القانون الدولي الإنساني بين النظرية والتطبيق
إعداد
الدكتور/ فرج إبراهيم أبو شماله
أستاذ المناهج وطرق التدريس المساعد
كلية مجتمع تدريب غزة (GTC)
هاتف 2565487 (8) +972 - جوال 622038 9 +972 (59)
faraj_abu_shammala@yahoo.com
الأستاذ/ إبراهيم جميل وشاح
مشرف حقوق الإنسان - وكالة الغوث الدولية بغزة
هاتف 2555316 (8) +972 - جوال 412230 9 +972 (59)
ijiw76@gmail.com
ملخص البحث
هدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على القانون الدولي الإنساني بين النظرية والتطبيق، وإبراز دور الشريعة الإسلامية في إرساء قواعد حقوق الإنسان وحل مشكلات التحديات المعاصرة، والسعي إلى إحقاق الحق أينما كان وفي كل زمان ومكان، وتحقيق السلم والسلام والحرية والاستقلال لجميع شعوب العالم، خاصة الشعب الفلسطيني المظلوم، كي يعيش في عزة وكرامة في القرن الحادي والعشرين.
وقد اتبع الباحثان المنهج الوصفي التحليلي لمناسبته لمثل هذا النوع من الأبحاث، حيث تناول الباحثان المباحث أو (المحاور) التالية:
أولا: القانون الدولي الإنساني.
ثانيا: الشريعة الإسلامية ودورها في حماية حقوق الإنسان.
ثالثا: أصول وقواعد قرآنية ويعض الأحكام الشرعية في القانون الدولي الإنساني.
رابعا: المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية.
خامسا: أوجه التشابه بين القانون الإنساني في الإسلام والقانون الدولي الإنساني.
سادسا: متى تحترم حقوق الفلسطينيين ومبادئ القانون الدولي الإنساني من قبل إسرائيل؟
وفي ضوء نتائج هذا البحث يقدم الباحثان مجموعة من التوصيات التالية:
نشر وتعزيز قواعد القانون الدولي الإنساني في أرجاء المعمورة.
نشر وتعزيز تشريعات القانون الإنساني في الإسلام عالميا.
توفير ضمانات لتطبيق قواعد القانون في زمن السلم والحرب.
تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وحمايتها والدفاع عنها.
الانتصار لإنصاف المظلومين في العالم، ومعاقبة مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية.
العمل على تشكيل جماعات الضغط لمواجهة التحديات المعاصرة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في زمن السلم والحرب.
تعرية مجرمي الحروب، ومرتكبي الجرائم بحق الإنسانية والتشهير بهم، وملاحقتهم عالميا.
Abstract
The objective of this research is to shed light on international humanitarian law between theory and application, and highlight the role of Islamic law in establishing human rights rules, and solving the problems of contemporary challenges, and the pursuit of the realization of the right everywhere and in every time and place, and to achieve peace, freedom and independence of all peoples of the world, especially the oppressed Palestinian people, in order to live in pride and dignity in the in the twenty one century.
The researchers follow the descriptive analytical method because its relevance of this kind of research, where two researchers take axis:
First, International humanitarian law.
Second, Islamic law and its role in protecting human rights.
Third: The principles and rules of the Koran and some of the rulings of international humanitarian law.
Fourth: The basic principles in the armed conflicts from point of view of Islamic Sharia .
Fifth: The similarities between humanitarian law in Islam and international humanitarian law.
Sixth: When respects the rights of the Palestinians and the principles of international humanitarian law by Israel?
In light of the results of this research the two researchers offers a range of the following recommendations:
1. disseminating and promoting the rules of international humanitarian law around the world.
2. promoting and strengthening humanitarian law and legislation in the world of Islam.
3. Providing guarantees for the application of the rules of law in peace and war time.
4. Promoting the culture of human rights, and protect and defend them.
5. Victory for justice for the oppressed in the world, and to punish the perpetrators of crimes against humanity.
6. Work on the formation of pressure groups to face contemporary challenges with regard to violations of human rights in peace and war time.
7. Stripping criminals of war, and the perpetrators of crimes against humanity and defamation them, and pursue them globally.
مقدمة البحث
إن البشرية عبر تاريخها الطويل لم تسلم من ويلات الحروب، وما تخلفه من:
قتل ودمار وتهجير، وما تسبب آلاما لبني البشر؛ وخصوصا عندما ينعدم احترام الضوابط القانونية أو الشرعية، مما يترك الإنسان فريسة لتغول القوة، والغطرسة دون وازع ديني أو قيمي، بالرغم من توافر: المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، والتشريعات الدينية، التي أقرت تنظيم قواعد الحرب والنزاعات المسلحة، وما يتمخض عنها.
ولو نظرنا إلى عالم اليوم، لوجدنا بما لا يدع مجالا للشك كيف تدار الحروب دون أدنى التزام بالنواحي الإنسانية أو القواعد والقوانين والتشريعات الدولية؛ بسبب عدم معاقبة مجرمي الحروب إلا في قضايا استثنائية وخاصة، محكومة بمصالح القوى المتنفذة في العالم !؛ وما يحدث في العالم عامة وفلسطين خاصة لهو شاهد على الانتهاكات الصارخة لقواعد القانون الدولي الإنساني، وسواها من الضوابط الشرعية أو الأخلاقية أو الإنسانية!.
ويأتي الإفلات من العقاب وإنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني؛ نتيجة، للاحتكام إلى القوة دون القانون؛ لأن ما يحكم العلاقات بين الدول في عالم اليوم قائم على عنصري القوة والمصلحة، دون مراعاة لكل المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ومبادئ الشريعة الإسلامية.
فحروب باردة هنا وحروب ساخنة هناك في معظم بقاع العالم، وذلك على الرغم من الاتفاقيات الدولية وتوصيات وقرارات المنظمات العالمية والدراسات القانونية الكثيرة التي تدعو إلى السلام، وإنهاء النزاعات المسلحة بالطرق السلمية، ومردود ذلك إلى أن كل ما صدر من دراسات وتوصيات وقرارات ليس ملزمًا من جهة، وليست هناك أي سلطة يعهد إليها بالتنفيذ من جهة أخرى. (الدسوقي، 2008 م).
ولو نظرنا إلى مبادئ وقواعد الشريعة الإسلامية، ومبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بالحروب والنزاعات المسلحة لوجدنا شبه اتفاق كلي بينهما، حيث رأى (أبو الخير، 2010 م) أن القانون الدولي الإنساني متجذر في الإسلام وأن الإسلام أول من نادي به بل وطبقه المسلمون كافة بداية من رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم حتي عامتهم، دون تقصير أو انتقاص بل كاملا؛ لأن تطبيقه في الإسلام عبادة يتقرب بها الإنسان إلي ربه، وتلك عظمة الإسلام، فقد جعل الرحمة والرأفة بالناس كافة مهما خالفوه في العقيدة وحاربوه فيها عبادة يتقرب بها المسلم إلي ربه وتلك عظمة الإسلام.
كما وأشارت (لينا الطبال، 2006 م): أن الشريعة الإسلامية كفلت حقوق الإنسان أثناء شن الحروب وإقامة النزاعات المسلحة منذ نحو أكثر من (1400)سنة، فالمبدأ في الإسلام هو إحلال السلام، أما الحرب قلا تقوم إلا للضرورة. قال تعالى في كتابه الكريم " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً َ "(سورة البقرة: 29).
وذكر (الزمالي، 2004 م) أن القانون الدولي الإنساني في شكله الحالي يقوم على جملة من المبادئ الهامة التي تتفرع بدورها إلى أحكام تفصيلية؛ تهدف في مجموعها إلى تحديد الضمانات اللازمة للحد من آثار النزاعات المسلحة، والعمليات الحربية بالخصوص، على الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أو أصبحوا غير قادرين على المشاركة فيه، وتمتد تلك الضمانات أيضاً إلى الممتلكات التي لا تشكل أهدافاً عسكرية، وتفرض أحكام القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتحاربة احترام الضمانات الواردة في مواثيقه، وتقيد أو تحظر استخدام وسائل وأساليب معينة في القتال، والقانون الدولي الإنساني وإن كان لا يمنع الحرب، إلا أنه يسعى إلى الحد من آثارها؛ حرصاً على مقتضيات الإنسانية التي لا يمكن أن تتجاهل الضرورات الحربية. وإلى جانب مبدأي (الإنسانية) و (الضرورة العسكرية) نلاحظ مدى العلاقة بين مضمونها ومدلولها في القانون الدولي الإنساني وأحكام الإسلام، والحديث في إطار تلك المقارنة الموجزة ليس ذا طابع نظري فحسب، بل يعتمد على عناصر تطبيقية إذ لا قيمة للأحكام المجردة ما لم تؤد وظيفتها في الواقع.
وتأسيسا على ما سبق، ونظرا لأهمية تطبيق مبادئ وقواعد الشريعة الإسلامية، والقانون الدولي الإنساني، واحترامها وحمايتها لصالح الإنسانية بصفة عامة، والشعب الفلسطيني بصفة خاصة، وأهمية احترام مبادئ حقوق الإنسان، وعدم التمييز بين البشر في زمن السلم والحرب، ومعاقبة منتهكي حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، وإنصاف المظلومين في هذا العالم، ورغبة في المشاركة والتفاعل في المؤتمر الدولي الموسوم بالقانون الدولي الإنساني في ضوء الشريعة الإسلامية : ضمانات التطبيق والتحديات المعاصرة؛ جاءت فكرة هذا البحث بعنوان (القانون الدولي الإنساني بين النظرية والتطبيق ).
وقد تناول الباحثان في هذا البحث مجموعة من المباحث (أو المحاور) التالية:
أولاً- القانون الدولي الإنساني.
ثانيا- الشريعة الإسلامية ودورها في حماية حقوق الإنسان .
ثالثا- أصول وقواعد قرآنية وبعض الأحكام الشرعية في القانون الدولي الإنساني.
رابعا- المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية.
خامسا- أوجه التشابه بين القانون الإنساني في الإسلام والقانون الدولي الإنساني.
سادسا- متى تحترم حقوق الفلسطينيين ؟ ومبادئ القانون الدولي الإنساني من قبل إسرائيل؟
أولاً- القانون الدولي الإنساني:
عندما واجهت (دونان) أزمة مالية، صمم على مقابلة الإمبراطور (نابليون الثالث) لطلب المساعدة منه، وكان ذلك الأخير يخوض حربًا في شمال إيطاليا في عام (1859 م). حين وصل (دونان) إلى بلدة (سولفرينو) الإيطالية، كانت تلك الأخيرة قد شهدت قبل يوم معركة ضارية بين الجيشين النمساوي والفرنسي وكانت حصيلتها (أربعين ألف) قتيل وجريح، فهال (دونان) منظر آلاف الجنود الجرحى من الجيشين!، وقد تركوا يعانون العذاب، بسبب ندرة الخدمات الطبية، فوجه نداءً إلى السكان المحليين؛ طالبًا إليهم مساعدته في رعاية الجرحى من كلا الجانبين، وعلى الرغم من مقابلته الإمبراطور (نابليون الثالث)، إلا أن (دونان) لم يعد مهتمًا إلا في الحاجة الإنسانية الماسة، وعند عودته إلى سويسرا، نشر كتابه (ذكريات سولفرينو) الذي وجه من خلاله نداءين مهمين، الأول : يدعو فيه إلى تشكيل جمعيات إغاثة في وقت السلم، تضم ممرضين وممرضات مستعدين لرعاية الجرحى في أثناء الحرب، والثاني: يدعو فيه إلى الاعتراف بأولئك المتطوعين الذين يتعين عليهم المساعدة في تقديم الخدمات الطبية التابعة للجيش، وحمايتهم بموجب اتفاق دولي. وتلبية لذينك النداءين، شكلت في عام (1863 م)، في جنيف، (اللجنة الدولية لإغاثة الجرحى) التي كان (دونان) أحد أعضائها، والتي أصبحت فيما بعد (اللجنة الدولية للصليب الأحمر)، في عام ( 1864م) عقدت الحكومة السويسرية مؤتمراً دبلوماسياً في جنيف شاركت فيه اثنتا عشرة دولة، اعتمدت حينها معاهدة بعنوان "اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى الجيوش في الميدان "، التي غدت أولى معاهدات القانون الإنساني فأصبح للصليب الأحمر الطابع الرسمي الدولي.
http://www.risalatalkalima.com/details.asp?id=980
مراحل تطور القانون الدولي الإنساني ومصادره
لقد مر القانون الدولي الإنساني بمراحل متعددة، تعود جذورها الأولى إلى الحضارات القديمة والديانات السماوية، لكننا سنركز على المرحلة الدولية من مراحل تطور ذلك القانون، التي تعود بداياتها، فيما يتعلق بالجوانب القانونية والاتفاقية، إلى القرن السادس عشر، وتحديداً إلى الفترة ما بين عامي (1581- 1869 م)، والتي أبرم خلالها (291) اتفاقاً تقريبياً، يتعلق باتفاقيات وأنظمة أبرمها قادة الجيوش المتحاربة، وإن كانت هناك بعض الاتفاقات السابقة لتلك الفترة، إلا أن ما يهمنا من مراحل التطور، هي الفترة الواقعة ما بين عامي (1977 -1864 م)، والتي مر خلالها القانون الدولي الإنساني بعدة مراحل، يمكن إيجازها فيما يلي:- (جابر، 2012 م)
- في عام(1864م) أبرمت أول اتفاقية دولية، عرفت باسم اتفاقية تحسين حال العسكريين الجرحى، والتي انتقل القانون الدولي الإنساني بموجبها من الديانات السماوية، والأعراف، والقوانين الداخلية، والاجتهادات الفقهية، إلى بداية المرحلة الدولية للقانون الدولي الإنساني، بحيث مثلت تلك الاتفاقية نقطة الانطلاق للقانون الدولي الإنساني.
- وفي عام (1899م) أبرمت اتفاقية لاهاي لملاءمة الحرب البحرية لمبادئ اتفاقية جنيف لعام (1864م)، كون اتفاقية عام (1864 م) كانت تقتصر على العسكريين في الميدان، فجات اتفاقية ( 1899 م) وشملت في أحكامها الحرب البحرية، وفي عام ( 1906 م) أبرمت اتفاقية خاصة بتحسين حال الجرحى والمرضي العسكرين في الميدان، وجاءت أحكام تلك الاتفاقية بمثابة تعديل وتطوير لأحكام اتفاقية عام ( 1864 م)، بأن شملت في الحماية طائفة جديدة من ضحايا النزاعات المسلحة، وهي طائفة المرضى، وفي عام ( 1907 م) أبرمت اتفاقية لاهاي، وكانت بمثابة تعديل وتطوير لاتفاقية عام ( 1899 م) الخاصة بالنزاع في البحار، وفي عام ( 1929 م)، وأثناء انعقاد المؤتمر الدبلوماسي في جنيف، تم إبرام اتفاقيتين : -
- الأولى: خاصة بتحسين حال الجرحى والمرضى العسكريين في الميدان، وكانت بمثابة تعديل وتطوير لأحكام اتفاقية عام (1906 م).
- الثانية: خاصة بمعاملة أسرى الحرب، وكانت أول تنظيم دولي لأسرى الحرب، وفي عام (1949 م) أبرمت اتفاقيات جنيف الأربع وهي:-
- الأولى: خاصة بتحسين حالة الجرحى والمرضى في القوات المسلحة في الميدان، وقد تضمنت تعديل وتطوير اتفاقية جنيف الأولى لعام (1929م)
- الثانية: تتعلق بتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار، وكانت بمثابة تعديل وتطوير لأحكام اتفاقية لاهاي لعام (1907م).
- الثالثة: خاصة بمعاملة أسرى الحرب، وتضمنت تعديلاً وتطويرا لأحكام اتفاقية جنيف الثانية لعام (1929م).
- الرابعة : وتضمنت الأحكام الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وكانت أول تنظيم دولي يتناول موضوع حماية المدنيين.
وفي عام (1977م) تم إقرار البروتوكولين الإضافيين لعام ( 1977 م)، يختص الأول: بالمنازعات المسلحة الدولية، وقد كان من أهم ما تضمنه اعتباره حروب التحرير بمثابة نزاع مسلح دولي، أما الثاني : فيختص بالمنازعات المسلحة غير الدولية.
وبالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية السابقة، فهناك اتفاقيات وإعلانات دولية أخرى تواكب التطور الذي شهده القانون الدولي الإنساني في مرحلته الدولية، منها:-
- إعلان بيتر سبورج لعام ( 1868 م)، المتعلق بحظر استخدام بعض القذائف المتفجرة .
- إعلان لاهاي لعام ( 1899م) الخاص بحظر الرصاص من نوع (دمدم).
- بروتوكول جنيف لعام (1925 م) الخاص بمنع استخدام الغازات السامة والأسلحة الجرثومية.
- اتفاقية الأمم المتحدة لعام ( 1954 م) المتعلقة بحماية الممتلكات والأعيان الثقافية أثناء النزاعات المسلحة
- اتفاقية عام (1980 م) بشأن حظر استخدام بعض الأسلحة التقليدية.
وقد عرف (الزمالي، 2004 م) القانون الدولي الإنساني : بأنه فرع من فروع القانون الدولي العام تهدف قواعده العرفية والمكتوبة إلى حماية الأشخاص المتضررين في حالة نزاع مسلح بما أنجز عن ذلك النزاع من آلام، كما تهدف إلى حماية الأموال التي ليست لها علاقة مباشرة بالعمليات العسكرية.
وبتعبير آخر فإن القانون الدولي الإنساني الواجب التطبيق في النزاعات المسلحة هو في مفهوم اللجنة الدولية للصلب الأحمر، القواعد الدولية الاتفاقية أو العرفية التي يقصد بها، خصيصا، تسوية المشكلات الإنسانية الناجمة عن النزاعات المسلحة، أدولية كانت أم غير دولية، والتي تحد لأسباب إنسانية، من حق أطراف النزاع في استخدام ما يحلو لها من وسائل القتال وطرقه، وتحمي الأشخاص والعيان التي يلحق بها الضرر، أو تتعرض له، من جراء ذلك النزاع، وتعتبر مصطلحات "قانون الحرب "، و(قانون النزاعات المسلحة ) و(القانون الدولي الإنساني )، فالمصطلح التقليدي الذي كان سائدا حتى إبرام ميثاق الأمم المتحدة كان "قانون الحرب "، ولما أصبحت الحرب غير مشروعة وفقا لميثاق الأمم المتحدة، حيث وردت كلمة (الحرب) في ديباجة الميثاق عند الإشارة إلى إنقاذ "الأجيال المقبلة من ويلات الحرب "، ثم استخدام الميثاق تعبير (استخدام القوة ) وشاع استخدام مصطلح (قانون النزاعات المسلحة )، ثم وفي بداية السبعينات تأثر ذلك القانون بحركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي خاصة في أعقاب مؤتمر طهران عام(1968 م) وشاع استخدام مصطلح "القانون الدولي الإنساني " (عتلم، 2011 م : 10)
- حالات لا يشملها القانون الدولي الإنساني:
التوترات والاضطرابات الداخلية خارجة عن نطاق قانون النزاعات المسلحة، ذلك أن هذا النوع من أنواع العنف المسلح لا يعتبر (نزاعا مسلحا) بحسب مقاييس القانون الدولي الإنساني، ومن ثم لا يسري البرتوكول على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية مثل: الشغب (المظاهرات)، وأعمال العنف العرضية وغيرها من الأعمال المماثلة التي لا تعد نزاعات مسلحة . (قصاص، 2006 م : 377)
ثانيا: الشريعة الإسلامية ودورها في حماية حقوق الإنسان
لقد جاء الإسلام؛ ليحفظ الإنسان ويوفر له الحماية استنادا إلى اعترافه بإنسانية الإنسان وكرامته، لقوله تعالي: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70)؛ فوضع التشريعات والقواعد التي تحفظ الكليات الخمس وهي : النفس والدين والعقل والنسل والمال، في جميع مناحي الحياة، ولم يكن القتال في الإسلام نزعة للقتل والتدمير، بل كان ضرورة؛ من أجل الحرية والعدل والمساواة ونشر السلم في المجتمعات الإنسانية كافة، فقد رأينا الرسول محمد _(صلى الله عليه وسلم )_ يوصي الجيوش بعدم التعرض للآمنين في القتال، ففي غزوة مؤته قال (صلى الله عليه وسلم ): "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً، اغزوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً"
وقال (صلى الله عليه وسلم ) أيضا: "لا تقتلوا صبياً ولا إمراه ولا شيخاً كبيراً ولا مريضاً ولا راهباً ولا تقطعوا مثمراً ولا تخربوا عامراً ولا تذبحوا بعيراً ولا بقرة ألا لمأكلة ولا تغرقوا نحلاً ولا تحرقوه "
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوالدان ولا أصحاب الصوامع "
ويعتبر الجهاد في الإسلام جهاداً؛ من اجل المبادئ قال الحق سبحانه وتعالى " (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) (النساء : 75؛ 76)
وقال عز وجل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (سورة البقرة: 193)
ولقد أجمع الفقهاء على أن الجهاد مشروع؛ لحماية الدعوة الإسلامية ودفع العدوان عن المسلمين. فمن لم يجب الدعوة، ومن لم يبدأ المسلمين باعتداء؛ لا يحل قتاله، ولا تبديل أمنه خوفا، فالمتتبع لنصوص القرآن الكريم وأحكام السنة النبوية في
الحرب، يرى أن الباعث على القتال ليس هو فرض الإسلام دينا على المخالفين، والدليل على ذلك قوله تعالي : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (سورة البقرة : 256 ) وإنما يكون القتال لدفع الاعتداء، وهو ما ورد بنص القرآن الكريم في قوله تعالي:
(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (سورة البقرة: 194)
وقد أقامت الشريعة الإسلامية نظاما إنسانيا متكاملا لسير العمليات القتالية التي تخوضها الجيوش الإسلامية في حروبها ضد الأعداء، فقد أوصى سيدنا أبو بكر الصديق _(رضي الله عنه)_ يزيد بن أبي سفيان عندما أرسله على رأس جيش إلى الشام فقال: "... (أما بعد): فإني موصيك بعشر لا تقتلوا امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا نخلا، ولا تحرقها، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكلة، ولا تجبن، ولا تغلل"
وتلك الوصايا تكشف بجلاء عن قانون الميدان وعن القيود التي يقيد بها المقاتل في الميدان، كي لا يكون في سيفه رهق، وحتى لا يصاب غير المقاتل، وأن الأساس في تلك الوصايا أنه لا تقتل في الميدان إلا من يقاتل بالفعل، أو يكون له رأي أو تدبير في القتال، وهكذا فإن الإسلام قد عرف التفرقة بين المقاتل وغير المقاتل من المدنيين، وهي تفرقة التي لم يعرفها العالم الغربي إلا في العصور الحديثة، عندما نادى بها (جان جاك روسو) وغيره من الفقهاء والمفكرين
ثالثا: أصول وقواعد قرآنية وبعض الأحكام الشرعية في القانون الدولي الإنساني:
- أصول وقواعد قرآنية في القانون الدولي الإنساني:
يتمتع القانون الدولي الإنساني في القرآن الكريم بكثير من الاعتناء، حيث نجد أصولا قرآنية، وقواعد ربانية خصصت لهذا الغرض؛ ليرجع إليها الإنسان ويحكمها، وقد سبق القرآن الكريم في تحقيق غايات وأبعاد القانون الدولي الإنساني، على النحو التالي :-
(قصاص، 2006 م : 368، 369)
إن القانون الدولي الإنساني في القرآن الحكيم قائم على العدل والقسط والإحسان، ونبذ الظلم وأهله، والإجحاف بحقوق الآخرين، قال الله سبحانه وتعالي: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 95)، وقال الله العزيز سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 80 )، ويقول الله العفو الكريم سبحانه : (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأنعام : 152)
إن ليس للإنسان إلا ما سعى، وكسبه في تلك الحياة الدنيا، ولا يزر وزر غيره أبدا، فلا يجرم بجرم أحد من الخلق مهما كانت صلته أو قرابته به، ولا يتحمل عنه الأذى والضير، قال الله تبارك وتعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (سورة البقرة: (134 وقال الله الرحيم سبحانه: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) (النجم:36 - 40) ويقول الله العليم سبحانه في آيات متكررة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: 164 ) و(الإسراء: 15 )، و(فاطر: 18 )، و(الزمر:7).
إن الله تعالى- لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، بل يكلفه سبحانه قدر وسعه وطاقته وما آتاه، وعليه فلا يحق لأحد أن يكلف الإنسان بما لا يطيقه، قال الله سبحانه وتعالى: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) (سورة البقرة: من آية 233)، وقال الله العلي الأعلى سبحانه: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) (سورة البقرة: 286)، وقال الله الرحيم سبحانه: (...لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا...) (الطلاق: من آية 7).
أن هذا القانون الدولي الإنساني ينبغي أن يقوم على العفو والمسامحة والمغفرة والرحمة وعدم المآخذة عند الخطأ والنسيان، قال الله تعالى شأنه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)) (الأعراف: 199)، وقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40))(الشورى:40)
من الأصول القرآنية المهمة هنا قول الله تعالى ذكره: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (سورة البقرة: 256)، فليس الإسلام كما يفهمه البعض أنه يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، بل يدعوهم إليه ويدعهم إن رفضوه، قال الله الودود سبحانه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)) (يونس: 99، 100).
أن الأصل القرآني في تلك القوانين والحقوق الإنسانية أنه يقوم على مكارم الأخلاق والاعتناء بها، وتجنب الكذب والوفاء بالعهود والعقود، وعدم الإخلاف، والغدر، وأداء الأمانات إلى أهلها... الخ. يقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)) (التوبة: 119)، ويقول الله العليم القدير سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ...) (المائدة: 1)، وقال الله علام الغيوب سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا...) (النساء: 58).
- بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بموضوع القتال:
تناول (سلمان، 2012م) في إحدى محاضراته في كلية الدفاع الوطني في الأردن بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بموضوع القتال على النحو التالي:
الأصل في العلاقات بين الناس في الشريعة الإسلامية أنها علاقات أخوة ومحبة، وتعاون وتنافس في خدمة المجموع؛ ولذلك بما يكفل تحقيق سعادتهم على الأرض، وسعادتهم عندما ينتقلون إلى الدار الآخرة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) (الحجرات: 13). فهم إخوة يجب أن يكون بينهم ما بين الإخوة من محبة وتعاون، والتقوى هي الالتزام بشريعة الله التي تتلخص بعبادته ونفع عباده؛ ولذلك قيل: أمران لا تقربهما: الشرك بالله، وإيذاء الناس.
تحقيق تلك الغاية –أي سعادة الدنيا والآخرة- يقتضي العمل بالشرائع التي أنزلها الله على رسله في كل جيل بما يناسبه؛ ولهذا قال الله تعالى لأبينا آدم وأُمنا حواء –والخطاب لأبنائهما من بعدهما-: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)) (طه، 123- 124).
المبادئ التي جاء بها الرسل آمن بها كثيرون في كل العصور، وسعدوا بذلك، لكن المشكلة في أمرين: أولهما: وقوف المستفيدين من الكفر في وجه دعاة الإيمان. وثانيهما: وقوع نزاع بسبب سوء التفاهم بين الجماعات المؤمنة.
مهما يكن من أمر فالحروب بين البشر واقع لا يُنكر، وضرورة في بعض الأحيان لابد منها. قال الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج، 39- 40)، فالمسلمون كانوا قد مُنعوا من القتال، ثم صار لابد منه بعد الهجرة إلى المدينة المنورة وقيام الدولة الإسلامية.
القاعدة في التشريع الإسلامي أن (الضرورات تبيح المحظورات) و(الضرورات تُقدر بقدرها)، وإذا كانت الحرب ضرورة لابد منها فيجب مراعاة ما يلي:-
أن تكون الخيار الأخير وقبلها الدعوة والمهادنة.
لا يُقاتل إلا من قاتل من الأعداء، قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)) (البقرة، 190)، وهذا نص عام يشمل الدولة والأشخاص.
عدم قتال من لا يُقاتل: كالنساء والصبيان والعجزة؛ فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان))، وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه بعض جيوشه –وهو يودعهم- فقال: ((لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوا ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيراً إلا مأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له...)).
لا يجوز إشراك أطفال المسلمين في القتال، ولا إشراك النساء، إلا في حالات ضيقة، كما لا يُطلب الجهاد من أصحاب العاهات البدنية: كالأعرج والمريض، وفي ذلك حماية لهم من نتائج الحرب.
قبول السلام الذي يؤمن الحقوق الشرعية، قال الله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)) (الأنفال، 61)، أما مع الظلم فلا سلام، قال الله تعالى: (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (سورة البقرة، 191).
عدم جواز الغدر، قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)) (الأنفال، 58)، وعدم الغدر يحمي الأرواح.
عدم استخدام الوسائل البشعة في القتال، فإنه ورد في حق الحيوان قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم؛ فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم؛ فأحسنوا الذبحة، وليُحد أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته)) رواه مسلم، فمن باب أولى أن يُحترم الإنسان حتى في وسيلة قتله.
يجب بناء القوة الرادعة للعدو عن الإقدام على الحرب، قال الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال، 60)، فقوله تعالى: (من قوة) يشمل قوة الإيمان، وقوة الاتحاد والكلمة، وقوة السلاح، وقوة العلم، وكل قوة، وإذا حصلت القوة لم يفكر العدو في القتال، فيسلم الطرفان.
العفو والتام عمن أسلم من المحاربين، قال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال، 38)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام يجب ما قبله)) رواه أحمد، وقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وحشي، قاتل عمه حمزة بن عبد المطلب.
الإحسان إلى الأسرى، قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) (الإنسان، 8- 9)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالأسارى خيراً) رواه الطبراني.
الرفق بالنساء خاصة، ومن ذلك إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لابنة حاتم الطائي، وكان ذلك سبباً في إسلام أخيها عدي، وإكرامه لصفية بنت حيي حيث جعلها من أمهات المؤمنين، وإكرامه لزوجة عكرمة بنت أبي جهل.
عدم معاقبة أحد بذنب غيره، قال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام، 164). ومن ذلك عفو النبي صلى الله عليه وسلم عمن بقرت بطن حمزة رضي الله عنه، وإكرام صلاح الدين للصليبيين عندما فتح بيت المقدس مع ما فعله سلفهم عند فتح بيت المقدس قبل تسعين سنة.
عدم إتلاف الممتلكات إلا لحاجة، قال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)) (سورة البقرة، 205)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها؛ سأله الله عز وجل عنها يوم القيامة)) رواه النسائي.
كل مسلم له الحق أن يعطي الأمان لأي مقاتل من الأعداء؛ إذا ترك القتال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:- ((ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)) رواه البخاري.
يجب على المسلمين تخليص أسراهم ولو بدفع فدية للعدو أو مبادلة الأسرى، وذلك يخفف معاناة الأسرى من الطرفين.
تلك الأحكام طبقها المسلمون منذ فجر الإسلام قبل أربعة عشر قرناً؛ لأنها حكم الله الذي لا يجوز التفلت منه، بينما القانون الدولي الإنساني لم يمض عليه قرن واحد، وتطبيقه لم يتم بالصورة المُرضية، فارتكبت الفظائع رغم وجوده!، وما زال بعض من انتهكه طليقاً لم يحاكم، كما أن القانون فيه بعض الثغرات في شروط تجريم مخالفيه، بينما أحكام الشريعة الإسلامية يطبقها كل مسلم؛ لأنه يعتقد صادقاً بأن الله تعالى يراقبه، وهو الذي سيجازيه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وعلى كل حال فمجمل القانون الإنساني الدولي لا يخرج عن نطاق الأحكام الشرعية كما ذكرت، ولا مانع من الموافقة عليه، ووجوده ضروري، والتقيد به ضروري في هذا الزمن الذي تطورت فيه أسلحة القتال، وينبغي أن يكون نهجنا العسكري قول القائل: "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب".
رابعاً:- المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية:
إن الإسلام جاء دعوة ربانية لخير البشرية في كل مناحي الحياة سواء أكانت في وقت السلم أم وقت الحرب، لذا نرى ومن خلال النصوص الثابتة في القرآن والسنة، وما سار عليه الصحابة والسلف الصالح خصوصا في وقت الحروب والنزاعات المسلحة لهو دليل ساطع على قدسية حياة الإنسان وكرامته وفق المبادئ التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية.
فذكرت (لينا الطبال: 2006م) إن الشريعة الإسلامية كفلت حقوق الإنسان أثناء شن الحروب وإقامة النزاعات المسلحة منذ نحو أكثر من (1400) سنة. فالمبدأ في الإسلام هو إحلال السلام، أما الحرب فلا تقوم إلا للضرورة. قال تعالى في كتابه الكريم "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" (سورة البقرة: الآية 29).
وإن الهدف الذي يُنشده الإسلام من الحرب هو حماية حقوق الإنسان مهما كان انتماء أو عقيدة ذلك الإنسان. فعندما ينتهج العدو منطق القوة ويستبد بطغيانه ولا يراعي تطبيق أي قانون، عندها يوصي الإسلام بقتال ذلك العدو وإعلان الحرب عليه، على أن يتوقف القتال حال استسلامه أو الكف عن عدوانه. "فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)" (سورة البقرة: الآية 193).
تفرض الشريعة الإسلامية على إقامة الحرب شرطاً أخلاقياً أساسياً ألا وهو مراعاة القواعد الإنسانية لتلك الحروب والنزاعات.
- أهم القواعد التي يقوم عليها "القانون الإنساني" في الإسلام:
- المساواة: اعتبر الإسلام الناس جميعاً أخوة في الإنسانية من هنا وجب المساواة بين جميع الأعراق البشرية، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (سورة الحجرات: الآية 13). فالشريعة الإسلامية ترى في الناس جميعاً أمة واحدة، "فلا فرق بين عربي على أعجمي إلا بالتقوى". و"الناس سواسية كأسنان المشط".
- العدل: أوصت الشريعة الإسلامية على إرساء العدل بين جميع الناس مهما كانت طبقتهم الاجتماعية، كما أنها نادت بالعدل تجاه العدو (الأسرى والمدنيين والجرحى....) خاصة في أوقات النزاعات والحروب. "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (سورة المائدة: الآية 8).
- التسامح: إن الشريعة الإسلامية قائمة على أساس التسامح بين البشر، وقد شدد الله تعالى في كتابه الكريم على خاصية التسامح والعفو عند المقدرة "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ" (سورة آل عمران: الآية 134). "فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا" (سورة البقرة: الآية 109).
- التعاون: أفردت الشريعة الإسلامية للتعاون خاصية أساسية في المجتمع الإنساني، فشددت عليها في أوقات السلم وأكثر منها في أوقات الحرب. "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (سورة المائدة: الآية 2).
- حرية المعتقد: قامت الشريعة الإسلامية على حرية المعتقد. "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (سورة البقرة: الآية 256)، فالإسلام يكفل جميع الأديان ويمنع أي فرد إجبار فرد آخر ترك دينه والدخول عنوة في الإسلام، صحيح أنه يستطيع دعوته بطرق سلمية إلا أن عنصر "إجبار الدخول في الدين" غير مشروع في الإسلام.
- المعاملة بالمثل: لقد نصت الشريعة الإسلامية على المعاملة بالمثل شرط ألا لا تخرق تلك المعاملة حقوق الإنسان؛ فلو عامل العدو الأسرى بطرق غير لائقة؛ فإنه لا يجوز معاملة أسراه بنفس تلك الطريقة لما في ذلك من خرق لحقوق الإنسان وللأحكام والقواعد الشرعية التي ينص عليها الإسلام.
- مصادر القانون الإنساني في الشريعة الإسلامية:
إن القواعد الإنسانية التي يوصي الإسلام باحترامها إبان فترات الحروب والنزاعات المسلحة تستند إلى القرآن الكريم أو إلى السنة أو إلى الاجتهاد، إذاً يمكننا تعريف (القانون الإنساني) في الشريعة الإسلامية بأنه: "مجموعة الأحكام المستمدة من القرآن أو السنة أو الاجتهاد التي تهدف إلى حل المشكلات الإنسانية الناشئة بصورة مباشرة عن النزاعات المسلحة والتي تقيد لأسباب إنسانية حق أطراف النزاع في استخدام طرق وأساليب الحرب التي تروق لها، أو تحمي الأعيان والأشخاص الذين تضرروا أو قد يتضررون بسبب النزاعات المسلحة".
كما ذكرنا آنفاً فإن الشريعة الإسلامية ربطت إعلان الحرب بالضرورة في معرض غطرسة العدو واستحالة إحلال السلم والأمان، ولطالما نظمت الشريعة الإسلامية علاقة المسلمين بغيرهم من الشعوب إبان فترات الحروب والنزاعات المسلحة ففرضت أن تتم معاملة العدو، مهما كان دينه، معاملة إنسانية توفر حداً معيناً من الحماية له وتمنع من انتهاك حرماته أو معتقداته، كما تُحرم الشريعة الإسلامية خرق حقوق ممتلكاته.
يُقصد بالعدو المعني بالحماية هنا، كل شخص ضحية الحرب أو النزاعات المسلحة من جرحى ومرضى وقتلى وغرقى وأسرى ومدنيين. نلاحظ أن جميع تلك الأحكام كفلها فيما بعد القانون الدولي الإنساني الوضعي.
خامساً: أوجه التشابه بين القانون الإنساني في الإسلام والقانون الدولي الإنساني:
أوردت (الطبال: 2006م) أنه لا يختلف القانون الدولي الإنساني الوضعي عما تقرره أحكام الشريعة الإسلامية أو كما أطلقنا عليها تسمية (القانون الإنساني) في الإسلام، فكلاهما ينظران إلى ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة نظرة إنسانية تعمل على حمايتهم ورعاية حقوقهم وحرياتهم. وفيما يلي نورد باختصار أوجه الشبه:-
1- أسرى الحرب: يتبنى القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية نفس التعريف للأسرى. فالأسير هو الشخص الذي يشارك في القتال، وقد كفلت اتفاقية جنيف الثالثة لعام (1949م) حقوق الأسرى منذ وقوعهم في الأسر وحتى الإفراج عنهم وعودتهم إلى الوطن، ونصت على حق الأسير في المعاملة الإنسانية وعدم جواز قتله أو تعذيبه أو امتهان كرامته.
ونجد أن الإسلام قد منح الأسير حقوقاً كثيرة تفوق أحياناً الحقوق المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني؛ فحرم هدر دمه وأوصى بطيب المعاملة ووفر الرعاية، وأشار إلى حقه في ممارسة شعائره الدينية طيلة فترة أسره، وعدم جواز إكراهه؛ من أجل ترك دينه.
كما نص الإسلام على عدم تفريق الأسرى الأقارب عن بعضهم البعض. ولقد أوصى الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالأسرى عندما قال: "استوصوا بالأسارى خيراً"، ويقصد بها كل جوانب الخير المادي والمعنوي. ويقال أنه في غزوة بدر قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمعاملة الأسرى معاملته للضيوف فأسكنهم في منازل وسمح لهم بدهن رؤوسهم وإصلاح شعورهم.
2- أفراد القوات المسلحة الجرحى أو المرضى في الحرب البرية والحرب البحرية: لقد قيد القانون الدولي الإنساني حمايته لهم بامتناعهم عن القتال والكف عن مشاركتهم الأعمال العسكرية، وهو نفس القيد الذي فرضته الشريعة الإسلامية من أجل جواز حمايتهم. وفي حين حرم الإسلام منذ أكثر من (1400) سنة: قتل أو تعذيب الجر حى أو المرضى أو المنكوبين في البحار، أقر القانون الدولي الإنساني على عدم جواز تلك الأفعال؛ فمن غير المقبول في الإسلام قتل الجريح أو تعذيبه أو تركه يتألم دون علاج، وعليه يكون الإسلام كالقانون الدولي الإنساني قد عمل على توفير الرعاية الطبية للمرضى والجرحى.
3- القتلى والمفقودون:-
أ- القتلى: حفاظاً على كرامة الإنسان وحرمة الميت أوصى الإسلام باحترام جثة القتلى وبعدم جواز التمثيل بها؛ وعليه فإن أمر عدم ترك الجثة في ميدان المعركة والإسراع في دفنها. عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "سيروا باسم الله قاتلوا من كفر بالله ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً". بل إن الإسلام ذهب إلى أبعد من ذلك حين أوصى بتمتع قتلى العدو بكافة الحقوق التي يقرها الإسلام لموتى المسلمين.
تلك المبادئ تتفق مع القانون الدولي الإنساني الذي حرم انتهاك جثة المقاتل، وقد نص عليها البروتوكول الأول لعام (1977) كما عمل على تنظيم عملية دفنهم ونقل رفاتهم فيما بعد إلى أوطانهم.
ب- المفقودون: المفقود هو من لا يعلم له خبرا. لقد أباحت الشريعة الإسلامية التفاوض مع العدو مباشرة أو عبر شخص ثالث من أجل تبادل المعلومات لمعرفة مصير المفقودين من المسلمين، ولقد حرم الإسلام إهمالهم وعدم السؤال عنهم ومعرفة مصيرهم لعلة أنهم بحوزة العدو، كما أوصى الإسلام بإخطار العدو بمن بحوزته من أسرى أو قتلى، وبعدم جواز التكتم على أخبارهم.
أما القانون الدولي الإنساني فإنه قد نص على البحث وعن تقصي أخبار المفقودين من طرفي النزاع عبر منظمة الصليب الأحمر، حيث تعمل الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة للجنة الدولية كوسيط بين أطراف النزاع أو بين مكاتب الاستعلامات الوطنية، لنقل المعلومات المتعلقة بالأشخاص الذي يحميهم القانون الدولي الإنساني، ولقد نصت المادة (26) من اتفاقية جنيف الرابعة: "على كل طرف من أطراف النزاع أن يسهل أعمال البحث التي تقوم بها أفراد العائلات المشتتة بسبب الحرب، من أجل تجديد الاتصال بينهم وإذا أمكن جمع شملهم "فيما تنص المادة (33) من البروتوكول الأول على التحري عن مصير الأشخاص المفقودين.
4- السكان المدنيون: المبدأ في الشريعة الإسلامية أنه لا يجوز توجيه الأعمال العسكرية إلا ضد المشاركين في القتال، وبالتالي لا يجوز قتال كل مدني مسالم، "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)" (البقرة، الآية 190).
فلقد ميز الإسلام بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، فنهى قتال المدنيين والجرحى والمرضى وكذلك المجنون والتعرض للمشافى والأطباء، وحرم حتى التعرض لدور العبادة ولرجال الدين وللمراكز الثقافية من مدارس ومكاتب الخ، كما أوصى حماية الأجانب وعدم خرق حقوق المهجرين. لقد نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن التعرض للمدنيين الذين لا قدرة لهم على القتال، وأوصى عدم جواز قتل ثلاث فئات من الناس هم: الشيوخ والأطفال والنساء، وقد قال: "لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا"، لقد اتفق الإسلام والقانون الدولي الإنساني على إعطاء نفس التعريف للمدنيين على أنهم "كل شخص لا يشارك في القتال"، وامتد هذا التعريف إلى أفراد طواقم الإغاثة، فق نصت اتفاقية جنيف الرابعة لعام (1949م) على حماية المدنيين إبان فترات الحروب والنزاعات المسلحة، فأدانت قتل كل شخص لا قدرة له على القتال ومنعت أعمال الانتقام ضدهم من سلب لممتلكاتهم أو تخريب لها، أو كل قتل بدافع التمييز العرقي، كما أنها شددت على وجوب توفير الدولة المحتلة لكافة أساليب العيش الكريم للمدنيين من تأمين الغذاء والكساء والعناية الطبية إلى منع كل الأساليب التي تبث الذعر في نفوس المدنيين، إلى جانب الحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني للمدنيين فإن اتفاقية جنيف الرابعة وبروتوكولها الأول تنصان على حماية خاصة للاجئين كأجانب في أيدي أطراف النزاع ولعدم تمتعهم بحماية الدولة التي يحملون جنسيتها.
من هنا نفرق بين المهجرين والنازحين:
لقد جرى تعريف المهجرين على أنهم "الأشخاص الذي يفرون؛ نتيجة أحداث تخل إخلالاً خطيراً بالنظام العام: كالنزاعات المسلحة والاضطرابات". إذا اللاجئون هم الأشخاص الذين تركوا بلدهم وهربوا منه، أما النازحون فهم الأشخاص الذين لم يغادروا أراضي بلدهم أصلاً إنما لسبب ما غادروا منطقتهم إلى منطقة أخرى في نفس البلد، ويتمتع اللاجئون بالحماية التي يكفلها لهم قانون اللاجئين، ومفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، حتى عندما يصدف وجودهم في بلد يعاني من النزاع المسلح فإن القانون الدولي الإنساني يحميهم وتطبق مواده عليهم.
في حين يمنع القانون الدولي الإنساني أن يتم إجبار المدنيين على ترك أملاكهم وأرزاقهم إلا إذا اقتضت سلامتهم ذلك، عندها يُطلق عليهم اسم نازحون ويتم المساواة بينهم وبين المدنيين، فيمنحهم القانون الدولي الإنساني نفس الحماية التي منحها للمدنيين؛ شرط عدم مشاركتهم في القتال.
من أجل منع نزوح المدنيين وقد أورد القانون الدولي الإنساني احترام القواعد التالية:
- منع العقوبات الجماعية، كالقصف العشوائي للأحياء أو تدمير مئات المنازل.
- منع توجيه الضربات العسكرية الموجهة ضد المدنيين أو ممتلكاتهم.
- منع قطع وصول المؤن والمواد الطبية اللازمة إلى المدنيين.
- محاكمة مرتكبي الانتهاكات:
كل انتهاك لأحكام القانون الدولي الإنساني الذي سبق وأشرنا إليها أعلاه تعرض صاحبها للملاحقة بتهمة ارتكابه جريمة حرب. لقد سبق وشرحنا تعريف جرائم الحرب وأنه يكفي للفاعل ارتكابه فعلا واحدا، كقتل مدني أو جريح أو مريض حتى يعتبر أنه ارتكب جريمة حرب.
إلا أن العديد من مرتكبي تلك الجرائم قد يفلت دون محاكمة أو تنفيذ أي عقاب به، وذلك يعود إلى:-
- بدائية القانون الدولي وهشاشة مواده وغياب قوة ردعية مؤثرة.
- الافتقار إلى تشكيل محكمة جنائية دولية دائمة يتوافر لديها صلاحيات توجيه الاتهام والتحقيق والمحاكمة.
- عدم وجود نظام مركزي فعال لتنفيذ العقوبات.
- الخطأ في بنية المجتمع الدولي وتمركز قوته في جانب واحد.
بينما تحرم الشريعة الإسلامية الوقوف موقف المتفرج إزاء تلك الانتهاكات وتوصي العمل على إيقاع العقاب بمرتكب، ما يسمى بالقانون الدولي الإنساني بجرائم الحرب، فالإسلام يرى في جميع أحكام (القانون الإنساني) على أنها تعاليم مقدسة يجب التقيد بها، وتوقيع العقاب الشديد بكل شخص انتهكها، إلا أن الشريعة الإسلامية تورد ضمانات أقوى من حيث إيقاع العقاب وتنفيذها على مجرمي الحرب؛ باعتبارها شريعة إلهية شرعها الله عز وجل، فكل شخص يرتكب تلك الجرائم يقع عليه جزاءان، جزاء في الدنيا تنفذه المراجع المختصة والثاني: في الآخرة. فإن استطاع الإفلات من عقوبة الدنيا لغفلة الحاكم أو لضعفه أو لتعاونه مع العدو، فإنه لن يفلت من عقوبة الآخرة. (الطبال، 2006م)،
سادساً- متى تحترم حقوق الفلسطينيين ومبادئ القانون الدولي الإنساني من قبل إسرائيل؟
لقد تعرض الشعب الفلسطيني منذ نكبته عام (1948م)، إلى صنوف متنوعة من: التهجير، والطرد، والقتل، والتدمير، والسجن، وانتهاك حقوق الإنسان بأبشع الصور التي استصرخت ضمير الإنسانية، مما جعلها تنادي بضرورة التصدي إلى الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني بكل الوسائل القانونية المتاحة، وفق ما نصت عليه الاتفاقيات والمعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق يعرض الباحثان عينة من الانتهاكات الإسرائيلية التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني، والتي تمثل انتهاكا لكل المواثيق والأعراف الدولية!.
- قضية شهيد فلسطيني من أراضي ال(48) في مجلس حقوق الإنسان:
أشارت (صحيفة فلسطين، 2015، العدد 2812: 7) إلى أنه قد شارك وفد من الداخل الفلسطيني المحتل في مؤتمر لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في جنيف، حيث تطرق المؤتمر لمناقشة العنف والاعتداءات ضد الأقليات العرقية داخل الدول المختلفة، وجمع الوفد محامين من مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان- الناصرة، الممثلة بالمحامين: فراس دلاشة، ومصطفى سهيل، وعمر خمايسي، أحمد أمارة، ومركز عدالة الممثل بصلاح محسن، والناشطة الحقوقية ناديا يوسف، ووالد الشهيد خير الدين حمدان، وعم الشهيد رافع أمارة من كفر كنا.
وقد اعتمد النقاش في المؤتمر بهذا الخصوص على الاستماع لشهادة والد الشهيد خير الدين حمدان الذي استشهد في شهر تشرين ثاني (نوفمبر)/ 2014م، وجاء ذلك النشاط للمؤسسات الحقوقية من الداخل الفلسطيني بعد زيادة عدد الجرائم الشرطية والإعدامات الميدانية والاعتداءات التي تنفذها وحدات الشرطة والأمن الإسرائيلي بحق المواطنين الفلسطينيين، ولا تتم محاسبة المسئولين ومنفذي تلك الجرائم والاعتداءات، وفي غالبية الحالات يتم إغلاق تلك الملفات من قبل وحدة (ماحش) -الوحدة الخاصة بالتحقيق مع أفراد الشرطة- وتبرئة الشرطيين المتورطين بتلك الاعتداءات.
وقد سرد والد الشهيد خير الدين حمدان خلال كلمته في المؤتمر المذكور في الأمم المتحدة، تفاصيل استشهاد ابنه وكيف تم إعدامه ميدانياً دون وجه حق، كما تحدث عن وضع العائلة المأساوي بفقدان ابنها، والذي كان عنده أحلام كثيرة، كأي شاب في مقتبل العمر.
وقال مدير مؤسسة ميزان المحامي مصطفى سهيل: إن "حالة قتل الشهيد خير الدين حمدان بيد شرطي ليست حالة نادرة أو عابرة، بل إن متابعة ما جرى خلال النصف الأخير من عام 2014 وبداية عام 2015 يدل على أن هناك ظاهرة عنف شرطي ممنهجة وخطيرة، ولعل أخطر ما في الأمر أنه من بين مئات حالات الاعتداء الشرطي على المواطنين والتي تم رصدها، برزت بشكل واضح ظاهرتان شديدتا الخطورة، الظاهرة الأولى تتمثل في القتل الميداني، في الشارع أو في البيت أو في الأماكن العامة، مثل حالة قتل خير الدين حمدان، والظاهرة الثانية: والتي لا تقل خطورة هي ظاهرة مقتل معتقلين أو محتجزين على ذمة التحقيق داخل محطات الشرطة أو في غرف المعتقلات، وادعاء الشرطة الإسرائيلية دائماً بأن أولئك جميعهم قد انتحروا، في الوقت الذي تشير كل الدلائل إلى أن موتهم لم يكن نتيجة انتحار، بل نتيجة تعرضهم للعنف داخل مكان احتجازهم"!.
- إسرائيل تتجاوز حقوق الأسرى الفلسطينيين في سجونها:
أكد مركز الأسرى للدراسات أن (إسرائيل) تنتهك حقوق ما يقارب من (6500) أسير فلسطيني موزعين على ما يزيد على (20) سجناً مركزياً ومعتقلاً ومركز توقيف وتحقيق، وأنها تتجاوز الحقوق الأساسية لهم وفق اتفاقية (جنيف) الرابعة، في كل مناحي حياتهم. وأوضح المركز في بيان مكتوب وصلت (فلسطين) نسخة عنه أمس، أن ظروف الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي غير إنسانية ومخالفة لشروط الحياة الآدمية في المأكل والملبس والحفاظ على الحياة والكرامة الإنسانية، إضافة إلى الأحكام العسكرية الردعية، وأشار إلى أن الاحتلال ما زال يمنع بعض الزيارات، ويعزل أسرى انفرادياً، ويمنع: امتحانات الجامعة والثانوية العامة، ويمنع إدخال الكتب، إضافة لسوء الطعام كماً ونوعاً، والتفتيشات المتواصلة والعارية، واقتحامات الغرف ليلاً والنقل الجماعي، وسياسة الاستهتار الطبي خاصة لذوي الأمراض المزمنة ولمن يحتاجون لعمليات في السجون كمرضى السرطان والقلب والكلى والغضروف والضغط.
وقال المركز: إن إدارة السجون تستجيب في ضغوطها على الأسرى لتحريض السياسيين والوزراء والنواب الإسرائيليين، كدعوة وزير خارجية الاحتلال (افيغدور ليبرمان)، لإعدام الأسرى ومطالبة الوزير السابق (سيلفان شالوم) بإعادة النظر في تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم وتحريضات رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) بإبقائهم في السجون حتى التعفن". وأضاف أن "(إسرائيل) هي "الدولة" الوحيدة التي شرعت التعذيب ووصفته في أقبية التحقيق بالضغط الجسدي والنفسي المعتدل، هروباً من المساءلة الدولية، ولفت الأنظار إلى أن (95%) على الأقل من الأسرى الذين دخلوا سجون الاحتلال، من كل الفئات والشرائح بمن فيها الأطفال والنساء، مورس بحقهم التعذيب الجسدي والنفسي المحرم دولياً وفق اتفاقية 1984 القاضية بمنع التعذيب وضروب العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتهم مركز الأسرى للدراسات في بيانه، سلطات الاحتلال بعدم الالتزام باتفاقية حقوق الطفل التي أقرت عام 1989 بتوقيع (193) طرفاً، والتي ضمنت له البقاء والتطور والنمو والحماية من التأثيرات المضرة، وسوء المعاملة والاستغلال، وأنها تعامل المعتقلين الأطفال معاملة البالغين في سجونها منذ لحظة الاعتقال الأولى مروراً بالتحقيق وأشكال التعذيب الجسدي والنفسي، والضرب المبرح بأدوات متعددة. (صحيفة فلسطين، 2015، العدد 2812: ص: 9).
- الأسير عبد الحكيم موسى يدخل عامه ال(18) في السجون:
أفاد مركز أسرى فلسطين للدراسات، بأن الأسير عبد الحكيم صالح خليل موسى (34 عاماً) من بلدة (مركة) جنوب مدينة جنين، دخل عامه الاعتقالي الثامن عشر على التوالي، في سجون الاحتلال. وقالت الناطقة الإعلامية للمركز (أمينة طويل): إن قوات الاحتلال اعتقلت الأسير (موسى) بتاريخ 18/5/1998م، وبعد (6) سنوات على اعتقاله صدر بحقه حكم بالسجن (19) عاماً إضافة إلى ثمانية أشهر؛ بتهمة عبوات والمشاركة في نشاطات ضد الاحتلال الصهيوني، حيث تعرض للعزل والعقاب عدة مرات دون سبب أو مبرر، كما تعرض اثنان من أشقائه للاعتقال على فترات مختلفة. وأضافت الطويل: إن الحكم الجائر لم يكن أصعب من فترة التحقيق وصدور الحكم نفسه، فقد أمتدت على مدار (6) سنوات تخللها التحقيق والعزل إضافة إلى العقاب والتعذيب المتواصل والشديد، ولم تقف الأمور على اعتقال عبد الحكيم لكن العقاب طال العائلة بأكملها، حيث اعتقل اثنان من أشقائه وهما: محمود، وأمضى (18) شهرا، ومحمد، وأمضى (28) شهرا. ورغم ما عاناه الأسير موسى، من تنكيل وتضييق خلال تلك السنوات الطويلة التي أمضاها في السجون، إلا أنها لم تستطع كسر إرادته، أو إضعاف معنوياته، حيث أنهى الثانوية العامة بنجاح، وانتسب لإحدى الجامعات في تخصص التربية الإسلامية، كما يواصل حفظه للقرآن الكريم على أمل أن يخرج من سجنه حاملاً شهادة الجامعة بيده كباقي زملائه خارج السجون. (صحيفة فلسطين، 2015: 7).
- نكبة فلسطين، بل نكبات تتوالى دونما انقطاع.. والحل واحد:
ليس هناك ثمة شك أن نكبة فلسطين (1948م) قد أفجعت قلوب المسلمين وأهل فلسطين، إذ لم يكن الحدث عبارة عن مجرد عملية تهجير ما يقارب المليون مسلم (957) ألفا، أو (800) ألف –بحسب تقديرات أخرى- وما رافق ذلك من عشرات المجازر والفظائع وأعمال نهب وهدم لأكثر من (500) قرية وتدمير المدن الفلسطينية الرئيسية، بل يتعدى الحدث ذلك إلى أبعاد سياسية عقدية ارتبطت بالنكبة وشكلت جوهر القضية لدى المسلمين وأهل فلسطين، أبعاد لطالما حرص الحكام على إخفائها، وتآمر معهم الإعلام على تغييبها، أبعاد تتعدى الآهات الفردية والمآسي الاجتماعية التي سلطوا عليها الضوء وجعلوا منها بؤرة الحدث ومركز الاهتمام، فالنكبة حدث ارتبط بمسرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ ذلك المكان الذي يحتل مكانا عميقا في قلوب المسلمين جميعا، تماما كما بقى عبر العقود والقرون الماضية، فنكبة فلسطين قد عنت للمسلمين احتلال قبلتهم الأولى ومسرى نبيهم (صلى الله عليه وسلم)، وانتزاع بلادهم من حضنهم إلى حضن يهود، أعداء الله والدين وخصوم المسلمين، لذلك كانت عقدية بالدرجة الأولى، وهي كذلك سياسية؛ لأنها عنت بناء كيان سرطاني ليهود في وسط العالم الإسلامي وخاصرته، ليحول دون وحدته وليصبح لاحقا جسرا للغرب يمر من عليه ليحافظ على بقاء استعمار العالم الإسلامي إذا جد الجد وبدأت تغيرات حقيقية نحو التحرر.
ونكبة فلسطين (1948م) لا يمكن النظر إليها في سياق عما سبقها من أحداث ومؤامرات، وما تلاها من مؤامرات وخطوات سعت إلى تثبيت هذا الاحتلال وتقوية أركانه.
فقبل النكبة كان وعد بلفور في 2/11/1917م، الذي أعطت فيه الحكومة البريطانية وعداً بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين!، ثم كان هدم الخلافة العثمانية على يد رجل بريطانيا مصطفى كمال أتاتورك في الثالث من آذار عام (1924م)!، ثم أتى بعد ذلك قرار التقسيم بتاريخ 29/11/1947م، وصولا إلى نكبة (1948م) والتي سبقها تسهيل لهجرة اليهود وبناء عصاباتهم الإجرامية في فلسطين. والناظر فيما سبق النكبة يدرك أن بيضة القبان كان هدم دولة الخلافة، إذ لولاها لما تحول وعد بلفور من الورق إلى الواقع، ولما أصبحت فلسطين محلا لقرارات مجلس الأمن وهيئاته، ولما تمكن يهود من أن تطأ لهم قدم أرض فلسطين محتلين غاصبين لها، فهو مشهد اختزله السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بكلماته القليلة التي وجهها إلى (هرتزل): "انصحوا الدكتور (هرتزل) بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل تلك الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهودي بملايينه، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة"، ففلسطين ما كانت لتضيع لولا هدم دولة الخلافة التي كانت تدرك مكانتها وقدسيتها لدى الأمة الإسلامية" (صالح، 2015: 1).
خاتمة البحث:
هدفت هذا البحث إلى تسليط الضوء على القانون الدولي الإنساني بين النظرية والتطبيق، وإبراز دور الشريعة الإسلامية في إرساء قواعد حقوق الإنسان وحل مشكلات التحديات المعاصرة، والسعي إلى إحقاق الحق أينما كان وفي كل زمان ومكان، وتحقيق: السلم والسلام والحرية والاستقلال لجميع شعوب العالم، خاصة الشعب الفلسطيني المظلوم؛ كي يعيش في عزة وكرامة في القرن الحادي والعشرين.
وقد اتبع الباحثان (المنهج الوصفي التحليلي)؛ لمناسبته لمثل هذا النوع من الأبحاث، حيث تناول الباحثان المباحث أو (المحاور) التالية:-
أولاً- القانون الدولي الإنساني: حيث تناول الباحثان نشأة القانون الدولي الإنساني ومراحل تطوره، ومصادره، وتعريفه، والحالات التي لا يشملها القانون الدولي الإنساني، ومما ذكر في تعريف القانون الدولي الإنساني ما تناوله (عتلم: 2011م: 10): إن القانون الدولي الإنساني الواجب التطبيق في النزاعات المسلحة هو في مفهوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القواعد الدولية الاتفاقية أو العرفية التي يقصد بها، خصيصاً، تسوية المشكلات الإنسانية الناجمة عن النزاعات المسلحة، أدولته كانت أم غير دولية، والتي تحد لأسباب إنسانية، من حق أطراف النزاع في استخدام ما يحلو لها من وسائل القتال وطرقه، وتحمي الأشخاص والأعيان التي يلحق بها الضرر، أو تتعرض له، من جراء هذا النزاع، وتعتبر مصطلحات: (قانون الحرب)، و(قانون النزاعات المسلحة) و(القانون الدولي الإنساني) تعبير عن المفهوم نفسه.
ثانياً- الشريعة الإسلامية ودورها في حماية حقوق الإنسان:
لقد جاء الإسلام؛ ليحفظ الإنسان ويوفر له الحماية استنادا إلى اعترافه بإنسانية الإنسان وكرامته، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)) (الإسراء: 70)، فوضع التشريعات والقواعد التي تحفظ الكليات الخمس وهي: النفس والدين والعقل والنسل والمال، في جميع مناحي الحياة، ولم يكن القتال في الإسلام نزعة للقتل والتدمير؛ بل كان ضرورة من أجل الحرية والعدل والمساواة ونشر السلم في المجتمعات الإنسانية كافة، فقد رأينا الرسول محمد –(صلى الله عليه وسلم)- يوصي الجيوش بعدم التعرض للآمنين في القتال، ففي غزوة مؤته قال (صلى الله عليه وسلم): "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً، اغزوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناء".
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "لا تقتلوا صبياً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً ولا مريضاً ولا راهباً ولا تقطعوا مُثمراً ولا تخربوا عامراً ولا تذبحوا بعيراً ولا بقرة إلا لمأكلة ولا تغرقوا نحلاً ولا تحرقوه".
ثالثاً- أصول وقواعد قرآنية وبعض الأحكام الشرعية في القانون الدولي الإنساني.
تلك الأحكام طبقها المسلمون منذ فجر الإسلام قبل أربعة عشر قرناً؛ لأنها حكم الله الذي لا يجوز التفلت منه، بينما القانون الدولي الإنساني لم يمض عليه قرن واحد، وتطبيقه لم يتم بالصورة المُرضية، فارتكبت الفظائع رغم وجوده!، وما زال بعض من انتهكه طليقاً لم يحاكم!، كما أن القانون فيه بعض الثغرات في شروط تجريم مخالفيه، بينما أحكام الشريعة الإسلامية يطبقها كل مسلم؛ لأنه يعتقد صادقاً بأن الله تعالى يراقبه، وهو الذي سيجازيه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وعلى كل حال فمجمل القانون الإنساني الدولي لا يخرج عن نطاق الأحكام الشرعية كما ذكرت، ولا مانع من الموافقة عليه، ووجوده ضروري، والتقيد به ضروري في هذا الزمن الذي تطورت فيه أسلحة القتال، وينبغي أن يكون نهجنا العسكري قول القائل: "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب".
رابعاً-المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية:
إن الإسلام جاء دعوة ربانية لخير البشرية في كل مناحي الحياة سواء أكانت في وقت السلم أم وقت الحرب، لذا نرى ومن خلال النصوص الثابتة في القرآن والسنة، وما سار عليه الصحابة والسلف الصالح خصوصا في وقت الحروب والنزاعات المسلحة لهو دليل ساطع على قدسية حياة الإنسان وكرامته وفق المبادئ التي تحكم النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية.
وقد تناول الباحثان أهم القواعد التي يقوم عليها القانون الإنساني في الإسلام وهي:- (المساواة، العدل، التسامح، التعاون، حرية المعتقد، والمعاملة بالمثل)، مع التركيز على مصادر القانون الإنساني في الشريعة الإسلامية وهي: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهر، والاجتهاد.
خامساً: أوجه التشابه بين القانون الإنساني في الإسلام والقانون الدولي الإنساني:
لقد تبين للباحثين: أن القانون الإنساني في الإسلام قد كان سباقا، لاحترام إنسانية الإنسان وكرامته في زمن الحروب والنزاعات المسلحة، بل وإنه يسمو على كل القوانين الوضعية، حيث حافظ الإسلام على الحيوان والنبات والمقدسات، فكيف بالإنسان في السلم والحرب؟!، وفيما يتعلق بالتشابه بين القانون الإنساني في الإسلام والقانون الدولي الإنساني، تناول الباحثان العناصر التالية: (أسرى الحرب، أفراد القوات المسلحة الجرحى أو المرضى في الحرب البرية أو البحرية، القتلى والمفقودين، والسكان المدنيين).
سادساً: متى تحترم حقوق الفلسطينيين؟ ومبادئ القانون الدولي الإنساني من قبل إسرائيل؟
لقد تعرض الشعب الفلسطيني منذ نكبته عام (1948م)، إلى صنوف متنوعة من: التهجير، والطرد، والقتل، والتدمير، والسجن، وانتهاك حقوق الإنسان بأبشع الصور التي استصرخت ضمير الإنسانية؛ مما جعلها تنادي بضرورة التصدي إلى الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني بكل الوسائل القانونية المتاحة، وفق ما نصت عليه الاتفاقيات والمعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق عرض الباحثان عينة من الانتهاكات الإسرائيلية التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني، والتي تمثل انتهاكاً لكل المواثيق والأعراف الدولية مثل:-
- قضية شهيد فلسطيني من أراضي ال(48) في مجلس حقوق الإنسان.
- إسرائيل تتجاوز حقوق الأسرى الفلسطينيين في سجونها.
- الأسير عبد الحكيم موسى يدخل عامه ال(18) في السجون:
- نكبة فلسطين، بل نكبات تتوالى دونما انقطاع.. والحل واحد.
وخلاصة القول:
مهما كانت تشريعات وقوانين القانون الإنساني في الإسلام أو القانون الدولي الإنساني، فإن من نافلة القول: التأكيد على ضرورة وجود ضمانات ملزمة لكل الأطراف على المستوى العالمي لاحترام حقوق الإنسان في زمن السلم والحرب، بل وضمانات لمحاسبة كل المجرمين الذين ينتهكون إنسانية الإنسان وكرامته وحقوقه المشروعة دون رادع أو وازع من ضمير، وعلى وجه الخصوص محاسبة من ارتكبوا الجرائم بحق الشعب الفلسطيني ولا زالوا، والاقتصاص منهم.
وفي ضوء نتائج هذا البحث؛ يقدم الباحثان مجموعة من التوصيات والمقترحات التالية:-
توصيات البحث:
نشر وتعزيز قواعد القانون الدولي الإنساني في أرجاء المعمورة.
نشر وتعزيز تشريعات القانون الإنساني في الإسلام عالمياً.
توفير ضمانات لتطبيق قواعد القانون في زمن السلم والحرب.
تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وحمايتها والدفاع عنها.
الانتصار لإنصاف المظلومين في العالم، ومعاقبة مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية.
العمل على تشكيل جماعات الضغط لمواجهة التحديات المعاصرة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في زمن السلم والحرب.
تعرية مجرمي الحروب، ومرتكبي الجرائم بحق الإنسانية والتشهير بهم، وملاحقتهم عالمياً.
مقترحات البحث:
وفي ضوء نتائج هذا البحث وتوصياته يقترح الباحثان إجراء الأبحاث والدراسات التالية:
رؤى مستقبلية في تطبق قواعد القانون الدولي الإنساني.
رؤى مستقبلية في تطبيق تشريعات القانون الإنساني في الإسلام.
دراسة مقارنة بين القانون الإنساني في الإسلام والقانون الدولي الإنساني في ظل التحديات المعاصرة.
دراسة تحليلية للقانون الدولي الإنساني في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية.
دراسة إحصائية لمرتكبي جرائم الحرب ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية في العالم.
دور مؤسسات حقوق الإنسان الدولية في تحقيق العدالة، وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.
دور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق العدالة، وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.
دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تحقيق العدالة، وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.
الآفاق المستقبلية لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني.
نماذج لانتصار العدالة في إنصاف ضحايا انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
المراجع
الدسوقي، محمد (2008): نحو رؤية إسلامية في القانون الدولي الإنساني، القاهرة، مصر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر.
أبو الخير، السيد مصطفى أحمد (2010). نظرية الحرب في الإسلام والقانون الدولي الوضعي (دراسة مقارنة)، تاريخ الاطلاع الجمعة 22-5-2015م.
http://www.assakina.com/studies/4757.html
الطبال، لينا (2006). الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، صحيفة دنيا الوطن الإلكترونية، تاريخ النشر 30/11/2006، تاريخ الاطلاع الجمعة 22-5-2015م.
http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2006/11/30/64970.html
الزمالي، عامر (2004). الإسلام والقانون الدولي الإنساني: حول بعض مبادئ سير العمليات الحربية، تاريخ الاطلاع الجمعة 22-5-2015م.
https://www.icrc.org/ara/resources/documents/article/other/5zyg8q-islam-ihl.htm
عتلم، شريف (2011). محاضرات في القانون الدولي الإنساني، ط9، القاهرة، جمهورية مصر العربية، بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة.
قصاص، عبد الرحمن بن جميل (2006). الإعجاز القرآني في القانون الدولي الإنساني، بحث منشور في أبحاث المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، الكويت.
جابر، سعدون عبد المير (2012). القانون الدولي الإنساني ومراحل تطوره، مجلة الحوار المتمدن، العدد (3596).
صحيفة فلسطين (2015). "الأسير عبد الحكيم موسى يدخل عامه ال18 في السجون"، السبت، 23/أيار/ص: 7.
صالح، باهر (2015). "نكبة فلسطين، بل نكبات تتوالى دونما انقطاع... والحل واحد"، جريدة الراية، سياسية، أسبوعية، تصدر عن حزب التحرير، العدد (26)، الأربعاء 20/ مايو، ص: 1.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق