نظرة عامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي
الأستاذ الدكتور محمد طلعت الغنيمي
أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام كلية الحقوق - جامعة الإسكندرية
القانون الإنساني والقانون الإنسانوي :
حديثي هذا في القانون الدولي الإنساني الإسلامي . والحديث في شرع الله يطول ولا يمكن أن تحيط به الأفهام والعقول فهو البحر الزاخر والفيض الهادر . فأنى لفرد أن يسبر أغواره وكيف لمدقق أن يجمع آثاره ، فحسبي من تقصيري صدق المحاولة ويغنيني في عجزي بعدي عن المطاولة ، وكما يقولون فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله . فماذا نقصد بالقانون الدولي الإنساني ؟ .
يجرى في لغة الفقه الدولي مصطلحان هما القانون الإنساني وحقوق الإنسان . وحقوق الإنسان عندي هي ( القانون الإنسانوي » فكما أن القانون الإنساني ينسب إلى الإنسانية فان القانون الإنسانوي ينسب إلى الإنسان . ويختلف الفقهاء حول مدلول الاصطلاحين
فهناك فريق يتوسع في التفسير فيقصد باصطلاح « القانون الإنساني » مجموعة القواعد الدولية التي تتضمن حرية شخص الإنسان ورفاهيته وبذلك يجمع تحت هذا الاصطلاح ( القانون الإنسانوي » ومنهم من يتخذ موقفا مقابلا فيرى أن اصطلاح ( القانون الإنسانوي » هو الأوسع مدلولا بحيث يندرج تحته ( القانون الإنساني » كذلك والحق أن هذا الجدل حول مدلول المصطلحات جدل نظري يكفي في حله أن نختار للمصطلح مدلولا نتفق عليه . وإنا استملح أن يكون لكل مصطلح معنى منفصل عن الآخر . فالقانون الإنساني عندي - وفي هذا العرض - هو القانون الذي يهتم بحقوق الإنسان وقت الحرب وأثناء النزاع المسلح ، والقانون الإنسانوي هو القانون الذي ينظم حقوق الإنسان زمن السلام .
وقد يحيك في الصدر حائك وأنا أتكلم عن القانون الدولي الإنساني الإسلامي ، كيف يتفق أن نميز في القانون الدولي الإسلامي فرعا نصفه بأنه إنساني في حين أن القانون الدولي الإسلامي كله قانون إنساني والإسلام من السلام . ولا أنكر أن هذه الحكاكة حاكت بصدري وأنا كذلك ولكني أزحتها لاعتبارات عارضة ، فأنا بصدد دراسة الاصطلاح جرى في لغة العصر على معنى فيه قصر . والحق أنه وان كان السلام روح الإسلام إلا أن السلام ليس هو الحقيقة الوحيدة في الاجتماع البشري الذي يعرف كذلك - وبضراوة - التنافس والتناحر، وفي هذا أذكر القول الكريم : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) . وإذن فدفع الباطل وكشف شر قوم عن غيرهم بما خلقه الله ويقدره من الأسباب هو درء المفسدة ومجلبة للخير . ومن بين صور هذا الدفع يذكر القرآن الكريم القتال . (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) . فإذا كان القتال طيلة من حقائق الحياة وشأنا من فنون الدنيا فها أخرى الإسلام - وهو دين ودولة - بأن ينظم أموره ويرتب أحكامه بل لقد كان الإسلام أول هدى أضاء أمام بشرنة بربرية هوجاء تجعل من الحرب عديلاً للإبادة وبديلاً للتخريب ولا ترعى في العدو إلا ولا ذمة. وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة .
لقد كانت الحنيفية السمحاء النقلة الكبرى التي خرجت بالناس من ظلمات الأفكار اليونانية والرومانية عن الحرب مع الأعداء إلى نور ملأ الأرجاء بقهر للعدو بحقوق ويضمن للمحارب حمايات ، ولم تكن هذه النقلة الكبرى بالقياس إلى وحشية الحروب التي عرفها الإغريقي الروماني ، بل أنها لا زالت كبرى بالقياس إلى ما نشهده اليوم بعد جهود أربعة قرون سلخها القانون الدولي المعاصر في محاولات لهدهدة أهوال الحرب وتخفيف ويلاتها
كلمة حق :
وضعت الشريعة الإسلامية علامات تهتدي بها الدولة الإسلامية في علاقاتها الدولية ورسمت لها خطوطاً تتحراها في سلوكها مع غيرها من الدول. وقد كثرت الآيات الكريمة في ذلك ولذا فإني أختار منها على سبيل المثال قوله عز من قائل : الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ، صدق الله العظيم
وفي شرح هذه الآية نقرأ في ابن كثير أن رجلين أتيا ابن عمر في فتنة ابن الزبير مقالا : أن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما منعك أن تخرج ؟ . قال منعني أن الله حرم دم أخي فذكرا له الآية ، قال : قاتلناهم حتى أم تكن فتنة وكان الدين الله وأنتم تريدون القتال حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله .
فالحرب في الإسلام تستهدف أحد أمرين : حماية ديار المسلمين من أن تغزى وتمكين دينهم من أن يطمس ولذا فإنها تتوخى الفضيلة وتقيم العدالة وتكرم الفرد ، فلا غرو أن يخاطب الشاعر أحمد شوقي حضرة الرسول فيقول :
الحرب في حق لديك شريعة ومن السموم النافعات دواء
وأن يوضح الهدي الإلهي غاية الحرب إذ يقول تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) .
فلسفة القانون الدولي الإنساني والمفهوم الإسلامي :
أما والأمر كما قلت فما هو دور القانون الدولي الإنساني ؟ . واضح مما أسلفت أن القانون الدولي الإنساني لا يمكن أن يؤدي دوره إلا أنا وفق بين المتناقضين : اعتبارات الإنسانية ومتطلبات الضرورة. فالإنسانية تشده إلى التوادد والتراحم والضرورة لدفعه إلى القوة والتزاحم . وينجح القانون الدولي الإنساني في تحقيق أهدافه وغاياته بقدر ما ينجح في التوفيق بين هذه المتناقضات، ولقد لخص الرسول الكريم هذا الدور للقانون الدولي الإنساني الإسلامي في حديثه الشريف أنا نبي المرحمة وأنا نبي الرحمة ) ، فقرن الملحمة بالمرحمة وقدم المرحمة على الملحمة حتى يقر في قلب المقاتل المسلم بأنه يد العدالة وليس سيف الندالة . وقد كان الرسول الكريم دقيقا في اختيار اللفظ ، فهو عندما اختار المرحمة قصد التعبير عن التعاطف والتراحم في علاقات متبادلة ولذلك فضل المرحمة على الرحمة . أما الملحمة وان كانت تعني القتال الشديد والمعركة العظيمة إلا أن في معناها القتال في الفتنة وليس مجرد القتال فدل بذلك على أن ملحمته ليست ملحمة الغلبة والسلطان وإنما هي ملحمة درء الفتن وتحقيق الأمان وفيها أيضا معنى الإصلاح ، ففي اللغة لحم الأمر إذا أحكمه وأصلحه وتلك هي نهاية القتال في الإسلام وهي أيضا ضابط بضبط سلوك المحارب المسلم. وفي هذه المعاني السامية تلتقي المرحمة مع الملحمة
لقد عارض الإنسان أخاه الإنسان منذ أول لقاءه على البسيطة فما كاد آدم يستقر به المقام عالي الأرض حتى خضب أحد ولديه أديمها ، بدم أخيه وتلك قصة صراع البشرية التي تحكيها القرون وترويها الأحداث التي تقابل بين النوازع البناءة التي تعمر وتوحد والنوازع الهدامة التي تخرب وتقتل ولكنها جميعا لتكامل في ملحمة واحدة هي سياسات القوى في العلاقات الدولية. وفي هذا الصراع يلعب القانون الدولي الإنساني دورا لتغلب نوازع الخير ، ولقد حاول الفقيه السويسري جان بكتيه أن يلخص فلسفة القانون الدولي الإنساني في عبارة جامعة فلم يجد خيرا من مبدأ : أحب لأخيك كما تحب لنفسك . ونحن نعلم أن الحديث الشريف يقول " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وهكذا فان الالتزام بفلسفة القانون الدولي الإنساني هو شعبة في الإسلام من شعب الإيمان وهو بعد الأركان الخمسة ركن من الأركان. وادا كانت الفلسفات والأديان الأخرى قد اشتركت مع الإسلام في هذا المبدأ فإنها قد قامت به توجيها ونصيحة ، أما الإسلام فقد أرساه التزاماً واقعاً لا شائبة فيه ولا حرجة .
وقد حار الفقيه السويسري في تحديد جوهر القواعد التي تستمدها من تلك الفلسفة بين أنصار القانون الطبيعي الذين يزعمون إن الفطرة هي التي توحي لنا بتلك القواعد وزين أنضار القانون الوضعي الذين يقولون أن الممارسة الدولية تكشف عن تلك القواعد وتشيدها لسنة فوق أخرى حتى يكتمل البناء، والفقيه عذره في هذه الحيرة فهو كغيره من فقهاء الغرب عندما يطالعون في تاريخ العلاقات الدولية يبدأون بالحضارة الإغريقية والرومانية ثم يروحون في سبات عميق تغلفه ظلمات العصر الوسيط ولا يفيقون إلا على طرقات عصر النهضة ظنا منهم بأنها طرقات يد أوروبية وجهود غربية . وبديهي أن النائم لا يستطيع أن يشهد نور حضارة أهلت على الشرق في هذا العصر الوسيط ولم تغرب شمسها إلا بعد أن أسلمت إلى الغرب تقاليد النهضة ومقومات الصحوة تلك هي حضارة الإسلام التي ابتدعت غير مسبوقة ما يكون القانون الدولي الإنساني من أحكام وانتقل بعضها مع من عاد من محاربي الصليبيين ودرس بعضها في جامعات إيطاليا وأسبانيا حيث نشأ آباء الفقه الدولي المعاصر ، ولا أريد أن أحيد عن موضوع المقال في هذا المجال ولكن الأدلة في ذلك دامغة لمن أراد أن يلقى وما كان الفكر الإغريقي والروماني وهو خلو من السمع وهو شهيد أي احترام للعدو أن يكون مصدراً تاريخياً للمبادئ، لم يعرفها وقواعد لم يطبقها وادا كان القانون الدولي الإنساني المعاصر قد دون في بمعاهدة وثائق لعلها بدأت بفضل جهود السويسري الإنسان دونان . سنة ١٨٦٤ إلا أن هذه المبادئ المكتوبة لا يمكن أن تنفصل عن أصولها العرفية ، وقد سجلت ديباجة الملحقين المكملين لاتفاقيات جنيف تلك الحقيقة بالنص صراحة على أن ما لا تحكمه القواعد المكتوبة إنما تحكمه قواعد العرف الدولي وتحميه مبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام، ودور الشريعة الإسلامية في إرساء تلك الأعراف مشهود وفضلها غير محدود والتزام موجهات الضمير فيها مبدأ بلا حدود . فالقرآن الكريم يحرم الإثم " ﴿وَذَرْوَ ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ » . والرسول يعرف الإثم بأنه كل ما حاك في صدر الإنسان وخشى أن يطلع عليه الناس ، بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره )
حقيقة إن أحكام القانون الدولي الإنساني هي أحكام الفطرة ولكنها في الإسلام فطرة أوصى بها الله وصاغ مقتضياتها في كتابه الكريم وأحاديث نبيه الحليم فرضاً على الناس وإلزاماً وجبراً عليهم واحتراماً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )
وإذا كانت الضرورة هي القيد الإنساني الذي يرد على مبدأ حب الخير للغير، فإن شريعة الإسلام قد وقفت من تلك الضرورة موقفاً لم يقفه الغرب ولا أحسب أنه قادر على أن يقفه فهو يستحث المسلم على إيثار الغير على نفسه ولو قامت بالمسلم ضرورة ويجعل ذلك صفة من صفات الإيمان المحببة ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
وحتى إذا أراد المسلم أن يحتمى بالضرورة فان حقه في ذلك موصوف ومحدود إذ جاء في الوحي القرآني فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه : ومن ثم كان تصرف المسلم في حالة الضرورة ليس مطلق بما يهواه وإنما هو محكوم بألا يكون بغياً ولا عدواناً ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم . وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وفي المعنى ذاته تقول الآية الكريمة ، (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
مسلمات :
هناك مسلمات أود أن أثبتها قبل أن أخوض في الحديث عن القانون الدولي الإسلامي الإنساني وأوجزها فيما يلي :
1 - أن ما عرض من مبادئ وأفكار إسلامية تحكم علاقة المسلم تماما كما تحكم علاقة المسلم بالمسلم لان الإسلام ينظر إلى الإنسان - بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه - على أنه نفحة من روح الله وقبس من نوره وهذا النسب السماوي هو الذي رشحه لأن يكون خليفة في الأرض. وهذا النسب السماوي هو الذي جعل احترام الإنسانية في الفرد احتراماً للقدرة الإلهية، فلا عجب أن يقف رسول الله لجنازة مرت به فلما قال له أصحابه أنها جنازة يهودي أجاب في شفافية النبوة وسماحة الأخوة ( أليست نفساً » ، ومن هنا كان الحكم الإلهي عاماً شاملاً ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»
الأفكار العامة في القانون الدولي الإنساني ( النزاع المسلح ذو الطبيعة الدولية والنزاع المسلح الذي ليست له الطبيعة الدولية ) :
أقف عند هذا الحد من المقدمة لأنتقل إلى حديث مباشر ولا أجد خيراً في عرض وجيز من أن أسلك طريق الفقيه السويسري جان بكتيه بأن أعرض للمبادئ العامة في القانون الدولي الإنساني الإسلامي على هدى مما هو مستقر الآن من مبادئ دولية إنسانية وضعية . وللمبادئ دور هام فهي التصورات الكلمية التي تجلي القيم العامة وتقدم الحلول لما هو ليس منظورا من قضايا وتقف وراء تطوير ما هو قائم بما تخطه له من درب سليم ونهج قويم . وينقسم النزاع المسلح - أو القتال - في المدرك الإسلامي إلى قسمين عامين أحدهما هو ما يمكن أن نطلق عليه أخذاً باصطلاح الماوردي - حروب المصالح ، والآخر هو حروب المشركين والمرتدين .
ا - حروب المصالح :
يقول الماوردي ويجاريه في ذلك كثير من الفقهاء القدامى - إن حروب المصالح تنقسم الى ثلاثة أفسام : (۱) قتال أهل الردة. (۲) قتال أهل البغي والخوارج . (۳) قتال المحاربين وقطاع الطريق . وفي تقديري أن هذا التقسيم ليس دقيقاً لأن قتال أهل الردة يمكن أن يأخذ حكم قتال المشركين فتنطبق عليه الأحكام ذاتها التي تطبق على قتال المشركين . كما أن قتال المحاربين وقطاع الطريق لا يندرج تحت مدرك القتال الذي يهم القانون الدولي الإنساني . ولا يبقى من حروب المصالح قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني سوى قتال البغاة والخوارج . ومن هنا أستطيع أن أقول أن قتال البغاة والخوارج يقابل ما يطلق عليه في مصطلح القانون الدولي الإنساني الحديث النزاع المسلح الذي ليست له طبيعة دولية ، كما أن قتال المشركين - ويلحق بهم المرتدون على تفصيل أذكره - يقابل ما نتعارف عليه اليوم بمسمى النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية . وهكذا نرى أن التقسيمة الثنائية للنزاع المسلح في الشريعة الإسلامية يقابلها تقسيمة ثنائية في القانون الدولي الإنساني المعاصر ، ولكن النظامين الإسلامي والوضعي - يختلفان في مسميات النزاع وبعض الأحكام التي تطبق .
وأرى توضيحاً لما قدمت أن أورد فقرة عن كل صنف من أصناف حروب المصالح التي أسلفت تعدادها ، فضلا عن الماوردي وأبي يعلى ومن جاراهما .
أ - قتال أهل الردة أي قتال قوم حكم بإسلامهم ثم ارتدوا عن الإسلام، وهؤلاء قال فيهم رسول الله . من بدل دينه فاقتلوه ) وقال عليه الصلاة والسلام ( لا يحل دم أمرئ المسلم لا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان أو وزنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس ) .
وحكم هؤلاء إن كانوا في قدرة المسلمين لقلة عددهم لأنهم لم يتميزوا بها عن المسلمين فلا حاجة إلى قتالهم فان تابوا قبلت توبتهم ولا يجوز إقرار المرتد على ردته بجزية ولا عهد ولا تؤكل ذبيحته ولا تنكح منهم امرأة . واختلف في قتلهم هل يعجل في الحال أم يؤجلون فيه ثلاثة أيام. والحق أن هذا الفرض لا يخرج من كونه جريمة يرتكبها من تمتد إليه الولاية الشخصية للدولة فيعاقب بالعقوبة الجنائية التي ينص عليها القانون
وهو بذلك في صلته بالقانون الدولي إدخل في القانون الإنسانوي منه في القانون الإنساني، أما إذا انحازوا إلى ارض ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين أو في قول آخر إذا أصبحوا حكومة واقع تمارس سلطاناً على جزء من الإقليم فيجب قتالهم على الردة ويجري على قتالهم بعد الإنذار والإعذار حكم قتال أهل الحرب مع فروق أربعة : أحدها أنه لا يجوز أن يهادنوا على الموادعة في ديارهم ويجوز أن يهادن أهل الحرب والثاني أنه لا يجوز أن يصالحوا على ما يقرون به على ردتهم ويجوز أن يصالح أهل الحرب والثالث أنه لا يجوز أن يسترقوا ولا أن تسبى نسائهم ( على خلاف بين الفقهاء ، ويجوز أن يسترق أهل الحرب وتسبى نسائهم والرابع أنه لا يملك الغانمون أموالهم ويملكون ما غنموه من أهل الحرب
ويدخل في حكم المرتدين ويعاملون معاملتهم في القتال بما أسلفت من أحكام القوم الذين يمتنعون عن أداء الزكاة الى الإمام العادل جاحدين بها، وتلك هي فتوى أبي بكر وصحابة الرسول التي كانت مبرراً لحروب الردة .
ب - قنال أهل البغي والخوارج وهم الذين يخرجون على الإمام ويخالفون الجماعة وينفردون بمذهب ابتدعوه، والخوارج وان كانوا أهل بغي فإنما يقصد بهم في التاريخ الإسلامي من فارقوا علي بن أبي طالب وخرجوا عليه عندما قبل التحكيم مع معاوية ونزلوا في مكان يقال له حروراء ومن ثم قيل لهم الحرورية ، وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء البشكري وشبت التميمي ، وقد عرض منهم قوم لعلي وهو يخطب على منبره وتنادوا ولا حكم إلا لله تعالى ، فقال على ( كلمة حق أريد بها باطل ، لكم علينا ثلاث : لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله . ولا نبدؤكم بقتال . ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا
وحكم هؤلاء إن تظاهروا وهم على اختلاطهم بأهل العدل ( أي باقي الشعب ) أن يوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوا وبطلان ما ابتدعوا ليرجعوا عنه الى اعتقاد الحق وموافقة الجماعة - ويجوز للإمام أن يعزر منهم من تظاهر بالفساد أدباً وزجراً ولا يتجاوز ذلك الى قتل أو حد ، والوضع هنا أقرب ما يكون الي أحزاب المعارضة فإن حرية الرأي مكفولة لهم ما داموا لا يقرنون المعارضة بأعمال عنف أو يدعموها بالقوة فإن هم فعلوا ذلك كان للإمام - أي ولي الأمر - أن يعزرهم وهذا أيضا فرض لا علاقة له بالقانون الدولي الإنساني ، ولا يتغير هذا الحكم حتى ولو اعتزلت تلك الفئة الباغية أهل العدل وتحيزت بدار تميزت فيها عن مخالطة الجماعة - أي أنهم لا يحاربون ما أقاموا على الطاعة وأدوا ما عليهم من حقوق ، فقد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا بالنهروان فولى عليهم عاملاً أقاموا على طاعته زماناً إلى أن قتلوه وخرجوا على الطاعة ومنعوا ما عليهم من حقوق ، ولكن الحكم يختلف إذا خرجت الفئة الباغية على الإمام .
ذلك أن المروق عن طاعة الإمام - سواء تجمع أصحابه تحت إمرة زعيم لهم أم لا - هو نوع من الحرب الأهلية تقتضي محاربتهم طواعية لقوله عز وجل ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . والبغي المقصود هنا قد يكون بالتعدي في القتال وقد يكون بالعدول عن الصلح .
ويخالف قتالهم قتال المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه :
1 - أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يعتمد به قتلهم ويجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين
2 - نقاتلهم مقبلين ونكف عنهم مديرين، ويجوز قتال أهل الردة والحرب مقبلين ومدبرين
3 - ألا يجهز على جريحهم وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين ) على تفصيل أذكره ) . وقد أمر على بن أبي طالب مناديه أن ينادي يوم معركة الجمل : ألا لا يتبع مدبر ولا يذف على جريح (أذف الجريح أسرع قتله وتمم عليه ) .
4 - لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين ( على خلاف اذكره ) .
ويختبر أحوال من في الأسر منهم فمن أمنت رجعته الى القتال أطلق ، ومن لم تؤمنه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق ولم يجز أن يحبس بعدها . أطلق الحجاج أسيراً من أصحاب قطري بن الفجاوة لمعرفة كانت بينهما فقال له قطري عد الى قتال عدو الله الحجاج فقال هيهات غل يدا مطلقها واسترق رقبة معتقها .
ه - لا تغنم أموالهم ولا تسبى زراريهم . قال الرسول « منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها » ودار البغاة دار إسلام .
٦ - لا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي و إن جاز أن يستعان على قتال أهل الحرب والردة .
7 - لا يهادنهم الإمام الي مدة ولا يوادعهم على مال فإن هادنهم إلى مدة لم يلزمه فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة ونظر في المال فإن كان من صدقاتهم أو من فيئهم لم يرده عليهم وصرف الصدقات في أهلها والفيء في مستحقها. وان كان من خالص أموالهم لم يجز أن يملكه عليهم ووجب رده اليهم .
8 - لا ينصب عليهم العرارات ( العرارة آلة من آلات الحرب وهي منجنيق صغير ) ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع عليهم النخيل والاشجار لانها كما قلت دار إسلام وإن بغى أهلها فإن أحاطوا بأهل العدل ( أي جيوش الدولة الأم والمدنيون فيها ( وخاف أهل العدل منهم الابادة جاز أن يدفعوا عن أنفسهم ما استطاعوا بالوسائل الفعالة للدفاع فإن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل ، وهذا تطبيق منطقي لحق الدفاع الشرعي.
ويختلف الرأي حول جواز الاستعانة بدوابهم وسلاحهم في قتالهم بين مانع ومجيز .
وأهل البغي والخوارج - كما أسلفت - يقابلون من تتكلم عنهم المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف وأورد نصها على سبيل المقارنة :
(في حالة قيام اشتباك مسلح ليست له صفة دولية في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدين ، يتعين على كل طرف في النزاع أن يطبق - كحد ادنى – الأحكام الآتية :
1 - الأشخاص الذين ليس لهم دور ايجابي في الأعمال العدائية بما فيهم أفراد القوات المسلحة الذين سلموا سلاحهم أو أبعدوا عن القتال بسبب المرض أو الجروح أو الأسر أو أي سبب آخر ، يعاملون في جميع الأحوال معاملة انسانية دون أن يكون للعنصر أو اللون أو الدين أو الجنس أو النسب أو الثروة أو ما شابه ذلك أي تأثير سيء على هذه المعاملة .
ولهذا الغرض تعتبر الأعمال الآتية محظورة . وتبقى معتبرة كذلك في أي وقت وفي أي مكان بالنسبة للأشخاص المذكورين أعلاه
أ - أعمال العنف ضد الحياة والشخص وعلى الأخص القتل بكل انواعها وقطع الأعضاء والمعاملة القاسية والتعذيب .
ب - أخذ الرهائن .
ج - الاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص التحقير والمعاملة المزرية .
د - إصدار أحكام وتنفيذ عقوبات دون محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة بصفة قانونية تكفل جميع الضمانات القضائية التي تعتبر في نظر الشعوب المتمدنة لا مندوحة عنها
٤ - يجمع الجرحى والمرضى ويعتني بهم
وقد قيض الله لهذه الفئة لحقاً هو اللحق ( البروتوكول ) الثاني من اللحقين الذين تمخض عنهما مؤتمر جنيف لتطوير القانون الانساني في ١٩٧٦ . وقد تعثر هذا اللحق الى حد يسمح للمرء بأن يقول في ثقة أنه ولد موؤدا رغم تواضع أحكامه وتخاذل ضماناته . ويشترك اللحق ذاك مع المادة التي أسلفت نصها فى أنه يقصر ضماناته الأساسية على من لا يقوم بدور إيجابي في الأعمال العدوانية ومعهم الجرحى والمرضى والغرقى ، ويقدم لهؤلاء ضمانات لا تخرج في تفصيلها عما عممته المادة آنفة الذكر . ويضيف الى ذلك بشأن وسائل وطرائق القتال ما يمنع الضرار ويحرم الخديعة ولا يسمح بحرمان الاحياء من حق الاستجارة ويضع مبادىء لحماية المدنيين والشعب المدني والأطفال - وما جاء في هذه الحماية وتلك الضمانات هو بعض ما جاء في أحكام النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية ولذا اكتفى هنا بالاشارة الى أن أوضح فيما بعد العبارة
ولنا أن نقارن هذا بما قاله علي بن أبي طالب لجنوده في حربه مع معاوية فقد أمرهم بالآتى : ( إذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً ولا تعذبوا النساء بأذى وان شتمنكم وشتمن أمراءكم واذكروا الله لعلكم تعلمون ) .
وجلي مما قدمت أن التنظيم الخاص بالنزاع العسكري الذي ليست له طبيعة دولية يسعى على استحياء ، فهو دون الضمانات التي جاءت بها أحكام النزاع المسلح ذى الطبيعة الدولية بكثير بل إن الفلسفة من وراء تجزئة أحكام تطوير القانون الانساني الى لحقين إنما قامت على الضن على النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية . أما النظرية الاسلامية فتقف على النقيض إذ تنظر الى الاشتباك المسلح مع البغاة والخوارج نظرة حانية تضمن لهم من القواعد والكفالات ما بخلت به على النزاع المسلح ذي الطبيعة الدولية مع المشركين والمرتدين .
ج - قتال المحاربين وقطاع الطريق . ويقصد بهؤلاء طائفة من أهل الفساد تجتمع على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ الاموال وقتل النفوس ومنع السابلة فهم المحاربون الذي عناهم الله سبحانه وتعالى بقوله : « إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ » .
وحدود هؤلاء عند أبي يعلى مرتبة باختلاف أحوالهم لا باختلاف صفاتهم : فما قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب . ومن أظهر السلاح ولم يأخذ المال عزر ولم يقتل ولم يقطع وتعزيره نفيه من بلد الى بلد ومن قرية إلى قرية .
أما الماوردي فيقول أن الفقهاء اختلفوا في حكم هذه الآية على ثلاثة مذاهب : أحدها هو المذهب الذي قال به أبو يعلى والمذهب الثاني هو أن الإمام ومن استنابه على قتالهم من الولاة بالخيار بين أن يقتل ولا يصلب وبين أن يقتل ويصلب وبين أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وبين أن ينفيهم من الأرض . والمذهب الثالث أن من كان منهم ذا رأي وتدبير قتله ومن كان ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف ومن دون ذلك عزره وحبسه
وجلي أننا هنا أمام صنف من القتال لا يندرج تحت مفهوم القتال الذي يستهم القانون الدولي الإنساني ، ولذا فان الحكم فيه أتى تشريع جنائي تطبقه الدولة على إقليمها ومن فيه بما لها من سيادة والعقوبة المشددة التي فرضتها الآية الكريمة ترجع الى بشاعة الجرم وتهديده لأمن الجماعة . وقيل أن الآية نزلت في قوم من عرينة أو عكل ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا ماله . وقيل المحارب هو اللص الذي يقطع الطريق . وقيل الذي يشهر السلاح في المصر على أهليه ليلاً أو نهاراً . والفساد هنا هو الزنا والسرقة والقتل وإهلاك الحرث والنسل
ب - حروب المشركين والمرتدين :
انتقل الآن الي الكلام عن الاشتباك المسلح ذي الطبيعة الدولية أي حروب المشركين وأهل الردة . وكما وعدت فإنني سأوجز الحديث عن أحكام القانون الدولي الإنساني التي تعنى بهذا الصنف من الاشتباك عن طريق عرض أهم المبادىء العامة التي تحكم ذلك الصنف من الاشتباك. ويمكن أن أقول دون أن أخشى عيب التعمي أن هذه المبادىء جميعها تنبعث في القانون الوضعي عن مدرك عام هام تضمنته ديباجة تصريح سانت بطرسبرج سنة ۱۸٦٨ وهو أن الهدف الوحيد المشروع الذي يجب على الدول أن تتوخاه في الحرب هو إضعاف قوة العدو العسكرية . ومن ثم فان كل ما يدخل في اطار هذا الهدف لا يناقض متطلبات القانون الدولي الإنساني أما ما يتجاوزه ولا يمنعه حكم عرفي أو وفاقي إنما يتجاوز ما عبر عنه اللحقان بمبادئ الإنسانية ومقتضيات الضمير العام وفي هذا المعنى يقول الهادي الكريم : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ومن ثم فقد منع الله عز وجل أن يتجاوز القتال أهدافه واعتبر ذلك عدواناً لا يحبه والآية صريحة في أن هدف القتال هو دفع الاعتداء . والحق أن اصطلاح العدوان هنا هو من جوامع الكلم فى موضعه ولذا قال المفسرون أن منع الاعتداء هنا يدخل فيه ارتكاب المناهي التي نهى الإسلام المحارب المسلم عن ارتكابها على تفصيل أذكره بعد قليل . وعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( أن قوما كانوا أهل ضعف وسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر أهل الضعف عليهم فعمدوا الى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فاسخطوا الله عليهم الى يوم القيامة » . ويقول ابن كثير أن هذا حديث حسن ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم واستعملوهم فيما لا يليق بهم أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء وفي معرض حديثي هذا نلتقي بآيات كريمة وأحاديث شريفة تزكي ما أقول أقف عن ذكرها الآن منعاً للتكرار وأحيل إليها فيما يلي من عرض.
إن هذا هو المبدأ العام وهو الأصل الذي تبنى عليه عدة مضامين تقيد من حرية الدول في مناخ يمكن أن أجمعها في ثلاث : (أ) استخدام السلاح (ب) معاملة العدو في المعركة (ج) معاملة الأسرى. وأتناول في إيجاز كلا من هذه المضامين واحدا بعد الآخر .
أ - استخدام السلاح :
تحرص الأفكار الإنسانية على أن تهدهد قدر الامكان من وحشية الاشتباك العسكري ومن بين وسائل التخفيف من غلظة الحرب تلك القيود التي تضعها على حق المحارب في اختيار السلاح الذي يستخدمه فهي تنأى به عن أن يستخدم سلاحاً يسبب من الآلام ما لا مبرر له . ولكنها لا زالت تجبن عن أن تضع قاعدة حاسمة في هذا المجال، فالقواعد العامة التي تصوغها لتحقيق تلك الغاية واهية العبارة مفككة الصياغة . وأحدث تلك القواعد ما جاءت به المادتان ۳۳ ، ٣٤ من اللحق الأول والمادة ٢٠ من اللحق الثاني . وتكاد هذه المواد أن تكرر ما جاء في المادتين ۲۲ ، ۲۳ من اتفاقية لاهاي سنة ۱۹۰۷ . وتتضمن هذه المواد حكمين : الأول أن حق أطراف النزاع في اختيار وسائل وطرائق المعركة ليس بغير حدود . والصياغة على هذا النحو هي من الميوعة والقضاء . بحيث يمكن أن نقول إنها أقرب الي النصيحة والرجاء منها الى الالزام
وبتعرض الحكم الثاني لبعض الاسلحة فيحرم استخدامها على نحو يضاعف من آلام المحارب بلا فائدة أو يجعل قتله محتماً أيا كانت الظروف . والنص على هذا النحو يرتعد أمام الهوى الجامع للدول فهو لا يجرؤ على أن يحرم استخدام أسلحة الدمار الشامل تحريماً قاطعاً وإنما يتحايل على ذلك بنص يترك الباب مفتوحاً أمام البطش والبغي الذي قد تمارسه بعض الدول . وهنا نسمع من يقول أن تصريح سانت بطرسبرج سنة ١٨٦٨ يعتبر قيداً على حسن تقدير الدول لأنه تطلب ألا تتجاوز الآلام ما يكفي لاعجاز المحارب عن القتال . وعندئذ أتساءل كيف واتت الدول الشجاعة منذ قرن مضى وهي تضمن تصريح سانت بطرسبرج هذا التحديد كرغبة أو امنية ثم خانتها وهي تصوغ ذلك التصريح في نصوص قانونية آمرة ملزمة . هل تسير الإنسانية في تراحمها إلى الإمام أم أنها تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثا .
رب قائل يتهمني بتجاهل وفاقات دولية تحرم استخدام بعض أسلحة الدمار الشامل مثل بروتوكول جنيف سنة ١٩٢٥ الذي يحرم استخدام الغازات الخانقة والسامة وما إليها من غازات وكذا أسلحة الجراثيم والكيمياء . ولكنا لو أمعنا النظر نجد أن هذه الوفاقات تبرم لتحريم سلاح بعد أن يستخدم فعلا وتكوى البشرية بناره واغلب الظن أنها تبرم بعد أن يهتدي العالم لسلاح آخر أشد وأنكى . وها نحن اليوم نشهد سفسطة بيزنطية حول تحريم الأسلحة النووية . فلا عجب إذن أن تترك المادة ٣٤ من اللحق الأول لتقدير الدول الأطراف مناسبة استخدام الاسلحة الجديدة. وما أبعد أن تنفق الدول على أمر من هذا القبيل
لقد أطلت في التعليق هنا ولكني قصدت أن أوضح أن جهود القانون الدولي الإنساني في هذا الأمر لا تعدو أن تكون فقاعة لا تكاد وأغلب الظن أن هذه المشكلة لم تشغل بال الفقهاء المسلمين التقليديين لأنها لم تكن معروفة لديهم فالأسلحة التي تقترب منها حتى تنفجر جرت عادة الحروب على استخدامها وقتئذ أسلحة لم تتوفر فيها التقنية التي تجعلنا نصفها بأنها ذات تدمير شامل أو أنها تحدث أضراراً تتجاوز ما هو لازم لاعجاز العدو ، أو على الأقل فإن تصور هؤلاء الفقهاء لم يتطرق إلى هذا الاحتمال الذي لم تثره الأحداث أمامهم
ومع ذلك فإن الفرض لم يغب عن بعض المجتهدين المتأخرين فقد قرأت عن خليل المالكي في مختصره عن الجهاد أنه يحرم استخدام الاسلحة التي يمكن لا تنال المحارب بأضرار تتجاوز ما يمكن أن يحقق الخصمه منفعة ، ويضرب لذلك مثلا يتفق مع أفق التفكير العسكري في زمانه فيقول إن استخدام نبل سم حرام، أي أن غمس السهم في السم ثم وما حرام لما يمكن أن يسببه السم من آلام لا مبرر تلف العدو به مسموما لها لمن يصيبه السهم . أن الحكم الفقهي هنا لم يترك الأمر مائعا ولم يتقاعس أمام شهوة العنف بل حدد السلاح ومنعه وجعل حكمه التحريم. ورأي هذا الفقيه تسنده الأحكام العامة فالإسلام ينهى عن الإسراف في القتل حتى لمن جعل الله له سلطانا ، ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ) . وقريب من هذا ما رواه أبو هريرة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في بعث قتال فقال أن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله حين أردنا الخروج " اني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وان النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما ) ، وعدول الرسول هنا عن الحرق الي القتل عندي سنة في تحریم قتل العدو بسلاح يؤذيه بما لا مبرر له من آلام
كما أن قول الرسول ( الإنصاف مأمور به فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة) ، هو في تقديري نص مباشر فيما تعرض له وإذا أخذنا برأي خليل هذا يمكن أن تقرر بأن صياغة النص الإسلامي تحتمل أن نستعرض الاسلحة وننتقي منها ما يمكن أن ينال المحارب بآلام لا مبرر لها ثم نورده بمسماه نصاً وتقرر تحريم استخدامه قطعاً بلا مواربة ، وهي بذلك أكثر قابلية للضبط والدقة من النصوص الزمنية الحالية . وقد عزل عمر خالدا لكثرة قتله الأعداء وقال ( إن في سيف خالد لرهقا ) وكانت تعجبه حرب عمرو بن العاص لقلة القتل فيها ويقول انها حرب رفيقة بل إن الإسلام ذهب في حماية الخصم ضد الآلام التي تتجاوز المطلوب حدا يمكن اذا أخذنا في الاعتبار أننا بصدد معركة وقتال أن أصفه بالتدليل وفاق بذلك ما تتباهى به اليوم إنسانية الحضارة الغربية . ففي حديث ابن حاتم عن النبي قال : إذا قاتل أحدكم أخاه فليجنب الوجه فان الله خالق آدم على صورته » إن إصابة الوجه محرمة أو هي على الأقل مكروهة لغير ضرورة وهذا بعد بالسلاح عن أن يتجاوز حدود الانسانية.
فلا يذهب البعض في نقض ما قدمت الى الزعم بأن عليا بن أبي طالب حرق قوما من أنصاره . إن ما قيل من أن عليا حرق قوما - وهم السبئية اتباع ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي - لانهم كانوا يقولون ان الله حل في على وذلك بقصد تضليل المسلمين يرد عليه الدكتور طه حسين فيما كتبه عن الفتنة الكبرى بتفنيد رصين فيقول ( ان المحدثين وأصحاب الجدل ينفردون من دون الطبري وأصحابه بشيء آخر فيزعمون أن ابن السوداء واتباعه الهوا عاليا وأن عليا حرقهم بالنار . ولكنك تبحث عن هذا في كتب التاريخ فلا تجد له ذكرا . وليس تحريق جماعة من الناس بالنار في الصدر الأول من الإسلام ومن جماعة من أصحاب النبي ومن صلحاء المسلمين بالشيء الذي يغفل عنه المؤرخون فلا يذكرونه ولا يوقفونه وإنما يهملونه اهمالا تاما واضيف انه قد جاء في القرآن الكريم على لسان موسى الكليم ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين .
كذلك مما تستهدفه الافكار الاسلامية في شأن السلاح هو منع استخدام السلاح بطريقة عشوائية تنال المحارب وغير المحارب بلا تحرز وتصيب الاهداف العسكرية بلا تمييز . ومن هنا كان على المحارب التزام مزدوج :
أ - أن يفرق بين المحارب وغير المحارب ولا يوجه سلاحه إلا إلى المحارب .
ب - أن يفرق بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية فلا يمارس هجماته إلا ضد الأهداف العسكرية . أما ابن المحارب المسلم يجب أن يفرق بين المحارب وغير المحارب ففيه أثر عن الرسول فقد رأى عليه الصلاة والسلام الناس في بعض غزواته مجتمعين فبعث رجلا فقال انظر علام اجتمع هؤلاء فعاد فقال امرأة قتيل فقال الرسول « ما كانت هذه لتقاتل » . وتعليق الرسول الكريم هذا واضح الدلالة في ضرورة التفرقة بين المقاتل وغير المقاتل وإنكار استخدام السلاح بطريقة عمياء لا تميز بين المحارب وغير المحارب .
ولذلك كان المبرر الذي أنكر الرسول القتل على أساسه هو أنه انصرف الى غير المحاربين. وحصل أن جارى بعض المسلمين أعداءهم فقتلوا بعض الأطفال . فقال الرسول غاضبا ( ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية » .
ومن ثم فان المحارب المسلم لا يصح أن يجاوز به القتل الى الحد الذي لا يفرق به بين المحارب وغير المحارب . والمحارب في الإسلام هو من كان صالحا للقتال سواء اشترك فيه أم لم يشترك . ويفرض الاسلام على المحارب المسلم أن يضاعف من حذره اذا كان بين الاعداء مسلمون غير محاربين حتى لا يصيبهم فتصيبه من ذلك معرة وإثم وفي هذا يقول سبحانه وتعالى ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .
ولعل مما يعين العدو على تميز المحارب من غير المحارب أن يلبس المحارب زياً خاصاً أو يحمل شارة بذاتها . وقد روي أن الرسول كان يلبس عباءة خاصة أثناء المسيرة الحربية . ولكن لا دليل على أنه كانت هناك محاولات منظمة في عهد الرسول لتزويد كافة أعضاء الجماعة بالزى سوى أنه ذكر أن المسلمين لبسوا يوم بدر علامة مميزة هي صوفة ، ولذا قال الطبرى فى تفسيره ( أول ما كان الصوف ليومئذ يعني بدرا » .
وفي التزام المحارب المسلم بالتفرقة بين الأهداف العسكرية والاغراض المدنية يقول الشافعي أنه لا يرى بأسا في أن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها مساكن . وفكرة الشافعي الا ترمى البيوت التي فيها المساكن ( الا أن يلتحم قريبا من الحصن ) فكرة لا يفسرها الا التزام بقصر الهجمات على الاهداف العسكرية وحدها ما لم تكن الاغراض المدنية قريبة منها الى حد يصعب معه وقايتها . ولا ننسى أن التخريب لذات التخريب ممنوع في الاسلام لا سيما وأن الغالب أن تعود الارض بعد الفتح الى المسلمين على تفصيل يفرق فيه الفقهاء بين ما يملكه المسلمون عنوة وما يملكونه عفوا وما يستولون عليه صلحا . والحق أن الاعتداء على الأعراض غير العسكرية دون مبرر هو صورة من صور العدوان الذي حرمه الله وبعد عن القسط الذي أمر به
عز وجل « قل أمر ربى بالقسط » وأعلن حبه لاهله « ان الله يحب المقسطين » والقسط هو العدل . وفى فهم معناه أورد الآية الكريمة ونضع الموازين القسط ليوم القيامة » .
ب ـ معاملة العدو أثناء المعركة :
يتناول الكلام هنا معاملة العدو المتعلقة بشخصه كما يتناول معاملة العدو المتعلقة بماله وهذا ما أتناوله بايجاز فيما يلى :
المعاملة المتعلقة بشخص العدو
وهذه بدورها قد تكون تصرفات توجه للعدو المحارب وقد تكون تصرفات توجه للمدنيين والشعب المدنى فى اقليم العدو ، وأبدأ بما يوجه للعدو المحارب :
1 - لعل أول ما يقضى به القانون الدولى الانساني هو أن يمتنع المحارب عن ايذاء خصمه بالقتل أو الجرح أو التعذيب أو سوء المعاملة اذا ما أصبح ذلك الخصم عاجزا عن القتال سواء بالقاء سلاحه او لانه لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه أو لأنه أسلم نفسه
ذلك حكم أساسى من احكام القانون الدولى الانساني سجلته المادة ٢٣/ جـ من اتفاقية لاهاى سنة ۱۹۰۷ واكدته المادة ۳۸ من اللحق الاول والمادة 7 من اللحق الثاني . والحق أن القانون الدولي الانساني الاسلامی قد عنى بذلك المبدأ عناية بالغة فكثرت فيه النصوص و تعددت الاحاديث .
فالله عز وجل يأمر المسلمين بأن يستقيموا لاعدائهم حال ما يستقيم الاعداء لهم ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم أن الله يحب المتقين » .
وان يميلوا الى السلم اذا مال الخصم اليه . « وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله » . ويمنع على المحارب المسلم السبيل على خصمه اذا ما اعتزله الخصم وكف عن القتال ( فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا » .
وقال هشام بن حكيم : أشيد اسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا . ويقول عليه الصلاة والسلام ) تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الارض من أهل مدر ووبر . الا ان تأتونى بهم مسلمين أحب الى من أن تأتوني بنسبائهم وتقتاوا رجالهم » .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق