنى إبراهيم
12 ‑ أحمد محمد مصطفى نصيـــر
13 ‑ أحمد محمد هشام عبد الحكيــم
14 ‑ أحمد عيسى أبو المجد سـيد
15 ‑ أحمد محمد أحمد محمد السيســــى
16 ‑ أيمن عبد الفتاح محمد السيد
17 ‑ أسامة أنور عزيز
18 ‑ أحمد عزت أحمد مناع
19 ‑ أحمد عزت على البيلى
20 ‑ أشرف عبد المنعم إبراهيم
21 ‑ أحمد جلال زكى عبد الله
22 ‑ إبراهيم عبد الغفار إبراهيم
23 ‑ أحمد على حسن طلب
24 ‑ أحمد عبد الحليم رجب غنيم
25 ‑ أحمد إبراهيم عبد الحميد عثمان
26 ‑ إسلام عبد النبى زكى العنانى
27 ‑ أشرف محمد لطفى السيد
28 ‑ أحمد نجدى إسماعيل سليمان
29 ‑ أحمد فوزى محمد محمد
30 ‑ أحمد شفيق السيد محمد
31 ‑ أحمد عبد الجليل عطية
32 ‑ إبراهيم أحمد أبو العلا حسن
33 ‑ أحمد صلاح محمد إبراهيم
34 ‑ أحمد حلمى سعد مصطفى
35 ‑ أيمن عبد الحميد مصطفى كساب
36 ‑ أحمد محمد المهدى عبد الله
37 ‑ أحمد عبد الحليم القاضى
38 ‑ إسلام عبد البديع محمد
39 ‑ أمير محمد فتوح جاويش
40 ‑ أشرف خميس محمد محمد بركات
41 ‑ أحمد عبد الحميد محمود البرقى
42 ‑ أسامة صلاح الدين الجروانى
43 ‑ أسامة إبراهيم نفادى محمد
44 ‑ أحمد محمود عبد العاطى لولع
45 ‑ أيمن عباس أحمد عمران
46 ‑ أحمد أحمد عبد الفتاح عرب
47 ‑ إيهاب أحمد صلاح الدين سليمان
48 ‑ أحمد محمود محمد عيسى
49 ‑ السيد العربى أحمد حسن
50 ‑ أحمد محمد نادر عبد اللطيف
51 ‑ أسامة رمضان عبد الغنى
52 ‑ أحمد عوض حسن إسماعيل
53 ‑ أشرف عويس محمد محمد
54 ‑ أيسر منير السيد محسن
55 ‑ أدمون إدوارد إبراهيم عوض
56 ‑ أحمد محمد رشاد
57 ‑ أحمد محمد هلال أبو الدهب
58 ‑ أكرم حسين شوقى
59 ‑ أحمد رمضان حسنين محمد
60 ‑ أشرف محمد أنس جعفر
61 ‑ برتى سامى إبراهيم جنيدى
62 ‑ بهاء رمضان محمد قابيل
63 ‑ تامر عبد التواب معوض محمد
64 ‑ تامر عرفة عبده إبراهيم
65 ‑ تامر شاكر عبد الكريم
66 ‑ مصطفى حسين السيد أبو حسين
67 ‑ طارق نعمان هنداوى
68 ‑ علاء محمد رمضان أحمد
69 ‑ أسامة يوسف شلبى
70 ‑ جابر محمد مصطفى على حجى
71 ‑ جمال رمضان عبد الغنى
72 ‑ جورج غبريال جاد عبد الملاك
73 ‑ حلمى محمود حلمى أبو راشد
74 ‑ حسن محمد عادل حسن
75 ‑ حسين ناجى محمد مهيدى
76 ‑ حمادة محمد أبو الفتوح
77 ‑ حسام ممدوح سامى مازن
78 ‑ حسين عبد الظاهر سيد محمد
79 ‑ حسن على محمد عبد الجواد
80 ‑ حسن محمد حسن هند
81 ‑ حسن خلف الله محمد أحمد
82 ‑ حميدة أحمد حميدة حسن
83 ‑ حاتم صلاح سلامة
84 ‑ خالد سيد محمد محمود
85 ‑ خالد سيد صميدة عبد الله
86 ‑ خالد صالح محمد طه
87 ‑ خالد فهمى على طه
88 ‑ خلف عبد الغنى عبد الله
89 ‑ خالد فتحى جلال أبو العلا
90 ‑ خالد أحمد حسن إبراهيم
91 ‑ رامى محمد أبو الفضل أحمد
92 ‑ رضا فاروق حامد الملاح
93 ‑ رامى عزت إسماعيل رسلان
94 ‑ رضا أحمد فوزى محمد زكى
95 ‑ رضا محمد عثمان دسوقى
96 ‑ ربيع محمود محمد أحمد الصغير
97 ‑ رجب عشرى سيد جمعة
98 ‑ سامح رمضان عبد النعيم
99 ‑ سامر رأفت محمد عبده اللبان
100 ‑ سامح مسعد عبد المقصود
101 ‑ سمير أحمد سعد عبد السلام
102 ‑ سامح أحمد رأفت دسوقى
103 ‑ سعيد محمد عطية بسيونى
104 ‑ سامح صلاح على شلبى
105 ‑ سعد مسعود محمد محفوظ
106 ‑ سامح محمد عثمان دسوقى
107 ‑ شريف منير على خليل
108 ‑ شريف محمد عفيفى أمين
109 ‑ شاكر عبد الله شاكر
110 ‑ شريف محمود محمد عيسى
111 ‑ صلاح يوسف عبد العليم
112 ‑ صبحى جرجس إسحاق
113 ‑ صلاح شندى عزيز تركى
114 ‑ طارق نعمان هنداوى على
115 ‑ طه سعيد السيد أحمد
116 ‑ على خميس سلطان فرج
117 ‑ عبد الغنى سيد محمد الزيات
118 ‑ عاطف نصر مسلمى على
119 ‑ عاصم محمد محمود عبد الواحد
120 ‑ عمر عبد الفتاح عبد المقصود أمين
121 ‑ عبد النعيم رمضان عبد النعيم
122 ‑ على منير على محمد زمزم
123 ‑ عادل لحظى بخيت
124 ‑ عمرو إبراهيم أحمد عرابى
125 ‑ عادل عطية الله رسلان أحمد
126 ‑ عمرو محمود عبد الرحيم محمد
127 ‑ عمرو فتح الله عكاشة
128 ‑ عبد القادر أبو الدهب يوسف
129 ‑ عماد أحمد محمد عبد الرحمن
130 ‑ عمرو محمد جمعة عبد القادر
131 ‑ عبد الحميد جاد الكريم سليم
132 ‑ عبد الرحيم إبراهيم محمد حسانين
133 ‑ عبد الواحد أحمد ضياء الدين
134 ‑ عبد الحميد عبد الفتاح ثابت
135 ‑ عبد الرازق مهران عبد الرازق
136 ‑ عادل فتحى مصطفى أبو العمايم
137 ‑ عماد الدين جودة محمد محمد
138 ‑ عصام محمود على أبو العلا
139 ‑ عادل محمد على جودة
140 ‑ عمرو عبد التواب السيسى
141 ‑ عبد الرحمن أحمد عبد الرحمن
142 ‑ عاطف أسامة سيد محمود
143 ‑ عبد المجيد أحمد حسن المقنن
144 ‑ على فؤاد أحمد قطب
145 ‑ عبد الرحمن محمد عبد العليم
146 ‑ فرحات عبد العظيم عبد الجواد
147 ‑ فهمى مصطفى محمد عبد المعطى
148 ‑ فاروق رجب على محمد
149 ‑ لطفى إبراهيم موسى منهرواى
150 ‑ محمود على أحمد مدنى
151 ‑ محمد بدر إبراهيم حسين
152 ‑ محمد رأفت محمد صالح
153 ‑ محمد رجب عزيز سيد تركى
154 ‑ محمد عبد المحسن إسماعيل محمد
155 ‑ محمد المنجى توفيق أحمد
156 ‑ محمود عيسى أبو المجد سيد
157 ‑ محمد عبد الله عمارة
158 ‑ محمد مسعد موسى دياب
159 ‑ مصطفى محمد حسين جودة
160 ‑ محمد سيد محمد عبد الجواد نصر
161 ‑ محمد كامل عبد الظاهر عبد المنعم
162 ‑ محمد رمضان عبد النعيم جاب الله
163 ‑ معتز محمد أبو زيد محمد
164 ‑ محمد محمود إبراهيم أحمد
165 ‑ محمد صلاح عبد الله أبو رجب
166 ‑ محمد رضا سليمان محمد
167 ‑ محمد هشام أحمد كمال عبد المطلب الكشكى
168 ‑ محمد سماحة إبراهيم على عمر
169 ‑ محمد جابر محمد عبد العليم
170 ‑ محمد إبراهيم عبد السلام
171 ‑ ممدوح وليم جيد سعيد
172 ‑ ميلاد جرجس مهاود
173 ‑ مصطفى فاروق مصطفى حسين
174 ‑ محمد أحمد زكى جاد المولى
175 ‑ محمود أحمد زكى جاد المولى
176 ‑ محمد أحمد عبد العزيز خضر
177 ‑ محمد رمضان محمد محمود قاسم
178 ‑ محمد فاروق على موسى
179 ‑ محمد ممدوح عبد العزيز بدران
180 ‑ محمد حسن محمد بدوى
181 ‑ محمد أحمد عبد الله إبراهيم
182 ‑ محمد عصام الدين عبد العزيز
183 ‑ مصطفى عبد الله عامر
184 ‑ محمد عبد المنعم سلامة شلقامى
185 ‑ مراد فؤاد محمد بيومى
186 ‑ محمد حمدى محمد أمين الوكيل
187 ‑ محمود عبد الله عامر ابراهيم
188 ‑ محمد عبد الستار كامل نصار
189 ‑ مصطفى عبد المحسن إبراهيم الحبشى
190 ‑ محمد حامد عبد المعطى عبد الفتاح
191 ‑ محمد محمد العزب السقا
192 ‑ محمد حسن محمد بدوى
193 ‑ محمد عشرى بخيت محمد
194 ‑ محمد مختار أحمد محمد
195 ‑ محمد شعبان عبد الرحمن محمد
196 ‑ محمد صلاح الدين محمد قناوى
197 ‑ محمد عمر حسين محمد
198 ‑ محمود مصطفى سيد عبد الرحمن
199 ‑ محمد ماهر عباس عافية
200 ‑ محمد أبو العيون جابر على
201 ‑ ماجد زكى خليل حبش
202 ‑ محمود رشيد محمد أمين
203 ‑ محمد سليمان سيد سليمان
204 ‑ مجدى حفنى راتب هاشم
205 ‑ محمد سيد عبد العظيم محمود
206 ‑ محمود صبحى على السيد
207 ‑ محمد عمرو فؤاد أحمد
208 ‑ محمود محمد محى الدين محمود
209 ‑ مصطفى صلاح الدين عبد السميع
210 ‑ منير إبراهيم عبد العال    محمد الصغير
211 ‑ محمد حمدى حسن غيث
212 ‑ محمد أحمد إبراهيم قنديل
213 ‑ محمد عبد الفتاح نشأت عبد السميع
214 ‑ محمد عبد الله محمد مقلد
215 ‑ محمد السعيد عبده جاهين
216 ‑ محمد سامى عبد الجواد
217 ‑ محمد سمير محمد موسى
218 ‑ معاذ محمود خليل
219 ‑ محمد حلمى البرعى زاهر
220 ‑ محمد على فكرى حسن صالح
221 ‑ محمد فاروق السيد العوانى
222 ‑ محمد على عبد المجيد دويدار
223 ‑ محمد محمد السعيد محمد
224 ‑ محمد حسين محمد محمد نصر
225 ‑ محمد عبد النعيم محمد نصير
226 ‑ محمد بلال على إبراهيم
227 ‑ محمد عبد المجيد أحمد المقنن
228 ‑ محمد عبد البديع عسران
229 ‑ محمد ظهرى محمد يوسف
230 ‑ نادى محمد عبد اللطيف يوسف
231 ‑ نبيل كامل محمد الكومى
232 ‑ نادى سيد أحمد عبد الحميد
233 ‑ نصر الدين عبد الرحيم سيد
234 ‑ نبيل صلاح بيومى محمد
235 ‑ ناجح أحمد عبد الوهاب
236 ‑ هشام السيد سليمان عزب
237 ‑ هانى سعيد محمد بهجات
238 ‑ هشام محمد فوزى عبد الفتاح
239 ‑ هشام محمد أحمد فودة
240 ‑ هشام محمد عبد الرحمن
241 ‑ وسام الدين البربرى عزازى
242 ‑ وليد عبد العزيز على حسن
243 ‑ وائل عزت احمد مناع
244 ‑ وائل على حسن عبد الرحمن
245 ‑ وائل عبده عبد الهادى إمام
246 ‑ وليد سامى على السقا
247 ‑ ياسر احمد محمد عبد المقصود
248 ‑ ياسر محمود محمد احمد الصغير

ضــــد
1- رئيس مجلس الـوزراء
2- وزير الماليــة
3- وزير العـ4- وزير الدولة للتنمية الإدارية
5- رئيس مجلس الدولـة
الإجـراءات
بتاريخ العشرين من يوليه سنة 2013، ورد إلى قلم كتاب هذه المحكمة ملف الطعن رقم 18456 لسنة 51 قضائية "عليا"، بعد أن قضت المحكمة الإدارية العليا بجلسة الثاني من سبتمبر سنة 2007 بوقف الطعن، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادة (104) من قانون مجلس الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972، المعدلة بالقانون رقم 50 لسنة 1973، في ضوء التعديل الذى استحدثه القانون رقم 142 لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية، والمادة السابعة (صحتها السادسة) من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 في شأن قواعد وإجراءات منح حافز أداء متميز للعاملين المدنيين بالدولة الحاصلين على درجة الدكتوراه وما يعادلها، ودرجة الماجستير وما يعادلها، فيما نصت عليه من استبعاد العاملين بالكادرات الخاصة من الاستفادة بميزة حافز الماجستير والدكتوراه.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة بجلسة 13/10/ 2018 إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم. وبتاريخ 17/10/2018، قدم المستشار/ سيد عنتر مرسى محمد، طلبًا لفتح باب المرافعة لإثبات ترك الخصومة في الدعوى.
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –حسبما يتبين من حكم الإحالة وسائـر الأوراق – في أن المدعى في الدعوى الموضوعية كان قد أقام أمام المحكمة الإدارية العليا - الدائرة السابعة "موضوع" - الطعن رقم 18456 لسنة 51 قضائية ضد رئيس مجلس الوزراء وآخرين، طالبًا الحكم: أولاً: بإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 فيما تضمنه من عدم سريان أحكامه على العاملين بكادرات خاصـة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أهمها صرف الحافز المقرر به للطالب منذ تاريخ تقريره.
ثانيًا: بأحقية الطالب في صرف البدلات والعلاوات والمزايا المالية الأخرى، المقررة للدرجة التالية لدرجته اعتبارًا من 1/1/2002، مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية. وذلك على سند من أنه عين بمجلس الدولة بوظيفة مندوب مساعد اعتبارًا من 4/7/2000، بموجب القرار رقم 300 لسنة 2000، وحصل على درجة الماجستير وتمت ترقيته إلى درجة مندوب اعتبارًا من 1/1/2002، ثم رقى إلى درجة نائب اعتبارًا من 5/6/2005، وقد صدر قرار رئيس مجلس الــــــوزراء رقم 734 لسنة 2005 متضمنًا منح حافز أداء متميز للعاملين المدنيين بالدولة الحاصلين على درجة الدكتوراه وما يعادلها ودرجة الماجستير وما يعادلها، وتضمن هذا القرار في مادته السادسة النص على عدم سريان أحكامه على العاملين بكادرات خاصة وذلك بالمخالفة لمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (40) من الدستور، ولما كانت المادة الحادية عشرة من القانون رقم 17 لسنة 1976 بتعديل بعض أحكام قوانين الهيئات القضائية تنص على أن "يضاف إلى قواعد تطبيق جدول المرتبات الملحق بكل من قانون السلطة القضائية وقانون مجلس الدولة والقانون رقم 89 لسنة 1973، والقانون رقم 88 لسنة 1973 آنفى الذكر فقرة أخيرة نصها الآتى: يستحق العضو الذى يبلغ مرتبه نهاية مربوط الوظيفة التى يشغلها، العلاوة المقررة للوظيفة الأعلى مباشرة ولو لم يرق إليها بشرط ألا يجاوز مرتبه نهاية مربوط الوظيفة الأعلى، وفى هذه الحالة يستحق البدلات بالفئات المقررة لهذه الوظيفة". وكان الطالب يحصل بعد تعيينه بوظيفة مندوب على مرتب يجاوز نهاية الربط المقرر لهذه الدرجة، كما أن مرتبه بعد ترقيته لوظيفة نائب يتجاوز نهاية الربط المقرر لتلك الدرجة، ومن ثم فإنه يحق له صرف البدلات والعلاوات والمزايا المالية المقررة للدرجة التالية لدرجته سواء في ذلك بدل القضاء أو العلاوات الدوريـة والخاصة أو الحافز المقرر بصندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية، وذلك اعتبارًا من 1/1/2002.
وتدوول نظر الطعـن بجلسات المحكمة الإدارية العليا، أمام الدائرة المختصة بنظر طلبات أعضاء مجلس الدولة، حيث تدخل فيه الخصوم المتدخلون هجوميًّا، وطلب المتدخل الأول (هجوميًّا) الحكم له بذات الطلبات المقدمة من الطاعن الأصلي، وطلب باقي المتدخلين الحكم بأحقيتهم في الحصول على حافـــــز تميز الأداء الشهري بقيمة مائة جنيه شهريًّا للحاصلين على درجة الماجستير في القانون، ومائتي جنيه شهريًّا للحاصلين على درجة الدكتوراه في القانون اعتبارًا من 13/5/2005، وبجلسة 2/9/2007، قضت المحكمة بقبول تدخل المتدخلين هجوميًّا، وبوقف نظر الطعن وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية المادة (104) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة المعدلة بالقانون رقم 50 لسنة 1973 في ضوء التعديل الذى استحدثه القانون رقم 142 لسنة 2006 المشار إليه، والمادة السابعة (وصحتها السادسة) من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 السالف الذكر باستبعاد العاملين بالكادرات الخاصة من الاستفادة بميزة حافز الماجستير والدكتوراه؛ لمخالفة المادة (104) المار ذكرها لنصوص المواد (40، 65، 68، 165، 172) من دستور سنة 1971، ومخالفة المادة السابعة من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 للمادة (40) من الدستور ذاته.
وحيث إنه عن الطلب المقدم من المستشار سيد عنتر مرسى محمد، بفتح باب المرافعة في الدعوى المعروضة لإثبات ترك الخصومة بعد حجزها للحكم دون تصريح بمذكرات، فإن المحكمة تلتفت عنه، خاصة أن الخصوم المتدخلين هجوميَّا، قد قضت المحكمة الإدارية العليا بحكمها الصادر بجلسة 2/9/2007، بقبول تدخلهم هجوميًّا في الطعن، ومن ثم يعدون في مركز المدعى، فإذا زالت الخصومة بسبب تركها فلا أثر لذلك الترك على طلب التدخل هجوميًّا، فيظل هذا الطلب وما اتصل به من طلبات باقيًا ومطروحًا على محكمة الموضوع، متعينًا الفصل فيه.
وحيث إن المادة (104) من قانون مجلس الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972 المستبدلة بالقانون رقم 50 لسنة 1973 تنص على أن "تختص إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا دون غيرها بالفصل في الطلبات التي يقدمها رجال مجلس الدولة بإلغاء القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بأي شأن من شئونهم وذلك عدا النقل والندب، متى كان مبنى الطلب عيبًا في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو خطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة.
كما تختص الدائرة المذكورة دون غيرها بالفصل في طلبات التعويض عن تلك القرارات.
وتختص أيضًا دون غيرها بالفصل في المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت المستحقة لرجال مجلس الدولة أو لورثتهم.
ولا يجوز أن يجلس للفصل في هذه المسائل من كان عضوًا في المجلس الأعلى للهيئات القضائية إذا كان قد اشترك في القرار الذي رفع الطلب بسببه.
ولا تحصل رسوم على هذا الطلب". هذا وقد ألغى المجلس الأعلى للهيئات القضائية بمقتضى القانون رقم 192 لسنة 2008 في شأن مجلس الهيئات القضائية وحل المجلس الجديد محله.
وتنص المادة السادسة من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 في شأن قواعد وإجراءات منح حافز أداء متميز للعاملين المدنيين بالدولة الحاصلين على درجة الدكتوراه وما يعادلها ودرجة الماجستير وما يعادلها على أن "لا تسرى أحكام هذا القرار على العاملين بكادرات خاصة".
وتنص المادة السابعة من القرار ذاته على أن "ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية، ويعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشره".
وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية، وهى شرط لقبولها، مناطها - وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية مؤثرًا في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع؛ ويستوى في شأن توافر هذه المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هى وحدها التى تتحرى توافر المصلحة في الدعاوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها، بما مؤداه أن الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا لا تفيد بذاتها توافر المصلحة، بل يتعين أن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازمًا للفصل في النزاع المثار أمام محكمة الموضوع.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلغاء النص التشريعي المطعون فيه لا يحول دون النظر والفصل في الطعن بعدم الدستورية من قبل من طبق عليهم ذلك القانون خلال فترة نفاذه، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليهم، وتبعًا لذلك توافرت لهم مصلحة شخصية في الطعن بعدم دستوريته.
متى كان ذلك، وكان المدعى في الدعوى الموضوعية والخصوم المتدخلون فيها يطلبون الحكم بإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 المشار إليه فيما تضمنه من عدم سريان أحكامه على المعاملين بكادرات خاصة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أهمها صرف الحافز المقرر لهم من تاريخ تقريره، وبأحقيتهم في صرف البدلات والعلاوات، والمزايا المالية الأخرى المقررة للدرجة التالية لدرجتهم، وقد أقام المدعى طعنه أمام الدائرة المختصة بنظر طلبات أعضاء مجلس الدولة وهى إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا المشكلة طبقًا لنص المادة (104) من قانون مجلس الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانــــون رقم 47 لسنة 1972، وكانت تلك المادة قد قصرت الاختصاص بنظر الطعون المتعلقة بشئون أعضاء مجلس الدولة على هذه الدائرة وجعلت التقاضي فيما يتعلق بشئونهم على درجة واحدة، ومن ثم فإن حسم دستورية ذلك النص المحال يكـون ذا أثر وانعكاس أكيد على النزاع الموضوعي المرتبط به، وولاية الدائرة المسند إليها الفصل في طلبات أعضاء مجلس الدولة بالمحكمة الإدارية العليا دون غيرها، على درجة واحدة، لتتوافر بذلك المصلحة في الدعوى المعروضة في اختصام هذا النص في حدود نطاقها المتقدم، فضلاً عن أن حافز الأداء المطالب به قد انتظم قواعده وإجراءات منحه قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 المشار إليه، وكان نص المادة السادسة منه يحول دون إعمال محكمة الموضوع سلطتها في تقرير مدى سريان قواعد وإجراءات منح ذلك الحافز لأعضاء مجلس الدولة المعتبرين ضمن الجهات المعاملة ماليًّا بكادر خاص، ومن ثم فإن الفصل في دستورية ذلك النص المحال يكون أيضًا لازمًا للفصل في النزاع الموضوعي المرتبط به، وذا أثر على الطلبات المطروحة به، وقضاء محكمة الموضوع فيها، مما تتوافر معه أيضًا المصلحة في الدعوى المعروضة في اختصامه، ويتحدد نطاقها في مجال إعمال نص المادة السادسة من ذلك القرار - وذلك دون المادة السابعة منه الذى ورد رقمها بحكم الإحالة على سبيل الخطأ المادي - على أعضاء مجلس الدولة دون غيرهم من المعاملين بكادرات خاصة ، ولا ينال من ذلك نسخ القرار المار ذكره بمقتضى نص المادة الثانية من القانون رقم 81 لسنة 2016 بإصدار قانون الخدمة المدنية - المعمول به اعتبارًا من الثاني من نوفمبر سنة 2016، اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية، طبقًا لنص المادة الخامسة من ذلك القانون - بعدما أعاد هذا القانون ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1216 لسنة 2017 تنظيم المسألة ذاتها، على نحو مغاير لتنظيمها السابق به، متى كانت الأحكام المتقدمة قد طبقت على المدعى والمتدخلين في الدعوى الموضوعية، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليهم.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على نص المادة (104) في النطاق المحدد سلفًا إخلاله بمبدأ المساواة في مجال حق التقاضي بأن جعل التقاضي بالنسبة لأعضاء مجلس الدولة يتم على درجة واحدة، في حين أن التقاضي بالنسبة لرجال القضاء والنيابة العامة يتم على درجتين، مكرسًا بذلك تمييزًا غير مبرر بالمخالفة للمواد (40، 65، 68، 165، 172) من دستور سنة 1971، المقابلة للمواد (53، 94، 97، 184، 190) من دستور سنة 2014.
وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، ذلك أن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون هذا الدستور، وحمايته من الخروج على أحكامه التي تمثل دائمًا القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من تشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكان نص المادة (104) من قانون مجلس الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972 المستبدلة بالقانون رقم 50 لسنة 1973 مازال معمولاً بأحكامه، كما أن إلغاء العمل بأحكام قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 جاء بعد العمل بأحكام قانون الخدمة المدنية المعمول به اعتبارًا من 2/11/2016، أي بعد صدور الدستور الحالى في 18/1/2014، ومن ثم فإن حسم دستورية هذه النصوص يكون في ضوء أحكامه.
      وحيث إن الدستور قد حرص في المادة (4) منه على النص على مبدأ تكافؤ الفرص، باعتباره من الركائز الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع، والحفاظ على وحدته الوطنية، ومن أجل ذلك جعل الدستور بمقتضى نص المادة (9) منه تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز التزامًا دستوريًّا على عاتق الدولة، لا تستطيع منه فكاكًا. وقوام هذا المبدأ - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تفترض تكافؤها، وتتدخل الدولة إيجابيًّا لضمان عدالة توزيعها بين من يتزاحمون عليها، وضرورة ترتيبهم بالتالى فيما بينهم على ضوء قواعد يمليها التبصر والاعتدال؛ وهو ما يعنى أن موضوعية شروط النفاذ إليها، مناطها تلك العلاقة المنطقية التي تربطها بأهدافها، فلا تنفصل عنها.
      وحيث إن الدستور قد اعتمد كذلك بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ المساواة، باعتباره إلى جانب مبدأي العدل وتكافؤ الفرص، أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، وتأكيدًا لذلك حرص الدستور في المادة (53) منه على كفالة تحقيق المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، وفى الحقوق والحريات والواجبات العامة، دون تمييز بينهم لأى سبب، إلا أن ذلك لا يعنى - وفقًا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة - أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوي بالتالي على مخالفة لنص المادتين (4، 53) المشار إليهما، بما مؤداه أن التمييز المنهى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكميًّا، وأساس ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التى يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم، فإذا كان النص المطعون عليه - بما انطوى عليه من تمييز - مصادمًا لهذه الأغراض بحيث يستحيل منطقًا ربطه بها أو اعتباره مدخلاً إليها فإن التمييز يكون تحكميًّا وغير مستند بالتالي إلى أسس موضوعية، ومن ثم مجافيًا لمبدأ المساواة.
وحيث إن الدستور بما نص عليه في المادة (97) من أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعى قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعًا عن مصالحهم الذاتية، وقد حرص الدستور على ضمان إعمال هذا الحق في محتواه المقـرر دستوريًّا بما لا يجوز معه قصر مباشرته على فئة دون أخرى، أو إجازته في حالة بذاتها دون سواها، كما أن هذا الحق باعتباره من الحقوق العامة التى كفل الدستور بنص المادتين (4، 53) المساواة بين المواطنين فيها، لا يجوز حرمان طائفة منهم من هذا الحق مع تحقق مناطه - وهو قيام منازعة في حـــق من الحقوق - وإلا كان ذلك إهدارًا لمبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين الذين لم يحرموا من الحق ذاته.
وحيث إن الدستور قد حرص على تخصيص الباب الخامس منه لنظام الحكم، وحدد فيه السلطات العامة التي يتكون منها هذا النظام، وخصص الفرع الأول من الفصل الثالث للأحكام العامة الحاكمة للسلطة القضائية، باعتبارها إحدى السلطات العامة التي يتكون منها نظام الحكم في الدولة، مؤكدًا في المادة (184) منه على استقلالها، وأن تتولاها المحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها، ومن أجل ذلك أوجب الدستور في المادة (186) منه كفالة استقلال القضاة الذين يتحملون أعباء هذه الولاية، وحصنهم بضمانة عدم القابلية للعزل، وعدم خضوعهم في عملهم لغير القانون، وإذا كان الدستور قد اعتبر بمقتضى المادة (4) منه مبدأ المساواة أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية - كما سلف البيان، فقد ضمن نص المادة (186) منه أحد تطبيقات هذا المبدأ، فساوى بين جميع القضاة في الحقوق والواجبات، أيًّا كانت جهة القضاء التابعين لها، والتي يندرج ضمنها حق التقاضي باعتباره أحد الحقوق الشخصية التي كفلها الدستور في المادة (97) منه، لا سيما في خصوص المنازعات الإدارية المتعلقة بشئون أعضاء كل من جهات القضاء، ذلك أن الدستور وإن جعل مجلس الدولة بمقتضى نص المادة (190) منه صاحب الولاية العامة في الفصل في المنازعات الإدارية، إلا أنه استثنى منها تلك المنازعات المتعلقة بشئون أعضاء كل جهة من جهات القضاء، ليجعلها من اختصاص تلك الجهة دون غيرها، لارتباطه الوثيق باستقلالهـا، وهو ما أكدته المادة (188) من الدستور التي أسندت لجهة القضاء العادي دون غيرها الاختصاص بالفصل في المنازعات المتعلقة بشئون أعضائها، ومع ذلك تبقى تلك المنازعات أيًّا كانت جهة القضاء المختصة بالفصل فيها متفقة في مضمونها وطبيعتها، بما يوجب إحاطتها بالوسائل الإجرائية عينها التى يقتضيها الدفاع عن حقوق هؤلاء القضاة، ذلك أن حرمان بعضهم منها دون مسوغ، يُعد عدوانًا على حقوقهم، وتقليص فرص حمايتها، رغم اتحاد طبيعتها، والذى يستوجب أن تحكمها القواعد القانونية ذاتها عند توافر شروط تطبيقها، وبوجه خاص على صعيد الطعن في الأحكام الصادرة فيها، إذ لا يجوز أن يكون هذا الطريق مفتوحًا لفئة من القضاة ومحجوبًا عن نظرائهم، بحسبانه أحد الوسائل القانونية للدفاع عن الحقوق والحريات التي كفلها الدستور.
وحيث إن نص المادة (104) من قانون مجلس الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972 - النص المحال - فيما تضمنه من اختصاص إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا وحدها بالفصل في المنازعات المتعلقة بشئون أعضائه، مقتضاه أن التقاضي بشأنهم يتم على درجة واحدة، ومن ثم يكون قد أقام تمييزًا غير مبرر بين هؤلاء الأعضاء وأقرانهم من أعضاء السلطة القضائية الذين منحهم نص المادة (83) من قانون السلطة القضائية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 لسنة 1972، بعد استبداله بالقانون رقم 142 لسنة 2006، الحق في التقاضي في شأن الطلبات الخاصة بهم على درجتين، فجعل الاختصاص معقودًا للدوائر المدنية بمحكمة استئناف القاهرة، مع إمكانية الطعن على أحكامها أمام دوائر المواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض، مما يتيح لهم حماية أكبر في مجال استئداء حقوقهم، بأن أتاح لهم درجة أخرى من درجات التقاضي يتناضلون فيها عسى أن يدركوا فيها ما فاتهم من أدلة لم يقدموها للدائرة المختصة، أو يكتشفون وجهًا للدفاع لم يمكنهم اكتشافه في المرحلة الأولى بما يكفل الطمأنينة لحماة العدالة حتى ينصرفوا لأداء رسالتهم على أكمل وجه، وحتى ينالوا الترضية القضائية إنصافًا، وهو ما حُرم منه أعضاء مجلس الدولة، وذلك رغم تماثل مراكزهم القانونية، إذ يجمعهم أنهم قضاة متساوون في الحقوق والواجبات، ليضحي حرمان أعضاء مجلس الدولة من هذا الحق، انتقاصًا من فرص الحماية القانونية للحقوق المقررة لهم بمقتضى أحكام الدستور ووسائلها التي اعتمدها المشرع، لا يرتكن إلى أسس موضوعية تبرره، بما يهدر شرط التناسب بين التنظيم الذى سنه كوسيلة لتحقيق الأهداف التي رصدها له، وبين تلك الغايات، ليغدو مصادمًا لتلك الأغراض، وغير مرتبط بها برابطة منطقية ، ومتضمنًا تمييزًا تحكميًّا بين كلتا الفئتين في مجال مباشرة الحق في التقاضي، مما يوقع النص في حومة مخالفة مبدأي تكافؤ الفرص والمساواة اللذين كفلهما الدستور في المواد (4، 9، 53، 186) منه، وللحق في التقاضي المقرر بالمادة (97) منه، بعد أن قيد من نطاق ممارسة هذا الحق، وانتقص من محتواه ومضمونه، بما يمس أصله وجوهره، وهو ما يصمه كذلك بمخالفة المادة (92) من الدستور، فضلاً عن أنه بحرمانه لأعضاء مجلس الدولة من هذه الضمانة يكون قد انتقص من الاستقلال الممنوح لهم بالمخالفة للمواد (94، 184، 190) من الدستور.
وحيث إن حكم الإحالة ينعى على نص المادة السادسة من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 في شأن قواعد وإجراءات منح حافز أداء متميز للعاملين المدنيين بالدولة الحاصلين على درجة الدكتوراه وما يعادلها، ودرجة الماجستير وما يعادلها، إخلاله بمبدأ المساواة بالمخالفة للمادة (40) من دستور سنة 1971 المقابلة للمادة (53) من دستور سنة 2014، إذ حرمت أعضاء مجلس الدولة باعتبارهم من ذوي الكادرات الخاصة من استحقاق هذا الحافز على الرغم من وحدة الغرض من تقريره وهو تشجيع التميز العلمي سواء بالنسبة للعاملين المدنيين بالدولة أو ذوى الكادرات الخاصة ومنهم أعضاء مجلس الدولة، ومن ثم فلا وجه للمفارقة في المعاملة المالية بينهما، والتي تغدو غير مبررة من ناحية دستورية.
      وحيث إن المادة (122) من قانون مجلس الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972 تنص على أن "تحدد مرتبات أعضاء مجلس الدولة بجميع درجاتهم وفقًا للجدول الملحق بهذا القانون، ولا يصح أن يقرر لأحد منهم مرتب بصفة شخصية أو أن يعامل معاملة استثنائية بأية صورة. وتسري فيما يتعلق بهذه المرتبات والبدلات والمزايا الأخرى وكذلك بالمعاشات وبنظامها جميع الأحكام التي تقرر في شأن الوظائف المماثلة بقانون السلطة القضائية".
      وحيث إن جدول الوظائف والمرتبات والبدلات الملحق بقانون مجلس الدولة المشار إليه والمستبدل بالقانون رقم 32 لسنة 1983 قد حدد المخصصات السنوية للمخاطبين بأحكام قانون مجلس الدولة في المرتب وبدل القضاء، وبدل التمثيل، والعلاوة الدورية السنوية، على النحو المبين تفصيلاً بالفئات المقررة لكل وظيفة من وظائف مجلس الدولة، وقواعد تطبيق جدول المرتبات المكملة له.
      وحيث إن المادة (1) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 تقضى بأنه لا تسري أحكامه على العاملين الذين تنظم شئون توظفهم قوانين أو قرارات خاصة فيما نصت عليه هذه القوانين والقرارات، وقد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء المحال ملتزمًا أحكام هذا النص في خصوص تحديده لنطاق المخاطبين بأحكامه، فاستثنى منه بمقتضى النص المحال المعاملين بكادرات خاصة، بحيث لا تسرى عليهم أحكامه.
      وحيث إنه من المقرر أن سمات الكادر الخاص تطغى فيه طبيعة العمل محل الوظيفة على التنظيم القانوني لها بحيث تدمغه بطابعها، وتسبغ هذا الطابع على ذلك التنظيم، فيفرض طبيعته وآثاره عليه، ولقد عدد المشرع في القانون رقم 32 لسنة 1983 الكادرات الخاصة بما يكشف عن هذه الطبيعة الخاصة والإطار المتميز لها. وإذا كان هذا هو وضع الكادر الخاص في دائرة الوظيفة العامة، فإنه يكون مفهومًا - وباعتباره تنظيمًا خاصًّا - أن يمثل الأصل في تنظيم شئون الخاضعين لأحكامه، فإذا قصر هذا التنظيم، أو سكت عن ترتيب أمر ما، وجب وبلا ريب الرجوع للشريعة العامة لتلك الوظيفة، وعلى هذا تجرى دائمًا التشريعات المنظمة للوظيفة العامة ، على أن يكون لهذا الرجوع حدوده وضوابطه، فإذا كان منطق التفسير يقبل استدعاء أحكام الوظيفة العامة للتطبيق على الخاضعين لنظام خاص، فيما لم يرد فيه حكم، فإن ذلك مشروط بألا يتضمن النظام العام للتوظف أحكامًا تتعارض مع أحكام التنظيم الخاص، أو تتنافى مع مقتضاهـا، أو مع طبيعة عمل تلك الكادرات، ومتطلباتها.
متى كان ما تقدم، وكان جدول الوظائف والمرتبات والبدلات الملحق بقانون مجلس الدولة قد خلا من تقرير مخصص مالي بمسمى حافز أداء المنصوص عليه في المادة (50) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، والذى صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 بقواعد وإجراءات منحه للعاملين الحاصلين على درجة الدكتوراه ومـا يعادلها، ودرجة الماجستير وما يعادلها، فإن مؤدى ذلك أن المشرع في قانون مجلس الدولة قد تناول بالتنظيم المستحقات المالية لأعضاء مجلس الدولة، بما يمتنع معه الرجوع إلى ما عداه في شأنها، ولازم ذلك عدم سريان المعاملة المالية للمخاطبين بأحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة في خصوص حافز الأداء عليهم، خاصة بعد أن حصرت المادة (1) منه نطاق تطبيق أحكامه عليهم، فيما لم تتناوله بالتنظيم القوانين والقرارات الخاصة بهم، وذلك كله شريطة اتفاقه مع طبيعة عملهم والأوضاع الخاصة بهم، ويتواكب ذلك مع ما قرره الدستور في المادة (186) منه، من أن القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون، كما أوجب تنظيم أوضاعهم بما يحفظ استقلالهم وحيدتهم، ومؤدى ذلك استبعاد كل ما يناقض تلك الأوضاع والغايات، ويتعارض مع طبيعة عمل القاضي والولاية التي يضطلع بها وموجباتها، والذى يدخل ضمنه تقرير حافز أداء للحاصلين على درجة الدكتوراه وما يعادلها، ودرجة الماجستير وما يعادلها، والتي قررها قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة والقرار المحال، والتي لا تتفق قواعد وضوابط منحها مع طبيعة عمل القاضي، وما يجب كفالته له من حيدة واستقلال حرص الدستور على توكيدها، ومن أجل ذلك أعرض المشرع عن إقرار ذلك الحافز للمخاطبين بأحكام قانون مجلس الدولة، فضلاً عن أن تطبيق ذلك الحافز على أعضاء مجلس الدولة من شأنه إهدار قاعدة عدم جواز أن يقل مرتب وبدلات من يشغل إحدى الوظائف القضائية عن مرتب وبدلات من يليه في الأقدمية في ذات الوظيفة، المنصوص عليها في الفقرة الرابعة من البند تاسعًا من قواعد تطبيق جدول المرتبات، الملحق بقانون السلطة القضائية والمستبدلة بالقانون رقم 11 لسنة 1981، والمكملة لقواعد تطبيق جدول المرتبات الملحق بقانون مجلس الدولة وفقًا لحكم المادة (122) منه.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن مبدأ المساواة أمام القانون، ليس مبدأً تلقينيًّا جامدًا منافيًا للضرورة العملية ولا هو بقاعدة صمّاء تنبذ صور التمييز جميعها، ولا كافلاً لتلك الدقة الحسابية التى تقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء. ومن الجائز بالتالى أن تغاير السلطة التشريعية - وفقًا لمقاييس منطقية - بين مراكز لا تتحد معطياتها، أو تتباين فيما بينها في الأسس التى تقوم عليها، على أن تكون الفوارق بينها حقيقية لا اصطناع فيها ولا تحايل، ذلك أن ما يصون مبدأ المساواة، ولا ينقض محتواه، هو ذلك التنظيم الذى يقيم تقسيمًا تشريعيًّا ترتبط فيه النصوص القانونية التي يضمها بالأغراض المشروعة التى يتوخاها، فإذا قام الدليل على انفصال هذه النصوص عن أهدافها، كان التمييز انفلاتًا لا تبصر فيه، كذلك الأمر إذا كان اتصال الوسائل بالمقاصد واهيًا، إذ يعتبر التمييز عندئذ مستندًا إلى وقائع يتعذر أن يُحمل عليها فلا يكون مشروعًا دستوريًّا.
وحيث إن من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن عمل القاضي لا يقاس بعمل الموظف العام، لأن المغايرة في هذا الخصوص تقوم على أساس موضوعي مرده إلى اختلاف المركز القانوني للقاضي عن المركز القانوني لسواه.
متى كان ما تقدم، وكان تطبيق حافز الأداء المنصوص عليه بقانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 السالف الذكر - قبل إلغائهما - على أعضاء مجلس الدولة، الحاصلين على درجة الدكتوراه وما يعادلها، ودرجة الماجستير وما يعادلها، يحول دونه - كما سلف البيان - تنظيم المعاملة المالية لأعضاء مجلس الدولة على نحو يغاير تنظيمها في قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة؛ الأمر الذي يبرره اختلاف المركز القانوني لعضو مجلس الدولة، في شأن معاملته المالية، عن المركز القانوني لسواه من المعاملين بنظم الوظيفة العامة، ومن ثم فإن قالة الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون، في هذا الصدد، تكون فاقدة لأساسها حَرِيَة بالرفض.
فلهذه الأسباب
      حكمت المحكمة: أولاً: بعدم دستورية نص المادة (104) من قانون مجلس الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 47 لسنة 1972 المستبدلة بالقانون رقم 50 لسنة 1973 فيما تضمنه من قصر الاختصاص بنظر الطلبات والمنازعات المتعلقة برجال مجلس الدولة على درجة واحدة.
ثانيًا: برفض الدعوى بالنسبة لنص المادة السادسة من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 734 لسنة 2005 في شأن قواعد وإجراءات منح حافز أداء متميز للعاملين المدنيين بالدولة الحاصلين على درجة الدكتوراه وما يعادلها ودرجة الماجستير وما يعادلها.

دستورية التنظيم التشريعي لحق الموظف المعار لمدة تزيد على 4 سنوات في الترقية وتحديد أقدميته عند عودته من الإعارة


الدعوى رقم 104 لسنة 35 ق "دستورية" جلسة 3 / 11 / 2018
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
      بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثالث من نوفمبر سنة 2018م، الموافق الخامس والعشرون من صفر سنة 1440 هـ.
برئاسة السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى  رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: محمد خيرى طه النجار وسعيد مرعى عمرو والدكتور عادل عمر شريف ورجب عبد الحكيم سليم وبولس فهمى إسكندر ومحمود محمد غنيم     نواب رئيس المحكمة
وحضور السيدة المستشار / شيرين حافظ فرهود   رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع   أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 104 لسنة 35 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة القضاء الإداري بالمنوفية بحكمها الصادر بجلسة 24/3/2013، ملف الدعوى رقم 2614 لسنة 4 قضائية.
المقامة من
محمد موسى سليمان أبوشادى
ضــــد
1- محافــظ المنوفيــة
2- وكيل وزارة الصحة بالمنوفية

الإجـراءات
بتاريخ العاشر من يونيو سنة 2013، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 2614 لسنة 4 قضائية، بعد أن حكمت محكمة القضاء الإداري بالمنوفية بجلسة 24/3/2013،بوقف الدعوى وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليـا للفصل في دستورية نص المادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 فيما أغفله من تنظيم الحق في الاحتفاظ بترتيب الأقدمية والحق في الترقية المطلقة أو بالرسوب الوظيفي للعامل الذى يشغل وظيفة تكرارية ومرخصًا له بإعارة للعمل في وظيفة تتطابق طبيعتها مع طبيعة أعمال وظيفته بالداخل وتجاوزت مدة إعارته أربع سنوات
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
      حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – في أن المدعى في الدعوى الموضوعية كان قد أقام الدعوى رقم 2614 لسنة 4 قضائية، أمام محكمة القضاء الإداري بالمنوفية، ضد محافظ المنوفية وآخر، طالبًا الحكم بإلغاء القرار رقم 2296 لسنة 1995 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية للفئة الثانية اعتبارًا من 1/12/1992، وإلغاء القرار رقم 1238 لسنة 2002 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية للفئة الأولى اعتبارًا من 1/5/2002، وما يترتب على ذلك من آثار، وذكر شرحًا لدعواه أنه حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1976 وعين بموجبه بوظيفة طبيب بشرى بأحد المستشفيات التابعة لمديرية الشئون الصحية بالمنوفية اعتبارًا من 1/3/1976، وقد رخصت له جهة الإدارة بإعارة للعمل بوظيفة طبيب بأحد مستشفيات المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 3/3/1982، حتى 2/9/2001، وبعد عودته من الإعارة تسلم عمله، وتم رفع الدرجة المالية لوظيفته - طبقًا لنظام الرسـوب الوظيفي - إلى الدرجة الثانية اعتبارًا من 1/5/2002، ثم رفعت إلى الدرجة الأولى اعتبارًا من 1/7/2008، وقد علم أن زملاءه الأحدث منه سبقوه في الترقية إلى هاتين الدرجتين، وإلى درجة كبير وتمت ترقيتهم بالأقدمية المطلقة وبالرسوب الوظيفي، فتظلم من ذلك، فأجابته جهة الإدارة بأن سبب تأخر ترقيته إنما يرجع إلى تجاوز مدة إعارته أربع سنوات، ولذلك أعيد ترتيب أقدميته بالدرجة الثالثة، فسبقه زملاؤه الأحدث منه في ترتيب الأقدمية في هذه الدرجة، وذلك تطبيقًا للحكم الوارد بنص المادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978. وإذ تراءى للمحكمة عدم دستورية نص المادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 فيما أغفله من تنظيم الحق في الاحتفاظ بترتيب الأقدمية والحق في الترقية المطلقة أو بالرسوب الوظيفى، للعامل الذي يشغل وظيفة تكرارية، ومرخصًا له بإعارة للعمل في وظيفة تتطابق طبيعتها مع طبيعة أعمال وظيفته بالداخل، وتجاوزت مدة إعارته أربع سنوات، لمخالفتها المواد (8، 9، 24، 31، 33، 34، 64، 74) من الدستور الصادر سنة 2012.
      وحيث إن المادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 تنص على أن "يجوز بقرار من السلطة المختصة بالتعيين بعد موافقة العامل كتابة إعارته للعمل في الداخل أو الخارج ويحدد القرار الصادر بالإعارة مدتها وذلك في ضوء القواعد والإجراءات التي تصدرها السلطة المختصة.
      ويكون أجر العامل بأكمله على جانب الجهة المستعيرة، ومع ذلك يجوز منحه أجرًا من حكومة جمهورية مصر العربية سواء كانت الإعـارة في الداخل أو الخارج وذلك بالشروط والأوضاع التي يحددها رئيس الجمهورية.
      وتدخل مدة الإعارة ضمن مدة اشتراك العامل في نظام التأمين الاجتماعي واستحقاق العلاوة والترقية، وذلك مع مراعاة أحكام القانون رقم 79 لسنة 1975 بإصدار قانون التأمين الاجتماعي والقوانين المعدلة له.
      ومع ذلك فإنه لا يجوز في غير حالات الإعارة التي تقتضيها مصلحة قومية عليا يقدرها رئيس مجلس الوزراء ترقية العامل إلى درجات الوظائف العليا إلا بعد عودته من الإعارة كما لا تجوز إعارة أحد شاغلي تلك الوظائف قبل مضى سنة على الأقل من تاريخ شغله لها.
      وفى غير حالة الترقية لدرجات الوظائف العليا لا يجوز ترقية العامل الذي تجاوز مدة إعارته أربع سنوات متصلة، وتعتبر المـدة متصلة إذا تتابعت أيامها أو فصل بينها فاصل زمني يقل عن سنة.
      وتحدد أقدمية العامل عند عودته من الإعارة التي تجاوز المدة المشار إليها في الفقرة السابقة على أساس أن يوضع أمامه عدد من العاملين مماثل للعدد الذي كان يسبقه في نهاية هذه المدة أو جميع الشاغلين لدرجة الوظيفة عند عودته أيهما أقل".
      وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية - وهى شرط لقبولها - مناطها – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، ويستوى في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هى وحدها التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعاوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها، بما مؤداه أن الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا لا تفيد بذاتها توافر المصلحة، بل يتعين أن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازمًا للفصل في النزاع المثار أمام محكمة الموضوع، فإذا لم يكن للفصل في دستورية النصوص التى ثارت بشأنها شبهة عدم الدستورية لدى محكمة الموضوع انعكاس على النزاع الموضوعي؛ فإن الدعوى الدستورية تكون غير مقبولة. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الموضوع ينصب على طلب المدعى في الدعوى الموضوعية إلغاء القرارين رقمي 2296 لسنة 1995، 1238 لسنة 2002 فيما تضمناه من تخطيه في الترقية للدرجة الثانية والأولى على التوالي، والاحتفاظ له بترتيب أقدميته في الدرجة الثالثة التخصصية وذلك خلال فترة إعارته من 3/3/1982، وحتى 2/9/2001، مع الاعتداد بهذا الترتيب فيما تم إجراؤه من ترقيات لزملائه الأحدث منه سواء عن طريق الترقية بالأقدمية المطلقة أو الرسوب الوظيفي. وكان نصا الفقرتين الأخيرتين من النص المحال هما الحاكمين لترقية الموظف المعار للخارج الذى تجاوزت مدة إعارته أربع سنوات متصلة لغير درجات الوظائف العليا، وتحديد أقدميته عند عودته من الإعارة، على أساس أن يوضع أمامه عدد من الموظفين مماثل للعدد الذى كان يسبقه في نهاية مدة السنوات الأربع، أو جميع الموظفين الشاغلين لدرجة الوظيفة عند عودته أيهما أقل، فإن المصلحة تكون متحققة بالنسبة لهاتين الفقرتين في الحدود المتقدمة، في مجال انطباقهما على الإعارة للخارج، لما للقضاء في دستوريتهما من أثر وانعكاس على الطلبات المطروحة على محكمة الموضوع وقضاء المحكمة فيها، دون غيرها من الأحكام التي تضمنتها الفقرتان المار ذكرهما.



      ولا ينال مما تقدم إلغاء المشرع قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 بموجب القانون رقم 81 لسنة 2016 بإصدار قانون الخدمة المدنية، ذلك أن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلغاء النص التشريعي لا يحول دون الطعن عليه ممن طبق عليه، أو إحالته للمحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته.
      وحيث إن الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون الدستور القائم، وحمايته من الخروج على أحكامه التى تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة، وكان النص المحال قد استمر العمل بأحكامـه بعد صـدور الدستور الحالي حتى يـوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 2016 تاريخ العمل بقانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016، والذى ألغى بموجب نص المادة الثانية منه قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، ومن ثم فإن حسم أمر دستورية النص المحال سوف يتم في ضوء أحكام الدستور القائم.
      وحيث إن الدستور قد حرص في المادة (4) منه على النص على مبدأ تكافؤ الفرص، باعتباره من الركائز الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع، والحفاظ على وحدته الوطنية، ومن أجل ذلك جعل الدستور بمقتضى نص المادة (9) منه تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز التزامًا دستوريًّا على عاتق الدولة، لا تستطيع منه فكاكًا. وقوام هذا المبدأ - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تفترض تكافؤها، وتدخل الدولة إيجابيًّا لضمان عدالة توزيعها بين من يتزاحمون عليها، وضرورة ترتيبهم بالتالي فيما بينهم على ضوء قواعد يمليها التبصـــر والاعتدال؛ وهو ما يعنى أن موضوعية شروط النفاذ إليها، مناطها تلك العلاقة المنطقية التي تربطها بأهدافها، فلا تنفصل عنها.
      وحيث إن الدستور قد اعتمد كذلك بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ المساواة، باعتباره إلى جانب مبدأي العدل وتكافؤ الفرص، أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، وتأكيدًا لذلك حرص الدستور في المادة (53) منه على كفالة تحقيق المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، وفى الحقوق والحريات والواجبـات العامة، دون تمييز بينهـــم لأى سبب، إلا أن ذلك لا يعنى - وفقًا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة - أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوي بالتالي على مخالفة لنصى المادتين (4، 53) المشار إليهما، بما مؤداه أن التمييز المنهى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكميًّا، وأساس ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيـم.
      وحيث إن من المقرر كذلك أن النصوص القانونية التي ينظم بها المشرع موضوعًا محددًا لا يجوز أن تنفصل عن أهدافها، ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يصدر عن فراغ، ولا يعتبر مقصودًا لذاته، بل مرماه إنفاذ أغراض بعينها يتوخاها، وتعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التى أقام المشرع عليها هذا التنظيم باعتباره أداة تحقيقها، وطريق الوصول إليها.
      وحيث إن الدستور قد عُنى في المادة (14) منه بكفالة حق المواطنين في شغل الوظائف العامة على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة، وجعل شغل الوظائف العامة تكليفًا للقائمين عليها لخدمة الشعب، وناط بالدولة كفالة حقوق شاغلي الوظائف العامة وحمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب.
      وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذى يرسى القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفى عليه السيادة والسمو بحسبانه كفيل الحريات وموئلها وعماد الحريات الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوى على القمة من البناء القانوني للدولة وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعاتها وفى قضائها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، دون أية تفرقة أو تمييز في مجال الالتزام بها، بين السلطات العامة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. وإذ كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلاً مقررًا وحكمًا لازمًا لكل نظام ديمقراطي سليم، فإنه يتعين على كل سلطة عامة، أيًّا كان شأنها وأيًّا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، أن تنزل على قواعد الدستور ومبادئه وأن تلتزم حدوده وقيوده، فإن هى خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وخضعت - متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة - للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا بوصفها الهيئة القضائية العليا التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها.

      وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت جميعها - منذ دستور سنة 1923 - على تقرير الحريات والحقوق العامة في صلبها قصدًا من المشرع الدستوري أن يكون النص عليها في الدستور قيدًا على المشرع العادي فيما يسنه من قواعد وأحكام وفى حدود ما أراده الدستور لكل منها، فإذا خرج المشرع فيما يقرره من تشريعات على هذا الضمان الدستوري، وعن الإطار الذى عينه الدستور له، بأن قيد حرية أو حقًّا أو أهدر أو انتقص من أيهما تحت ستار التنظيم الجائز دستوريًّا، وبالمخالفة للضوابط الحاكمة له، وقع عمله التشريعي في حومة مخالفة أحكام الدستور.
وحيث إن المواثيق الدولية قد حفلت بالنص على حق الفرد في تولى الوظائف، ومن ذلك المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية الذى تمت الموافقة عليه وإعلانه بقرار الجمعية العامة للأمم المتحـدة رقم 2200 في 1/12/1966، والتي نصت على تساوى جميع الموظفيـن في فرص الترقية داخل جهات عملهم، إلى الدرجات الأعلى دون إخضـاع ذلك إلا لاعتبارات تتعلق بالكفاءة والجدارة لتولى تلك الوظائف، وهو ذات ما نص عليه الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والذى تمت إجازته من قبل مجلس الرؤساء الأفارقة بدورته العادية رقم (18) في نيروبى (كينيا) يونيو 1981 في المادة (13) منه.
وحيث إن الأصل أن يكون لكل وظيفة حقوقها وواجباتها، فلا تقابل مزاياها بغير مسئولياتها، ولا يكون وصفها وترتيبها منفصلاً عن متطلباتها التى تكفل للمرافق التي يديرها موظفوها حيويتها واطراد تقدمها، وقابلية تنظيماتها للتعديل وفق أسس علمية قوامها التخطيط المرن وحرية التقدير، فلا تتعثر أعمالها أو تفقد اتصالها ببعض أو تدرجها فيما بينها، وشرط ذلك إعداد موظفيها علميًّا وفنيًّا، فلا يلى شئونها غير القادرين حقًّا على تصريفها، سواء أكان عملهم ذهنيًّا أم مهنيًّا أم يدويًّا .
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن لكل وظيفة تبعاتها، فلا يشغلها إلا من يستحقها على ضوء طبيعة الأعمال التي تدخل فيها، وغاياتها، والمهارة المطلوبة فيها، والخبرة اللازمة لها، ولا يجوز بالتالى أن يكون التعيين في وظيفة بذاتها أو الترقية منها إلى ما يعلوها، عملاً آليًّا يفتقر إلى الأسس الموضوعية، أو منفصلاً عن عوامل الخبرة والجدارة التي يتم على ضوئها اختيار من يتولاها، ولا مجرد تطبيق جامد لمقاييس صماء لا تأخذ في اعتبارها خصائص كل وظيفة ومكانتها، والحد الأدنى للتأهيل لها والتدريب على أداء واجباتها ومسئولياتها، وغير ذلك من مقوماتها الموضوعية المحددة تحديدًا دقيقًا، وعلى تقدير أن تقييم شاغل الوظيفة إنما يرتبط بأهميتها الحقيقية .
وحيث إن الأصل في الأقدمية الوظيفية أن تكون معبرة عن مدة خدمة فعلية قضاها الموظف قائمًا بأعباء وظيفته، وهى بذلك لا تفترض، ولا يجوز حسابها على غير حقيقتها سواء بزيادتها أو إنقاصها، كما أن شروط الترقية إلى الوظائف، وبخاصة الوظائف الإشرافية أو القيادية يجب أن تعبر عن الانحياز إلى الأصلح والأكثر خبرة وعطاء، وهو ما يتطلب أن تكون المدة البينية أو الكلية اللازمة لشغل تلك الوظائف - بحسب الأصل - مدة فعلية وليست حكمية، حتى لا يُعهد بأعمال هذه الوظائف لغير من يؤدونها بحقها، فلا يكونون عبئًا عليهــا يُقيدها أو يُضعفها، بل يثرونها من خلال خبرة سابقة وجهد خلاق يتفاعل مع مسئولياتها.
      وحيث إنه يتبين من الاطلاع على المذكرة الإيضاحية لقانون نظام العاملين المدنيين بالدولة أن أحكام هذا القانون تقوم على أسس موضوعية، وذلك عن طريق الاعتداد أولاً "بالوظيفة"، باعتبارها مجموعة من الواجبات والمسئوليات، يلزم للقيام بها توافر اشتراطات معينة في شاغلها، تتفق مع نوعها وأهميتها، وتسمح بتحقيق الهدف من إيجادها، وأن هذا الاعتداد الموضوعي لا يتعارض مع الجانب الآخر للوظيفة، المتمثل في "الموظف" الـذى يقوم بأعبائها وما يتطلبه هـذا الجانب "البشرى" لا الشخصي من الاعتداد بالخبرة النظرية أو المكتسبة اللازمة للقيام بأعباء الوظيفة، ومراعاة ذلك في الأجر الذى يحصل عليه بوصفه مقابلاً موضوعيًّا لا شخصيًّا، لما يناط به من مسئوليات .

وحيث إنه متى كان ما تقدم وكان المشرع بإقراره النص المحال قد انحاز إلى إعمال الأسس الموضوعية للوظيفة وذلك بالاعتداد بالوظيفة ومراعاة واجباتها ومسئولياتها، والتي يلزم للقيام بها توافر الاشتراطات اللازمة لشغلها ومن بينها مدة الخبرة الفعلية التي قضاها الموظف في وظيفته السابقة قائمًا بأعبائها، وذلك ضمانًا لجدارته وكفاءته بتوليها، فينهض بها من خلال خبرته السابقة وجهده الخلاق الذى دأب عليه خلال الفترات المنقضية، وهو ما يتفق مع الأهداف التي رنا المشرع إلى تحقيقها بالنص المحال، الذى ترتكن أحكامه إلى أسس موضوعية تبررها، دون مصادمة في ذلك لمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص التي حرص الدستور على كفالتهما في المواد (4، 9، 53) منه.

      وحيث إن المشرع قد راعى في تحديده للقواعد الحاكمة للإعارة والحقوق الناشئة عنها والالتزامات والواجبات المترتبة عليها، تحقيق التوازن بين حق الموظف في الإعارة، الذى قرره له القانون، واعتبارات المصلحة العامة، بحسبان الوظائف العامة طبقًا لنص المادة (14) من الدستور تكليفًا للقائمين بها لخدمة الشعب، لذلك احتفظ المشرع للموظف المعار بكافة حقوقه في الترقية والأقدمية في حالة الإعارة للمدة التي قدر أنها لا تخل بمتطلبات الوظيفة العامة واستمرار أدائها لدورها الدستوري في رعايـة مصالح الشعب، والتي حددها بسنوات أربع، فإذا استطالت مدة الإعارة متجاوزة هذا الحد باختيار الموظف المعار، فإن التنظيم الذى قرره المشرع بالنص المحال - في حدود الإطار المار ذكره - لحق الموظف المعار لمدة تزيد على أربع سنوات في الترقية وتحديد أقدميته عند عودته من الإعارة، محافظًا على ذلك الحق، ومراعيًا مقتضيات المصلحة العامة، وحاجة الجهة المعيرة لشغل الوظائف تمكينًا للقائمين عليها من القيام بأداء واجباتهم في خدمة الشعب، يكون كافلاً تحقيق التوازن الذى أوجبته المادة (27) من الدستور، دون مناقضة للحق في الوظيفة العامة الذى كفله الدستور بالمادة (14) منه، كما لا ينال من كرامة الموظف المعار على أي وجه من الوجوه، ولا يمثل مساسًا بحق الملكية الـذى حرص الدستور على كفالته بالمادتيـن (33، 35)، ولا يعد خروجًا على مبدأ سيادة القانون الذى اعتبره الدستور في المادة (94) منه أساسًا للحكم في الدولة، ولا يتضمن كذلك انتقاصًا من عناصر أو محتوى أي من الحقوق المتقدمة على نحو ينال من جوهرها وأصلها، وهو ما حظره الدستور بنص المادة (92) منه.
      وحيث إن النص المحال - في حدود النطاق المتقدم - لا يخالف أى نص آخر في الدستور، الأمر الذى يتعين معه القضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
      حكمت المحكمة برفض الدعوى.

عدم دستورية قرينة افتراض علم حائز أدوات الوزن والقياس والكيل من المشتغلين بالتجارة والباعـة بما لحقها من عيوب

الدعوى رقم 202 لسنة 32 ق " دستورية " جلسة 3 / 11 / 2018
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثالث من نوفمبر سنة 2018م، الموافق الخامس والعشرون من صفر سنة 1440 هـ.
برئاسة السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: محمد خيرى طه النجار والدكتور عادل عمر شريف وبولس فهمى إسكندر ومحمود محمد غنيـم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل  نواب رئيس المحكمة
وحضور السيدة المستشار/ شيرين حافظ فرهود رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع    أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
      في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 202 لسنة 32 قضائية " دستورية "، بعد أن أحالت محكمة الجيزة الابتدائية بحكمها الصادر بجلسة 24/2/2010 ملف الجنحة المستأنفة رقم 19340 لسنة 2008 جنح مستأنف العجوزة.
المقامة من
النيابة العامة
ضــــد
محمد سعيد عبدالرحمن
الإجـراءات
بتاريخ الثالث عشر من ديسمبر سنة 2010، ورد إلى قلم كتاب هذه المحكمة ملف الجنحة المستأنفة رقم 447 لسنة 2010 جنح مستأنف العجوزة، والمقيدة برقم 19340 لسنة 2008 جنح العجوزة، بعد أن قضت تلك المحكمة بجلسة 24/2/2010، بقبول الاستئناف شكلاً، وقبل الفصل في الموضوع، بوقف الدعوى تعليقًا وبإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (19) من القانون رقم 1 لسنة 1994 في شأن الوزن والقياس والكيل.
وقدَّمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
      ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة بجلسة 13/10/2018، إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم، مع التصريح بتقديم مذكرات خلال أسبوع، ولم يقدم أى من الخصوم مذكرات في الأجل المشار إليه
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من حكــــم الإحالة وسائر الأوراق – في أن النيابة العامة كانت قد قدمت السيد/محمد سعيد عبدالرحمن - وهو المسئول عن محطة تزويد الوقــــود "موبيل"، الكائنة بشارع جامعة الدول العربية - إلى المحاكمة الجنائية في الجنحة رقم 19340 لسنة 2008 جنح العجوزة متهمة إياه، أنه في يوم 29/7/2008، بدائرة قسم العجوزة - حاز بقصد الاستعمال أدوات قياس (طلمبة بنزين) غير صحيحة مع علمه بذلك، وطلبت عقابه بالمواد (1، 3، 4، 19، 23) من القانون رقم 1 لسنة 1994بشأن الوزن والقياس والكيل، مستندة في ذلك إلى ما أثبت بمحضر الضبط من أنه بالتفتيش على طلمبات تزويد الوقود بالمحطة المذكورة وجدت طلمبة بنزين رباعية غير صحيحة، فقضت تلك المحكمة بجلسة 3/12/2009، حضوريًّا بتوكيل بتغريم المتهم ثلاثمائة جنيه والمصادرة. وإذ لم يرتض المتهم هذا الحكم، فطعن عليه بالاستئناف رقم 447 لسنة 2010 جنح مستأنف العجوزة، وتدوول نظره أمام تلك المحكمة التى قضت بجلسة 24/2/2010، بوقف الدعوى تعليقًا وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (19) من القانون رقم 1 لسنة 1994 المشار إليه.
وحيث إن المادة (19) من القانون رقم (1) لسنة 1994، في شأن الوزن والقياس والكيل، تنص على أن "يعاقب بالحبس مــدة لا تقل عن ثلاثـة أشهر ولا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استعمل أو حاز بقصد الاستعمال لغرض البيـــــع أجهزة أو آلات أو أدوات وزن أو قياس أو كيـــل مـزورة أو غير صحيحة أو مدموغة بطريقة غير مشروعة مع علمه بذلك.
ويفترض علم الحائز بذلك إذا كان من المشتغلين بالتجارة أو من الباعة أو من المشتغلين بصناعة أو إصلاح تلك الأجهزة أو من الوزانين المرخـــص لهم أو من أمناء شئون البنوك أو المخازن ما لم يثبت العكس ................".
وحيث إن المصلحة الشخصية - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها، أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة على محكمة الموضوع. لما كان ذلك، وكان الثابت أن التهمة المواجه بها المتهم في الدعوى الموضوعية هى جريمة حيازة أدوات قياس غير صحيحة بقصد استعمالها لغرض البيع، وكان المتهم قد اعتصم في دفاعه بعدم علمه بما شاب أداة القياس محل الجريمة من عيب، إلا أن النص المحال أقام قرينة افترض بموجبها العلم في حق المشتغلين بالتجارة، والبائعيــــــــن، لا يحل أيهما منها إلا إذا قام المتهم بإثبات العكس، فإن للقضاء في دستورية هذا النص انعكاس على الفصل في الدعوى الموضوعية، تتحدد به سلطات المحكمة الموضوعية في تحقيق أركان الجريمة، بما يقيم شرط المصلحة فيها، ويتحدد نطاق الدعوى فيما تضمنه النص المحال من افتراض علم مستعمل أدوات القياس غير الصحيحة من المشتغلين بالتجارة والبائعين، بما لحقها من عيب، ما لم يثبت المتهم العكس
وحيث إن حكم الإحالة نعى على النص المحال في حدود نطاقه المتقدم إخلاله بقواعد المحاكمة المنصفة لانتهاكه أصل البراءة ومساسه بمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية بتدخله في عمل السلطة القضائية، والحيلولة دون مباشرتها صلاحيتها في التحقق من أركان الجريمة، لإقامة النص المحال قرينة افترض بمقتضاها علم حائز أدوات القياس، من المشتغلين بالتجارة، والباعـة، بما لحقها من عيوب، واشتراطه لدحضها إقامة المتهم الدليل على عدم علمه. الأمر الذى يشكل مخالفة لنصوص المواد (2، 41، 67، 86، 165) من دستور سنة 1971، المقابلة لنصوص المواد (2، 54، 92 ، 94، 95، 96، 98، 99، 101) من دستور سنة 2014.
وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، ذلك أن هذه الرقابة تستهدف أصلاً - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، وأن نصوص هذا الدستور تمثل دائمًا القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكان النص المحال - مازال ساريًا ومعمولاً بأحكامه - في حدود النطاق المحدد سلفًا - فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها عليه، استنادًا إلى أحكام الدستور القائم.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد اطرد على أن الدستور هو القانون الأعلى الذى يرسى القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ويحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها بما يحول دون تدخــــــــــل أى منها في أعمال السلطة الأخرى، أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التى ناطها الدستور بها.
وحيث إن الدستور اختص السلطة التشريعية بسن القوانين وفقًا لأحكامه فنص في المادة (101) منه على أن "يتولى مجلس النواب سلطة التشريع؛ وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وذلك كله على النحو المبين في الدستور". كما اختص السلطة القضائية بالفصل في المنازعات والخصومات على النحو المبين في الدستور؛ فنص في المادة (184) منه على أن "السلطة القضائية مستقلة؛ تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقًا للقانون".
وحيث إن اختصاص السلطة التشريعية بسن القوانين - طبقاً لنص المادة (101) من الدستور - لا يخولها التدخل في أعمال أسندها الدستور إلى السلطة القضائية وقصرها عليها، وإلا كان هذا افتئاتًا على ولايتها، وإخلالاً بمبدأ الفصل بين السلطات، الذى حرص الدستور على توكيده في المادة (5) منه، بوصفه الحاكم للعلاقة المتوازنة بين السلطات العامة في الدولة، ومن بينها السلطتان التشريعية والقضائية.
وحيث إن الدستور عنى في المادة (96) منه بضمان الحق في المحاكمة المنصفة بما نص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه. وهو حق نص عليه الإعلان العالمى لحقوق الإنسان في مادتيه (10، 11)، التى تقرر أولاهما أن لكل شخص حقًّا مكتملاً ومتكافئًا مع غيره في محاكمة علنية ومنصفة تقوم عليها محكمة مستقلة محايدة، تتولى الفصل في حقوقه والتزاماته المدنية أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه. وتردد ثانيتهما في فقرتها الأولى حق كل شخص وجهت إليه تهمة جنائية في أن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته في محاكمة علنية توفر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه، وهذه الفقرة تردد قاعدة استقر العمل على تطبيقها في الدول الديموقراطية، وتقع في إطارها مجموعة من الضمانات الأساسية، تكفل بتكاملها مفهومًا للعدالة يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها في الدول المتحضرة، وهى بذلك تتصل بتشكيل المحكمة وقواعد تنظيمها، وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها من الناحية العملية. كما أنها تعتبر في نطاق الاتهام الجنائي وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى قضى الدستور في المادة (54) منه بأنها من الحقوق الطبيعية التى لا يجـــــوز المساس أو الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه. ولا يجوز بالتالى تفسير هذه القاعدة تفسيرًا ضيقًا، إذ هى ضمان مبدئى لرد العدوان عن حقوق المواطن وحرياته الأساسية. وهى التى تكفل تمتعه بها في إطار من الفرص المتكافئة. ولأن نطاقها وإن كان لا يقتصر على الاتهام الجنائى، وإنما يمتد إلى كل دعوى ولو كانت الحقوق المثارة فيها من طبيعة مدنية، إلا أن المحاكمة المنصفة تعتبر أكثر لزومًا في الدعوى الجنائية، وذلك أيًّا كانت طبيعة الجريمة، وبغض النظر عن درجة خطورتها، وعلة ذلك أن إدانة المتهم بالجريمة إنما تعرضه لأخطر القيود على حريته الشخصية، وأكثرها تهديدًا لحقه في الحياة. وهى مخاطر لا سبيل إلى توقيهـا إلا على ضوء ضمانات فعلية توازن بين حق الفرد في الحرية من ناحية، وحق الجماعة في الدفاع عن مصالحها الأساسية من ناحية أخرى. ويتحقق ذلك كلما كان الاتهام الجنائى معرفًا بالتهمة مبينًا طبيعتها، مفصلاً أدلتها وكافة العناصر المرتبطة بها، وبمراعاة أن يكون الفصل في هذا الاتهام عن طريق محكمة مستقلة محايدة ينشئها القانون، وأن تجرى المحاكمة علانية - وخلال مدة معقولة - وأن تستند المحكمة في قرارها بالإدانة - إذا خلصت إليها - إلى تحقيق موضوعى أجرته بنفسها، وإلى عرض متجرد للحقائق؛ وإلى تقدير سائغ للمصالح المتنازعة، وازنة بالقسط الأدلة المتنابذة؛ وتلك جميعها من الضمانات الجوهرية التى لا تقوم المحاكمة المنصفة بدونها. ومن ثم كفلها الدستور في المادة (96) منه وقرنها بضمانتين تعتبران من مقوماتها، وتندرجان تحت مفهومها، هما افتراض البـــــراءة من ناحية؛ وحق الدفاع لدحض الاتهام الجنائى من ناحية أخرى، وهو حق عززته المادة (98) من الدستور بنصها على أن حق الدفاع بالأصالة أو بالوكالة مكفول. لما كان ذلك، وكان الدستور قد خطا خطوة أوسع في مقام ترسيخ قيم الحقوق والحريات ، بنصه في المواد (5 ،51 ،92) على احترام حقوق الإنسان وكرامته وحرياته، وعلى تحصين الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن، باشتراط ضمانة إضافية كونها لا تقبل انتقاصًا ولا تعطيلاً، نافيًا عن المشرع مكنة أن تشملها تشريعاته بتنظيم من شأنه تقييدها أو الانتقاص منها أو تعطيلها.
وحيث إن الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها في صلبه، الحماية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وكان استيثاق المحكمة الجنائية من مراعاة القواعد المنصفة الآنف بيانها عند فصلها في الاتهام الجنائي تحقيقًا لمفاهيم العدالة حتى في أكثر الجرائم خطورة، إنما هو ضمانة أولية ترتبط بكرامة الإنسان، تهدف لعدم المساس بالحرية الشخصية - التى كفلها الدستور لكل فرد - بغير الوسائل القانونية المتوافقة مع أحكامه، وكان افتراض براءة المتهم يمثل أصلاً ثابتًا يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها؛ وليس بنوع العقوبة المقررة لها؛ وينسحب إلى الدعوى الجنائية في جميع مراحلها، وعلى امتداد إجراءاتها، فقد كان من المحتم أن يرتب الدستور على افتراض البراءة؛ عدم جواز نقضها بغير الأدلة الجازمة التى تخلص إليها المحكمة، وتتكون من جماعها عقيدتها. ولازم ذلك أن تطرح هذه الأدلة عليها، وأن تقول هى وحدها كلمتها فيها، وألا تفرض عليها أية جهة أخرى مفهومًا محددًا لدليل بعينه؛ وأن يكون مرد الأمر دائمًا إلى ما استخلصته هى من وقائع الدعوى، وحصلته من أوراقها، غير مقيدة في ذلك بوجهة نظر النيابة العامة أو الدفاع بشأنها.
وحيث إنه على ضوء ما تقدم، فإن ضوابط المحاكمة المنصفة تتمثل في مجموعة من القواعد المبدئية التى تعكس مضامينها نظامًا متكامل الملامح يتوخى بالأسس التى يقوم عليها صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية، ويحول بضماناته دون إساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها، وذلك انطلاقًا من إيمان الأمم المتحضرة بحرمة الحياة الخاصة، وبوطأة القيود التى تنال من الحرية الشخصية؛ ولضمان أن تتقيد السلطة التشريعية عند مباشرتها لمهمتها في مجال فرض العقوبة صونًا للنظام الاجتماعي، بالأغراض النهائية للقوانين العقابية، التى ينافيها أن تكون إدانة المتهم هدفًا مقصودًا لذاته، أو أن تكون القواعد التى تتم محاكمته على ضوئها مصادمة للمفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة. بل يتعين أن تلتزم هذه القواعد مجموعة من القيم التى تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية، التى لا يجوز النزول عنها أو الانتقاص منها. وهذه القواعد - وإن كانت إجرائية في الأصل - إلا أن تطبيقها في مجال الدعوى الجنائية - وعلى امتداد مراحلها - يؤثر بالضرورة على محصلتها النهائية. ويندرج تحتها أصل البراءة كقاعدة أولية تمليها الفطرة؛ وتفرضها مبادئ الشريعة الإسلامية في قوله عليه السلام "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فأخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"؛ وهى بعد قاعدة حرص الدستور على إبرازها في المادة (96) منه، مؤكدًا بمضمونها ما قررته المادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ والمادة (6) من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان.
وحيث إن أصل البراءة يمتد إلى كل فرد سواء كان مشتبهًا فيه أو متهمًا، باعتباره قاعدة أساسية في النظام الاتهامي أقرتها الشرائع جميعها لا لتكفل بموجبها حماية المذنبين؛ وإنما لتدرأ بموجبها العقوبة عن الفرد إذا كانت التهمة المنسوبة إليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للجريمة محل الاتهام. ذلك أن الاتهام الجنائي في ذاته لا يزحزح أصل البراءة الذى يلازم الفرد دومًا، ولا يزايله، سواء في مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناءها وعلى امتداد حلقاتها؛ وأيًّا كان الزمن الذى تستغرقه إجراءاتها. ولا سبيل بالتالى لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التى تبلغ قوتها الإقطاعية مبلغ الجزم واليقين بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة انتفاء التهمة، وبشرط أن تكون دلالتها قد استقرت حقيقتها بحكم قضائى استنفد طرق الطعن فيه، وصار باتًّا.
وحيث إن افتراض البراءة لا يتمحض عن قرينة قانونية، ولا هو من صورها، ذلك أن القرينة القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلى ممثلاً في الواقعة مصدر الحق المدعى به، إلى واقعة أخرى قريبة منها متصلة بها، وهذه الواقعة البديلة هى التى يعتبر إثباتها إثباتًا للواقعة الأولى بحكم القانون. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التى افترضها الدستور؛ فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محل واقعة أخرى وأقامها بديلاً عنها. وإنما يؤسس افتراض البراءة على الفطرة التى جبل الإنسان عليها. فقد ولد حرًّا مبرءًا من الخطيئة أو المعصية. ويفترض على امتداد مراحل حياته أن أصل البراءة ركنٌ ركينٌ من أركان كرامته الإنسانية، يظل لصيقًا به، مصاحبًا له فيما يأتيه من أفعال، إلى أن تنقض المحكمة بقضاء جازم لا رجعة فيه هذا الافتراض، على ضوء الأدلة التى تقدمها النيابة العامة مثبتة بها الجريمة التى نسبتها إليه في كل ركن من أركانها، وبالنسبة إلى كل واقعة ضرورية لقيامها، بما في ذلك القصد الجنائي بنوعيه إذا كان متطلبًا فيها. وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة، إذ هو من الركائز التى يستند إليها مفهوم المحاكمة المنصفة التى كفلها الدستور؛ ويعكس قاعدة مبدئية تعتبر في ذاتها مستعصية على الجدل، واضحة وضوح الحقيقة ذاتها، تقتضيها الشرعية الإجرائية. ويعتبر إنفاذها مفترضًا أوليًّا لإدارة العدالة الجنائية. ويتطلبها الدستور لصون الحرية الشخصية في مجالاتها الحيوية، ليوفر من خلالها لكل فرد الأمن في مواجهة التحكم والتسلط والتحامل؛ بما يحول دون اعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل؛ وبما يرد المشرع عن افتراض ثبوتها بقرينة قانونية ينشئها.
وحيث إن النص المحال بعد أن أفصح عن أن جريمــة حيـازة أو استعمال أدوات وزن أو قياس غير صحيحة لغرض البيع جريمة عمدية، باشتراطه العلم بعدم صحة هذه الأدوات أو تزويرها، نص على أن هذا العلم يفترض في جانب الحائزين من المشتغلين بالتجارة أو الباعة، ما لم يثبت المتهم العكس. وبذلك أحل المشرع توافر صفة معينة في المتهم محل واقعة علمه بغش أو فساد هذه الأدوات، منشئًا بذلك قرينة قانونية يكون ثبوت الواقعة البديلة بموجبها، دليلاً على ثبوت واقعة العلم بفسادها أو تزويرها، وهو ركن كان ينبغي أن تتولى النيابة العامة بنفسها مسئولية إثباته في إطار التزامها الأصيل بإقامة الأدلة المؤيدة لإسناد الجريمة بكامل أركانها إلى المتهم؛ وبوجه خاص "القصد الجنائي العام" ممثلاً في إرادة إتيان الفعل، مع العلم بالوقائع التي تعطيه دلالته الإجرامية.
وحيث إن القرينة القانونية التي تضمنها النص المحال على النحو المتقدم، وإن كانت لا تعتبر من القرائن القاطعة؛ بإفساح المشرع للمتهم المواجه بها إثبات عكسها، وقد التزم القانون رقم 1 لسنة 1994 في شأن الوزن والقياس والكيل، افتراض العلم بالغش والفساد إذا كان المتهم من المشتغلين بالتجارة أو من الباعة، ينفيه إثبات عدم علمه بما لحقها من عيب، وبذا أضحت النيابة العامة غير مكلفة بإقامة الدليل على هذا العلم؛ وغدا نفيه عبئًا ملقى على عاتق المتهم مثلما هو الشأن في القرائن القانونية غير القاطعة ؛ ذلك أن المشرع هو الذى تكفل باعتبار الواقعة المراد إثباتها ثابتة بقيام القرينة القانونية؛ وأعفى النيابة العامة بالتالى من تقديم الدليل عليها. إذ كان ذلك؛ وكان الأصل في القرائن القانونية بوجه عام هى أنها من عمل المشرع وهو لا يؤسسها أو يحدد مضمونهـــا إلا على ضــوء ما يكون في تقديره غالبًا أو راجحًا في الحياة العملية، وكانت القرينة القانونية التي تضمنها النص المحال - وحتى بافتراض جواز إعمال القرائن القانونية في المجال الجنائي - تنافى واقع الحياة العملية، وما يتم فيها في الأغلب، ذلك أن هذه القرينة تتعلق بأدوات كيل ووزن وقياس، يحتاج الوقوف على ما شابها من عيب إلى عمل خبير فنى، لا يلم به بحسب غالب الأحوال، والجاري عليه الأمور من يتولى استخدام هذه الأدوات الفنية حيازة وبيعًا، وإن اشتغل بالتجارة. ولازم ما تقدم؛ أن اشتغال حائز هذه الأدوات أو مستعملها بالتجارة، أو قيامه على البيع استنادًا إلى مقاديرها، لا يفيد بالضرورة علمه بتزويرها أو بفسادها، كما أن تكليفه بإثبات حسن نيته باعتباره من المواطنين الشرفاء الذين يتعاملون في تلك الأدوات وفق أصول المهنة ومقتضياتها، لا يعدو أن يكون أمرًا عَسِرًا ومُتميعًا في آن واحد. ومن ثم لا ترشح الواقعة البديلة التى قررها النص المحال - وفي الأعم الأغلب من الأحوال - لاعتبار واقعة العلم بفساد أدوات الوزن أو القياس أو الكيل، أو تزويرها ثابتة بحكم القانون؛ ولا تربطها علاقة منطقية بها؛ وتغدو هذه القرينة بالتالي مقحمة لإهدار افتراض البراءة، ومفتقرة إلى أسسها الموضوعية؛ ومجاوزة لضوابط المحاكمة المنصفة التي كفلها الدستور.
وحيث إنه لما كانت جريمة حيازة أو استعمال أدوات وزن أو قياس غير صحيحة أو مزورة من الجرائم العمدية التي يعتبر القصد الجنائي ركنًا فيهـا، وكان الأصل هو أن تتحقق المحكمة بنفسها، وعلى ضوء تقديرها للأدلة التى تطرح عليها، من علم المتهم بحقيقة الأمر في شأن كل واقعة تقوم عليها الجريمة، وأن يكون هذا العلم يقينيًّا لا ظنيًّا ولا افتراضيًّا، وكان الاختصاص المقرر دستوريًّا للسلطة التشريعية في مجال إنشاء الجرائم وتقرير عقوباتها - وعلى ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا - لا يخولها التدخل بالقرائن التي تنشئها لغل يد المحكمة الجنائية عن القيام بمهمتها الأصيلة في مجال التحقق من قيام أركان الجريمة التي عينها المشرع إعمالاً لمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية؛ وكان النص المحال قد حدد واقعة بذاتها جعل ثبوتها بالطريق المباشر دالاًّ بطريق غير مباشر على العلم بالواقعة الإجرامية، مقحمًا بذلك وجهة النظر التي ارتآها في مسألة يعود الأمر فيها بصفة نهائية إلى محكمة الموضوع، لاتصالها بالتحقيق الذى تجريه بنفسها تقصيًا للحقيقة الموضوعية عند الفصل في الاتهام الجنائي؛ وهو تحقيق لا سلطان لسواها عليه، ومآل ما يسفر عنه إلى العقيدة التي تتكون لديها من جماع الأدلة المطروحة عليها. إذ كان ذلك؛ فإن المشرع إذ أعفى النيابة العامة - بالنص المحال - من إثباتها لواقعة بذاتها تتصل بالقصد الجنائي وتعتبر من عناصره، هي واقعة علم المتهم بعدم صحة أدوات القياس أو الكيل التى يستخدمها، أو فسادها، حاجبًا بذلك محكمة الموضوع عن تحقيقها؛ وعن أن تقول كلمتها بشأنها؛ بعد أن افترض هذا العلم بقرينة لا محل لها، ونقل عبء نفيه إلى المتهم، فإن عمله هذا يعد انتحالاً لاختصاص كفله الدستور للسلطة القضائية، وإخلالاً بمبدأ الفصل بينها وبين السلطة التشريعية؛ ومناقضًا كذلك لافتراض براءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه في كل وقائعها وعناصرها.
وحيث إن افتراض براءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه يقترن دائمًا من الناحية الدستورية - ولضمان فعاليته - بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر وثيقة الصلة بالحق في الدفاع. وتتمثل في حق المتهم في مواجهة الأدلة التي قدمتها النيابة العامة إثباتًا للجريمة، والحق في دحضها بأدلة النفي التي يقدمها. لما كان ذلك؛ وكان النص المحال - وعن طريق القرينة القانونية التي افترض بها ثبوت القصد الجنائي - قد أخل بهذه الوسائل الإجرائية بأن جعل المتهم مواجهًا بواقعة أثبتتها القرينة في حقه بغير دليل؛ ومكلفًا بنفيها خلافًا لأصل البراءة، ومسقطًا عملاً كل قيمة أسبغها الدستور على هذا الأصل؛ وكان أصل البراءة ، والحق في الدفاع هما ذروة سنام الحقوق اللصيقة بشخص المواطن، ذلك أن أصـل البراءة – على النحو السالف بيانه - هو من الحقوق الطبيعية التي تصاحـب المواطن منذ ولادته ولا تنفصل عنه إلا بحكم قطعي بالإدانة، بما يستتبع إقامة السلطات القائمة على الاتهام الدليل القاطع على ما يناقض هـذا الأصـل الذى حرم الدستور تعطيله أو الانتقاص منه، وكان النص المحال - وعلى ضوء ما تقدم جميعه - ينال من مبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية؛ ومن الحرية الشخصية؛ كما يناقض افتراض البراءة، ويخل بضوابط المحاكمة المنصفة، وما تشتمل عليه من ضمان الحق في الدفاع ، وينال من حق لصيق بالمواطن بتعطيله والانتقاص منه، وهو حق يرتبط بكرامته الإنسانية، فإنه بذلك يكون مخالفًا لأحكام المواد (2، 51 ، 54، 92، 94، 95، 96، 98، 99، 101، 184 ) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (19) من القانون رقم 1 لسنة 1994 في شأن الوزن والقياس والكيل.