الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأحد، 6 سبتمبر 2026

الطعن 11339 لسنة 94 ق جلسة 4 / 2 / 2026

 باسم الشعب 

محكمة النقـــض

الدائــرة الجنائيـــة

دائرة الأربعاء (و)

-----

المؤلفة برئاسة السيد القاضي / محمود خضر نائب رئيس المحكمـة وعضوية السـادة القضاة / قدري عبد الله ، خالد الـوكيل، أحمد الحميلي وأيمن ماهر نواب رئيس المحكمة

وبحضور السيد رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد/ عمرو كدواني.

وأمين السر السيد/ حاتم عبد الفضيل.

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة. 

في يوم الأربعاء 16 من شعبان سنة 1447هـ الموافق 4 من فبراير سنة 2026م.

أصدرت الحكم الآتي :-

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقـــم 11339 لسنة 94 القضائية . 

المرفوع من

.........            " الطاعن "

ضــــــــــــــــــــــد

النيابـــة العامــة       " المطعون ضدها "

-----------------

الـوقـائـــع

اتهمت النيابة العامة كلاً من 1ــ ......... (طاعن) 2ـــ ......... 3ـــ ......... 4ــــ ......... في القضية رقم 21134 لسنة 2023 جنايات مينا البصل " والمقيدة برقم 1973 لسنة 2023 كلي غرب الإسكندرية " " والمقيدة برقم 180 لسنة 2024 جنايات مُستأنف الإسكندرية " بوصف أنهم في يوم 23 من أغسطس سنة 2023 ـــ بدائرة قسم مينا البصل ـــ محافظة الإسكندرية:ــــ

المتهم الأول:

ــ قتل عمداً الطفل/ ......... بغير سبق إصرار أو ترصد بأن توجه إلى المجني عليه أبان استقلاله الدراجة النارية " التوك توك " قيادته مطالباً إياه توصيله إلى وجهته بدائرة أول العامرية وما أن صدق المجني عليه مزاعمه حتى استقل الدراجة النارية رفقته ولتنفيذ مسعاه الآثم استدرجه بعيداً عن أعين الرقباء وآلات الرصد، وما أن ظفر به وحيداً حتى نحره بسلاح ابيض قاطع "نصل كتر" فأحدث به إصاباته الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التي أودت بحياته قاصداً من ذلك كله إزهاق روحه على النحو المبين بالتحقيقات، وقد اقترنت تلك الجناية وتقدمتها جناية أخرى وذلك أنه في ذات الزمان والمكان: 

ــ خطف بالتحايل الطفل/ ......... ذلك أنه ما أن أبصر المجني عليه سالف الذكر مستقلاً دراجته النارية (التوك توك) لكسب قوت يومه حتى بادره طالباً منه توصيله إلى وجهته مستغلاً حداثة سنه تم استدرجه بعيداً عن أعين الرقباء وألات الرصد توطئة لارتكاب الجريمة محل الاتهام اللاحق، فانصاع لمكره حاسناً الظن بالمتهم وقد تلتها واقترنت بها الجناية التالية وذلك أنه ذات الزمان والمكان أنفى البيان، سرق المنقولات خاصة بالمجني عليه والمبينة وصفاً بالأوراق " دراجه نارية، هاتف محمول" من طريق عام وبأن أشهر في مواجهته سلاح أبيض " نصل قاطع " مهدداً إياه بالنزول عن دراجته النارية وتمكن من تنفيذ مسعاه الآثم عقب ارتكابه للأفعال المادية للجريمتين محل الاتهامين السابقين وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

ـ أحرز بغير ترخيص سلاح أبيض قاطع " نصل كتر " دون مسوغ قانوني وهو المسُتخدم في ارتكاب الجريمتين محل الإتهامين الأول والثالث وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

المتهمون من الثاني حتى الرابع:ـــ

ــ أخفوا أشياء مسروقة " دراجة نارية " والمتحصل عليها من الجريمة محل الاتهام السالف مع علمهم بكونها متحصله من جريمة سرقة على النحو المبين بالتحقيقات.

  وأحالتهم إلى محكمة جنايات الجيزة لمحاكمتهم طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.

    وبجلسة 6 من مارس سنة 2024  قررت المحكمة بإجماع آراء أعضائها بإرسال الأوراق لمفتي جمهورية مصر العربية لاستطلاع الرأي الشرعي.

        وبجلسة 8 من مايو سنة 2024 قضت المحكمة حضورياً عملاً بالمواد 304 /2، 313، 381 /2 من قانون الإجراءات الجنائية والمواد 44 مكرراً/1، 234/1-2، 317/رابعاً من قانون العقوبات، والمواد 1/1، 25مكرر/1، 30/1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقانونين ٢٦ لسنة ۱۹۷۸، و ١٦٥ لسنة ۱۹۸۱ والبند رقم (۷) من الجدول رقم (۱) الملحق بالقانون الأول والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم ١٧٥٦ لسنة ۲۰۰۷ والمواد 2/1، 11٦مكرر/1 من قانون الطفل ١٢ لسنة ١٩٩٦ والمعدل بالقانون ١٢٦ لسنة ۲۰۰۸، وبعد تطبيق نص المادة ٣٢/٢ من قانون العقوبات، أولاً: بمعاقبة ......... بالإعدام شنقاً عما اسند إليه من إتهام، ثانياً: بمعاقبة كلاً من .........، .........، ......... بالسجن لمدة ثلاث سنوات لكلاً منهم عما اسند إليهم وألزمتهم المصاريف الجنائية، ثالثاً: بمصادرة السلاح الأبيض المضبوط، وذلك بعد أن عدلت وصف الاتهام بالنسبة للمتهم الأول بجعله:

ــ قتل عمداً المجني عليه/ ......... من غير سبق إصرار أو ترصد بأن جاب الطرقات بحثاً عن فريسة يسلبها مالها حتى وجد ضحيته حال قيادته لدراجته النارية ــ توكتوك ـــ فاستوقفه وتظاهر زوراً بطلبه منه توصيله لوجهة قصدها حتى استدرج إياه لمكان ناءٍ وما أن ظفر به وحيداً أشهر أداة بطشة ـــ كتر ــــ وطعن إياه بها طعنة قاتلة برقبته قاصداً من ذلك إزهاق روحه فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته، وفى ذات الزمان والمكان سالفي الذكر كان القصد من ارتكاب جناية القتل العمد سالفة البيان ارتكاب وتسهيل وإتمام جنحة السرقة الآتية:

ـــ سرق المنقولات (التوكتوك، هاتف محمول) المبينين بالتحقيقات الخاصين بالمجني عليه سالف الذكر من طريق عام باستخدام سلاح أبيض ـــ كتر ـــ على النحو المبين بالتحقيقات.

ـــ أحرز بغير ترخيص سلاح أبيض (كتر) دون مسوغ قانوني وهو المُستخدم في الجريمتين سالفتي الوصف.

فاستأنف المحكوم عليهم ذلك القضاء، ومحكمة الجنايات المُستأنفة قضت حضورياً في ٣٠ من يوليو لسنة ٢٠٢٤، بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع: أولاً: وبإجماع الآراء بالنسبة للمُستأنف الأول/ ......... برفض الاستئناف وتأييد الحُكم المُستأنف وألزمته المصاريف الجنائية، ثانياً: بالنسبة لباقي المُستأنفين بتعديل الحُكم المُستأنف بمعاقبة كلاً من ......... و ......... و ......... بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة عما أسند إليهم وألزمتهم المصاريف الجنائية.

فطعن المحكوم عليه الأول في هذا الحكم بطريق النقض في 15 من سبتمبر سنة 2024.

وطعن الأستاذ/ ......... (المحامي) بصفته وكيلاً المحكوم عليه الأول في هذا الحكم بطريق النقض في 17 من سبتمبر سنة 2024.

وأودعت مذكرة بأسباب الطعن بالنقض عن الطاعن في ١٧ من سبتمبر سنة 2024 موقع عليها من الأستاذ/ ......... (المحامي).

         وعرضت النيابة العامة القضية على محكمة النقض مشفوعة بمذكرة برأيها طلبت فيها إقرار الحكم بإعدام المحكوم عليه/ ..........

 وبجلسة اليوم سُمعت المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة

----------------

المحكمـــة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً:

 أولاً: عن الطعن المُقدم من المحكوم عليه/ ..........

حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.

وحيث ان الطاعن ينعى على الحُكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم القتل العمد بغير سبق إصرار أـو ترصد المرتبط بجنحة السرقة واحراز سلاح أبيض "  كتر " دون مسوغ وقضى بإعدامه قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه لم يُبين واقعة الدعوى وأدلتها في بيانٍ وافٍ، ولم يُدلل تدليلاً سائغاً على توافر نية القتل في حقه وأن ما ساقه في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون مجرد ترديد للأفعال المادية التي وقعت والتي لا يستقي منها أنه ابتغى إزهاق روح المجني عليه ولا يكفي لحمل قضائه، لا سيما أن الواقعة في حقيقتها لا تعدو سوى أن تكون جريمة الضرب المفضي إلى الموت ملتفتاً عن طلبه بتعديل القيد والوصف إلى تلك الجريمة، وتناقض الحكم إذ أورد بمدوناته أن الباعث على القتل كان خشية افتضاح أمره ثم عاد في موضع آخر منه أن القتل كان بقصد السرقة، كما لم يدلل تدليلاً سائغاً على توافر ظرف الارتباط وقيام رابطة السببية بين القتل والسرقة، وأطرح بما لا يسوع دفعه ببطلان اعترافه بتحقيقات النيابة العامة لكونه وليد اكراه مادى ومعنوي من مأموري الضبط القضائي، لاسيما وأنه عدل عنه أمام المحكمة، واخيراً لم تحبه المحكمة إلى طلبه بعرض الطاعن على مصلحة الصحة النفسية لبيان مدى مسئوليته عن أفعاله وأطرحت طلبه بما لا يسوغ، مما يعيب الحُكم ويستوجب نقضه.

ومن حيث إن الحُكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله " من حيث أن واقعة الدعوى حسبما استقرت في يقين المحكمة واطمأن إليه وجدانها مستخلصة من أوراقها وسائر ما تم فيها من تحقيقات وما دار بشأنها بجلسة المحاكمة تتحصل في أن المتهم/ صلاح جابر محمد محمد قد ضل سعيه في الحياة الدنيا واستذله الشيطان بشهوة المال الحرام بينما كان يمر بضائقة مالية، فوسوس إليه على سرقة أحد الدراجات النارية " التكاتك " كرهاً عن قائدها وبيعها وأعد لهذا الغرض سلاحاً أبيض " كتر " وخبأة داخل طيات ملابسه وفي ليلة الواقعة توجه إلى شارع الإسناوي ـــ دائرة مينا البصل ـــ والبعيد عن منطقة سكنه لصعوبة التعرف عليه وحيث تتواجد عدة تكاتك لتوصيل الراغبين ووقف يتصيد فريسة تكون من صغار السن ضعيفة البنيان ليسهل السيطرة عليه ليتمكن من سرقة منقولاته والتوكتوك قيادته تحت تهديد السلاح الأبيض حوزته حسبما وقر في باطنه ووجد ضالته في المجني عليه/ .........حال قيادته دراجة نارية " توكتوك " حتى استوقفه وطلب منه اقلاله إلى ناحية المستعمرة بمنطقة نجع العرب دائرة قسم العامرية أول فوافقه المغدور به وفوجئ أن المجني عليه مقيم بمنطقة نجع العرب وهي منطقة سكن المتهم مما سيسهل التعرف عليه عقب قيامه بسرقته كرهاً عنه وأثناء ذلك عقد العزم وبيت النية على سرقة المجني عليه كرهاً عنه وإزهاق روحه لعدم افتضاح أمره وتوجها إلى المستعمرة منطقة الهلال الأحمر وحال سيرهما وبوصولهما لمنطقة غير مأهولة استوقفه على جانب الطريق بزعم رغبته في قضاء حاجته وأخرج سلاحه الأبيض وباغت المجني عليه وكال له طعنة برقبته قاصداً إنهاء حياته فسقط أرضاً مفارقاً الحياة وقام بالاستيلاء على هاتفه المحمول والتوكتوك للتصرف فيه ببيعه والتحصل على ثمنه وقام بالتخلص من أداة الجريمة بإلقاء السلاح الأبيض المستخدم بجوار الجثة وقام بالتوجه إلى أشخاص معروفين له المتهمين الثاني/ محمد أشرف الشاطبي " وشهرته حمو سبرتو " والثالث/ إسلام علي مرسي علي " وشهرته إسلام بازوما " للتصرف في التوكتوك المتحصل من جريمته بالبيع وقام الأخير بالاتصال مع المتهم الرابع/ ريان صافي ريان محمود حسونه " وشهرته ريان حرباوي" لإتمام عملية بيعها وقام المتهم الثاني بالاحتفاظ ببعض أجزاء وكماليات الدراجة المسروقة وبإجراء التحريات السرية حول الواقعة بمعرفة المقدم/ أحمد الصيرفي مفتش مباحث قسمي مينا البصل والدخيلة توصلت إلى قيام المتهم بارتكاب الواقعة على نحو ما سبق ونفاذاً للإذن الصادر من النيابة العامة تمكن المقدم/ فادي أحمد أبو الدهب رئيس مباحث مينا البصل من ضبطه وبإرشاده عثر بحوزته على الهاتف المحمول الخاص بالمجني عليه والمبلغ المالي المتحصل من بيع التوكتوك المستولى عليه وبمواجهته أقر له بأنه وعلى اثر مروره بضائقة مالية انتابته فكرة سرقة أحد سائقي التكاتك فبادر باصطياد فريسته المجني عليه واستدرجه إلى مكان ناءٍ وما ان ظفر به أشهر من طيات ملابسه سلاح أبيض ـــ كتر ـــ وطعن ضحيته طعنة قاتلة برقبته سقط على أثرها صريعاً قاصداً ازهاق روحه بقصد الاستيلاء على متعلقات الضحية وتمكن من سرقة " التوكتوك وهاتف محمول " ولاذ بالفرار بغنائمه وتواصل مع المتهمين الثاني والثالث لعلمه بتعاملهما في الأشياء المُتحصلة من جرائم واللذين أوصلوه للمتهم الرابع الذي اشترى منه التوكتوك المسروق بثمن بخس وتمكن من ضبطهم وضبط التوكتوك لديه وبإرشادهم تمكن من العثور على بعض من أجزاء الدراجة النارية المسروقة وأقروا له بأنهم على علم بكون الدراجة المضبوطة متحصلة من جريمة سرقة...."، وأورى تقرير الصفة التشريحية للمجني عليه أن إصابته بالعنق ذبحيه حيوية حديثة وجائزة الحصول من السلاح المضبوط - كتر - ووفق تصوير المتهم وفي تاريخ معاصر لارتكاب الجريمة وأن تلك الإصابة هي السبب في حدوث الوفاة الذبحية بالعنق بما أدت إليه من قطع بالأوعية الدموية الرئيسية بيمين العنق وقطع بالقصبة الهوائية ونزيف دموي أدى ذلك إلى هبوط حاد بالدورة الدموية والتنفسية والوفاة"، وساق الحُكم على صحة الواقعة واسنادها إلى الطاعن أدلة استقاها من أقوال المقدم أحمد الصيرفي مفتش مباحث قسمي مينا البصل والدخيلة والمقدم/ فادي أحمد أبو الدهب رئيس المباحث والرائد صابر كامل الدد معاون المباحث ومما ثبت بتقرير الصفة التشريحية لجثة المجني عليه وما ثبت من معاينة النيابة العامة لمكان الواقعة والمعاينة التصويرية وملاحظات النيابة العامة بإقرار المتهم ومما ثبت بالتقرير الطبي الشرعي وهى أدلة سائغة من شانها أن تؤدى إلى ما رتبه الحُكم عليها. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن جريمة القتل العمد تتحقق بكل فعل يرتكبه الجاني من شأنه الاعتداء على حياة انسان حي وإزهاق روحه ويتحقق القصد الجنائي في تلك الجريمة باتجاه إرادة الجاني إلي اقتراف الفعل المادي لجريمة القتل مع علمه بذلك كما يتطلب تحقق أركان تلك الجريمة تحقق ركن خاص وهو نية القتل ويجب على الحُكم الصادر بالإدانة أن يورد الأدلة السائغة على توافر نية القتل لدى الجاني. لما كان ذلك، وكانت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حُكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمة التي دان الطاعن بها والظروف التي وقعت فيها، والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه، وكان يبين مما سطره الحُكم أنه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به العناصر القانونية لجرائم القتل العمد بغير سبق الإصرار والترصد المرتبط بجنحة السرقة، وإحراز سلاح أبيض بغير ترخيص التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحُكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحُكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، ومتى كان مجموع ما أورده الحُكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة، فإن ذلك يكون محققاً لحُكم القانون، ويكون منعى الطاعن على الحُكم بالقصور لا محل له. لما كان ذلك، وكان الحُكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه قد استظهر نية القتل وأثبت توافرها في حق الطاعن بقوله " .... أن نية إزهاق روح المجني عليه قد استقامت في قناعة هذه المحكمة بحق المتهم استخلاصاً مما دلت عليه التحريات التي سطرها الشاهد الأول المقدم/ أحمد الصيرفي مفتش مباحث مينا البصل والدخيلة أن تحرياته توصلت إلى قيام المتهم بارتكاب الواقعة ونفاذاً للاذن الصادر من النيابة العامة تمكن الشاهد الثاني المقدم/ فادى أبو الدهب رئيس مباحث مينا البصل من ضبطه وبمواجهته أقر له بأنه وعلى أثر مروره بضائقة مالية انتابته فكرة سرقة أحد سائقي التكاتك فبادر باستيقاف المجني عليه واستدرجه إلى مكان ناءٍ وما أن ظفر به أشهر من طيات ملابسه سلاح أبيض "كثر " وطعن ضحيته طعنة اسقطته صريعاً قاصداً ازهاق روحه بقصد الاستيلاء على متعلقات الضحية وتمكن من سرقة " التوكتوك وهاتف محمول" ولاذ بالفرار بغنائمه وأن نية القتل قد اختمرت في نفس المتهم كنتيجة لما اختلجت به نفسه من سرقة توكتوك المجني عليه مما دعاه لقتله والخلاص منه خلاصاً نهائياً ومؤبداً لئلاً ينكشف ستر جرمه سيما وأنه علم أن المجني عليه يقطن بذات منطقة سكنه، كما تستنبط المحكمة تحقق نية المتهم ازهاق روح المجني عليه المذكور من استعماله في ارتكابها سلاحاً قاتلاً بطبيعته " كتر " ومن كونها اصابت منه مقتلاً برقبته، وتيقن من سقوطه قتيلاً مضرجاً في دمائه، ومن تعمده تركه ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة وسكت جسده وأسلم الروح لبارئها، ومن نكوله وقعوده عقب ذلك عن طلب المساعدة له أو لإسعافه بعد أن اثخنته جراحه، وكل تلك امارات ومظاهر خارجية تكشف في مجملها بجلاء متبادر للمحكمة وتفصح بيقين فى قناعتها بأن نية ازهاق روح المجني عليه في جريمة القتل العمد قد توافرت بحق المتهم وتولد قصد القتل لديه بمسرح الحادث توافراً حقيقياً وفعلياً أكيدا لا مراء فيه. لما كان ذلك، وكان قصد القتل أمراً خفياً لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالدعوى والامارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه واستخلاص هذا القصد من عناصر الدعوى موكول إلى قاضي الموضوع في حدود سلطته التقديرية، وكان ما أورده الحُكم يكفي في استظهار نية القتل، فإن النعي على الحُكم في هذا الشأن يكون على غير أساس. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم في مدوناته تتوافر به جناية القتل العمد بغير سبق الإصرار والترصد المرتبط بجنحة السرقة كما هي معرفة به في القانون وكان النعي بأن الواقعة مجرد جناية ضرب أفضى إلى موت او طلب تعديل القيد والوصف الى هذه التهمة مردود بأنه لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها مما تستقل بالفصل فيه بغير معقب، هذا إلى أن محكمة الموضوع غير ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي والرد على كل شبهة يثيرها على استقلال إذ في قضائها بالإدانة استناداً إلي أدلة الثبوت التي أوردتها ما يفيد ضمناً أنها أطرحتها ولم تعول عليها ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الصدد غير مقبول. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الباعث على ارتكاب الجريمة ليس ركناً من أركانها أو عنصراً من عناصرها فلا يقدح في سلامة الحكم عدم بيان الباعث تفصيلاً أو الخطأ فيه أو ابتناؤه على الظن أو إغفاله جملة، ومن ثم فلا محل لتعييب الحُكم في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان شرط إنزال العقوبة المنصوص عليها في المادة ٢٣٤ من قانون العقوبات هو أن يكون وقوع القتل لأحد المقاصد المبينة بها ومن بينها التأهب لفعل جنحة أو تسهيلها أو ارتكابها بالفعل، وعلى محكمة الموضوع في حالة ارتباط القتل بجنحة سرقة أن تبين غرض المتهم من القتل وأن تقيم الدليل على توافر رابطة السببية بين القتل والسرقة، وكان ما أورده الحُكم على النحو سالف البيان يتحقق به ظرف الارتباط المُشدّد لعقوبة القتل العمد المرتبطة بجنحة سرقة كما هي معرفة به في القانون؛ إذ أوضح رابطة السببية بين القتل وارتكاب جنحة السرقة التي كانت الغرض المقصود منه، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات بغير معقب ما دامت تقيمه على أسباب سائغة ـــ كما هو الحال في الدعوى المطروحة ـــ ولها سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق متى اطمأنت إلى سلامة الدليل المستمد من هذا الاعتراف، كما أن لها أن تقدر عدم صحة ما يدعيه المتهم من أن الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الإكراه بغير معقب عليها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة، وكانت المحكمة فيما أوردته في ردها على دفاع الطاعن في هذا الشأن قد أفصحت عن اطمئنانها إلى أن اعترافه في تحقيقات النيابة العامة إنما كان طواعية واختياراً ولم يكن نتيجة إكراه واقتنعت بصحته، فإن رد الحُكم على ما دفع به المدافع عن الطاعن في هذا الصدد يكون كافياً وسائغاً، ويضحى النعي عليه في هذا الخصوص غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تقدير حالة المتهم العقلية ومدى تأثيرها على مسئوليته الجنائية من الأمور الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة وهى غير ملزمة بالاستعانة في ذلك بخبير إلا فيما يتعلق بالمسائل الفنية البحتة التي يتعذر عليها تقديرها، كما أنه من المقرر أنه يشترط في الطلب والدفاع الجوهري كيما تلتزم المحكمة بتحقيقه أو الرد عليه أن يكون مع جوهريته يشهد له الواقع ويسانده فإذا كان عارياً من دليله وكان الواقع يدحضه فإن المحكمة تكون في حل من أجابته أو الالتفات إليه، وكان الطاعن لم يقدم دليله على كونه مصاب بمرض عقلي أو نفسي وقت ارتكابه للجريمة، كما أن واقعات الدعوى خلت مما يشهد له بذلك، وكانت المحكمة قد قدرت في حدود سلطتها التقديرية سلامة قواه العقلية وأنه ارتكب جرائمه وهو في كامل شعوره اختياره وهو ما تتوافر معه مسئولية الجنائية عنها ولا عليها من بعد أن هي اعرضت عن طلب عرضه على خبير فني لفحص حالته العقلية لعدم استناده إلى أساس جدي وهو أمر منبت الصلة بما هو محظور عليها أن تقحم نفسها فيه من الأمور الفنية التي لا تستطيع أن تشق طريقها فيها دون الاستعانة بأهل الخبرة بل أنه لا يعدو أن يكون من الأمور التي تتعلق بسلطة المحكمة في تقدير الدليل، فإن النعي على الحُكم بهذا السبب يكون على غير سند. لما كان ما تقدم، فإن الطعن يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

ثانياً: عن عرض النيابة العامة للقضية:

حيث إن النيابة العامة عرضت القضية الماثلة على هذه المحكمة اعمالاً لنص المادة 46 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض وقدمت مذكرة برأيها طلبت فيها إقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليه وذلك دون إثبات تاريخ تقديمها بحيث يستدل منه أنه روعي فيه عرض القضية في ميعاد الستين يوماً المبينة بالمادة 34 من ذات القانون، وكان البين أنها موقع عليها من رئيس نيابة وليس محام عام بتوقيع غير مقروء وأنها تحمل ما يشير إلى صدورها من الأستاذ/ مروان يوسف رئيس النيابة الكلية، فضلاً عن أنها تحمل تأشيره بالنظر موقعه بتوقيع لا يقرأ يستحيل معه معرفة صاحبه، إلا أنه كان تجاوز هذا الميعاد وعدم التوقيع على المذكرة بتوقيع مقروء لمحام عام على الأصل وفقاً للتعديل الوارد على المادة سالفة البيان بالقانون رقم 74 لسنة 2007 وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض لا يترتب عليه عدم قبول عرض النيابة العامة بل إن محكمة النقض تتصل بالدعوى بمجرد عرضها عليها لتفصل فيها وتستبين من تلقاء نفسها دون أن تتقيد بمبنى الرأي الذي ضمنته النيابة مذكرتها ما عسى أن يكون قد شاب الحُكم من عيوب يستوي في ذلك أن يكون عرض النيابة في الميعاد المحدد أو بعد فواته موقعاً عليها من محام عام بتوقيع مقروء أم غير مقروء أم غير موقع عليها أصلاً، ومن ثم يتعين قبول عرض النيابة العامة للقضية. لما كان ذلك، وكان البين مما سطره الحُكم المعروض على ما سلف بيانه في معرض التصدي لأوجه الطعن المُقدمة من المحكوم عليه أنه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان بها المحكوم عليه، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، وخلص إلى إدانة المتهم بالجرائم المنصوص عليها في المواد ٤٤ مكرر/1، ٢٣٤/1، ٢، 239 ، 317/رابعاً من قانون العقوبات والمواد 1/1، 25مكرراً/1، 30/1 من القانون 394 لسنة 1954 المعدل بالقوانين أرقام 26 لسنة 1978، 165 لسنة 1981، 5 لسنة 2019 والبند (7) من الجدول رقم (1) الملحق بالقانون الأول والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم 1756 لسنة 2007 والمادة 116 مكرراً من قانون رقم 12 لسنة 1996 بشأن إصدار قانون الطفل مع إعمال نص المادة 32 من قانون العقوبات، ومن ثم فإن الحُكم المعروض يكون قد سلم من القصور في التسبيب في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم المعروض عن تقرير الصفة التشريحية يكفي لتبرير اقتناعه بالإدانة ويحقق مراد الشارع الذي استوجبته المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحُكم الصادر بالإدانة، هذا فضلاً أنه لا يؤثر في سلامة الحُكم الصادر بالإدانة عدم إيراد نص تقرير الخبير بكامل أجزائه؛ ومن ثم فإن الحُكم يكون قد سلم من القصور في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان الواضح من مدونات الحُكم المعروض أنه استظهر قيام علاقة السببية بين إصابات المجني عليه التي أوردها تفصيلاً عن تقرير الصفة التشريحية وبين وفاته فأورد من واقع ذلك التقرير قوله: أن إصابات المجني عليه بالعنق ذبحية حيوية حديثة وجائزة الحصول من السلاح المضبوط " كتر " ووفق تصوير المتهم وفي تاريخ معاصر لارتكاب الجريمة وأن تلك الاصابة هي السبب في حدوث الوفاة الذبيحة بالعنق بما أدت إليه من قطع بالأوعية الدموية الرئيسية بيمين العنق وقطع القصبة الهوائية ونزيف دموي أدى إلى هبوط حاد بالدورة الدموية والتنفسية " وهو ما يكفي للتدليل على توافر علاقة السببية بين فعل الاعتداء ووفاة المجني عليه. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن تتطابق أقوال الشهود ومضمون الدليل الفني على الحقيقة التي وصلت إليها المحكمة بجميع تفاصيلها على وجه دقيق، بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني تناقضاً يستعصي على الملاءمة والتوفيق، وإذ كان ما أورده الحُكم من دليل قولي لا يتناقض مع ما نقله من ـــ تقريري الصفة التشريحية والطب الشرعي ـــ اللذين عول عليهما بل يتلاءم معهما، فإن الحُكم يكون فوق تطبيقه القانون تطبيقاً صحيحاً قد خلا مما يظاهر دعوى الخلاف بين الدليلين القولي والفني، ومن ثم يكون بمنأى عن الفساد في الاستدلال والقصور في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم المعروض في بيان مضمون اعتراف المحكوم عليه كافياً ودقيقاً كما استوجبه الشارع في المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية من بيان مضمون الأدلة التي يستند إليها الحُكم الصادر بالإدانة؛ ومن ثم يكون الحُكم المعروض بريئاً من أيه شائبة في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الأحكام بجب أن تبنى على أسس صحيحة من أوراق الدعوى وعناصرها، وكان البين من الاطلاع على المفردات أن ما حصله الحُكم من أقوال شاهدي الإثبات المقدم فادى أحمد أبو الدهب والرائد صابر كامل الدد واعتراف المتهم بالتحقيقات وتقرير الصفة التشريحية له صداه وأصله الثابت بالأوراق ولم يجد الحُكم فيما حصله منها وعول عليه عن نص ما أنبأ به أو فحواه، ومن ثم فقد انحسرت عن الحُكم الخطأ في الاسناد أو مخالفة الثابت بالأوراق. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يكفي أن تستخلص المحكمة وقوع السرقة لكي يستفاد فعل الاختلاس دون حاجة للتحدث عنه صراحة، وكان الحُكم المعروض فيه قد أورد في تحصيله لواقعة الدعوى وأدلتها أن المحكوم عليه بعد أن قام بقتل المجني عليه قام بسرقة الدراجة النارية " التوكتوك " قيادة المجني عليه، وكان من المقرر أن التحدث عن نية السرقة شرط لازم لصحة الحُكم بالإدانة في جريمة السرقة متى كانت هذه النية محل شك في الواقعة المطروحة، أو كان المتهم يجادل في قيامها لديه، وإذ كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحُكم أنه خلص في بيانٍ كافٍ إلى توافر أركان جريمة السرقة، وتوافر الدليل عليها في حق المحكوم عليه من اعترافه بالتحقيقات ومن تحريات الشرطة فلا يعيبه عدم تحدثه صراحة عن نية السرقة والتي لم تكن محل شك في الواقعة ولم يجادل المحكوم عليه بشأنها، كما أنه من المقرر أن ظرف الارتباط بين جريمة القتل العمد وبين جريمة السرقة يتوافر متى كان القتل قد وقع لأحد المقاصد المبينة بالفقرة الثالثة من المادة ٢٣٤ من قانون العقوبات وهى التأهب لفعل جنحة أو تسهيل ارتكابها أو ارتكابها بالفعل، وكان البين من واقعة الدعوى وظروفها وأدلتها - كما حصلها الحكم المعروض - أن المحكوم عليه قد قارف فعل قتل المجني عليه بقصد سرقة التوكتوك فإن القتل يكون قد وقع بقصد السرقة، ومن ثم يتوافر في حقه جريمة القتل العمد المرتبط بجنحة السرقة. لما كان ذلك، وكان لمحكمة الموضوع الحق في أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصا سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصل ثابت بالأوراق، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه بغير معقب، وهى متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها اطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، ولما كانت المحكمة قد بينت في حكمها وقائع الدعوى على الصورة التي استقرت في وجدانها وأوردت أدلة الثبوت المؤدية إليها واطمأنت إلى أقوال شهود الإثبات وصحة تصويرهم للواقعة، فإن ما يثيره المحكوم عليه بمحضر جلسة المحاكمة من عدم معقولية الواقعة واستحالة تصور حدوثها ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها في شانه أمام محكمة النقض، ومن ثم يضحى الحُكم المعروض قد سلم من هذا العوار. لما كان ذلك، وكان القانون لا يشترط لثبوت الجريمة التي رصد عقوبة الإعدام على مرتكبها وجود شهود رؤية أو قيام أدلة معينة بل للمحكمة أن تكون اعتقادها بالإدانة في تلك الجريمة مما تطمئن إليه من ظروف الدعوى وأدلتها، ومتى رأت الإدانة كان لها أن تقضي بعقوبة الإعدام متى توافرت شرائط توقيعها على مرتكب الفعل المستوجب للقصاص دون حاجة إلى إقرار منه بها أو شهادة شاهدين رأيا الجريمة وقت ارتكابها؛ ومن ثم فإن ما خلص إليه الحُكم المعروض يكون قد أقترن بالصواب. لما كان ذلك، وكان الحُكم المعروض قد رد على الدفع المبدى من المعروض ضده ببطلان القبض لعدم توافر حالة من حالات التلبس بما مؤداه أن القبض عليه تم نفاذاً لإذن النيابة العامة بضبط المتهم والصادر بناء على تحريات المباحث التي تبين جديتها وكفايتها لإصدار الأمر ومن ثم فان القبض على المتهم قد تم صحيحاً ووفقاً للإجراءات الصحيحة ويكون الدفع على غير سند. لما كان ذلك، وكان ما أورده الحُكم فيما سلف رداً على ما أثاره الدفاع له أصله الثابت في الأوراق ويسوغ به اطراح ما أثير من بطلان القبض، ومن ثم فإن الحُكم المعروض يكون قد سلم من عيب القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع. لما كان ذلك، وكان الحُكم قد أطرح الدفع بعدم جدية التحريات استناداً إلى اطمئنان المحكمة إلى صحة التحريات وجديتها، وهو ما يعد كافياً للرد على ما أثاره دفاع المحكوم عليه بمحضر الجلسة في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تستغني عن سماع شهود الإثبات إذا ما قبل المتهم أو المدافع عنه ذلك صراحة أو ضمناً دون أن يحول عدم سماعهم أمامها من أن تعتمد في حكمها على أقوالهم التي ادلوا بها في التحقيقات ما دامت هذه الأقوال مطروحة على بساط البحث، كما أن لمحكمة الموضوع أن تعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به وفي قضائه بالإدانة لأدلة الثبوت التي أوردتها دلالة على أنها لم تطمئن لأقوال هؤلاء الشهود فأطرحتها، ومن ثم فإن الحُكم يكون قد سلم من الإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال في هذا الخصوص، كما أن لمحكمة الموضوع أن تعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به وفي قضائها بالإدانة لأدلة الثبوت التي أوردتها دلالة على أنها لم تطمئن لأقوال هؤلاء الشهود فأطرحتها. لما كان ذلك، وكان مفاد نص المادة ١٢٤ من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانونين ١٤٥ لسنة ۲۰۰٦، ٧٤ لسنة ۲۰۰۷ أن المشرع تطلب ضمانة خاصة لكل متهم في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوبا هي وجوب دعوة محاميه إن وجد لحضور الاستجواب أو المواجهة فيما عدا حالتي التلبس والسرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة على النحو الذي يثبته المحقق في المحضر وذلك تطمينا للمتهم وصونًا لحرية الدفاع عن نفسه، ولتحقيق هذه الضمانة العامة يجب على المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير في قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن أو يخطر به المحقق كما يجوز لمحامية القيام بهذا الإعلان أو الإخطار، وإذا لم يكن للمتهم محام أو لم يحضر محاميه بعد دعوته وجب على المحقق من تلقاء نفسه أن يندب له محامياً، وكان الثابت من مطالعة المفردات أن الطاعن لم يخطر المحقق باسم محاميه ولم يعلنه بتقرير لدى قلم الكتاب أو إلى مأمور السجن وأن المحقق أرسل في طلب أحد الأساتذة المحامين من النقابة الفرعية لحضور الاستجواب إلا أنه عجز عن تنفيذ ذلك بسبب غلق النقابة فصار ندب محام أمراً غير ممكن؛ ومن ثم فإنه لا تثريب على المحقق إن هو استمر في استجواب الطاعن ولا يعد ذلك منه خطأ في الإجراءات إذ أنه غير ملزم بانتظار حضور المحامي أو تأجيل الاستجواب لحضوره سيما وأن الجريمة معترف بها، والقول بغير ذلك فيه تعطيل للنيابة العامة عن أداء وظيفتها انتظاراً للمحامي الذي يتعذر حضوره أو يتراخي فيه، كما أن الواقعة بحالتها الراهنة تحمل من الأدلة التي يخشي عليها من الضياع مما يستلزم جزاء على مخالفة هذه المادة ومن ثم فإن إجراءات استجواب المحكوم عليه تكون قد خلت من شائبة البطلان في هذا الخصوص. لما كان ذلك، وكانت المادة 377 من قانون الإجراءات الجنائية تقضي بأن المحامين المقبولين أمام محكمة الاستئناف أو المحاكم الابتدائية يكونون مختصين دون غيرهم بالمرافعة أمام محكمة الجنايات، وكان الثابت أن الأستاذ محمد فتحي مصطفى المحامي الذى تولي الدفاع عن المحكوم عليه بجلسات المحاكمة أمام محكمة أول درجة وأن الاستاذين مصطفى محمد محمود وأحمد محمد قطب اللذين توليا المرافعة عنه أمام المحكمة الاستئنافية مقبولين للمرافعة أمام محاكم الاستئناف، وبالتالي فإن إجراءات المحاكمة والحُكم يكونان قد تما وفق صحيح القانون. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن القانون وإن أوجب أن يكون بجانب كل متهم بجناية محام يتولى الدفاع عنه أمام محكمة الجنايات، إلا أنه لم يرسم للدفاع خططاً معينة لأنه لم يشأ أن يوجب على المحامي أن يسلك من كل طرف خطة مرسومة، بل ترك له ــ اعتماداً على شرف مهنته واطمئناناً إلى نبل أغراضها ـــ أمر الدفاع يتصرف فيه بما يرضي ضميره وعلى حسب ما تهديه خبرته في القانون، وإذ كان البين من محاضر جلسات المحاكمة بدرجيتها أن محامين موكلين قد ترافعوا في موضوع الدعوى عن المحكوم عليه وأبدى كل منهم أوجه الدفاع بما هو ثابت بتلك المحاضر، فإن ذلك يكفي لتحقيق غرض الشارع، ومن ثم فإن الحُكم المعروض يكون قد سلم من الإخلال بحق الدفاع في هذا الصدد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن القانون لم يستوجب توقيع جميع أعضاء الهيئة التي أصدرت الحكم على ورقته، ويكفى توقيع رئيسها وكاتب الجلسة طبقاً لنص المادة ۳۱۲ من قانون الإجراءات الجنائية، فضلاً عن أنه من المقرر بأنه لا يلزم في الأحكام الجنائية أن يوقع القضاة الذين أصدروا الحُكم على مسودته، بل يكفى أن يُحرر الحُكم ويوقعه رئيس المحكمة وكاتبها، ولا يوجب القانون توقيع أحد من القضاة الذين اشتركوا في المداولة على مسودة الحُكم، إلا إذا حصل له مانع من حضور تلاوة الحُكم عملاً بنص المادة ۱۷۰ من قانون المرافعات المدنية، ولما كان المحكوم عليه لا يمارى في أن رئيس الهيئة التي سمعت المرافعة في الدعوى واشتركت في المداولة هو الذي وقع على نسخة الحُكم الأصلية، وكان البين من مطالعة الحكم المعروض ومحاضر جلساته أن الحكم تُلي من ذات الهيئة التي استمعت للمرافعة واشتركت في المداولة، فإن الحُكم يكون قد سلم من البطلان. لما كان ذلك، وكان من المقرر وفقاً لنص المادة 381 من قانون الإجراءات الجنائية أنه " تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجيتها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك ــــ ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجيتها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية..."، ومفاد هذا النص أن القانون قد أوجب على محكمة الجنايات بدرجيتها عند إصدارها حكماً بالإعدام أن يصدر ذلك الحُكم بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية قبل إصداره، ومعنى الإصدار هنا أن يكون ذلك الحكم قد صدر ابتداء من محكمة جنايات أول درجة ـــ أو من محكمة الجنايات المُستأنفة ــــ كما لو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالبراءة ثم استأنفت النيابة العامة للثبوت ورأت محكمة الجنايات المُستأنفة معاقبة المتهم بالإعدام أو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد واستأنفت النيابة العامة للتشديد أو للخطأ في تطبيق القانون، وقضت محكمة الجنايات المُستأنفة بالإعدام فيها يكون حكم الإعدام صادراً من محكمة الجنايات المُستأنفة ويجب عليه أن تستطلع رأي مفتي الجمهورية وأن يصدر حكمها بإجماع الآراء أما إذا اقتصر دورها على تأييد الحُكم المستأنف القاضي بالإعدام فلا حاجة لاستطلاع رأي مفتي الجمهورية أو صدور الحكم بإجماع آراء أعضائها طالما كأن حكم محكمة الجنايات قد استوفى تلك الإجراءات ويؤيد هذا النظر ما استقر عليه العمل بمحكمة النقض قبل العمل بالقانون رقم 1 لسنة 2024 الذي جعل التقاضي في الجنايات على درجتين إذ أن محكمة النقض إذا ما عرضت عليها قضية محكوم فيها بالإعدام ورأت اقراره فتقضي بذلك دون إعادة إرسال القضية إلى مفتي الجمهورية لأخذ رأيه – طالما كانت محكمة أول درجة قد قامت بهذا الإجراء وكان رأيه معروضاً على المحكمة باختلاف درجاتها ولا حاجة لإعادة ذلك الإجراء الا في حالة إلغاء الحُكم بالإعدام وإعادة المحاكمة إذا ما رأت محكمة الإعادة توقيع تلك العقوبة عليه، وإذ كان الحُكم المعروض قد ألتزم هذا النظر فإنه يكون قد سلم من مخالفة القانون في هذا الخصوص. لما كان ما تقدم، وكان الحُكم المعروض قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دين بها المحكوم عليه بالإعدام، وساق الحُكم أدلة سائغة لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحُكم عليها، وقد صدر الحكم بالإعدام بإجماع آراء أعضاء المحكمة وبعد استطلاع محكمة أول درجة رأي مفتي الجمهورية، وجاء حُكم محكمة الاستئناف مؤيد له كما جاء خلواً من قالة مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو في تأويلة، وصدر من محكمة مشكلة وفقاً للقانون ولها ولاية الفصل في الدعوى، ولم يصدر بعده قانون يسري علي واقعة الدعوى بما يغير ما انتهى إليه هذا الحُكم، ولا يغير من ذلك صدور القانون رقم 174 لسنة 2025 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية الجديد في الثاني عشر من نوفمبر سنة 2025 والمنشور في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 45مكرر في ذات التاريخ والذي نصت المادة الرابعة من مواد إصداره على إلغاء قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950 – كما نصت المادة السادسة من مواد إصداره على أن يعمل بأحكام هذا القانون اعتباراً من الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره أي اعتباراً من الأول من أكتوبر سنة 2026 وما تضمنه المادة 22 منه من النص على أنه " ومع عدم الاخلال باختصاصات رئيس الجمهورية بالعفو عن العقوبة أو تخفيفها يجوز لورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أيه حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات في الجرائم المنصوص عليها في المواد 320، 233، 234 الفقرتين الأولى والثانية، 235، 236 الفقرة الأولى من قانون العقوبات ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقاً لحكم المادة 17 من قانون العقوبات، وبإنزال حُكم ذلك النص على واقعة الدعوى المؤثمة بالمادة 234 الفقرتين الأولى والثانية، فإنه يكون قد أنشأ وضعاً أصلح للمحكوم عليه وفقاً لحُكم الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات ـــ إذ أوجب على المحكمة في حالة تصالح المتهم مع ورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص أن تُعمل في حقه حكم المادة 17 من قانون العقوبات بتخفيف عقوبة الإعدام في ضوء حُكم هذه المادة ومن ثم فقد وجب إعمال حُكم ذلك النص ـــ متى توافر موجب إعماله من تاريخ صدور ذلك القانون ونشره في الجريدة الرسمية ـــ بإعتباره أنشأ وضعاً أصلح للمتهم ـــ وليس من تاريخ العمل به في 1/10/2026 وفقاً لنص المادة الخامسة من قانون العقوبات ـــ وهو ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة ــــ محكمة النقض ــــ ولما كان مقتضى إعمال حُكم ذلك النص يترتب عليه نقض الحُكم المعروض بحسبانه أنشأ وضعاً أصلح للمحكوم عليه اعمالاً لحكم المادتين 35، 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، إلا أن ذلك مرهون بتحقق موجب إعمال ذلك النص ـــ وهو إثبات صلح المحكوم عليه مع ورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص إذ أن إعمال حُكم ذلك النص يدور وجود أو عدماً مع تحقق موجب إعماله، وإذ كان ذلك وكان المحكوم عليه بالإعدام لا يدعي أنه قد تصالح مع ورثه المجني عليه أو وكيلهم الخاص ولم يطلب أجلاً لذلك فلا محل لأعمال حُكم ذلك النص في حقه، ويضحى نقض الحُكم المعروض لهذا السبب غير مجد، ومن ثم يتعين قبول عرض النيابة العامة وإقرار الحُكم الصادر بإعدام المحكوم عليه/ ..........   

          فلهــــذه الأسبــــــــــاب

حكمت المحكمة : ــــ

أولاً: بقبول طعن المحكوم عليه شكلاً وفي الموضوع برفضه.

ثانياً: بقبول عرض النيابة العامة للقضية وبإقرار الحُكم الصادر بإعدام المحكوم عليه/ ..........

السبت، 5 سبتمبر 2026

الأعمال التحضيرية لدستور 1923 / مادة 124 : استقلال القضاء

عودة الى صفحة الأعمال التحضيرية لدستور 1923 👈 (هنا)

مضبطة وضع الدستور / ج 3 ص 2607

الفصل الرابع – السلطة القضائية

مادة ١٢٤ - « القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ؛ وليس لأية سلطة في الحكومة التداخل في القضايا » .

---------------------

لجنة وضع المبادئ العامة :

حضرة عبد العزيز فهمي بك - أول هذه الكليات النص الذي سبق أن عرضته على حضراتكم وهو : « المحاكم مستقلة لا سلطان على رجالها في قضائهم لغير القانون ، وليس لأية سلطة في الحكومة التدخل في شؤونهم » .

معالي الرئيس ( أحمد حشمت باشا ) - يؤخذ الرأي على هذا النص .

( موافقة عامة ) .

في ٢ مايو سنة ١٩٢٢ ) .

-----------------

لجنة الدستور :

تلي القرار ۱۰۷ وهذا نصه : " المحاكم مستقلة لا سلطان على رجالها في قضائهم لغير القانون ، وليس لأية سلطة في الحكومة التدخل في شؤونهم . "

فتقرر الموافقة عليه مع تغيير عبارة « في شؤونهم » الواردة في آخر القرار بعبارة « في شؤون هذا القضاء » .

( في ١٤ أغسطس سنة ١٩٢٢ ) .

-----------------

تليت المادة الأولى من الفصل الثالث الخاص بالسلطة القضائية ، وهذا نصها : " المحاكم مستقلة لا سلطان على رجالها في قضائهم لغير القانون ، وليس لأية سلطة في الحكومة التداخل في القضايا .

حضرة عبد اللطيف المكباتي بك هل المقصود بكامة « المحاكم » في هذه المادة كل المحاكم على اختلاف أنواعها ، قضائية أو إدارية ؟

حضرة توفيق دوس بك - نعم ، كل المحاكم القضائية على اختلاف أنواعها ، واللجان الإدارية التي تصدر أحكاما .

( موافقة عامة على ذلك ، وعلى المادة ) .

( في أول أكتوبر سنة ١٩٢٢ ) .

-----------------

اللجنة الاستشارية التشريعية :

ترى اللجنة الاستشارية أن الأصح أن يذكر استقلال القضاة بدلا من استقلال المحاكم إذا كان لوظيفة القاضي مرتب ثابت محدد ، فزادته الحكومة بصفة شخصية لأحد القضاة ، فإن ذلك يعتبر افتيئاتاً على استقلال القضاء . وصوناً لهذا الاستقلال تحذف هذه الزيادة

-----------------

مجلس النواب :

فخري عبد النور بك - راعني جداً وأدهشني أن أرى في الصفحة ٢٥٠ من الميزانية ، وفي القسم الخاص بوزارة الحقانية ، وزارة العدالة والمساواة ، مرتبات شخصية . نعم ، يا حضرات الأعضاء، أقول إن في ميزانية وزارة العدالة ، وفي صفحة واحدة ثلاثة مرتبات شخصية لا مرتب واحد .

فالأول خاص برئيس المحكمة فهو يتناول ٢٤٠٠ جنيه مرتباً شخصياً ومرتب هذه الوظيفة ۲۳۰۰ جنيه . وإني مع احترامي لعظيم الشخص رئيس محكمة الاستئناف - الذى لا أعرفه - لا أدري ما هي المزية المتصف بها التي تستدعي إيجاد مرتب شخصي له .

والمرتب الثاني الشخصي هو لحضرة وكيل هذه المحكمة لأنه مقرر له ۲۳۰۰ جنيه في حين أن مرتب الوظيفة ثابت بالميزانية أنه ۱۹۰۰ جنيه فقط .

والمرتب الثالث الشخصي خاص بأحد المستشارين فهو يتقاضى ۱۸۰۰ جنيه في حين أن مرتب المستشار هو من ١٣٠٠ جنيه إلى ١٦٠٠ جنيه كما هو ظاهر لحضراتكم في الميزانية .

فهل لمعالي وزير الحقانية أو لسعادة وكيلها أن يبين لنا المزايا والأسباب التي أدت إلى وضع هذه المرتبات الشخصية لرجال الحقانية بل لرجال محكمة الاستئناف مع العلم بأني حين بحثي في الميزانية أجعل دائماً نصب عيني مقارنتها بميزانية سنة ١٩٢٤ التي لا أجد فيها شيئاً يدعى مرتباً شخصياً ؟

وكيل الحقانية - كان مرتب معالي رئيس محكمة الاستئناف ٢٤٠٠ جنيه ، فبقى كما هو بصفة شخصية . أما مرتب من سيتولى هذا المنصب بعده فسيكون ۲۲۰۰ جنيه فقط ، وذلك بناء على قرار مجلس الوزراء القاضي بتخفيض مرتبات بعض الوظائف الكبرى

فخري عبد النور بك - تعني أن مرتبه كان ٢٤٠٠ جنيه في سنة ١٩٢٥ ، ولكن هذه السنة لم يكن مجلس النواب منعقداً فيها ولذا يصح أن أوجه السؤال الآن وأضمنه السؤال الخاص بمرتب وكيل المحكمة .

وكيل الحقانية - تعين معالي حسين درويش باشا في يوليه سنة ۱۹۲٥ وكيلا لمحكمة الاستئناف براتب قدره ۲۲۰۰ جنيه .

فخري عبد النور بك - عفواً يا صاحب السعادة ، إنه تعين براتب قدره ۲۱۰۰ جنيه فقط وإلا فتكون الميزانية ليست صحيحة . وكيل الحقانية - صحيح فقد تعين براتب قدره ۲۱۰۰ جنيه ولكنه قدم شكوى مؤداها أن وكيل المحكمة السابق له كان يتناول مرتباً قدره ۲۱۰۰ جنيه و ۳۰۰ بصفة بدل اغتراب ، فيكون مجموع ما كان يتناوله ٢٤٠٠ جنيه وطلب مساواته به فقررت الوزارة جعل مرتبه ٢٣٠٠ جنيه أي أقل من سلفه بمبلغ ۱۰۰ جنيه ، وأظن أن هذه المرتبات صارت حقوقاً مكتسبة لا يمكن إعادة النظر فيها .

فخري عبد النور بك . لست مقتنعاً بإجابة سعادة وكيل الحقانية لأنه ليس من الضروري مساواة الوكيل الجديد بالقديم خصوصاً إذا كان هذا الأخير يتناول ۲۱۰۰ جنيه . أما مبلغ الـ ٣٠٠ جنيه فهو بدل اغتراب فهل معالي حسين درويش باشا يتناول بدل اغتراب أيضاً ؟ وأنا لا أتنازل عن رأيي بأني لم أقتنع بكلام سعادة وكيل الحقانية الذي لم يخبرنا للآن عن المستشار الذي يتناول مرتباً شخصياً .

وكيل الحقانية - هذا المستشار هو سعادة محمد علام باشا ، وقد عين مستشاراً بمرتب قدره ۱۷۰۰ جنيه ، وبعد ذلك أرسل شكوى للوزارة يقول فيها إنه كان يتناول مرتباً قدره ۱۸۰۰ جنيه وهو مدير ، ولا يصح للحكومة أن تقطع من مرتبه ١٠٠ جنيه إلا بحكم من مجلس التأديب ، فوافقت الوزارة على إعطائه مرتباً قدره ۱۸۰۰ جنيه

فخري عبد النور بك - مع احترامي لسعادة علام باشا الذي تربطني وإياه علاقات الجوار ، حيث يوجد منزلي بجوار قصره الفخم بالعباسية ، فإني أود أن أقرر أن سعادته رفع هذه الشكوى من زمن بعيد أثناء وزارة ثروت باشا ، ولكن هذه الوزارة لم تأبه لها في ذلك الوقت . أما وزارة زيور باشا فلم تتردد في إعطائه الزيادة التي طلبها مع أنه كان يتناول مبلغ . ۱۷۰۰ جنيه مقتنعاً به ، وهذه مسألة هامة ، لأن الواجب هو مساواة المستشارين بعضهم ببعض بدون تمييز .

وكيل الحقانية - لم تعط العلاوة الشخصية لسعادة محمد علام باشا إلا بعد أن وافق حضرات زملائه المستشارين على ذلك .

فخري عبد النور بك - كان حضرة بهي الدين بركات بك يتناول ٢٠٠٠ جنيه لما كان وكيلا لوزارة الحقانية . فلماذا يتناول الآن وهو مستشار أيضاً ١٦٠٠ جنيه فقط ؟

الرئيس - ما الذي ترمي إليه ؟

فخري عبد النور بك - المساواة بين القضاة في المرتبات ، أي ألا يعطى لأحدهم مرتب شخصي .

الرئيس - أتريد أن يكون مرتب المستشار ۱۸۰۰ جنيه ؟

فخري عبد النور بك - لا أقصد ذلك ، إنما أقصد تنقيص الزائد عن المرتب الأصلي

الغريب في هذا الموضوع أن سعادة محمد علام باشا لما عين في أغسطس سنة ١٩٢٠ كان مرتبه ۱۷۰۰ جنيه ، ولم يمنح الزيادة الشخصية إلا في سنة ١٩٢٥ في عهد زيور باشا الذي قرر إعطاء الزيادة من تاريخ تعيينه .

هذا القرار لا يمكن أن يكون ملزماً لنا ، ويجب أن تكون الزيادة من تاريخ منحها لا من تاريخ التعيين .

الرئيس - هل هذه الوقائع صحيحة ؟

وكيل الحقانية - نعم .

الرئيس - يجب أن تكون مرتبات القضاة متساوية . فإما أن تزاد جميع المرتبات أو تنقص الزائدة .

أحمد عبد الغفار بك - لا أرى محلاً للمسألة التي أثارها حضرة فخري عبد النور بك بعد أن قرر المجلس أن كل العلاوات والمرتبات وحقوق الموظفين المكتسبة يجب أن تبقى كما هي حتى تنتهي اللجنة العامة من وضع الكادر الجديد . لهذا أرى أنه لا يليق بنا أن تتعرض للزيادات موضوع المناقشة . أرجو أن تلاحظوا أن رئيس محكمة الاستئناف ووكيلها هما أكبر القضاة ، وكانا وزيرين ويحق لهما أن يتناولا معاشاً سنوياً قدره ١٥۰۰ جنيه ، فهما والحالة هذه لا يكلفان الخزانة إلا الفرق بين معاشهما والمرتب الذي يقبضانه الآن .

أما سعادة محمد علام باشا فكان - كما قال سعادة وكيل وزارة الحقانية - مديراً بمرتب معلوم ولم يكن يحق للحكومة أن تنقله وتنقص مرتبه إلا بحكم مجلس تأديب .

لهذا أرى تأجيل النظر في هذه الزيادات إلى أن تنتهي اللجنة العامة من عملها ، ولا يضرنا أن تتجاوز عن مبلغ ١٠٠ جنيه أو ٢٠٠ جنيه لرئيس محكمة الاستئناف ووكيلها وأحد مستشاريها . إن حذف هذه الزيادات لا يعتبر وفراً حقيقياً يهتز له مجلس النواب . أشعر أن كلامي الليلة يتناقض مع ما قلته سابقاً أثناء مناقشة المجلس في علاوات الموظفين ، إلا أنني أرى أنه لا يليق بمجلس النواب أن يتناقش في مرتبات ثلاثة من كبار القضاة ، وأرى ألا تثار هذه المسألة محافظة على كرامة القضاء وكرامة المجلس .

حامد جوده افندي - لست أقصد التكلم في حذف هذه الزيادات أو إبقائها ، إنما أود ألا يكون القرار الذي يصدره المجلس بهذا الخصوص مبنياً على ما يسمونه الحقوق المكتسبة . لقد قيل هذا التعبير عند بحث علاوات الموظفين التي تقررت من زمن بعيد قبل الدستور وقبل انعقاد البرلمان ، ومع ذلك احتاط المجلس عندما أصدر قراره الخاص بالعلاوات فلم يبنيه على أي حق مكتسب حتى لا يؤخذ منه اعتراف بها .

إن كان هناك شك في وجود هذه الحقوق المكتسبة في المدة السابقة على إعلان الدستور فلا يمكن مطلقاً أن يكون هناك أقل شك بالنسبة لها في مدة تعطيل البرلمان وإلا أمكن لأية حكومة أن تحل مجلس النواب وتعطي من أموال الأمة ما تشاء . فإذا ما عاد المجلس ورأى عدم الموافقة على اعتماد هذه المبالغ قيل له إن هناك حقوقاً مكتسبة ، مع أن في وسعه - كما حصل فعلاً - أن يقرر بطلان القوانين التي صدرت أثناء تعطيله . إذا بنيتم قراركم على نظرية الحقوق المكتسبة كان ذلك مناقضاً لما قرره المجلس من بطلان التشريع الذي أصدرته الوزارة السابقة في مدة تعطيله .

وإذا رأى المجلس أن يأخذ برأي حضرة أحمد عبد الغفار بك فكل رجائي أن يبني قراره على أي سبب إلا نظرية الحقوق المكتسبة . 

علي السيد أيوب افندي - يجب أن تتناول بحث هذه المسألة في هدوء تام فلا تنظر إليها كما نظر إليها حضرة أحمد عبد الغفار بك . المسألة بعيدة كل البعد عن شخصية رئيس محكمة الاستئناف ووكيلها وأحد مستشاريها .

إن هي إلا مسألة حقوق وأموال ، وأود أن ألفت نظر حضراتكم إلى مسائل مشابهة الموضوع مناقشتنا - وأقرها المجلس . قبل أن تصدروا قراراً في اقتراح حضرة فخري عبد النور بك .

في صفحة ۱۳۸ من مشروع الميزانية الخاص بوزارة المعارف العمومية تجدون حضراتكم :

(1) وظيفة درجة / (ب) بمرتب شخصي ۱۵۰۰ جنيه مع أن أصل مربوطها من ٩٠٠ جنيه إلى ١١٤٠ جنيها

(۲) موظف درجة ثانية بمرتب شخصي .

(۳) موظف درجة (1) بصفة شخصية .

كل هذا يدلنا على أن بعض موظفي وزارة المعارف العمومية منحوا مرتبات أكثر من مربوط درجاتهم بصفة شخصية : فلذلك يقضي علينا المنطق بأن نرفض اقتراح حضرة فخري عبد النور بك .

(وفي الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة عشرة ترك حضرة صاحب الدولة سعد زغلول باشا رئاسة الجلسة وجلس مكانه حضرة الأستاذ ويصا واصف وكيل المجلس) .

سعد زغلول باشا - إن موضوع المناقشة وإن كان بالنسبة للمبالغ المراد حذفها غير مهم إلا أنه مهم إلى الدرجة القصوى فيما يتعلق باستقلال القضاء .

يجب أن يكون القضاء مستقلاً . ولا يمكن أن يكون مستقلاً إلا إذا لم تتدخل فيه السلطة التنفيذية أو كان تدخلها قليلاً جداً .

إن نظام القضاء في مصر يساعد السلطة التنفيذية على أن تتدخل فيه بطرق شتى مشروعة - وهذا أمر يؤسف عليه ، ولكنها تتدخل أيضاً بصفة غير مشروعة بل بصفة تكاد تكون رشوة للقضاة . هذا ما لا يجوز أبداً ؛ ويجب على حضراتكم بصفتكم نواب الأمة أن تضربوا على كل يد تمتد إلى هذا الاستقلال .

( تصفيق حاد ) . 

لرئيس محكمة الاستئناف مرتب محدود ، فلا يجوز مطلقاً لأي سبب ولا في أي زمان ولا تحت أي حكم أن يزاد مرتبه . بل يجب أن يكون مرتبه ثابتاً . وإني أرى أنه ليس من الكرامة في شيء أن يزاد مرتب رئيس محكمة الاستئناف ۱۰۰ جنيه في السنة بدون حق . نعم هذا لا يتفق وكرامة القضاء ، بل فيه ما فيه من سوء المظنة برئيس محكمة الاستئناف . إن هذه الزيادة التي يقولون عنها (شخصية) والتي هي الآن ۱۰۰ جنيه إذا تركها المجلس تمر قد تصبح في يوم من الأيام ۲۰۰ جنيه أو ٣٠٠ جنيه أو ٥٠٠ جنيه .

إذا كانت في دست الحكم وزارة لا رادع لها من نفسها ولا عاصم - كما رأينا - فأي مانع يمنعها من أن تعد رئيس محكمة الاستئناف بزيادة مرتبه إذا قام بتنفيذ ما تطلبه منه ؟

كذلك لا يجوز مطلقاً أن يمتاز قاض عن زميل له يجلس بجانبه إلا إذا كان ذلك بحكم الزمن والقدم . أما أن يأتي وزير ويميز قاضياً عن آخر لغير هذا السبب فهذه هي الرشوة بعينها .

( تصفيق ) .

لذلك لا أشاطر حضرة أحمد عبد الغفار بك رأيه في عدم حذف هذه الزيادة ، بل أقول يجب حذفها لأنها أثر الجناية ارتكبت ضد العدالة وضد قدس القضاء .

يقولون إن هناك حقوقاً اكتسبت - ليست هناك حقوق مكتسبة ، ولكن هناك مبالغ تدفع بطرق غير محللة مخالفة للنظام العام - ذلك النظام الذي يقضي بالمساواة وبالامتناع عن كل تدخل يفسد ضمير القاضي أو يؤثر عليه فى عدالته .

لاشك - وأتكلم عن نفسي - في أنني لو كنت مستشاراً وزيد مرتب أحد زملائي لأي سبب كان لما قبلت ذلك مطلقاً وتقدمت استقالتي في الحال لأن هذا مشين بكرامتي .

أقول هذا لأنني سمعت سعادة وكيل وزارة الحقانية يدافع عن زيادة مرتب أحد المستشارين بقوله إن زملاءه قبلوا ذلك .

ألا يعلم سعادة وكيل وزارة الحقانية أن القبول والاتفاقات المخالفة للنظام العام باطلة ؟ لاشك أن زملاءه إنما رضوا محاباة أو مجاملة أو تورطاً . فأنت أيتها الحكومة القائمة على حفظ النظام العام يجب ألا تتمسكي بهذا ، بل يجب أن ترفضي هذا الاتفاق لأنه مخالف للنظام العام .

لهذا لا أوافق على نظرية الحق المكتسب لأنه ليس هناك حق مكتسب بل جرم مرتكب .

( تصفيق حاد ) .

أنا لا أذهب إلى حد أنكم تقررون استرداد كل مبلغ أخذ على هذه الصورة (أي بالصفة الشخصية) ، بل أطلب من حضراتكم أن تقرروا حذف هذه الزيادات في المستقبل . وإذا كان من يتمتع بها يقبل التنازل عنها فبها ونعمت ، وإلا فليقدم استعفاءه . ليس له حق في أن يطمع في مرتب ليس هو مرتب وظيفته وإنما أتاه من فضل وزير .

لا أقبل - لو كنت قاضياً - أن أنال فضلا من عطف وزير ، ولكنني أقبله من عطف الزمان واستحقاقي .

( تصفيق ) .

إذا قررتم حذف هذه العلاوات فلا يكون ذلك افتيئاتاً على حق مكتسب ، بل يكون محواً لجريمة ارتكبت ضد استقلال القضاء .

(تصفيق متواصل) .

أحمد عبد الغفار بك - ربما كان من الصفاقة أو الادعاء أن أتعرض للرد على حضرة صاحب الدولة الرئيس . ولكنني - بصفتي أحد أبنائه وقد اختلفت مع دولته في الرأي - أستميحه عذراً في أن أؤيد رأبي .

ليست المسألة في نظري مسألة علاوة طفيفة يتناولها رئيس محكمة الاستئناف ويراد حذفها أو إبقاؤها . ولم أكن عندما تكلمت على علاوات الموظفين من أنصار الحق المكتسب ، لأني لا أسلم بوجود حق مكتسب الموظف من الموظفين ضد إرادة مجلس النواب . إن المسألة مسألة لياقة  . (مقاطعة)

اسمحوا لي أن أقول ما أعتقد . أرى - وقد أقررنا مرتبات شخصية في ميزانيات أخرى . ألا تقرر الآن حذف علاوات رئيس محكمة الاستئناف ووكيلها وأحد مستشاريها .

لست أظن مطلقاً أن هؤلاء القضاة . وقد وكل إليهم الفصل في حقوق الناس - يمكن أن تتأثر ذممهم بحال من الأحوال ، كما أنه ليس في وسع أية حكومة أن تشتري ضمائرهم بعلاوة أو غيرها .

لهذا أصر على رأيي وأرجو ألا تمس هذه العلاوات .

عبد السلام عبد الغفار بك - أوافق حضرة صاحب الدولة الرئيس ، وأخالف حضرة أحمد عبد الغفار بك . لا يجوز في أمر القضاء أن تكون المسألة مسألة لياقة بل يجب كما قال دولة الرئيس - أن يكون القاضي محترما في مركزه ، وألا يميز عليه زميل له بأي حال من الأحوال . وأقول لأخي (تصفيق) ، بل أقول لحضرة العضو المحترم ، إنه لم يطعن أحد في ذمة سعادة أحمد طلعت باشا وسعادة حسين درويش باشا . إنما المسألة كما قال حضرة صاحب الدولة الرئيس - إنه لو عرض على دولته مرتب أكثر من زميل له أو زيد مرتب هذا الزميل عنه لما قبل دولته ذلك . المسألة مسألة حق إنما يجب أن يؤخذ بحق .

أما الحقوق المكتسبة فعلى نوعين : حق اكتسب بحق وحق لم يكتسب بل اغتصب . إن الحق الذي يصل إلى صاحبه طبقاً للقانون وبغير استثناء وعن غير طريق مجلس الوزراء هو الحق المكتسب حقيقة والواجب احترامه . أما الحق الذي يجيء من طريق الاستثناء بسبب المحسوبية أو الصفة الشخصية فحق مغتصب . إن ترقية موظف بصفة استثنائية معناها حرمان موظف كفء من استحقاقه

أؤكد لحضراتكم أني من أنصار الحق المكتسب بحق . وأطلب ليس فقط حذف العلاوات الاستثنائية في وزارة الحقانية بل حذف جميع العلاوات الاستثنائية في كافة مصالح الحكومة .

( تصفيق ) .

سعد زغلول باشا - إن الذي حملني على الكلام ليست الزيادة الاستثنائية بل مبدأ استقلال القضاء .

لهذا لم أهتم ولا أهتم بالزيادات الشخصية في المصالح الأخرى ، إذ ليس لها ذلك التأثير السيء" .

أما القضاء فلا يمكنني أن أصبر على أن أراه يحل باستقلاله بهذه الطريقة : طريقة معيبة لا يصح الحكومة تشعر باحترامها لنفسها أن تلجأ إليها .

لو كنت أعلم - عندما تكلمت - أن كلامي يمس حقاً مكتسباً حقيقة لما تكلمت ، لأنني أحترم الحقوق المكتسبة ؛ ولكن ما قلته لا يمس أي حق مكتسب سواء بالنسبة لسبيبه أو لمبدئه .

لو كان المعروض على حضراتكم الآن أن تقرروا استرداد ما دفع من العلاوات الشخصية لكان من الجائز أن يقال إن هذا لا يصح . ولكن المطلوب حذف هذه العلاوات في المستقبل ويجب أن تقف الجريمة عند هذا الحد .

سمعت الآن من كثيرين دفاعا عن القضاء ، كما سمعت بغاية السرور دفاعا عنه من معالي وزير الحقانية . وإني أتشرف أيضاً بالدفاع عن القضاء ، وأراني حائزاً لهذا الشرف بمنع تدخل الحكومة في استقلال القضاء بهذه الطريقة المعيبة .

( تصفيق حاد ) .

لو كنت رئيساً لمحكمة الاستئناف وعرض وزير أن يزيد مرتبي ۱۰۰ جنيه أو ٥٠٠ جنيه لرفضت ذلك رفضاً باتاً . ولكن رئيسنا - لا أريد أن أبوح بكل ما في نفسي لأني أشعر بأن في نفوسكم مثله .

لو قلت ما في نفسي - ولدي البراهين الكافية عليه - لما جادلني أحد فيما أطلب ولاتفقتم على أن تدافعوا عن قدس القضاء بحذف ما لوث سمعة القضاء .

( تصفيق حاد ) .

( أصوات : يؤخذ الرأي ) .

الرئيس - تمت المناقشة . يؤخذ الرأي .

المعارض في أن يحذف من وقت تقرير الميزانية العلاوات الثلاث الممنوحة بصفة شخصية لحضرات رئيس ووكيل وأحد مستشاري محكمة الاستئناف الأهلية يقف .

( وقف ثلاثة أعضاء ) .

( فقرر المجلس حذف تلك العلاوات الشخصية الثلاث من وقت تقرير الميزانية .

(في ١٠ أغسطس سنة ١٩٢٦ ) .

-----------------

تقدير الموضوع والفصل في : هل وقعت الحادثة من المتهم ذاته ؟ والحكم في : هل ارتكب المتهم المخالفة المنسوبة إليه ؟ هل هذه أمور كلها خارجة عن اختصاص مجلس النواب لأنها من اختصاص السلطة القضائية ؟

يراجع التعليق على المادة ١١٠ .

(في 9 أبريل سنة ١٩٢٨ ) .

-----------------

مجلس الشيوخ

للأعضاء أن يتقدموا باقتراحات للإصلاح أو بملاحظات من الوجهة الإدارية بشأن طريقة العمل في المحاكم . أما التعرض بصفة عامة للقضاء فلا يجوز .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي . لقد سمعتم - يا حضرات الشيوخ المحترمين - أقوالاً عن ميزانية وزارة الحقانية . وكلها تنحصر في العناية برجال القضاء ، وتحسين حالهم ؛ كما سمعتم أيضاً بعض رغبات .

ولكن ما هي الطريقة لإصلاح القضاء ؟

أمامنا ديوان العموم . يمكن الآن الاستغناء عن عدد كبير من موظفي هذا الديوان بتوحيد الإدارات في وزارة الحقانية بأن تكون إدارة واحدة ؛ لأنه لا معنى مطلقاً لإيجاد فرع خاص بالمحاكم المختلطة ، وثان للمحاكم الأهلية ، وثالث للمحاكم الشرعية ، ورابع للمجالس الحسبية ، ثم يكون لكل منها رئيس ووكيل - فهذا التوزيع لا معنى له . وكذلك لا معنى لوجود رئيس . محكمة ووكيل في كل دائرة . ويمكن أن تنتخب الجمعية العمومية للقضاة رئيساً من بينهم لمدة سنة واحدة طبقاً لما سنبينه فيما بعد . وبذلك يمكن الاستغناء عن وظائف رؤساء المحاكم ووكلائها بإعطاء الحق للجمعيات العمومية في أن تنتخب من بين القضاة رئيساً لمدة سنة ، كما تفعل المحاكم المختلطة ؛ وفي هذا تحقيق المعنى استقلال القضاء .

بهذه الطريقة أرى أنه من الممكن اقتصاد مبلغ كبير بالاستغناء عن وظائف كبيرة في الديوان وفي المحاكم . ويمكن في هذه الحالة نقل هؤلاء للموظفين إلى العمل في القضاء بدلا من البحث عن أمثالهم أثناء التعيين خارج الوزارة أو من النيابات .

وأرى للإصلاح أن القضايا المستأنفة والقضايا الكلية يجب على الدائرة التي تنظر فيها أن تحضرها وتدرسها قبل الجلسة ، وألا تكتفي بالتلخيص الذي يقوم به أحد حضرات قضاتها ، لأن هذا التلخيص لا يعطي القضاة الذين لم يقرأوا القضية كلها فكرة تامة عنها .

حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا (وزير الحقانية) - كيف يقول حضرة الشيخ المحترم إن القضاة لا يقرأون القضايا ؟ أنا لا أسمح بهذا القول .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - أنا لم أقل هذا .

إن الذي قلته : إن القضاة يكتفون بقراءة الملخص الذي يقوم به أحدهم، وأنه يصعب عليهم أن يقرأوا جميعاً القضية كلها ، لأن ملفها من نسخة واحدة . وأعتقد أن معالي الوزير يعلم هذه الصعوبة .

حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا (وزير الحقانية) - إن هذه الصعوبة لا تمنع من قراءة القضاة كلهم للقضايا . وقد كنا قضاة وكنا نقرؤها جميعاً مع وجود هذه الصعوبة .

فهل يريد حضرة الشيخ المحترم أن يقول إن الصعوبة تمنعهم من القراءة ، أو إنهم مع وجود هذه الصعوبة يقرأون جميعاً الملفات كاملة ؟ 

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - إن طريقة الإصلاح التي أريدها هي أن تطبع كل القضايا المستأنفة ، من مدنية وجنائية ، والقضايا الكلية ، كما تطبع قضايا الجنايات ، وتوزع على القضاة الثلاثة لدراستها قبل الجلسة حتى يمكن تكوين الرأي الصحيح عند دراسة القضية من الهيئة كلها .

وإني أتكلم بعقيدتي - وأرجو من معالي الوزير أن يسمح لي ليمكن أن يوافقني على فكرة الإصلاح - فإن القضية إذا درست من قاض واحد ولخصها وشرحها لزملائه يكون الحكم الذي يصدر فيها عبارة عن رأي القاضي الذي قرأ القضية . وإني أضرب لحضراتكم مثلا يدل دلالة صريحة على أنه إذا استمر الحال في القضايا المستأنفة ، من جنح وقضايا مدنية ، بالطريقة المتبعة الآن ، فإنه يكون لا معنى لتشكيل الدوائر من ثلاثة قضاة .

صدر حكم منذ شهرين من دائرة - هذا الحكم يمكن لمعالي الوزير أن يطلع عليه . هذه القضية التي أضربها مثلا ، والتي كونت منها فكرتي واعتقادي ، خاصة بحكم مرسى مزاد عن خمسة أفدنة . رفع عند التنفيذ فيها إشكال للمحكمة المختلطة فقضت برفضه ، فرفع إشكال آخر أمام المحكمة الأهلية فحكم أيضاً برفضه . بعد ذلك تعرض المحكوم عليه لمن رسا عليه المزاد فقدمت شكوى للنيابة العمومية ، وحققت الشكوى ، وقدم المتهم للقضاء، فحكم القاضي الجزئي بالعقوبة لأن المتهم اعتدى على ملك الغير . وأنا لا تهمني العقوبة من حيث هي عقوبة ، وإنما الذي أهمني الخطأ القضائي - ولكن الحكم استؤنف فنظر أمام محكمة الجنح المستأنفة فقضت هذه في القضية بالبراءة ، والحكم بالبراءة أيضاً لا يهم إذا بني على أسباب صحيحة - ولكن القاضي الملخص .....

حضرة الشيخ المحترم عبد الستار الباسل بك - ليس لنا أن نذكر في الجلسة مثل هذا القول . ولا نسمح مطلقا بمثل هذا التدخل .

حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا (وزير الحقانية) - إذا كان لحضرة الشيخ المحترم شكوى خاصة فليتقدم بها للوزارة لتقوم بالتحقيق فيها .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - ليس من غرضي أن أشكو قاضياً ، وإنما أنشد الإصلاح . وأنا ضربت هذا المثل لأدلل على طريقة للإصلاح . وطريقة الإصلاح ، هي ، كما قلت ، أن يكون لكل قضية عدة نسخ من ملفها ، يعطى منه لكل قاض نسخة ، وتباع النسخ لمن يطلبها ، وهذا حادث في قضايا الجنايات . كما أن في طبع عدة نسخ من ملفات القضايا تمكيناً للقضاة من أن يدرسوا القضية ويستعدوا لها قبل سماع الدفاع ، لأن سماع الدفاع بغير درس سابق فيه ضياع للوقت .

كذلك يجب على وزارة الحقانية أن تشدد في فتح الجلسات في مواعيدها ، لأن بعض القضاة يفتح الجلسة بحسب رغبته ، ويستمر في نظر القضايا كما يشاء ، حتى إن بعضهم يستمر إلى الساعة التاسعة مساء . وفي فتح الجلسة في مواعيدها وانتهائها في المواعيد المحددة فائدة للمتقاضين والحضرات المحامين .

وأرى من الإصلاح العام أن تؤلف لجنة يكون اختصاصها التفتيش على المحاكم وحضور الجلسات وكتابة تقرير عما يراه أعضاؤها . وهذه اللجنة تؤلف من قضاة يكونون في مراكز رؤساء المحاكم ، وينتخبون من الأكفاء الممتازين. وأظن أن تأليف هذه اللجنة لا يتعارض مع استقلال القضاة . ويجب أن يؤخذ بتقارير أعضائها عند الترقية .

ولي كلمة على اختصاص محكمة النقض والإبرام . فهذه المحكمة - يا حضرات الشيوخ المحترمين - أنشئت في سنة ١٩٣١ وحصر اختصاصها في المواد ۹ و ۱۰ و ۱۱ من قانونها .

واختصاصها محصور في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف في الأحوال الآتية : أولا - إذا كان في الحكم مخالفة للقانون أو خطأ جوهري في تطبيقه أو تأويله ، وثانياً - إذا وقع في الحكم بطلان . كما تنظر في الأحكام الصادرة من المحاكم الابتدائية في قضايا استئناف المحاكم الجزئية ، وغير ذلك مما نص عليه في المادة الحادية عشرة .

ويظهر أن السبب في حصر النقض في هذه الأنواع المذكورة في المواد ۹ و ۱۰ و ۱۱ هو أنه ليس عندنا عدد كاف من المستشارين وليس في الميزانية مال يكفي لزيادة عدد دوائر محكمة النقض .

ولا يجوز في الوقت الذي يباح فيه عمل نقض عن أحكام محكمة الاستئناف - التي يجلس فيها مستشارون مجربون ومدققون ومعروفون على طول الزمن بالكفاية الممتازة - أن يحرم على المتقاضين في المحاكم الجزئية أن يرفعوا عن قضاياهم نقضاً وهم متأكدون نوع الخطأ فيها ، وسبب حرمانهم النصاب المالي للقضية . لقد أبيح في القضية التي تبلغ مائتي جنيه أن يرفع عنها نقض ، بينما حرم في القضية التي نصابها المالي مائة وخمسون جنيها فقط رفع النقض عنها ، لأنها لا تستأنف إلا أمام محكمة ابتدائية .

وفي محكمة النقض تعقد جلسة واحدة في الأسبوع ، ويمكن زيادة جلسة أخرى عليها . وأنا أعتقد أن حضرات المستشارين فيها يرحبون بزيادة هذه الجلسة إذا ترتب عليها رفع النقض عن القضايا الجزئية المنظور استئنافها أمام المحاكم الابتدائية - وبهذا يزيد انتشار العدالة وتقل الأخطاء القضائية ، وهو ما ننشده من حكومتنا الدستورية .

ولي كلمة عن ترقية القضاة . لقد جرت وزارة الحقانية في ترقية القضاة على قاعدتي الأقدمية والكفاءة . وأنا أعتقد أنه يجب أن يراعى تمييز الكفاءة على الأقدمية بنحو سبعين في المائة. والكفاءة بطبيعة الحال متروك أمر تقديرها لمعالي الوزير ورجاله الذين يستطيعون تقديرها . ولكن الذي يحصل ، والذي يجرى عليه العمل ، أن مسألة الأقدمية لها الأرجحية . وهذه الأقدمية مرتبة في جدول أو كشف موضوع ترتيبه حسب زمن تعيين القضاة في وظائفهم لا زمن تخرجهم في مدارسهم ، فقد يحصل - يا حضرات الشيوخ المحترمين - أن يعين شخص قاضياً ويكون متخرجا في سنة ۱۹۲۰ أو قبلها بكثير ، ومع ذلك لا يوضع في الجدول أو الكشف إلا آخر وكلاء النيابة .

حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا (وزير الحقانية) - هذا غير صحيح . من أين جاء حضرة الشيخ المحترم بذلك ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - إذا كان هذا غير صحيح فليتفضل معاليه بذكر الصحيح .

والذي فهمته أن بعض قضاة من الذين عينوا من رجال المحاماة وضع فعلا في آخر كشف وكلاء النيابة . وحضراتكم تعلمون أن قضاة كثيرين كانوا في الأصل محامين .

فغرضي ألا يوضع مثل هذا القاضي في آخر الكشف ، بل يجب أن يدرج اسمه مع كشف القضاة الذين تخرجوا معه في سنة واحدة .

ونظام الأقدمية المعمول به في وزارة الحقانية ، حسب الجدول أو الكشف الذي ذكرته ، نظام خاطئ يجب العدول عنه . لأن القاضي الذي تعين قاضياً يجب أن يرقى قبل وكيل النيابة الذي لم يتول القضاء معه أو قبله . وترتب على ذلك ظلم صارخ مستمر كانت نتيجته الطبيعية المدهشة أن هؤلاء القضاة انتظروا سنين أكثر من المعقول حتى ترقى كثيرون من قضاة الدرجة الثانية ووكلاء النيابة الذين وضعوا قبلهم . وحينما رقى هؤلاء الضحايا إلى قضاة من الدرجة الأولى وجدوا أيضاً الظلم الأول لا يزال مترصدهم ومنتظرهم في جدول قضاة الدرجة الأولى ؛ لأنهم وضعوا فيه في آخره ، أي بعد حضرات القضاة الذين كانوا وكلاء نيابة من الدرجة الثانية ، في الوقت الذي كانوا هم فيه قضاة . فكيف أهملت وزارة الحقانية أن تطبق مع قضاتها دستور ترقيتهم ، وهو لائحة إجراءات المحكمة الأهلية التي تنص المادة الأولى منها على ما يأتي : (تتقرر أقدمية قضاة المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف على حسب تاريخ تعيين كل منهم في وظيفته الخ . ؟ أو أن وزارة الحقانية رأت في الأسماء التي وضعت خطأ قبل غيرها ، أن لأصحابها حقاً مكتسباً . ولكن وزارة الحقانية تعلم بالطبع أن الذي يتمسك بالحق المكتسب يجب عليه أن يكون قد وصل إليه على أساس من العدل ، « فإن فاته هذا الأساس فنظرية هذا الحق المكتسب إذن تكون التماساً للحق بالباطل » .

ولي ملاحظة أخيرة خاصة بالمجالس الحسبية ، وقد سبق لي أن قدمت بشأنها سؤالا لمعالي وزير الحقانية وتكرم معاليه بالرد على . وقد ألفت لإصلاحها لجنة . ولكن لي رغبة أبديها لمعالي الوزير خاصة بإصلاح الحال في تلك المجالس .

أرى مهما كان الإصلاح الذي تقترحه هذه اللجنة أنه يجب أن ينص في النظام الذي تقترحه على تصفية التركات إذا كانت مدينة بمبالغ تزيد على أربعين في المائة . لأننا رأينا تركات كبيرة كان نصيبها الزوال بسبب الديون التي كانت عليها . وأظن أنه لا معنى مطلقاً لأن يكلف الوصي بإدارة تركة إذا كانت مستغرقة بالديون ، أو إذا كانت مدينة بما يبلغ نحو أربعين في المائة .

ولذلك فإني أقترح على وزارة الحقانية أن تنص على تصفية التركات المستغرقة بالديون .

وأضرب لحضراتكم مثلا تعرفون بمقتضاه الخسارة التي لحقت عائلة من أكبر العائلات بعد أن توفى ربها وترك تركة كبيرة لا تقل عن الخمسين ألف جنيه ، وكان مديناً في مبلغ لا يزيد على العشرين ألف جنيه ، وحصل أن تدهور سعر الأطيان والعقارات . ولأن الوصي مقيد بإجراءات المجلس الحسبي ، نزعت أخيراً ملكية هذه التركة وأصبح القصر لا يملكون شيئاً مطلقاً ، بعد أن كانت الوصية عليهم تتناول شهرياً ثمانين جنيهاً .

من هذا ترون حضرتكم أنه يجب تصفية التركات المدينة حتى يمكن أن يبقى بعضها للورثة . أما بقاؤها مهددة بالدين فإنه يخشى عليها كثيراً من الضياع . 

الرئيس (حضرة الأستاذ المحترم محمود بسيوني) - هل يحتم حضرة الشيخ المحترم تصفية مثل هذه التركات دائماً ، مع أن الظروف والأحوال قد تختلف ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - الأولى أن نبيع البعض ، ليبقى البعض الآخر خالياً من الدين ملكاً خالصاً للقصر .

وعلى كل حال قبل مبارحتي هذا المنبر أرجو من معالي الوزير ألا يتأثر من كلامي . فإني ما أردت إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله . ولم يكن غرضي أن أعرض بأحد بأية حال .

حضرة الأستاذ المحترم محمد صبري أبو علم (الوكيل البرلماني لوزارة الحقانية) - تعقيباً على ما قبل الآن نرى واجباً أن نلقي كلمة وضعاً للأمور في نصابها .

أخذ الدستور المصري بمبدأ انفصال السلطات . فالسلطة القضائية سلطة مستقلة ، وليس لأحد سلطان على القضاء في أحكامه . واعتقادي أنه إذا كان من حق المجلس الموقر أو من حق حضرات أعضائه أن يتقدموا باقتراحات للإصلاح ، أو ملاحظات من الوجهة الإدارية بشأن طريقة العمل ، فإن هذا أمر سائغ ويعتبر داخلاً في نطاق الأعمال التي يصح أن يتناقش فيها . أما التعرض بصفة عامة إلى القضاء فلا أعتقد أن العبارات التي بدرت على لسان حضرة الشيخ المحترم تعبر تعبيراً صحيحاً عما كان يقصده . فنحن جميعاً متفقون على أن القضاء المصري قد أدى رسالته وواجبه حق الأداء .

(تصفيق) .

وإنه قد عمل دائماً في ظل امتحانات شديدة بما تقتضيه النزاهة والاستقلال. وإذا كانت مصر قد وفقت في كثير من المسائل القومية الكبرى فإن عمل قضاتها كان من أكبر الأسباب والدواعي .

(تصفيق) .

وفي اعتقادي أن وزارة الحقانية قد راعت دائماً في التعيين أن تختار الأكفاء ، سواء كان اختيارهم من بين رجال المحاماة أو من بين رجال النيابة ، ولمن شاء أن يتأكد من ذلك أن يتصل بالوزارة وأن يطلع على البيانات التي تقدمها له .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ إبراهيم الهلباوي بك - كلنا نشهد بذلك .

حضرة الأستاذ المحترم محمد صبري أبو علم (الوكيل البرلماني لوزارة الحقانية ) - أما ما قيل عن العمل القضائي فاعتقادي أنه إنما ألقي على عواهنه . هناك فارق بين إرهاق القضاة بالعمل وبين أن يصدر حكم من غير أن يشترك كل قضاة الدائرة في دراسة ملفات القضايا . وأعتقد أن حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي إنما قصد أن ينوه بإرهاق القضاة بالعمل ، ولم يقصد غير ذلك .

الرئيس - لم يقصد حضرته غير ذلك .

(في ٢٢ يونيه سنة ١٩٣٧ ) .

-------------------

مجلس النواب

(۱) تحديد الحدود الدستورية في مناقشة استجواب عن تحقيق بين يدى النيابة حتى تتبين الموضوعات التي يجوز الكلام فيها والتي لا يجوز قبل البدء في المناقشة .

(۲) كل ما تعلق بالقضايا من تحقيق وحكم من شأن السلطات القضائية - والنيابة العمومية من السلطات القضائية – فمتى رفع أمر للقضاء امتنع أن يدور في موضوعه بحث أو استجواب داخل البرلمان حرصاً على استقلال القضاء وحريات الأفراد .

(۳) ليست النيابة فيما يتعلق بالدعوى العمومية مسئولة لدى البرلمان . و إنما المسئول وزير العدل حين يحول بعمله دون رفعها بغير حق ، أو حين يحمل النيابة بدون حق على رفعها .

تراجع المناقشة على هذا في المادة المادة ١٠٧ .

في ١٢ يوليو سنة ١٩٣٧ ) .

-------------------

ليس من حق المجلس أن يناقش فيمن يجب على النيابة أن تتولى سؤالهم ، أو يجب ألا تسألهم .

تراجع التعليقات على هذا في المادة ١٠٧ .

(في ١٣ ديسمبر سنة ١٩٣٧ ) .

--------------------

مجلس الشيوخ

(۱) هل مبدأ الفصل بين السلطات يبيح لوزير العدل أن يقدر تصرفات القاضي فيحكم عليه ، ويحرم ذلك على أعضاء المجلس ؟

(۲) وهل القول بأنه لا يجوز التعرض لما نسب للوزير في نقل القضاة وندبهم يجعل مبدأ المسئولية الوزارية لغواً ، وأن محاسبة الوزير على ذلك فيها تحقيق لاستقلال القضاة ؟

(ن) سؤال موجه إلى حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية من حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي

عن نقل أحد حضرات القضاة وندبه المحكمة العريش - الإجابة عنه .

تحويله إلى استجواب

نص السؤال :

تعلمون معاليكم أن الحكومة ذكرت في خطبة العرش أنه في صدر التدابير التي تجب الاستقامة نظام الحكم والتي ستعرضها على البرلمان توفير حسن اختيار رجال القضاء واستقلالهم وإنصافهم في نقلهم وترقيتهم ، فهل هذا يتفق مع ما اتخذه حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية من الإجراءات مع أحد حضرات القضاة الذي أمر بنقله من دائرة محكمة المنصورة الابتدائية الأهلية إلى دائرة محكمة الزقازيق الابتدائية ، وفي الوقت نفسه انتدبه ليكون قاضياً لمحكمة العريش الجزئية ؟

وهل انتداب وزير الحقانية يتفق والحق الذي أعطي للجمعيات العمومية للمحاكم في عهد حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا الوزير الأسبق ؟

وهل انتداب حضرة القاضي من دائرة محكمة المنصورة الابتدائية الأهلية لدائرة محكمة الزقازيق الابتدائية وانتدابه في الوقت نفسه من معاليكم لمحكمة العريش يرجع إلى أنه حكم في قضية بالبراءة ، وهذا الحكم لا يتفق ورغبة أحد حضرات أصحاب المعالي الوزراء لأن المتهمين من بلدته ؟ وهلا يرى معالي الوزير أن هذا الانتداب بالطريقة التي اتخذت يعتبر تدخلا في أعمال القضاة ويؤثر فيهم تأثيراً سيئاً ، وقد يخشى البعض من أن يصدر أحكاماً طبقاً لما تقضي به العدالة أو يريح الضمير إذا كان مهدداً بالنقل بالطريقة التي اتخذت ؟

وهل كان الغرض من الانتداب في هذا الوقت التأثير في الموظفين لتوجيههم وجهة معينة في الانتخابات ؟

حسين الجندي المحامي

(وعضو الشيوخ عن دائرة بلبيس )

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - ليس للحكم الذي أصدره حضرة القاضي المشار إليه في سؤال حضرة العضو المحترم أي دخل في ندبه لمحكمة العريش الجزئية الأهلية، إنما اقتضت ذلك حالة العمل بمحكمة الزقازيق الكلية لغياب بعض قضاتها . وقد حصل هذا الندب بمقتضى المادة الأولى من الأمر العالي الصادر في ٦ يوليه سنة ١٨٨٥ التي رخصت لوزير الحقانية أن يندب موقتاً واحداً أو أكثر من قضاة المحاكم الابتدائية إلى غير المحكمة المعين فيها إذا اقتضى ذلك تغيب قاض أو أكثر ، واستلزمت حالة العمل ندب بدله ؛ ولم يلغ هذا النص بأي عمل تشريعي .

والوزارة حريصة كل الحرص على صيانة استقلال القضاء وتوفير أسباب الثقة في عدلهم .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - أرجو أن يسمح لي باستيضاح مطول وإلا حولت سؤالي إلى استجواب .

الرئيس - إن كان الاستيضاح عن نقطة غامضة فلا مانع .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - الإجابة لا تطابق الواقع ، لأن حالة العمل لا تقتضي أن ينقل القاضي من دائرة محكمة المنصورة إلى دائرة محكمة الزقازيق ، ثم يندب في الوقت ذاته إلى محكمة العريش . فإذا سمح لي معالي الوزير أن أتكلم في ....

(ضجة) .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ لويس أخنوخ فانوس . هذا ليس من حق الوزير .

(ضجة) .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - أرجو تحويل سؤالي إلى استجواب .

الرئيس - يطلب حضرة الشيخ المحترم تحويل سؤاله إلى استجواب ، فهل توافقون حضراتكم على أن يدرج بجدول أعمال الجلسة القادمة لتحديد يوم للمناقشة فيه ؟

( موافقة ) .

(في ١٨ مايو سنة ۱۹۳۸ ) .

---------------------

المناقشة في الاستجواب وملحقاته المقدم من حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي لحضرة صاحب المعالي وزير الحقانية عن نقل أحد حضرات القضاة وندبه المحكمة العريش - تأجيله أسبوعا وإبداع معالى الوزير الأوراق الخاصة بموضوع الاستجواب بسكرتيرية المجلس

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - لم أتوخ في توجيه هذا الاستجواب إلا المصلحة العامة ؛ ولم يكن للحزبية فيه أي دخل ؛ ولم أقصد به نقل قاض من جهة إلى أخرى أو التعرض لحكم أصدره - ولكن كل ما أقصده باختصار وبحسن نية وإخلاص هو استقلال القضاء وعدم التدخل فيه .

شرحت في استجوابي المسائل العامة التي تعتبر تدخلاً في القضاء واستقلاله وقلت :

تعلمون معاليكم أن الحكومة ذكرت في خطاب العرش أنه في صدر التدابير التي تجب لاستقامة نظام الحكم والتي ستعرضها على البرلمان توفير حسن اختيار رجال القضاء واستقلالهم وإنصافهم في نقلهم وترقيتهم ، فهل هذا يتفق مع ما اتخذه حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية من الإجراءات مع أحد حضرات القضاة الذي أمر بنقله من دائرة محكمة المنصورة الابتدائية الأهلية إلى دائرة محكمة الزقازيق الابتدائية ، وفي الوقت نفسه انتدبه ليكون قاضياً لمحكمة العريش الجزئية ؟

وهل انتداب وزير الحقانية يتفق والحق الذي أعطي للجمعيات العمومية للمحاكم في عهد حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا الوزير الأسبق ؟

وهل انتداب حضرة القاضي من دائرة محكمة المنصورة الابتدائية الأهلية لدائرة محكمة الزقازيق الابتدائية وانتدابه في الوقت نفسه من معاليكم المحكمة العريش يرجع إلى أنه حكم في قضية بالبراءة ، وهذا الحكم لا يتفق ورغبة أحد حضرات أصحاب المعالي الوزراء لأن المتهمين من بلدته ؟ وهلا يرى معالي الوزير أن هذا الانتداب بالطريقة التي اتخذت يعتبر تدخلاً في أعمال القضاة ويؤثر فيهم تأثيراً سيئاً وقد يخشى البعض من أن يصدر أحكاما طبقاً لما تقضي به العدالة أو يريح الضمير إذا كان مهدداً بالنقل بالطريقة التي اتخذت ؟

وهل كان الغرض من الانتداب في هذا الوقت التأثير فى الموظفين لتوجيههم وجهة معينة في الانتخابات ؟ ) .

من ذلك ترون ، يا حضرات الشيوخ المحترمين ، أنني لم أقصد غير المصلحة العامة والمحافظة على استقلال القضاء وعدم التدخل فيه لأنه الملجأ الأخير الذي تلجأ إليه الأمة . وكل رجل مخلص لبلاده يحب أن يرى القضاء بعيداً عن السياسة كل البعد ويهمه ألا تتدخل السلطة التنفيذية في القضاء للتأثير فيه .

نص الدستور في المادة ١٢٤ ( على أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم بغير القانون ؛ وليس لأي سلطة في الحكومة التدخل في القضايا » ، فهل يمكن أن يفهم من هذه التصرفات التي حصلت من وزارة الحقانية في عهد حضرة صاحب المعالي أحمد خشبة باشا أن السلطة التنفيذية لم تتدخل في تصرف القضاء ؟

تتلخص المسألة التي نحن بصددها في أن النيابة قدمت بعض المتهمين من بلدة أحد أصحاب المعالي الوزراء لمحكمة السنبلاوين بتهمة أنهم أهانوا علناً هيئة نظامية - وهي الوزارة القائمة - بأن هتفوا بسقوطها ، وقد حكم في القضية في يوم ٢٤ مارس سنة ١٩٣٨ ببراءة المتهمين ؛ وعقب صدور هذا الحكم بيومين انتدب أحد مفتشي الوزارة للانتقال إلى محكمة السنبلاوين للتفتيش عليها ، وفي اليوم التالي أبلغ قاضي المحكمة بنبأ نقله إلى محكمة الزقازيق الابتدائية الأهلية وانتدابه لمحكمة العريش ، وقد تم كل هذا بأمر من الوزارة وبهذه السرعة .

ومن المفهوم لدى جميع رجال القضاء أن الانتداب إلى محكمة العريش نوع من العقوبة ، لأنها محكمة بعيدة لا تتوافر فيها أسباب المعيشة . ومعلوم أن قاضي محكمة العريش السابق إنما ندب إليها لأنه من جهة كان رجلا عربياً يفهم عادات أهل هذه البلاد ؛ وقد ندبته الجمعية العمومية لمحكمة الزقازيق لهذا المعنى ، وهو لم يطلب النقل ، ومن جهة أخرى فإنه كان راغباً في هذا الانتداب .

بماذا يفسر الجمهور تتابع الحوادث على هذا النحو ؟ قاض يفصل في قضية للحكومة فيها شأن وجاء قضاؤه على غير هواها ينقل من محكمة المنصورة إلى محكمة الزقازيق ثم يندب من محكمة الزقازيق إلى محكمة العريش عقب صدور الحكم بأربعة أيام ، ويستدعى قاضي محكمة العريش إلى محكمة الزقازيق وهو لم يطلب ذلك .

ولم يقل أحد إن عمله في العريش استدعى ذلك : فلا رئيس محكمة الزقازيق طلب استدعاءه ، ولا رئيس محكمة المنصورة شكا من قاضي السنبلاوين - ولكن الذي اتبع هو إبعاد القاضي عن المحكمة التي قضى فيها بالبراءة حتى لا ينظر في قضايا أخرى فيحكم بمثل ما حكم . إنني لم أقدم هذا الاستجواب إلا بعد اجتماعي بعدد كبير من القضاة والمحامين في محكمتي المنصورة والزقازيق ، وقد قالوا لي إن حكومة الوفد لم تعمل شيئاً في سبيل استقلال القضاء، وكذلك البرلمان الحالي والحكومة القائمة ، وإن انتداب قاض إلى محكمة العريش أشبه بإجراء تأديبي ويعتبر تدخلاً في شؤون القضاء ، وليس لوزير الحقانية أن يتدخل في نقل القضاة أو ندبهم بعد أن أصبح هذا الحق من اختصاص الجمعيات العمومية للمحاكم .

لقد حدث في عهد حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا أن صدرت أحكام لم ترق لدى بعض الجهات ، فلم يتخذ أي إجراء يشعر الجمهور بتدخل وزارة الحقانية في شؤون الفضاء ، وهذا ما نذكره لمعاليه بالشكر .

من الواجب أن نضع قانوناً يكفل استقلال القضاء ، كما يجب ألا تنسينا الخلافات الحزبية الحرص على سمعته والمحافظة عليه ، وألا يكون للسلطة التنفيذية أي تأثير فيه ؛ لأننا نريد أن نحمي القاضي ليكون مستقلاً في عمله ، وألا يشعر الجمهور بأنه إنما ينقل بسبب حكم أصدره . قد تكون هناك أسباب لا علم لي بها استوجبت هذا الانتداب ، ولكن الذي يفهمه الجمهور أن الغرض كان للتأثير في القضاء خصوصاً في وقت الانتخاب .

حضرة الشيخ المحترم إبراهيم الهلباوي بك - لقد توضحت الوقائع بما فيه الكفاية .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - كتبت خطاباً لحضرة صاحب العزة رئيس مجلس الشيوخ أذكر فيه أن الغرض من الاستجواب إنما هو المحافظة على استقلال القضاء ، وطلبت منه في كتابي أن يتفضل بإبلاغ حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية التصرفات التي صدرت من الوزارة وأعتبرها مخلة باستقلال الفضاء ، وهذا الكتاب أدرج بجدول الأعمال كملحق للاستجواب الأصلي .

إن انتداب القاضي الذي أشرت إليه إلى محكمة العريش بهذه الطريقة ليس هو العمل الوحيد الذي تم إبان الانتخابات ، بل هناك مسائل أخرى وتصرفات تماثل هذا التصرف . فمن ذلك أنه في أول عهد وزارة حضرة صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا في شهر يناير الماضي صرح أحد حضرات أصحاب المعالي الوزراء بأنه لا ينام الليل ما دام أحد المتهمين - وكان يتولى الدفاع عنه قبيل تعيينه وزيراً مقبوضاً عليه .

صدقوني ، يا حضرات الشيوخ المحترمين ، أني لو كنت وزيراً للحقانية أو وزيراً للدولة وسمعت مثل هذا التصريح من زميل لي لما أمكنني أن أستمر في الوزارة يوماً واحداً ، لأنه لا يمكن تفسير مثل هذا التصريح بينما القضية لم تزل مطروحة أمام القضاء إلا بأنه صدر لأغراض حزبية؛ ولا يمكن أن تقبل تدخل الحزبية في صميم استقلال القضاء بأية صورة كانت .

أنتقل إلى مسألة أخرى . نشرت بعض الجرائد نبأ يتضمن أن قضية محاولة اغتيال حياة حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا التي يحققها النائب العمومي وقتئذ ستسحب منه وأنه سيعين نائب عمومي جديد يتولى تحقيقها . ومع احترامي لكل من النائب العمومي السابق والحالي ، وتقديري لشخصيتهما ، وثقتي بأن أعمالهما لا تتطرق إليها الحزبية بأي شكل من الأشكال ، فإني لا أخفي ما ساور نفوس الناس من قلق إثر ذيوع هذا النبأ مما دعا معالي وزير الحقانية منعاً لكل شبهة أن يصرح تصريحاً سررنا به وهو أن النائب العمومي السابق سيستمر في عمله .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - لقد سبق أن تكلمنا في هذا الموضوع .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - لا أذكر ذلك .

سحبت القضية بعد ذلك من النائب العمومي السابق وأحيلت إلى النائب العمومي الجديد ؛ وقيل في تبرير ذلك إن النائب العمومي السابق قد مرض . أنا أفهم ذلك وأفهم أن معالي وزير الحقانية له هذا الحق . ولكن بماذا يفسر الجمهور هذا التصرف ؟ إن هذا التصرف لا شك يؤثر في شعور الناس نحو استقلال القضاء . وصدقوني ، يا حضرات الشيوخ المحترمين ، أن الجمهور العادي يعتقد أن سحب القضية إنما كان لأسباب أخرى غير مرض المحقق .

هناك مسألة أخرى ، وهي مسألة نقل قاضي محكمة عابدين الجزئية عقب إصداره حكما في إحدى القضايا السياسية ، مع أنه لم يكن قد مكث بالمحكمة المذكورة أكثر من شهرين ظل قبلهما قاضياً في محاكم الوجه القبلي حوالي الثماني عشرة سنة ثم جاء دوره للتعيين في مصر فنقله معالي الأستاذ محمد صبري أبو علم وزير الحقانية وقتئذ إلى محكمة مصر . فماذا يفهم الجمهور من نقل هذا القاضي ولما يمكث أكثر من شهرين، وبعد إصداره حكما في قضية سياسية ؟

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - هذا كلام مبهم ، فأرجو أن يصرح حضرة الشيخ المحترم أية قضية سياسية يقصد ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - أقصد القضية التي رفعها الأستاذ عوض الجندي ضد مجلة روز اليوسف وحكم فيها بالتعويض للمدعي بالحق المدني ، وأترك لمعالي الوزير أن يقدر ما خامر النفوس من شك بسبب هذا النقل .

والمسألة الأخيرة التي سأتناولها وأرجو أن يكون معالي الوزير رحيماً فيها هي مسألة إحالة أحمد فهمي إبراهيم بك رئيس محكمة مصر السابق إلى المعاش .

تولت وزارة حضرة صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا الحكم في ٣١ ديسمبر سنة ١٩٣٧ .

وفي اليوم التالي لتوليها الحكم أصدر حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية أمراً بندب أحمد فهمي إبراهيم بك لرئاسة محكمة المنيا الابتدائية ، وهذا الإجراء يعتبر إجراء تأديبياً . إن ندب هذا القاضي في اليوم التالي لتولي الوزارة الحكم لمما يشعر بأن المسألة كانت مبيتة ، لأن وزارة الحقانية لم تجر معه أى تحقيق . فهل كان معالي وزير الحقانية يدرس شؤون الوزارة قبل أن يتولاها ؟ أترك تقدير أثر هذا التصرف في نفوس الجمهور إلى معالي وزير الحقانية .

كان أحمد فهمي إبراهيم بك رئيساً لمحكمة مصر وينظر المعارضة في أمر حبس المتهمين فى قضية الاعتداء على حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا ، وكان يتولى الدفاع عن أحد هؤلاء المتهمين حضرة صاحب السعادة محمد كامل البنداري باشا الذي عين وزيراً للصحة في ٣١ ديسمبر سنة ۱۹۳۷ ، وصرح في ثالث يوم من توليه هذا المنصب بأنه لا ينام الليل ما دام موكله مقبوضاً عليه . صرح هذا التصريح ، وكان قبل ذلك بيومين يترافع أمام أحمد فهمي إبراهيم بك . أظن أنه إزاء هذه الظروف مجتمعة لا يمكن لأحد، مهما كانت عقليته ، ومهما كانت آراؤه السياسية ، إلا أن يعتقد بأن ندب رئيس المحكمة كان مرجعه إلى أسباب حزبية . ونحن لا تنظر في هذا المجلس إلى مسائل القضاء ، وإلى المسائل العامة ، إلا بالعين المجردة عن الحزبية . إننا لا نعرف إلا أحمد فهمي إبراهيم بك القاضي ، ولا نعرف له لوناً حزبياً ، فموقفنا في مناقشة أسباب ندبه لا يتأثر بالحزبية مطلقاً - سواء أكان هذا القاضي دستورياً أم وفدياً أم سعدياً .

ندب رئيس محكمة مصر لرياسة محكمة المنيا ، وأخيراً أحيل إلى المعاش . إلى أي سبب يستند أمر هذا الندب ؟

هل حصل تحقيق في تصرفات هذا القاضي ؟

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - قلت إنه سبق أن تكلمنا في هذا الموضوع . وأوضحت وقتئذ أنه حصل تحقيق مع هذا القاضي

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - إن التحقيق حصل بعد شهر وستة أيام من تاريخ ندبه لرياسة محكمة المنيا . مرض حضرته في المنيا فحضر إلى مصر ، وطلب مقابلة معالي الوزير. غير أنه لم يتمكن من ذلك فقابل حضرة صاحب العزة وكيل الوزارة ، وسأله عن السبب في ندبه لرئاسة محكمة المنيا ، ذلك الندب الذي يعد في الواقع إجراء تأديبياً . وأخبره أنه مريض ويريد تسوية حالته بأية طريقة ، فأجابه وكيل الوزارة (لقد نبهتنا إلى ضرورة اطلاعك على الأسباب التي من أجلها صدر القرار بنديك إلى محكمة المنيا » .

غريب ، يا حضرات الشيوخ المحترمين ، أن ينبه رئيس المحكمة الوزارة إلى واجبها في اطلاعه على أسباب إجراء اتخذته قبله أطلعه وكيل الوزارة بعد ذلك على ثلاثة تقارير آسف أن أقول لحضراتكم إنه لو عرضت على أي فرد لضرب بها عرض الحائط . هذه التقارير التي كتبت ، أو بعبارة أصح استكتبت بعد ندبه بشهر وستة أيام ، أعرضها على حضراتكم لتحكموا بعد ذلك إلى أي مدى يجب أن نصون استقلال القضاء وتحافظ عليه ، خصوصاً في أوقات الشدة والملامات .

هاكم ما جاء في التقرير الأول - وهو مقدم من أحد القضاة - يقول هذا القاضي : « إنني كنت قاضياً في إحدى دوائر محكمة مصر الكلية ، ثم انتدبت للعمل بمجلس حسبي مصر ، وأعتقد أن أساس هذا الندب هو حكمي في قضية سياسية ضد الوفد ) .

يا معالي وزير الحقانية ، ويا حضرات وزراء الحقانية السابقين من أعضاء هذا المجلس : هل يقبل هذا الكلام من قاض في حق رئيسه ؟ إن السبب الحقيقي في نقل هذا القاضي إلى مجلس حسبي مصر إنما هو تخصصه في قضاء المجالس الحسبية وتأليفه كتاباً في هذا الموضوع جعل ثمنه جنيهاً مصرياً ، وكان يوزعه على المحامين . فضلا عن هذا فإن رئيس مجلس حسبي مصر هو الذي طلب هذا القاضي بالذات للعمل معه ، فوافقت الجمعية العمومية لمحكمة مصر على ندبه للمجلس الحسبي . فهل يصح لمعالي الوزير - وهو الذي أصلح كثيراً من شؤون القضاء وأدخل فيه عنصر المحامين ، الأمر الذي نشكره عليه - أقول هل يصح لمعاليه بعد ما ذكرته لحضراتكم أن يأخذ بتقرير هذا القاضي ويدفعه إلى أحمد فهمي إبراهيم بك ليرد عليه ؟ هل يسوغ أن يطلب من أحمد فهمي إبراهيم بك أن يرد على تقرير مقدم من قاض يشكو لأنه ندب إلى المجالس الحسبية : مع أنه من المعروف أن ندب القضاة حق من حقوق الجمعية العمومية للمحكمة ، ولا شأن لأحمد فهمي إبراهيم بك به ؟

نشكر لحضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا وزير الحقانية الأسبق تحويله هذا الحق للجمعية العمومية . ولقد كنت من المنتقدين لتحويل الجمعية العمومية هذا الحق ، وقدمت فعلاً سؤالاً في هذا الصدد ، غير أن معالي محمود غالب باشا أقنعني بصواب هذا الرأي لأننا كنا في فترة انعقاد مؤتمر مونترو لإلغاء الامتيازات الأجنبية - فسحبت سؤالي . ومع ذلك فإنه لم يلحق بالقاضي ضرر ما فإنه كان بمصر وانتقل إلى العمل في مجلس حسبي مصر .

أما التقرير الثاني فقد قدمه القاضي الذي حكم في قضية « شم النسيم في بلاد بره) بتغريم المتهم عشرين جنيهاً مصرياً ، وقد عدل هذا الحكم استئنافيا بحبس المتهم سنة وتغريمه مائة جنيه . ثم قضت محكمة النقض بحبس المتهم ستة أشهر فقط . وبعد أن أصدر القاضي حكمه نقل إلى محكمة المرور .

الرئيس - تكلم ما شئت عن تصرفات الوزير ، أما تصرفات القاضي فليس لك أن تتكلم فيها .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - إني أتكلم عن تصرفات معالي الوزير بشأن ندب رئيس محكمة مصر ، وأرد على الأسباب التي ارتكن إليها في إصداره قرار الندب .

يقول القاضي الذي قدم التقرير إنه عندما اعترض على نقله إلى محكمة المرور انتحى به رئيس المحكمة أحمد فهمي إبراهيم بك ناحية أثناء انعقاد الجمعية العمومية وأقنعه بأنه من العدل أن يعطي فرصة لإخوانه القضاة للجلوس في دوائر محكمة مصر . فأجاب القاضي إنه يخشى أن يكون لهذا النقل إلى محكمة المرور صلة بالحكم الذي أصدره في قضية « شم النسيم في بلاد بره » .

وهذا هو سبب آخر من الأسباب التي يرتكن إليها معالي وزير الحقانية في ندبه رئيس محكمة مصر السابق لرئاسة محكمة المنيا . ألم يكن الأجدر به أن يبرئ ذمته فيحيله إلى مجلس التأديب وهو السلطة العليا للفصل في شؤون القضاة ليحكم فيما إذا كان ما نسب إليه يحط من شرفه أو كرامته ؟

لم يصدر إلى الآن تشريع يكفل استقلال القضاء ، فلم لا يحال القاضي إلى مجلس التأديب بدلا من فصله بقرار من مجلس الوزراء وهو هيئة سياسية تتأثر في تصرفاتها بالعوامل الحزبية ؟

أما التقرير الثالث فقد قدمه أحد المحامين الذين كانوا يحضرون في المعارضة في أمر حبس المتهمين فى قضية الاعتداء على حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا. وكل ما يسنده المحامي إلى رئيس المحكمة هو أنه كان يفصل في المعارضات بغير اطلاع على الأوراق . والواقع أن رئيس المحكمة كان يقضي في نظر هذه المعارضات جلسات تمتد من الساعة الثانية ظهراً إلى الساعة السادسة مساء . وقد كان في نظره هذه المعارضات مجرداً عن كل حزبية ، وكان يولي كل دعوى ما تستحقه من العناية . وليس غريباً أن ترفض المعارضات في مثل هذه القضية الهامة والتهمة فيها هي محاولة الاعتداء على رئيس وزارة . وقد سمعتم أن نجل أحد حضرات الشيوخ المحترمين ، وكان متهما في قضية تحريض على قتل ، قد رفضت المعارضة في أمر حبسه ست مرات، وأخيراً أفرج عنه بكفالة مائة جنيه . فهل المسائل المنسوبة إلى أحمد فهمي إبراهيم بك مما يلوث سمعته أو يحط من كرامته ؟ إن الجمهور يعتقد أن هذا التصرف في حق أحمد فهمي إبراهيم بك إنما يرجع إلى أسباب أخرى غير هذه الأسباب الظاهرة . وأنا شخصياً أعتقد أن هذا التصرف مبني على أسباب حزبية لا تتفق مع استقلال القضاء .

والآن أقول كلمتي الأخيرة : قد بينت لحضرات الشيوخ المحترمين الظروف والملابسات التي أحاطت بنقل قاضي محكمة السنبلاوين ، والظروف والملابسات التي أحاطت بإحالة رئيس محكمة مصر إلى المعاش، والظروف والملابسات التي أحاطت بالنائب العام السابق ، وتلك التي أحاطت بنقل قاضي محكمة عابدين إلى محكمة المرور مما يعتبر تدخلاً في استقلال القضاء . وأترك لكم ، يا حضرات الشيوخ ، أن تقولوا كلمتكم - بعد سماع كلمة وزير الحقانية - في هذه التصرفات إن كانت تعتبر من المسائل العادية التي تحصل بحسن نية أو تعد تدخلاً يحط من استقلال القضاء .

(تصفيق من اليسار) .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - حضرات الشيوخ المحترمين :

محكمة الزقازيق التي ندب إليها حضرة القاضي الذي أشير إليه في هذا الاستجواب كان ينقصها ستة قضاة ، فندبنا لها من قضاة بعض المحاكم ما أكمل هذا النقص . وكان حضرة القاضي المشار إليه ضمن هؤلاء الذين ندبوا . عملنا ذلك تنفيذاً للقانون الذي ينص في إحدى مواده على أن لوزير الحقانية أن ينتدب من محكمة الاستئناف أو من أية محكمة أخرى قاضيا أو أكثر إلى أية محكمة أخرى - حتى إلى محكمة ابتدائية - إذا استلزمت مصلحة العمل هذا الانتداب .

ندبنا حضرة القاضي المشار إليه إلى محكمة العريش تنفيذاً للمادة التي أشرت إليها وتنفيذاً للائحة ترتيب المحاكم الأهلية التي خولت وزير الحقانية الحق في أن يندب من يشاء من قضاة المحكمة الكلية إلى المحكمة الجزئية .

هذا هو القانون . وإذن لي بمقتضى هذا القانون الحق في الندب إذا وجدت ظروفاً تقتضيه . وقد وجد الظرف بنقص عدد القضاة في محكمة أخرى ، فكان على أن أكمل النقص ، وقد أكملته فنفذت بذلك القانون .

عم يستجوب حضرة العضو المحترم ؟

قالوا إن هناك منشوراً أصدره حضرة صاحب المعالي محمود غالب باشا وزير الحقانية الأسبق إلى الجمعيات العمومية أعطاها فيه الحق في ندب القضاة . إنني من أولئك الذين يهنئون زميلي على المنشور الذي أصدره ، فإنه عمل صالح ، ولقد أخذت به بعد أن وليت وزارة الحقانية وحللت محله فيها . ولكن هل كان يقصد معاليه أن تجتمع الجمعية العمومية في كل وقت يخلو فيه مكان لقاض ؟ هل كان يرمي إلى أن تجتمع الجمعية العمومية كلها لسائر قضاة المحكمة ليأخذ رأيهم في ندب فلان إلى محكمة كذا أو كذا ؟ وهل يمكن تطبيق هذا المنشور إذا أراد وزير الحقانية أن يخرج قاضياً من دائرة إلى أخرى ؟

أظن الجواب بالنفي ، لأن الجمعية العمومية إذا استطاعت الندب فليس لها إلا ندب قاض من دائرتها ، ولا تملك ندب قاض من دائرتها إلى دائرة أخرى . فلا يمكنني أن أدعو الجمعية العمومية إلى الاجتماع لندب قاض إلى محكمة خارجة عن دائرتها ناقص عدد قضاتها .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - كان كلام حضرة المستجوب عن موضوع الندب للعريش .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - إنما كان كلامه عن الندب الحاصل . إذن لم يكن قصد واضع المنشور تكليف المحاكم أن تجتمع الجمعية العمومية في كل لحظة يخلو مكان للندب .

وعلى أية حال - مع تأييد القائل بأن هذا لا يمكن أن يكون رأي وزير الحقانية الأسبق - القانون صريح في أن لي هذا الحق . أظنكم تكتفون مني بهذا البيان ؛ ولا يمكن أن تطالبوني بأن أثبت لكم من فوق هذا المنبر أن مصلحة العمل الحقيقية هي التي استوجيت ذلك الندب . لا يمكن أن تطالبوني بهذا ؛ وإذا طالبتموني فلا يمكنني أن أجيبكم إلى طلبكم .

يا حضرات الأعضاء :

ما الذي أعمله إذا طالبتموني بهذا الطلب ؟

يجب على أن أقنعكم بأن تصرفي كان صحيحاً وأنني إذا انتدبت هذا القاضي من محلة إلى أخرى فقد قارنت بين كفايته وملاءمته للمحلة الجديدة . نعم إن كل انتداب يقتضي حكماً على القاضي ، حكماً على كفايته في المحلة التي هو فيها والمحلة التي يندب لها ، وحكماً على ملاءمة الندب والمحل الذي يندب إليه هذا القاضي .

القضاء بحكم الدستور مستقل عن الهيئات التشريعية . يجب أن نفهم هنا بالقدر الدقيق الصحيح معنى هذا الاستقلال . يجب علينا هذا لأني أجد في كل يوم وساعة تكراراً في هذا الموضوع لأمور كنت أظن أنها انتهت وانتهينا منها بقرار من هذا المجلس الموقر .

ولكن من الأسف تعاد هذه المسألة وتكرر .

استقلال القضاء ، يا حضرات الشيوخ المحترمين ، ليس مقصوراً على ألا يتدخل مع القاضي في حكمه .

هذا أدنى مراتب الاستقلال. ولكن هناك ما هو أكثر أهمية من هذا ، فاستقلال القضاء يدعو ألا يكون القاضي محل نقد أو احترام أو مديح من هذا المجلس الموقر ولا من فوق هذا المنبر فإنه لا يتبعكم

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - هل مدح حضرة المستجوب أحداً ؟

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - إن الله مع الصابرين . يقتضي الأمر أن أوضح لماذا ندبت هذا القاضي، إذ لابد من أسباب ومن حكم عليه . ولابد لي من أن أقول إن هذا كفء أو غير كفء ، ملائم أو غير ملائم ، عمله طيب أو غير طيب ، ازدرى هيئة القضاء أو لم يزدرها .

كان في مقدوري أن أذكر كل هذا للحكم على القاضي ، إذ يجب في سبيل إقناعكم أن أذكر كل ذلك ، ولكني لا أستطيعه لأني إذا أبديت لكم الأسباب واقتنعتم معي ، فقراركم الذي يؤيد أقوالي سيكون حكماً على هذا القاضي وأنتم لا تملكون هذا الحكم . فالقضاء مستقل عنكم ولا يتبعكم .

أمر غريب ! أتريدون أن يكون وزير الحقانية وحده الذي يحترم استقلال القضاء ، أما في مجلسكم الموقر فلا ترون ضرورة لاحترام هذا المبدأ وتريدون أن تحكموا على أحد القضاة ؟

أنا وأنتم يجب علينا أن نرعى استقلال القضاء . ومن هذا الاستقلال ألا يعرض قاض للحكم عليه هنا بخير أو شر ، لأنه مستقل عن حظيرتكم وفي دائرة لا تتبعكم .

لا يجوز أن تحكم هنا على نقل قاض أو ندبه من ناحية الأخرى .

أنا لا أقول ذلك جزافاً ، فقد حدث أن وزير حقانية فرنسا قال الكلمات التالية في مجلس نواب فرنسا في جلسة ٣٠ مارس سنة ١٨٩٨ بمناسبة تعرض المجلس لقاض باللوم : « لعل لي ، بل لعل من واجبي ، أن أنبهكم إلى أن المجلس لا يملك أن يجري على القاضي حكماً ....

(ضجة) .

ليس معنى الحكم على القاضى اتهامه ، بل مدحه أو قدحه أيضاً حكم عليه ، كذلك التعرض لكفايته أو ملاءمته أو عدم ملاءمته . كيف أستطيع أن أقول لحضراتكم عن الانتداب الذي أجريته إنه كان لكذا وكذا . إذا قلت هذا فقد تجارونني أو لا تجاروني في الحكم على القاضي .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ وهيب دوس بك - لقد حكم عليه فعلاً .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - لي هذا الحكم بصفة كوني وزيراً للحقانية ، ولكن ليس لك ذلك ؟ وأنا أملك هذا الحكم ، ولكنك أنت لا تملكه . ليس في هذا عيب عليك لأن مبدأ فصل السلطات هو الذي يوقفني ويوقفك عند هذا الحد .

أنت لا تحكم على القاضي ولكن لك أن تحكم على من قضى على القاضي وهو الوزير .

حضرة الشيخ المحترم عبد الستار الباسل بك - إذن فسر لنا المسئولية الوزارية .

الرئيس - أرجو حضرة الزميل المحترم عدم المقاطعة .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - يا حضرات الشيوخ المحترمين :

أكمل لحضراتكم ما وقفت عنده من كلمات وزير حقانية فرنسا . فالقضاة يتبعون في ذلك وزير الحقانية ومجلس القضاء على أن نصيبكم من بعده هو أحظ الأنصبة . فأنتم تملكون الحكم على الوزراء».

أما الحكم على الوزير الذي يترتب على ما أجراه مع أحد القضاة بسبب أنه عمل كيت وكيت فأنتم لا تملكونه .

هناك قوانين لو أني خالفتها في موادها لكم أن تسألوني . فإذا انتدبت هذا القاضي ولم تكن المحكمة ناقصة كان لكم أن تقولوا لي لماذا خالفت القانون ؟

تقول لي إن المحرك لك في هذا الندب ليس وجه المصلحة ، فأجيبك بأني مستعد لتناول أعمال هذا القاضي في سبيل الحكم عليه ؛

ولكنا بهذا العمل تتعدى حدودنا التي نص عليها القانون والدستور

ليس شأن القضاة كشأن باقي الموظفين . فسلطة القضاء سلطة مقدسة يجب أن تصان عن كل مناقشة في هذه المجالس التشريعية .

ذكر حضرة المستجوب بعد ذلك مسألة الأستاذ أحمد فهمي إبراهيم بك ، وأشار إلى تقارير خاصة به .

حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك لقد خرج حضرته من القضاء ، فلمعاليك أن تتكلم عنه لنحكم عليه .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - حاولت في جلسة مضت أن أذكر الأسباب القوية والعلل التي تحت يدي ، ولا تزال معي ، التي أخرجت من أجلها هذا الرجل ؛ وقلت إنني بعد أن خرج من وظيفته تحللت من مبدأ استقلال القضاء إذ لم يعد حضرته قاضياً ، ولكن هذا المجلس الموقر - وأنا أشكر له ما رآه - أبى على أن أتكلم باعتبار أن هناك رجلاً غائباً لا يصح تناوله بالطعن إذ لا يستطيع دفاعاً عن نفسه . وقد قررتم هذا وأنزلتموني من هذا المنبر . وقد سرني ذلك ، فلماذا تنسون ما قررتموه بالأمس ؟ ألم يثبت هذا في مضبطة الجلسة ؟

إني أستغرب بعد صدور هذا القرار وبعد أن أنزلتموني من هذا المنبر ، لأني لا أستطيع الكلام عن شخص لا يملك دفاعاً عن نفسه أن يتكرر الكلام في هذا الموضوع بعد أن قصر الاستجواب على ندب القاضي الأول .

لقد تناول كلام المستجوب الحركة كلها بأسلوب شديد الغموض والإبهام ؛ ولقد خطر على بالي أن يتناول حضرته أي موضوع إلا موضوع أحمد فهمي إبراهيم بك .

كيف تعاد المناقشة في هذا الموضوع مرة أخرى بعد أن حاولت أن أتكلم في المرة الأولى وكنت على استعداد للكلام فأبى علي مجلسكم الموقر أن أتكلم ؟ إني متأسف في الواقع عما حدث .

أشار حضرة المستجوب إلى مسألة النائب العمومي ؛ وقد سبق أن تكلمت فيها طويلا جداً . لذلك أسكت عمداً وطائعاً للدستور عن كل ما أبرر به عملي . أما الذي أؤكده لحضراتكم والذي أرجو أن يخالج ضمائركم فهو أني لم أصدر في تصرف من هذه التصرفات عن شهوة حزبية أو انصياع إلى رأي إنسان ، وزيراً كان أو غير وزير ، إنما الضمير والمصلحة هما اللذان قضيا على بأن أتصرف بما تصرفت .

(تصفيق من اليمين ) .

حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك - لقد سمعت بيانات حضرة المستجوب كما سمعت البيانات التي أدلى بها حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية رداً عليها ، وقد تبين لي بعد سماعي ذلك بأن الاستجواب لم يكن له محل .

وقد ذكر معالي الوزير شيئاً مما حصل في مجلس نواب فرنسا في ٣٠ مارس سنة ۱۸۹۸ ، وكان لهذا ضجة كبيرة وقتئذ في المجلس المذكور ، لأن الموضوع كان يتعلق بفضائح شركة أسهم بناما على ما أذكر ، إذ كان الاتهام يتناول بعض رجال الدولة وبعض رجال القضاء ، فوقف وزير الحقانية ومنع التعرض لرجال القضاء وقال العبارة التي سمعتموها حضراتكم الآن من معالي خشبة باشا وزير الحقانية وهي : ألا تتعرضوا للقضاة ، بل يجب أن أكون أنا المسئول أمامكم ، لأن القضاة غير مسئولين أمام المجلس » . لمعنى هذه العبارة أن من وجبت عليه المسئولية حقت له الحرية .

إنكم إذ تسألون معالي وزير الحقانية عن حسن سير العدالة في البلاد ومدى تطبيقها يجب أن يكون مسئولاً حقاً ومتروكة له الحرية التامة في سبيل تسيير العمل . إذ كيف تحملونه هذه المسئولية وتسلبونه في الوقت نفسه حق التصرف فيما يراه تحقيقاً للعدالة ؟

لقد سمعت من حضيرة المستجوب حديثاً قال إنه دار بينه وبين بعض المحامين فيما يختص بحادثة السنبلاوين - وحضرة الزميل يعرف ما يدور عادة بين بعض المحامين بخصوص القضاة ؛ وفي هذا المجلس عدد من زملائي المحامين يعرفون هذا تماماً ، فإذا مُنع معالي وزير الحقانية من مراجعة أعمالهم ومراقبة سلوكهم فكأننا سلمنا المصلحة العامة إلى يد لا تعرف كيف تتصرف في الأمور .

الرئيس - إن هذا ليس محل مناقشة من أحد .

حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك - تريدون أن توجدوا كل وزير في الدولة - ولا أقول وزير الحقانية فحسب - بين أمرين : إما أن يظهر جميع ما عنده من مساوئ، فتسوء سمعة القضاء ، وإما أن يسكت فتقولوا إن في سكوته دليلاً على العجز . فإذن لابد لنا من أن تترك السلطة التنفيذية تؤدي ما عليها من الواجبات بدون أن تذكر في المجلس ما لا ترى موجباً لذكره .

لقد أشار معالي الوزير من طرف خفي إلى أن هذا القاضي يستحق النقل أو الندب ؛ ولديه من الأسباب ما يستوجب ذلك ؛ وهو حر في تصرفه ويفعل ذلك مراعاة للمصلحة العامة .

افرضوا أن قاضياً عرضت عليه قضية جماعة اتهموا بالهتاف ضد الحكومة ؛ ولما ترافع عضو النيابة وقال إن هؤلاء هتفوا بسقوط الحكومة قال القاضي : وماذا يكون هناك لو سقطت الحكومة ؟ فهتف الحاضرون على أثر ذلك بكلمة لتسقط الحكومة . افرضوا أن هذا حصل وأنه على أثر ذلك قامت مظاهرة تردد هذا الهتاف . أليس هذا مأخذاً ينقل من أجله القاضي على الأقل إلى جهة أخرى ؟ حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك - إذا كان هناك مأخذ عليه فليس هناك مانع من رفته أو تأديبه ، لا نقله .

حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك - إن الوزير حر في تصرفاته : له أن ينقله أو يندبه . وهل يصح أن يبقى مثل هذا القاضي في محله ولا ينقل إلى جهة أخرى بعد ما حدث ؟

لقد تكلم حضرة المستجوب عن السنبلاوين ؛ وأنا من سكانها وأدرى بها . إن القاضي .

( ضجة )

الرئيس - أنا أمنعك من التعرض للكلام في حق القاضي .

حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك - أنا لا أتكلم في حق القاضي وإنما أذكر حادثة معينة ، أقول إنه حكم في قضية بالبراءة وحكمت محكمة ثاني درجة بالعقوبة

( ضجة )

إن هذا من نوع كلام المستجوب . وعلى كل حال فإن محكمة المنصورة أو الزقازيق أو العريش كلها محاكم مصرية ؛ ولا يجوز أن تفضل واحدة على الأخرى . كما أن نقل أحد حضرات القضاة إلى إحدى هذه المحاكم يجب ألا يتذمر القاضي منه ويعده عقوبة وقعت عليه . 

يا حضرات الشيوخ المحترمين : إن المنقول إلى محكمة العريش كمن ينقل إلى محكمة أسيوط أو إلى محكمة قنا لأنها كلها بلاد واحدة . وبناء على ذلك ليس للمجلس أن يتعرض لتصرف وزير الحقانية في أعماله التنفيذية إلا إذا كانت هذه الأعمال تخالف القوانين ، ومعاليه لم يخالف قانوناً ما ، بل عمل في دائرة اختصاصه وما رآه محققاً للمصلحة العامة .

حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك - حضرات الشيوخ المحترمين : لقد خرجت المناقشة عن نطاقها الذي يجب أن تحصر فيه ، وبخاصة فيما يتعلق بما أثاره وزير الحقانية من القول بأن هذا المجلس لا يملك أن يتعرض للقضاة في سبيل محاسبة الوزير .

وقد يبدو عجيباً أن المستجوب يقول إنه قدم استجوابه حرصاً منه على استقلال القضاء وصيانة لكرامته ، ويأتي معالي وزير الحقانية ويدفع هذا الاستجواب أيضاً بنفس هذه الحجة ، ويقول إنه ليس من الواجب أن تتعرض للقضاة في هذا المجلس حرصاً على كرامتهم واستقلالهم .

أقول يبدو ذلك غريباً جداً لأن القضاة بين هذا وذاك تهدر كرامتهم بمناسبة وبغير مناسبة ، حتى ممن تصدى للدفاع عنهم هذا الدفاع بحجة أن كرامة القضاء في غير حاجة إلى من يدافع عنها .

( تصفيق ) .

يا حضرات الشيوخ المحترمين : إننا لو سلمنا بما قاله معالي وزير الحقانية لكان معناه أننا منعنا منعاً باتاً وحرمنا من حق يتمتع به أصغر المصريين شأناً لأن له حق نقد القضاة بالاستئناف عن حكم ابتدائي أو بشكوى يقدمها إلى الوزير . فإذا جاء دور أعضاء المجالس النيابية وأرادوا أن ينقدوا تصرفات الوزير بشأن أحد القضاة قيل لهم ليس من حقكم أن تنتقدوا تصرف مع القضاة لأن هذا من شؤون السلطة التنفيذية . وإذا انتقدناه قال إما أن تقروا تصرفي مع القاضي ويكون في إقراركم حكم عليه وإما ألا تقروني ويكون في ذلك تدخل منكم في استقلال القضاء . 

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية ) - ويكون ذلك حكما منكم أيضاً ؛ وهو ما ليس لكم.

حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك - ياسيدي ، لقد تابعت هذا الكلام بكل قوى عقلي ؛ ويجب أن أعترف بأنني لم أفهمه ولم أستسعه ، لأن معنى ما فهمناه الآن هو أن معالي وزير الحقانية يرى أنه استعمل حقه ، فقال لكم إني قد ندبت هذا القاضي من محكمة السنبلاوين إلى محكمة المنصورة ونقلته إلى محكمة الزقازيق ثم إلى العريش . قال فعلت هذا تطبيقاً لنص القانون .

فهل يريد معالي الوزير أن أفهم أن القاضي لا يسأل عن إساءته لتطبيق القانون ؟ وهل إذا تقدم المتهم إلى القاضي بتهمة القتل وكان القانون ينص بالإعدام ، وحكم القاضي على برىء بالإعدام ، فهل معنى هذا ألا يكون القاضي بعد حكمه مسئولاً لأن في وجود النص إباحة ؟

يا حضرات الشيوخ المحترمين : إن مسئولية الوزير هي التي تحدد حسن استعمال هذه الحقوق . فإذا شعرنا بأن في استعمال هذه الحقوق إساءة كان واجبك ، يا معالي الوزير ، أن تقدم حسابك عن ذلك أمام هذا المجلس الموقر .

( تصفيق من اليسار ) .

هل يمكن ، يا حضرات الشيوخ المحترمين ، أن ألغي عقلي وأن أفترض أن محكمة المنصورة قد استغنت عن قاضيها فندب هذا القاضي إلى محكمة الزقازيق ، وأن محكمة العريش قد قلق سكانها ورغبوا في أن ينقل إليهم هذا القاضي بالذات ليقيم العدل بينهم ، وأنه كان لا يوجد من بين العدد العديد من القضاة إلا هذا القاضي ليقع الاختيار عليه ويمن الوزير به على محكمة العريش ؟

وهل يمكن أن أستسيغ هذا وأجعله متناسقاً مع ما اتخذ من إجراءات لنقله في المدة من ٢٤ مارس إلى ٢٨ مارس ؟ هل بعد أن أسمع من معالي الوزير وهو يصحح للمستجوب كلامه أنه أرسل للقاضي مفتشاً للتحقيق على أثر إصداره حكما في قضية معينة بالذات ؟ أفبعد هذا كله هل يمكن أن أفهم أنه استعمل حقاً له بمقتضى القانون استعمالاً صحيحاً لا يستوجب سؤالا أو جوابا ؟

إذا فهم معالي الوزير أن له أن يستعمل حقه بهذه الكيفية فيجب أن يصحح المجلس هذا الفهم الخاطئ وهذا الخطأ الفاضح الذي وقع فيه معالي الوزير .

يا حضرات الشيوخ المحترمين : إن المسئولية الوزارية من أهم أعمال البرلمان ، فيجب أن تكون مطلقة من كل قيد أو شرط في حدود الدستور ؛ وتقضي هذه المسئولية أن يأتي أمامنا الوزير ويقدم لنا حسابا عن عمله ؛ فإذا عجز كان شأننا معه لا مع القاضي .

وليس لدى سبيل لتصحيح أخطاء الوزير إلا بأن أسقطه ليأتي وزير آخر أطالبه بتصحيح ما أخطأ فيه الوزير السابق .

لماذا نبيح لأنفسنا أن نحاسب وزير المواصلات عن تصرفه إزاء موظف له كرامة مثل كرامة القاضي ومركز كمركز القاضي بينما نحرم من هذا الحق إزاء وزير الحقانية ، هل يمتاز القاضي عن هذا الموظف ؟

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - نعم ، لأن القضاة مستقلون .

حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك - لهذا السبب كان واجباً أن يكون حساب وزير العدل أعسر من حساب وزير المواصلات .

( تصفيق ) .

ولهذا السبب أقول نريد أن نحقق للقضاة استقلالهم ، فلا يحق إذن للوزير أن يعبث بحرياتهم ، فيندب منهم من يشاء وينقل من يشاء ، وإذا سئل عن ذلك قال إن في السؤال تعريضاً بالقضاة .

الواقع أنه خير لهم ولنا أن تعرض صفحة أعمالهم أمامنا ونكشف عن عيوبهم وأن تقدم الاستجوابات عن أعمالهم لأن في ذلك إبقاء على استقلالهم وكرامتهم . وإذا تبين لنا عدم صلاحية بعض القضاة كان للوزير الحق في أن يبعد هؤلاء الذين يثبت عدم صلاحيتهم لا أن يندبهم أو ينقلهم إلى جهات غير الجهات التي هم فيها .

أما القول إن مصلحة العمل تقتضي هذا النقل وذاك الندب ، وأننا يجب ألا نتعرض إلى شيء من ذلك تحت ستار استقلال القضاء -القول بذلك مسقط لكل معنى للمسئولية الوزارية التى تصبح لغواً في لغو لا يعتد به.

سبق لي أن ذكرت أن معالى وزير الحقانية قد صحح لحضرة المستجوب كلامه وقال إنه أرسل في ٢٥ مارس مفتشاً ليحقق مع القاضي ؛ ويتضح من ذلك أن هناك مأخذاً على القاضي استوجب إرسال المحقق . إذن هذا التحقيق هو الذي أنتج النقل إلى الزقازيق بعد مضي خمسة أيام على صدور حكم القاضي المنقول .

وإن اهتمام الوزير بهذا النقل لم يكن لمصلحة العمل في شيء بل كان عقوبة للقاضي بسبب الحكم الذي أصدره ؛ وقد استعمل في ندبه احتمال النص الذي يبيح له ذلك .

إن الندب البرىء لا يكون إلا في مناسباته التي تقتضيها . ولا أفهم مطلقاً بعد ما قاله معالي الوزير إن كان هذا القاضي صالحاً للقضاء أو غير صالح . فإذا كان غير صالح فكيف تندبه للزقازيق لتقذف به إلى سكان العريش وهم مصريون لهم الحق الكامل في أن يتمتعوا بالعدالة كغيرهم من سكان القطر ، ويجب أن يحكموا بموظفين أكفاء حسني السمعة والسيرة ؟

إن الذي أراه وأجاهر به أنه إذا كان مسلك الموظف شائناً فيجب ألا نرمي به إلى جهة بعيدة ، سكانها على أية حالة من أهل هذه البلاد ، ليتحملوا سوءاته إن كانت له سوءات .

أنا لا أتكلم عن واقعة السنبلاوين إنما الذي أعلن عنه وأنبه إليه هو تلك المبادئ الخطيرة التي أدلى بها معالي الوزير وأراد أن يبني عليها حقوقه في تصرفاته مع القضاة . كيف يجوز له ذلك - وهنا الحرم الذي فيه يحاسب الوزير عن تصرفاته ، ولا يجوز له أن يحتج علينا إذا تناولنا صفحة القاضي بأن في ذلك مساساً بكرامته وتعريضاً بسمعته ، بل يجب أن يعلم معالي الوزير أننا لا نقبل حفظاً لكرامة القضاء أن نبقي قاضياً يجلس للقضاء وعليه مأخذ مهما ضؤل شأنه .

يا حضرات الشيوخ : لقد مرت بكم في السنوات الأخيرة العواصف السياسية المتكررة التي عصفت بالبلاد ، ومن لم يكن منكم في هذا المجلس فلا شك أنه كان في غمار الحياة العامة .

فإذا أنكرنا من فوق هذا المنبر أن مواد لائحة ترتيب المحاكم قد استعملت استعمالاً سيئاً في جميع الأزمات والمناسبات ، فمن العار أن تنكر ذلك خشية معرفة الناس وهم أدرى منا بإساءة استعمال هذه اللوائح .

لقد تكلم حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك عن السنبلاوين. وبمناسبة السنبلاوين أقول إنه لاشك في أن بعض الأهالي قد فرح لنقل هذا القاضي وشمت به لأن حكمه لم يكن مطابقاً لأهوائهم ولم يشبع شهواتهم .

يا سيدي الوزير : أعلم ، وأنا هنا أقسم غير حانث في هذا القسم ، أن السياج الوحيد الذي فزعنا إليه ولا زلنا نفزع إليه عندما تدلهم الأمور كان هو القضاء ، وأن السياج الذي حفظ حرياتنا كان هو القضاء . خير لنا ولكم أن تتغاضى عن قاض أو اثنين أو عشرة لا تتفق تقديراتهم مع تقديرات الوزير الذي يتولى أمرهم. أقول ذلك حتى لا يثبت في أذهان العامة أن القاضي عرضة في ظروف معينة أن يعبث بحريته واستقلاله إذا حكم بما لا يرضي السلطات العليا .

( تصفيق عام ) .

يا حضرات الشيوخ المحترمين : خير لنا جميعاً أن يبقى قاض دخل القضاء تحت هذه الشهوة الحزبية ، وأنا لا أنكر أن بعضهم دخل في القضاء بعامل الحزبية يجب أن تتركه يتحمل مسئولية عمله ، لأننا لو تركناه فقد يرجع إلى ضميره ولابد أن يتحلل من هذه النصرة الحزبية يوماً ما .

كيف يكون حال القاضي وهو يحكم بعد أن رأى أحد المفتشين ذهب للتحقيق معه في حكم أصدره ، لأن هذا الحكم لا يتفق مع رغبات الحكومة ؟

هذا هو الذي أنعيه على السلطات بأنها يجب ألا تشعر القاضي أنه لا يملك من أمر نفسه أن يحكم بما يمليه عليه عقله وضميره . فإذا كان معالي الوزير يريد الإصلاح فليغير من القضاة من يرى فيهم عدم الصلاحية، وأن يبقى منهم من لا تعصف بهم الشهوات بل يحملهم المسئولية ولا يتدخل في عملهم ولا يهددهم بإرسال المفتشين للتحقيق معهم .

إن سلطة الندب والنقل لا تكون إلا في المناسبات التي تقتضيها ، بأن يكمل عدد القضاة مثلاً . أما أن يندب القاضي أو ينقل عقب حكم أصدره ، ثم يأتي الوزير ويقول إنني استعملت حتى فى ندبه أو نقله - إن في ذلك ما فيه من التعرض لاستقلال القضاء .

أفهم هذا لو أن الندب كان لصالح العمل . لو كان لهذا فقط لاكتفى بندبه إلى الزقازيق . أما الذي لا أفهمه فهو أنه نقل بعد التحقيق مباشرة إلى الزقازيق ثم طوح به إلى العريش .

هذا ما لا أقر الوزير عليه ، كما لا نقره أن يستعمل هذا الحق مطلقاً بدون رقابة .

إن وقائع الحال التي كنت أريد أن ألمحها وكنت أرجو أن يتنفس فيها الصبح بعد الليل الدامس أن يوفق الله الحكومات المختلفة إلى أن تعطي القضاة حقوقهم كاملة . لقد كنت في صميم المعمعة والنضال الحزبي ، ومن بين حضرات الحاضرين من كان لي شرف مخاصمتهم أو مؤازرتهم ، وكنت أشعر من أعماق قلبي أنه ما دام القضاء سلما فكل هذا الذي يعبث بحياتنا مرده ومرجعه إلى القضاء . وكنت دائماً أتمنى أن يأنى اليوم الذي يرى فيه وزير الحقانية - ولا أقصد الوزير الحالي ، بل أقصد وزراء جميع العهود من سنة ١٩٢٦ إلى الآن - كنت أتمنى أن يأتي يوم يرى فيه وزير الحقانية في أية وزارة أن يبعد تماماً رجال القضاء عن هذه العواصف السياسية الهوجاء . وما كنت أنتظر من معالي أحمد محمد خشبة باشا وزير الحقانية الذي عانى هذه الأزمات قاضياً ومحامياً ووزيراً للحقانية ، ما كنت أنتظر منه الآن ، وهذا شانه ، وقد تكشفت هذه العيوب ، أن يأتي إلينا ويقول إنه ندب أحد القضاة إلى الزقازيق لأن في المحكمة سبعة قضاة ويريد أن يكملهم إلى ثمانية ، ويندب هذا القاضي ويقرر أن هذا من حقه : في حين أنه كان من الواجب أن يتحاشى ذلك حتى ولو كانت الحركة القضائية في هذه الظروف تستوجب ذلك ، لأن هذا من حسن السياسة ، وحتى لا يفهم الجمهور بأن هذا النقل تم عقب صدور حكم لا يرضي السلطة العليا .

( تصفيق عام ) .

ويجب ألا تخترع المناسبات لتبرير هذا الندب . فلو أن هناك رعاية حقة لواجب القاضي علينا لكان قاضي السنبلاوين بقي في السنبلاوين نفسها بعد انتهاء الحركة القضائية الأولى والثانية حتى ينسى الناس أن نقله كان نتيجة لحكم أصدره .

إذا كان يخالجك الشك ، يا معالي الوزير، في أن القاضي صدر في حكمه عن هوى وعاملته هذه المعاملة الطيبة فإنه يكون في المستقبل أحرص على الحق والعدالة من أي وقت آخر .

يا حضرات الشيوخ المحترمين : لقد قطعنا في الحياة النيابية أربعة عشر عاماً ولا زلنا كما بدأنا في سنة ١٩٢٤ ، يصلح أن يقال في حقنا ما قاله المرحوم شوقي بك :

جَعَلْنَا الحُكْمَ تَوْلِيَةً وَعَزْلًا ... فَلَمْ نَعُدِ الجَزَاء وَلَا الاِنْتِقَامَا

( تصفيق ) .

حضرة الشيخ المحترم إبراهيم الهلباوي بك - حضرات الشيوخ المحترمين :

موضوع الاستجواب الذي نحن بصدده هو من أهم المواضيع التي يجب استيفاؤها ولو طال البحث فيه .

بصفة كوني أحد المحامين الذين بحكم عملهم يتشرفون بخدمة العدالة كنت متأثراً كل التأثر عندما سمعت كلام المستجوب حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين الجندي، وكنت متأثراً أقل تأثر بدفاع معالي وزير الحقانية ، مع أني من المؤيدين للوزارة ورجالها . ولولا حيائي لكنت أول المصفقين لحضرتي الأستاذين حسين الجندي ووهيب دوس بك .

لماذا ؟ لأني كنت أنتظر من معالي وزير الحقانية أن يدلي في بيانه بأسباب تصرفه نحو حضرة القاضي .

ارتقيت هذا المنبر بعد استئذان معالي وزير الحقانية .

الرئيس - حضرة الشيخ المحترم له كامل الحرية في الإدلاء برأيه ؛ ولا يجوز له أن يستأذن الوزير فيما يريد أن يقول .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية) - أرجو ألا يذكر حضرة الشيخ المحترم شيئاً يمس حضرة القاضي .

حضرة الشيخ المحترم إبراهيم الهلباوي بك هذا القاضي الذي يدافع عنه لم يؤاخذ في الحقيقة على حكم أصدره بل على زلة وقع فيها . فإنه بعد أن أصدر حكمه بالبراءة حصلت مظاهرة في الجلسة من أحد الفريقين السياسيين (المؤيد للوزارة والمعارض لها) ، فأراد الفريق الآخر أن يمنعها ، فما كان من حضرة القاضي الجالس على كرسي القضاء إلا أن اشترك في المظاهرة ، وناصر من كان ينادي بسقوط الوزارة في قاعة الجلسة .

فالمفتش الذي أرسله معالي وزير الحقانية لم يذهب للتفتيش على ملف القضية بل ترك للقاضي كل سلطته القضائية لأن طريقة التظلم من الأحكام هي أن ترفع للسلطة العليا أي للمحكمة الاستئنافية .

والذي دعا الوزير أن يرسل مفتشاً هو سبب خارج عن الحكم ، وهو اشتراك القاضي مع المتظاهرين .

تعرض وزير الحقانية للمسئولية الوزارية ؛ وكان في إمكانه بعد الذي ثبت على القاضي أن يشكل مجلس التأديب لمحاكمة هذا القاضي .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - من أين جئت بهذه المعلومات ؟

الرئيس - أرجو ألا يقاطع حضرة الشيخ المحترم الخطيب .

حضرة الشيخ المحترم إبراهيم الهلباوي بك . ما دمت أنا لا مانع عندي من الرد على حضرة الشيخ المحترم ....

الرئيس - لا يكفي رضاء حضرة الشيخ المحترم بل لابد من موافقة رئيس المجلس المنوط به تنفيذ اللائحة الداخلية .

حضرة الشيخ المحترم إبراهيم الهلباوي بك - ما الذي اتخذه الوزير ؟ اتخذ طريقة في غاية البر والتقوى ، فنقله إلى محكمة الزقازيق ليندب منها إلى محكمة العريش ، فهو نقل واحد لا نقلان متتاليان .

إذن الأمر بين ، والواقعة التي أشرت إليها والتي ثبتت من تحقيق المفتش هي التي حدت بوزير الحقانية إلى هذا التصرف .

وفي ظني أن حضرة القاضي لا ينكر ذلك . فإذا رأيتم حضراتكم ذلك - وأنتم تقولون إن القاضي يجب أن يترفع عن الحزبية ويكون عوناً للمظلوم من أي حزب كان - أظنكم لا ترضون بمثل ذلك .

هذا ما حصل من وزير الحقانية ؛ وفي هذا بر ورحمة بالقاضي .

( تصفيق من اليمين ) .

الرئيس - الكلمة لحضرة الأستاذ يوسف الجندي . وأوجه نظر حضراتكم إلى أنه رابع المتكلمين ، وتطبيقاً للائحة الداخلية يجب أن يكون آخر من يتكلم في الاستجواب .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - ذكر حضرة المستجوب وقائع معينة فيما يتعلق بالتصرفات التي انتقد بها معالي وزير الحقانية ، ومعاليه بدلاً من أن يرد على هذه الوقائع لجأ إلى ذكر مبادئ قال عنها إنها مبادئ، دستورية احتمى وراءها لعدم إبانة الوقائع التي أشار إليها حضرة المستجوب .

فالمجلس ، إزاء هذه الصراحة في بيان حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين الجندي ، وإزاء الغموض الذي تعمده معالي وزير الحقانية ، ذلك الغموض الذي جعل المجلس - فيما أعتقد - لا يستطيع أن يرجح بين أقوال المستجوب وأقوال وزير الحقانية ، حتى إنه عندما أراد أحد حضرات الشيوخ المحترمين المؤيدين للحكومة أن يذكر شيئاً تبريراً لتصرف معالي الوزير اعترض عليه معاليه .

إزاء ذلك أظن أن المصلحة العامة في هذا الاستجواب تقضي بأن يتفضل معالي وزير الحقانية بإيداع أوراق التحقيقات الخاصة بجميع الوقائع التي ذكرها حضرة المستجوب .

إنا إذا تركنا معالي الوزير في هذا الغموض قد يقال إن المستجوب تقدم بوقائع معينة فلم يرد معالي الوزير عليها .

أنتقل بعد ذلك إلى مبادئ قال عنها الوزير إنها دستورية ، ونحن لا نقره عليها . وقد أبان ذلك بحق حضرة الشيخ المحترم الأستاذ وهيب دوس بك مما لا حاجة بي إلى تكراره ، لأنه فى الواقع لو أخذ بما قاله معالي الوزير لانعدمت المسئولية الوزارية ، ولوجد باقي الوزراء طريقاً للتخلص منها ، ولا يكون للأسئلة والاستجوابات قيمة بعد ذلك .

بناء على هذا ، ولأني لا أريد أن أطيل الكلام ، أقرر أن المصلحة العامة ومصلحة المجلس ومصلحة الوزير ومصلحة القضاء توجب قبل أن يبدي المجلس رأياً في هذا الاستجواب أن يودع معالي الوزير أوراق التحقيقات بسكرتيرية المجلس للاطلاع عليها ، وتكون بعد ذلك محل مناقشة المجلس . فإما أن ينضم إلى حضرة المستجوب وإما إن ينحاز إلى جانب معالي الوزير .

هذا ما أدعو معالي الوزير للموافقة عليه .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - لا مانع عندي من أن يحضر من يشاء من حضراتكم إلى وزارة الحقانية للاطلاع على أوراق التحقيق .

الرئيس - لا يصح أن يدعى أحد الأعضاء للانتقال للوزارة ، لأنه على كل حال يمثل المجلس .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - لا مانع عندي من إبداع الأوراق سكرتيرية المجلس .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - الأستاذ حسين الجندي تكلم في استجوابه عن عدة مسائل ، وهي : قاضي السنبلاوين ، ورئيس محكمة مصر ، وقاضي محكمة عابدين ، وتصريح البنداري باشا .

حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك - كيف يتولى الوزير إبداع أوراق عن حديث ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - الحديث الذي نسب إلى سعادة البنداري باشا هو أنه صرح وقت أن كان وزيراً للصحة أنه لا ينام الليل ومسجونو مصر الفتاة في السجن . فوزير الحقانية الذي يدفعه حرصه على استقلال القضاء يجب أن يبين أمامنا هل حصل هذا الحديث أو لم يحصل ؟ وهل اتصل بسعادة البنداري باشا ، وقد كان عضواً معه في الوزارة ، أم لا ؟

الرئيس - سعادة البنداري باشا ليس عضواً في المجلس ؛ ولا يسأل وزير الحقانية عن تصريح نسب إلى غيره .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - أنا أقول إن أحد الوزراء ، وقد كان زميلاً لمعالي وزير الحقانية ، صرح تصريحاً يمس استقلال القضاء ، فما الذي فعله الوزير إزاء ذلك ؟

حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك ... قدم استجواباً آخر .

حضرة الشيخ المحترم علي كمال حبيشه بك - ليس لهذا الحديث أوراق تحقيق .

الرئيس - هذا التصريح الذي نسب لسعادة البنداري باشا لا يسأل عنه وزير الحقانية .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - المسألة واضحة . ولا أرى معنى لاعتراض حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك . فالأستاذ حسين الجندي قدم استجواباً عن وقائع معينة خاصة بقاضي السنبلاوين ، وأبدى أنه يريد أن يستجوب الوزير عن وقائع أخرى تتعلق باستقلال القضاء ، وهي خاصة بحضرة رئيس محكمة مصر وقاضي عابدين وتصريح سعادة البنداري باشا .

نحن في هذا المجلس مفروض علينا أن نسمع بيان المستجوب ورد وزير الحقانية ، لا أن نسمع وقائع دون أخرى .

أما القول بأن هذه مسائل أخرى فهو قول يكون صحيحاً لو أن الأستاذ حسين الجندي لم يتناولها في استجوابه ، ولكنه قالها في استجوابه وعلق عليها .

حضرة صاحب المعالى أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية ) - المسائل الخاصة بحضرة رئيس محكمة مصر لها أوراق تحقيق لا مانع عندى من إبداعها بالمجلس . أما مسألة قاضي محكمة عابدين فليس لها أوراق تحقيق .

الرئيس - أرجو أن يودع معالي الوزير الأوراق الموجودة عنده .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا (وزير الحقانية ) - وهو كذلك .

الرئيس - أرجو أن يكون الإبداع قبل جلسة الاثنين المقبل المخصصة للأعمال العادية .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - لا مانع .

( في أول أغسطس سنة ١٩٣٨ ) .

---------------------

الاستجواب وملحقاته المقدم من حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي لحضرة صاحب المعالي وزير الحقانية عن نقل أحد حضرات القضاة وندبه المحكمة العريش اقتراح تشكيل لجنة خاصة لتنظر في المسائل الواردة في الاستجواب وفي التحقيقات والأوراق المودعة بسكرتيرية المجلس من وزارة الحقانية وتسمع بيانات الوزير والمستجوب في ذلك وتقدم تقريرها إلى المجلس - الموافقة عليه

الرئيس - أودع حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية الأوراق التي وعد بإيداعها في الجلسة الماضية ، سواء منها ما كان خاصاً بحضرة رئيس محكمة مصر السابق أم بحضرة قاضي محكمة العريش . وبناء على طلب أحد حضرات الزملاء أودع أيضاً محضر الجمعية العمومية لمحكمة مصر الخاص بندب حضرات القضاة الذين أشير إليهم أثناء مناقشة الاستجواب . وقد أخطرني معالي وزير الحقانية بكتاب بعث به إلى أن هذه الأوراق لها صفة السرية ، ورجاني أن أتخذ ما يكفل المحافظة على هذه السرية ، وذلك لأن هذه الأوراق تتناول تصرفات بعض حضرات القضاة ولا تجوز مناقشتها في جلسة علنية . بناء على ذلك أظن أنه من المستحسن إحالتها - إذا وافقتم حضراتكم - إلى لجنة لدرسها وإبداء الرأي فيما إذا كانت تجوز مناقشتها في جلسة علنية أم لا .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي. لقد اطلعت على هذه الأوراق ....

الرئيس - اطلعت حضرتك عليها بصفة سرية .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - لم أجد فيها بالنسبة للمسائل التي هي موضع الاستجواب شيئاً يعتبر سرياً لأنها عبارة عن وقائع نسبت إلى حضرة رئيس محكمة مصر السابق ، وإلى حضرة قاضي محكمة السنبلاوين السابق .

وإذا كان أحد حضرات القضاة وجد أنه في حل من أن يقدم تقريراً ضد زميل له ....

الرئيس - أظن أن كرامة القضاء تجعلنا نحرص على ألا تخوض في مثل هذه المسائل في الجلسة .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - رأى المجلس في الجلسة الماضية - كما قال حضرة الأستاذ وهيب دوس بك ـ أن من حقه أن يلاحظ على تصرفات معالي وزير الحقانية بشأن القضاة ، ومن حقه أيضاً أن يلاحظ على تصرفات القضاة . لذلك لا أرى أن هناك حرجاً من أن يتناول المجلس بالمناقشة العلنية الأوراق التي أودعها معالي وزير الحقانية ، وبخاصة كما قال زميلي الأستاذ حسين محمد الجندي أنه ليس فيها من الأمور السرية ما يدعو إلى عدم مناقشة المجلس فيها في جلسة علنية

لقد اطلعت على هذه الأوراق مرتين وأخذت ملخصاً لها ، وأؤكد لحضراتكم أنه لا يوجد فيها ما يمنع المجلس من المناقشة فيها بصفة علنية .

والأمر الجدير بالاعتبار هو أننا نريد أن تخرج بعد الاطلاع على هذه الأوراق بنتيجة إما أن تكون مؤيدة لتصرفات معالي وزير الحقانية ، وإما أن تكون معترضة على هذه التصرفات .

الأوراق التي أودعت كثيرة ، وقد اطلع عليها بعض حضرات الشيوخ ، وأرى أن الطريق المأمون لكي يكون المجلس رأياً صحيحاً في تصرفات معالي وزير الحقانية أن يتبع ما جاء في المادة ۱۰۸ من الدستور التي تنص على أن « لكل مجلس حق إجراء التحقيق ليستنير في مسائل معينة داخلة في حدود اختصاصه )

اما إحالة هذه الأوراق إلى لجنة من لجان المجلس ، سواء أكانت لجنة الاقتراحات أم لجنة الحقانية ، فليس هو الطريق الطبيعي الذي نص عليه الدستور ونصت عليه اللائحة الداخلية ، لأن لجنة الاقتراحات إنما تبحث فيما يقدمه حضرات الشيوخ من اقتراحات ومشروعات قوانين ، وكذلك الحال فيما يتعلق بلجنة الحقانية ، وهذا يختلف مع ما نحن فيه الآن لأننا في مقام استجواب يجب أن يتخذ المجلس فيه قراراً إما بلوم الوزير أو الانتقال إلى جدول الأعمال

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ عباس الجمل - أو شكر الوزير .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - ليس هناك شكر . الطريق الطبيعي ، كما قلت ، هو أن ينتقل المجلس بعد المناقشة في الاستجواب إلى جدول الأعمال أو يعد تصرفات الوزير موجبة للوم . فإذا لم يستطع المجلس تكوين رأي في الاستجواب فالطريق الوحيد هو أن يتبع ما جاء في المادة ۱۰۸ من الدستور بتشكيل لجنة للتحقيق .

الواقع ، ياحضرات الشيوخ ، أن هذه المسألة تستأهل من حضراتكم إجراء تحقيق فيها ، لأن فريقاً من حضرات الشيوخ يرى أن تصرفات معالي وزير الحقانية في ندب حضرة أحمد بك فهمي إبراهيم رئيس محكمة مصر إلى المنيا وإحالته إلى المعاش بعد ذلك ، ثم نقل حضرة قاضي محكمة السنبلاوين على أثر حكم أصدره في قضية ضد الحكومة ، يرى بعض حضرات الشيوخ أن في هذه التصرفات مساساً باستقلال القضاء .

لذلك ، ولكي يكون قرارنا قرين الصواب والصحة ، بعيداً عن الزلل ، أرى أن تقرروا حضراتكم تشكيل لجنة لتحقق المسائل الواردة في الاستجواب . وقد يستدعي هذا التحقيق سؤال أشخاص غير الذين سئلوا في الأوراق التي أودعها معالي وزير الحقانية . فإذا وافق معالي الوزير كان بها ، وإلا فسنضطر إلى طرح ما ورد في هذه الأوراق على المجلس .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - قلت فيما مضى إن كل إجراء يتناول البحث في أمر القضاة هو إجراء خطير جدا ، وليس من حق المجالس التشريعية أن تتناول هذا الإجراء . قلت ذلك لسببين :

الأول - اعتقادي الجازم أنني إذا قلت ذلك إنما أقوله محافظة على الدستور . أقوله محافظة على استقلال القضاء الذي جعل الدستور منه جسماً مستقلاً غير خاضع لأحد إلا لضميره والقوانين التي يسير عليها.

قلت ذلك حماية للدستور ، وحماية لاعتبارات أخرى يجب علينا ألا تنسينا - سواء كنا من المعارضين أو من أنصار الحكومة - أن جسم القضاء لا يصح بحال من الأحوال أن يكون عرضة للمناقشة في هذا المجلس أو غيره ، لأن كرامة الفضاء من كرامة الأمة ، ولا يصح أن نتناول عمل قاض أو اثنين أو آخرين ، وأن نفتح الباب لتعرف ما إذا كانوا أحسنوا أو أساءوا - ولا أعتقد أن مثل هذه الأمور قد جرت في مجلس من المجالس الأخرى .

كنت أو من بأني بمجرد أن أودع ما كان سبباً للندب ، وما كان سبباً للإحالة إلى المعاش - بمجرد إبداع ذلك في مكتب الرياسة ويطلع عليه بعض المتشوقين لمعرفة السبب ، كنت أعتقد أن هذا يكفي لمعرفة أنني لم أصدر عن شهوة حزبية ، ولا عن ظلم مني ، ولكن صدرت فيما صدرت محافظة على سمعة القضاء ، ونزاهة الفضاء ، وتكريم القضاء.

يطلب البعض من حضراتكم إجراء تحقيق ، وهو ما أعتقد أن الدستور ذاته يحول دونه . ماذا يراد من التحقيق ؟ لقد سألنا مساعد النيابة ووكيل النيابة ، وسألنا قاضياً من القضاة - فأجابوا بما هو مدون في أوراق التحقيق . ألم يكن هذا كافياً لأن أندب قاضياً من جهة إلى أخرى ؟ لذلك أصر على أقوالي الأولى ، وأعارض في إجراء تحقيق في هذا الشأن

( تصفيق من اليمين ) .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ عباس الجمل - الاقتراح الذي طرحه سعادة الرئيس على المجلس هو أن ينظر المجلس في إحالة أوراق التحقيق التي أودعها معالي وزير الحقانية إلى لجنة الحقانية لتبحث في هل يجوز أن تكون هذه الأوراق محل مناقشة علنية أو تعتبر سرية .

هذا الاقتراح لم يواجه ولم يناقش ، فقد تكلم حضرة المستجوب في موضوع غير موضوع الاقتراح ، وكذلك حذا حذوه حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف الجندي .

لا شك في أن سرية هذه الأوراق ليست محل جدل ، لأنها تتعلق بأعمال قضاة لا يزالون في مناصبهم ، والتحقيق الذي أجري معهم كان سرياً . فوزارة الحقانية لها كل الحق في أن تنبه سعادة الرئيس إلى ذلك ليتخذ من الإجراء ما يتناسب مع هذه السرية .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - إذا كانت هذه الأوراق سرية فلم أودعت مكتب المجلس ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ عباس الجمل -- أودعت لأن حضرتك بصفة كونك عضواً في مجلس الشيوخ طلبت من معالي وزير الحقانية إبداعها فأجابك إلى طلبك . وليس معنى هذا أن يطلع عليها كل فرد من الشعب . ولجنة الحقانية التي اقترح سعاد الرئيس إحالة الأوراق إليها ستبدي رأيها فيما إذا كانت هذه الأوراق تعتبر سرية أم لا .

وليست هذه اللجنة ، كما يقول حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف الجندي ، مختصة بنظر مشروعات القوانين التي تحال إليها فقط بل هي تنظر في غيرها من المسائل ، كطلب رفع الحصانة البرلمانية . فاللجنة تبحث في كل مسألة تحال إليها لذلك أرى أن اقتراح سعادة الرئيس له وجاهته وفي محله وأرجو أن يقدره المجلس ويوافق عليه .

أما قول حضرة الأستاذ يوسف الجندي من أنه اطلع على الأوراق فأقول إنه قد شاركه في هذا الاطلاع بعض حضرات الشيوخ - وأنا من بينهم - وأؤكد لحضراتكم أني أعجبت إعجاباً شديداً بالفداء الذي عرض نفسه له معالي وزير الحقانية .

عرض نفسه لهجمة عنيفة قام بها حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك في الجلسة الماضية ، واحتمل ذلك ليحمي القاضي من عمل قد يجعله مضغة في الأفواه .

قدم معالي الوزير لحضراتكم الأوراق التي طلبتموها ؛ منه ومنها علمتم الأسباب التي دعت إلى نقل حضرة القاضي . فالنقل أو الندب ليس بعقوبة مادام يحصل من بلد مصري إلى بلد مصري .

هذا إجراء تمهيدي اتخذه معالي الوزير .

أما من الوجهة القانونية فهو من سلطانه وملكه . وأما من وجهة حماية القضاء أو إبعاده عن اللغط والضوضاء فهو عمل حكيم ليس فيه عقوبة .

لو أن معالي الوزير لم يرد أن يحمي الفاضي ، وأن يطرح أمره على حضراتكم ، لضمنت أن قرار المجلس لا يكتفي بالنقل ، بل يطلب إحالته إلى التأديب لينال حظه .

حضرة الشيخ المحترم سليمان السيد سليمان باشا . هل معنى هذا الرفت ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ عباس الجمل - نحن أمام مسائل لها سريتها . وأعود فأقول : إن أمام المجلس رأياً قدمه حضرة الرئيس بأن هذه الأوراق سرية . وهذا الرأي لا يمنع منه دستور ، ولا لائحة ؛ وهو العمل المناسب والتصرف الحكيم في هذه المسألة . هذا الرأي هو أن تنظر لجنة الحقانية هذه الأوراق وتطلع عليها ، وتقدم بعد ذلك رأيها : هل في الإمكان أن يتناقش المجلس فيها علانية أو لا ؟

هذا تصرف تمهيدي وإجراء موقت لا يمنع منه دستور ولا قانون ، ولا يمنع هذا الإجراء إلا أن يتنازل حضرة المستجوب عن استجوابه .

حضرة الشيخ المحترم محمد نجيب الغرابلي باشا - يا حضرات الأعضاء المحترمين :

أظنكم جميعاً متفقين على مسألة أساسية ، وهي المحافظة على كرامة القضاء واستقلاله . ليس فينا مخالف في ذلك على الإطلاق . وقد تناقشتم فيما أدلى به حضرة الشيخ المحترم المستجوب في جلسة سابقة . ورأيتم أن يودع معالي وزير الحقانية الأوراق المتعلقة بذلك في مكتب المجلس لتطلعوا عليها ، وحتى تطمئنوا إلى تصرف معالي الوزير ، وتعرفوا هل تصرفه تصرف تعسفي يمس استقلال القضاء أو أنه صادر عن مبرر تقتنعون به . فإذا ما اطلعتم على الأوراق ووجدتم أن التصرف لم يكن تصرفاً تعسفياً ، ولم تمله أغراض حزبية ولا شهوة التعدي على استقلال القضاء - رأيتم حينئذ أن عمل الوزير مبرر ، وانتقلنا بعد ذلك إلى جدول الأعمال وانتهى الأمر .

وإذا رأيتم حضراتكم من الأوراق ما يشتم منه رائحة التعسف على القضاء ومحاولة الاعتداء على استقلاله أو المساس بكرامته ، فلكم شأنكم مع الوزير .

والآن وقد اطلع حضرة الرئيس على هذه الأوراق ، كما اطلع عليها حضرة الشيخ المحترم المستجوب والأستاذ يوسف الجندي وغيرهما من الأعضاء ، أحس الرئيس بأنه قد يكون من الحرج عرض هذه الأوراق في جلسة علنية . وقد ترون أنتم أنفسكم إذا ما عرضت هذه الأوراق في جلسة علنية أن هذا العرض ما كان جائزاً ، ولا سائغاً ، ولا تقتضيه كرامة القضاء ، والرغبة في المحافظة على استقلاله .

فلذلك يرى حضرة الرئيس ، قبل أن تقرروا عرض هذه الأوراق ومناقشتها في جلسة علنية ، محافظة على سمعة القضاء واستقلاله الذي تجتمع جميعاً على فكرة المحافظة على استقلاله . رأي حضرته أن يحال الأمر على لجنة لتطلع على هذه الأوراق – وترى هل هناك من بأس في عرض المسألة علناً ، ويتناول أمرها الصحف وغيرها ، وتلوكها الألسن - ولا يكون بعد هذا العرض مساس بسمعة القضاء ؟ أو ترى اللجنة أن طرح هذه المسألة بشكل علني فيه ما يمس بسمعة القضاء . وهو أمر نضن به جميعاً ، ونحافظ عليه بكل شعورنا ؟

ما هو العيب في هذا الاقتراح ؟ حقيقة قال حضرة الأستاذ يوسف الجندى إنه لم ير في الأوراق ما يستوجب السرية ؛ وله أن يقتنع بما رأى ؛ ولغيره من الأعضاء أن يرى أنها تستوجب السرية ، ولكل حريته في رأيه .

ولكن المجلس لا تضيع عليه أي فرصة في أن يحيل الأمر على لجنة لبحث هذه الأوراق ودرسها دراسة هادئة ، وتبدي رأيها بعد ذلك للمجلس وهو صاحب الشأن .

إنما الذي يخشى أن يفوت علينا ولا يمكننا أن نعالجه هو أن نضع هذه الأوراق موضع العلانية في الكلام والمناقشة . وقد نشعر بعد فوات الوقت أنه ما كان يجوز ذلك ، وأننا في تصرفنا أسأنا إلى القضاء من حيث نريد المحافظة على كرامته .

فأنا أؤيد لهذا فكرة الرئيس كل التأييد ، من أنه لن يضيع علينا حق ، ولن يكون فيها أي مساس بالقضاء - بل بالعكس إنما هو إجراء تثبت به أننا لا تخطو خطوة تمس سمعة القضاء الذي نقدسه جميعاً .

الرئيس - الكلمة لحضرة الشيخ المحترم المستجوب الأستاذ حسين الجندي .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - يا حضرات الشيوخ المحترمين :

اتفقنا جميعاً على المحافظة على سمعة القضاء ، فهل الأوراق التي أودعت في سكرتيرية المجلس تحط من سمعة القضاء أو تمس القضاة من أي ناحية من النواحي ؟

المسائل التي تناولها البحث ، وهي التقارير التي قدمت ، تكلمت عنها أمام حضراتكم عند المناقشة في استجوابي . وتكلمت عن القضاة الذين قدموها ، وقد نشرت هذه التقارير بتفاصيلها قبل تقديم استجوابي . فما معنى السرية إذن

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - هل تكلم حضرة الشيخ المحترم عن تقرير مساعد نيابة محكمة السنبلاوين ووكيل نيابتها ؟

الرئيس - أرجو من معالي الوزير ألا يقاطع الخطيب ، وأن ينتظر حتى يتم كلمته .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - الذي تكلمت عليه ، يا معالي الوزير ، أننى ذكرت المسائل جميعاً التي أحيل بسببها رئيس محكمة مصر إلى المعاش وذكرتها الجرائد بالتفصيل والتعليق ، فلا معنى إذن للسرية فيها . هذه المسائل حل الكلام عنها في الجرائد ، وتكلمت عليها في الجلسة الماضية ، فما معنى السرية في هذا الشق ؟

تكلمت في الجلسة الماضية عن المسائل التي من أجلها رأى معالي الوزير انتداب رئيس محكمة مصر إلى رئاسة محكمة المنيا ، والمسائل التي بدر بها إحالته بعد ذلك إلى المعاش . وقلت إن هناك تقارير قدمت من قضاة وذكرتهم بأسمائهم - فلا معنى بعد ذلك أن يقال إن هناك سرية في الأوراق .

نحن نريد أن نحافظ على استقلال القضاة . لقد ذكر في تقرير من هذه التقارير مسألة ، وهذا التقرير قدم من صاحبه ، وطلب منه أن يقدمه ، وهو مع ذلك لم يقدم إلا بعد شهر وستة أيام من ندبه .

فهل مثل هذه التقارير تعطي لمعالي الوزير الحق في أن يصنع ما صنع في هذه المسألة ؟

هل القضاة اقترفوا شيئاً حتى نعمل على المحافظة على سمعتهم ؟ المسائل المطروحة أمام حضراتكم مسائل سياسية بحتة ؛ وهي التي من أجلها نقل القاضي من السنبلاوين إلى العريش ، والتي من أجلها أحيل أحمد فهمي إبراهيم بك إلى المعاش .

القاضي الذي يتعلق شأنه بالأوراق المودعة لم يرتكب جريمة حتى تعتبر أوراقه سرية . والقاضي الذي انتدب للمجلس الحسبي قال إنه يظن أن سبب ندبه أساسه أنه حكم في قضية معينة - فما هي السرية في هذا إذا ؟

القضاة يريدون أن نحميهم من وزير الحقانية ، ويريدون أن ندافع عن استقلالهم أمام الوزير .

لقد ذكر أحد القضاة في تقرير له أنه نقل إلى المجالس الحسبية بسبب أنه حكم في قضية معينة ضد الوفد .

هذا ما حدث من أحد القضاة . فما هي السرية في هذا ؟

قرأت هذه المسائل ، ولخصتها ، وسأذكرها لحضراتكم واحدة واحدة لتعلنوا رأيكم : هل هي مسائل سرية أم لا ؟

حضرة الشيخ المحترم محمد تجيب الغرابلي باشا - هل يجوز لحضرة الشيخ المحترم أن يعرض ما في الأوراق ، ونحن لم نفصل بعد في مسألة سريتها وجواز عرضها على المجلس ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - السرية أساسها المحافظة على سمعة القضاء . وإن هناك مسائل تحط من شأن القضاء . قالوا إن هناك قاضياً عمل كذا ، وارتكب كذا .

وأنا في اعتقادي أن هذه المسائل التي يشيرون إليها تشرف القاضي الذي فعلها . هذه المسائل قدمت عنها تقارير كتبت بعد شهر وستة أيام . هي سبعة تقارير أو ثمانية ، فيها مصلحة للقاضي الذي أحيل إلى المعاش. بعض هذه التقارير قدم من قاض بمحكمة مصر . فما هي السرية في ذلك ؟

إن القاضي رئيس محكمة مصر الذي أحيل إلى المعاش قال إن هذا الكلام الذي ورد بالتقارير لم يحصل ، وإنه لم يوعز إلى الجمعية العمومية لمحكمة مصر بنقل قاض أو انتدابه من جهة إلى جهة أخرى، وإنه لم يقترف شيئاً يترتب عليه إحالته إلى المعاش . وقال وكيل رئيس هذه المحكمة محمود بك عفيفي إنه لم يحصل أن رئيس المحكمة فعل ما نسب إليه . فما هي السرية إذن ؟

هل يريد معالي الوزير أن يقول إن في الأوراق مسائل خطيرة تمس سمعة القضاء وتؤثر في نزاهته ؟

وإذا كان رئيس محكمة مصر نقل قاضياً من جهة أقام فيها سنتين إلى جهة أخرى ، وجاء معالي الوزير ولمح له تلميحاً بسيطاً بأنه لا يرغب في هذا النقل ، فإن رئيس المحكمة ما كان يتأخر في تلبية إشارة الوزير ، مع ثبوت نزعة حزبية لمعاليه تخالف نزعة رئيس المحكمة . فموضوع مثل هذه المسألة لا يمكن أن يعتبر سرياً .

أنا أسر كثيراً إذا ما اطلع حضرات الأعضاء على التقارير ، كما أسر أن يطلع حضرات الوزراء الذين لم يشتركوا في إحالة هذا القاضي إلى المعاش ليتبينوا أنه أحيل ظلماً ، فإنه أحيل إلى المعاش للسياسة وللحزبية فقط .

ولا يكفي أن أطلع عليها أنا وحدي وحضرة الأستاذ يوسف الجندي والأستاذ عباس الجمل وبعض الأعضاء .

وإذا كانت هذه المسائل تكفي للإحالة إلى المعاش فعلينا السلام . فإن التحقيق الوارد فيها إنما هو تحقيق إداري لا يحقق أمر النقل ، فضلاً عن الإحالة إلى المعاش .

أنت ، يا معالي الوزير ، الذي أردت أن تؤثر في سمعة الفضاء. ولا شك في أنك أول ما سمعت تصريح معالي وزير الصحة وقتئذ ندبت هذا القاضي رئيس محكمة مصر إلى محكمة المنيا . وهذا الإجراء لا شك إجراء تأديبي .

الرئيس هذا كلام في موضوع الاستجواب ، وسبق أن قلته ، وأنت الآن تكرره . ونحن اليوم نقصر كلامنا على موضوع سرية الأوراق المودعة .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - إني أتكلم عن السرية .

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - يجب حصر الكلام في موضوع السرية ، فلا يجوز الكلام عن الانتداب أو النقل أو الإحالة إلى المعاش .

الرئيس - نعم يجب حصر الكلام في موضوع السرية .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - الأسباب التي ذكرت في التقارير التي قدمت تشرف القاضي ولا تحط من قدره . ويجب أن نبحثها على مسمع ومرأى من الجميع حتى تعرف الأمة إذا كانت هذه التصرفات صدرت عن شهوة حزبية أو عن مصلحة عامة .

وأظن أن التلكؤ في عرض هذه الأوراق على المجلس بحجة أنها تحوي مسائل سرية ، إنما الغرض منه الهروب ، لأننا نريد أن نعرف إذا كانت هذه التصرفات حزبية أم لا . وإذا ثبت أنها غير حزبية فإني أتنازل عن استجوابي وأقدم الترضية الواجبة .

وإني أريد أن أبين لحضراتكم أن التقارير مكتوبة في تواريخ متقاربة : فبعضها في ٣ فبراير ، وبعضها في ٥ أو ٦ فبراير ، أي أن كل قاض يدخل الوزارة يكلف بأن يكتب كلمتين عن أحمد فهمي بك إبراهيم ؛ وهذه الكتابات هي التي قدمت لحضراتكم ويفهم منها

(ضجة)

الرئيس - وماذا يريد حضرة الشيخ المحترم من هذا ؟

حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا (وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة) - أريد أن أستفسر عن كلمة جاءت على لسان حضرة الشيخ المحترم المستجوب ، هل هو يريد أن يقول إن معالي وزير الحقانية يطلب من القاضي أن يكتب تقارير بما يريد منه ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي - لا أقصد هذا ، ولم أقصده . وكل ما أقصده أن هذه التقارير كتبت في تواريخ متقاربة .

الرئيس - هذا الكلام قيل قبل اليوم . ونحن الآن بصدد مسألة السرية فقط ، ولا يجوز التكلم فيما عدا هذا .

وقد تقدم اقتراح من حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف الجندي ؛ وإذا أراد أن يشرحه حضرته فليتفضل .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - حضرات الشيوخ المحترمين :

تشعبت المسائل علينا ، فأصبح لزاماً علينا أن نحصرها في الدائرة التي يجب أن تحصر فيها المناقشة .

حضرة المستجوب نسب إلى معالي وزير الحقانية في الجلسة الماضية تصرفات بشأن نقل قاضي محكمة السنبلاوين ، وبشأن إحالة رئيس محكمة مصر السابق إلى المعاش ، وبشأن قاضي محكمة عابدين. وقال إن هذه التصرفات فيها هدم لاستقلال القضاء لأنها لم تصدر عن مصلحة عامة ، وإنما صدرت عن غير ذلك .

فرد معالي وزير الحقانية في تلك الجلسة بأن قال : إنى لا أستطيع أن أعرض عليكم هذه التصرفات ، لأن في عرضها عليكم قضاء ، للقاضي أو عليه . ويرى - في نظره - بأن هذا القضاء ، للقاضي أو عليه ، ليس من اختصاص المجالس النيابية .

فرد على معاليه حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك بأن قال : إننا نريد أن نحكم على تصرفات وزير الحقانية لا على تصرفات القاضي ، وقال إن وزير الحقانية تصرف في شأن هذا القاضي تصرفاً هو كذا وكذا . وقال عقب هذا إن هذا التصرف مناف لاستقلال القضاء . وقال إن وزير الحقانية في دفاعه يريد أن يمنعكم من أن تنظروا فيما إذا كان تصرفه هذا منافياً حقيقة لاستقلال القضاء أو غير مناف .

وقال إن معنى كلام وزير الحقانية أن المسئولية الوزارية تكون منعدمة عن وزير الحقانية بشأن القضاة ؛ وهذا ما لا يجيزه الدستور

أليس كذلك يا وهيب بك ؟ ألم ألخص رأيك تلخيصاً دقيقاً ؟

حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك - نعم .

حضرة الشيخ المحترم يوسف أحمد الجندي - ظهر من المجلس في الجلسة الماضية بأنه لا يسلم مطلقاً بالمبادئ التي قال عنها معالي الوزير إنها دستورية ، والحال أنها غير دستورية .

ظهر أن المجلس لا يريد أن يسلم بأن تصرفات الوزير بشأن القضاة هي بمنجاة من مراقبة المجلس ، ولا يريد أن يقف مكتوف الأيدي أمام تصرفات معاليه إذا كان بعض الأعضاء يرى أن في هذه التصرفات ما يمس استقلال القضاء .

ظهر من المجلس أنه يرى أن استقلال القضاء في أمره مقدس ، ويجب أن يكون مصوناً ، وأن صيانته لا تتم ولا تتحقق إلا إذا كان لهذا المجلس الموقر والمجلس النواب الحق في أن يسأل ويستجوب وزير الحقانية في كل تصرف يرى فيه مساساً بشأن القضاء .

ولذلك لما طلبت من الرئيس أن يأذن لى بالكلمة قلت إن حضرة المستجوب ذكر وقائع معينة في تصرفات الوزير ، وإن معاليه لم يرد على هذه التصرفات ، بل استتر وراء مبادئ قال عنها إنها دستورية - وهي ليست بدستورية كما بين ذلك بحق حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك . وقلت بإزاء ذلك إن معالي الوزير تركنا في حالة غموض بينما نرى المستجوب يبين الوقائع واقعة واقعة بياناً واضحاً .

ترى معالي الوزير لا يرد على الوقائع بقليل أو كثير ، وإنما قال إني أمنعكم من أن تناقشوا الوقائع ، فقلت إن المجلس يستطيع أن يقول إنه يأسف على سكوت الوزير. وموقفه الغامض يحول له الحق في أن يقرر بأن ما نسب إليه على لسان المستجوب هو حق لا شائبة فيه .

ولكن المجلس لم يرد أن يخطو هذه الخطوة ، وأراد أن يتخذ قراراً مدعماً قائماً على أسس صحيحة . وهذا القرار لا يمكن اتخاذه إلا إذا كنا نعلم الحقائق فيما يتعلق بالأسباب التي دعت الوزير أن يندب رئيس محكمة مصر إلى رئاسة محكمة المنيا ثم يحيله بعد ذلك إلى المعاش ، وكذلك الأسباب التي دعته إلى أن ينقل قاضي محكمة السنبلاوين بعد أن حكم في قضية سياسية إلى محكمة الزقازيق ، ثم يندبه إلى محكمة العريش .

لذلك طلبت ورجوت أن يتفضل معالي الوزير بإيداع الأوراق الخاصة بهذه المسائل التي أثارها المستجوب ليطلع عليها حضرات الأعضاء ، وتكون محل مناقشة المجلس ؛ فإما أن يكون في صف المستجوب ، وإما أن ينضم إلى معالي الوزير .

لم يعترض معالي الوزير على إيداع الأوراق مطلقاً ، بل قال إنه مستعد لإيداعها .

أفهم لأول وهلة أنه مادام قد قبل معالي الوزير أن يودع هذه الأوراق في سكرتيرية المجلس ، فقد قدر كل التقدير أنه ليس فيها من السرية ما يمنع الأعضاء من الاطلاع عليها .

أفهم كل الفهم - بعد أن قلت بصريح العبارة إن هذه الأوراق تودع ليطلع عليها حضرات الأعضاء - أفهم من ذلك ان تكون هذه الأوراق محل مناقشة المجلس ؛ وقد كانت هذه الأوراق تحت يد الوزير .

قبل معالي الوزير إيداعها لتكون أساساً للمناقشة ؛ ومعاليه لم ير خيراً في أن تكون محل مناقشة بالمجلس .

وأنا لا أفهم ، يا حضرات الأعضاء . حتى بدون كل هذا الشرح - أن إبداع الأوراق في المجلس إنما هو لتبقى سرية فيه ، أو ليطلع عليها عضو أو عضوان أو أكثر ثم يكتمون أمرها في نفوسهم سراً عن سائر الأعضاء .

إذن فات معالي وزير الحقانية أن إيداعها مفهوم منه أنها تكون محل مناقشة ، وفاته أن مقتضى هذا أن يطلع عليها جميع الأعضاء ليعرفوا الأسباب التي ارتكن عليها معالي الوزير في تصرفه الذي تصرفه ، والتي بناء عليها قرر ندب قاضي السنبلاوين إلى العريش والتي بناء عليها طلب من مجلس الوزراء إحالة أحمد فهمي إبراهيم بك إلى المعاش .

فإذا منعنا من الاطلاع ، وجئنا بعد هذا للمجلس وقلنا إن هذه الإحالة وذاك الندب إنما وقعا بناء على هوى سياسي ، ألا يكون لنا حق في هذا القول ، وإن هذا النقل وهذه الإحالة لم يراع فيهما المصلحة العامة ، وإنهما صدرا عن هوى سياسي ؟

نقول هذا ، ونقول الأسباب التي تدعونا لهذا القول .

ولقد توقعت أن يعترض بعضهم على هذا القول فأعددت مذكرة في بحث دستوري .

وأحدث ما وصلت إليه أن مجلس النواب الفرنسي أصدر في ٣ أبريل سنة ١٩١٤ قراراً (يستنكر فيه تدخل السياسة في شؤون ولاية القضاء ، ويعلن عزمه على السهر بالوسائل الأكثر حزماً على ما فيه ضمان استقلال السلطات عن بعضها » . وهذا دليل آخر على أن البرلمانات ترى أنه من اختصاصها السهر على استقامة نظام القضاء .

الحقيقة ، ياصاحب الدولة ، هي أن هذه المسألة. يجب أن يكون مفروغ منها في نظرك ونظر الوزراء ونظر الجميع ، لأنه من المسلم -به أن الأعضاء البرلمان - إذا ما لاحظوا في تصرفات وزير الحقانية ما يمس استقلال القضاء - أن يسألوه عن هذه التصرفات ، ويبحثوا فيما إذا كان تصرفه على حق أو على غير حق .

عندما تتكلم عن القضاة يقول لنا معالي وزير الحقانية لا تتدخلوا في استقلال القضاء . فهل يتنافى مع استقلال القضاء إذا تصرف معالي وزير الحقانية مع قاض تصرفاً معيناً أن تقول إن وزير الحقانية لم يصدر في تصرفه هذا عن مصلحة عامة ، وإنما صدر عن سبب سياسي ؟ أليس لنا حق في أن تقول لمعالي الوزير إنك أخطأت فى نديه لسبب سياسي ؟ لاشك أن هذا من حقنا ، وأنه ليحسن أن ننتهي من هذه المسألة ودولة رئيس الوزراء بالنيابة يؤيدني في ذلك

حضرة صاحب المعالي أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - إن حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء بالنيابة لا يوافق على ذلك .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - مهما كان الأمر فإني أستند في هذا إلى الدستور والتقاليد ؛ ولا يصح مطلقاً أن يقول أحد منكم إنه ليس لمجلسي البرلمان أن يحاسبا وزير الحقانية على تصرفاته بشأن القضاة ، لأن في هذا القول فراراً من المسئولية الوزارية ؛ وفيه هدم لحق البرلمان في الرقابة على شيء هو أعز ما يملكه .

حضرة صاحب المعالى أحمد محمد خشبة باشا ( وزير الحقانية ) - لم أقل ذلك .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - إن أكبر موئل تتجه إليه أنظار الناس جميعاً هو القضاء ، وهم يحرصون على أن يكون حراً مستقلاً . فإذا ما لاحظ نائب أو شيخ أن فى تصرفات وزير الحقانية - بعضها أو كلها - ما يمس استقلال القضاء فمن حقه أن يسأله ويستجوبه ويحاسبه على هذه التصرفات . من حق النائب أو الشيخ أن يقول إن كان وزير الحقانية في تصرفه على حق أو على غير حق .

(تصفيق من اليسار ) .

وإذا قلتم غير ذلك ، فإنكم تهدرون حقاً مقدساً لكم .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ عباس الجمل - هذا الكلام ليس في الموضوع .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - لم يحملني على هذا القول إلا تصميم معالي وزير الحقانية على أقواله التي صرح بها في الجلسة الماضية ، ودحضها حضرة زميلي الشيخ المحترم الأستاذ وهيب دوس بك .

بقيت بعد بعد ذلك مسألة أخرى وهي قولهم إن هذه الأوراق سرية وإنه يحسن أن تكون المناقشة فيها في جلسة سرية

لم أفهم من معالي وزير الحقانية أنه يريد أن يقول ذلك . ومع كل فكان واجب معاليه أن يصارح المجلس بذلك قبل إبداعه هذه التحقيقات سكرتيرية المجلس . فإذا كان الغرض من إحالة الأوراق إلى لجنة الحقانية أن تبحث فيما إذا كانت الأوراق سرية أو تجوز مناقشتها في جلسة علنية فإني أوفر عليكم ذلك وأقول إنه لا مانع من أن يقرر المجلس أو وزير الحقانية نظرها في جلسة سرية .

وإني أصرح لحضراتكم كما صرح زميلي حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي بأنه ليس في هذه الأوراق سرية ولكن سعادة محمد نجيب الغرابلي باشا والأستاذ عباس الجمل يقولان إنها سرية . ولا أريد أن نضيع الوقت في ذلك . فإذا رأى بعض حضرات الشيوخ أنها سرية فلا مانع من أن تنظر في جلسة سرية ، وأن تكون المناقشة فيها بكامل حريتنا . والجلسة السرية تكون بناء على طلب الحكومة أو عشرة من حضرات الأعضاء .

حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا (وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة) حضرات الشيوخ المحترمين : لا أريد أن أطرح مسألة فصل السلطات ، وإنما أريد أن أدخل في الموضوع مباشرة لأني أرى مناقشاتنا مع الأسف تتناولها الحدة من غير ما موجب .

ذكر حضرة الشيخ المحترم وهيب دوس بك - كما سمعت الآن ، ولم أحضر هذه المناقشة في الجلسة الماضية – أنكم تريدون أن تحكموا على تصرف معالي وزير الحقانية دون تصرف القاضي ؛ وهذا تناقض لا أفهمه ولا أقبله .

كيف يمكن الحكم على تصرف الوزير إذا لم تنظروا فيما نسب إلى القاضي وكانت نتيجته هذا الحكم دون النظر في تصرف القاضي ؟ هذا أمر لا يتفق مع البداهة ، ولا مع العقل ، ولا مع العدل ، ولا مع أي شيء .

نحن لا نعارض ولا يمكن أن نعارض في أن تطلعوا على الأوراق التي أودعناها سكرتيرية المجلس ، وهي التحقيقات التي حصلت فيما نسب إلى رئيس محكمة مصر وبعض القضاة ، وترتب عليها تصرف معالي وزير الحقانية ؛ وإنما ترى فى المناقشة فيها علناً امتهاناً لحرمة القضاء لأن فيها ما يمس القضاة ، ولولا ذلك لما اتخذ معالي وزير الحقانية ما اتخذه من تصرف حازم .

أنتم تريدون أن تنظروا فيما إذا كان هذا التصرف في محله . لقد قلنا ليس لدينا مانع من أن نضع تحت تصرفكم هذه التحقيقات

وقد أودعناها سكرتيرية المجلس فعلا لتكون تحت تصرف اللجنة

حضرة الشيخ المحترم عبد الستار الباسل بك - لم تشكل لجنة بعد .

حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا ( وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة ) قلت إني لم أحضر تلك الجلسة .. وإنما أريد أن أقول إنكم إذا أحلتم المسألة إلى لجنة الحقانية - وهي حائزة لثقتكم ، لأنكم أنتم الذين انتخبتموها ، فهي مستمدة سلطتها منكم - أمكنها بعد الاطلاع أن تكون لها رأياً في الموضوع تعرضه عليكم . فإذا اقتنعتم فيها ، وإلا كان لكم أن تطلعوا على التحقيقات في سكرتيرية المجلس أو في المكتب ، حتى إذا اكتفيتم بما جاء فيها واقتنعتم بصواب ما اتخذه الوزير من قرار حمدنا الله على ذلك . أما إذا رأيتم ضرورة المناقشة في الجلسة بهيئتكم فنرى أن تكون المناقشة في جلسة سرية حرصاً على كرامة القضاء من أن تمس ، ويكون لكل منا إذ ذاك أن يبدي رأيه في الموضوع .

( تصفيق من اليسار ) .

فلم الغضب وهذه الحدة ، وليس في الأمر ما يستوجبهما ؟

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - ليس الغضب من جانبنا .

حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا ( وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة ) - وأظن أن هذا ما كان يريده حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - إن كل الآراء التي أبداها حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء بالنيابة هي التي كنا ندافع عنها ونطلبها .

حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا ( وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة ) - إذن اتفقنا والحمد لله .

( تصفيق من اليسار ) .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - سيان عندنا أحيلت هذه التحقيقات إلى لجنة الحقانية أو إلى لجنة خاصة .

حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا ( وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة ) - الأمر متروك لحضراتكم . 

الرئيس - تقدم اقتراح (۱) من بعض حضرات الشيوخ المحترمين بإحالة المسائل التي أثيرت في استجواب حضرة الأستاذ حسين محمد الجندي إلى لجنة تحقيق طبقاً للمادة ۱۰۸ من الدستور .

------------------

(۱) نص الاقتراح :

أقترح أن تحال المسائل التي أثيرت في استجواب حضرة الأستاذ حسين محمد الجندى إلى لجنة تحقيق طبقاً للمادة ١٠٨ من الدستور ، وأن تكون مشكلة من حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة :

(۱) محمد توفيق رفعت باشا .

(۲) على كمال حبيشه بك ..

(۳) الأستاذ يوسف أحمد الجندى .

(٤) كامل إبراهيم بك .

(5) إبراهيم الهلباوى بك .

(٦) عبد الرزاق القاضي بك .

(۷) أنطون الجميل بك .

محمود فهمي ، حسين الجندي ، محمد على سليمان ،

صلاح الدين الشواربي ، سعد مكرم »


حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا ( وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة ) - الحكومة لا توافق على لجنة تحقيق ، بل تحال على لجنة تنظر فيها .

الرئيس - تقدم تعديل (۱) لهذا الاقتراح من حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي بتشكيل لجنة خاصة لتنظر في المسائل التي جاءت في استجواب حضرة الشيخ المحترم الأستاذ حسين محمد الجندي ، وفي التحقيقات والأوراق المودعة بسكرتيرية المجلس من وزارة الحقانية ، ولها أن تسمع بيانات معالي وزير الحقانية والمستجوب في ذلك وتقدم تقريرها للمجلس .

حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا ( وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة ) - الحكومة توافق على هذا الاقتراح .

الرئيس - هل توافقون حضراتكم على التعديل الذي يقترحه حضرة الزميل المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي ؟

( موافقة ) .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ عباس الجمل - يا سعادة الرئيس : إن الاقتراح الذي طرحته سعادتكم على المجلس في أول الجلسة .

وهو إحالة أوراق التحقيقات إلى لجنة الحقانية .

الرئيس - رئيس المجلس لا يطرح اقتراحاً ، وإنما عرضت فكرة كانت محل تعديل باقتراح قدمه حضرة الزميل الأستاذ حسين محمد الجندي وآخرين ؛ وقد وافق عليه المجلس معدلاً وانتهت المسألة .

حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك - أخشى أن يكون هذا مبدأ تحقيق .

الرئيس - لقد وافقت الحكومة على الاقتراح ولست نائباً عنها .

والآن ننتقل إلى الشق الثاني من الاقتراح الخاص بتشكيل اللجنة ، فقد اقترح حضرات مقدمي الاقتراح أن تشكل من حضرات الشيوخ المحترمين : محمد توفيق رفعت باشا ، على كمال حبيشه بك ، الأستاذ يوسف أحمد الجندي ، كامل إبراهيم بك ، إبراهيم الهلباوي بك ، عبد الرزاق القاضي بك ، أنطون الجميل بك .

فهل توافقون حضراتكم على ذلك ؟

( موافقة ) .

حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك - أرى ألا يكون المستجوب من بين أعضاء اللجنة .

حضرة الشيخ المحترم الأستاذ يوسف أحمد الجندي - أنا لست المستجوب .

الرئيس لقد وافق المجلس على تشكيل اللجنة وانتهى الكلام في هذا الموضوع .

حضرة الشيخ المحترم أحمد رمزي بك - أرجو أن يفسح سعادة الرئيس صدره لمؤيدي الحكومة ، كما يفسح صدره للفريق الآخر ؛ وأطلب إثبات هذه الكلمة في المضبطة .

الرئيس - لم تعط لحضرتك الكلمة . وعندما تعرض مسألة جديدة فلحضرتك أن تطلب الكلام فيها .

في 8 أغسطس سنة ١٩٣٨ ) .

---------------------

(۱) نص التعديل :

" إلى لجنة خاصة لتنظر في المسائل التي جاءت في استجواب الأستاذ حسين محمد الجندي ، وفي التحقيقات والأوراق المودعة بسكرتيرية المجلس من وزارة الحقانية . ولها أن تسمع بيانات معالي وزير الحقانية والمستجوب في ذلك وتقدم تقريرها للمجلس ؟

يوسف أحمد الجندي .

( وهذه اللجنة لم تقدم تقريرها بعد ) .

-------------------------

ليس للنائب أن يتكلم في حكم بالذات . أما إذا كان كلامه انتقاداً لنظام يرى أنه غير عادل ، أو لإجراءات تتكرر في بعض الجهات ؛ فله هذا الحق ؛ لأنه لا ينتقد حكما ، وإنما ينتقد نظام القضاء ؛ إذ نقد نظام القضاء من حق البرلمان .

حضرة النائب المحترم محمود محمد الألفي بك - تكلم حضرة الزميل المحترم عن القضاء باعتباره محامياً ؛ وأنا أتكلم عنه كشاهد عيان . وإن كان حضرته قصد إلى القضاة رأساً فإني أقصد إلى من هم قبلهم من موظفي المحاكم وهم طائفة المحضرين .

يقولون إننا مستقلون ، فلماذا لا يستوي موظفو المحاكم الأهلية والمحاكم المختلطة ؟ فها نحن نرى مع الأسف أن المحضر الأهلي يذهب إلى تأدية عمله على حمار ، بينما زميله المحضر المختلط يذهب راكباً سيارة ؛ ويتقاضى الأول خمسة جنيهات شهرياً ، بينما يتقاضى الثاني ثلاثين جنيها . فلماذا هذه الزيادة ، مع أن كلا الاثنين يسلم ورقة ؟ وهل المحضر المختلط سيفصل في القضايا حتى نقول بوجوب زيادة مرتبه ؟

وأكثر مما سبق أن محضري المحاكم المختلطة أجانب لا يعرفون اللغة العربية ، مع أننا في زمن نطالب فيه بأن تكون اللغة العربية لغة الأحكام ولغة المرافعة . فلماذا لا يستبدل بهؤلاء الأجانب مصريون من حملة الليسانس الذين يمنحون ١٥ جنيها مرتباً شهرياً مع أن أولئك المحضرين الأجانب يتقاضون ٢٠ أو ٣٠ جنيها ؟

أنتقل إلى قاضي المخالفات ، فأقول إنه كانت هناك مخالفات قبل صدور قانون المخدرات الحالي - تقيد ضد شاربي الحشيش ، فكانوا يجمعونهم ويربطونهم بالحبال ، وبدخلونهم صفا واحداً أمام القاضي ، فيحكم عليهم جملة بغرامة ١٠١ قرش والمصاريف على كل واحد منهم . فمن العجب أن نرى هذه الحالة لا تزال تمثل في مخالفات السيارات ، بحيث يساق إلى القاضي ١٠ أو ١٥ سائق سيارة ، فيدخلون جميعاً لا يسألون عن أسمائهم أو صناعاتهم أو شهودهم أو جرائمهم التي هم متهمون فيها .

(ضجة ) .

حضرة النائب المحترم الأستاذ محمود سليمان غنام - لا يحدث هذا . ونحن المحامين تقرر أننا لم نر مثل هذا المنظر .

حضرة النائب المحترم محمود محمد الألفي بك - أؤكد هذا . وحدث أن حضرة المفتش البيطري بمديرية الشرقية دخل ضمن صف من المخالفين ليقول إن السيارة ليست ملكه ، ولكن القاضي فاجأه بالحكم عليه مع الآخرين . ولما تظلم لديه قال القاضي : حكمت وقضي الأمر .

حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية - ليس لنا الحق أن تتكلم عن مثل هذه الحوادث لأن في هذا افتياتا على سلطة لا تملكون التعرض لها بخير أو بشر .

حضرة النائب المحترم الأستاذ محمود سليمان غنام - لا بأس في أن نعرض لها بالخير !

حضرة النائب المحترم محمود محمد الألفي بك - ينظر القاضي الجزئي في اليوم الواحد ۱۲۰ قضية

( ضجة ) .

حضرة النائب المحترم الأستاذ عبد المجيد نافع - إذا أراد النائب أن يدلل على أن القاضي مرهق في أعماله ، فله هذا الحق ، وأنا سأتكلم في هذا الموضوع .

حضرة النائب المحترم محمود محمد الألفي بك - جئنا هنا لنقول ما نشكو منه . فإما أن تسمعوه ، وإما سكتنا لا نتكلم . 

الرئيس - ليس لحضرة النائب أن يتكلم في حكم بالذات ، أما إذا كان كلامه انتقاداً لنظام يرى أنه غير عادل ، أو لإجراءات تتكرر في بعض الجهات ، فله هذا الحق ؛ لأنه لا ينتقد حكماً ، وإنما ينتقد نظام القضاء ؛ ونقد نظام القضاء من حق البرلمان .

( تصفيق ) .

حضرة صاحب المعالي وزير الحقانية - إن حضرة النائب المحترم يتكلم عن طريقة تأدية القاضي لوظيفته ، فهو يقول إنه يجمع ١٠ أو ١٥ شخصاً ، ويصفهم أمامه ، ثم يحكم فيهم مرة واحدة ، دون تفرقة بين جرائمهم . والكلام على هذا الوجه ليس نقداً لنظام القضاء ، ولكنه نقد لطريقة الحكم . ويدل على أن هذه هي وجهة نظر حضرته قوله إنهم يأخذونهم جملة بغير تحقيق ، ويدخلونهم على القاضي صفاً واحداً ؛ وهذا هو الذي لمته عليه . أما الأنظمة فله أن يتكلم فيها ما يشاء ، وإنى أقبل بكل سرور كل انتقاد يوجه إلي ، ولكني أرجو ألا يجاوزني الانتقاد إلى القاضي وهو يقوم بوظيفته .

( تصفيق ) .

حضرة النائب المحترم محمود محمد الألفي بك - يصدر القاضي الجزئي في المراكز أحكاما في ستين أو ثمانين قضية في اليوم الواحد ، وكثير من القضاة الجزئيين يسكنون مصر ، فلا يصلون إلى محاكمهم إلا حوالى الساعة التاسعة أو التاسعة والنصف صباحاً ، فكيف يتسنى لهم أن ينظروا قضاياهم ويصدروا فيها أحكاماً تطمئن لها القلوب إذا كان القطار الذي سيعودون فيه يقوم الساعة ١١ أو الساعة ١۲ ظهراً ؟ فلماذا لا يسكنون عواصم البلاد، وفيها المأمور ووكيل النيابة والمهندس وسواهم ؟ ولماذا لا يكون القاضي مثلهم ؟

أرجو من معالي الوزير أن يقرر هذا النظام ، كما فعل حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمي باشا عندما كان وزيراً للحقانية . أنتقل إلى قاضي التحضير الذي يجب أن يطلق عليه اسم قاضي ( التعطيل » ، لأنه لا ميزة له إلا إطالة إجراءات القضية لمصلحة المدعى عليه . وكثيراً ما يدخل عليه ذو الشأن وبيده مستند يريد إيداعه ، فيقول له : أجلت شهرين لضم المستندات . وهكذا تأخذ كل قضية عاماً على الأقل من كثرة التحضيرات .

حضرة صاحب المعالي وزير المالية - قانون التحضير ليس في الميزانية .

حضرة النائب المحترم محمود محمد الألفي بك - هي ملاحظات أبديتها في هذه الفرصة ؛ ويجب أن يدلي كل نائب بما يلاحظه .

كذلك قاضي الإحالة ليس له من عمل إلا التعطيل .

الرئيس - هذه مسائل فنية تحتاج لدراسة .

حضرة النائب المحترم محمود محمد الألفي بك - وهو كذلك .

في ١٩ يوليه سنة ۱۹۳۸ ) .

-------------------