الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الجمعة، 12 يونيو 2026

الدعوي رقم 3 لسنة 46 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 9 / 5 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰٥/۱۰⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع من مايو سنة 2026م، الموافق الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور عبد العزيز محمد سالمان والدكتور طارق عبد الجـواد شبل وطارق عبد العليم أبو العطا وخالد أحمد رأفت دسوقي نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ محمد ناجي عبد السميع أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 3 لسنة 46 قضائية "دستورية"

المقامة من

أشرف عبد النبي مرسي عوض

ضد

1-رئيس الجمهوريـة

2-رئيس مجلس الوزراء

3-وزيـر العــدل

4-وزيـر الزراعـــة

--------------

الإجراءات

بتاريخ الثامن والعشرين من يناير سنة 2024، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (152)، والفقرتين الأولى والثانية من المادة (156) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966، المعدل بالقانون رقم 164 لسنة 2022، والمواد (1 و2 و7 و12) من قرار وزير الزراعة رقم 1836 لسنة 2011، وسقوط أحكام اللائحة التنفيذية لهذا القانون في مجال تطبيقها على تلك النصوص.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

--------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن النيابة العامة قدمت المدعي إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة كفر الشيخ الجزئية، في الدعوى رقم 5453 لسنة 2023 جنح قسم ثان كفر الشيخ؛ لأنه في يوم 1/11/2023:

أولًا: تعدى على موظف عام وقاومه بالعنف أثناء تأدية وظيفته وبسببها.

ثانيًا: أقام مبنى خارج حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن، أو المناطق التي ليس لها مخطط عمراني معتمد.

ثالثًا: لم ينفذ ما قضى به الحكم أو القرار النهائي الصادر من الجهة المختصة لإزالة المخالفة بعد انتهاء المدة المقررة قانونًا لتنفيذ الحكم أو القرار.

وطلبت عقابه بالمادة (136) من قانون العقوبات، والمواد (59/1، 4 و61/1 و107/1 و102/1،2) من القانون رقم 119 لسنة 2008. تدوول نظر الدعوى أمام تلك المحكمة، التي قررت - بناءً على طلب النيابة العامة - تعديل قيد الاتهام ووصفه في البندين (ثانيًا وثالثًا) بجعلهما: تقيد الأوراق جنحة بالفقرة الأولى من المادة (152)، والفقرتين الأولى والثانية من المادة (156) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966، المعدل بالقوانين أرقام: 116 لسنة 1983، و7 لسنة 2018، و164 لسنة 2022، والمواد (1 و2 و7 و12) من قرار وزير الزراعة رقم 1836 لسنة 2011، بوصف أنه: تعدى على الأرض الزراعية بالبناء. قضت المحكمة حضوريًّا ببراءة المدعي مما نسب إليه في الاتهام الأول، وفي الاتهام الآخر بحبسه ثلاث سنوات مع الشغل وتغريمه مليون جنيه، والإزالة، وإعادة الشيء لأصله على نفقة المدعي، ومصادرة الآلات والأدوات والمستلزمات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وأمرت بشمول الحكم بالنفاذ. لم يرتض المدعي الحكم، فطعن عليه أمام محكمة كفر الشيخ الابتدائية دائرة الجنح المستأنفة، بالاستئناف رقم 23877 لسنة 2023، وحال نظره قدم المدعي مذكرة دفع فيها بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والثانية من المادتين (152 و156) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966، المعدل بالقوانين أرقام: 116 لسنة 1983، و7 لسنة 2018، و164 لسنة 2022، والمواد (1 و2 و7 و12) من قرار وزير الزراعة رقم 1836 لسنة 2011، وطلب التصريح بإقامة الدعوى الدستورية، فصرحت له المحكمة بالطعن على الفقرة الأولى من المادة (152) والفقرتين الأولى والثانية من المادة (156) من قانون الزراعة ونصوص قرار وزير الزراعة، المار ذكرهما، فأقام الدعوى المعروضة، مقصرًا نعيه في شأن المادة (156) من قانون الزراعة على تعديلها بالقانون رقم 164 لسنة 2022 دون القانونين المعدلين لها رقمي 116 لسنة 1983 و7 لسنة 2018.

وحيث إنه بشأن الطعن بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة (152) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966، فقد سبق لهذه المحكمة أن حسمت المسألة الدستورية المثارة بشأنها، وذلك بحكمها الصادر بجلسة 4/5/1991، في الدعوى رقم 23 لسنة 9 قضائية "دستورية"، الذي قضت فيه برفض الدعوى، وقد نُشر الحكم في الجريدة الرسمية – العدد (20) بتاريخ 16/6/1991، وكان مقتضى نص المادة (195) من الدستور والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن تكون أحكام المحكمة وقراراتها ملزمة للكافة وجميع سلطات الدولة وتكون لها حجية مطلقة بالنسبة لهم، باعتبارها قولًا فصلًا تحول بذاتها دون المجادلة فيها، أو إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها، مما لزامه أن تكون الدعوى المعروضة غير مقبولة في هذا الشق منها.

وحيث إن الفقرتين الأولى والثانية من المادة (156) من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966، المستبدل بنصيهما المادة الأولى من القانون رقم 164 لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام قانون الزراعة، تنصان على أنه:

"يُعاقب كل من يخالف أحكام المادة (152) من هذا القانون أو الشروع فيها بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد على عشرة ملايين جنيه، وتتعدد العقوبة بتعدد المخالفات.

ويُعاقب المهندس المشرف على التنفيذ أو المقاول بالحبس لمدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثة ملايين جنيه، ويُحكم فضلًا عن ذلك بشطب اسم المهندس أو المقاول من سجلات نقابة المهندسين أو سجلات اتحاد المقاولين، بحسب الأحوال وذلك لمدة لا تزيد على سنة، وفي حالة العود يكون الشطب لمدة مساوية لمدة العقوبة المقيدة للحرية المحكوم بها عليه".

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها في شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين، أولهما: أن يقيم المدعي -في حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون عليه- الدليل على أن ضررًا واقعيًّا -اقتصاديًّا أو غيره- قد لحق به، سواء أكان الضرر الذي يتهدده وشيكًا أم كان قد وقع فعلًا. ويتعين دومًا أن يكون هذا الضرر مباشرًا، منفصلًا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلًّا بالعناصر التي يقوم عليها، ممكنًا تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره. ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، وليس ضررًا متوهمًا أو منتحلًا أو مجهلًا، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلًا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دلَّ ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة؛ ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.

وحيث إنه عن الطعن بعدم دستورية نصوص المواد (1 و2 و7 و12) من قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي الصادر بالقرار رقم 1836 لسنة 2011، بشأن شروط وإجراءات الترخيص بإقامة المباني والمنشآت في الحالات المستثناة على الأراضي الزراعية، فلما كان هذا القرار قد ألغي بموجب المادة (18) من قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 605 لسنة 2016، الذي وقع الفعل المسند إلى المدعي بعد العمل به، ومن ثم لا يكون مخاطبًا بنصوص هذا القرار، الأمر الذي تنتفي معه مصلحته في الطعن على أي من نصوصه، مما لازمه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.

وحيث إنه عن الطعن بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (156) من قانون الزراعة، بعد أن استبدل بها نص المادة الأولى من القانون رقم 164 لسنة 2022، فإنه ولئن ورد هذا النص بين مواد القيد، بعدما تم تعديله، فإن مناط إعمال حكم هذه الفقرة أن ينسب الاتهام إلى المهندس الذي يُشرف على تنفيذ أعمال البناء أو المقاول الذي يقوم بتنفيذها، وهما فعلان يغايران فعل القائم بالتعدي على الأرض الزراعية المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة ذاتها، وذلك لاختلاف أساس المسئولية الجنائية في كلا الفعلين، واختلاف العقوبتين الأصلية والتكميلية المقررة لكل منهما، وإذ لم يوجه الاتهام إلى المدعي بوصفه المهندس المشرف على تنفيذ أعمال البناء أو المقاول القائم بها، ولم يتم إدانته بالعقوبة المقررة لأيهما بموجب الفقرة الثانية من المادة (156) من قانون الزراعة، ومن ثم تنتفي مصلحته الشخصية المباشرة في الطعن عليها، ولزامه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.

وحيث إنه عن الطعن بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (156) من قانون الزراعة المار ذكره، بعد أن استبدل به نص المادة الأولى من القانون رقم 164 لسنة 2022، فلما كان الثابت من الأوراق أن المدعي قُدم إلى المحاكمة الجنائية بوصف أنه تعدى على الأرض الزراعية بالبناء، وهو الفعل المعاقب عليه بالفقرة السالف بيانها، ومن ثم تتوافر للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة في الطعن عليها بعدم الدستورية، ويتحدد نطاق الدعوى المعروضة فيما تضمنه نصها من معاقبة كل من يخالف أحكام المادة (152) من القانون ذاته بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد على عشرة ملايين جنيه، وذلك دون ما يجري به النص السالف من أحكام أخرى.

وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون فيه – في حدود نطاقه المتقدم– مخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية التي تحمي حرمة السكن، وفرضه عقوبة مغالى فيها، والافتئات على السلطة القضائية، بحرمان القاضي من استعمال الرأفة، ومصادرة الحق في السكن اللائق بالمخالفة لنص المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وحيث إنه عن النعي بمخالفة النص المطعون عليه للاتفاقيات الدولية التي تضمن الحق في السكن، فإنه مردود بأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية إنما يكون لها -بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها، وفقًا للأوضاع المقررة بالمادة (151) من الدستور- قوة القانون؛ ومن ثم فإن الفصل فيما إذا كان النص المطعون فيه قد وقع بالمخالفة للمعاهدات والمواثيق المشار إليها يخرج عن ولاية المحكمة الدستورية العليا، ومناطها مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور، ولا شأن لها بالتعارض بين نصين تشريعيين جمعهما قانون واحد، أو تفرقا بين قانونين مختلفين، ما لم يكن هذا التعارض منطويًا بذاته على مخالفة دستورية، وهو ما لم تفصح عنه مناعي المدعي، ويكون لازم ذلك الالتفات عن هذا النعي.

وحيث إنه عن النعي بمخالفة النص المطعون فيه لمبادئ الشريعة الإسلامية، فإن قضاء هذه المحكمة قد اطرد على أن ما نص عليه دستور عام 1971 في مادته ‏الثانية – بعد تعديلها سنة 1980 – الذي رددته المادة (2) من دستور سنة 2014، من أن ‏مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتمحض عن قيد يجب على ‏السلطة التشريعية التزامه فيما يصدر عنها من تشريعات، بحيث لا يجوز أن تخالف ‏النصوص التشريعية الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، ‏باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا، ‏لكونها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة ‏التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا، ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع ‏بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معًا؛ ذلك أنها خاضعة للاجتهاد وتنحصر دائرته فيها، وهي ‏بحكم طبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، بما يضمن مرونتها وحيويتها ومواجهتها ‏لما يستجد من نوازل، وبما يسمح بتنظيم شئون العباد على نحو يكفل مصالحهم المعتبرة ‏شرعًا، ولا يعطل -من ثم- شئون معيشتهم. وتبعًا لذلك كان الاجتهاد سائغًا في المسائل ‏الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينتقص من كمال الشريعة ‏ومرونتها، ما دام واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة ولا يجاوزها، ومستخلصًا عن ‏طريق الأدلة الشرعية، النقلية منها والعقلية، على نحو يكفل صدق المبادئ العامة للشريعة.‏

متى كان ما تقدم، وكانت مبادئ الشريعة الإسلامية – التي كفل الدستور رد النصوص التشريعية إليها لضمان توافقها معها – لا يناقضها التنظيم العقابي الذي أورده النص المطعون فيه، بل إنها تظاهره؛ اعتبارًا بأن لولي الأمر أن يتدخل لتنظيم الملكية إذا أساء الناس استخدام أموالهم، لكي يوجهها وجهة رشيدة، تحقيقًا لمصلحة الجماعة، ووفاءً باحتياجاتها، ودفعًا للضرر عنها، وهي مصالح مشروعة يستهدفها النص المطعون فيه، بما تضمنه من عقاب على مخالفة حظر إقامة مبانٍ – كقاعدة عامة – على الأرض الزراعية، بحسبانها تمثل أحد الروافد الرئيسة للتنمية الشاملة، وكان رائد المشرع من تقرير هذا النص حماية النفس والمال، وهي من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وهو اجتهاد من المشرع صادف مسألة لم يرد فيها نص قطعي الثبوت والدلالة؛ ومن ثم ينفتح فيها باب الاجتهاد أمام ولاة الأمور في العصور المختلفة؛ ليتحروا ما يلائم كل حال، تحقيقًا لمصالح العباد والبلاد، ويضحى النعي على هذا النص بمخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية فاقدًا سنده، حريًّا برفضه.

وحيث إن الدستور قد حفل بالزراعة، باعتبارها من المقومات الأساسية للاقتصاد الوطني، فألزم الدولة- بمقتضى نص المادة (29) منه- حماية الرقعة الزراعية، وزيادتها، وتجريم الاعتداء عليها، ضمانًا منها لحق كل مواطن في غذاء صحي وكافٍ، وكفالة للسيادة الغذائية بشكل مستدام، حفاظًا على حقوق الأجيال القادمة، على ما يجري به نص المادة (79) من الدستور، لتشكل هذه الالتزامات الواقعة على عاتق الدولة تنظيمًا متكاملًا تترابط به أحكام الدستور في وحدة عضوية متماسكة، ليغدو تجريم الاعتداء على الأرض الزراعية وتقرير العقوبة المكافئة له مقتضًى دستوري، يلتزمه المشرع العادي، تحقيقًا للمصالح المحمية السالف بيانها.

وحيث إن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الأصل في العقوبة هو معقوليتها، فلا يكون التدخل بها إلا بقدر، نأيًــا بها عن أن تكون إيلامًا غير مبرر، يؤكد قسوتها في غير ضرورة؛ ذلك أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين في تنظيم بعض العلائق التي يرتبط بها الأفراد فيما بين بعضهم البعض، أو من خلال مجتمعهم بقصد ضبطها، فإن القانون الجنائي يفارقها في اتخاذه العقوبة أداة لتقويم ما يصدر عنهم من أفعال نهاهم عن ارتكابها، وهو بذلك يتغيا أن يُحدد –من منظور اجتماعي- ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعيًّا ممكنًا، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مبررًا إلا إذا كان مفيدًا من وجهة اجتماعية، فإن كان مجاوزًا تلك الحدود التي لا يكون معها ضروريًّا غدا مخالفًا للدستور.

وحيث إن من المقرر - كذلك- في قضاء هذه المحكمة أن العقوبة التخييرية، أو المراوحة في العقوبة بين حدين أدنى وأقصى، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد –عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة– أو إجازة استعمال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك التبديل، عملًا بنص المادة (17) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة والحبس الذى لا تزيد مدته على سنة، إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون، على ما جرى به نص المادة (55) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتساند القاضي إليها – بحسب ظروف كل دعوى – لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة، ومن ثم ففي الأحوال التي يمتنع فيها إعمال إحدى هذه الأدوات، فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه، بما يفتئت على استقلاله ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر وظيفته القضائية، وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.

متى كان ذلك، وكانت العقوبة التي قررها النص المطعون فيه تتناسب مع جسامة الجرم المرتكب، ولا يفضي إلى الإخلال بضوابط المحاكمة المنصفة، ولم ينتهك استقلال القضاء، وقد صدر في إطار السلطة التقديرية للمشرع، مراعيًا في ذلك جسامته وخطورته على الرقعة الزراعية والأمن الغذائي للبلاد، وكان النص المطعون فيه لم يناقض أصل البراءة، أو يفتئت على التزام سلطة الاتهام بإقامة الدليل على وقوع الفعل المؤثم، ونسبته إلى المتهم، ولم يخلّ بسلطة المحكمة عند ثبوت الاتهام، أن تراوح في العقوبة الموقعة بين حديها الأدنى والأقصى، وأن تأمر بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة إذا رأت من ظروف المحكوم عليه ما يستوجب ذلك، فإن النص المطعون فيه يكون قد استوى على مدارج الشرعية الدستورية، وانضبط بالضوابط المقررة للعقوبة الجنائية؛ ومن ثم يغدو النعي عليه متهافتًا، خليقًا برفضه.

وحيث إن النص المطعون فيه لا يخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور، فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.

وحيث إنه عن طلب الحكم بسقوط أحكام اللائحة التنفيذية لهذا القانون في مجال تطبيقها على النص المار ذكره، فإن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن طلب السقوط لا يعتبر طلبًا جديدًا مستقلًّا بعدم الدستورية، وإنما هو من قبيل التقريرات القانونية التي تملكها المحكمة الدستورية العليا فيما لو قضت بعدم دستورية نص معين ورتبت السقوط للمواد الأخرى المرتبطة به ارتباطًا لا يقبل التجزئة، وهو أمر تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها، ولو لم يطلبه الخصوم. متى كان ذلك، وكانت المحكمة قد انتهت فيما تقدم إلى القضاء برفض الدعوى، فإن طلب سقوط تلك المواد لا يكون له محل، متعينًا الالتفات عنه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق