الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الاثنين، 17 أغسطس 2026

الندوة المصرية الأولى حول القانون الدولي الإنساني / مقدمة للتعريف بالقانون الدولي الإنساني د. صلاح الدین عامر

مقدمة للتعريف بالقانون الدولي الإنساني د. صلاح الدين عامر

(۱) منذ نشأة الحياة والحرب سجال بين البشر ، لقد صحبت الحرب الإنسان في سيرته عبر القرون ، وحفل سجل البشرية بالحروب والصراعات ، حتى غدت الحرب سمة من أبرز سمات التاريخ الإنساني ، وبدت صفحات ذلك التاريخ ملطخة بدماء الضحايا برهانا على تلك الأهوال والفظائع التي جرتها الحروب على بني الإنسان .

ومع ظهور الجماعات السياسية وتطور أشكالها اكتسبت الحرب أهمية خاصة بوصفها أداة لقهر إرادة الجماعات السياسية المعادية .

(۲) وقد اتسمت الحروب والصراعات في العصور القديمة بالوحشية والمغالاة في سفك الدماء فلم ينج من ويلاتها عجوز فان ، أو امرأة حامل ، أو طفل رضيع ، ومضى وقت طويل قبل أن يدرك الإنسان ضرورة الالتزام بمجموعة من القواعد القانونية التي تستهدف حكم وتنظيم الحرب على نحو يجعلها اقل وحشية وقوة ، وأكثر تواؤما مع اعتبارات الإنسانية ، فبعد أن كانت الحروب في المجتمعات الأولى انتصاراً دامياً للأقوى ، بسبب ما كان يعقب المعارك من مذابح -عندما يقع أفراد الشعب المهزوم بما فيهم النساء والشيوخ والأطفال تحت رحمة الغزاة ، ، الذين يريقون دماءهم أو يحيلونهم إلى أرقاء - أدرك الإنسان انه اذا تطلع الى طلب النجاة لنفسه ، فعليه أن يبدأ بالمساهمة فى توفيرها للآخرين ، وسلم بأن مزايا تفاهمه مع الآخرين افضل كثيرا من الصراع الدموي بغير حدود منهم ، ومن هنا عرفت بعض الجماعات القديمة شيئا من القواعد التي ترمي إلى التخفيف من ويلات الصراعات المسلحة ، ولا شك أن هذه هي الجذور الأولى لقانون الحرب .

(۳) وقد عرفت بعض الجماعات القديمة شيئا من القواعد التي تحكم وتنظم بعض جوانب العمليات الحربية ، والتي كانت تنبع أساسا من الاعتبارات الإنسانية ، مثل تلك القواعد التي وردت في مجموعة قوانين الهند القديمة ، والتي تحرم على المقاتل أن يقتل عدوه اذا استسلم أو وقع في الأسر ، وكذلك من كان نائما أو فقد سلاحه ، أو غير المقاتلين من المسالمين . وقد وجد بعض الفقهاء صعوبة في الاقتناع بأن مثل هذه التعاليم المثالية كانت تجد مجالاً للتطبيق في الحروب الواقعية فلا شك أن ظهور الأديان السماوية كان عاملا حاسما في إبراز العوامل الإنسانية التي أدت الى نمو تلك الجذور الأولى لقانون الحرب .

(٤) واذا كان النصف الأول من القرن التاسع عشر ، قد شهد تبلور واستقرار بعض القواعد العرفية ، والعادات ، التي تحكم سير العمليات الحربية والتي أخذت تستقر في كتابات الفقهاء وإعلانات قادة الجيوش التجارية . فإن النصف الثاني من ذلك القرن قد عرف جهوداً متصلة لتدوين تلك الأعراف والعادات ، سواء في شكل اتفاقيات أو تصريحات دولية ، أو في شكل تعليمات موجهة من الحكومات الى جيوشها في الميدان أو من خلال مجهودات فقهية لوضع تقنين كامل لقانون الحرب . ويمكن القول بأن أهم تلك الجهود كانت :

مجموعة التعليمات التي أصدرتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لحكم جيوشها في الميدان :

(ه) نشرت وزارة الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية في سنة ١٨٦٣ ، بموجب الأمر العام رقم ۱۰۰ ، تعليمات لحكم جيوشها في الميدان ، وهي التعليمات التي أعدها الأستاذ فرانسيس ليبير والتي تمثل تقنيناً لقواعد قانون الحرب البرية . وهي ذات أهمية قانونية ، وتاريخية كبيرة ، فهي أول محاولة لتقنين فرع من فروع القانون الدولي العام . وقد وجدها الأستاذ بلنتشيلي عملاً متهوراً عندما شرع في وضع تقنينه لقواعد القانون الدولي العام في عام ١٨٦٨ ، وكان لها آثار كبيرة على التطور التالي لقوانين وأعراف الحرب وتأثير محقق وواضح على كل المحاولات التي بذلت لوضع تقنينات القواعد الحرب البرية ، سواء في شكل تعليمات للجيوش في الميدان ، أو القواعد التي تضمنها إعلان بروكسل لسنة ١٨٧٤ ، وقواعد لاهاي لسنة ۱۸۹۹ ، ۱۹۰۷ ، بل وعلى بعض القواعد التي تضمنتها اتفاقيات جنيف لسنة ١٩٤٩ ، وذلك على الرغم من أن هذه التعليمات ، قد وضعت لتطبق أثناء الحرب الأهلية الأمريكية ، رغم كونها لا تعدو أن تكون تشريعاً أمريكياً وطنياً.

اتفاقية جنيف لسنة ١٨٦٤ :

(٦) قام الاتحاد الفيدرالي السويسري في سنة ١٨٦٤ ، بناء على جهود مؤسسي حركة الصليب الأحمر الدولي بالدعوة الى عقد مؤتمر دولي للنظر في نوع المعاملة التي يلقاها المرضى والجرحى في وقت الحرب ، وقد أسفر هذا المؤتمر عن توقيع اتفاقية دولية متعلقة بحماية المرضى والجرحى وهي أول اتفاقية في سلسلة اتفاقيات الصليب الأحمر وقد تضمنت هذه الاتفاقيات نصوصا أكدت بصفة خاصة على الاعتراف بحياد عربات الإسعاف والمستشفيات العسكرية ، وحمايتها واحترامها ، وعلى وجوب جمع المرضى والجرحى من العسكريين والعناية بهم بصرف النظر عن جنسيتهم وتسليم الأسرى والجرحى الى الجانب الذي ينتمون إليه اذا كانت حالتهم لا تسمح لهم بحمل السلاح ثانية

إعلان سان بتروسبورج سنة ١٨٦٨ :

(۷) لم تكد تمضي أربعة أعوام على توقيع اتفاقية جنيف لسنة ١٨٦٤ حتى صدر إعلان سان بتروسبورج La Déclaration de Saint Pétersbourg الذي تم توقيعه في ۲۹ نوفمبر - ۱۱ ديسمبر ، تتويجاً لأعمال مؤتمر بتروسبورج الذي دعا إليه الكسندر الثاني قيصر روسيا.

وقد ركز الإعلان على أن الهدف المشروع في الحرب هو إضعاف القوة العسكرية للعدو وأن الواجب تجنب استخدام الأسلحة التي تضاعف آلام الرجال أو التي تجعل موتهم أمرا محققا وهو يعد أقدم الوثائق الدولية التي تضمنت تحريمها لاستخدام بعض أنواع الأسلحة فقد حرم استعمال القذائف التي يقل وزنها عن ٤٠٠ جرام اذا كانت من ذلك النوع الذي ينفجر أو كانت معبأة بمواد متفجرة أو قابلة للاشتعال

مشروع إعلان بروكسل عام ١٨٧٤ :

(۸) عقد مؤتمر بروكسل في سنة ١٨٧٤ بناء على دعوة قيصر روسيا ، وقد اشتركت فيه وفود الحكومات كل من ألمانيا - النمسا المجر - بلجيكا - الدانمرك - إسبانيا - فرنسا - بريطانيا - اليونان إيطاليا - هولندا - روسيا - السويد - النرويج - تركيا .

وتقدمت الحكومة الروسية الى المؤتمر بمشروع اتفاقية دولية تتعلق بقوانين وأعراف الحرب واتخذت أساسا للنقاش في المؤتمر ، واللجنة التي انبثقت عنه ، وبعد مناقشات مستفيضة في تلك اللجنة وفي الجلسات العامة للمؤتمر، ثم التوقيع فى ٢٧ أغسطس ١٨٧٤ على البروتوكول الختامي، ومشروع إعلان دولي يتعلق بقوانين وأعراف الحرب يقع في ٥٦ مادة وينطوي على تقنين الأعراف والعادات التي تحكم الحرب البرية .

وغداة انفضاض المؤتمر حاولت الحكومة الروسية جاهدة أن تحصل على تصديق الحكومات على مشروع الاتفاقية الدولية المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب التي أسفرت عنها أعمال المؤتمر ، ولكن جهودها ذهبت أدراج الرياح ، وبقي المشروع دائما في شكل المشروع ، فلم يتحول إلى اتفاقية دولية نافذة وسارية رغم كل الجهود الديبلوماسية التي بدلتها الحكومة الروسية. وقد كان موقف بريطانيا العدائي من الدعوة الروسية منذ البداية وإعلانها اعتزام عدم التصديق على مشروع اتفاقية بروكسل ، فضلا عن الخلاف الحاد حول بعض المسائل بين معسكري الدول الكبرى ، والدول الصغرى ، وتسعى ألمانيا إلى إحباط مشروع بروكسل الذي كانت ترى في نصوصه نوعا من الانتقاد ولمسلكها في حربها ضد فرنسا في عام ۱۸۷۰ ، عوامل أساسية أدت الى عدم التصديق على مشروع تلك الاتفاقية

(۹) وعلى الرغم من عدم التصديق على مشروع بروكسل من جانب الحكومات التي شاركت في المؤتمر وعلى الرغم من أنه لم يكتسب قوة إلزامية نتيجة لذلك ، قاله اكتسب قيمة معنوية كبيرة ، وأثر تأثيرا ضخماً على التطور التالي القانون الحرب، فقد اهتدت به بعض الحكومات ( الحكومة الفرنسية ) في التعليمات التي أصدرتها الى جيوشها في الميدان ، كما راعت بعض الدول قواعد بروكسل بصفة واقعية في الحروب التي وقعت بعد إعداده

على أن أكبر آثار مشروع بروکسل وضوحا وأهمية هو ذلك التأثير الذي كان له على مؤتمرات لاهاي السلام في عامي ١٩٠٧،١٨٩٩، فلقد كان مشروع بروكسل هو نقطة البداية والانطلاق لهذين المؤتمرين.

مؤتمر لاهاي الاول السلام

(١٠) لم تتوقف الحكومة الروسية عن بدل مساعيها المحاولة وضع بعض القواعد التي تحكم الحرب خدمة القضية السلام ، التي ارتدى القيصر الروسي مسوح الراهب القائم على أموره ، وتم لروسيا القيصرية في النهاية إحراز شيء من النجاح عندما عقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام بناء على دعوتها في الفترة الواقعة بين ١٨ ماين ، ٢٩ يوليو ۱۸۹۹ ، والذي أسفر عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية ، يتعلق منها بقانون الحرب ما يلي :

أولا : الاتفاقية الثانية الخاصة بقواعد وعادات الحرب ، التي ألحقت بها لائحة الحرب البرية ، المستمدة من مشروع بروكسل ، وقد فرضت الاتفاقية التي جرت صياغتها في خمس مواد على الدول الأطراف المتعاقدة أن يصدر لجيوشها البرية تعليمات مطابقة لتلك التي وردت باللائحة الملحقة بها

ثانيا : الاتفاقية الثالثة ، وهي اتفاقية الصليب الأحمر الخاصة بجرحى ومرضى الحرب في الحرب البرية على الجرحى والمرضى في الحرب البحرية .

ثالثا : ثلاثة تصريحات يحرم الأول على القول لمدة خمس سنوات إلقاء مقذوفات من البالونات ، ويحرم الثاني استعمال المقذوفات التي يكون الفرض الوحيد منها نشر غازات خائفة أو ضارة ، ويحرم الثالث استعمال المقذوفات التي تتفرطح داخل جسم الإنسان .

مؤتمر لاهاي الثاني في عام ۱۹۰۷

(11) وعقد مؤتمر لاهاي الثاني في عام ۱۹۰۷ وكانت أعماله إضافة إلى أعمال ونتائج المؤتمر الأول وأسفر عن وضع عدد من الاتفاقيات الدولية ، وحظي قانون الحرب بمكان كبير بين العمالة وأحلت اتفاقية لاهاي الرابعة الموقعة في ۱۸ أكتوبر ۱۹۰۷ المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية ، محل اتفاقية لاهاي في عام ۱۸۹۹ : واللائحة الملحقة بها.

استمرار جهود التقنين خلال النصف الأول في القرن العشرين :

(۱۲) اذا كان مطلع القرن الحالي قد شهد انعقاد مؤتمر لاهاي الثاني للسلام في سنة ١٩٠٧ وما أسفر عنه من اتفاقيات ، كانت أساساً للنظرية التقليدية في قانون الحرب، فان الجهود الرامية إلى تدوين قوانين الحرب وأعرافها ووضع قواعد قانونية جديدة لمواجهة الظروف الناشئة عن التقدم العملي والفني في مجالات الحرب قد استمرت خلال النصف الأول من هذا القرن الذي شهد اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية - وأسفرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية كان من أبرزها :

1 - اتفاقية دولية لتحسين أحوال الجرحى والمرضى من أفراد الجيوش في الميدان ، في ٦ يوليو سنة ١٨٦٤ في العلاقة بين الأطراف المتعاقدة وهو ما يعني أن تلك الاتفاقية الأخيرة تظل سارية في مواجهة الدول التي سبق لها توقيع اتفاقية ١٨٦٤ ، والتصديق عليها ولم تصدق على الاتفاقية الجديدة المعقودة في سنة ١٩٠٦ .

2 - وفي عام ۱۹۲٥ تم توقيع بروتوكول - جنيف الخاص بتحريم الالتجاء الي حرب الغازات والحرب البكتريولوجية ، الذي عهدت بمقتضاه مجموعة كبيرة من الدول الأعضاء في عصبة الأمم بعد الالتجاء في الحروب التي تخوضها الى استخدام الغازات السامة أو الخانقة أو الى الحرب البكتريولوجية أو حرب الميكروبات

3 - وقد تم تنقيح اتفاقية جنيف لسنة ١٩٠٦ في ضوء تجربة الحرب العالمية الأولى ، وكذلك القواعد المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب : التي تضمنتها لائحة قوانين وأعراف الحرب البرية الملحقة باتفاقية لاهاي الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية . حيث تم إبرام اتفاقيتين في جنيف في سنة ۱۹۲۹ ، تتعلق الأولى بتحسين أحوال الجرحى والمرضى من أسرى الجيوش في الميدان ، وكانت الثانية خاصة بمعاملة أسرى الحرب

ثم حلت اتفاقيات جنيف الأربعة التي عقدت في سنة ١٩٤٩ الحماية ضحايا الحرب محل الاتفاقيتين المشار إليهما

۱۳ - النظرية التقليدية لقانون الحرب : وقد جرت التفرقة في هذه القواعد بين قسمين رئيسيين :

الأول : هو القواعد التي تحكم العمليات العسكرية وتنظم سيرها ، واطلق عليه قانون لاهاي نسبة الى اتفاقيات لاهاي وذلك على الرغم من أنه يشتمل على اتفاقيات ووثائق لم توقع في لاهاي .

بل ان أول أجزاء ذلك القانون قد جرت صياغتها في سان بترسبورج بمناسبة إعلان سان بترسبورج في سنة ١٨٦٨

الثاني : وهو الخاص بالقواعد التي تكفل حماية ضحايا الحرب ، وهو ما عرف بقانون جنيف نسبة الى سلسلة اتفاقيات وآخرها اتفاقيات جنيف لسنة ١٩٤٩ .

وقد تناول الفقه الدولي هذه القواعد بالدراسة والتأصيل فأقام من جماعها ما أطلق عليه النظرية التقليدية في قانون الحرب والتي قامت على عدد من المحاور الرئيسية التي كانت تشكل ملامحها الرئيسية

أولاً - الطابع الشكلي للنظرية التقليدية في القانون الحرب :

(١٤) وقد برز هذا الطابع الشكلي في التعريفات التقليدية للحرب التي اتجهت الى إبراز أن الحرب ليست بالضرورة عملا إيجابياً ، وذلك بهدف أن يشمل تعريف الحرب تلك الأحوال التي لا يصحب فيها إعلان الحرب عمل من الأعمال العدائية .

وهكذا كان من المنصور في ظل النظرية التقليدية قيام حالة الحرب قانونا حتى ولو لم تستخدم القوة المسلحة من جانب الأطراف في النزاع ورغم عدم قيام أية أعمال عدائية فيما بينهم وعلى العكس من ذلك تماما قد تستخدم القوة من جانب دولة ضد دولة أخرى . ومع ذلك تماما فان حالة الحرب لا تعتبر قائمة قانونا طبقا لهذه النظرية التقليدية الضيفة

ثانيا - التسليم بالحق المطلق للدولة في شن الحرب :

(١٥) ويعتبر هذا المبدأ واحداً من أبرز ملامح النظرية التقليدية في قانون الحرب : فبعد القضاء على نظرية الحرب العادلة ، جرى النظر الى الحرب من جانب الفقه التقليدي بوصفها أداة لحسم ما قد نشب بين الدول من صراعات لا يمكن التوصل إلى حلها بالأساليب والوسائل السلمية ونظر الى حق الدولة في شن الحرب بوصفه مترتباً ولصيقاً إلى أبعد الحدود بمبدأ السيادة فيما أن الدول أعضاء الجماعة الدولية متساوية في السيادة فلا يمكن تصور وجود سلطة تعلوها وتستطيع أن تفرض حكمها بصدد نزاع بعينه ، من هنا كانت وظيفة الحرب في الفقه التقليدي كوظيفة المحكمة في العلاقات بين الأفراد ، فكما يلجأ الأفراد إلى المحاكم للحصول على ما يرونه حقا لهم ، عن طريق الزام خصومهم بأداء التزامات معينة ، فكذلك الدولة تلجأ إلى الحرب الحسم الخلافات التي قد تنشأ بينها وبين غيرها من الدول ، القهر أرادتها وإملاء ما ترغب فيه من شروط عليها - اذا ما كتب لها الانتصار في الحرب - والفارق بين الحالين يكمن في فكرة السلطة العلياء التي تتوافر في المجتمعات الداخلية، والتي تعلو على إرادات الأفراد وتستطيع أن تملي عليهم ما تراه حقا يتوافق مع القانون . بينما تفتقد تلك السلطة العليا في المجتمع الدولي ومن ثم فقد نظر إلى الحرب بوصفها أسلوبا قانونيا النسوية المنازعات بين الدول 

ثالثا - استقرار مبدأ التفرقة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين :

(١٦) كان استقرار هذا المبدأ في الفقه التقليدي أساساً للحماية الإنسانية للمدنيين المسالمين والعمل على تجنبهم ويلات الحرب وشرورها بيد أن ذلك الفقه التقليدي ، قد ذهب في التمسك بشكلية هذه التفرقة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين الى حد إلزام هؤلاء الآخرين بتمثيل دور الشهود والحرس الملهاة الحرب لأن شرط استفادتهم من مبدأ التفرقة هو عدم المساهمة بأي شكل من الأشكال في تسيير العمليات الحربية

وكان مبدأ التفرقة بين المقاتلين وبين المدنيين واحداً من المقدمات التي قادت الفقه التقليدي إلى تأسيس نظريته المساهمة المدنيين خارج الجيوش النظامية في العمليات الحربية دفاعا عن أرض الوطن ، وبعبارة أخرى لموقفه من المقاومة الشعبية المسلحة ، عندما تنهض جماهير المدنيين ، أو جماعات منظمة من بينهم للدفاع عن أرض الوطن حينما تهب عليه رباح الغزو أو تتأسس فيه سلطات الاحتلال

رابعا - التفرقة بين الحروب الدولية وبين النزاعات المسلحة الداخلية :

(۱۷) قامت النظرية التقليدية في قانون الحرب على أساس الاهتمام بالحروب الدولية ، أي تلك الحروب التي يكون أطرافها من الدول أعضاء المجتمع الدولي، ونظرت الى تلك الحروب بوصفها الموضوع الأساسي القانون الحرب، فيما أن الدول وحدها هي التي يكون لها الحق في شن الحرب Jus inbello ، فان الحروب التي تخوضها في علاقاتها المتبادلة تكون دون سواها حروبا دولية تؤدي الي تطبيق قواعد قانون الحرب Jus adbellum 

أما تلك النزاعات المساحة التي تجرى داخل اطار دولة واحدة ، حينما يعمد فريق من الأفراد الى شق عصا الطاعة ضد الحكومة الوطنية ، أو حينما يجرى صراع بين مدنيين للوصول إلى السلطة ، فان النظرية التقليدية كانت تلقي بها خارج نطاق القانون الدولي : وتجعلها من الأمور الداخلة في الاختصاص الداخلي المطلق لكل دولة ولم يكن يستثنى من هذا المبدأ إلا حالة الحرب الأهلية.

والحرب الأهلية لا تعتبر حرباً بالمعنى الصحيح ، فهي لا تعدو أن تكون صراعا بالقوة بين الحكومة وبين الثوار ، مما يخضع لحكم القانون الداخلي ويخرج ما نطاق الحرب الدولية طبقا المفهوم النظرية التقليدية على أن هذا الصراع المسلح بين قوات الحكومة الشرعية وقوات الثوار ، أو بين فئتين في دولة واحدة ، بهدف الاستيلاء على السلطة ، يعتبر حربا طبق النظرية التقليدية اذا ما تم الاعتراف للثوار وصف المحاربين ، وبعبارة أكثر دقة إذا اعترف للفريقين المتنازعين بصفة المحاربين عندئذ تعتبر الحرب الأهلية حرباً في مفهوم القانون وتؤدى إلى تطبيق قانون الحرب

(۱۸) على أن أخطر ما في هذه التفرقة هو اعتبار حروب التحرير مد سلطات الاستعمار مندرجة في طائفة المنازعات المسلحة الداخلية التي تخرج عن نطاق القانون الدولي ، فقد نظر الفقه التقليدي إلى المستعمرات بوصفها أجزاء من أقاليم الدول القائمة بالاستعمار ومن ثم فان الثورة من جانب الشعب الخاضع للاستعمار ضد السلطان القائمة بالاستعمار ، وكانت تعتبر أمرا يخرج عن نطاق القانون الدولي فقد كان ينظر إليها بوصفها لمردا أو عصيانا ، ولا ترقى الى مرتبة الحرب الأهلية إلا حيث يتم الاعتراف الثوار وصف المحاربين

أفول النظرية التقليدية في قانون الحرب :

(۱۹) لقد كانت النظرية التقليدية وليدة العصر الذي انجبها : ولذلك فقد كان من الطبيعي أن تحمل طابعه ، وأن تبشر بالمفاهيم والمبادئ الأساسية التي كانت سائدة فيه

ثم حفل عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى بالكثير من المتغيرات التي تؤثر تأثيرا كبيرا أو أساسياً على الكثير من المبادي، والمفاهيم التي قامت عليها النظرية التقليدية في قانون الحرب ، أو انطلقت من التسليم بها . وكان على أنصار تلك النظرية أن يعملوا على تطويع نظريتهم لتواجه الواقع الدولي الجديد ، بيد أنهم لم يعملوا على ذلك ، وأدت عوامل متعددة إلى قيام الانفصال بين الواقع الدولي ، وبين النظرية التقليدية في قانون أدت بها الى المغيب ، بحيث بات من المستطاع القول بأنها لم تعد الا ذكرى من ذكريات الماضي .

(۲۰) ولا شك أن القضاء على حق الدولة المطلق في شن الحرب كان المفعول الأساسي الذي أسهم في تقويض بناء النظرية التقليدية ، فضلاً عن أن التقدم العلمي والفني الهائل في وسائل التدمير المستخدمة في الحروب قد تجعل الحرب حرباً شاملة ، وهو ما أدى - بالإضافة إلى أسباب أخرى - الى غموض التفرقة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين ، ذلك المبدأ الأساسي من مبادئ النظرية التقليدية الذي كان ينظر إليه بوصفه أعظم انتصارات القانون الدولي

وفوق هذا وذاك فان المجتمع الدولي المعاصر لم يعد يستطيع أن بغض الطرف عن الأهوال والفظائع التي تعرفها النزاعات المسلحة في ذات الطابع الدولي ، خاصة مع اشتداد عود الحركة الإنسانية وحركة حقوق الإنسان ، والرغبة في كفالة نوع من الحماية لضحايا تلك النزاعات ، وهو الأمر الذي لم يكن من الميسور تحقيقه في ظل النظرية التقليدية

الدعوة إلى تنقيح قانون الحرب :

(۲۱) ولقد كان من المؤسف حقا أن يتقاعس الفقه الدولي في أعقاب الحرب العالمية النابية عن النهوض بواجب تطوير قواعد قانون الحرب التقليدية لتساير الواقع الدولي وتواكب تطوره ، على زعم أن الحرب قد أصبحت خارج القانون ، ومن ثم فإنه لم يبق ثمة مجال لتنظيمها ، وداب الكتاب على ترديد الشروح التقليدية ، دون عنابة بتطويرها على نحو يسمح بتواؤمها مع التطورات التي أصابت الجماعة الدولية بصفة عامة ، وظاهرة بوجه خاص

ولقد كتب لهذه الأفكار أن تسود وأن يكون لها من التأثير والغلبة ما دفع بلجنة القانون الدولي أن تقرر في ٢٠ ابريل ١٩٤٩ عدم ادراج قانون الحرب في قائمة الموضوعات التي قررت القيام بدراستها في اطار جهودها من اجل العمل على تقنين والماء القانون الدولي

(۲۲) على أن اليوم التالي مباشرة لصدور قرار لجنة القانون الدولي قد شهد ( لحسن الطالع ) انعقاد مؤتمر جنيف الدبلوماسي الذي عقد في الفترة الواقعة بين ۲۱ ابريل و ١٢ أغسطس ١٩٤٩) واشترك فيه ممثلو احدى وستون دولة . فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى نشطت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تنقيح ذلك الجانب الهام من قانون الحرب ، المتعلق بحماية ضحايا الحرب ، وقد انتهت إلى عقد مؤتمرات متتابعة حتى تمكنت من إعداد مشروع الاتفاقيات التي تقدمت بها إلى المؤتمر المشار إليه ، والذي جرت فيه صياغة و اقرار اتفاقيات جنيف الأربع لحماية ضحايا الحرب الموقعة في ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٩

(۲۳) القانون الدولي الإنساني :

لا شك أن اتجاه اتفاقيات جنيف بموجب المادة الثانية المشتركة منها الى إعلان أنه «علاوة على الأحكام التي تنفذ وقت السلم ، تطبق هذه الاتفاقية في جميع حالات إعلان الحرب أو في حالة أى اشتباك مسلح آخر ، يمكن أن ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامين المتعاقدين حتى اذا لم يكن أحد الأطراف قد اعترف بحالة قيام الحرب.

تطبق هذه الاتفاقية أيضا في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لأراضي أحد الأطراف السامين المتعاقدين حتى اذا كان هذا الاحتلال لا يواجه مقاومة مسلحة . وحتى إذا لم تكن إحدى الدول المشتبكة في الفنان طرفا متعاقدا بهذه الاتفاقية ، فان الدول المتعاقدة تبقى مع ذلك ، ملتزمة بأحكامها في علاقاتها المتبادلة ، وعليها فوق ذلك أن تلتزم بها ، في علاقاتها مع الدولة المذكورة ، إذا قبلت هذه الأخيرة أحكام الاتفاقية وطبقتها

كان يعد في حقيقة الأمر بداية المرحلة جديدة فربط تطبيق الاتفاقيات بحالة النزاع المسلح يهدف كفالة أكبر قدر مستطاع من الحماية لضحاياها. ومحلولة تأمين حد أدنى من المعاملة الإنسانية الضحايا النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي ، والاتجاه الى الأخذ بتعبير الطرف في النزاع بدلا من استخدام الطرف المحارب هي امور ادت في جملتها الى تطبيق اكثر اتساعا لاتفاقيات جنيف

( ٢٤ ) وهذا الاتجاه نحو فكرة النزاع المسلح بدلاً من المفهوم الشكلي التقليدي الحرب قد اقترن بالاهتمام البالغ بالبعد الانساني ، وذلك الذي يتعلق بالقواعد الخاصة بحماية ضحايا الحرب : حقيقة أن الإنسانية كانت واحدا من المحاور الرئيسية التي قام عليها قانون الحرب في مفهومه التقليدي ، إلا أنه كثيرا ما كانت تجرى التضحية بهذا المبدأ نزولا على الاعتبارات التي يقضي بها مبدأ الضرورة العسكرية في إطار القواعد المتعلقة بسير العمليات الحربية .

والواقع من الأمر أن التطورات العملية الهائلة في مجال إنتاج الأسلحة المتقدمة واستخدامها ، قد أدت إلى صيرورة الكثير من القواعد التقليدية المتعلقة سير العمليات الحربية ، غير قابلة للتطبيق ، أو عديمة الجدوى ، بل واثارت الشكوك حول الاهتمام بتطوير هذه القواعد بيد أن ذلك قد أدى في الوقت ذاته إلى الاهتمام بالقواعد ذات الطابع الإنساني ، وحماية ضحايا النزاعات المسلحة والعمل على التخفيف من ويلاتها .

(٢٥) وقد اقترن بهذا الاتجاه العمل على إدراج بعض القواعد القانونية المتعلقة بسير العمليات الحربية في الوثائق المتعلقة بحماية ضحايا الحرب ، وصولا الى ابراز صبغتها الإنسانية

ولا شك أن اتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩ ، خاصة الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين هي خير دليل على ذلك

وقد أدى ذلك الى استخدام اصطلاح القانون الدولي الانساني ، باعتباره مرادفا أو منطوبا في مفهومه الواسع على قواعد قانون الحرب.

وعندما أعدت اللجنة الدولية للصليب الاحمر تقريرها الهام حول تطوير القانون الذي يحكم التزامات المسلحة ، الذي تقدمت به إلى المؤتمر الدولي الحادي والعشرين للصليب الاحمر الذي عقد في اسطنبول في سبتمبر ١٩٦٩ فانها جعلت عنوانه و تطوير والماء القوانين والاعراف المطبقة في النزاعات المسلحة ، بيد أنها سرعان ما اتجهت إلى استخدام اصطلاح القانون الدولي الإنساني في الوثائق التي تقدمت بها إلى مؤتمر الخبراء الحكوميين للعمل على الماء وتطوير القانون الدولي الإنساني المطبق في النزاعات المسلحة ، الذي عقدت دورته الأولى في جنيف في الفترة الواقعة بين ٢٤ مايو و ۱۲ یونیو ۱۹۷۱

(٢٦) وقد بررت اللجنة الدولية للصليب الاحمر استخدام الاصطلاح الجديد ، بالرغبة في ابراز الطابع الانساني الخالص القانون النزاعات المسلحة ، ذلك القانون الذي يهدف إلى حماية الكائن البشرى والأموال اللازمة له بالضرورة، وأكدت اللجنة أن هذا الاصطلاح الجديد لا يقتصر في دلالته على اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية ضحايا الحرب فحسب ، وانما يتجاوزها ليشمل تلك القواعد الحربية أو الاتفاقية التي تضع القيود على تسيير العمليات الحربية أو استخدام الاسلحة وغيرها من القواعد التي تنطوى على قواعد تقررت نزولا على اعتبارات مبدا الانسانية .

(۲۷) وقد استقر تعبير القانون الدولي الإنساني في هذا المفهوم منذ ذلك الحين في كافة الجهود التي استهدفت العمل على الماء وتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني المطبق في النزهات المسلحة ، التي فوجئت باقرار الملحقين ( البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف في عام ۱۹۷۷) ، وأصبح هناك تعبير شائع هو القانون الدولي الإنساني ، وتعبير أكثر دقة هو القانون الدولي الإنساني المطبق على النزاعات المسلحة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق