عودة إلى صفحة الأعمال التحضيرية لدستور 1923 👈 (هنا)
مضبطة وضع الدستور / ج 3 ص 3676
ملحق رقم 1 للجنة الثلاثين
تقرير مرفوع من لجنة الدستور
تمهید
ندبت اللجنة المعاونة الحكومة في إعداد مشروع دستور طبقاً لمبادئ القانون العام الحديث يقرر فيه مبدأ المسئولية الوزارية ليكون بذلك للهيئة النيابية حق الإشراف على العمل السياسي المقبل .
وغني عن البيان أن النظام الدستوري نظام مستحدث لا يتجاوز عهده في أغلب البلاد قرناً ونصفاً أطلعته على الناس سلطة الأمة منذ بدأت تستشعر الأمم والجماعات معنى الوجود وتتذوق طعم الحكم ، وأنه على العموم في تطور مستمر يتبع حركة الحياة العامة وتحول الحاجات والنظم الاجتماعية ، ولا تزال تجد فيه أحكام وتستحدث له صور . وله في كل أمة حياة خاصة متصلة بتاريخها وتقاليدها وعاداتها ومزاج أهلها . غير أنه له مع ذلك صورة عامة ترتكز على الطبيعة الإنسانية وعلى صورة المدنية الحالية في اتجاهاتها الأساسية وعلى التجارب التي مرت بها الإنسانية في طرائق حكمها المختلفة. وهو من هذه الناحية ، ومهما يكن من العيوب التي يرمى بها ، خير نظام أخرج للناس وأصلحه لإسعادهم والقيام على مصالحهم وتأدية مرافقهم . لذلك جاز فيه التقارض والتقليد بعد أن يجرد من الملابسات الخاصة بالبلاد التي يؤخذ عنها ، ويكمل بالملابسات الخاصة بالبلاد التي يؤخذ لها .
وقد خلقت الحياة الدستورية في مختلف البلاد نظام الأحزاب السياسية وأنشأت فيها جواً من الفكر خاصاً وبعثت في كل منها رأياً عاماً واضح الميول . وتلازمت هذه الصور المختلفة هي والدستور يقوى بها ويتطور في ظلها حتى ما يظن به غنى عنها أو إمكان الانفصال منها ، وهى مع ذلك لم تعد أن تكون من أسباب الكمال فيه ودواعي القوة له ، وقد نشأ بدونها ، وكذلك يجوز أن ينشأ وهو بعد كفيل بأن يحدث لنفسه كل ما قد يحتاج له إذا كان من ورائه أمة حريصة عليه .
وإنه وإن لم تكن تقاليدنا في هذا الباب مما يحكى التقاليد الأوربية وكانت حياتنا العامة لا تقاس في كثير من وجوهها بما بلغته الحياة العامة في أوربا ، إلا أنه من الممكن أن ترصد الحياة الدستورية في أوربا في تطورها الطويل وتجددها المستمر لتضبط فيها النقط التي تصلح أساساً تبنى عليه . وهذا ما فعلته اللجنة فإنها استعرضت الدساتير قديمها وحديثها وهي تقع على مدى أكثر من قرن ونصف كما سبق القول - إذا استثنينا منها الدستور الإنجليزي - واتخذت موقفاً تحرت فيه بقدر المستطاع أن تحكم التوازن بين السلطات المختلفة وأن تثبت التقاليد الدستورية التي دل العمل على صلاحها وأن تجعل لتقاليدنا وعاداتنا وحالة الحياة العامة عندنا الحظ الموفور من تكييف القواعد المأخوذة عن الدساتير الأجنبية ، وهى تعتقد أنها هيأت للحياة السياسية في البلاد ثوباً لا هو بالواسع الفضفاض فتضطرب فيه ولا هو بالضيق فتضجر منه . وطريق التنقيح بعد ذلك حاضر يؤاتى الأمة كلما أحست الحاجة إلى تقريب الدستور من تطوراتها .
وقد رأت اللجنة لضبط عملها وإجرائه على خير الطرق وأبعدها عن الارتباك أن تؤلف بادئ الأمر لجنة فرعية لوضع المبادئ العامة لا يعنى فيها بصيغة أو تحرير وإنما يعنى بحد الحدود الكبرى لهذا المجهود السياسي الخطير . فلما فرغت من ذلك قدمت ما انتهى إليه رأيها مع تقرير عنه إلى اللجنة العامة للنظر فيه . وقد أرادت أن تعرض عملها للنقد العام فنشرت تلك المبادئ والتقرير . واجتمعت اللجنة العامة ، فمحصت ذلك العمل ودفعت به إلى لجنة لتحريره ثم راجعته محرراً بقدر ما تهيأ لها من العناية . والمشروع مقدم مع هذا التقرير .
وإذا كان إعداد ذلك المشروع اقتضى زهاء ستة أشهر مع توفر أعضاء اللجنة على الاشتغال فيه عامة الأسبوع إلا مدة شهر ونصف قررت اللجنة تعطيل العمل فيها للاستراحة ، فذلك لأن اللجنة رأت أن تكون المناقشة في أحكامه على أوسع ما يكون حتى لقد كانت المسألة الواحدة يؤخذ فيها الرأى مرة وثانية وثالثة . وليس الزمن الذي قضته اللجنة ليقاس بما يقضى عادة في تحضير الدساتير فقد تقضى فيه السنة والسنتان . ثم إن اللجنة مع ذلك لم تقتصر على إعداد مشروع الدستور بل أعدت مشروع قانون انتخاب بعد أن ضمنت الدستور نفسه قواعده الكلية .
وهذا التقرير الذي ترفعه اللجنة اليوم لم يقصد .. أن يكون شرحاً لأحكام الدستور وإنما أريد به أن يلم إلماماً بكليات الدستور وروحه والمنزع الذي صدرت عنه اللجنة فيما شرعت من تلك الأحكام .
وليست اللجنة في حاجة إلى الإشارة إلى أن المسئولية الوزارية التي طلب إليها أن تبنى الدستور على أساسها روعيت كل المراعاة فوفرت كل المظاهر اللازمة لها ورتب لها كل ما يناسب من الأحكام ويجعلها مناط الحكم وضابط الدستور .
مشروع الدستور
كما وضعته لجنة الثلاثين
الباب الأول
في الدولة المصرية ونظام الحكم فيها
مصر دولة سيدة حرة مستقلة ملكها لا يجزأ ولا ينزل عن شيء منه ، وحكومتها ملكية وراثية نيابية . (مادة ١)
تجمع هذه المادة معانى ثلاثة : (الأول) وصف الدولة من حيث مركزها الدولي . و(الثاني) تأكيد وحدتها وبقائها . و (الثالث) نظام الحكم فيها .
ولم يتناول هذه المعاني الثلاثة إلا الدستور النرويجي ، وهو مع ذلك قد أغفل النص على السيادة استغناء بذكر آثارها من حرية واستقلال وغيرها .
واجتزأت بعض الدساتير بالإشارة إلى نظام الحكم وحده كالدستور البرتغالي والدانيمركي .
وإذا كانت جمهرة الدساتير لم تتعرض لذكر المعنى الأول ، فلأن موضوع الدستور هو بيان علاقات السلطات العامة بعضها ببعض وعلاقتها بالأفراد . أما ذلك المعنى فيعلو على هذا الجوهر ويتصل بالقانون الدولى ، إذ كان يقرر قيام الدولة وحدة بين الدول ، لها ما لسائرها من الشخصية والحقوق . غير أنه لما كان الدستور المصري معاصراً لكسب البلاد سيادتها واستقلالها وتقرير وجودها دولة قائمة بذاتها تملك أمرها ولا سيادة لأحد عليها ، رأت اللجنة ألا يخلو من صريح النص على هذه الصفة الدولية الجديدة أخذاً بمثال الدستور النرويجي .
أما المعنى الثاني فيقع في كثير من الدساتير ؛ ولكنه لما كانت نتيجة لازمة للسيادة ، رأت اللجنة أن تصله بالمعنى الأول وتصدر به هذا الدستور .
ثم رأت أن تجمع إلى المعنيين أساس نظام الحكم وأجملته في كلمات ثلاث ليس كل ما في الدستور إلا تفصيلا لها .
الباب الثاني
في حقوق المصريين وواجباتهم
تفرد أكثر الدساتير باباً لحقوق الأفراد وواجباتهم لا على الطريقة التي جرى عليها دستور فرنسا في سنة ١٧٩١ من إعلان حقوق الإنسان - تلك الطريقة التي أريد بها إشعار الناس العزة والكرامة وتبصيرهم بحقوقهم بعد إذ أنكرتها وعفت عليها حكومات الاستبداد السابقة - بل قصداً إلى أن يكون وضعاً قانونياً له حكم الدستور وعلوه على القوانين العادية . وقد أصبح ذلك سنة متبعة . وعلى أي حال فموضوع هذا الباب أساس للمدنية الحديثة تمكن حتى انقطع من دونه الجدل واضطراب الآراء ، وأصبح تقريره بين قواعد الدستور حتما لزاماً على الشارعين. وإذا كان الدستور الفرنسي الأخير لسنة ١٨٧٥ لم يأت بمثل ذلك الباب ، أو كان الدستور الإنجليزي خلوا منه ، فإن ذلك يرجع فيهما إلى أسباب عملية أو تاريخية لا يعنينا تقصيها وليس لها أثر عندنا .
وقد كان المصريون يتمتعون بهذه الحقوق تدعمها النظم السياسية التي كانت جارية في مصر ، وتنظم معظمها القوانين المصرية . غير أن تلك الحقوق لم تكن مجموعة في باب ظاهر منشور بين الناس ، لذلك رأت اللجنة أن تضع ذلك الباب درجاً على سنن الدساتير الأخرى وتحقيقاً للغرض الذي يلتمس منه وليكون قيداً للشارع المصري لا يتعداه فيما يسنه من الأحكام .
وقد جمع هذا الباب نوعين من الحقوق : الأول المساواة ، والثاني الحريات المختلفة . وقرن إلى ذلك بعض ما يرتبط بهما من الأحكام . أما المساواة (مادة ٣) فهي ملاك الحياة الاجتماعية الحديثة ، ومن الحق أن تكون أهم مطالب الدستور . والمقصود بها ألا يفرق القانون بين المصريين برغم اختلافهم في الميسرة والكفاءات ، فلا يحرم أحداً ولا طائفة من الناس شيئاً من الحقوق المدنية والسياسية ، ولا يقيل أحداً من الواجبات والتكاليف العامة ، أو يضعه في أي الأمرين موضعاً خاصاً بل يعتبر الجميع في ذلك بمنزلة سواء . وقد كانت المساواة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسة جارية في مصر من قبل إذ انقطعت فيها أسباب التفريق والتمييز من عهد بعيد . وأما الحريات فقد فصلها هذا الباب ، وهي الحرية الشخصية ، وحرمة المنزل ، وحرمة الملك ، وحرية الاعتقاد ، وحرية الرأي ، وهي الحريات الأساسية .
ويرتبط بالحرية الشخصية التي هي حرية الغدو والرواح ما وضعته المادتان الخامسة والسادسة من عدم جواز القبض على إنسان أو حبسه إلا وفق أحكام القانون ، ومن وجوب تحديد الجرائم والعقوبات بالقانون وعدم العقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون . وحرية السر في المكاتبات والمخاطبات التلغرافية والتليفونية نوع من حرية الملك . وحرية إقامة الشعائر تتمة الحرية الاعتقاد ، وقد روعي فيها تقاليد البلاد وهي تقاليد حرة من قديم الزمان .
ويتصل بحرية الرأي حرية الأفراد في استعمال اللغات الخاصة التي هي أداة نقل الآراء والأفكار كما يتصل بها حريات النشر التبعية الأخرى وهي حريات التعليم والصحافة والاجتماع والجمعيات وتختلف هذه الحريات الأربع عن سابقتها في أن أثرها ليس قاصراً على الفرد فإن بعضها يرمى إلى تأثير الفرد في غيره كالتعليم والصحافة والبعض الآخر يرمى إلى إحداث قوة جمعية قد لا تكون قليلة الأثر في الأعمال العامة كالاجتماع والجمعيات . لذلك كان جانب التنظيم في هذه الحريات أمراً مباحا لأنها ليست من الحريات الطبيعية للإنسان . ولما كانت تؤدى إلى الفوضى واضطراب الأمن والنظام وتفتيت السلطة إذا هي قامت على وجهها المطلق ، وكانت عندنا تكاد لا تستند إلى نظام ثابت فقد قررها الدستور مع الإشارة إلى شأن القوانين المنظمة لها .
فالتعليم حر ، وهو وإن كان كذلك الآن في مصر غير أنه يجب أن تتولى القوانين تنظيم شؤونه من حيث اشتراط الكفاءات الأخلاقية والعلمية في القائمين به ومن حيث اشتراط مقتضيات النظام والصحة في أماكنه وغير ذلك من وجوه المراقبة التي يتأكد معها الانتفاع به ، كما يجب أن تكون القوانين لا الأوامر الإدارية - كما هي الحال الآن - هي التي تنظم التعليم العام أي التعليم الذي تقوم به الحكومة في معاهدها ومدارسها .
وقد يقع في النفس أنه إذا كان التعليم حراً وجب أن يكون التعلم حراً كذلك ، بل قد تكون حرية التعلم فرعا من الحرية الشخصية . غير أن المصلحة العامة وضرر بقاء الجهل ، والخير الذي يرجى في حسن أداء الأعمال العامة من تعميم التعليم تقضي بالحد من الحرية الشخصية في هذا السبيل ويجعل التعليم الأولى إلزامياً ، كما تقضي بتسهيل وسائله وجعله مجانياً حتى لا يبهظ نشر التعليم أحداً ولا يكون لأحد عذر في الانصراف عنه
وأما الصحافة فليست من حيث ما يكتب فيها بأكثر من صورة من صور إبداء الرأي . وحرية إبداء الرأي مكفولة بالمادة ١٤ غير أنها صورة خاصة لدوريتها وانتشارها ، وقد بلغت في أوربا بحكم المدنية الحديثة وسهولة النقل شأوا بعيداً . وهي في بلادنا أكبر خطراً وأبلغ أثرا نظراً لعدم انتشار التعليم وقيامها مقام المعلم والهادي المرشد في الشؤون العامة .
وقد كان مما ينظم أمور الصحافة عندنا قانون المطبوعات وفيه إثبات حق الإدارة في إنذار الجرائد وتعطيلها ووقفها ، وإذ هي لم تكن من حيث ما يكتب فيها إلا صورة خاصة من إبداء الرأي كما تقدم رأت اللجنة التسوية بينها وبين صوره الأخرى في الحكم ، فلا يكون حسابها على ما يقع منها إلا بطريق القضاء وعلى حسب ما يضعه القانون من الحدود ، ولذلك حظرت إنذارها أو وقفها أو إلغاءها من أجل ما ينشر فيها بالطرق الإدارية ، كما حظرت الرقابة عليها وإن لم تكن الرقابة معروفة في قوانينا المصرية من قبل . وأما حرية الصحافة من حيث إصدارها فقد تركت اللجنة الأمر في هذا للقانون يقرر ما يرى فيه المصلحة العامة وهو المقصود بعبارة والصحافة حرة في حدود القانون » (مادة ١٥) .
بقيت حريتا الاجتماع وتكوين الجمعيات . وقد أطلق الدستور الحق في الاجتماعات الخاصة وترك تنظيم الاجتماعات العامة للقانون . كذلك عهد إلى القانون بتنظيم الحق في تكوين الجمعيات بعد أن قرر قيامه ، ولا تكاد تزيد الدساتير الأوربية في هاتين الحريتين أو في سابقتيهما على ما فعله مشروع الدستور المصري ، بل قلما يوجد في الدساتير ما يجعل التعليم الأولى إلزامياً مجانياً .
يكمل هذه الحقوق والحريات حق مخاطبة السلطات العامة . وقد جاء في الدستور حماية لتلك الحقوق إذ هو يمكن الأفراد والطوائف من لفت النظر إلى ما يقع عليها من الاعتداء كما يمكنها من الإفضاء برأيها في الشؤون العامة فهو بنوع ما إشراك للأهالي في توجيه أمور البلاد .
وهذا الحق قديم في التشريع المصري ، فقد قرره القانون النظامي سنة ۱۹۱۳ وقانون سنة ۱۸۸۳ من قبله . غير أن مشروع الدستور رتبه على الصورة التي أخذت بها الدساتير .
ومما يتصل بمعنى الحريات في هذا الباب حظر بعض العقوبات .
ذلك أن العقوبات توضع بقدر ما تقتضيه الضرورة أو المصلحة فما تجاوزهما يصبح قسوة لا مبرر لها وانتهاكا للحرية بغير مسوغ .
وباسم الحرية ألغيت من القوانين الجنائية مطلقاً عقوبتا الموت المدني والمصادرة العامة للأموال اللتان كانتا فاشيتين في القرن الثامن عشر . غير أن الموت المدني عفت آثاره ولم يفكر أحد في العودة إليه منذ ألغي ، لذلك لم يكن محل لذكره . واكتفى بذكر المصادرة العامة للأموال لأن قانون العقوبات لا يزال يقرر المصادرة كعقوبة وإن كانت لا ترد إلا على أشياء خاصة كمحل الجريمة أو كالآلات التي استعملت في ارتكابها .
كذلك حظر مشروع الدستور عقوبة الإبعاد .
على أن كثيراً من الأمم الأوربية تقرر النفي كعقوبة في قوانينها ، ولا ترى غضاضة في إبعاد الوطني الذي يخل بحقوق وطنه أو مواطنيه . ولكن لما كانت عقوبة النفي قد ألغيت في قانوننا الحالي وكانت مصر لا تملك مستعمرات تبعد المصريين إليها ، رأت اللجنة أن تستبقى النظام الحاضر وتستبعد هذه العقوبة .
وظاهر مما تقدم أن هذا الباب يقرر الحقوق الشخصية كير ما فعلته الدساتير . وتقريرها على هذه الصورة قيد للشارع ، على أنه قد أبيح له تنظيمها في حدود حريات الغير والمصلحة العامة دون أن ينقضها أو ينقص منها وإلا كان ذلك خروجاً على قواعد الدستور .
ومما يتصل بهذه الحقوق ما جرى البحث فيه في اللجنة في مسألتي حماية الأقليات والأجانب .
أما الأقليات فليس لعرفنا المصري بها عهد ، وليس بيننا طوائف أقلية مما تختلف عليه ألسنة الأوربيين ويمثل للذهن قيام البغضاء والشحناء بين أهل البلد الواحد . على أن تقرير المساواة كقاعدة تتسلط على الحقوق والواجبات كافة ، وعلى القبول في الوظائف العامة ، وعلى حريات الرأي والاعتقاد وإقامة الشعائر واستعمال اللغات في جميع الشؤون - كل أولئك فيه أقصى ما يطلب من الحماية والتأمين .
وأما الأجانب فالدستور وإن كان خاصاً بالمصريين إلا أنه مما لا ريب فيه أن لهم التمتع بالحريات الأساسية الواردة فيه طوعاً لقواعد القانون العام الحديث . على أن المشروع قد قرر ما للأجانب من الحقوق فأوجب لها الرعاية والاحترام كما هو صريح المادة ١٤٣ .
الجنسية
عقد هذا الباب لحقوق المصريين وواجباتهم فكان حقاً أن يعرف من هو المصري الذي يتمتع بهذه الحقوق وتفرض عليه تلك الواجبات ، وكذلك تفعل بعض الدساتير فتعرف الداخل في جنسية أهلها ، ولكن الغالب أن يترك تعريف الجنسية وبيان أحكامها من کسب وفقد وتغيير إلى قانون خاص . وفي مصر في هذا الصدد نظم مختلفة : فللانتخاب جنسية ، وللخدمة العسكرية أخرى ، وللوظائف ثالثة ، وكل هذه الجنسيات تستند إلى الجنسية العثمانية وإن كان لها محتوى خاص . ومصر اليوم أحوج ما تكون إلى قانون خاص يعرف جنسيتها المستقلة عما سواها ، وينسق نظامها ويوحد أحكامها . غير أن قانون الجنسية قد يمس من بعض الوجوه نظام الامتيازات لبعض الطوائف المتوطنة في مصر ، لذلك رأت اللجنة الاكتفاء بالإحالة إلى القانون الذي يوضع في هذا الصدد تاركة للحكومة الرأي في البت في وضعه أو الاجتزاء بالأحكام القائمة مؤقتاً .
الباب الثالث
في السلطات العامة
في هذا الباب بيان للسلطات العامة التي تقوم بأمر الحكم في البلاد وهي ثلاث :
السلطة التشريعية ويتولاها الملك بالاشتراك مع البرلمان ( مادة ٢٤).
السلطة التنفيذية ويتولاها الملك (مادة ٢٧) .
السلطة القضائية وتتولاها المحاكم (مادة ۲۸) .
وقد رأت اللجنة أن تنص صراحة على أن السلطات مصدرها الأمة (مادة ۲۳) . وأنه وإن كان هذا المعنى قد روعي في تصوير أحكام الدستور والتفريع عليها بحيث لا يمكن ردها إلى غيره إلا أن للنص الصريح فضلا في هذا الصدد فهو يجعل علة تلك الأحكام واضحة ومناط الحكم فيها مما لا يرد عليه الشك أو يقبل الجدل بحيث إذا جد شيء لم يوضع له حكم سهل توجيه الرأى فيه وتقرير الحكم له على أساس حاضر جلي ، وللمسألة وجهة خاصة في بلادنا الجدة الدستور فيها . على أن اللجنة غير مبتدعة فقد احتذت في التصريح بهذا النص مثال بلجيكا ورومانيا واليونان في دساتيرها تفضيلا لها على دساتير البلاد الأخرى التي أغفلت النص اعتماداً على أن هذا المعنى من البديهيات .
وظاهر مما تقدم ومن الأحكام التفصيلية الواردة في هذا الدستور أن اللجنة راعت قاعدة انفصال السلطات انفصالا يسمح بالتعاون بينها وبمراقبة بعضها بعضاً . على أن انفصال السلطات كان معهوداً من قبل في مصر ولكنه كان ظاهراً في السلطتين القضائية والتنفيذية فقط .
ويقوم إلى جانب السلطات العامة سلطات مجالس المديريات والمجالس البلدية وهي سلطات محلية صرفة .
والمنهج الذي سارت عليه اللجنة فيما تقدم مع ملاءمته حال البلاد يوافق القواعد المتخذة في الدساتير الحديثة لنظام السلطات . وقد فصلت أحكام تلك السلطات على الوجه الآتي :
الفصل الأول - الملك والوزراء
الفرع الأول - الملك
مادة ٢٩ الملك يلقب بملك مصر والسودان . وهذا اللقب يتفق مع الواقع من أن السودان جزء من المملكة المصرية .
مادة ٣٠ - عرش المملكة المصرية وراثي في أسرة محمد على . وتكون وراثة العرش وفق النظام المقرر بالأمر الكريم الصادر في ١٥ شعبان سنة ١٣٤٠ (١٣ أبريل سنة ۱۹۲۲) . ولازم هذا النص أن يأخذ هذا الأمر حكم الدستور ويصبح جزءاً منه ، بل لقد جعل من النصوص التي لا تنقض ولا تمس .
مادة ٣١ - الملك هو رئيس الدولة الأعلى وذاته مصونة لا تمس . وهذا من النصوص الواردة في جميع دساتير الممالك . وأثره رفع الملك عن متناول القوانين العادية من جهة ، وصونه عن أن يكون مسئولا عن شيء مما يحدث من الأعمال الحكومية من جهة أخرى .
مادة ٣٢ - الملك يصدق على القوانين ويصدرها .
مادة ٣٣ - إذا لم ير الملك التصديق على قانون رده إلى البرلمان في مدى شهر مشفوعاً بأسباب عدم التصديق لإعادة النظر فيه فإذا لم يرد القانون في هذا الميعاد عد ذلك تصديقاً من الملك عليه وصدر.
مادة ٣٤ - إذا رد القانون في الميعاد المتقدم وأقره البرلمان ثانية بموافقة ثلثي أعضاء كل من المجلسين أصدره الملك . فإن كانت الأغلبية أقل من الثلثين امتنع النظر فيه في دور الانعقاد نفسه . فإذا عاد البرلمان في دور انعقاد آخر إلى إقرار ذلك القانون بالأغلبية العادية للأعضاء الحاضرين ، صدر .
هذه المواد الثلاث متعلقة بحق الملك في التصديق على القوانين وإصدارها . وقد استدعى النظر في حق التصديق عناية خاصة وبحثاً طويلا في اللجنة فكان الأمر دائراً بين أن يحتمل الملك مسئولية التصديق ، وقد لا يكون يريدها ، وبين أن يرجع إلى رأى الأمة بحل مجلس النواب في حين أن عملية الحل وإعادة الانتخاب عملية خطيرة في حياة البلاد وذات أثر مباشر في كل السلطات . وفي كلا الأمرين حرج ، لذلك انتهى رأى اللجنة إلى أنه إذا اتفقت أغلبية ثلثى الأعضاء على إصدار القانون في المرة الثانية كان ذلك قرينة قيمة على أن الأمة ترضى القانون وكان مغنياً عن الحل وهو في الوقت نفسه يرفع عن الملك حين لا يكون يريد احتمال مسئولية القانون - الحرج الذي سبق الكلام عنه . فإذا لم تتوفر تلك الأغلبية وجب ألا ينفذ القانون لفوات دلالتها .
على أنه إذا عرض القانون مرة ثالثة وأقره المجلسان كان فى تكرر الموافقة ثلاث مرات - مع أن أعضاء المجلس لا بسوا ناخبيهم أو مع أنهم أعضاء مجلس جديد - قرينة كالقرينة السابقة وكان من هذا على أي حال غنى عن حل المجلس ورفع للحرج عن الملك .
وقد استعارت اللجنة بعض هذه الطريقة وهو اشتراط أغلبية الثلثين من قانون الولايات المتحدة غير أنها احتاجت لأن تعالج عندنا صورة ما إذا كانت تلك الأغلبية الخاصة لم تتوفر - نقول عندنا لأنه قد يكون في انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة لأجل معين ،
وفي إعادة انتخاب الهيئة النيابية كل سنتين علاج لتلك الصورة عندهم - وقد عالجتها اللجنة على الوجه الذي سبق بيانه .
وفي هذا العلاج كما تقدم تفاد من تنافر السلطات ، وتحقيق لنزعة التقاليد البرلمانية ، والتماس الوسيلة إلى التقليل من الالتجاء إلى الحلول الشديدة كحل مجلس النواب أو الإفراط في إسقاط الوزارات . وهو مع عدم مساسه بهذين الحقين يجعل الكلمة الأخيرة لممثلي الأمة في القوانين التي تطبق عليها .
مادة ٣٦ - للملك حق حل مجلس النواب .
حق الملك في حل مجلس النواب هو أحد سبل الموازنة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية . وهو حق أقرته دساتير الأمم ذات النظام البرلماني كافة لأنه الحق الضابط لهذا النظام وفيه كل التأييد السلطة الأمة . قد ينقطع لطول العهد أو لتغيير الحوادث ما بين الأمة وبين النواب فتقوم الحاجة إلى الرجوع إلى رأي الأمة في أمر معين . كما قد تقع مشادة بين الهيئة النيابية والهيئة التنفيذية تعرقل أداء المصالح العامة . وقد يقع خلاف بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ في أمر هام ولا تفلح وسائل التوفيق بينهما . وقد تنقسم الأحزاب في المجلس إلى فئات متعددة يتعذر معها قيام الأغلبية المتجانسة الثابتة التي لا يستغنى عنها لانتظام العمل . فهذه وغيرها مما لا يسهل تحديده أسباب تدعو إلى حل المجلس والرجوع إلى الأمة نفسها لتختار من النواب من ترى أنهم موضع ثقتها وأنهم أهل لإظهار رأيها الملائم لمصلحتها وبهم يتم انتظام الأعمال .
على أن ما في الحل من الشدة والخطورة مستدرك بحكم المادة ۸۲ التي توجب الإسراع التام في انتخاب المجلس الجديد وانعقاده ، إذ نص فيها على أن « الأمر الصادر بحل مجلس النواب يجب أن يشتمل على دعوة الناخبين لإجراء انتخابات جديدة في ميعاد لا يتجاوز شهرين وعلى تحديد ميعاد لاجتماع المجلس الجديد في العشرة الأيام التالية لتمام الانتخاب . . فوق ذلك فإن ما للملك من الحق في تأجيل انعقاد البرلمان ( مادة ۳۷) مفيد من بعض الوجوه في اتقاء حل المجلس إذ يتسنى للنواب في أثناء فترة التأجيل أن يرجعوا إلى ناخبيهم ويستلهموا رأيهم .
مادة ٤٤ - الملك يتولى سلطته بواسطة وزرائه .
هذا النص أساسي وهو مترتب على ارتفاع مسئولية الحكم عن الملك .
وما دامت الوزارة هي التي تباشر أمور الحكم فعلا وهي وحدها المسئولة عنها وجب أن تكون مستقلة في عملها .
على أن ذلك لا يمنع الملك من حضور جلسات مجلس الوزراء فقد يبدى من جليل النصح والإرشاد ما يفيد الوزارة فائدة كبرى .
الملك يعين وزراءه ويقيلهم . وهذا أمر قضى به إسناد السلطة التنفيذية للملك وتوليه إياها بواسطة وزرائه . والعرف الجاري أن الملك يختار رئيس الوزراء وهو يعرض أسماء الوزراء الذين يعاونونه في عمله على الملك ليقرها ويصدر أمره بالتعيين. وبهذا يصبح أمر الوزير معقوداً بقيام الوزارة لارتباط الوزراء جميعاً ومسئوليتهم متضامنين . فإذا عرض ما يدعو إلى إقالة أحدهم وجب بمقتضى التضامن أن يكون ذلك بواسطة رئيس الوزراء .
أما باقي أحكام هذا الباب فظاهرة لا تحتاج إلى تعليل ولا إلى تفصيل .
الفرع الثاني - الوزراء
نص المشروع على ألا يلي الوزارة إلا مصري (مادة ٥٤) .
وهذا تفريع على حكم المادة ٣ القاضي بألا يعهد بالوظائف العامة لغير المصريين. وفي التنصيص إشارة إلى أن الاستثناء الممكن وروده على ذلك الحكم عند الضرورة لا يجوز أن يتناول الوزراء لأهمية مناصبهم .
وقد حيل بين أفراد البيت المالك وبين الوزارة (مادة ٥٥) لأن تولي الحكم يقتضى تحمل مسئولية لا تتفق مع مركزهم وصلتهم بالعرش .
ولما كانت الوزارة هي الهيئة التي يتولى الملك سلطته الدستورية بواسطتها كان طبيعياً أن يكون مجلس الوزراء هو المهيمن على مصالح الدولة جميعاً (مادة ٥٣) وأن تكون الصلة بين الملك والوزراء رأساً وبالذات (مادة ٥٦) فذلك أدعى لإنجاز الأعمال على أكمل حال .
ولما كان الحكم يقتضي مسئولية وكان الملك غير مسئول لأنه لا يتولاه بالذات وجب أن يكون الوزراء الذين يتولونه بالفعل مسئولين عن السياسة العامة للدولة . وهم متضامنون في المسئولية لأنهم جميعاً شركاء في توجيه هذه السياسة . كما أن كلا منهم مسئول عن حسن سير الأعمال في وزارته (مادة ٥٨) .
وإذ كانت مسئولية الوزارة لدى الهيئة النيابية هي حجر الزاوية في نظام الحكم البرلماني وكانت مصر حديثة العهد بهذا النظام رأت اللجنة ألا تكتفى بما اكتفت به بعض الدساتير من مجرد النص على تلك المسئولية وترك آثارها تحددها التقاليد البرلمانية .
وأول قاعدة قررها المشروع في هذا الباب أخذاً بالعرف البرلماني في الممالك المختلفة أن الوزارة مسئولة لدى مجلس النواب دون مجلس الشيوخ ، وذلك لأن مجلس النواب هو الذي يحل إذا أريد الوقوف على رأي الأمة في مسألة من المسائل .
ويترتب على مسئولية الوزارة لدى مجلس النواب وجوب أن تكون حائزة لثقته لتستطيع أداء مهمتها والبقاء في مراكزها ووجوب تقديم استقالتها إذا هي فقدت تلك الثقة ( مادة ٦٢ ) .
وقد رأت اللجنة اتقاء للمباغتات أن المناقشة في استجواب لا تجرى إلا بعد ثمانية أيام على الأقل من يوم تقديمه وذلك لأن تلك المناقشة قد تختم في بعض الأحوال بالاقتراع على الثقة بالوزارة . على أن اللجنة استثنت من ذلك حالة الاستعجال والحالة التي يوافق فيها الوزير على الاستجواب قبل الميعاد ، ومثل هذا الاحتياط مأخوذ به في أكثر الأمم البرلمانية .
كذلك يترتب على مسؤولية الوزارة دون الملك أن توقيعات الملك في شؤون الدولة يجب لنفاذها أن يوقع عليها رئيس الوزراء والوزراء المختصون » وأن ( أوامر الملك شفهية كانت أو كتابية لا تخلى الوزراء وغيرهم من عمال الدولة بحال » (مادة ٥٧ - ٥٩) . وقد قررت الدساتير البرلمانية هاتين القاعدتين .
على أن المسئولية الوزارية قد تتعدى المسئولية السياسية البسيطة حين تبلغ تصرفات الوزراء عن إهمال أو قصد حد الجناية على البلاد. ولما كان أمر اتهام الوزراء ومحاكمتهم على ما يقع منهم من ذلك ذا صبغة سياسية فقد وجب ألا يخضع للقضاء العادي ، وأن تشكل هيئة خاصة لمحاكمتهم .
وقد لوحظ في تشكيل تلك الهيئة ألا تكون كلها من رجال السياسة كأعضاء المجالس اتقاء لغلبة النزعات الحزبية وتوفيراً للكفاءة الخاصة بصناعة القضاء . ولا أن تكون كلها مؤلفة من قضاة الحاجة التقدير في المسائل السياسية إلى مزاولة خاصة لا تتصل عادة بأعمال القضاة .
وقد نص في المشروع على أن أعضاء المجلس المخصوص من القضاة يؤخذون من بين أعضاء المحكمة الأهلية العليا . وذلك لتصدق هذه العبارة على أعضاء محكمة النقض والإبرام إذا وجدت في المستقبل ، وهي الآن مصروفة بالطبع إلى محكمة الاستئناف الأهلية . والمطلوب على أي حال أن الذين يشتركون في القضاء في أمر من يتهم من الوزراء يكونون بقدر الإمكان قضاة أعلى محكمة في البلاد .
وقد خص مجلس النواب وحده بحق الاتهام. وهذا تفريع على اختصاصه بمسئولية الوزراء لديه . واشترط في ذلك الاتهام أغلبية خاصة لخطورة الأمر وعظم نتائجه . كما اشترطت لهذه العلة نفسها أغلبية خاصة في الحكم على الوزراء .
وإذ لم يكن قانون العقوبات قد أحاط بكل الأحوال التي يجب أن يؤاخذ فيها الوزراء جنائياً فقد أشير في المشروع إلى إصدار قانون خاص يلم بتلك الأحوال ( مواد ٦٣ - ٦٦ ) .
الفصل الثاني - البرلمان
يتكون البرلمان من مجلسين : مجلس الشيوخ ومجلس النواب .
وتكوين الهيئة النيابية من مجلسين هو التكوين الذي سارت عليه الدساتير القديمة والحديثة إلا القليل جداً منها . ذلك أن التجربة دلت على أن نظام المجلس الواحد له مضار كثيرة في العمل ، فإن السلطة التشريعية بطبيعة نيابة القائمين بها عن الأمة ميالة إلى الاعتداء على السلطات الأخرى . فإذا كانت محصورة في مجلس واحد استبدت بتلك السلطات استبداداً سيء الأثر . أما تداولها في مجلسين فيكفل زوال هذا المحذور وعدم اضطراب العلاقات بين هيئات الحكومة .
هذا إلى أن في ازدواج المجلسين وسيلة للمغايرة بينهما في طريقة التكوين تسمح بأن يمثل في أحدهما ما لا يتيسر تمثيله في الآخر من الكفاءات والمصالح الخاصة ، وفي ذلك تقويم للاتجاهات العامة .
ومهما يكن في تداول القوانين التي يختلف المجلسان عليها من إضاعة بعض الوقت فإن خلافهما في الرأي دليل على عدم القطع بصلاح هذه القوانين . والقوانين غير المقطوع بصلاحها كثيراً ما تضر إذ قد تكون رجعية فتقف التقدم ، وقد تكون ذاهبة إلى الطفرة فتحدث رجة اجتماعية ضارة بالحياة العامة . فالوقت الذي يضيع في تمحيصها وردها لمقتضيات التطور وحدود الحكمة لا يعتبر ذاهباً هباء .
الفرع الأول - مجلس الشيوخ
مجلس اللوردات (المقابل المجلس الشيوخ) بدأ في إنجلترا أقدم الممالك عهداً بالنظم الدستورية نظاماً تاريخياً لا وضعاً معاولا لعلة ، وكان ذلك أثراً من نظام حكم الأشراف فأعضاؤه جميعاً قانونيون ، فلما وضعت الدساتير في البلاد الملكية واستعير نظام ازدواج الهيئة التشريعية للعلة التي سبق ذكرها لم يكن سبيل لبناء تكوين مجلس الشيوخ فيها على مثل ما بنى عليه في إنجلترا تماماً وإن لم تكن خالية من آثار حكم الأشراف . لذلك جعلت تلك الدساتير إلى جانب الأعضاء القانونيين أعضاء معينين . وذلك حكم الدستور الياباني والإسباني وكان مأخوذاً به في دستوري النمسا والمجر . على أن نظام التعيين اعتبر وحده أساس تكوين مجلس الشيوخ في الدستور الإيطالي . ولم يكن بد في بعض هذه الدساتير من الأخذ بنظام الانتخاب إجابة لدواعي التطور . لذلك كان الدستور الإسباني والبرتغالي والدانيمركي مزيجاً من أعضاء قانونيين وآخرين معينين وغيرهم منتخبين . على أن التطور نحو الأخذ بمبدأ الانتخاب ظهر كاملا من زمن طويل في بعض الدساتير كبلجيكا وهولندا ورومانيا والسويد والنرويج ، إذ جميع أعضاء مجلس الشيوخ منتخبون . أما الدساتير الحديثة كافة فلا تعدل بالانتخاب طريقة أخرى .
والدساتير التي تجعل مجلس الشيوخ منتخباً كله تراعى أن تكون شروط عضويته وطريقة انتخابه مخالفة لشروط عضوية مجلس النواب وطريقة انتخابه بحيث لا يكون كل من المجلسين صورة للآخر بل يكون مكملا له .
وقد رأت اللجنة الجمع في تأليف مجلس الشيوخ بين التعيين والانتخاب على أن يكون الأعضاء جميعاً من سن خاصة وطوائف معينة (مواد ۷۱ إلى ۷۳ ) .
وإنما حدا باللجنة إلى إقرار التعيين المجلس الشيوخ أن ذلك يتلاءم مع ما تقتضيه حال البلاد من ضرورة إكمال ما قد يبقى بعد الانتخاب من نقص في تمثيل الكفاءات الفنية وغيرها مما لا يضمنه الانتخاب تماماً .
على أن تعيين الأعضاء نظام غير جديد في التشريع المصري فقد كان متبعاً في الجمعية التشريعية وفي مجلس شورى القوانين ، وهو لذاته ليس بدعة إذ هو معمول به في كثير من الممالك الدستورية .
وقد راعت اللجنة ألا يبلغ التعيين حداً تضيع معه فائدة مبدأ الانتخاب فبينما عدد الثلاثين المعينين ثابت لا يتغير إذ عدد المنتخبين يكون دائماً ثلث عدد النواب ويزيد تبعاً لزيادة السكان . بهذه المشابهة يبقى الجزء المنتخب في مجلس الشيوخ ظاهر التفوق ويجعل للمجلس مكانة الهيئات المنتخبة .
وإذا كان مجلس الشيوخ جامعاً لأعضاء معينين وآخرين منتخبين فقد تقرر أن يرشح المجلس ثلاثة من أعضائه لرياسته تعرض أسماؤهم على الملك ليعين أحدهم .
الفرع الثاني - مجلس النواب
جرت الدساتير كلها على أن يكون أعضاء مجلس النواب جميعاً منتخبين بالاقتراع العام . لكنها اختلفت في تعيين نسبة عدد الأعضاء المجموع السكان فالنسبة في إنجلترا وفرنسا واحد لكل سبعين ألفاً وفي بلجيكا واحد لكل أربعين ألفاً وفي سويسرا واحد لكل عشرين ألفاً وفي الولايات المتحدة الأمريكية واحد لنحو مائتين وثلاثين ألفاً .
وقد عنيت اللجنة باتخاذ نسبة تكون على قدر يظهر معه ما في الأمة من النزعات المختلفة ويتمكن به ذوو الكفاءة من الوقوف إلى جانب ذوي الجاه والمال مع عدم التناهي في الكثرة تناهياً قد يعطل العمل ويعوق سيره في وقت تحتاج البلاد فيه إلى الحزم وتجنب دواعي الارتباك . عنيت بذلك فرأت أن تقرير نائب لكل ستين ألفاً كاف لتحقيق التمثيل ومانع من الارتباك لأنه يخرج نيفا ومائتي نائب . وهو تقدير على ملاءمته لظروفنا الخاصة معتدل إذا قيس بعدد أعضاء مجالس النواب في الأمم الأخرى .
وتكتفي الدساتير الأوربية بسن الخامسة والعشرين ليكون انتخاب الشخص جائزاً . وذلك لأن طول ممارسة الأوربيين الأمور السياسة وتأصل الأحزاب السياسية ذات البرامج المحدودة في نظامهم الاجتماعي من شأنهما أن يجعلا الخامسة والعشرين كافية عندهم ، لكن هذه الاعتبارات غير حاصلة في مصر فيلزم أن يكون نوابها من سن أعلى . وقد قدرت اللجنة الثلاثين سناً لهم فقررتها (مادة ۷۸) ولم تشأ أن تأخذ بسن الخامسة والثلاثين التي كانت مشترطة لعضوية الجمعية التشريعية لأنها تحرم العضوية طبقة كبيرة في مقدورها أن تؤدى البلاد خدمات جليلة .
أما شرط النصاب المالي الذي كان يقضى به قانون الجمعية التشريعية الجواز العضوية فلم تر اللجنة محلا له لأن دافعي الضرائب والممولين مثلون تمثيلا كافياً في مجلس الشيوخ وهم بطبيعة مركزهم وما لهم من النفوذ والجاه لابد أن يمثلوا التمثيل الكافي في مجلس النواب . ثم إن الضرائب المقررة في مصر هي الضرائب العقارية وقدرها لا يتجاوز في الوقت الحاضر سدس إيرادات الميزانية المصرية . وليس يجوز حصر حق النيابة في دافعي سدس الإيراد وعدم الاعتداد بمصالح من يشتركون معهم في دفع خمسة الأسداس الأخرى . أضف إلى ذلك أن الاحتياط الذي ورد بالمادة ٣٦ من أن اقتراح الضرائب لا يكون لغير الحكومة قد تضاءلت معه ضرورة وضع مثل هذا الشرط .
على أن الضرائب ليست وحدها واجب الوطني بل هناك تكاليف وطنية أخرى يقوم بها فى الغالب غير ذوي الأموال فيجب فتح الطريق أمامهم حتى إذا انتخبوا تسنى لهم تدبير مصالحهم من طريق التشريع .
على أن اللجنة بحثت فهما إذا كان من الممكن وضع أساس مادي آخر بجانب الضريبة كقيمة إيراد الشخص أو مبلغ الإيجار الذي يدفعه الساكن أو غير ذلك من الأساسات تسوية بين دافعي الضرائب العقارية وغيرهم فوجدت في هذا السبيل صعوبات أكيدة رأت معها ومع الأسباب المتقدمة العدول نهائياً عن اشتراط النصاب المالي .
الفرع الثالث - أحكام عامة للمجلسين
نص المشروع في هذا الفرع على أحوال عدم الجمع بين الوظيفة البرلمانية وغيرها وعلى انعقاد البرلمان وكيفية سيره في العمل وعلى ما للأعضاء من الحقوق وعليهم من الواجبات .
وقد نص على أحوال عدم الجمع في المادتين ٨٥ و ٨٦ ، فتقرر عدم جواز الجمع بين عضوية مجلس الشيوخ ومجلس النواب ، كما تقرر عدم جواز الجمع بين عضوية هذين المجلسين وبين عضوية مجلس المديرية ولا بينها وبين العمدية أو أي منصب أو وظيفة حكومية عدا المناصب السياسية .
أما عدم جواز الجمع بين عضوية المجلسين فبديهي لأن كلا منهما يكمل الآخر ويراجع عمله ، فإذا صح للشخص الواحد أن يكون عضواً في كليهما فاتت تلك الميزة فيما يتعلق به .
وعضوية مجلس المديرية تتنافى مع عضوية البرلمان لما يستلزمه القيام بمهام إحداهما من إهمال الواجب في الأخرى كما أن في حكم المادة ۱۲۰ من إشراف البرلمان على أعمال مجالس المديريات والتصديق على قراراتها في بعض الأحوال صورة تتحقق معها العالمة التي تقدم ذكرها في عدم جواز الجمع بين عضوية مجلس الشيوخ ومجلس النواب . وقد كان هذا المنع قائماً في قانون الجمعية التشريعية .
وحكمة منع الجمع بين عضوية البرلمان والمناصب والوظائف الحكومية تحقيق مبدأ فصل السلطات . فإن وجود أفراد من الهيئة التنفيذية ضمن أعضاء الهيئة التشريعية يضعف ما لهذه من حق المراقبة على تلك وينا في ما تقتضيه الوظائف الحكومية من الواجبات.
وإذ كانت العمدية وظيفة عمومية - وإن لم يكن لها مرتب . فقد جرى عليها الحكم المتقدم .
لكن هذا المنع لا يشمل المناصب السياسية كالوزارة ووكالة الوزارة البرلمانية مثلا ، فإن اجتماع عضوية المجلس وأي المنصبين من مقتضيات النظام البرلماني . والوزير لا يجرى عليه حكم الموظفين العاديين بل هو يملك في عمله بسبب مسئوليته تمام الحرية ولا يتقلد منصبه إلا بقدر قيام الثقة به .
ويلحق الممثلون السياسيون عادة في هذا الباب بحكم الوزراء .
ويكون انعقاد البرلمان في دوره العادي كل سنة نحو ستة أشهر ونصف تبتدئ من يوم معين وينقطع باقي السنة ( مادة ٧٩ )
وقد قرر المشروع ذلك أسوة ببعض الدساتير وبما كان مقرراً في نظام الجمعية التشريعية . وفي عدم الأخذ بطريقة الانعقاد الدائم تحقيق لدواعي النظام في العمل وتجنب لتعطيل الأعمال الحكومية . وظاهر أنه لا حاجة إلى أية دعوة لابتداء عقد الجلسات .
أما طريقة سير المجالس في أعمالها وما يرتبط بها من حق المجلس فى السؤال والاستجواب وإجراء التحقيق فذلك ظاهر من المواد بما لا حاجة معه إلى إيضاح ، وهو لا يختلف في جوهره عما هو متبع في الدساتير كافة .
وقد أحيط العضو منذ اختياره بطريق الانتخاب أو التعيين وفي أثناء قيامه بعمله بكل ما توفر الدساتير عادة لأعضاء الهيئات النيابية من الضمانات التي تكفل لهم حرية الرأي وتكف عنهم أسباب التأثير . واشترط لفصل العضو أغلبية خاصة كما كان يشترطها قانون الجمعية التشريعية .
الفصل الثالث - السلطة القضائية
تغفل بعض الدساتير الكلام عن السلطة القضائية باعتبارها فرعا من السلطة التنفيذية ، لكن المتبع على كل حال أن تنص الدساتير على القواعد الكلية في شأنها ، وهذا ما فعله المشروع ، غير أن حالة القضاء عندنا وتعدد هيئاته جعلت اللجنة تحتاط بألا تأخذ من تلك القواعد إلا بقدر الضرورة وقد تركت التفاصيل يقررها القانون .
ومما تعرضت له اللجنة في صدد القواعد الكلية لهذه السلطة مسألة عدم قابلية القضاة للعزل أو النقل وهي حق للقضاة فيه ضمانة للقضاء وقد قرر مطلقا في دساتير مختلفة ، ولكنه في مصر لم يقرر بعد إلا بالنسبة لقضاة محكمة الاستئناف . أما غيرهم من القضاة فلم يلحظ بالنسبة لهم تطبيق ذلك المبدأ ، ويصعب لذلك إقراره دفعة واحدة . ثم إن تفاوت الجهات في مصر تفاوتا بينا يجعل عدم قابلية النقل محفوفاً بشيء من الصعوبات ويوجب له أحكاماً خاصة ، لذلك ترك للقانون تفصيل حدود هذا المبدأ والكيفية التي يجرى عليها العمل فيه .
الفصل الرابع - مجالس المديريات والمجالس البلدية
طريقة الحكم في الأقاليم درجات في الأنظمة الدستورية من حيث قوة التركيز في الحكومة العامة أو ضعفها . والتطور الإداري الحديث يرمي إلى تقوية الإدارة المحلية في غير إضعاف السلطات العامة . وليست هذه التقوية في الحقيقة إلا تطبيقاً خاصاً للمبادئ النيابية التي تقوم السلطات العامة على أساسها . وقد بلغت الإدارة المحلية عندنا درجة محمودة من النظام والثبات والأخذ بالأساليب النيابية . ولكن التطور فيها لم يبلغ بعد مداه فلا يزال ينقصها بعض القوة كما أنها لم تعمم في كل الجهات .
لذلك رأت اللجنة أولا أن تثبت للنظم المحلية أصلا في الدستور ليضمن لها البقاء والنمو وهي في ذلك لم تخرج عما فعله كثير من الدساتير ، ثم رأت بعد ذلك أن ترسم الحدود العامة التي يقع فيها ما ترجوه لها من التطور فوضعت قاعدة الشخصية المعنوية (مادة ۱۱۹) ولم تنسبها إلى المجالس وإنما جعلتها للجهات والأقسام الإدارية نفسها تأكيداً لثباتها ودوامها وعممتها فيها جميعاً . على أنها جعلت استعمال الحقوق التي تتفرع عن تلك الشخصية معلقاً على وجود مجالس لتلك الجهات والأقسام .
ومن الحدود التي رسمتها جعل قاعدة الانتخاب أساساً لتشكيل تلك المجالس حتى لا يكون التعيين غالباً فيها فيفقدها صورتها المعنوية وقوتها الحقيقية (مادة ۱۱۰) . على أنها أجازته حتى لا يفوت المجالس الانتفاع بالكفاءات الفنية والإدارية . وقد بينت في هذا الباب اختصاصات المجالس وأريد بها أن تشمل كل الأعمال التي تهم أهالي الجهات في جهاتهم. وترك للقوانين تحديد مدى ذلك الاختصاص .
وقد أصبح من الواجب تلقاء تلك الحقوق الواسعة أن يحتاط للحالة التي تخرج المجالس فيها عن الحدود المرسومة لها أو تباشر أعمالا ترى فيها منفعة خاصة ويكون منها إضرار بالمصلحة العامة . لذلك أثبتت اللجنة للسلطتين التشريعية والتنفيذية منع ما تهم به المجالس من ذلك ولم يحصل وإبطال ما وقع منه فعلا .
الباب الرابع
في المالية
تفرد الدساتير للمالية باباً خاصاً لما لها من الأهمية . وذلك أن الضرائب على اختلاف أنواعها هي أساس إيراد الخزانة . والميزانية هي ضابط الحركة الحكومية وأساس تحقيق المصالح العامة . كذلك فإن ما يتعلق بمالية الدولة يمس حقوق جميع أهل البلاد وواجباتهم مباشرة وبالذات . وقد كان في مختلف الدول والعصور المحرك الأول لامتعاض الشعوب أو لرضاها . لذلك خص هذا الموضوع بالذكر بأن اشترط ألا يكون إنشاء ضريبة ولا تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون (مادة ۱۳۲) - وإن كان هذا لا يكون بطبيعته إلا بقانون .
ولما كان القانون يجوز أن تقترحه الحكومة أو أحد المجلسين وكانت التجارب قد دلت على أن تولى المجالس لاقتراح الضرائب أدى في بعض الأحوال إلى وقوع المغالاة فيها ترك للحكومة وحدها اقتراح ذلك وهي بعد مسئولة عن إدارة الأموال العامة فلا يخشى منها الإفراط أو التفريط (مادة ٢٦) .
أما ما عدا الضرائب من الأموال كالرسوم التي تؤخذ في مقابل خدمات وغيرها فإنه وإن كان لا يشترط في كل منها قانون على حدته إلا أنه قد أوجب ألا يقع بسببها تكليف إلا في حدود القانون (مادة ۱۲۱) .
كذلك مع أن المساواة من الحقوق العامة رأت اللجنة أن يخص بالذكر ما يتعلق بالإعفاء من الضرائب فأوجبت ألا يخرج هذا الإعفاء عن الأحوال المبينة في القوانين ( مادة ١٢٣) .
ومما اقتضته حماية أموال الدولة وثروتها العامة من وجوه التصرف المختلفة وحماية أموال الأفراد ومصالحهم المالية ما نصت عليه المادتان (١٢٤ و ١٢٥) . وأكثر ما فيهما جرى ذكره في قوانين مصر النظامية السابقة أو كان العمل جارياً به . وليس فيهما ما يحتاج إلى إشارة خاصة غير مسألة الفروض فإنها التزام خطير الأثر على الدولة ويجب النظر في ضرورته وصلاح شروطه ثم في وجوه سداده ، إذ كثيراً ما يقتضى وفاء الديون فرض ضرائب جديدة . فلكل ذلك اشترطت موافقة البرلمان
الميزانية :
يتصل بهذا الموضوع أمر الميزانية ، وهى كما تقدم ضابط الحركة الحكومية وأساس تحقيق المصالح العامة في البلاد . فالتعليم والصحة والأمن والقضاء والجيش وكل ما في البلاد من مرافق مادية وغير مادية قوامه الميزانية - كذلك ليست الميزانية كغيرها من القوانين التي يصح إقرارها أو إهمالها والتي يمكن أن ترد من مجلس المجلس في أدوار انعقادهما المختلفة . بل يجب أن يفصل في أمرها قبل حلول السنة التي وضعت لها حتى يكون الإحراء في التنفيذ كل سنة على مقتضى ميزانيتها . لذلك توضع لها في الدساتير أحكام خاصة بطريقة نظرها وإقرارها .
فالميزانية الشاملة لإيرادات الدولة ومصروفاتها يجب تقديمها إلى البرلمان قبل انتهاء السنة المالية بثلاثة أشهر على الأقل لفحصها واعتمادها . والسنة المالية يعينها القانون (مادة ١٢٦) .
وحكمة ذلك أن درس الهيئتين للميزانية ومناقشتهما إياها تباعاً والخلاف بينهما على بعضها أو كلها وفض هذا الخلاف على مقتضى القواعد والتقاليد الدستورية وتقريرهما صيغة الميزانية النهائية وتصديق الملك عليها ، كل ذلك يقتضى وقتاً غير قليل .
وتكون مناقشة الميزانية وتقريرها في مجلس النواب أولا (مادة ۱۲۷) ، وذلك وفقاً للتقاليد البرلمانية . فإذا رأى رأيه فيها أرسل بها المجلس الشيوخ لمناقشتها
وأولية مجلس النواب في نظر الميزانية لا تمنع مجلس الشيوخ من إعادة ما قد يسقطه مجلس النواب من أقلامها أو من إسقاط ما أثبتته ، فإذا اختلفا على شيء من أمر الميزانية ولم يمكن التوفيق بينهما جرى العمل فيما اختلف فيه على ما كان مقرراً في ميزانية العام الماضي (مادة ۱۳۰ فقرة أولى) وذلك تطبيقاً للمبدأ العام من أن ما لا يتفق عليه المجلسان يهمل . والرجوع إلى ما كان جارياً في الماضي رجوع إلى كان المجلسان متفقين على وجوده .
غير أن تغير نظام الحكم في البلاد وعدم وجود ميزانية أقرها برلمان من قبل وما ينتظر حصوله من التعديل في نظام البلاد الاقتصادي والمالي في السنين الأولى من نفاذ الدستور بسبب ما يرجى تقريره فيها من زيادة نشر التعليم وإكمال العناية بالصحة العامة وتنظيم سياسة مصر الخارجية وتلافي أوجه النقص التي تقتضي الحال تلافيها ، كل ذلك اقتضى النص على ما يتبع عند الخلاف بين المجلسين على شأن من شؤون الميزانية في الخمس السنين الأولى ( فقرة ثانية من المادة ١٣٠) .
ومبالغة في الحرص على تعجيل صدور الميزانية وعدم اعتراض العطلة البرلمانية لها قرر ألا يفض دور انعقاد البرلمان قبل الفراغ من تقريرها (مادة ۱۲۸) .
على أنه إذا لم يصدر القانون بالميزانية قبل ختام السنة المالية سواء لعدم انتهاء فحصها في المجلسين أو الحصول خلاف بينهما فيها أو لأي سبب آخر فيعمل بالميزانية القديمة حتى يصدر القانون بالميزانية الجديدة لكيلا تتعطل مصالح البلاد ومرافقها (مادة ١٣١) .
الباب الخامس
القوة المسلحة
ليس في هذا الباب تقرير لأحكام خاصة وكل ما فيه أنه وكل للقوانين ترتيب شؤون يجب اشتراك البرلمان في تقريرها سواء من حيث إن هذا الترتيب هو تنظيم للتكاليف العامة أو من جهة أنه تقدير وتقرير لما يلزم السلامة الدولة وحماية الأمن العام فيها .
الباب السادس
أحكام عامة
الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية (مادة ١٣٨) .
تقابل الجملة الأولى من هذا النص ما ورد في دساتير إيطاليا وإسبانيا والدانمارك وتركيا والسويد والترويج ورومانيا واليونان وغيرها خاصاً بدين الدولة . وقد وضع هذا النص إثباتاً لضرورة من ضرورات النظام العام المسلم بها وموافقة لما صدر به الأمر الكريم الخاص بنظام توارث العرش من اشتراط الإسلام في الملك ، وإقراراً لما هو واقع بالفعل من تعطيل دور الحكومة في الأعياد الإسلامية ومن قيام وزارة الأوقاف . وهي إحدى وزارات الدولة - على المساجد والمنشآت الخيرية الإسلامية وغير ذلك مما يقطع النص الدستورى كل مناقشة فيه . على أن هذا النص لا يخلق حالة جديدة بل كل العادات والقواعد المرعية في أمور الشعائر الدينية والتعليم الديني والمحاكم والأنظمة الملية وما يتصل بذلك يبقى كما هو ويتطور في الطريق الذى كان يتطور فيه من قبل . وفي الباب الثاني الذي قرر المساواة في الحقوق العامة بين أفراد المصريين دون تمييز بينهم بسبب الدين والذي قرر حرية استعمال اللغات ما يكفل ألا يقع بأحد أي حيف بسبب هذه القاعدة .
وباقي أحكام هذا الباب ظاهر لا يحتاج لشيء من الإيضاح . وإنما نخص بالبيان ما يتعلق بتنقيح الدستور :
جعلت أحكام المواد ۱ و ۳ و ۲۳ و ٣٠ و ٤٤ و ٥٨ و ٦٢ و ١٤٣ وأحكام الباب الثاني الخاصة بالحريات العامة مما لا يرد عليه التنقيح فهي باقية أبداً (مادة ١٤٦) لأن تلك المواد والأحكام هي أساس الدستور وقوامه .
أما نظام التنقيح نفسه فقد اختلفت فيه الدساتير والغالب أنه يمر بدورين : أما الدور الأول فدور تمهيدي تعرض فيه فكرة التنقيح وموضوعه سواء أكانت من عند المجلسين أم اقتراحاً من السلطة التنفيذية ، فإذا رأى المجلسان ضرورة له قررا ذلك . وليس هذا هو التنقيح نفسه . إنما لخطورة الأمر وجب أن تطرح تلك الفكرة مرة أولى فإذا استقر عليها الرأى وبأغلبية خاصة جاز الانتقال إلى الدور الثاني والبحث في موضوع التنقيح وصيغته وإلا سقطت الفكرة وجنبت البلاد رأياً خطيراً لم يحس نوابها إحساساً مكيناً بضرورته . والدساتير تتخذ فى الدور الثاني أحد طريقين فإما أن يكون تحقيق المطلوب على يد جمعية تنتخب خصيصاً له وتكون جمعية واحدة لا ازدواج فيها ولا انقسام ، وإما أن يعهد بذلك للمجلسين نفسيهما مع اشتراط أغلبية خاصة وهذا هو الغالب . وقد يقع أن يشترط بعض دساتير هذا الصنف حل المجلسين اللذين قررا ضرورة التعديل وانتخاب مجلسين آخرين يكون أول أعمالها النظر في وضع التنقيح الذي رأى المجلسان المنحلان ضرورته . وقد يعاب على هذه الطريقة الثانية أن تداول التنقيح بين المجلسين يجعله بطيئاً جداً كما أن تقرير حل المجلسين اللذين يقرران ضرورة التنقيح لانتخاب مجلسين يجريانه فعلا كثيراً ما يصرف الأفكار عن النظر في وجوه التنقيح ، لذلك رأت اللجنة من باب التيسير أن تأخذ بالطريقة الغالبة في الدساتير من جعل المجلسين اللذين يقرران ضرورة التنقيح هما اللذان يجريانه فعلا وأن تتبع القاعدة التي وضعها الدستور الفرنسى وهى أن يجتمع المجلسان بعد صدور قراريهما بضرورة التنقيح في مؤتمر ليقررا التنقيح نفسه .
الباب السابع
أحكام وقتية
عقد هذا الباب للنص على أحكام خاصة ببعض القواعد التي ورد ذكرها في الدستور . فحكم المادة ١٤٩ يقوم فيها يختص بجلالة الملك الحالي والبيت المالك في عهد جلالته مقام القانون الذي نص على إصداره في المادة ٥٢
والمادة ١٥٠ تضع الطريقة العملية التي يتحقق بها تجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ في كل خمس سنين مع استيفاء كل منهم مدة نيابته أى عشر سنين .
أما المادة ١٥١ فهي فقرتان ، لكل منهما موضوع خاص . فالأولى تتعلق بمختلف الأحكام التي يجري عليها العمل الآن في تنظيم الشؤون المصرية ، والثانية تتعلق بالقوانين التي صدرت منذ أوقفت جلسات الجمعية التشريعية - وكلاهما يحتاج إلى قليل من البيان .
1 - نظم الدستور السلطات المختلفة ، وعلى الخصوص السلطة التشريعية ، وحدد اختصاصها . فلن يشرع بعد صدوره حكم إلا وفق قواعده . ولكن البلاد فيها تشريع قائم تولت إصداره هيئات غير التي رتبها الدستور . ونظراً لاختلاط السلطتين التشريعية والتنفيذية كانت الأحكام العامة توضع طوراً في صورة قانون ، وطوراً في صورة مرسوم أو لائحة أو قرار ، أو غير ذلك من الصور التي هي أدخل في أعمال السلطة التنفيذية منها في أعمال السلطة التشريعية . ومهما يكن من اختلاف هذه الصور فإن الدستور الذي غير نظام التشريع وأوجب اشتراك الأمة فيه اشترا كا حقيقياً يجب أن يبين الحكم في هذا التشريع القديم .
وبديهي أن السلطة التشريعية التي أنشأها الدستور تملك التعرض بالمحو والإثبات والتعديل لما تناوله ذلك التشريع القديم .
ولكنه من الطبيعي أيضاً أنه حتى تتعرض السلطة التشريعية لمثل ذلك يجب أن تبقى الأحكام القديمة على حالها ، فإن في سقوطها مدعاة للفوضى والاضطراب. لهذا وضعت الفقرة الأولى لتثبت نفاذ تلك الأحكام مؤقتاً . وروعي في صيغتها أنه إذا اكتفى بالإشارة إلى أن القوانين - وحدها - تظل نافذة قصر هذا عن حكاية الحال . فإن من الأحكام المنظمة للشؤون المصرية والتي هي بمثابة تشريع ، ما لم يوصف بأنه قانون كالمراسيم واللوائح والقرارات. ويخشى إن لم يشر إليها إلى جانب القوانين أن يقال بسقوطها عند صدور الدستور . لذلك أضيف إلى القوانين تلك الصور المختلفة التي كانت تشرع بها الأحكام العامة في مصر اتقاء لذلك المحذور ، ولكن لما كان يخشى من جهة أخرى أن يكون في الإشارة في الدستور إلى تلك الصور ما يجعل لها قوة لم تكن لها بحسب النظام الذي وضعت في عهده ، وجب الاحتياط بالنص على ما يمنع هذا المحذور ، حتى لا يصبح الباطل منها بحسب النظام القديم صحيحاً في عهد النظام الجديد .
2 - لما أوقفت جلسات الجمعية التشريعية قرر الأمر العالي الذي صدر في ١٨ أكتوبر سنة ١٩١٤ بإيقافها أن القوانين التي كان ينبغي أن تعرض عليها بمقتضى القانون النظامى يجب عرضها عليها فى مدى خمسة عشر يوماً من يوم اجتماعها ، وإلا بطل العمل بها ، وذلك إثباتاً لحق تلك الجمعية في الاشتراك في نظر تلك القوانين وإبداء رأيها فيها .
وسيترتب حتما على صدور الدستور إلغاء الجمعية التشريعية . والأصل أن كل ما رتب من الأحكام على بقائها يسقط بذلك الإلغاء .
إلا أن اللجنة رأت أنه وإن كان المجلس يملك من نفسه النظر في تلك القوانين ، وله في ذلك سلطة لم تكن للجمعية التشريعية ، ينبغي الاحتفاظ بالواجب الذي فرضه ذلك الأمر العالى على الحكومة من إبداع تلك القوانين لدى الهيئة النيابية الجديدة . وغني عن البيان أنه إذا حصل ذلك الإبداع في الميعاد ظلت القوانين للمذكورة قائمة حتى برى البرلمان فيها رأيه .