مضابط مجلس الشيوخ ملاحق عام 1937 ص 672
مذكرة
عن مشروع قانون تحقيق الجنايات المختلط
يمثل هذا المشروع في عمومه الأسس والقواعد الموجودة في كل من قانوني تحقيق الجنايات الأهلي والمختلط مع إدخال ما رأى من التعديلات عليها مما دعت إليه ضرورة استكمال النقص أو إصلاح العيب الذي أظهره العمل في كثير من المواضع، ومما استوجبته ملاحقة الخطى الواسعة التي خطاها علم القانون على العموم والعلوم الجنائية على الخصوص في الفترة الطويلة التي انقضت منذ وضع ذينك القانونين الى اليوم .
فقد مست الحاجة الى مواجهة صور النشاط الإجرامي بعد أن اتسع مجاله ونشطت حركته بما يسرت له المدنية الحاضرة والاختراعات والاكتشافات الحديثة . فأصبح واجب التشريع ملاحقة هذا النشاط ومجاراته فى خصائصه من السرعة والاستعانة بالوسائل التي أوجدها العلم الحديث .
لذلك كانت سرعة الإجراءات هي الطابع المميز للقوانين الحديثة في المواد الجنائية ، فقد روعي فيها التخلص من الإجراءات المعقدة التي كانت تعطل حركة سير العدالة غير محققة بحال شيئا من الضمانات التي كانت مقصودة فبسطت الإجراءات بحيث يستطاع تحقيق الواقعة والفصل فيها في وقت قصير يضمن للعدالة أثرها في النفوس ويحمى نشاطها من عيب التراخي أو البطء الذي من شأنه أن يضعف أثر القصاص ويقوى روح الاستهتار بالقانون والاستخفاف بأحكامه - وذلك من غير انتقاص الضمانات الجوهرية التي تحمى الحرية الفردية وتحقق الموازنة بين مصلحة المجموع في حماية كيانه ومصلحة الفرد في حماية حريته تحققت هذه القوانين من وراء هذا التبسيط مزايا السرعة والاقتصاد في النفقات وتخفيف العمل عن كاهل القائمين بخدمة العدالة
وقد روعيت هذه الاعتبارات في وضع هذا المشروع واستهدى فيما أدخل من التعديلات ببعض التشريعات الحديثة كالتشريع الإيطالي والتركي ، كما استرشد بالقانونين الألماني والنمساوي و بما طرا على قانون تحقيق الجنايات الفرنسي من التطورات وقد اعتمد في وضعه إلى حد كبير على أعمال اللجنة التي شكلت بوزارة الحقانية في سنة ١٩٢٧ لوضع نظام للإجراءات الجنائية أمام المحاكم المختلطة .
ولم يكن ثمة بد من ترتيب أحكام هذا المشروع على نسق أقرب إلى المنطق مما هي عليه في القانون الحالي وأكثر اتساقاً مع القواعد العلمية لكي يبدو كلا مترابط الأجزاء محكم الحلقات مستغنياً بنفسه على قدر الامكان عن غيره من القوانين . ولذلك خصص - الكتاب الأول للدعوى الجنائية والدعوى المدنية والتحقيق الابتدائي وهو يشمل سبعة أبواب : الأول عن كل ما يتعلق بالشكوى والتبليغ وطبيعة الدعوى الجنائية ، والثاني عن الدعوى المدنية والثالث عن الصلح في المخالفات ، والرابع عن سقوط الحق في إقامة الدعوى العمومية بمضي المدة ، والخامس عن جمع الاستدلالات الأولية ، والسادس عن طرق مباشرة الدعوى الجنائية ، والسابع عن التحقيق الابتدائي .
أما الكتاب الثاني فقد خصص الجهات الحكم في المسائل الجنائية. فذكر في الباب الأول منه القواعد العامة المتبعة أمام هذه الجهات وفى الباب الثاني القواعد المشتركة بين محاكم المواد الجزئية ومحاكم الجنح وفي الثالث القواعد الخاصة بمحاكم المواد الجزئية وفي الرابع القواعد المتعلقة بمحاكم الجنح وخصص الخامس لمحاكم الجنايات . أما الباب السادس فقد بينت فيه الإجراءات التي تتبع في حق المتهمين الغائبين في مواد الجنايات
وعقد الكتاب الثالث لبيان طرق الطعن في الأحكام فذكرت فيه قواعد الاستئناف والطعن بالنقض والإبرام وإعادة النظر والتنازل عن طرق الطعن
وجعل الكتاب الرابع لبيان قواعد الارتباط وأحكام البطلان والاختصاص وإيقاف الدعوى وأحكام تسليم الأشياء المضبوطة وغير ذلك من القواعد المتبعة في كل الإجراءات الجنائية على السواء.
أما الكتاب الخامس فقد خصص لتنفيذ الأحكام والقواعد سقوط العقوبات فبينت فيه القواعد الخاصة بالمصاريف وبالتنفيذ وما يعترضه من المسائل الفرعية ثم ذكرت فيه أحكام سقوط العقوبات بمضي المدة
وخصص الكتاب السادس لبيان أحكام الإفراج تحت شرط وأحكام رد الاعتبار .
...
وقد وجد التعديل والإصلاح سبيله إلى كل باب من هذه الأبواب تقريبا على صور تختلف تبعا لخطر المسائل التي يعالجها . ففى المواد من 1 إلى 9 أعيد تنظيم أحكام التبليغ ووضعت قواعد خاصة بالشكاوى لا سيما في الأحوال التي يعلق فيها القانون السير في الإجراءات الجنائية على تبليغ المجني عليه فقد أوجب تقديم الشكوى في مدة ثلاثة شهور من تاريخ العلم بالجريمة حتى لا تزول معالمها وحتى لا يتخذ التبليغ وسيلة للتهديد . كما بينت القواعد الخاصة بالشكوى ومن له حق تقديمها وسحبها مما كان محلاً لاجتهاد المحاكم والشراح كذلك نص على أنه إذا توقفت الإجراءات على سبق الإذن بها من بعض الجهات فان سحب الإذن بعد صدوره لا يترتب عليه أي أثر وذلك لأن الجهة التي أصدرت الإذن ليست خصماً في الدعوى فلا يجوز أن تظل الدعوى مرهونة برأيها .
وأدخل على نظام الدعوى المدنية الوارد في المواد من 10 إلى ۲۲ تعديل جوهري فألغي حق رفع الدعوى مباشرة من المدعي بالحق المدني إقراراً لمبدأ حصر الدعوى العمومية في يد النيابة .
واحتيط لمصلحة المجني عليهم المدعين بحقوق مدنية بأن أوجبت على النيابة إذا رأت ألا محل للسير في الدعوى رفع الأمر لقاضي التحقيق ليقرر ما يراه فيها وجعل للنيابة وللمتهم الحق في الاعتراض على قبول الدعوى المدنية حتى قبل أن تحال القضية إلى المحكمة ، وذلك بالمعارضة أمام غرفة المشورة . ثم نص على اعتبار غياب المدعي بالحق المدني بعد إعلانه بالجلسة تركاً لدعواه ، كما نص على عدم قبول معارضته في الأحكام التي تصدر في غيبته . وعلى أن تنازل المدعي بالحق المدني عن دعواه أمام المحكمة الجنائية يمنعه من رفعها الى المحكمة المدنية إلا إذا حفظ لنفسه هذا الحق عند التنازل
وقد كان إثبات المعاملات المدنية أمام المحكمة الجنائية خاضعا للقواعد المقررة في القانون المدنى إلا أن القضاء الجنائي اضطر في أحوال كثيرة الى الحد من مدى تطبيق هذه القواعد حتى أصبح تطبيقها مقصوراً على دائرة ضيقة، وهذا طبيعي لأن القاضي الجنائي يحكم بأشد العقوبات بناء على اقتناعه الذي يتكون بكل طرق الإثبات ، فلا محل لتقييده بقواعد الإثبات المدنية فيما هو أقل خطورة من الأحكام الجنائية . خصوصاً وأن له من وسائل التحقيق لكشف الحقيقة ما لا يملكه القاضي المدني فلا محل لتقييده بقواعد قد تؤدي إلى ضياع هذه الحقيقة
وفضلا عن ذلك فإن النيابة العمومية التي تتولى مباشرة الدعوى الجنائية لم تكن طرفاً في التعاقد حتى يمكن مطالبتها بتقديم الدليل المدني عليه
لهذه الاعتبارات نص المشروع على أن يتبع في المسائل المدنية التي تعرض في القضايا الجنائية قواعد الإثبات الجنائية .
وقد نص المشروع على أن الأحكام الجنائية تقيد المحكمة المدنية حتماً فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها للمتهم ولو كانت هذه الأحكام قد صدرت بناء على قواعد الإثبات الجنائية .
كذلك روعي تنظيم المسائل الأولية المتعلقة بالأحوال الشخصية ونص على وجوب إيقاف الدعوى كلما استلزم السير أو الحكم فيها الفصل في مسألة من مسائل الأحوال الشخصية على أن يحدد للخصوم أجل لاستصدار حكم فيها فإن انقضى الأجل من غير أن يفصل فيها جاز للمحكمة الجنائية أن تفصل في القضية غير مقيدة بقواعد الإثبات في مسائل الأحوال الشخصية ونص أيضا على جواز إيقاف الدعوى الجنائية حتى يفصل في الدعوى المدنية المتعلقة بها إذا رئي محل لذلك (المادة (۲) وهذا النص لا يستلزم طبعاً أن تتقيد المحكمة الجنائية بالحكم المدني الذي يصدر .
وقد قرر المشروع القاعدة الأساسية التي تقضي بأن اتخاذ الإجراءات الجنائية يوقف سير الدعوى المدنية التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً ( المادة ٢٠ ) .
وقد نقلت أحكام الصلح فى المخالفات المقررة في القانون الأهلي الحالي الى الباب الثالث ( في المواد من ٢٣ الى ٢٥ ) لما ظهر من فائدتها في تخفيف العمل وتفادي المحاكمات عن المخالفات القليلة الأهمية وقد بقيت قواعد سقوط الدعوى العمومية بمضي المدة كما هي بوجه عام ( المواد من ٢٦ إلى ٣٠ ) ولكن رئي ألا تتجدد مدة السقوط بأكملها كلما اتخذ إجراء قاطع لها حتى لا يظل المتهم مهدداً بالدعوى مهما تقادم العهد على الجريمة فنص على ألا تطول مدة السقوط مهما تكررت الإجراءات القاطعة لأكثر من نصفها في الجنايات والجنح ولا لأكثر من ستة شهور في المخالفات وبينت الإجراءات التي من شأنها قطع مدة السقوط وجعل من بينها إجراءات الاستدلال ورفع الدعوى المدنية كما نص على عدم جواز رفع الدعوى المدنية أمام المحاكم الجنائية اذا كانت الدعوى العمومية قد سقطت بمضي المدة .
وقد نظم المشروع في ( المواد ٣١ إلى ٥٦ ) جمع الاستدلالات وبین آثارها القانونية والحدود التي تفصلها عن التحقيق بمعناه الاصطلاحي
ففي القانون الحالى تعتبر إجراءات البوليس القضائي في أحوال التلبس من إجراءات التحقيق أما فيما عدا ذلك فلا تكون إلا مجرد تحريات ليس لها أثر قانوني
وقد رئي أن لا محل لهذا التفريق فجعل عمل البوليس في الإجراءات الجنائية تحت عنوان جمع الاستدلالات . ونص على أن مباحثه تكون تحت إشراف النيابة كما نص على وجوب مراعاة أوضاع معينة فيها تكفل بقدر الإمكان تحقيق الغاية منها . ومما استحدثه المشروع في هذا الباب نصه على عدم جواز تحليف الشهود اليمين أثناء جمع الاستدلالات إلا في حالة استثنائية استدركها وهي حالة احتمال أن الشاهد لا يستطيع تأدية شهادته بعد ذلك مؤيدة باليمين أمام السلطة المختصة كحالة المرض أو الإصابة الشديدة أو السفر ونصه على إجازة تحليف الخبراء الذين يطلب منهم تقديم آرائهم في تقارير مكتوبة
وقد رئي أن لا تعرض على قاضي التحقيق كل قضية مهما كانت قليلة الأهمية وأن لا يكون تحقيقه واجباً إلا في قضايا الجنايات التي ترى النيابة العمومية السير فيها (مادة ٦١) أما قضايا الجنح فقد ترك للنيابة الخيار في أن تطلب من القاضي تحقيقها أو لا تطلبه حسبما تتبينه من ظروف الدعوى . فإذا رأت أن عناصر الاستدلال التي جمعت كافية للسير في تحقيقها في الجلسة - كان لها أن تكلف المتهم بالحضور أمام المحكمة مباشرة. وللمتهم إذا رأى أن قضيته تحتاج الى تحقيق بواسطة قاضي التحقيق أن يعترض على هذه الإحالة. وقد بين المشرع طريق ذلك الاعتراض وإجراءاته ورتب على قبول الاعتراض بطلان ورقة التكليف بالحضور ووجوب تحقيق الدعوى أمام قاضي التحقيق ( المادة ٥٨)
على أن حق النيابة في رفع الدعوى مباشرة إلى المحكمة في مواد الجنح مقيد بوجوب سماع أقوال المتهم في محضر الاستدلال أو ثبوت عدم إمكان استجوابه لغيبته أو لاستحالة معرفة محل إقامته المادة (٥٧) والعلة في ذلك أن عناصر الدعوى لا تعتبر متوفرة إلا بعد سماع أقوال المتهم فإنها قد تكشف عن عناصر أخرى ربما حملت النيابة على العدول عن المحاكمة أو على رفع الأمر إلى قاضي التحقيق . و إذا كان المتهم مقبوضاً عليه تعين على النيابة إذا رأت رفع الدعوى مباشرة أن تقيمها في ظرف أربع وعشرين ساعة من وقت القبض عليه وفي هذه الحالة يجب على المحكمة أن تفصل في القضية في الجلسة الأولى إلا إذا طلب المتهم التأجيل أو كان التأجيل ضروريا سبب آخر ، وفي حالة التأجيل تنظر المحكمة في حبس المتهم احتياطيا أو الإفراج عنه (المادة ٥٩) .
أما إذا لم تيسر للنيابة تقديم القضية في ظرف أربع وعشرين ساعة ورأت إبقاء المتهم مقبوضاً عليه وجب عليها عرض الأوراق على قاضي التحقيق ليأذن باستمرار القبض مدة أو مدداً لا يزيد مجموعها بحال على أربعة أيام أو يتولى هو التحقيق ( المادة ٦٠) والملحوظ في ذلك هو التوفيق بين الانتفاع بنظام جمع الاستدلالات وعدم إطالة مدة القبض المسموح بها للضبطية القضائية إذا كانت هذه الإطالة لا يقتضيها استيفاء الأدلة أو ضرورة إجراء تحقيق بمعرفة القاضي بل مجرد انتظار عمل أو إجراء لا يتوقف إتمامه غالبا على نشاط رجال الضبطية كورود صحيفة السوابق أو الكشف الطبي أو نتيجة التحليل
وقد ركز المشروع التحقيق الابتدائي في يد قاضي التحقيق (المواد ٦٢ وما بعدها ) وبين حقوق الخصوم فيه فنص على وجوب حضور النيابة والمتهم والمدعى بالحقوق المدنية والمسئول عنها الا إذا رأى القاضي أن يجربه في غير حضورهم ( المادة ٩٢ ) .
وقد أوجب المشروع على قاضي التحقيق عند استجواب المتهم أن يبين له خلاصة الوقائع المسندة إليه . كذلك أوجب عليه أن يعين للمتهم عند استجوابه محامياً إذا طلب ذلك ولم يكن له محام. ورتب البطلان على مخالفة هذا الإجراء إلا في أحوال الاستعجال فقد رفع هذا الواجب عن القاضي مخافة تفويت مصلحة قد لا تهيأ للتحقيق فيما بعد ( المادة ٩٤ ) .
وقد خول المشروع للقاضي سلطة التقرير بأن لا وجه لإقامة الدعوى إذا رأى أن الفعل لا عقاب عليه أو أن الأدلة لا تكفي لإقامة الدعوى كما خوله سلطة إحالة الدعوى على المحكمة في مواد الجنح والمخالفات . وهذا هو المتبع في القانون الأهلي والقانون الفرنسي.
أما في مواد الجنايات فنظرا لخطورتها ودقة التصرف فيها في غالب الأحيان فقد رئي أن لا ينفرد قاضي التحقيق بإحالتها على محكمة الجنايات ولذلك نص على أنه إذا رأى أن الواقعة جناية وأن الأدلة تبرر رفع الدعوى العمومية فيها فيحيلها إلى غرفة المشورة لتنظر هي في إحالتها على محكمة الجنايات أو على محكمة أخرى أو تقرر بأن لا وجه لإقامة الدعوى أصلاً
وقد جعل قرار قاضي التحقيق بأن لا وجه قابلاً للطعن فيه بطريق المعارضة أمام غرفة المشورة ( المادتان ١٢٦ و ١٣٠)
ومن المبادئ المقررة فى القانون الحالي أن قاضي التحقيق متى تصرف في القضية بإحالتها فإنها تخرج من يده نهائياً ولا يجوز له أن يباشر فيها بعد ذلك إجراء ما . والمحكمة التي تنظر في القضية هي التي تقوم بكل ما تدعو إليه الحاجة من وجوه استكمال التحقيق . والواقع أن هذا الفصل بين سلطتين هما بحكم وظيفتهما وطبيعة عملهما متعاونتان ومتصلتان يصعب تعليله ، ولذلك لم يؤخذ به في كثير من القوانين ولم يؤخذ به كذلك في المشروع. فجعل لقاضي التحقيق حتى بعد إحالة القضية الى المحكمة أن يجري تحقيقات تكميلية بناء على طلب النيابة من تلقاء نفسها أو إذا التمس المتهم منها ذلك ؛ فإذا تبين للقاضي من التحقيق الجديد أن أمر الإحالة الصادر منه في غير محله فله أن يصدر قرارا بذلك ( المادتان ١٤٥ و ١٤٦ )
وبهذا وفر المشروع على المحكمة بكامل هيئتها وقتاً وجهداً يكفي أن يقوم به قاض واحد هو مختص بذلك أصلاً ، وكان من حقه أن يجربه لو ثبتت له ضرورته فى الوقت المناسب . ولا تخفى الفائدة التي تعود من تفادى المضي في إجراءات المحاكمة العلنية متى ظهر ما يستوجب العدول عنها . وإن هذه الفائدة تزداد وضوحاً إذا كانت القضية قد أحيلت بغير أن يستجوب المتهم لعدم إمكان القبض عليه ولذلك نص المشروع ( المادة ١٤٤) على أنه إذا قبض على المتهم بعد صدور أمر الإحالة كان لقاضي التحقيق ولغرفة المشورة بحسب الأحوال وبعد استجواب المتهم أن يقررا إلغاء أمر الإحالة أو إبقاءه
ولعل أهم ما يتصل بمرحلة التحقيق السلطات التي يملكها المحقق أو المأمور القضائي والتي يترتب على استعمالها تقييد للحريات.
فقد أبقى المشروع للبوليس القضائي سلطة القبض على الأشخاص في حالة التلبس بالجريمة وفي بعض الجرائم الأخرى الخطيرة التي وردت على سبيل الحصر فى المادة ٥١ وذلك أسوة بما هو معمول به في القانون الأهلي
كذلك خوّل له حق تفتيش شخص المتهم في نفس هذه الأحوال ( المادة ٥٤ ) وهو ما كان من قبل موضع شك وخلاف في التأويل نظراً لخلو القوانين الحالية من نص على ذلك. وخول له أيضا في الأحوال عينها حق تفتيش محل المتهم وما يستتبعه ذلك من حق تفتيش من يوجد بهذا المحل ويشتبه في أنه يخفي شيئا مما يجري التفتيش من أجله ( المادة ٥٤ ) .
وقد عني المشروع بتنظيم إجراء التفتيش فنص على تمكين المتهم من حضوره إن كان موجوداً و إلا فيسمح بحضوره لأحد أقاربه البالغين أو أحد القاطنين معه أو أحد جيرانه ( المادة ٥٥ ) .
وضماناً لسرية المكاتيب نص على أنه في حالة ضبط المكاتيب والأوراق المختومة أو المقفلة بأية طريقة كانت لا يجوز للنيابة ولا البوليس الاطلاع على محتوياتها إلا بإذن من حائزها وإلا وجب رفع الأمر إلى قاضي التحقيق ليطلع هو على هذه الأوراق ويأمر بضم ما يرى ضمه منها إلى ملف الدعوى بعد سماع أقوال الخصوم ( المادة ٤٣ )
وأجيز للنيابة أن تضبط الرسائل البريدية والبرقية على ألا يطلع عليها إلا قاضي التحقيق ليأمر بما يراه نحوها ، أما من عدا النيابة العمومية من رجال الضبطية القضائية فليس له إلا أن يخطر مصلحة البريد أو التلغراف بعدم تسليم الرسائل إلى أن تنظر النيابة في الأمر ( المادة ٤٤)
وخول للبوليس القضائي ضبط الأشياء والأسلحة والأدوات وكل ما يحتمل أنه استعمل في ارتكاب الجريمة أو يفيد في إظهار الحقيقة (المادة ۳۸) وخول له بشروط خاصة وضع الأختام على المحلات محافظة على ما يوجد بها من الآثار التي قد تفيد في كشف الحقيقة ( المادة ٣٩) .
كذلك جعل للبوليس حق منع المحادثات التليفونية وحق تسمعها ( المادة ٤٤ ) الأمر الذي كان محلاً للشك من قبل .
أما قاضي التحقيق فسلطته بالضرورة أوسع من ذلك ولكنها قيدت ببعض قيود منها أنه لا يستطيع البدء في عمله من تلقاء نفسه وبغير طلب من النيابة (المادة ٦٢) . ومنها أنه عند قيامه بتفتيش منزل المتهم أو غيره يجب عليه أن يمكن من يجرى التفتيش في محله من الحضور بنفسه إذا كان موجوداً وإلا فيحضر عنه أحد أقاربه أو أحد جيرانه ( المادة ٧٦) ومن ذلك يتضح الفارق بين سلطة قاضي التحقيق وسلطة رجال الضبطية القضائية فهؤلاء لا يملكون إلا ما خولهم القانون، أما هو فيملك ما يحظره عليه ، على أنه في مباشرة هذه السلطة الواسعة خاضع لرقابة غرفة المشورة التي أجاز المشروع للخصوم التظلم إليها من قراراته والتي لها حق الإشراف على سير التحقيق والإرشاد الى كل ما يضمن حسن سيره كالتنبيه الى ضرورة إنجازه ( المادة ٦٤ ) .
وبديهي أن كل ما يجيزه قاضي التحقيق لغيره أو يأذن له فيه يملك هو أن يباشره بنفسه، فله أن يفتش وأن يضبط الخ ولكن عليه في بعض الأحيان أن يباشر بعض هذه الإجراءات بنفسه فلا يجوز له انتداب غيره للاطلاع على الأوراق المغلقة وإن جاز له في ظروف استثنائية إشراك غيره من رجال السلطة القضائية في عملية فرزها (المادة ۷۸).
وقد نص المشروع على أنه يجوز لقاضي التحقيق حجز المتهم لفحص قواه العقلية ووضعه تحت الاختبار وقد بينت المادة ٧٣ شروط وحدود هذه السلطة . وبهذا وضح المشروع مسألة كانت موضع لبس وخلاف نظرا لخلو القانون الحالي من نص عليها . وأهم ما تنبغي الإشارة إليه من سلطات قاضي التحقيق هو الحبس الاحتياطي ، فقد كان هذا الإجراء ولا يزال ميداناً تتضارب فيه الأفكار والآراء . فهو من جهة قيد ثقيل للحرية ويبدو ظالماً إذا أسفرت المحاكمة عن براءة المتهم المحبوس . وهو من جهة أخرى احتياط من العبث بالأدلة ومن إفلات المتهم . فضلاً عن أن بقاء المتهم مطلق السراح بعد ارتكاب الجريمة يثير شعور الناس من إيمانهم بسلطة القانون وكفالة الاقتصاص من المجرم ؛ لذلك تنازع هذا الموضوع من القانون تياران مختلفان باختلاف وجهة النظر : أحدهما يذهب إلى أن الحرية الشخصية أولى بالاعتبار وأجدر بالحماية فيجنح إلى تقييد سلطة التحقيق في الحبس الاحتياطي ويغلو في الضمانات التي تحصر هذا الحق في أضيق حدوده ، والثاني يحرص على أمن المجتمع وضرورة الدفاع عنه ويعتبر الحبس الاحتياطي أخف الضررين فيميل إلى إعطاء سلطة التحقيق فيه حقوقا واسعة . وقد كان القانون الفرنسي ميدانا تداول السبق فيه أنصار الرأيين وانتهى الحال في سنة ١٩٣٥ إلى إقرار قواعد رئي أنها توفق بين كل الاعتبارات . وعلى هدي ما استقر عليه التشريع في فرنسا حيث تتمتع الحرية الشخصية بأوسع الضمانات وضع هذا المشروع أحكام الحبس الاحتياطي ( المواد ٩٩ وما بعدها ) .
وقد لوحظ أن وجود التحقيق في يد قاض ضمان كاف يغني عن المبالغة في تقييد سلطة الحبس الاحتياطي فأطلق حقه فيه في كل جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون بالحبس أو بعقوبة أشد . ولكن رئي مع ذلك أن ينص على أن الحبس الاحتياطي لا يكون إلا لمدة شهر ينتهي بانتهائه إلا إذا طلب قاضي التحقيق أو النيابة من غرفة المشورة تجديده فيكون لها أن تجدده لمدة أو مدد فيما يتجاوز كل منها شهراً حتى يتم التحقيق ، على أن تسمع أقوال النيابة والمتهم عند كل تجديد ( المادة ١٠٥) .
ولقاضي التحقيق بطبيعة الحال أن يفرج عن المتهم في أي وقت وللنيابة أن تعارض في هذا الإفراج أمام غرفة المشورة . ويترتب على تقديم هذه المعارضة فى ميعادها وقف تنفيذ أمر الإفراج الى ان يفصل فيها كما أن قيام ميعاد المعارضة نفسه يوقف التنفيذ (المادة ۱۱۱) . وقد روعي في ذلك أنه مادام قاضي التحقيق لا يستقل بالأمر بالإفراج بل عليه في ذلك رقيب من غرفة المشورة فالأحوط ألا ينفذ أمر الإفراج حتى تبدي غرفة المشورة رأيها فيه وإلا فقد تصبح المعارضة عديمة الجدوى بهرب المتهم عقب الإفراج عنه . ولهذا النص نظير في التشريع الفرنسي .
ولم يفت المشروع تحويل المتهم حق طلب الإفراج عنه من قاضي التحقيق وتخويله حق المعارضة في رفض طلبه. ويجوز أن يقيد الإفراج بالضمان كما يجوز أن يكون بغير ضمان (المادة ۱۱۳). وقد أجيز للقاضي مع الإفراج أن يحرم على المتهم الإقامة في جهة معينة أو يلزمه بالإقامة في جهة أخرى غير الجهة التي وقعت فيها الجريمة (المادة ۱۱۳) . وقد راعى المشروع في ذلك حماية شخص المتهم والمحافظة على الأدلة واحترام شعور أهل الجهة التي وقعت فيها الحادثة
وقد نص على ضرورة إجابة طلب الإفراج بالضمان في مواد الجنح إلا إذا خيف أن يعرقل الإفراج ظهور الحقيقة أو خيف أن يهرب المتهم أو كان المتهم خطراً على الأمن العام . وفي هذه الأحوال يتعين تسبيب قرار الرفض ( المادة ١١٥ ) .
أما في مواد الجنايات فلا يجب الإفراج بحكم القانون وإنما يجوز للقاضي أن يأمر به مع الكفالة (المادة ١١٦)
ومما لا شك فيه أن قيمة أي تشريع خاص بالإجراءات الجنائية تتوقف على مدى نجاحه في التوفيق بين الضمانات التي تكفل صحة الحكم وبين الإجراءات التي تضمن عدم الابطاء في إصداره .
وقد راعى المشروع في النصوص الخاصة بالمحاكمة وطرق الطعن في الأحكام التوفيق بين الغرضين المذكورين .
فإنه من المسلم به أن كثرة الأحكام الغيابية وكثرة الطعن في الأحكام بطريق المعارضة والاستئناف لا ترجع في الغالب إلى موانع حقيقية حالت بين المتهمين وبين الحضور أو الى عيوب جدية تكون قد شابت الأحكام المطعون فيها - بل كثيرا ما ترجع الى رغبة المتهمين في تعطيل سير القضايا بالتخلف عن الحضور فيها أو رغبتهم في إطالة الإجراءات وتأخير تنفيذ الأحكام بالطعن فيها بكل طرق الطعن الجائزة قانونا . وقد سهل لهم ذلك في التشريع الحالي عدم تقييده حرية المتهم في الغياب وسماحه بالمعارضة في كل الأحكام الغيابية مهما كانت القضية تافهة وإجازة الاستئناف في قضايا الجنح أيا كانت العقوبة ، كما سهله عدم إيجاب القانون الحكم على المتهم بمصاريف ما يفشل فيه من طرق الطعن التي يسلكها .
وليس بخاف ما يترتب على ذلك من ضياع وقت القضاة ورجال النياية وأقلام الكتاب وإرهاقهم بعمل لا فائدة فيه ولا تستفيد منه العدالة شيئاً
وقد عني المشروع بتدبير علاج لهذه الحال فقضى بأن حضور المتهم أمام محكمة الجنح أو المواد الجزئية في إحدى الجلسات ثم غيابه بعد ذلك يجعل الحكم الذي يصدر عليه حضوريا لا تجوز فيه المعارضة (المادة ٢٠٦) . وكذلك يعتبر الحكم حضوريا إذا انسحب المتهم من الجلسة بعد حضوره فيها (المادة ٢٠٥).
وقد أجيز لمحكمة الجنح أن تأمر بالقبض على المتهم الذي لم يحضر وإبقائه تحت تصرف النيابة الى أن يصدر الحكم في الدعوى على وجه الاستعجال ( المواد ۲۲٥ و 226 و ۲۲۷ )
كذلك قضى المشروع بأن من يستأنف من الخصوم، عد النيابة، حكما صادرا من محكمة المواد الجزئية ثم لا يحضر في الجلسة المحددة لنظره يعتبر متنازلاً عن استئنافه وتقضي المحكمة برفضه ولا يجوز له الطعن في هذا الحكم الأخير بطريق المعارضة ( المادة ٢٥٧) .
وأوجب في جميع الأحوال على المحكمة أن تقضي مع العقوبة بالمصاريف كما تقضي على كل من يخسر طعناً بمصاريف ذلك الطعن (المواد ۳۰۲ وما بعدها ) . هذا الحكم ليس إلا تطبيقاً للقاعدة العامة التي جرت عليها كل الشرائع الأخرى والتي تقضي بأن من خسر الدعوى يلزم بمصاريفها .
ورغبة في عدم تعطيل الفصل في القضايا رأى المشروع أن لا محل لإلزام المحكمة الجنائية بالفصل في الدعوى المدنية إذا كان هذا الفصل يترتب عليه تعطيل الفصل في الدعوى الجنائية فأوجب على المحكمة - إذا كانت تصفية التعويض أو تقديره أو الفصل فيما يجب رده يستلزم تحقيقاً طويلاً يعطل الدعوى العمومية أن تقضي في الدعوى الجنائية وتتخلى عن الدعوى المدنية وتكلف الخصوم برفعها إلى المحكمة المدنية المختصة (المادة ٢٠٠) .
ومما يتصل بهذا الشأن ما اتخذه المشروع من وسائل لتبسيط إجراءات الفصل في الجرائم القليلة الأهمية .
فقد اعتبر الجنح التي لا يحكم فيها إلا بالحبس لمدة لا تزيد على ثلاثة شهور أو بالغرامة التي لا تزيد على عشرة جنيهات في حكم المخالفات وجعل نظرها من اختصاص محكمة المواد الجزئية ( المادة ٢١٢ ) .
ثم أخذ فيما يتعلق بالمخالفات وبهذه الجنح بنظام الأمر الجنائي بدلاً من نظرها بالطرق العادية (المواد ٢١٦ وما بعدها ) وهذا النظام يقتضي أن تعرض النيابة الأوراق على قاضي المواد الجزئية وتطلب منه كتابة أن يصدر - بعد الاطلاع عليها وبغير مرافعة - أمراً جنائياً بتوقيع عقوبة الغرامة على المتهم. ولا تزيد الغرامة التي يمكن الحكم بها في هذه الحالة على ۱۰۰ قرش عدا المصاريف والملحقات والتعويضات المدنية الواجب الحكم بها. وعلى القاضي أن يرفض الأمر إذا وجد أن التهمة غير ثابتة أو أنه لا يمكنه الحكم للمدعي بالحق المدني بالتعويضات أو أن المتهم يستحق عقوبة أشد من هذه الغرامة أو أن هناك ما يدعو إلى نظر القضية بالطريق العادي . وقد روعي في ذلك كله أن التظلم من هذا الأمر غير جائز لا للنيابة ولا للمدعي بالحقوق المدنية . ولا يلزم القاضي بتسبيب الأمر الجنائي ، ولكن يجب إعلان هذا الأمر للمتهم ، ويجوز له أن يعارض فيه أمام القاضي وأن يطلب محاكمته بالطريق العادي. ومعارضة المتهم لا تمنع المحكمة من تشديد العقوبة عليه . وإذا لم يحضر المعارض في الجلسة المحددة لنظر الدعوى يعتبر متنازلاً عن المعارضة . أما إذا حضر فتنظر قضيته بالطريق العادي
وحكمة تشريع نظام الأمر الجنائي ترجع إلى ظاهرة لوحظت في قضايا المخالفات والجنح القليلة الأهمية ، إذ شوهد أن غالبية المتهمين فيها يتعمدون عدم الحضور كسباً للوقت وتعطيلاً لسير الدعوى حتى تصدر الأحكام عليهم غيابياً ثم تعلن إليهم فيعارضون فيها ولا يحضرون فيصدر حكم في المعارضة ثم يستأنفون . وهكذا تستنفد كل مراحل التقاضي ولا يتغير في الغالب الحكم الأول الذي صدر في الدعوى غيابياً بناء على الأوراق كما شوهد أن عدداً غير قليل ممن ترفع عليهم الدعوى في هذه القضايا لا يكلفون أنفسهم عناء الحضور مكتفين برأي القاضي في شأنهم راضين بالعقوبة التي يوقعها عليهم غيابياً . وقد قصد بالأمر الجنائي اختصار المرحلة التي تنتهي عادة بصدور الحكم الغيابي وأن يستعاض بالأمر الجنائى عن هذا الحكم الذي يصدر مثل الأمر بناء على الأوراق بحيث لا يكون للتكليف بالحضور ونظر القضية في جلسة علنية من أثر في الحكم أو في رأي القاضي، بل لا يكون له من نتيجة سوى ضياع الوقت ومضاعفة العمل . وهذا النظام هو ونظام الصلح في المخالفات يكمل أحدهما الآخر ولم يأخذ به المشروع إلا بعد أن أثبت العمل به في كثير من البلاد الأجنبية فائدته ونجاحه .
ومن المسائل التي كانت محل بحث عند وضع المشروع مسألة تشكيل محاكم الجنح والمخالفات. وهل يؤخذ فيها بنظام القاضي الفرد كما هو الحال فى القضاء الأهلي، أم يؤخذ فيها بالنظام المعمول به الآن في المحاكم المختلطة من قصر القضاء المنفرد على قضايا المخالفات وجعل الفصل في قضايا الجنح كلها لثلاثة قضاة يفصلون فيها نهائياً بحكم لا يقبل الاستئناف . وقد استقر الرأي على حل وسط دعت إليه اعتبارات خاصة بنظام المحاكم المختلطة ، فجعل من اختصاص القاضي المنفرد قضايا المخالفات وقضايا الجنح البسيطة التي لا يجوز الحكم فيها بالحبس لأكثر من ثلاثة شهور أو بغرامة لا تزيد على عشرة جنيهات (المادة ۲۱۲) على أن تكون الأحكام قابلة للاستئناف فى الأحوال الواردة في المادة ٢٤٩ وجعل نظر بقية الجنح لدائرة مشكلة من ثلاثة قضاة يفصلون فيها نهائياً كما جعل لهذه الدائرة نظر استئناف الأحكام الصادرة من قاضي المواد الجزئية ( المادة ٢٢٢ ) .
أما محاكم الجنايات (المواد ۲۲۸ وما بعدها) تتشكل بحسب المشروع من خمسة قضاة منهم اثنان ، على الأقل ، من مستشاري محكمة الاستئناف ويكون تشكيلها وتحديد أدوار انعقادها من اختصاص الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف . وقد نص على أن هذه المحاكم تعقد في القاهرة والاسكندرية والمنصورة وبورفؤاد وفي غيرها من البلاد التي تعينها الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف. كما نص على أن القضايا ترفع الى محكمة الجهة التي حققت فيها إلا إذا رأت النيابة رفعها الى محكمة أنرى فتطلب ذلك من الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف
أما الإجراءات المتبعة أمام محكمة الجنايات فهي في عمومها نفس الإجراءات المقررة في النظام الأهلي بمقتضى قانون تشكيل محاكم الجنايات رقم 4 لسنة ١٩٠٥
وقد نص أيضا على طريقة انتداب المدافعين عن المتهمين في مواد الجنايات وعلى واجبهم وأتعابهم (مواد ١٤٧ وما بعدها) بما يتفق أيضا والنظام المقرر في قانون تشكيل محاكم الجنايات وكذلك الحال فيما يتعلق بأوامر الإحالة وبسلطة المحكمة في تعديل التهمة أو تشديدها أو إصلاح الخطأ أو تدارك السهو الذي يقع في هذه الأوامر ، وإنما رئي تحقيقاً للفائدة والمصلحة جعل النصوص الخاصة بذلك عامة وغير مقصورة على محاكم الجنايات (المواد ١٣٦ وما بعدها والمادة ۱۹۸) .
وتمتاز الإجراءات أمام محاكم الجنايات حسب المشروع بتعديل جوهري في نظام الغيبة ، فقد رئي أنه لا فائدة من صدور حكم غيابي على المتهم في جناية متى كان هذا الحكم يسقط من نفسه بمجرد حضور المتهم أو القبض عليه وتعاد الإجراءات كلها من جديد والأثر الوحيد الذي يترتب على هذا الحكم في النظام الحالي هو أن مدة سقوطه هي المدة المقررة لسقوط العقوبة لا مدة سقوط الدعوى
لذلك لم يجز المشروع إصدار أحكام غيابية في قضايا الجنايات وإنما نص على تدابير من شأنها أن تكره المتهم على الحضور وأن تزيد من النشاط في تعقب المتهم الهارب ( المواد ٢٣٦ وما بعدها ) .
فقد أجاز المشروع، بعد إعلان المتهم بالدعوى حقيقة أو حكماً، أن تنظر المحكمة في غيابه وتحقق أدلتها محافظة عليها من مضي الوقت ؛ كما أجاز للنيابة أن تطلب من المحكمة معاقبة المتهم على غيابه بغرامة من ۱۰ إلى ۱۰۰ جنيه وبالحبس من أسبوع إلى سنة أو بإحدى هاتين العقوبتين
فإذا أصر المتهم على الغياب بعد فترة لا تقل عن ستة شهور جاز تكرار توقيع عقوبة جديدة عليه كالعقوبة السابقة بشرط ألا يزيد مجموع مدد الحبس عن مدة العقوبة المقررة قانوناً للجريمة التي يحاكم من أجلها ، وهذه الأحكام يجوز للمحكمة سحبها والعدول عنها بعد حضور المحكوم عليه وبناء على طلبه
وقد أجاز المشروع أيضا للحكمة أن تعين حارساً على أموال المتهم الغائب، إذا رأت ذلك لازماً لتحصيل حقوق المجني عليه أو المصاريف وكل ما قد يحكم به على المتهم . وتبقى الحراسة إلى حين صدور الحكم الحضوري أو وفاة المتهم أو ثبوت غيبته المنقطعة . وينشر حكم الحراسة في الجريدة الرسمية . ومن تاريخ شره يفقد المتهم حقه في التصرف في أمواله إلا بالوصية أو غيرها من التصرفات بين الأحياء
ويمتاز المشروع على القانون الحالي في هذا الموضوع بأنه يرمي إلى تعقب المتهم دائما بتكرار الإجراءات ضده ؛ كما يرمي إلى المحافظة على أدلة الدعوى بإعادة تحقيقها أمام المحكمة خشية تأثرها بمضي الوقت . أما عن مدة السقوط فقد اكتفى في شأنها بأن اتخاذ الإجراءات أمام محكمة الجنايات في حق المتهم الغائب يقطع سريانها.
ولم يدخل المشروع على القواعد الحالية للطعن في الأحكام عدا ما سبق ذكره إلا تعديلات جزئية - مثل النص على عدم جواز المعارضة من المسئول عن الحقوق المدنية ومن المدعي بها في الأحكام الغيابية (المادة ۲۱۱) والنص على إجراء ما من شأنه التثبت من تسلم المتهم ورقة التكليف بالحضور قبل الحكم عليه غيابيا (المادة ۲۰۸) وعلى أن ميعاد المعارضة يبدأ من تاريخ إعلان المتهم شخصياً بالحكم الغيابي وإلا فلا يبدأ الميعاد إلا من تاريخ العلم بالتنفيذ (المادة ٢٠٩) . وحكمة هذا النص الأخير ظاهرة إذ يجب ألا يحرم من المعارضة إلا من ثبت بطريقة أكيدة علمه بالحكم الغيابي الذي صدر عليه وعدم رفعه معارضة عنه في الأجل الذي حدده القانون ، وكالنص على أن استئناف أحد الخصوم يترتب عليه مد ميعاده خمسة أيام بالنسبة للباقين (المادة ٢٥٠) وذلك لنفس الأسباب التي شرع من أجلها الاستئناف الفرعي في المواد المدنية. على أنه رئي في الوقت نفسه عدم قصر حق هذا الاستئناف على المستأنف عليه الأصلي بل تحويله لسائر الخصوم تحقيقا للعدالة والمساواة في المواد الجنائية وتحاشياً لتناقض الأحكام في الجريمة الواحدة، لاسيما وأن الاستئناف الفرعي لا يكلف نظره كثيراً من الجهد والوقت مع قيام الاستئناف الأصلي . وقد حذا المشروع في هذا الصدد حذو القانون الفرنسي
ونص أيضا لداعي الاقتصاد والسرعة على أن قلم الكتاب يحدد للمستأنف عند تقريره الاستئناف تاريخ الجلسة ويعتبر هذا إعلاناً به للمستأنف، فاذا تغيب المتهم الذي استأنف وحده فليس له حق المعارضة في الحكم الذي يصدر في استئنافه. وبينت الآثار التي تترتب على الاستئناف سواء من جهة التنفيذ (المادة ٢٥٤) أو من جهة ما يتناوله الاستئناف من الحكم المستأنف والخصوم في الدعوى (المواد ٢٥١ وما بعدها) .
أما فيما يتعلق بالطعن بطريق النقض والإبرام فأهم وجوه التعديل فيه معالجة المشروع للموقف الناشئ عن عدم ختم الحكم المطعون فيه في الميعاد القانوني . فقد نص المشروع على أن الخصم الذي يريد الطعن في الحكم بطريق النقض إذا وجد أن الحكم لم يختم في ميعاد الثمانية الأيام يخطر قلم الكتاب بأنه اتخذ محلاً مختاراً له في دائرة المحكمة، فإذا ما ختم الحكم يعلنه قلم الكتاب بصورة منه في ذلك المحل ومن تاريخ ذلك الإعلان يبدأ ميعاد الطعن (المادة ٢٦٢) .
ويسد هذا النص نقصاً كبيراً إذ أنه كان يكفي في هذه الحالة أن يقرر الطعن لهذا السبب وحده ثم ينظر النقض على أساسه فتعطي محكمة النقض للطاعن ميعادا آخر يقدم فيه أسباب طعنه وقد لا يجد مطعناً قانونيا على الحكم ولا يخفى ما في ذلك من ضياع للوقت والعمل .
كذلك نص المشروع على أنه إذا حكم على عدة أشخاص فطعن فيه بعضهم بالنقض وقبل طعنه فإن الحكم ينقض بالنسبة للمحكوم عليهم جميعا إلا إذا كان وجه الطعن خاصا بمن رفعه (المادة ٢٧٦) وقد أملت هذا النص مقتضيات العدل والمساواة فإذا رأت محكمة النقض والإبرام أن الفعل المسند للطاعن لا عقاب عليه مثلاً يعين عدلاً أن يستفيد شريك الطاعن من هذا الحكم .
وبين المشروع الأحوال التي ينقض الحكم مستهدياً بما جاء في قانون النقض المدني (المادة ٢٥٩) ولم يجز المشروع المعارضة في الأحكام التي تصدر غيابيا من محكمة النقض والابرام (المادة ٢٦٩) وبذلك وضع حدا للخلاف القائم بين فقهاء القانون والمحاكم في هذا الشأن . وبين الأحوال التي تتولى فيها محكمة النقض الحكم في الدعوى بعد قبول الطعن (المادة ۲۷۰) والأحوال التي تحيل فيها الدعوى أو تعيدها للحكم فيها من جديد (المادة ۲۷۱) . وقد رؤي أن ينص في المشروع على أن ما يقع في أسباب الحكم من الأخطاء القانونية التي لم تؤثر في منطوقه لا توجب النقض وكذلك الحال بالنسبة للخطأ في ذكر مواد القانون ( المادة ٢٧٤)
ولكن المشروع من ناحية أخرى قيد سلطة المحكمة التي تحال إليها الدعوى فإذا كان الطعن مرفوعاً من المتهم وحده ونقض الحكم وأحيلت الدعوى لمحكمة أو دائرة أخرى فلا يجوز الحكم عليه بأكثر مما قضى به الحكم المنقوض (المادة ٢٧٥) لكيلا ينقلب سعى الطاعن لمصلحته وبالاً عليه .
وقد أضاف المشروع الى الأحوال التي يجوز فيها طلب إعادة النظر في الأحكام الجنائية حالة ما يكون الحكم المطعون فيه قد صدر بناء على ورقة ثبت تزويرها بعد صدوره (المادة ۲۷۸) وذلك لكي يتساوى في هذا الشأن الأحكام الصادرة بناء على شهادة الزور والأحكام الصادرة بناء على أوراق مزورة خصوصاً وأن هذه الحالة الجديدة منصوص عليها في قانون المرافعات وأن اعتماد المحاكم الجنائية على الأوراق وانخداعها بها كثير الوقوع وأشد خطراً منه في المسائل المدنية . والواقع أنه مما لا يسوغ أن يبقى حكم بني مثلا على تقرير خبير مزور في حين يبطل حكم بني على شهادة الزور. على أن تزوير الورقة يجب كما في حالة شهادة الزور أن يثبت بحكم حتى لا تبقى الأحكام النهائية مهددة بتكرار المطاعن عليها .
وقد على المشروع بالنص على جواز تنازل الخصوم فيما عدا النيابة عن حقهم في الطعن في الأحكام ، فذكر أنه ليس للنيابة أن تتنازل عن الطعن بعد رفعه أما باقي الخصوم فلهم أن يتنازلوا عن الطعن سواء بعد رفعه أو قبل رفعه ولو كان ذلك قبل انقضاء المواعيد (المادة ۲۷۹) .
أما فيما يتعلق بإجراءات المحاكمة على العموم فقد أدخل المشروع بعض تعديلات ، منها طريقة إعلان المحبوسين وتحرير تقارير طعنهم في الأحكام والأوامر (المواد ۱۵۲ وما بعدها) والقواعد التي أدخلت بهذا الشأن هي المقررة الآن بالأمر العالي الصادر في ٢٤ مايو سنة ۱٩٠١، ومنها جواز دخول المسئول عن الحقوق المدنية في الإجراءات (المادة ١٥٥) ، والنص على جواز تحليف المدعي بالحقوق المدنية اليمين وسماعه كشاهد في حالة ما إذا طلب هو ذلك أو دعته المحكمة اليه (المادة ١٦٩) ، وحكمة هذا النص ظاهرة في أن المجني عليه قد يكون هو الشاهد الوحيد في الدعوى فترى المحكمة لكي تطمئن إلى أقواله أن يؤيدها بالقسم. ومنها النص على حظر رد الشهود مع تخويل طائفة منهم حق الامتناع عن الشهادة كالأقارب والأصهار للدرجة الثانية ألخ (المادة ١٧٢) وقد احتاط المشروع في الوقت نفسه ، تحقيقا لحسن سير العدالة ، فلم يجز الامتناع عن الشهادة إذا كان الممتنع هو المجني عليه في الجريمة أو المبلغ عنها أو كان مدعيا بحق مدني أو كانت الجريمة وقعت إضراراً بقريب آخر من الأقرباء أو الأصهار المذكورين أو إذا مست الحاجة لسماع الشهادة لعدم وجود دليل آخر على الجريمة أو كان الدليل القائم غير كاف . ونص على أنه يجوز للأشخاص المؤتمنين على أسرار معاقب على افشائها أن يمتنعوا عن أداء الشهادة عنها إلا إذا أذن لهم بالشهادة من استودعهم السر ( المادة ۱۷۳) . ونص من جهة ثالثة على عدم جواز سماع شهادة الموظفين عن الوقائع التي علموا بها بسبب وظائفهم إذا كانت مما يجب أن يظل محوطاً بالكتمان لتعلقه بمصالح الدولة وذلك ما لم يأذنهم رئيسهم بالشهادة ( المادة ١٧٤ ) .
ومن أهم ما يتميز به المشروع تشدّده في ضمان علانية وشفوية المحاكمة وفي ألا تبني المحاكم الجنائية أحكامها إلا على ما يجرى أمامها في الجلسة من تحقيقات في مواجهة الخصوم . وهو في سبيل ذلك قد حرص على عدم جواز الاعتماد على التحقيقات الابتدائية أو الاستدلالات إلا إذا كان ما جاء بها قد تلي علنا في الجلسة في الحدود والقيود التي نص عليها والتي روعي في تقريرها مواجهة ضرورات استثنائية تجعل تلاوة هذه الأوراق أمراً لابد منه نظراً لتعذر حضوره وقد استهدى المشروع في ذلك بقوانين تركيا وألمانيا والنمسا وغيرها من القوانين الأجنبية
والواقع أنه مادام الشاهد موجوداً يمكن حضوره أو إحضاره من غير أن يترتب على ذلك ضرر جسيم له أو تعطيل السير العدالة فإنه يتعين سماعه عملاً بالقاعدة العامة التي تقضي بأن تحقق المحكمة الدعوى بنفسها وان يكون تحقيقها هذا حضورياً أي في مواجهة الخصوم . أما أن تعتمد المحكمة على قوال شاهد في التحقيقات الابتدائية من غير أن تكون قد سمعته في الجلسة أو تليت أقواله فيها ومكن الخصوم من مناقشتها والرد عليها وتمحيصها ففيه إخلال ظاهر بأصول المحاكمات الجنائية . ولا شك أن تلاوة الأوراق في الجلسة لا تحقق من معنى العلنية والمواجهة ما يحققه حضور الشاهد شخصياً وسماع أقواله مباشرة أمام المحكمة ومناقشة الخصوم له . ومن ثم كانت القاعدة هي وجوب حضور الشهود والاستثناء هو تلاوة الأوراق المتضمنة أقوالهم في التحقيقات عند تعذر حضورهم. وقد بين المشروع حالات هذا الاستثناء على سبيل الحصر أما غير الشهود مثل آل الخبرة فإن حضورهم بذواتهم لا يزيد في قيمة ما يدونونه أو في تيسير استظهار الحقيقة كما هو الشأن في حضور الشاهد وسماعه أمام المحكمة وما يقال عن تقارير الخبراء ينطبق على محاضر المعاينات ونحوها مما تحرره سلطات التحقيق إثباتا لمشاهداتها (المادتان 186 و ۱۸۷) .
والأحوال التي أجيزت فيها تلاوة أقوال الشاهد في التحقيق هي : حالة وفاته أو إصابته بمرض عقلي أو سفره أو عدم معرفة محل إقامته وتعذر حضوره لأسباب هامة كالمرض وبعد الشقة وكذلك حالة امتناع الشاهد عن إداء الشهادة مع وجوب أدائها (المادة ۱۸۲)
وأجيزت أيضا تلاوة أقوال الشاهد أمام الخبير وأثناء جمع الاستدلالات في الأحوال المتقدمة كما أجيزت تلاوة أقواله في التحقيق إذا لم يحضر بعد تكليفه بالحضور تكليفا صحيحا (المادة ۱۸۳)
وأجيزت تلاوة أقواله لتذكيره بواقعة قرر أنه لا يذكرها أو لمواجهته بالتناقض بين ما قرره أمام المحكمة وبين ما قرره في التحقيقات (المادة ١٨٤) .
وضمانا لالتزام الحدود المتقدم ذكرها نص المشروع (المادة ۱۸۰) على أنه لا يجوز فيما عدا تلك الأحوال أن يبني الحكم على أقوال شهود فى محضر الاستدلالات أو شهاداتهم في التحقيق الابتدائي وإلا كان الحكم باطلا .
ومما يتصل بهذا الموضوع ما نصت عليه المادة ۱۷۷ من المشروع من أنه إذا رأت المحكمة تعذر تحقيق دليل أمامها كسماع شاهد ندبت لذلك أحد أعضائها أو قاضي التحقيق فان محضر هذا التحقيق يجب أن يتلى فى الجلسة تحقيقا لمعنى العلنية .
كذلك يتصل بهذا الشأن ما جاء في المادة ١٨٨ من أنه إذا طلب الى المتهم أثناء المرافعة إيضاح بعض الوقائع فامتنع أو أوضحها بما يخالف أقواله في التحقيق أو الاستدلالات جازت تلاوة أقواله فيها
ولما كان المتهم قد يصدر عنه في التحقيقات الابتدائية أو الاستدلالات الأولية اعتراف بالفعل المنسوب إليه فقد حرص المشروع على تنبيه المحكمة الى وجوب العناية والاحتياط في الأخذ به فنص (المادة ۱۸۹) على أنه لا يجوز الأخذ بهذا الاعتراف اذا رأت المحكمة أنه صدر عن وعد أو تهديد أو أية وسيلة أخرى قصد بها حمله على الاعتقاد بأنه قد يكون من وراء اعترافه فائدة يجنيها أو ضرر يتقيه
ويلاحظ أن المشروع قد أعطى الخصوم كامل الحرية في إثبات ما يهمهم إثباته من الوقائع المتعلقة بالدعوى تحت إشراف المحكمة التي لها أيضا من تلقاء نفسها سلطة تحقيق أي دليل تراه منتجاً في إظهار الحقيقة (المادة ١٦٧)
وتقرير هذا الحق نتيجة لازمة لمبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته وعدم تقيده في ذلك بما يتقيد به القاضي المدني (المادة ۱۸۵) ذلك المبدأ الذي راعاه المشروع الي أقصى حد حتى إنه اطرح من أجله وجوب اتباع قواعد الإثبات المدنية في المسائل المدنية المرتبطة بالدعوى الجنائية
وقد روعي لداعي الاقتصاد في الوقت ولعدم إطالة أمد التقاضي أن يباح للمحكمة قصر عدد المحامين الحاضرين مع المتهم أمامها على اثنين منهم فقط (المادة ۱۹۲) إذا رأت أن هذا العدد يحقق مصلحة الدفاع ولا يخل بحق المتهم فيه ، وقد استنبط هذا النص من القوانين الحديثة
ولما كان القانون الحالي قد اكتفى في أحكام بطلان الإجراءات بنصوص متفرقة بصدد مواضيع خاصة مما اضطر المحاكم والشراح إلى التماس معظم قواعد بطلان الإجراءات في قانون المرافعات بعد قياس الإجراءات الجنائية على الإجراءات المدنية في المواضع التي يصح فيها هذا القياس فقد حرص المشروع على تدارك هذا النقص فعقد باباً خاصا لقواعد بطلان الإجراءات الجنائية جمع فيه هذه القواعد بعد تهذيبها على أساس ما استقر عليه الرأي الفقهي والقضائي وعلى هدى أحكام بعض القوانين الأجنبية فأصبحت بذلك بعيدة عن الغموض الذي كان يشوبها .
فقد عنى المشروع في المادة ۲۸۳ بالنص على وجوه البطلان المتعلقة بالنظام العام فذكر فيها ما تعلق منها بتشكيل المحكمة و بصفات القائمين بالقضاء أو بعمل النيابة العمومية وبضرورة تمثيل النيابة في الإجراءات الجنائية ومساعدة المتهم والدفاع عنه .
ونص في المادة ٢٨٤ على تصحيح الأخطاء المادية التي تقع في القرارات والأحكام وعلى إمكان إجرائه إما بمعرفة الجهة التي أصدرتها من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم
ونص في المادة ۲۸٥ على حق القاضي في الحكم ببطلان الإجراء من تلقاء نفسه ، كما نص فيها على أن النيابة العمومية وغيرها من الخصوم لا يجوز لهم التمسك بوجه بطلان تسببوا هم فيه أو لا مصلحة لهم فى التمسك به . كذلك تقرر أن بطلان الإجراء يزول إذا أدى الاجراء الغرض منه بالنسبة لجميع الخصوم كما يزول إذا قبل صاحب المصحة في البطلان آثار الاجراء ولو قبولاً ضمنياً. كذلك إذا وقع الإجراء الباطل في حضور المتهم بالتحقيق الابتدائي أو في حضور المدافع عنه أمام محكمة الجنايات أو الجنح فإن البطلان يزول بعدم اعتراض عليه من المنهم أو النيابة العمومية (المادة ٢٨٧) .
على أن المشروع لم يشترط وجوب تمثيل المتهم في الجلسة التي وقع فيها البطلان إذا كانت الواقعة مجرد مخالفة
ولما كان بطلان إجراءات التحقيق لا أهمية له في الواقع إلا من ناحية تأثيره على قيمة الأدلة أو الاجراءات المقدمة للمحكمة عند نظرها في الدعوى فقد نص المشروع على عدم جواز التمسك به إلا في الحدود المذكورة (مادة ۲۸۸) ، ومما يتصل بذلك بطلان ورقة التكليف بالحضور فان هذا البطلان يفقد حكمته إذا حضر المتهم بنفسه أو بوكيل في الأحوال التي يجوز له فيها التوكيل إذ يكون قد تحقق المقصود من هذا الإجراء بحضور المتهم .
ولذلك نص المشروع على أن حضور المتهم أو وكيله يزيل ما في ورقة التكليف من بطلان ، على أن يكون للتهم في هذه الحالة طلب تأجيل نظر القضية وتنبغي إجابته إلى ذلك إذا كان بطلان ورقة التكليف بالحضور ناشئا عن عدم مراعاة مواعيد التكليف بالحضور (المادة ٢٨٩)
وقد حددت قواعد الاختصاص المكاني فنص على أن الاختصاص الأصلي يكون لمحكمة محل وقوع الجريمة (المادة ٢٩٠) فإن لم يعرف فيكون المحكمة محل ضبط المتهم وإلا فلمحكمة إقامته (المادة ۲۹۱) وفيما يتعلق بالجرائم التي تقع خارج القطر يكون الاختصاص لمحكمة القاهرة إذا لم يتيسر الأخذ بقاعدة من القواعد السابقة (المادة ٢٩٢)
وقد عنى المشروع أيضا بتدبير وسيلة لفض تنازع الاختصاص بنوعيه السلبي والإيجابي سواء فيما بين سلطات التحقيق أو فيما بين سلطات الحكم . وذلك برفع الأمر إلى محكمة الاستئناف منعقدة بهيئة محكمة نقض و إبرام ( المادتين ٢٩٣ و ٢٩٤)
ومما استحدثه المشروع نصه على أنه إذا حكمت محكمة الجنح بعد نظرها في الدعوى والتحقيق فيها بعدم الاختصاص على اعتبار أنها جناية كان حكمها هذا بمثابة أمر بالإحالة على محكمة الجنايات ووجب أن يشتمل على البيانات الواجب ذكرها في أمر الإحالة ( المادة ۱۹۷) . وقد وفر هذا النص الوقت والعمل بتفادي إعادة القضية إلى سلطة التحقيق لتصدر أمرا بالإحالة فيها
وقد بين المشروع طريقة إيقاف الدعوى عند ظهور عته المتهم (المادتين ۲۹٥ و 296) وأوجب قياساً على الحبس الاحتياطي خصم المدة التي يقضيها المتهم محجوزاً في أحد محلات المجاذيب من مدة العقوبة التي قد يقضى بها عليه بعد شفائه
وأفرد المشروع بابا ( المواد ۲۹۷ وما بعدها ) فصلت فيه أحكام تسليم ما يضبط أثناء تحقيق الدعاوى الجنائية من اشياء وبينت فيه الجهات التي خول لها أن تقضي بهذا التسليم . وقد اهتدى المشروع في ذلك بما وضع في القوانين الأجنبية من القواعد التي قصد بها التيسير على الناس فى استرداد ما لهم من الأشياء التي استوجب ضبطها تحقيق القضايا الجنائية أو الحكم فيها من غير حاجة الى رفع دعاوى أمام المحاكم المدنية تكبدهم المشاق والنفقات وتخفيفاً لأثر الجريمة على المجنى عليه قد حرص المشروع على أن يمكنه من استرداد المال الذي خرج من يده بسببها بأسرع طريق . وروعي في الوقت نفسه ألا تزدحم دور المحاكم بأشياء لم يبق موجب لحفظها بها .
والتسليم و إن اعتبر بمقتضى النصوص الواردة في المشروع صحيحا فإنه لا يمنع أولى الشأن من المطالبة بحقوقهم أمام المحاكم المدنية المختصة . على أنه إذا كان التسليم قد أمرت به المحكمة الجنائية بناء على طلب المجنى عليه الذي ادعى بحقوق مدنية فإن هذا يمنعه هو والمتهم من الالتجاء بعد ذلك إلى المحاكم المدنية (المادة ٢٩٩).
أما المصاريف (المواد ۳۰۲ وما بعدها) فقد جرى المشروع على قاعدة إلزام المتهم بها متى ثبت ارتكابه للجريمة وذلك وفقا لما هو مقرر في معظم القوانين الأجنبية واتباعا للقاعدة المقررة في المواد المدنية لأن المتهم يجب أن يتحمل المصاريف التي تسبب فيها بارتكابه الجريمة التي اقتضت تلك المصاريف . وقد بين المشروع القواعد والأحكام المختلفة الخاصة بالمصاريف .
وليس فيما ذكره القانون من قواعد تنفيذ العقوبات ما يستحق الإشارة إليه بصفة خاصة إلا نصه على عدم جواز التنفيذ بالإكراه البدني على من حكم عليهم مع إيقاف التنفيذ ولا على المجرمين الأحداث (المادة ٣٢٦) ولولا ذلك لضاعت الفائدة من إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس التي حكم بها مع الغرامة أو المصاريف . أما الأحداث فالغالب أن لا مال لهم حتى يكرهوا على التنفيذ فيه فضلا عما في حبسهم من الخطر عليهم .
وقد أجاز المشروع تأجيل تنفيذ العقوبة المقيدة للحرية على الحبلى إلى ما بعد وضع حملها (المادة ۳۱۷) وأوجب وقف التنفيذ إذا أصيب المحكوم عليه بمرض خطر على حياته (المادة ۳۱۸) كما أوجب إيداع من يجن من المحكوم عليهم في محل المصابين بالأمراض العقلية مع خصم المدة التي يقضيها في هذا المحل من العقوبة (المادة ۳۱۹) وروعي في هذا وذاك عوامل الرحمة ودواعي الرفق والإنسانية . وأجيز تسديد العقوبات المالية على أقساط في الأحوال الاستثنائية التي تدعو إلى قبول عذر المحكوم عليهم (المادة ۳۲۳) وأوجب المشروع تحقيقا للعدالة خصم مدة الحبس الاحتياطي من مقدار العقوبة التي يحكم بها على المتهم أيا كانت (المادتين ٣١٦ و ٣٢٥) . وقد عالج المشروع ما تضاربت فيه الآراء بشأن الجهة التي تختص بالفصل في النزاع الذي يقع بين النيابة والمحكوم عليه في تنفيذ الأحكام الجنائية فنص في المادة ٣٣٢ على أن كل إشكال وكل نزاع في التنفيذ بين النيابة العمومية والمتهم يطرح أمام المحكمة التي صدر منها الحكم المتعلق به هذا الخلاف واحتاط المشروع فنص على أنه إذا كان الإشكال قد نشأ بعد انفضاض دور انعقاد محكمة الجنايات فانه يطرح أمام محكمة الجنح وذلك كي لا يتعطل الفصل في النزاع مع أن له بطبيعة الحال صفة الاستعمال .
وقد عنى المشروع بوضع باب خاص بسقوط العقوبة بالتقادم نص فيه على أن هذا التقادم ينقطع بالقبض على المحكوم عليه وبكل عمل من أعمال التنفيذ علم به المحكوم عليه (المادة ٣٣٤) وينقطع أيضا إذا ارتكب المحكوم عليه خلال المدة جريمة من نوع الجريمة المحكوم عليه من أجلها (المادة ٣٣٥) وهذا تعديل طالما نادى به المشتغلون بالعلوم الجنائية وقد قرره كثير من القوانين الحديثة لأنه لا محل لأن يتسامح المجتمع في تنفيذ العقوبة بمضي وقت لم يرتدع فيه المتهم بل تمادى فى الإجرام والإساءة إليه .
وقد أورد المشروع قواعد الإفراج تحت شرط (المواد ٣٣٧ وما بعدها) وهي في عمومها القواعد المذكورة في لائحة السجون الصادر بها الأمر العالي في 9 فبراير سنة ١٩٠١ ، ولم يجز المشروع منح هذا الإفراج إلا إذا كان المحكوم عليه قد قام بجميع التزاماته المدنية المترتبة على الجريمة وذلك ما لم يثبت فقره (المادة ٣٤٠) وقد روعى فى ذلك أنه ليس من العدل أن يتمتع الجاني بحريته كاملة على مرأى من المجني عليه قبل أن يكفر عن ذنبه ويعوض الضرر الذي أحدثه . ومما أخذه المشروع عن بعض القوانين الحديثة وجوب إشراف السلطة القضائية على الافراج عن المحكوم عليهم قبل تمام تنفيذ العقوبة فنص فى المادة ٣٣٩ على أن وزير الداخلية يأمر بهذا الإفراج بناء على طلب مفتش عام السجون وموافقة النائب العام كما نص في المادة ٣٤٢ على أن وزير الداخلية يأمر بالغاء أمر الإفراج بناء على طلب المحافظ أو المدير وموافقة النائب العام . وأجيز للنائب العام أن يأمر بالقبض موقتاً على من أفرج عنه تحت شرط وعليه في هذه الحالة أن يطلب قرار الوزير في ظرف خمسة عشر يوما بحيث اذا انقضى هذا الزمن ولم يلغ أمر الإفراج يخلى سراح المقبوض عليه (المادة ٣٤٣)
كذلك خصص المشروع بابا لإعادة الاعتبار أورد فيه (المواد ٣٤٥ وما بعدها) أحكام المرسوم بقانون رقم ٤١ لسنة ١٩٣١ ولم يخالفه إلا في جعله الفصل في طلب رد الاعتبار من اختصاص المحكمة الابتدائية التي يقيم في دائرتها الطالب وقد لوحظ في ذلك التيسير على الناس وعدم شغل محاكم الجنايات بكثرة الطلبات لا سيما وهي لا تعقد إلا في أدوار محددة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق