الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأحد، 23 أغسطس 2026

الدعوى رقم 121 لسنة 31 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 1 / 8 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۸/۰۲⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الأول من أغسطس سنة ٢٠٢٦م، الموافق الثامن عشر من صفر سنة ١٤٤٨هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ١٢١ لسنة ٣١ قضائية "دستورية"

المقامة من

شركة الأسواق العربية – شركة توصية بسيطة

ضد

١– رئيس الجمهوريــــة

٢- رئيس مجلس الــوزراء

٣– وزيــــــر العـــدل

٤- وزيــــــــر الاستثمــــار

٥– البنك العقاري المصري العربي

٦– البنك العقاري المصري العربي– فرع مصر الجديدة

٧- شركة مجموعة الأسواق العربية للسمسرة – شركة مساهمة مصرية

٨– حسن السيد البلاسي – الوكيل العقاري

---------------

الإجراءات

بتاريخ السابع من يونيو سنة ٢٠٠٩، أودعت الشركة المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبة الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (١٠٢) من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد الصادر بالقانون رقم ٨٨ لسنة ٢٠٠٣، المضافة بالمادة الثانية من القانون رقم ٩٣ لسنة ٢٠٠٥، فيما تضمنه من سريان أحكام المواد من (١٢) إلى (٢٧) من قانون التمويل العقاري الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠٠١، في شأن التنفيذ على العقار المرهون للبنوك.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، صممت فيها على طلبها السابق، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم، وصرحت بتقديم مذكرات خلال أسبوع، قدم خلاله المدعى عليه الخامس حافظة مستندات ومذكرة، طلب فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.

---------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن الشركة المدعى عليها السابعة أقامت أمام محكمة القاهرة الاقتصادية الدعوى رقم ٢١٠٩ لسنة ٢٠٠٩ اقتصادي القاهرة، ضد الشركة المدعية والمدعى عليهم الثالث والخامس والسادس والثامن وآخر، بطلب الحكم، أولًا: بوقف إجراءات البيع المحدد له يوم ٢٩/٤/٢٠٠٩، نفاذًا للأمر رقم ٩ لسنة ٢٠٠٩ تنفيذ القاهرة الاقتصادية، ثانيًا: باستحقاقها للمحل رقم (٢) بالطابق الأرضي، والمعرض رقم (٢) بدور الميزانين، والشقتين رقمي (٥ و٦) بالدور الأول فوق الأرضي والميزانين، وما يخصها من حصص شائعة في الأرض والأجزاء المشتركة من العقار رقم ٤١٩/٤٢١ الكائن بشارع رمسيس– الوايلي–القاهرة؛ وذلك على سندٍ من أنه بموجب عقد بيع ابتدائي مؤرخ ٢٦/٨/٢٠٠٦، اشترت الشركة المدعى عليها السابعة الأعيان سالفة البيان من الشركة المدعية. وإذ علمت أن البنك المدعى عليه الخامس استصدر الأمر رقم ٩ لسنة ٢٠٠٩ تنفيذ القاهرة الاقتصادية، ببيع تلك الأعيان، وشرع في إجراءات التنفيذ عليها، لكون هذا العقار ملكًا لمدينه (الشركة المدعية)، مستندًا في استصدار أمر البيع إلى عقد بيع ورهن صادر لصالحه من الشركة المدعية، تم شهره وشهر قائمته بتاريخ ٢٨/١١/٢٠٠٤. ولما كانت الشركة المدعى عليها السابعة تستحق أعيان التداعي استنادًا إلى عقد البيع الابتدائي المار ذكره، كما يحق لها المطالبة ببطلان إجراءات التنفيذ، لعدم إعلانها بالسند التنفيذي، أو إنذارها بأيٍّ من إجراءات التنفيذ؛ فقد أقامت الدعوى الموضوعية. وحال نظرها دفعت الشركة المدعية بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (١٠٢) من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد، الصادر بالقانون رقم ٨٨ لسنة ٢٠٠٣، المضافة بالمادة الثانية من القانون رقم ٩٣ لسنة ٢٠٠٥. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للشركة المدعية بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقامتها ناعية على تلك الفقرة مخالفتها أحكام المواد (٣٤ و٤٠ و١٨٧) من دستور سنة ١٩٧١.

وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة (١٠٢) من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد، الصادر بالقانون رقم ٨٨ لسنة ٢٠٠٣، المضافة بالمادة الثانية من القانون رقم ٩٣ لسنة ٢٠٠٥، تنص على أنه "وتسري في شأن التنفيذ على العقار المرهون للبنوك أحكام المواد من (١٢) إلى (٢٧) من قانون التمويل العقاري الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠٠١".

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة، وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية، مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في الدعوى الدستورية مؤثرًا في الطلبات المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي المردد أمام محكمة القاهـــرة الاقتصادية يدور في شقه الأول حول طلب الشركة المدعى عليها السابعة الحكم بوقف إجراءات البيع المحدد له يوم ٢٩/٤/٢٠٠٩، نفاذًا للأمر رقم ٩ لسنة ٢٠٠٩ تنفيذ القاهرة الاقتصادية. وإذ كان النص المطعون فيه يقضي بسريان أحكام المواد من (١٢) إلى (٢٧) من قانون التمويل العقاري الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠٠١ في شأن التنفيذ على العقار المرهون للبنوك، دون أحكام التنفيذ على العقار المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية؛ ومن ثم فإن المصلحة الشخصية المباشرة للشركة المدعية تكون متحققة في الطعن على هذا النص، دون أية أحكام تضمنتها النصوص المحال إليها في قانون التمويل العقاري الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠٠١ سالفة البيان؛ إذ يكون للقضاء في دستوريته أثره وانعكاسه على الدعوى الموضوعية، والطلبات المطروحة بها، وقضاء محكمة الموضوع فيها.

ولا ينال من توافر المصلحة في الدعوى المعروضة إلغاء النص المطعون فيه ضمن كامل أحكام قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد الصادر بالقانون رقم ٨٨ لسنة ٢٠٠٣، وذلك بموجب المادة السابعة من القانون رقم ١٩٤ لسنة ٢٠٢٠ بإصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي؛ إذ إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن استبدال المشرع قاعدة قانونية بغيرها، أو إلغاءها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال مدة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه، تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه قد جرى تطبيقه على الشركة المدعية، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليها؛ ومن ثم فإن إلغاءه بموجب القانون رقم ١٩٤ لسنة ٢٠٢٠، على النحو الفائت ذكره، لا يمنع المحكمة الدستورية العليا من إعمال رقابتها الدستورية عليه.

وحيث إن الشركة المدعية تنعى على النص المطعون فيه مخالفته نص المادة (١٨٧) من دستور ١٩٧١؛ لمساسه بالأثر الفوري والمباشر للمراكز القانونية التي نشأت واكتملت في ظل القانون القديم وقبل العمل بالنص المطعون فيه.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية المتصلة باقتراحها أو إقرارها أو إصدارها إنما تتحدد على ضوء ما قررته في شأنها أحكام الدستور المعمول به في حينها.

وحيث إن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية أنها تسري على الوقائع التي تتم في ظلها، أي خلال الفترة من تاريخ العمل بها حتى تاريخ إلغائها، فإذا أُلغيت هذه القاعدة وحلت محلها قاعدة قانونية أخرى فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين القانونيتين؛ ومن ثم فإن المراكـز القانونية التي نشأت وترتبت آثارها في ظل أي من القانونين -القديم والجديد- تخضع لحكمه، فما نشأ منها وترتبت آثاره في ظل القانون القديم يظل خاضعًا له، وما نشأ من مراكز قانونية وترتبت آثاره في ظل القانون الجديد يخضع لهذا القانون وحده.

وحيث إن إجراءات التنفيذ على العقار المرهون للبنك تمتد خلال فترة من الزمن، تخضع خلالها كل مرحلة للقانون المعمول به وقت اكتمالها، وإذ كانت إجراءات التنفيذ على العقار محل الدعوى الموضوعية قد بدأت باستصدار البنك المدعى عليه الخامس أمر البيع رقم ٩ لسنة ٢٠٠٩ تنفيذ القاهرة الاقتصادية؛ تطبيقًا للنص المطعون فيه، الذي عُمل به في تاريخ سابق على صدور أمر البيع المذكور؛ ومن ثم فإن النعي على هذا النص مخالفته قاعدة الأثر المباشر للقانون يكون مرده إلى الفهم الخاطئ لأحكامه، ولازمه اطراح النعي في ظاهره، وما يستبطنه من إعمال النص بأثر رجعي دون توافر الشروط الشكلية لإقراره، بما يغدو معه الالتفات عن ذلك النعي متعينًا.

وحيث إن الشركة المدعية تنعى أيضًا على النص المطعون فيه مخالفته نص المادتين (٣٤ و٤٠) من دستور ١٩٧١، ويقابلهما نص المادتين (٣٥ و٥٣) من دستور ٢٠١٤، وذلك بتمييزه غير المبرر بين العقارات المرهونة للبنوك وبين العقارات المرهونة لغيرها؛ إذ انتزع عن الفئة الأولى الضمانات التي قررها قانون المرافعات المدنية والتجارية للفئة الثانية، وأخضع الفئة الأولى إلى قواعد التنفيذ المنصوص عليها بقانون التمويل العقاري التي لا توفر لهم مثل هذه الضمانات وهو ما يُشكل إخلالًا بمبدأ المساواة وانتقاصًا من الحماية التي أولاها الدستور للملكية الخاصة.

وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، بحسبانه مستودع القيم التي يجب أن تقوم عليها الجماعة، وتعبيرًا عن إرادة الشعب منذ صدوره؛ ذلك أن نصوص هذا الدستور تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها النظام العام في المجتمع، وتشكل أسمى القواعد الآمرة التي تعلو على ما دونها من تشريعات؛ ومن ثم يتعين التزامها، ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من تشريعات -أيًّــا كان تاريخ العمل بها- لضمان اتساقها والمفاهيم التي أتى بها، فلا تتفرق هذه القواعد في مضامينهـا بين نظم مختلفـة يناقض بعضها بعضًا، بما يحول دون جريانها وفق المقاييس الموضوعية ذاتها التي تطلبها الدستور القائم شرطًا لمشروعيتها الدستورية. متى كان ذلك، وكانت المطاعن التي وجهتها الشركة المدعية إلى النص المطعون فيه –على النحو المتقدم- تندرج تحت المطاعن الموضوعية التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور، من حيث محتواها الموضوعي، وكان النص المطعون فيه ظل ساريًا ومعمولًا بأحكامه حتى أدركه العمل بالدستور القائم؛ ومن ثم فإن المحكمة تباشر رقابتها على دستوريته، على ضوء أحكام الدستور الحالي الصادر عام ٢٠١٤.

وحيث إن الدستور قد اعتمد بمقتضى نص المادة (٤) منه مبدأ المساواة، باعتباره -إلى جانب مبدأي العدل وتكافؤ الفرص- أساسًـا لبناء المجتمع وصون وحدته الوطنية، وتأكيدًا لذلك حرص الدستور في المادة (٥٣) منه على كفالة تحقيق المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، في الحقوق والحريات والواجبات العامة، دون تمييز بينهم لأى سبب، إلا أن ذلك لا يعني -وفقًــا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة– أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذه المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها؛ ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعيــــة، ولا ينطــوي -من ثم- على مخالفة لنصي المادتين (٤ و٥٣) المشار إليهما، بما مؤداه أن التمييز المنهي عنه بموجبها هو ذلك الذي يكون تحكميًّا، وأسـاس ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم، فإذا كان النص المطعون عليه –بما انطوى عليه من تمييز– مصادمًــا لهذه الأغراض بحيث يستحيل منطقًا ربطه بها أو اعتباره مدخلًا إليها، فإن التمييز يكون تحكميًّا، وغير مستند -تبعًا لذلك- إلى أسس موضوعية؛ ومن ثم مجافيًا لمبدأ المساواة.

وحيث إن الدستور قد حرص على صون الملكية الخاصة، وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود وبالقيود التي أوردها باعتبارها مترتبة –في الأصل– على الجهد الخاص الذي بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافزًا إلى الانطلاق والتقدم؛ إذ يختص دون غيره بالأموال التي يرد عليها حق الملكية، والتي تُعد كذلك من مصادر الثروة التي لا يجوز التفريط فيها، أو استخدامها على وجه يعوق التنمية، أو يعطل مصالح الجماعة، وكانت الملكية في إطار النظم الوضعية التي تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة لم تعد حقًّا مطلقًا ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهي وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية أو الأغراض التي ينبغي توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع من خلال ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور. وفي ضوء ما تقدم، يتعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة، مهتديًا –بوجه خاص– بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والمجتمع، وفي هذا الإطار حرص الدستور في المادة (٣٦) منه على تأكيد المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص في خدمة الاقتصاد الوطني والمجتمع، وألزم الدولة العمل على تمكينه من أداء هذا الدور وتحفيزه على ذلك.

وحيث إن الأصل في النصوص التشريعية هو ارتباطها عقلًا بأهدافها، باعتبار أن كل تنظيم تشريعي ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو مجــــرد وسيلة لتحقيق تلك الأهداف؛ ومن ثم يتعين دومًــا استظهار ما إذا كان النص التشريعي المطعون فيه يلتزم إطارًا منطقيًّـا للدائرة التي يعمل فيها، كافلًا من خلالها تناغم الأغراض التي يستهدفهـا، أو متهادمًا مع مقاصده، أو مجاوزًا لها، ومناهضًــا -تبعًا لذلك- لمبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص عليه في المادة (٩٤) من الدستور.

وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجـال تنظيم الحقوق -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة– أنها سلطة تقديرية، ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخومًــا لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها. وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة التشريعية، فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية الدستورية، سواء بالنقض أو الانتقاص؛ ذلك أن إهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها يُعد عدوانًــا على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها، بما مؤداه أن تباشر السلطة التشريعية اختصاصاتها التقديرية –وفيما خلا القيود التي يفرضها الدستور عليها- بعيدًا عن الرقابة القضائية التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا، فلا يجوز لها أن تزن بمعاييرها الذاتية السياسة التي انتهجها المشرع في موضوع معين، ولا أن تناقشها، أو تخوض في ملاءمة تطبيقها عملًا، ولا أن تنتحل للنص المطعون فيه أهدافًــا غير التي رمى المشرع إلى بلوغها، ولا أن تقيم خياراتها محل عمل السلطة التشريعية، بل يكفيها أن تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها تلك، مستلهمة في ذلك أغراضًــا يقتضيها الصالح العام في شأن الموضوع محل التنظيم التشريعي، وأن تكون وسائلها إلى تحقيق الأغراض التي حددتها، مرتبطة عقلًا بها.

وحيث إن أموال الائتمان المصرفي –بما تمثله من أهمية للاقتصاد القومي- يحيط بها العديد من المخاطر، التي تتمثل في عدم وفاء المدين بالأموال التي اقترضها، وضياعها على البنوك، وهي بحسب الأصل أموال المودعين المدخرة لديها، مما يؤثر على قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها قبل المودعين، ويؤدي إلى عزوف بعض البنوك عن تقديم الائتمان المصرفي للمستثمرين، وفقد المودعين الثقة في البنوك، وإحجامهم عن الادخار لديها، وقد أضحى الادخار، وفقًــا لنص المادة (٣٩) من الدستور، واجبًــا وطنيًّا تلتزم الدولة بحمايته وتشجيعه وضمان المدخرات، وذلك وفقًا لما ينظمه القانون؛ لذا كان لزامًا على المشرع أن يتدخل لوضع أحكام وضوابط لحماية أموال البنوك، فبعد أن أقامت نصوص المواد (١٠٣٠ و١٠٤٣ و١٠٥٢) من القانون المدني عقد الرهن الرسمي، الذي بموجبه يكسب الدائن على عقار مخصص لوفاء دينه حقًّا عينيًّا يكون له بمقتضاه أن يتقدم على الدائنين العاديين والدائنين التالين له في المرتبة في استيفاء حقه من ثمن ذلك العقار في أي يد يكون، فالرهن عقد يتم بين الراهن والدائن المرتهن، ويعطي لهذا الأخير حقًّا عينيًّا عقاريًّا على العقار المخصص لوفاء الدين بجميع ما ينتج عن هذا الحق من مزايا وضمانة عينية، كما يعطي له حق التتبع في يد من تنتقل إليه ملكية العقار المرهون، وفي سبيل تعزيز ضمان تُؤمّن به البنوك نفسها ضد مخاطر تعثر المدينين، وعدم قدرتهم على سداد الأموال المقدمة إليهم من البنوك على سبيل الائتمان في العمل التجاري، وما أوجبته التطورات الاقتصادية على المشرع من العمل على تطوير آليات تحصيل تلك المديونيات، والتنفيذ على الأشياء المرهونة، فأصدر تشريعـات عدة، منها قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد الصادر بالقانون رقم ٨٨ لسنة ٢٠٠٣، وأضاف إلى المادة (١٠٢) منه فقرة أخيرة بالمادة الثانية من القانون رقم ٩٣ لسنة ٢٠٠٥– المطعون فيها– مستهدفًا بذلك إيجاد آلية قانونية سريعة وميسرة تمكن البنوك من التنفيذ على المدينين المتعثرين، لاستيفاء أموالها التي سبق أن قُدمت كتسهيلات ائتمانية، حثًّا لها على التوسع في منح تلك التسهيلات للمستثمرين والشركات، الذين يقومون بدورهم في إنشاء وتطوير المشروعات، بما يكفل –من خلال دورة رأس المال– رفع معدل النمو للاقتصاد القومي من ناحية، وتشجيع الادخار وضمان المدخرات من ناحية أخرى، باعتبار كلا الأمرين من عُمد المقومات الاقتصادية للدولة.

متى كان ما تقدم، وكان النص المطعون فيه قد قضى بسريان المواد من (١٢) إلى (٢٧) من قانون التمويل العقاري الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠٠١، في شأن التنفيذ على العقار المرهون للبنوك مستهدفًا من ذلك تشجيع القطاع المصرفي على منح التسهيلات الائتمانية مع ضمان اقتضائها؛ رعاية لحقوق المودعين، على نحو ارتبطت بمقتضاه الوسائل التي اتخذها النص المطعون فيه بالأهداف التي سعى إلى تحقيقها برابطة منطقية، وصدر في إطار السلطة التقديرية الممنوحة للمشرع في مجال تنظيم الحقوق، متخيرًا من البدائل ما ارتآه محققًــا للأغراض التي توخاها، مستهدفًا غايات مشروعة، ليضحى إقرار هذا النص مستندًا إلى أسس موضوعية تبرره من الوجهة الدستورية، ولا يكون متضمنًا تمييزًا تحكميًّا، لتنتفي بذلك قالة مخالفة النص المطعون فيه مبدأ المساواة الذي كفلته المادتان (٤ و٥٣) من الدستور.

وحيث إنه عن النعي على النص المطعون فيه إخلاله بالحماية المقررة للملكية الخاصة، فلما كان هذا النص قد شُرع لحماية أموال البنوك التي تقدمها كقروض أو تسهيلات لطالبيها، وذلك باعتبارها تمثل جزءًا من محفظة الإيداعات التي يدخرها المودعون لديها، والتي تضمنها الدولة طبقًا لنص المادة (٣٩) من الدستور، ومن ثم فإن تمكين الدائن المرتهن من التنفيذ بموجب الإجراءات التي ارتآها توفر سُبل تنفيذ ميسرة على العقار الذي يضمن التمويل، فإن ذلك لا يُشكل عدوانًا على الملكية الخاصة للمدين الراهن، وإنما آلية قانونية شُرعت لتُمكن البنك من استيفاء أمواله، في حالة تعثر المدينين عن سدادها في موعد استحقاقها، ودون أن ينطوي ذلك على مساس بالملكية الخاصة التي كفلها الدستور بالمادتين (٣٣ و٣٥)، في أصلها أو جوهرها، أو الانتقاص من دورها؛ بما يغدو معه نعي الشركة المدعية على النص المطعون فيه إخلاله بالحماية المقررة للحق في الملكية غير سديد، خليقًا بالرفض.

وحيث إن النص المطعون فيه لا يخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور؛ فمن ثم يتعين القضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت الشركة المدعية المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق