حقوق الشيوخ والنساء والأطفال ووسائل حمايتهم في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني
إعداد
د. صابر محمد أحمد أحمد
أ. ضياء علاء الدين أحمد
ملخص البحث
اشتمل البحث على أبرز الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، وسقت لكل حق الأدلة الدامغة على ثبوته للشيوخ والنساء والأطفال، إذ تتصف هذه الفئة من الناس بالضعف إما لعجزهم أو لامتهان حقوقهم كالمرأة أو لصغر سنهم، ويتضح من ذلك عدم قدرتهم على القتال، لذلك ثبتت لهم مجموعة من الحقوق حال النزاعات المسلحة، مثل الحق في الحياة وحمايتهم من القتل أو الأذى المتسبب في فنائهم، كما أثبتت الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني لهم الحق في سلامة أجسادهم، بتوفير الطعام والشراب والعلاج، ومنع التعذيب والمثلة في أجسادهم.
وأخيرا وجب لهذه الفئة حق النصرة على المجتمع الإسلامي والدولي إذا حدث مساس بهذه الحقوق.
Abstract
In the name of Allah the Merciful Praise be to God, prayer and peace be upon the Messenger of God, and after:
A search on the most prominent rights guaranteed by Islamic law and international law, and nourished each right irrefutable evidence to be proven to the elders, women and children; as this category is characterized by people weak either because of their inability or abuse of their rights such as women or to their young age, illustrated by an inability to fight, so it proved them a set of rights the case of armed conflict, such as the right to life and protect them from being killed or hurt the offending annihilated, as demonstrated by Islamic law and international humanitarian law have the right to the integrity of their bodies, the provision of food and drink, treatment, and prevention of torture and mutilation in their bodies.
Finally for this category shall be the right of the victory of the Islamic and international community if the prejudice of these rights occurred.
Recommendations:
We recommend League of Arab States in compliance with what came our religion Islamic rights of the vulnerable and do to ensure those rights, and commitment to the right of the victory to them.
We recommend the United Nations High Commissioner and the parties that have signed the Geneva Convention and human rights conventions to follow up the conditions of the vulnerable during armed conflicts, and to stand for what promised to them by the body.
We recommend Committee of the Red Cross to carry out the tasks entrusted to it, and the protection of non-combatants and taking them to places of protection, and observance of human dignity.
مقدمة
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما ينبغي لجلاله ولعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد:
قال الله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (النساء: 98)
إن الله أنزل شريعته على رسله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى سواء السبيل، ولكي يتحقق هذا المقصد لجميع العباد؛ كانت الشريعة الإسلامية كاملة، شاملة، متوازنة، تعطي كل ذي حقه، وترعى الحقوق والمصالح.
وبنظرة فاحصة إلى مجريات الواقع المعاصر، نرى سفك الدماء، وهيمنة القوي على الضعيف، وتسقط الضحايا بين القوى المتصارعة من الشيوخ والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، هؤلاء المستضعفين كان لهم في الشريعة الإسلامية من الأهمية والعناية ما لم يكن عند غيرها من الشرائع، إذ حرصت الشريعة على حمايتهم، بنأيهم عن ظروف الحرب، وبسن الأحكام الخاصة بتامين حقوقهم سلما وحربا.
كما اجتمعت دول العالم بعد كارثة الحربين العالميتين، ويعد سقوط ملايين الضحايا من هؤلاء المستضعفين، على سن قوانين دولية عالمية تحفظ لهؤلاء حقوقهم في النزاعات المسلحة، سميت مجموعة القوانين تلك بالقانون الدولي الإنساني.
وفي هذا البحث سنعالج مشكلة المستضعفين من الشيوخ والنساء والأطفال حال النزاعات المسلحة ووسائل حمايتهم في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.
أهداف البحث:
إنكار التجاوزات الشرعية والدولية لحقوق الشيوخ والنساء والأطفال، وحث الجهات الحاكمة وأطراف النزاع على الخضوع للقوانين الدولية الإنسانية الشرعية.
تأكيد حقيقة واقعية شرعية للباحثين وغيرهم، بأن الشريعة الإسلامية سباقة دائما لحماية الناس وصون دمائهم عن السفك، لأن من مقاصد الشرعية حفظ النفس والنسل.
إظهار الترابط والتوافق ما بين القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية، مع بيان بعض الفروقات في ضمانات التطبيق.
أسلوب البحث:
كتابة الآية القرآنية مشكلة بالرسم العثماني، بقراءة حفص عن عاصم، وعزو الآية إلى موضعها سورة ورقما.
تخريج الأحاديث والحكم عليها من مظان كتب الحديث الصحيحة.
ذكر اسم المؤلف ثم مؤلفه، وبيان المصدر أو المرجع بالجزء والصفحة- إن وجد.
ذكر المواد القانونية والاتفاقات الدولية بذكر الاتفاقية والميثاق ثم رقم المادة.
خطة البحث:
اقتضت طبيعة البحث أن تكون خطته مشتملة على: مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة، موزعة على النحو الآتي:
المقدمة: وتشتمل على: بيان أهمية البحث، وأهدافه وأسلوبه، والخطة.
المبحث الأول: مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.
- المطلب الأول: مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية.
- المطلب الثاني: مبدأ الإنسانية في القانون الدولي الإنساني.
المبحث الثاني: حقوق الشيوخ والنساء والأطفال زمن الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني.
وفيه أربعة مطالب:
- المطلب الأول: الحق في الحياة.
- المطلب الثاني: الحق في الأمان.
- المطلب الثالث: الحق في سلامة الجسد، وينطوي عليه أربعة حقوق:
الأول: الحق في الطعام والشراب.
الثاني: الحق في الوقاية والعلاج.
الثالث: منع التعذيب والإيذاء الجسدي.
الرابع: منع المثلة.
- المطلب الرابع: حق النصرة على المجتمعين الإسلامي والدولي.
الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج والتوصيات.
المبحث الأول
مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني
المطلب الأول: مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية.
قامت الشريعة الإسلامية على احترام الإنسان، واعتباره ذاتا مكرمة، كما نظرت إليه نظرة كلية باعتباره كائنا حيا ضمن منظومة الكون الكلية، وأصلت لهذا المفهوم من خلال قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 30) وجعل الله الإنسان في الكون خليفة وهيا له أسباب العيش التي تسهل وتذلل لخلافته الصعاب ليكون متفقا بذلك مع صورة الخلق الكلية غير منحرف عن المنهج الإلهي في الكون، فشرع له من التشريعات ما تحمي إنسانيته كإنسان وحرمت قتله، إلا بحق كان يفسد في الأرض بالحرابة، وسفك الدماء، فهذه الذات الإنسانية لها حقوق مصانة، ولم تفرق بين مسلم وغيره في هذه الحقوق، بل لم تكره أحدا على امتثال الدين الإسلامي، وشرعت جملة من التشريعات التي تعمق مفهوم الإنسانية الذي يجمع بين البشر، وأوجبت احترام الإنسان لذاته سلما وحربا.
يرتكز مبدأ الإنسانية في الشريعة الإسلامية على جملة من المبادئ:
1. الكرامة الإنسانية:
ففي القرآن الكريم- يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 71)
وفي السنة- ما جاء عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال :" يا أيها الناس إن ربكم واحد و إن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلغت " قالوا: بلى يا رسول الله قال: فليبلغ الشاهد الغائب ([1])
وجه الدلالة من النصين السابقين:
أ- أن الله عز وجل خلق البشر وجعلهم خلفاء في الأرض ولم يفرق بينهم إلا بمدى تحقيق كل إنسان لذلك المقصد الذي خلق له، فأيما إنسان امتثل مقصود خلقه بإعمار الأرض والفلاح فيها فهو الأفضل عند الله وأيما إنسان أفسد فيها وأهلك الحرث والنسل فإن الله يهدده بالهلاك، لأنه بذلك يعوق إعمار غيره من الناس للأرض.
ب- تفيد الآية عموم التكريم للإنسان، وتؤكد على أن هذا التكريم مصطحب معه ما يلزمه من تيسير المراكب برا وبحرا، وتسخير جميع ما في السموات والأرض من مطعومات ومشروبات للإنسان، بل ميزها بأنها أطيب أنواع الرزق، كما اقتضى هذا التكريم التفضيل على جميع المخلوقات.
يفيد الحديث حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تقرير مبدأ الإنسانية وهذا واضح في ألفاظ الحديث :" يا أيها الناس- ولم يقل يا أيها الذين آمنوا- إن ربكم واحد وإن أباكم واحد" وأراد بذلك محو كل عصبية قومية أو جنسية أو قبلية من شانها تحقير الإنسان لأخيه الإنسان أو يسترقه أو يزيل معالم إنسانيته بتلك العصبية، فهم جميعا لأب واحد ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.
2. الناس جميعا أسرة واحدة:
فقد نصت الآيات بوضوح على ذلك من خلال قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد) ([2])
وجه الدلالة:
أن البشر إخوة في الأصل من الناحية النسبية ومن الناحية الدينية، أما الأصل الأول فالناس لآدم وآدم من تراب فيبقى الناس على هذا الأصل يجمعهم رابط الإنسانية وهو مدار حديثنا في هذا البحث.
وأما الأصل الثاني الذي يجمع الناس جميعا فهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها، فمن الناس من شذ عن الفطرة وكفر وعبد من دون الله ومنهم من بقي في هذه الأمة الإسلامية، فقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 92) فهذا دليل على أن الناس جميعا أسرة واحدة يجمعها آدم وكذلك تجمعها الفطرة التي فطرنا عليها، ويقول ابن عباس في معنى "أُمَّةً وَاحِدَةً" دينكم دين واحد" ([3]) فمن بقى في هذا الأسرة بالأصل الأول يثبت له في الشريعة الإسلامية حقوق تصون كرامته الإنسانية، ومن بقي فيها على الأصلين فله الفضل على غيره عند الله تعالى بدليل قوله صلى الله عليه وسلم " إلا بالتقوي ".
3. العدل:
ففي القرآن الكريم- يقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 18)
- وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)
- وفي السنة المطهرة- جاء في سنن أبي داوود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن " ([4])
وجه الدلالة:
- أن الله عز وجل أقام السموات والأرض بالعدل وأمر به، وحرم الظلم كله، وقامت كل علاقة إنسانية في الإسلام على العدالة واعتبار الناس سواء، والعدالة للأعداء حق كما هي للأولياء، وقد نص الله تعالى على أنه لا يصح أن تحمل العداوة على الظلم. ([5])
وجعل العدل ميزانا للتقوى مع المخالفين والمعادين فمن باب أولى للموالين، فقد بين ربنا ذلك بقوله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (سورة المائدة: 8) وأكد على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجعل معيار النسب والجنس واللون كمعيار للتفاضل بين الناس، مما يهلك صاحب هذا الفكر ويرديه في جهنم، فقال صلى الله عليه وسلم " ليدعن رجال فخزهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم" كما أثبت ما جاء في القرآن أن العدل سواسية بين الناس فكلهم لآدم وآدم من تراب.
المطلب الثاني: مبدأ الإنسانية في القانون الدولي الإنساني
عندما يفقد المقاتل الشعور بالإنسانية تجاه الآخرين، ويتجرد عن ضوابط الفطرة وآداب القتال العام، ويقاتل لأجل سفك الدماء، والعلو في الأرض، فحينئذ لا بد من جماعة تتصدى لهذا الزحف والفكر الدموي، وتلزم أطراف النزاع بقوانين جبرية ملزمة تحد من زحف الشر في الأنفس المقاتلة، وضبط عملية القتال بجملة من القوانين للحفاظ على الكرامة الإنسانية لغير المقاتلين الذين تهدر أرواحهم بين أطراف النزاع، وهذا ما قامت به لجنة الصليب الأحمر عقب حروب دامية، فقامت بوضع اتفاقات دولية، ومعاهدات تنص على حفظ حياة المدنيين والعدل فيهم، واحترام إنسانيتهم، حيث سميت هذه الاتفاقيات والمعاهدات بالقانون الدولي الإنساني.
ويظهر هذا المبدأ واضحا في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 م في المادة (27):
إذ جاء فيها: " للأشخاص المحميين في جميع الأحوال حق الاحترام لأشخاصهم وحقوقهم العائلية وعاداتهم وتقاليدهم ويجب معاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية" كما أكدت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 م في المادة الثالثة ما نصه: في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة يلتزم كل طرف في النزاع بان يطبق كحد أدنى الأحكام التالية:
الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، فيعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر.
يجمع الجرحى والمرضى ويعتني بهم.
ولقد حذرت اتفاقية جنيف الرابعة في (المادة الثالثة) من المس بالكرامة الإنسانية فجاء فيها ما نصه: " يحظر الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة ".
فيفرض مبدأ الإنسانية في القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتنازعة القيام بثلاثة واجبات حيال ضحايا الحرب تتمثل في احترامهم، ومعاملتهم بإنسانية، وحظر إخضاعهم لأعمال العنف والقسوة التي لا تفيد في تحقيق الهدف من الحرب، بل تزيد من الآلام التي لا مبرر لها، ولا يمكن الحديث عن قانون إنساني دون الرجوع إلى أصل هذا المبدأ، أي الإنسانية.
فالحرب حالة واقعية من صنع البشر، وإذا لم نستطع أن نمنعها فإنه بالإمكان الحد من آثارها، والعمل على عدم انتهاك الإنسانية المتأصلة لدى كل إنسان. ([6])
وقد سبقت الشريعة الإسلامية جميع الاتفاقيات والقوانين والمثل بما أصلت له من حقوق للفرد والجماعة حال السلم والحرب على السواء.
المبحث الثاني
حقوق الشيوخ والنساء والأطفال زمن الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الحق في الحياة.
المطلب الثاني: الحق في الأمان.
المطلب الثالث: الحق في المأوى ومنع التشريد.
المطلب الرابع: الحق في سلامة الجسد، وينطوي عليه أربعة حقوق:
الأول: الحق في الطعام والشراب.
الثاني: الحق في الوقاية والعلاج.
الثالث: منع التعذيب والإيذاء الجسدي.
الرابع: منع المثلة.
المطلب الرابع: حق النصرة على المجتمع الإسلامي والدولي.
المطلب الأول: الحق في الحياة
الحق في الحياة هو أصل كل حق، لذلك أقر الإسلام هذا الحق، وجعل عليه ضمانات تكفله؛ فشرع من الأحكام ما يحفظه، ومن العقوبات ما يحظر مسه بأذى إلا بحق.
فقد جاء القصاص من باب الحماية لهذا الحق من العدم، ([7]) وشرع لمن انتهك حقه القصاص، كما في عموم النصوص القرآنية التي جاءت بتحريم القتل بغير الحق لتعطي لكل إنسان الحق في الحياة.
فهو حق للإنسان لحظة تكونه في رحم أمه، ثم لحظة ولادته، إلى أن يكبر شابا ثم شيخا، هو حق شرعي يثبت للرجال وللنساء والأطفال، يثبت للصحيح وللسقيم والمعاق على السواء.
والأدلة على ثبوت هذا الحق للناس عموما من القرن الكريم والسنة:
أ) القرآن الكريم:
- فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) (سورة البقرة: 178)
وقال أيضا: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (سورة البقرة: 179)
وقال: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (سورة المائدة: 32)
وجه الدلالة من القرآن الكريم:
أن الآيات القرآنية نصت على حرمة القتل عموما وشددت في الحرمة وتوعدت من قتل متعمدا بالجزاء الشديد في الدنيا والآخرة، كما يظهر في الآيات عمق الشريعة الإسلامية في تحقيق المصالح ودرء المفاسد والتأكيد على الحق في الحياة ولم تعلنه فقط وتغض الطرف عن الانتهاكات الجسمية في الواقع ولكن جعلت على هذا الحق حصونا منيعة حذرت من اختراقها وحصانة حق الحياة في الشريعة الإسلامية هو تشريع ما من شأنه حفظ النفس من جانب الوجود كإباحة الطعام والشراب والدواء وغير ذلك مما يبقي النفس حية، كما شرع ما من شأنه أن يزجر ويمنع إلحاق الأذى بها ابتداء وهو حفظها من العدم كتشريع العقوبات والقصاص والديات لمن اعتدى، فقد قال الله عز وجل في ذلك: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:(179 فهذه الآية من كلام الله عز وجل تعتبر مستندا شرعيا في حصانة حقه من الاعتداء عليه، وما يضمن الجزاء على من اعتدى عليه؛ ليكون في القصاص حياة للناس أجمعين، كما نصت عليه الآية.
ب) ومن السنة ما جاء عند أبي داود من قول جابر: قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسال أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله ألا سالوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم -ويعصر أو يعصب- شك موسى- الراوي- على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده ([8])
وجه الدلالة من الحديث:
تدل الآية على أمرين يصلحان للاستدلال على الحصانة للحق في الحياة والحق في سلامة الجسد:
أحدهما: رحمة الشارع بالمرضى وعنايته بهم إذ أسقط عنه الوضوء بالماء واستبدله بالصعيد حفظا من الشارع على صحة الإنسان وحياته لحفظها من العدم.
الثاني: اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي أفتى بغير علم متسبب في إهلاك المريض ومجهز عليه فدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم :(قتلوه قتلهم الله) وهو بذلك صلى الله عليه وسلم يحرم القتل المباشر وغير المباشر.
ويظهر مما سبق اهتمام الشارع الحكيم للكلمة إن كانت توصل إلى أذى صغيرا كان أم كبيرا، بل رتب عليها أمورا فقهية.
حرمة قتل الشيوخ والنساء والأطفال خاصة:
لا يجوز الاعتداء على حق الشيوخ والنساء والأطفال الضعفاء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا خاصة وهو حق مصون محمي حال السلم وحال النزاعات المسلحة فمن قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ... (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (سورة الإسراء: 31) ([9]) وقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (سورة التكوير: 8.9)
ومن السنة النبوية الشريفة:
1. ما جاء عند البخاري: عن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع (ومنعا) وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال. "([10])
فحديث النبي صلى الله عليه وسلم عام في حرمة قتل المسلم وغير المسلم بغير حق حتى أ ن الموءودة في الجاهلية وما بعدها لتسأل بأي جريرة قتلت، وهذا حق مصون حال السلم، مبطلا بذلك كل العادات والتقاليد والأعراف التي تمس الحق في الحياة.
2. كما يحرم قتل الذرية في النزاعات المسلحة بين طرفين، وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك واستنكاره فعل الناس بقتلهم الأطفال، فعن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه فأصبت ظهرا فقتل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان- وقال مرة (الذرية)- فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية فقال رجل: يا رسول الله إنما هم أولاد المشركين فقال: ألا إن خياركم أبناء المشركين ثم قال: ألا لا تقتلوا ذرية ألا لا تقتلوا ذرية قال كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها."([11]) فتكرار النهي من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على التأكيد على حرمة قتل الإنسان " الذرية " ويدل على شناعة ارتكاب المنهي عنه حال النزاعات المسلحة، وعندما رأى صلى الله عليه وسلم استباحة المسلمين لدماء غير المسلمين حال الحرب حتى جاوز بهم القتل أن قتلوا الأطفال فقالوا :" إنما هم أولاد المشركين" وقف النبي صلى الله عليه وسلم وقفة تاريخية تشريعية لحق الإنسان في الحياة بل وأكد على أن الإنسان يولد مسلما وهذه الفطرة الإسلامية تجعل دمه مصونا عن السفك.
3. فعن عُمَرُ بن الْمُرَقَّعِ بن صَيْفِيِّ بن رَبَاح حدثني أبي عن جَدِّهِ رَبَاح بن رَبِيعٍ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزْوَةٍ فَرَأى الناس مُجْتَمِعِينَ على شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا فقال انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ فَجَاءَ فقال: على امْرأة قتيل فقال: ما كانت هذه لتقاتل قال وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بن الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلا فقال قُلْ لِخَالدٍ لا يقتلن امرأة ولا عسيفا ([12]) فمنع النبي صلى الله عليه وسلم قتل النساء والعمال الذين لا يشاركون في الحرب، فقد استنكر قتل امرأة في الحرب وارسل مستدركا خالدا قبل أن يتجاوز حقوق الضعفاء، مشرعا بذلك حرمة دماء نساء غير المسلمين.
الحق في الحياة من القانون الدولي الإنساني:
جاء حق الحياة في التشريع الدولي في اتفاقية جنيف الرابعة، وقانون لاهاي، واتفاقية حقوق الطفل، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان كالتالي:
1. اتفاقية جنيف الرابعة المادة (68):
- لا يجوز أن تقضي القوانين الجزائية التي تصدرها دولة الاحتلال وفقا للمادتين (64) و (65) بعقوبة الإعدام على أشخاص.
- لا يجوز إصدار حكم بإعدام شخص محمي إلا بعد توجيه نظر المحكمة بصفة خاصة إلى أن المتهم ليس من رعايا دولة الاحتلال، وهو لذلك غير ملزم باي واجب للولاء نحوها.
- لا يجوز بأي حال إصدار حكم بإعدام شخص محمي تقل سنه عن ثمانية عشر عاما وقت اقتراف المخالفة.
2. قانون لاهاي أكتوبر 1907 م القسم الثالث، المادة (46) :" ينبغي احترام شرف الأسرة وحقوقها، وحياة الأشخاص ".
3. اتفاقية حقوق الطفل رقم 260 لسنة 1990 في المادة السادسة.
أ- تعترف الدول الأطراف بأن لكل طفل حقا أصيلا في الحياة.
ب- تكفل الدول الأطراف إلى أقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه.
4. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة
في 10/ ديسمبر 1948م المادة 3: " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه."
5. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها 9/ديسمبر 1948م في المادة الرابعة: "يعاقب مرتكبو الإبادة الجماعية سواء كانوا حكاما دستوريين أو موظفين عاميين أو أفرادا."
6. إعلان بشأن القضاء على أشكال العنف ضد المرأة في المادة (3) "للمرأة الحق في التمتع على قدم وساق مع الرجل بكل حقوق الإنسان وحرياته ومن بين هذه الحقوق، الحق في الحياة ".
وما سبق سوقه من المواد القانونية عامة تصدق في حق جميع المدينين (الشيوخ والنساء والأطفال)
المطلب الثاني: الحق في الأمان
الحق في الأمان في الشريعة الإسلامية:-
الأمن ضد الخوف، قال تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (سورة قريش: 4) وقال عنه الجرجاني في التعريفات: الأمن عدم توقع مكروه في الزمان الآتي. ([13]) وهو أن يحيى الإنسان مطمئنا هانئ البال ليقوم بالخلافة في الأرض على الوجه المنوط به، والخائف لا ينتج إذ يبقى مشغولا بالبحث عن الأمن، والمشغول لا يشغل، لذلك حرصت الشريعة الإسلامية على تحقيق الأمن للمسلمين وغير المسلمين سلما وحربا.
والأمن مصطلح عام يشمل الأمان الشخصي (الفردي) والأمان الاجتماعي والأمان الدولي والعالمي، والذي نقصده في هذا البحث الأمان الشخصي للشيوخ والنساء والأطفال، بحيث يأمنون على أنفسهم وعقيدتهم وأعراضهم وذرياتهم وممتلكاتهم حال النزاعات المسلحة، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ طَعَامُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا" ([14])
ولعل الجمع بين مصطلحي (الأمن والنزاعات المسلحة) لهو جمع بين نقيضين، إذ ينتفي الأمن بمجرد ظهور إرهاصات الحرب، والذي نبتغي تحقيقه من الأمن في النزاعات المسلحة هو عدم انتهاك حق الإنسان في الأمن على احتياجاته الفطرية كالطعام والشراب والأمن على الجسد من أي اعتداء، أما الأمن الدولي أو الاجتماعي فيصعب الجمع بينه وبين حالة الحرب لذلك قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (البقرة: (216 فامر المقاتلين بالتزام الضرورة العسكرية ونهاهم الله عن التجاوز فقال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)
الأمن حق أصيل لكل إنسان، قال تعالى في معرض منه على قريش أنه أمنهم من خوف، واذا كانوا غير مسلمين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية فقد متعتهم الشريعة الإسلامية بالأمان في الحالين سلما وحربا حتى يأمن المسلم على عقيدته يأمن الكافر على حياته، فاذا انتهك حق غير المسلمين في الحياة شاعت الاستفزازات بين الفريقين وانتفى الأمن، لذلك ضمن الشارع الحكيم الأمن للفريقين حتى تستمر الحياة على الصراط المستقيم، فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ الله عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِح رَائِحَةَ الجَنَّةِ، واِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا " ([15]) وقال الكاساني عن الأمن لغير المسلمين أنه الموادعة وهي المعاهدة والصلح على ترك القتال " ([16])
وما سقناه سابقا من أدلة على حق الإنسان في الحياة هو حق له في الأمن مالم يشارك في القتال، وما نسوقه من أدلة تالية فهي أدلة جامعة أقرها الإسلام في السلم والحرب، وإقرارها في النزاعات المسلحة من باب أولى.
أما الأمن في النزاعات المسلحة فاظهر موقف لرحمة النبي صلى الله عليه وسلم، الأمان العام الذي أطلقه يوم فتح مكة فقد أمن الرجال والشيوخ والنساء والأطفال، حتى قال أبو سفيان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاح فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ " ([17])
وكذلك أمن النساء والأطفال خاصة فعَنْ عُمرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ: قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فَإِذَا امْرأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله علي وسلم: " أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ" قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: " "لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا" ([18])
المشهد حينئذ مشهد امرأة هلوع مذعورة تبحث عن طفلها، فاغتنم صلى الله عليه وسلم الموقف الى توجيه عقل الصحابة إلى التدبر في المرأة التي فزعت تبحث عن فلذة كبدها هل بعد أن وجدته تلقيه في التنور مثلا، وضرب لهم مثلا عميق المعني واسع التدبر في رحمة الله التي استبقى عنده منها تسعة وتسعين، ووضع في هذه الدنيا واحدة، وشاهدنا من الموقف أن القلب الذي استجاب للقتال في سبيل الله والذي احتمل من القوة والشدة أن يزهق روحا في الحرب لم تفارقه الرحمة في هذا الموطن فهو يؤمن المرأة على ولدها ولم يركلها بقدمه أو يضربها أو يقتلها أو يفعل بها كما يفعل الطغاة اليوم في نزاعاتهم ولم يفرق بينها وبين ولدها بل نهى صلى الله عليه وسلم عن المفارقة بين المرأة وولدها فعن أبي عبد الرحمن الحبلي، فعن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين
أحبته يوم القيامة. " ([19])
وأما حق الأمن في السلم: -
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إفزاع المسلمين حال جد أو الهزل بل اعترف بهذا الحق حال المزاح والضحك فكيف بأبي هو وأمي يقر بهذا الحق في الحرب فقد جاء عن عبد الرحمن بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" ([20])
وكذلك جعله آمناً في موطنه وبيته فعن أبي شريح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوايقه"([21]) ويتسع مفهوم الجيرة في زماننا إلى تلك الحدود التي وضعت بين دويلات المسلمين ونعتبر الأمن الذي أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث يحمل على الإقرار بحق الأمن الدولي بين الدول المتجاورة.
الحق في الأمن في القانون الدولي الإنساني:
من مهام الاحتلال الأساسية تطبيق القانون وحماية أرواح وممتلكات وحقوق الناس التي هي مسئولة عن أمنهم. هذا المبدأ متعارف عليه في القانون الدولي وكذلك في القانون المحلي في جميع الديمقراطيات في العالم([22]).
المادة (43) من معاهدات لاهاي في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 1907.
"على القوى المحتلة حماية المدنيين وتحقيق الأمن والنظام العام وضمانه، مع احترام القوانين السارية في البلاد".
2. المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة، 1949م:
"عليها إبعادهم عن أخطار الحرب، أو ما يهدد أمنهم، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد، ويجب حماية النساء بصفة خاصة".
3. المادة: (14) من اتفاقية جنيف الرابعة:
"وفي إطار الحماية العامة للسكان عليها أن تنشئ في الأراضي المحتلة إذا دعت الحاجة، مناطق ومواقع استشفاء وأمان منظمة بكيفية تسمح بحماية الجرحى والمرضى والعجزة والمسنين والأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، والحوامل وأمهات الأطفال دون السابعة".
إذن المجتمع يتكون من أفراد وهم المكون الأساسي للمجتمع فإذا خربت لبنة من لبنات المجتمع الصغرى كالشيوخ أو النساء أو الأطفال وصل الخطر إلى المجتمع من خلاله فعمارة الأرض لا تكتمل بدون أمن الأفراد والمجتمعات.
المطلب الثالث: الحق في المأوى ومنع التشريد:
ونقصد بالحق في المأوي ومنع التشريد هو حق الناس في البقاء في بيوتهم وتحريم سلبها أو الاعتداء عليها بالقصف أو التدمير، كذلك حقهم في البقاء في موطنهم ومنع تهجيرهم.
الحق في المأوى في الشريعة الإسلامية:
المأوى هو السكن من السكينة والطمأنينة، وهو حق أصيل يثبت لكل إنسان لعمق أهميته وخطورة عدمه، ولذلك لا يجوز مطلقاً الاعتداء على هذا الحق، أو منع الناس عن البناء والإنشاء والتعمير، فإنه يعد عاملاً من عوامل إبادة التنمية وهدم الحضارة والإفساد في الأرض وانتهاك لحق الإنسان في حياة آمنة كما أثبتنا آنفاً حقه في ذلك.
وقد ثبتت مشروعية هذا الحق بالقرآن الكريم والسنة:
ففي القرآن الكريم- قوله تعالى:
- {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)} [النحل: 80].
- {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)} [الحج: 40].
وجه الدلالة من الآية:
الآية الأولى كلها شاهد ونص صريح على منة الله عز وجل على عباده بنعمة المسكن، ومعنى الآية أن الله جعل لعباده موضعاً يسكنون فيه وقت إقامتهم كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر، "وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا" هي القباب المتخذة من الأدم وقوله (تَسْتَخِفُّونَهَا) تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها وقت السفر والحضر"([23]).
ولا أدل على حق الإنسان في الملجأ والمأوى في إقامته ببلده أو ترحاله، من هذه الآية الكريمة، حيث صرحت الآية بالمواد التي يبني بها الإنسان بيته وهي جلود الأنعام وأصوافها وأوبارها وأشعارها في الزمن الماضي الذي لم يعرف فيه مواد البناء المعاصرة، ويقاس عليها اليوم حق الإنسان في مواد البناء من الأسمنت، والحصمة، والحديد وغيرها للحصول على الحق الكلي وهو المسكن.
أذن الله بالنصرة في الآية الثانية لكل من هُجِّر وشرد من مأواه، ووعد الله المشردين بالنصرة والتمكين؛ لأن الشارع يقر الحق في المأوى ويحرم تشريد الناس من بيوتهم وموطنهم، ورتب على هذا الحق ضمانات تمنع المساس به، بخلاف ما تنادي به القوانين الدولية دون جزاء على من اعتدى.
فسنة النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات أنه لا يخرج الناس من موطنهم عنوة بل يبلغهم دعوته دون اعتداء.
فقال الله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ...} [التوبة: 6] والشاهد في الآية {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ..} والمقصود إلى حيث يأمن هناك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين([24]) فغاية الإسلام إخراجهم من الظلمات إلى النور وليس إخراجهم من موطنهم.
ومن السنة النبوية الشريفة:
1. عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال –أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم([25]).
وجه الدلالة من الحديث:-
تتجلى رحمة الإسلام الذي هو رحمة للعالمين في الأحكام الشرعية، حتى الحدود والقتال في سبيل الله لا تنفك عنها رحمة الله ورسوله، وتتضح في استراتيجيات قتال النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه التالي:
النبي صلى الله عليه وسلم لا يداهم البيوت على غِرّة.
يفصل مجمل قول الله تعالى "ولا تعتدوا" فينهى عن التجاوز والتعدي إلى قتل غير المقاتلين.
تخيير العدو ويعرض عليه احتمالات متعددة آخرها القتال لا أولها فيقول: "فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم".
قوله صلى الله عليه وسلم (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين" لم يجبرهم النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولم يخرجهم من ديارهم قسراً بل يوصي قائد الجيش بالامتثال إلى هذه القوانين الإنسانية التي تقدر قيمة الإنسان وإرادته الحرة بتخييره بين مأواه وبين اللحاق بدار الإسلام.
2- وما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا"([26]).
وجه الدلالة من الحديث:
يدل الحديث على نعمة المأوى التي ينعم بها الإنسان، وفيه إقرار بحق كل إنسان في الحصول على هذه النعمة، مذكراً النبي صلى الله عليه وسلم بأن من حصل على هذه النعمة فقد حيزت له الدنيا، وهو وجه منطقي ومعقول لما يحققه السكن من مأمن للإنسان.
وهذا الحديث دستور في إقرار الحق لكل إنسان في الأمان والطمأنينة في بيته إذ ليس المراد فقط التستر بالجدران الأربعة بل المقصود منه أصلاً هو تحقيق الأمن.
ويأتي الأمن في المسكن؛ لأنه حماية لكافة حقوق الإنسان وحرياته، وانتهاك الحق في المسكن هو انتهاك لحقوق الإنسان بالجملة، من الحريات الشخصية والخصوصيات الآدمية، والحق في الستر وممارسة العادات اليومية، ويتعدى الانتهاك إلى الحقوق العامة مثل الحقوق السياسية والاقتصادية وغيرها، فالإنسان المشرد إنسان عاجز عن القيام بمهام الحياة جميعها، وفي هذا السياق يعد الاعتداء على الحق في السكن اعتداءً على الضرورات البشرية والمقصود حفظها شرعاً؛ إذ فيه انتهاك للحق في الحياة الطبيعية الكريمة بكرامته، واعتداءً على ممارسته لشعائر دينه، واعتداءً على حقه في التكوين الأسري والاجتماع العائلي وإقامة العلاقات الودية مع الناس، وانتهاكه لحقه في الحصول على المال المشروع بالعمل، وهنا تكمن خطورة الاعتداء على هذا الحق لما له من آثار وعقبات وخيمة ترجع بالسوء على الفرد والمجتمع([27]).
الحماية الشرعية للحق في المأوى وحفظه من العدم:
شرع الله جملة من الأحكام والآداب العامة للحفاظ على هذا الحق ومنها:
- حرمة منع الإنسان غيره عن بناء مسكن في ملكه:
فقد جاء في السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره ثم يقول أبو هريرة ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم"([28]).
وجه الدلالة من الحديث:
جواز الاستعانة بجدار الجار على بناء جدار بيته بأن يضع خشبة أو ما يقاس عليه اليوم عموداً ملاصقاً أو مستنداً على بيت الجار، فمن باب أولى أن يحرم على أحد منع الباني عن البناء في ملكه، وأنه لا يجوز لأحد أن يمنع أحداً من أن يفعل في ملكه ما يشاء([29]).
وكذلك من باب أولى حرمة قطع الموارد الإنشائية عن الناس وحرمانهم من البناء في ملكهم، وأرى الذي يمنع الناس مواد البناء في الحرمة والعقوبة كالذي يمنع اللقمة والماء عن الإنسان في مخمصة، سواءً بسواء.
حرمة مداهمة البيوت أو التجسس عليها صوناً للمقصد الأساسي من السكن في تحقيق الأمن والسكينة:
نهى الله عز وجل عن دخول البيوت بغير استئذان وعن التجسس مطلقاً كما في القرآن الكريم والسنة:
ففي القرآن الكريم قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)} [سورة النور: 27]
وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12].
وجاء في السنة: أن رجلاً اطلع من حجر في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدري يخلل بها رأسه فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت بها في عينك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإذن من أجل النظر"([30]).
جعل النبي صلى الله عليه وسلم ضماناً على الحق في المأوى بترتب عقوبة زاجرة لمن يتجسس ويختلس النظر إلى العورات وهي فقأ العين وإهدار ديتها وقصاصها قال الشافعي: لو أن الرجل المطلع عليه خذفه بحصاة أو وخزه بعود صغير أو مدرى أو ما يعمل عمله في أن لا يكون له جرح يخاف قتله وإن كان قد يذهب البصر لم يكن عليه عقل ولا قود فيما ينال من هذا وما أشبهه ولو مات المطلع من ذلك لم يكن عليه كفارة ولا إثم([31]).
الحق في المأوى في القانون الدولي:
عنيت القوانين الدولية بشأن الحق في المأوى ونصت عليه في إعلاناتها ومواثيقها والتي تعتبر ملزمة للقانون الدولي، ومن تلك النصوص القانونية:
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
حيث نصت المادة الخامسة والعشرون منه على أن لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن..".
- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المادة (11):
فقد أقرت الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته؛ ليوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى.
- اتفاقية جنيف: المادة (147) نصت على أن "المخالفات الجسيمة التي تشير إليها المادة السابقة هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو... وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات ممتلكات محمية بالاتفاقية حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية.
وحذرت في المادة التالية من الفلول من المسؤولية الملقاة على عاتق الأطراف المسحة نحو المدنيين، فجاء في المادة (148) لا يجوز لأي طرف متعاقد أن يتحلل أو يحل طرفاً متعاقداً آخر من المسئوليات التي تقع عليه أو على طرف متعاقد آخر فيما يتعلق بالمخالفات المشار إليها.
المطلب الرابع: الحق في سلامة الجسد، وينطوي عليه أربعة حقوق:
الأول: الحق في الطعام والشراب في الشريعة الإسلامية:
من حق الفرد أن ينال كفايته من مقومات الحياة الضرورية ويمتد واجب الأمة في هذا ليشمل مالاً يستطيع الفرد أن يستقل بتوفيره لنفسه من ذلك قال تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]، إن النصوص الشرعية التي سيقت بشأن الإقرار بالحق في الغذاء مستفيضة، وسأقتصر على بعض منها على هيئتين مترابطتين وهما حفظ الحق من جانب الوجود ويمثل الإفرار بالحق، وحفظه من العدم ويمثل ضمانات على الحق في الطعام والشراب، على النحو التالي:
حفظ الحق في الطعام والشراب من جانب الوجود:
ففي القرآن الكريم:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [سورة البقرة: 168].
وقال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)} [سورة الحجر: 22].
وقال أيضاً: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)} [النحل: 10. 11].
وجه الدلالة من الآيات:
أثبتت الآية الأولى الحق لكل إنسان في الطعام، وجعل الله كل ما في الأرض من أطعمة حلالاً إلا ما حرمه ونص عليه لمفسدة تلحق بالإنسان، وتوازن الآية بين الحل وهو المباح وبين الانغماس فيه الذي يؤدي إلى اتباع خطوات الشيطان الذي يلحق الأذى بحقوق الآخرين، مثل أكل أموال الناس بالباطل، إذن الآية تحمل إقراراً وضماناً في نفس السياق.
أما الآية الثانية فقد أقرت لكل إنسان مسلماً وغير مسلم الحق في الشراب والسقاية من الماء، والآية الثالثة كفلت الحق في الطعام والشراب معاً، فضلاً من الله ونعمة.
وفي السنة النبوية الشريفة:
- ما جاء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح معافى في بدنه آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا"([32]).
- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني"([33]).
وجه الدلالة من الأحاديث:
ينص الحديث الأول ويثبت للإنسان الحق في مستوى معيشي ملائم من خلال ثبوت الحق له في الغذاء والمسكن والأمن، والشاهد من الحديث ثبوت الحق لكل إنسان في الغذاء، لعموم الخطاب في الحديث.
وينص الحديث الآخر على الحض على إطعام الجائع وتوفير الغذاء اللازم للإنسان؛ ليعيش بكرامته، وبوجه آخر هو إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم بحق كل إنسان في الطعام، وكيف يشعر بنعمة الطعام في ظل الخوف، فلابد من الأمن حتى يستشعر نعمة الطعام وحقه فيه.
الحماية الشرعية للحق في الغذاء وحفظه من العدم:
نص التشريع الإسلامي على هذا الحق مكفولاً بالحماية والضمان عن الامتهان، ومن نصوص التشريع التي جاء لحمايته من العدم:
جعل الشارع كفارة الذنوب هي إطعام من لم يجد الطعام:
فقد جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [سورة المائدة: 95].
وقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [سورة المجادلة: 4].
وقوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [سورة المائدة: 89].
وجه الدلالة من الآيات:
ترتب الكفارة على الذنوب من أجل كفالة الحق لكل إنسان في الغذاء والطعام الذي يقيم صلبه ويمنح له العيش بمستوى ملائم.
توعد الشارع الذين يمنعون الناس الماء الغذاء، وأثنى على الذين يمنحون الناس الغذاء:
فقال تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (سورة الحاقه) وقوله تعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم 2 ولايحض على طعام المسكين (34)} [سورة الماعون].
وقوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)} [سورة الإنسان]
وجه الدلالة من الآيات:
الطعام ويشمل الحق في الماء والغذاء والذي يفضي إلى انتهاك حقهم في الحياة ومن ثم يمثل اعتداءً جسيماً على الحق في حفظ النفس.
وأما الآيات الأخرى فهي من طبيعة التشريع الإسلامي وسمته العادلة من ترتيب العقوبة على الجريمة وترتيب الثناء والجزاء الحسن على إتباع أوامر الشرع والرحمة بالناس، ومن ذلك إطعام الطعام للفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يأكلون.
وثبت الحق في الطعام والشراب في السنة النبوية الشريفة:
فقد جاء في سنن ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار"([34]).
كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم ورجل منع فضل ماء فيقول الله يوم القيامة اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"([35]).
وجه الدلالة من الأحاديث:
نص النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة من منع إنساناً الطعام أو الماء وفي ذلك إقرار بحق كل إنسان في الحصول على الماء والغذاء، وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع سواء أقيل إن الماء لمالك أرضه أم لا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وسحاق وأبي عبيد وغيرهم والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجاناً بغير عوض للشرب وسقي الزروع، ولا يجوز لأحد تحجرها ولا للإمام إقطاعها إجماعاً([36]).
ويبرز في هذا السياق حرمة منع الناس غذاءهم وما يفضي لتكوين الغذاء من أساليب الطهي.
الحق في الطعام والشراب في القانون الدولي الإنساني:
هيأ الله للعباد نعم كثيرة يتقوى بها على طاعته ومنها الطعام والشراب ومنعه منها لوقت محدود حسب شرعه ومن تدخل في المنع كان الله له خصيماً، وقام القانون الدولي على هذه الشاكلة ليوفر الطعام والشراب للإنسان:
- فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (25):
نص هذا الإعلان على أن لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.
- وحذر مؤتمر القمة العالمي للأغذية من استخدام الغذاء كأداة للضغط السياسي.
وتعهد رؤساء الدول والحكومات، المجتمعين في مؤتمر القمة العالمي للأغذية المنعقد بدعوة من منظومة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، على حق كل إنسان في الحصول على أغذية سليمة ومغذية، بما يتفق مع الحق في الغذاء الكافي والحق الأساسي لكل إنسان في التحرر من الجوع([37]).
- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: في المادة (11):
تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية.
وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر.
وقد ضمنت الدول الأطراف الحق في الماء ضمن الحق في مستوى عيشي ملائم فجاء في التعليق رقم 15 على العهد الدولي الخاص ما نصه: "وتحدد الفقرة (1) من المادة (11) من العهد عدداً من الحقوق الناشئة عن أعمال الحق في مستوى معيشي كافٍ، والتي لا يمكن الاستغناء عنها لأعمال ذلك الحق، بما في ذلك "... ما يفي بحاجتهم من الغذاء، والكساء، والمأوى". ويشير استخدام عبارة "بما في ذلك" إلى أن قائمة الحقوق هذه لا يراد منها أن تكون حصرية.
وبالطبع فإن الحق في الماء يقع ضمن فئة الضمانات الأساسية لتأمين مستوى معيشي كافٍ، نظراً إلى أنه واحد من أهم الشروط الأساسية للبقاء. وفضلاً عن ذلك، اعترفت اللجنة سابقاً بأن الحصول على الماء حق من حقوق الإنسان يرد في الفقرة (1) من المادة (11) من العهد([38]).
اتفاقية جنيف الرابعة المادة (50) والمادة (55):
نصت على أن على دولة الاحتلال ألا تعطل تطبق أي تدابير تفضيلية فيما يتعلق بالتغذية.
ومن واجبها أيضاً أن تعمل بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات لطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية.
وجه الدلالة من القانون الدولي الإنساني:
أن حق الطعام والشراب مكفول للفرد والجماعية، وحق الطعام والشراب أن يكتنفه الأمن لا الخوف، ولابد من توفير الأمن قبل توفير الطعام والشراب، المساس بالطعام والشراب هو المساس بالأمن فلا يتحقق واحد دون الآخر فهما مرتبطان ببعضهما البعض.
الثاني: الحق في الوقاية والعلاج.
من مقاصد الشريعة الإسلامية الضرورية حفظ النفس، ومنه سلامة الجسد، قال الشاطبي: على كل مكلف في نفسه، بحفظها قياماً بضروريات حياته([39])، كما توازن الشريعة الإسلامية بين إقرار الحق بالصحة الجسدية فيما أسلفنا سابقاً من إباحة الطعام والشراب وضمان هذا الحق بإباحة التداوي فهي توازن بين الوقاية والعلاج، والوقاية في الشريعة الإسلامية تكون بالحفاظ على التوازن في الغذاء وعدم الإفراط فيه، وهذا قول الله عز وجل: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} [الأعراف: 31].
وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم جاء في حديث المقدام بن معدي كرب الكندي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب وثلث لنفسه"([40]).
ومن حرصه صلى الله عليه وسلم على الصحة البدنية والنفسية رعايته للرياضات المختلفة، وإجازته صلى الله عليه وسلم للسباق والسباحة والرماية وركوب الخيل والمبارزة ففي الحديث.
حدثنا عمر أبو حفص المعيطي، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: "تقدموا" فتقدموا، ثم قال لي: "تعالي حتى أسابقك" فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: "تقدموا" فتقدموا، ثم قال: "تعالى حتى أسابقك" فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وهو يقول: "هذه بتلك"([41]).
الضمانات الشرعية على الحق في الوقاية والعلاج:-
حث الشارع على حفظ النفس من العدم فنهى عما يؤذيها أو يهلكها، ونهى عن الاقتراب مما يضر بالصحة مثل الخمر والزنا، والميتة والدم ولحم الخنزير، رعاية من الشارع الحكيم لحق كل إنسان في الجسد السليم، والصحة والعافية من الأمراض.
ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [سورة المائدة: 90] ويقول أيضاً {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} [سورة الإسراء: 32] وجاء في سورة الأعراف {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [سورة الأعراف: 157].
وجه الدلالة من الآيات:
نصت الآية على تحريم كل ما خبث وضر بصحة الإنسان وجسده وجاءت هذه الحماية في إطار صيانة الجسد من العدم، وقد أثبتت الدراسات الطبية سوء هذه الخبائث من الخمر والزنا.
ومن السنة:
جاء في سنن الترمذي عن أسامة بن شريك قال قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى قال نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً أو قال دواءً إلا داءً واحداً قالوا يا رسول الله وما هو قال الهرم"([42]).
وحث النبي صلى الله عليه وسلم على تناول جملة من أنواع الدواء والأعشاب التي تعين على التطبيب والتداوي والشفاء من الأمراض رعاية من النبي صلى الله عليه وسلم للصحة وإقراراً منه صلى الله عليه وسلم أن الحق في سلامة الجسد هو حق لكل إنسان، ففي حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء"([43]).
ومن هذه الأدوية: العسل، والحبة السوداء، وشرطة محجم (الحجامة)، والكي بالنار وكره النبي الكي مع كونه علاجاً.
ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي"([44]).
وورد في صحيح البخاري عن خالد بن سعد قال خرجنا ومعنا غالب بن أبجر فمرض في الطريق فقدمنا المدينة وهو مريض فعاده ابن أبي عتيق فقال لنا عليكم بهذه الحبيبة السوداء (السويداء) فخذوا منها خمسا أو سبعا فاسحقوها ثم أقطروها في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب فإن عائشة حدثتني أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن هذه الحبة السوداء شفاء (في هذه الحبة السوداء شفاء) من كل داء إلا من السام قلت وما السام قال الموت"([45]).
في هذه الأحاديث دلالة على حق كل إنسان في التداوي وتلقي العلاج والنبي صلى الله عليه وسلم يفاضل بين الأدوية فليس كلها سواء، وهذا دلالة على ضرورة الأخذ بالأسباب، ومن حق كل إنسان شيخاً أو امرأة أو طفلاً الحصول على ما يقيه من الأمراض والأوبئة، والحصول على الدواء المناسب.
وقد أجازت الشريعة الإسلامية الإفطار للمرأة الحامل والمرضع في رمضان؛ صيانة لحقها في التغذية المناسبة ووقايتها من المرض، قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [سورة البقرة: 185].
وعن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب قال أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال ادن فكل فقلت إني صائم فقال ادن أُحدثك عن الصوم أو الصيام، إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم"([46]).
وقال ابن قدامة: "الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فلهما الفطر وعليهما القضاء فحسب لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافا لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه"([47]).
فاعتبر ابن قدامة أن الأم الحامل تمر في مرحلة حرجة ووضع مخوف على صحتها كما هو الحال في المريض الذي يستدعي الرعاية.
فإذا كان الصوم فريضة وركن من أركان الاسلام لا يجوز لأحد تركها، إلا للضرورة، وترك هذا الركن من أركان الإسلام لا يكون إلا لأمر ضروري يحفظ مصلحة تفوق مصلحة الصيام، ففي المرأة الحامل مصلحتها استثنائية، وهي حفظ (النفس والنسل) وعليه فإن تشريع الفطر لها إقراراً بحقها في الصحة والسلامة وحقها في الحياة.
الحق في الوقاية والعلاج في القانون الدولي الإنساني:-
نص القانون الدولي الإنساني متمثلاً في اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص على:-
أن يكون لهم موضع حماية واحترام خاصة النساء والأطفال منهم وتوفر لهم الرعاية الصحية والخدمات الطبية وتعمل على الحد من الأمراض ومكافحة سوء التغذية في إطار الرعاية الصحية الأولية وتخفيض نسب الوفيات في الأطفال([48]).
واتفاقية جنيف في موادها التالية نصت على:
على أطراف النزاع إقرار ترتيبات محلية لنقلهم من المناطق المحاصرة أو المطوقة، إلى مناطق الاستشفاء والأمان. المادة (17).
لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية لهم، وعلى أطراف النزاع احترامها وحمايتها في جميع الأوقات المادة. (18).
يجب احترام وحماية عمليات نقلهم التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى أو في البحر بواسطة سفن مخصصة لهذا النقل. المادة (21).
يكفل الكيان المحتل حرية مرور جميع إرساليات الأدوية والمهمات الطبية والأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، والنساء الحوامل أو النفاس. المادة (23).
يجب أن ترسل هذه الإرساليات بأسرع ما يمكن، ويكون للدولة التي ترخص بحرية مرورها حق وضع الشروط الفنية التي يسمح بالمرور بمقتضاها. المادة (16) و(38)
الثالث: منع التعذيب والإيذاء الجسدي.
منعت الشريعة الإسلامية الاعتداء على الأبدان وفصلت في ذلك ورتبت على الجنايات عقوبات مقدرة شرعاً وهي القصاص أو عقوبات غير مقدرة يوكل في أمرها إلى القضاء والأدلة على ذلك مستفيضة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة:-
ففي القرآن الكريم جاء في سورة المائدة قوله تعالى:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)} [المائدة: 45].
إن الله منع الاعتداء على جميع أجزاء الجسد، فهو يقر لنا الحق في سلامة أجسادنا ويرتب الضمانات ويكفل هذا الحق فقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)}.
وجاء في قوله تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195} [آل عمران: 195] وهنا يبين الله الذين يؤذون في سبيله ويتعرضون للضرب والحبس والإيذاء الجسدي فيكفكف جراحاتهم ويستجيب لهم دعاءهم ويجعل لهم الحق بأن ينتصروا لأنفسهم في ظلال الآية السابقة وهي الحق في القصاص فقال تعالى معقباً على إيذائهم في آية آل عمران بأنهم إذا قاتلوا وانتصروا لأنفسهم فقُتلوا بأن يكفر سيئاتهم ويدخلهم الجنة؛ وكذلك قال الله في الأحزاب {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} [الأحزاب: 58].
وأما عن الإيذاء والتعذيب للمرأة فقد وقفت الشريعة الإسلامية موقفاً حازماً يمنع الضرر بالمرأة وبمشاعرها النفسية فضلاً عن إيذائها الجسدي فقال تعالى: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6].
الضمانات الشرعية على سلامة الجسد بمنع تعذيبه في السنة النبوية الشريفة:
- فعن هشام بن حكيم بن حزام، قال: مر بالشام على أناس، وقد أقيموا في الشمس، وصب على رءوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج، فقال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا"([49]).
إن هذا المشهد الذي سطره هشام بن حكيم من مئات السنين، لهو صورة صادقة حية عما نعيشه اليوم في هذا العالم الصغير، حروب شرقا وغربا وشمالا وجنوبا عمت أرجاء الأرض، القوي يصلب الضعيف ويصب على رأسه النار فإن لم يكن فهو يصب عليه الغيظ والقهر صبا، ثم يناشد الضعفاء من الشيوخ والنساء والأطفال أقوياء العالم وساداته بأن يطبقوا ما نُص عليه في قوانينهم الإنسانية؛ ولكن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم واضحة صريحة، لم يأت الإسلام ليكره الناس على الإسلام أو يعذب أجسادهم التي كرمها ابتداءاً، بل حفظها كما بينا سابقاً، وجعل عليها ضمانات ذات سقف مرتفع من حاول انتهاكها يناله ما حذره منه صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله يعذب الذين يعذبون في الدُنيا".
وعن أنس بن مالك، قال: عدا يهودي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جارية، فأخذ أوضاحاً كانت عليها، ورضخ رأسها، فأتى بها أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتلك؟" فلان لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها: أن لا، فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت: أن لا، فقال: "فلان" لقاتلها، فأشارت: أن نعم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين"([50]).
هذه امرأة جارية أي أنها أمه قال ابن حجر: {وهذا لا يعين كونها حرة لاحتمال أن يراد بأهلها مواليها رقيقة كانت أو عتيقة}([51]) عذبها يهودي حتى الموت واغتصب أوضاحها أي حليها من الفضة([52]) والنبي صلى الله عليه وسلم يقف موقفا وسطيا بين مسلمة رقيقة ليست امرأةً حرةً ولا هي بنت كبير الصحابي فلان أو فلان، ولكنها نسمة مسلمة؛ ويقف وسطيا بينها وبين غير المسلم فلم يقتله على الفور، بل استجمع الأدلة على ثبوت الجناية منه ثم اقتص لهذه ال مرأة لينادي في القرون من بعده أن الحاكم المسلم لا يظلم عنده الضعيف أبداً.
منع التعذيب والإيذاء الجسدي في القانون الدولي الإنساني:
منعت القوانين الدولية الإنسانية العقوبات القاسية والمعاملة اللاإنسانية؛ ونصت على ذلك في اتفاقية جنيف الرابعة، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، على النحو التالي:-
- اتفاقية جنيف الرابعة في المادة (3)
في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة، يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية:
الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر.
ولهذا الغرض، تحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه، وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن:
الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية والتعذيب.
أخذ الرهائن.
الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.
إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة.
يجمع الجرحى والمرضى المعتني بهم.
ونصت في المادة (147) على أن المخالفات الجسيمة التي تشير إليها المادة السابقة –أي المادة 146- هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية: القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، وتعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو بالصحة، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية، وأخذ الرهائن.
اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المادة (4)
تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤا ومشاركة في التعذيب.
تجعل كل دولة طرف هذه الجرائم مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار طبيعتها الخطيرة.
الرابع: منع المثلة.
أثبت الإسلام والقانون الدولي الإنساني الحق في سلامة الجسد للإنسان حيا وميتاً.
منع المثلة في الشريعة الإسلامية:
ففي القرآن قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)} [النحل: 126].
ووجه الدلالة من الآية أن: الآية نهي عن التمثيل حتى لو أقسم المقسم وكان نبياً فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى حمزة وقد مُثل به فقال والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات فصبر النبي صلى الله عليه وسلم وكُفر عن يمينه وأمسك عما أراد وقوله سبحانه "ولئن صبرتم" أي عن المجازاة بالمثلة([53]).
ومن لسنة ما جاء عند البخاري فعن سعيد بن جيبر، قال: كنت عند ابن عمر، فمروا بفتية، أو بنفر، نصبوا دجاجة يرمونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، وقال ابن عمر: "من فعل هذا؟" إن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا "ورواية عن ابن عمر: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل بالحيوان"([54]) إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يثبت حق سلامة الجسد للحيوان ميتا، وينهى بل يلعن من يمثل به فهو يثبت حق سلامة الجسد حيا وميتا.
منع المثلة في القانون الدولي الإنساني:-
قد جاء في الفصل الحادي عشر من اتفاقية جنيف الرابعة المادة (130) ما نصه:
لا يجوز حرق الجثث إلا لأسباب صحية حتمية أو إذا اقتضى دين المتوفي ذلك أو تنفيذاً لرغبته الصريحة. وفي حالة الحرق يبين ذلك مع ذكر الأسباب التي دعت إليه في شهادة وفاة الشخص المعتقل، والبروتوكول الأول منها يسعى أطراف النزاع للوصول إلى اتفاق حول ترتيبات تتيح لفرق أن تبحث عن الموتى وتحدد هوياتهم وتلتقط جثثهم من مناطق القتال بما في ذلك الترتيبات التي تتيح لمثل هذه الفرق، إذا سنحت الفرصة المناسبة، لاصطحاب عاملين من لدن الخصم أثناء هذه المهام في مناطق يسيطر عليها الخصم.
المطلب الرابع: حق النصرة:
أجمع العلماء على وجوب نصرة المظلوم، كما أجمعوا على وجوب نصرة المسلمين إذا نزل بساحتهم عدو وصار الجهاد فرض عين([55]).
وقد أصدر مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بتاريخ 15 شوال 1429هـ بياناً ختامياً يدعو الاتحاد أعضاءه، وعلماء الأمة جميعاً إلى أداء دورهم في نصرة القضية الفلسطينية"([56]). ومن باب أولى نصرة المسلمين في كل مكان حال السلم وحال النزاعات المسلحة، والأدلة الشرعية على وجوب النصرة كثيرة ومنها:
ما جاء في القرآن الكريم:
في قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)} [الأنفال: 72- 74].
وجه الدلالة من الآية كما ذكر القرطبي:
إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم. إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليه، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته([57]).
ولا أشبه بهذا الحال إلا واقع المسلمين في العالم وقد عدا عليهم جيش كافر متنوع العقائد والثقافات؛ يريد إذلالهم وجعل كلمة الكفر هي العليا وكلمة الله هي السفلى، وقد قال ابن عاشور في تفسير هذه الآية "إن طلبوا أن تنصروهم لأجل الدين، أي لرد الفتنة عنهم في دينهم، وجب نصرهم لأن نصرهم للدين ليس من الولاية لهم بل هو من الولاية للدين ونصره، وذلك واجب عليهم سواء استنصرهم الناس أم لم يستنصروهم إذا توفر داعي القتال، فجعل الله استنصار المسلمين الذين لم يهاجروا من جملة دواعي الجهاد وقوله تعالى: (فعليكم النصر) من صيغ الوجوب، أي: وجب عليكم نصرهم"([58]).
وما جاء في السنة:
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً قال تأخذ فوق يديه"([59]).
وجه الدلالة من الحديث:
فالشاهد من الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم (انصر) بصيغة افعل التي تفيد الأمر، وقال علماء الأصول أن صيغة افعل حقيقة في الوجوب([60]) إن خلت من قرينة تصرفها إلى غير ذلك دل ذلك على وجوب النصرة على المسلمين من أجل إعانة المسلمين المستضعفين والمحاصرين والمضطهدين.
فقد جاء عند البخاري: عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع فذكر عيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ورد السلام ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإبرار المقسم"([61]).
وجه الدلالة من الحديث:
قال العلماء: نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين؛ وإنما يتوجه الأمر به على من قدر عليه ولم يخف ضررا، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه، وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([62]).
حقوق الشيخ والنساء والأطفال على المجتمع الدولي:
قد ثبت للمسلمين وغيرهم حقوقاً على المجتمع الدولي والذي تعاقد واتفق بالإجماع على نصرة المظلوم وأقر لكل إنسان حقوقه الثابتة بمقتضى إنسانيته، واتفقوا على أن العالم أسرة واحدة تخضع لقوانين وأعراف دولية لا يسمح بتجاوزها.
حق الوفاء بالعهود والمواثيق الدولية:
حق لكل الشعوب على هذه الدول بالالتزام ما أقروه على أنفسهم؛ وبرغم الأقوال التي تقال حول عدم الالتزام بتلك القوانين؛ إلا أنني في هذا البحث أؤكد على ضرورة الالتزام بما جاء فيها على الجميع وأن ليس أحداً فوق القانون، فالقوانين الدولية التي تحكم العالم الإنساني اليوم تفتقر إلى القوة الإلزامية، وقد تكون سبيلاً لتحقيق مطامع القوى الكبرى واحتيالاً على البشرية لاستغلال موارد البلاد الفقيرة، أو لأي رغبات أخرى.
وقد تعهدت الدول الأطراف على نفسها جملة من المبادئ في نصوص المواثيق والاتفاقيات والإعلانات العالمية، وشددت على نفسها الالتزام وقد تعهدت على نفسها بما يلي:
في ميثاق الأمم المتحدة:([63])
تعهدت في الفصل السابع من الميثاق على قمع عمليات العنف وتهديد الأمن والسلام وجاء فيها:
إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، يقرر مجلس الأمن ما يجب اتخاذه من التدابير لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه([64]).
2. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
وقد جاء في مطلع ديباجته: "إن الدول الأطراف في هذا النظام تضع في اعتبارها أن ملايين الأطفال والنساء والرجال قد وقعوا خلال القرن الحالي ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزت ضمير الإنسانية بقوة، وأن هذه الجرائم الخطيرة تهدد السلم والأمن والرفاء في العالم.
وتؤكد أن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألا تمر دون عقاب وأنه يجب ضمان مقاضاة مرتكبيها على نحو فعال من خلال تدابير تتخذ على الصعيد الوطني وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدول، وقد عقدت العزم على وضع حد لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب وعلى الإسهام في منع هذه الجرائم([65]).
الخاتمة
أولاً: النتائج:-
رحمت الشريعة الإسلامية الشيوخ والنساء والأطفال، وأقرت لهم حقوقاً أصيلة؛ وهي الحق في الحياة، والأمان، والحق في سلامة الجسد، وضمناه بأربعة حقوق أساسية في سلامة الجسد بالكلية مثل الحق في الطعام والشراب، والوقاية والعلاج، كما منعت التعذيب والإيذاء الجسدي، احتراماً لجسده حيا واعتبرت المثلة في جثة الميت من أشنع الجرائم وحرمتها مطلقاً حتى على نبي هذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وتميزت الشريعة الإسلامية عن القوانين الدولية الإنسانية بإلزاميتها في التطبيق، وقد عنيت بالضمانات وكفالة الحقوق في ذات السياق الذي ينص على إقرار الحق، وكان من أكبر الضمانات على حقوق هؤلاء إيجابها لحق النصرة على المجتمع الإسلامي إذا انتهك أحد هذه الحقوق أو مُست هذه الطائفة بأذى.
كذلك عينت القوانين الدولية بحماية غير المقاتلين، من الشيوخ والنساء والأطفال واعتبرت مساس كرامتهم بسوء من الجرائم التي يعاقب عليها القانون، وتعهدت الدول الأطراف بحفظ ورعاية هذه الطائفة، وجاءت اتفاقية جنيف الرابعة لتؤكد على جملة من الحقوق، وزمرة من التدابير الأمنية لتحقيق تلك الحقوق التي أٌقرتها في اتفاقات أخرى.
ولكن ما يؤخذ عليها أنها افتقرت إلى التطبيق في كثير من بلدان العالم التي تستعر بنار الحرب دون انطفاء، كما تمثل ذلك واضحاً في حرب 2014م على غزة، إذ لم تقف لجنة الصليب الأحمر على ما تعهدت الالتزام به نحو نقل المحميين من الأماكن الخطرة إلى الملاجئ ودور الحماية.
ثانياً: التوصيات:
نوصي جامعة الدول العربية بامتثال ما جاء في شريعتنا الإسلامية من حقوق المستضعفين والقيام على كفالة تلك الحقوق، والتزام حق النصرة لهم.
نوصي هيئة الأمم المتحدة والأطراف السامية التي وقعت على اتفاقية نجيف واتفاقيات حقوق الإنسان بمتابعة أحوال المستضعفين خلال النزاعات المسلحة، والوقوف على ما تعهدت به لهم.
نوصي لجنة الصليب الأحمر بالقيام بالمهام المنوطة بها، وحماية الغير مقاتلين ونقلهم إلى أماكن الحماية، ومراعاة كرامتهم الإنسانية.
[1] المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسر وجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، شعب الإيمان، (289/4) حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند، الناشر: مكتبة الرشد، الطبعة: الأولى، 1423 ه – 2003.
[2] المرجع السابق
[3] محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ،(كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، ح: 4737، 6 / 96) المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة ،الطبعة: الأولى، 1422ه.
[4] أبي أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني: سننه (كتاب الأدب، باب في التفاخر بالأحساب، ح 5116، / 4 331) المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.
[5] الإمام محمد أبو زهرة: العلاقات الدولية ص 34، دار الفكر العربي
[6] مركز الميزان لحقوق الإنسان: المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني (5-3/2)
[7] الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، الموافقات، (2/ 19- 20) تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن ال سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1417 ه/ 1997 م. -(2/ 19- 20)
[8] سنن أبي داود-(كتاب: الطهارة، باب: المجروح يتيمم ،ح 336، 1/ 93) قال الألباني: حديث حسن. وقال الحاكم :" حديث صحيح " ووافقه الذهبي " انظر أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن أدم، الأشقودري الألباني، صحيح أبي داود، (161/2) مؤسسة غراس، الكويت، الطبعة: الأولى، 1423 ه.
[9] قال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة، أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة ./انظر القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، الجامع لأحكام القرآن، (132/7)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية- القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384 ه.
[10] البخاري: الجامع الصحيح -(كتاب: الأدب، باب عقوق الوالدين، ح، 5975، 8/ 4)
[11] أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني: مسنده (حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه ح 15627، 3 /435)، تحقيق: السيد أبو المعاطي النوري، عالم الكتب- بيروت، الطبعة الأولى، 1419 ه .1998 م، والحديث بإسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات. انظر الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة- (759/1) مكتبة المعارف- الرياض، 1995 م.
[12] أبو داود: سننه (3/ 53)
[13] علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني، التعريفات، (1 / 37) دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى 1403ه
[14] البخاري، الأدب المفرد مخرجا ( باب مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، ح 300 ص: (112 المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية- بيروت، الطبعة الثالثة، 1409 هـ- 1989م
[15] صحيح البخاري (كتاب الجزية / باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم ح 3166 ،4 / 99)
[16] علاء الدين الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (108/7)، دار الكتاب العربي- بيروت، سنة النشر 1982.
[17] مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري: المسند الصحيح (كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة، ح: 1780، 3/ 1407) المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي- بيروت.
[18] صحيح البخاري (كتاب الأدب / باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ح 5999 (8 / 8) ح 5999
[19] محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى: سنن الترمذي أبوب البيوع، باب كراهية التفريق بين الأخوين وبين الوالدة وولدها، ح: 1283 2/ 571) هذا حديث حسن غريب تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (ج 3) الطبعة: الثانية، 1395 ه -1975 م.
[20] سنن أبي داود (كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح، ح (4/ 301) 5004حكم الألباني: صحيح.
[21] صحيح البخاري (كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوايقه ح 6016 (8/10)
[22] المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان: تقرير الرقيب بعنوان- النظام القضائي الإسرائيلي، تمييز عنصري ضد الفلسطينيين- العدد 29 حزيران، السنة السادسة 2002م.
[23] ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي، (3/413) دار الفكر- بيروت.
[24] الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن (14/138) المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420هـ- 2000م.
[25] صحيح مسلم (كتاب الجهاد/ باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم ح1731، 3/1357).
[26] سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، المعجم الأوسط، (ح: 1828، 2/230) دار الحرمين، القاهرة، طبعة: 1415هـ، قال الألباني حسن، انظر الألباني: السلسلة الصحيحة- (5/410).
[27] المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: الحق في السكن الملائم- ص5.
[28] أخرجه البخاري في الصحيح الجامع (كتاب: المظالم، باب لا يمنع جار جاره، ح: 2463، 3/132).
[29] ابن بطال: أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري، شرح صحيح البخاري، (6/5879) مكتبة الرشد الرياض الطبعة الثانية- 1423هـ.
[30] أخرجه الدارمي أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الدارمي السجستاني في مسند الدارمي المعروف بسنن الدارمي (كتاب: الديات، باب: من اطلع في دار قوم، ح: 2384- 2/259)، (دار المغني، دار ابن حزم، الرياض، بيروت، الطبعة: الأولى 2000م، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني) حديث صحيح، انظر، التبريزي: حمد بن عبد الله الخطيب التبريزي: مشكاة المصابيح- (كتاب: القصاص، باب: ما يضمن من الجنايات، ح: 3515: 2/299)، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب السلامي- بيروت، طبعة: 1985م.
[31] أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي، الأم (6/34)، دار المعرفة- بيروت سنة النشر: 1410هـ/ 1990م.
[32] الطبراني: المعجم الأوسط- (ح: 1828، 2/ 230) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، انظر: مجمع الزوائد- (10/516) وقال الألباني حسن، انظر: الألباني: السلسلة الصحيحة- (5/410).
[33] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح- (كتاب: الأطعمة، باب قول الله تعالى" كلوا من الطيبات، ح: 5373، 7/67).
[34] أخرجه ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، في سنن ابن ماجه، (كتاب الرهون، باب: المسلمون مشتركون في ثلاث، ح: 2373، 4/109) دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، 1418هـ، 1998م. تحقيق الألباني: صحيح، مختصر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (6/8- 9)، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة: الثانية 1405- 1985م.
[35] البخاري: الصحيح الجامع- (كتاب: التوحيد، باب قول الله تعالى: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)"، ح: 7446، 9/133).
[36] ابن رجب الحنبلي: أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم (1/308)، دار المعرفة- بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ/ ابن حجر الهيتمي: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، الفتاوى الكبرى الفقهية (3/349- 350)، دار الفكر.
[37] مؤتمر القمة العالمي للأغذية 13-17/11/1996م، روما- إيطاليا.
[38] اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: الدورة التاسعة والعشرون (2002)- التعليق العام رقم 15- على المادتان 11 و12 من العهد/ الحق في الماء.
[39] الشاطبي: الموافقات (2/300).
[40] أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني: المسند (مسند الشاميين ح: 17186/28/422) المحقق: شعيب الأرنؤوط- عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421هـ- 2001م قال محققو الحديث رجاله ثقات، وقال الألباني صحيح.
[41] أحمد: مسند (مسند النساء/ ح: 26277/43/313) قال محققو الحديث إسناده جيد.
[42] الترمذي: السنن- كتاب: الطب، باب: ما جاء في الدواء والحث عليه، ح: 2038-4/383) قال الألباني صحيح انظر التبريزي: المصابيح- (2/526) تحقيق الألباني.
[43] البخاري: الجامع الصحيح- (كتاب: الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، ح: 5678- 7/122)
[44] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح- (كتاب: الطب، باب: الدواء بالعسل، ح: 5683-7/123).
[45] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح- (كتاب: الطب، باب: الحبة السوداء، ح: 5687، 7/124).
[46] الترمذي: الجامع الكبير- (كتاب: الصوم، باب: ما جاء في الرخصة في الإفطار، ح715، 2/85) وقال الألباني حديث صحيح. / انظر: التبريزي: مشكاة المصابيح- (كتاب: الصوم، باب: صوم المسافر، ح: 2025- 1/458) بتحقيق الألباني.
[47] ابن قدامة: المغني- (3/80).
[48] المادة (10- 2) و(11) و(12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية/ وانظر المادة (6) والمادة (24) من اتفاقية حقوق الطفل على الموقع، والمادة (25) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان/ والمادة 11- 1 (و)، والمادة 11-2 (د) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ضد المرأة/ والمادة (16) اتفاقية جنيف الرابعة 1948م.
[49] صحيح مسلم (كتاب البر والصلة: باب الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق ح: (2613)/4/2017).
[50] صحيح البخاري (كتاب الطلاق/ باب الإشارة في الطلاق والأمور/ ح: 5295/7/51).
[51] اب حجر أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي: فتح الباري شرح صحيح البخاري (12/198) دار المعرفة- بيروت، 1379 تحقيق: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني.
[52] المرجع السابق (12/199).
[53] تفسير الواحدي (1/624) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الناشر دار القلم، الدار الشامية. سنة النشر 1415 مكان النشر دمشق، بيروت.
[54] صحيح البخاري (كتاب: الجمعة، باب ما يُكره من المُثلة والمصبورة والمجثمة ح: 5515، 7/94).
[55] محمد عليش: منح الجليل منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل (3/141). دار الفكر بيروت، 1409هـ، النووي يحيى بن شرف النووي أبو زكريا: روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/214)، المكتب الإسلامي- بيروت، طبعة 1405هـ، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي: كشاف القناع عن متن الإقناع (3/37)،. تحقيق هلال مصيلحي مصطفى هلال، دار الفكر- بيروت، سنة النشر 1402ه.
[56] بيان مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المنعقد في الدوحة بتاريخ 14- 15 شوال 1429هـ الموافق 14- 15 تشرين الأول 2008م. على موقع القرضاوي:
http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=6433&version=1&template_id=238&parent_id=237
[57] القرطبي: الجامع- (8/57).
[58] ابن عاشور: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، التحرير والتنوير (10/86)، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى، 1420هـ.
[59] البخاري: الجامع الصحيح- (كتاب: المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ح: 24444، 3/128).
[60] علي بن عبد الكافي السبكي: الابهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي (2/28)، دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى، 1404هـ.
[61] أخرجه البخاري في الصحيح الجامع- (كتاب: المظالم، باب: نصر المظلوم، ح: 2445، 3/129).
[62] بدر الدين محمود بن أحمد العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، (12/290) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[63] وقع ميثاق الأمم المتحدة في 26 حزيران/ يونيه 1945 في سان فرانسيسكو في ختام مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بنظام الهيئة الدولية وأصبح نافذاً في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1945. ويعد النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية جزءاً متمماً للميثاق.
[64] المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة.
[65] نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17 تموز/ يوليه 1998-1998-07-17 معاهدات، يتضمن هذا النص لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التصويبات التي عممها الوديع في 25 أيلول/ سبتمبر 1998 و18 أيار/ مايو 1999.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق