الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 20 أغسطس 2026

حقوق الأسرى المعنوية في الشريعة الإسلامية "مقارنة بالقانون الدولي" د/ زياد إبراهيم مقداد ا/ مها باسم الشنطي

حقوق الأسرى المعنوية في الشريعة الإسلامية

"مقارنة بالقانون الدولي"

إعداد:

الدكتور/ زياد إبراهيم مقداد.

ا/ مها باسم الشنطي

ملخص البحث

يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على الحقوق المعنوية للأسرى في الشريعة الإسلامية السمحاء مقارنة بالقانون الدولي وهذا البحث له من الأهمية البالغة في واقعنا المعاصر الذي يواجه فيه الإسلام حملة شعواء يقصد منها تشويه الإسلام وقيمه وإثارة الشبهات حول عدالته ورقي أحكامه وجمالها من كل جوانبه ومنها جانب التعامل مع الأسرى ليأتي هذا البحث ليظهر مدى اهتمام الإسلام بالأسرى وضمان حقوقهم الإنسانية ومدى احترامه لإنسانيتهم في وقت أصبح معتادا فيه إذلال الأسرى وانتهاك حقوقهم وامتهان حرياتهم التي كرم الله بها الإنسان.


وقد خصصنا الحديث في هذا البحث عن الحقوق المعنوية للأسرى تأكيدا على أن الإسلام لا تتوقف معاملته للأسرى على ضمان حقوقهم المعنوية بل تراعي الحقوق المعنوية التي غفلت عنها كثير من النظم والتشريعات القانونية في عصرنا، وقد قمنا بتقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث على النحو التالي:


المبحث الأول: التعريف بالأسرى وحقوقهم عموما.


المبحث الثاني: الحقوق المعنوية للأسرى في الإسلام.


المبحث الثالث: حقوق الأسرى المعنوية في القانون الدولي ومقارنتها بالحقوق المعنوية في الإسلام ثم الخاتمة وأهم نتائج البحث



Research Summary


This research provider International Conference to be held by the College of Sharia law and Islamic University of Gaza "International humanitarian law in the light of Islamic law and Contemporary Challenges"


Entitled to: "Moral prisoners in the Islamic Sharia rights compared to international law."


This research aims to shed light on the moral rights of prisoners in the Islamic Shari'a, compared to international law and this research has crucial in contemporary reality in which Islam faces a relentless campaign intended to discredit Islam and its values and raise suspicions about the fairness and promoted its provisions and beauty in all its aspects, including the side deal with the prisoners to come to this research shows the interest of Islam prisoners and ensure their human rights and the respect for their humanity in time become familiar with the humiliation of the prisoners and the violation of their rights and freedoms which abuse the generosity of God by the human.


Modern We have been dedicated in this search for moral rights of prisoners of confirmation that Islam treated does not stop the prisoners to ensure their moral rights but also take into account the moral rights which overlooked by many legal systems and legislation of our time, and we have to divide into three sections as follows:• Section I: Definition of prisoners and their rights generally.• The second topic: moral rights of prisoners in Islam.• The third topic: the moral of prisoners in international law and the rights of comparable moral rights in IslamConclusion and then the most important search resultsPreparationDr.


المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، ولم يترك شيئا مما أمر به إلا بلغه، فتح الله به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم من الجهالة، وبصرهم من العمى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم؟ فصل اللهم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واستثنى بسنته واهتدى بهداه، أما بعد:


فإن الإسلام منذ أن بعث الله به رسولنا الأمين محمد صلى الله عليه وسلم قد أرسى دعائم الحق والعدل والرحمة مع الناس جميعا، وفي كل الأحوال والظروف والأزمان، وأعطى كل ذي حق حقه بلا شطط أو انتقاص، وعلى الأخص (الضعفاء) من الناس: كالمرأة والرقيق والصغار وأمثالهم ومن أولئك الأسير الذي طالما وقع عليه الظلم وسوء المعاملة عند مختلف الأمم والشعوب وعلى مر الأجيال واختلاف المكان فجاء الإسلام بشريعة السماء؛ لينصفه ويكفل له حقوقه كما كفلها للناس جميعا.


وعندما أعلنت كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة عن المؤتمر الدولي: " القانون الدولي الإنساني في ضوء الشريعة الإسلامية " فقد عزمنا على كتابة بحث عن حقوق الأسرى في الشريعة الإسلامية مقارنة بالقانون الدولي وخصصنا منها الحقوق المعنوية، وسميناه: " حقوق الأسرى المعنوية في الشريعة الإسلامية مقارنة بالقانون الدولي " وذلك ضمن المحور الثالث من محاور المؤتمر المسمى ب:


"حقوق الضحايا ووسائل حمايتهم في النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني وقد حاولنا في هذا البحث: بيان الحقوق المعنوية للأسرى في كل من الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني على سبيل المقارنة ومن باب التأكيد على عالمية الشريعة وسبقها في ضمان حقوق الضحايا والضعفاء ومنهم الأسرى بشكل يحاول القانونيون أن يصلوا إليه ويطبقوه في هذا العصر.


وقد قمنا بتقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث وذلك على النحو التالي:


المبحث الأول: التعريف بالحق والأسير في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي


المبحث الثاني: حقوق الأسرى المعنوية في الشريعة الإسلامية


المبحث الثالث: حقوق الأسرى المعنوية في القانون الدولي الإنساني


المبحث الأول

التعريف بالحق والأسير في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي

وفيه ثلاثة مطالب:


المطلب الأول: التعريف بالحق


المطلب الثاني: التعريف بالأسرى


المطلب الثالث: مشروعية الأسر


المطلب الأول

تعريف الحق

أولا: تعريف الحق لغة


الحق لغة خلاف الباطل، وهو مصدر حق الشيء يحق؛ إذا وجب وثبت، ومنه قوله تعالى: "ليحق الحق ويبطل الباطل" ([1]) أي يثبت ويظهر.


والحق من أسماء الله تعالى ومن صفاته، ويطلق على: القرآن والأمر المقضي والعدل والإسلام والمال والملك والموجود الثابت والصدق والموت والحزم وواحد الحقوق. ([2])


ثانيا: تعريف الحق اصطلاحا:


تعددت تعريفات الحق عند الفقهاء والقانونيين وهذا بيان لتعريفاتهم بشيء من الإيجاز:


1-تعريف الحق عند الفقهاء المسلمين:


أما تعريفات الحق عند الفقهاء القدامى فتدور حول المعنى اللغوي ومنها:


عرفه ابن نجيم والعيني بان الحق " ما يستحقه الرجل ". ([3])

ويرد على هذا التعريف بأنه يكتنفه الغموض؟ لأن لفظ (ما) عام يشمل المنافع والأعيان والحقوق المحددة، كما أنه مبهم غير واضح. ([4])


عرفه الكرماني بأن الحق: " حقيقة هو الله تعالى بجميع صفاته؟ لأنه الموجود حقيقة بمعنى لم يسبق بعدم ولم يلحقه عدم، وإطلاق الحق على غيره مجاز". ([5])

ج- عرفه القرافي بأن الحق هو: "حق الله أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه" ([6]).


وأما تعريفات الحق عند الفقهاء المعاصرين فمنها:


عرفه محمد موسى بأنه: "مصلحة ثابتة للفرد أو للمجتمع أو لهما معا، يقررها الشارع الحكيم ". ([7])

وأول ما يؤخذ على هذا التعريف أنه عرف الحق بغايته، فالحق بذاته ليس مصلحة، بل هو وسيلة إلى المصلحة، وتعريف الحق بالمصلحة خطأ شائع لدى كثير من العلماء، وكأنهم نظروا إلى ما يبتغى بالحق من مصلحة، فعرفوه بها. ([8])


عرفه الشيخ علي الخفيف بأنه: "ما ثبت بإقرار الشرع وأضفى عليه حمايته ". ([9]) وهذا التعريف لم يذكر فيه موضوع الحق وهو ما يقتضيه من سلطة على شيء أو تكليف عليه.

عرفه الأستاذ مصطفى الزرقا بأنه: "اختصاص يقر به الشرع سلطة أو تكليفا". ([10])

وهذا التعريف ذكر فيه موضوع الحق ولكنه لم يبينه فهو لم يوضح لمن تكون السلطة والتكليف وعلى من تكونان!!


عرفه الدريني بأنه: "اختصاص يقرر به الشرع سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقا لمصلحة معينة ". ([11])

ولعل هذا التعريف هو أفضل التعريفات التي ذكرها الفقهاء؛ لكونه تعريفا جامعا مانعا وهو المختار والذي أرجحه وذلك لعدة أسباب أهمها:


لأنه يميز بين الحق وغايته، فالحق ليس هو المصلحة بل هو وسيلة إليها.

تعريف جامع يشمل حقوق الله تعالى، وحقوق الأشخاص الطبيعية والاعتبارية وغيرها من الحقوق.

يبين مدى استعمال الحق بما ألقي عليه من قيد (تحقيقا لمصلحة معينة) فكل حق في الشرع ممنوح؟ لتحقيق غاية معينة وتظل حماية الشرع لهذا الحق مادام صاحبه متجها إلى تحقيق تلك الغاية.

يشمل التعريف حقوق الأسرة وحقوق المجتمع وغيرها من الحقوق التي لا ترجع فيها المصلحة إلى صاحب الحق ولا إلى مباشره بل إلى الغير، غير أن الشريعة أسمتها حقا. ([12])

شرح التعريف:

الاختصاص: هو الانفراد والاستئثار، وهو جنس في التعريف يشمل جميع الحقوق المعنوية والحقيقية، وهو قيد خرج به الإباحات والحقوق العامة إذ لا اختصاص فيها.


يقرر به الشارع: قيد يخرج به الاختصاص الواقعي دون الشرعي: كالغاصب والسارق، فاختصاص الغاصب بالمغصوب حالة واقعية لاشرعية، أي لا يقر بها الشارع سلطة الغاصب على المغصوب بل يوجب عليه رد ما غصب، وكذلك السارق، فلا بد من الإذن بإقرار الشرع للعلاقة الاختصاصية؟ حتى تكتسب صفة المشروعية.


سلطة: والسلطة قرين لا ينفك عن الاختصاص إذ لا معنى يتحقق للاختصاص إلا بتلك السلطة على ما اختص به كحق الملكية.


أو اقتضاء أداء: أي ما يلزم فعله على جهة الإيجاب كقيام الأجير بعمله، أو ما يلزم فعله على جهة السلب: كالامتناع عن الانتفاع بالمرهون.


تحقيقا لمصلحة معينة: قيد أخرج ما ليس فيه مصلحة، كأن يستخدم ذلك الحق للإضرار بالغير، أو لتحقيق أغراض غير مشروعة كتحليل الربا عن طريق بيع العينة ([13])، أو ما كان فيه غش وخرم لقواعد الشريعة كالاحتكار ([14]).([15])


2-تعريف الحق عند فقهاء القانون:


لم يجمع فقهاء القانون على وضع تعريف موحد للحق، بل تعددت آراؤهم واختلفت؛ بحسب وجهة نظر كل منهم للحق، وبحسب الناحية التي كان ينظر بها إلى الحق، وذلك على عدة مذاهب هي:


المذهب الأول: نظرية الإرادة (المذهب الشخصي):


ينظر هذا المذهب إلى الحق من منظور شخصي (بالنظر إلى صاحب الحق) فيعرف الحق بأنه:


"قدرة أو سلطة إرادية تثبت للشخص يستمدها من القانون"


المذهب الثاني: نظرية المصلحة (المذهب الموضوعي)


ينظر هذا المذهب إلى الحق من خلال موضوعه أو غرضه فعرفه بأنه: مصلحة أدبية أو مادية يحميها القانون لذاتها. ([16])


المذهب الثالث: نظرية الجمع بين الإرادة والمصلحة (المذهب المختلط )

عرفوا الحق بأنه: سلطة إرادية يعترف بها النظام القانوني ويحميها. ([17])


المذهب الرابع : النظرية الحديثة  (الاستئثار والتسلط)

نتيجة للانتقادات الموجهة للنظريات السابقة؛ ظهرت النظرية الحديثة في تعريف الحق، ويعرف أصحاب هذا المذهب الحق بأنه: استئثار شخص بقيمة معينة يكفل القانون حمايته بما يقرره من تسلط واقتضاء، بغرض تحقيق مصلحة يعتبرها المجتمع جديرة بالحماية. ([18])


وإن هذا المذهب هو الذي أرجحه لأسباب أوجزها بالتالي:


أنه لم يجعل الحق مرتبطا بإرادة صاحب الحق كما في المذهب الأول، فالحق ثابت لصاحبه؛ مادام الحق حقا له، حتى لو انعدمت إرادته.

هذا التعريف جامع لكل عناصر الحق، فبين فيه جوهر الحق الاختصاص، وثمرته وغايته وهي تحقيق المصلحة، وكذلك أوضح موضوعه ومحله وهو ما يقتضيه من سلطة أو اقتضاء.

بعد عرض تعريف الحق لدى الفقهاء المسلمين والفقهاء القانونيين تتبين نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما:


أولا: اتفق معنى "الحق" في الشريعة والقانون في أمرين:


يقف حق الشخص "سواء أكان طبيعيا أم اعتباريا" حين تتعارض غاية منحه هذا الحق مع غاية منح حق آخر لشخصي آخر.

حماية صاحب الحق من الآخرين، وبقاء تلك الحماية؛ ما دام صاحب الحق يتجه إلى الغاية التي منح الحق لأجلها. ([19])

ثانيا: اختلف معنى "الحق" في الشريعة والقانون في ثلاثة أمور:


نظرة الإسلام للحق مبنية على أنه واجب على الغير، بينما نظرة القانون له على أنه حق مستحق لمباشره.

مبنى الإسلام في نظرته للحقوق هو مصلحة الجماعة، بينما مبنى نظرة القانون هو مصلحة الفرد.

يشمل تعريف "الحق" في الإسلام من قد لا يناله فائدة من ذلك كحقوق الله تعالى، بينما "الحق" في القانون مرتبط بمستفيد. ([20])

المطلب الثاني

تعريف الأسرى

أولا: تعريف الأسري لغة:


الأسرى من الفعل أسره يأسره أسراً وإسارة شده بالإسار، والإسار ما شد به والجمع أسر.


والإسار: القيد ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدونه بالقد ([21])، فسمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يشد به، فالأسير يقال عنه: هو أخيذ في يد العدو ويقال هو أسير فتنة وأخيذ محنة فيقال: أسره الرجل أسرا وإسارا فهو أسير ومأسور والجمع أسرى وأسارى. ([22])


ثانيا: تعريف الأسرى في الفقه الإسلامي:


عرف الفقهاء المسلمون الأسرى بأنهم: "الرجال المقاتلون من الكفار إذا وقعوا في قبضة المسلمين أحياء " ([23])


وهو تعريف أغلبي لاختصاصه بأسرى الحربيين عند القتال؛ لأنه بتتبع استعمالات الفقهاء لهذا اللفظ يتبين أنهم يطلقونه على كل من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها أو من غير حرب فعليه؛ مادام العداء قائما والحرب محكمة. ([24])


ومن ذلك قول ابن تيمية: "أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم، بل إذا أسر الرجل منهم في القتال أو غير القتال مثل: أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة فإنه يفعل به الإمام الأصلح من: قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس". ([25])


ويطلق مصطلح الأسرى على المسلمين الذين وقعوا في قبضة العدو، فقد قال عمر بن الخطاب "رضي الله عنه ": (فكاك كل أسير من أسرى المسلمين من بيت المال...) ([26])


وعقد البخاري بابا في صحيحه بعنوان: "فكاك الأسير"([27])


ثالثا: تعريف الأسير في القانون الدولي:


تعددت تعريفات فقهاء القانون للأسرى لكنها في أغلبها في نفس المعنى والسياق فمن هذه التعريفات:


تعريف الدكتور عمر سعدالله بأن أسرى الحرب هم: "الأشخاص الذين يتم إلقاء القبض عليهم مؤقتا من طرف العدو في نزاع مسلح ليس لجريمة ارتكبوها؛ وإنما لأسباب عسكرية". ([28])


فهذا التعريف يضمن للعسكريين من رعايا الدولة المحاربة وللأفراد المدنيين الذين يكتسبون هذه الصفة من القانون الدولي، إذا وقعوا في قبضة الخصم هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجعل الأسر مجرد إجراء مؤقت إلى أن يعادوا إلى أوطانهم. ([29])


المطلب الثالث

مشروعية الأسر

الأسر: مشروع في الإسلام، ويدل على مشروعيته النصوص الصريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية وبيانها كالتالي:


أولا: مشروعية الأسر في القرآن الكريم:


لقد ورد ذكر الأسرى في عدة مواضع من القرآن الكريم، ومن هذه الآيات:


1-قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 67)


وجه الدلالة: أي ما كان للنبي أن يكون له أسرى حتى يكثر القتل ويبالغ فيه وبقهرهم غلبة وقسرا حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله. ([30])


ففي هذه الآية الكريمة بين الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن اتخاذ الأسرى في الحرب لا يكون إلا بعد المبالغة في قتل الكفار، فدل دلالة صريحة على مشروعية الأسر.


2-قال تعالى في محكم تنزيله: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد: 4)


وجه الدلالة: أمر الله سبحانه وتعالى بجهاد الكفار والمراد بالذين كفروا: المشركين ومن لم يكن صاحب عهد من أهل الكتاب، حتى إذا بالغتم في قتلهم وأكثرتم القتل فيهم، فأسروهم وأحيطوهم بالوثاق فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منا أو تفدوهم فداء. ([31])


3-قال جل جلاله: وأنزل الذين (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) (الأحزاب: 26)


وجه الدلالة: هذه الآية واضحة الدلالة أيما وضوح على مشروعية الأسر بعد إثخان القتل في الكافرين.


ويتبين وجه الدلالة فيها بذكر سبب نزولها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح فاغتسل فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: وضعت السلاح والله ما وضعناه اخرج إليهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة، فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية والنساء وتقسم. ([32])


ثانيا: مشروعية الأسر في السنة النبوية:


تعددت نصوص الأحاديث التي دلت على اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم أسرى في معاركه مع الأعداء من أجل إعلاء كلمة التوحيد وكف شرور المشركين عن المسلمين، وليس من قبيل الانتقام والتشفي من أعدائه، ويتجلى سمته النبوي الراقي واضحا في معاملته لهم بالإحسان وإيصاء أصحابه بذلك، ومن هذه الأحاديث:


1-قوله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتني لتركتهم له) ([33])


وجه الدلالة: أي لو كلمني المطعم في هؤلاء النتنى (لما هم عليه من الشرك) وطلب مني تركهم بغير فداء لفعلت ذلك؛ مكافأة له على يد كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه عليه السلام لما رجع من الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي إلى مكة، وقيل: إن اليد التي كانت له أنه أعظم من سعى في نقض الصحيفة التي كانت كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم ومن معهم من المسلمين حيث حاصروهم في الشعب.


وفيه دليل على جواز ترك أخذ الفداء من الأسير والسماحة به؛ لشفاعة رجل عظيم ([34]).


2-عن عمران بن حصين "رضي الله عنه": (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل مشرك) ([35])


وجه الدلالة: في هذا الحديث دليل على جواز مفاداة المسلم الأسير بأسير من المشركين. ([36])


فلا يكون فداء الأسرى المسلمين بالأسرى المشركين إلا بعد أن يتم أسرهم وإحكام وثاقهم، وعليه فإن الأسر مشروع.


الحكمة من مشروعية الأسر:


كسر شوكة العدو وإبعاد الأسير عن ساحة القتال؛ لمنع أذاه عن المسلمين ([37])

استنقاذ أسرى المسلمين وذلك عن طريق مفاداتهم بالأسرى الكفار الذين يقعون في أيدينا وقد نص غالب الفقهاء على ذلك ([38])

في أسر الكفار واندماجهم في وسط المجتمع المسلم ورؤيتهم كيفية تعامل المسلمين وسماحة هذا الدين ورحمته والرفق فيه، فكل ذلك قد يكون مباشرا في التأثير عليهم فيدخلون الإسلام؛ بسبب ترجمة المسلمين تعاليمه واقعا عمليا في حياتهم، وخير دليل على هذا قصة ثمامة بن أثال:

فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتى كان الغد ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قالت: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه. حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نجل ([39]) قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلى والله ما كان من دين أبغض إلى من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلى والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلى وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت ([40])؟ قال لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم ([41])


المبحث الثاني:

حقوق الأسرى المعنوية في الشريعة الإسلامية

المقدمة:

كان الناس قبل الإسلام يعيشون في ضلالة وجهالة مستفحلة، كان لها الأثر البارز في التأثير على معاملاتهم فيما بينهم؛ فكانت الحروب مستمرة؛ وحمية الجاهلية بشرارة تلتهب وتستعر؛ فكان القتل وسفك الدماء كالماء يجري في الوديان، وكنتيجة لتلك الحروب كان وقوع أسرى في يد كل من الأطراف المتحاربة، فتتخذ بحق أولئك الأسرى أعتى وسائل التعذيب وامتهان كرامتهم وانتهاك حقوقهم أو قتلهم بأبشع الطرق.


فجاء الإسلام بنوره وهدايته وحكم في تلك الفئة بعدل وإنصاف لا متناهيين، وأقر لهم الحقوق وجعلها واجبا لازما على آسريهم.


وتنقسم تلك الحقوق إلى قسمين: حقوق مادية وحقوق معنوية.


وتتمثل الحقوق المادية للأسير بحقه في الطعام والكساء والمأوى المناسب وحقه في الرعاية الصحية.


ومجموع تلك الحقوق المادية تمثل الحق المعنوي الأول لأولئك الأسرى، فتوفير هذه الحقوق وحمايتها لها بعد معنوي على ذات الأسير وأهله.


أما الحقوق المعنوية فهي مدار بحثنا وسنتعرض لها بشيء من التفصيل والتوضيح والبيان.


أولا: حق الأسير في المعاملة الحسنة:

إن بناء شريعتنا الإسلامية المحكمة قواعده تقوم أركانه وأسسه على أصل الإحسان في جميع جوانب الحياة، ويشمل ذلك الإحسان الحالة الاستثنائية في الإسلام وهي الحرب وتوابعها، فجاء الثناء من رب العالمين على عباده المؤمنين، الذين يطعمون الأسرى ويحسنون صنيعا معهم؛ لأجل خوفهم من ربنا "جل جلاله "؛ ولابتغائهم الثواب على ذلك، فجاءت الآية بنص صريح الدلالة على ذلك.


قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: 8)


ثم يوصي حبيبنا صلى الله عليه وسلم صحابته "رضوان الله عليهم " في أسارى بدر بوصيته الخالدة إلى زماننا هذا بأن: (استوصوا بالأسارى خيرا) ([42])


وقد بين الإمام محمد أبو زهرة "رحمه الله" سر هذه الوصية بقوله: (إنهم كانوا يؤسرون ونيران الحرب ملتهبة، وربما كان من بعضهم من قتل، فيكون الاعتداء عليه غليظا، لشفاء الغيظ وحب الانتقام... فالإسلام حث على إكرام الأسير؛ منعا لتلك الروح الانتقامية الغليظة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بأسرى بدر وكأنهم في ضيافة وليسوا في أسر حتى إن بعض الذين نزل أولئك في ديارهم كانوا يؤثرونهم بالطعام على أولادهم والمسلمون حينئذ يكونون في جهادين:


أولهما: جهاد السيف ونيران الحرب قائمة.


وثانيهما: ضبط النفس، وهذا بعد انتهاء الحرب كي لا تسترسل في الغيظ فيقع منها بالمغلوبين وخصوصا الأسرى ما لا يرضاه العليم الخبير ولا النبي الكريم ولا الدين القويم) ([43])


وإلى زمن ليس ببعيد كانت الحروب سجالا بين المسلمين والتتار فوقع الكثير من أسرى المسلمين وأهل الذمة بأيديهم.


فتدخل شيخ الإسلام ابن تيمية "رحمه الله " في فك الأسرى، فأجابه الوالي إلى فك أسرى المسلمين فقط، فأبى شيخ الإسلام ذلك، وقال: "لا بد من افتكاك الجميع، من أهل ديننا وأهل ذمتنا، ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة "، وهكذا تعامل حضارتنا الأسرى من المسلمين وغيرهم. ([44])


وبناء على ما سبق؛ فقد أوجبت الشريعة الإسلامية معاملة الأسرى بالحسنى، وأمرت بالرفق بهم، بل حرمت إهانتهم وإذلالهم وامتهان كرامتهم. ([45])


وإن الإحسان للأسير لا يعود بالأثر الإيجابي على الأسير فحسب بل يتعداه إلى أهله وقبيلته والوسط الذي يعيش فيه.


فغزوة المريسيع (بني المصطلق) لهي من تلك الغزوات المباركة التي جنت ثمارها، وآتت أكلها الطيب وذلك بأن تزوج النبي " صلى الله عليه وسلم " جويرية بنت الحارث (سيد قومه)، وكان الصحابة "رضوان الله عليهم " قد استرقوا باقي قبيلتها الذين وقعوا في الأسر، فعز في نفوسهم وكبر عليهم أن يسترقوا أصهار حبيبهم صلى الله عليه وسلم فاعتقوهم لوجه الله أحرارا، وتروي أمنا عائشة "رضي الله عنها" هذا الحدث قائلة: (وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين قالت عائشة " رضي الله عنها" فجاءت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مكانها وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرى منها مثل الذي رأيت فقالت يا رسول الله: أنا جويرية بنت الحارث وإنما كان من أمري ما لا يخفى عليك وإني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وإني كاتبت على نفسي فجئتك أسالك في كتابتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهل لك إلى ما هو خير منه؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: قد فعلت، قالت: فتسامع تعني الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من السبي فأعتقوهم وقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها أعتق في سببها مائة أهل بيت من بني المصطلق) ([46])


وأية بركة أعظم من إسلام قبيلة بأسرها؟! هي أخلاق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ترجمت واقعا عمليا ليصدق فعالهم قولهم على محبته وتكريمه صلى الله عليه وسلم.


ثانيا: عدم تعذيب الأسير:


إن هذا الحق مع أنه في الأصل مادي يتجسد بعدم تعذيب أجساد الأسرى والتنكيل بهم، إلا أنه يغلب أن يكون حقا معنويا لمردوده وبعده النفسي الكبير على الأسير.


فلم يرد دليل يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته وتابعيهم ومن اقتفى أثرهم قد قاموا بتعذيب أسراهم تشفيا منهم لعداوتهم ولبغضهم الشديد، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرب الأسير الذي قبض عليه قبل غزوة بدر الكبرى، وقد أورد ابن الأثير تلك الواقعة في كتابه الكامل قائلا:


لما كان صلى الله عليه وسلم قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين يتجسسان الأخبار عن أبي سفيان، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك الصفراء يسارا، وعاد إليه بسبس بن عمرو يخبره أن العير قد قاربت بدرا، ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين علم بمسير قريش لمنع عيرهم، وكان قد بعث عليا والزبير وسعدا يلتمسون له الخبر ببدر، فأصابوا راوية لقريش فيهم أسلم، غلام بني الجحجاح، وأبو يسار، غلام بني العاص. فأتوا بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي، فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما وضربوهما ليخبروهما عن أبي سفيان. فقالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، إنهما لقريش، أخبراني أين قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. ([47])


وقد قيل للإمام مالك "رحمه الله ": (أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟ قال: ما سمعت بذلك) ([48]).


وبذلك يتبين أن الإسلام دين رحمة للعالمين جميعا، فلم يستغل لحظة ضعف ذلك الأسير بالانتقام والتشفي منه بل وجب الإحسان إليهم والرفق فيهم مع أنهم كانوا قبل لحظات أعداء مقاتلين إلا أن الإحسان لهم بعدم تعذيبهم والتلين معهم هو المأمور به، ليعلموا صورة الإسلام بأرقى أخلاقها وسمو شريعتها عن باقي شرائع الكفر والغي والضلال.


ثالثا: حق الأسير في ممارسة شعائره الدينية:


من الحقوق التي أقرها الإسلام للأسير حقه في ممارسة شعائره الدينية خلال مدة أسره، ولا يجبر الأسير على اعتناق الإسلام، ولم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجبر أسيرا على اعتناق الإسلام، بل إن بعض الأسرى لما رأوا تلك المعاملة من رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعهم ذلك إلى اعتناق الإسلام، وكان بعد إطلاق سراحهم. ([49])


وخير ما يستدل به على ثبوتية هذا الحق في الشريعة الإسلامية:


حديث ثمامة بن أثال حيث لم يجبر النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة على اعتناق الإسلام، بل دعاه إليه؛ ليدخله عن طواعية ورضا كامل به، فأبى ثمامة ذلك وظل على ملة الكفر، إلى أن من النبي صلى الله عليه وسلم عليه بدون فداء فأسلم وشرح الله قلبه لهذا الدين لما لاقاه من معاملة حسنة طيبة. ([50])


ويندرج تحت هذا الحق حق هداية ودعوة الأسير إلى دين الإسلام:


فبعد شد وثاق الأسرى والتمكن منهم وتحديد الإمام مصيرهم بالأسر، فله أن يعرض عليهم الإسلام فإن استجابوا ودخلوا به كان نعم الفعل والإسلام، وإن أبوا؛ فإنه يتركهم ولا يكرههم على الدخول به، قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256)


وقال تعالى في محكم تنزيله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنفال: 70)


أي: (يأيها النبي قل لمن وقع في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا وحبا للدين وخلوص إيمان ونية يؤتكم في الدنيا والآخرة خيرا مما أخذ منكم من الفداء ويغفر لكم ما فرط منكم من الذنوب، والله تعالى عظيم الغفران والرحمة) ([51])


خامسا: حق الأسير في محادثته والرد عليه:


ومن معالم معاملة الإسلام للأسير أن يحدثه المسلمون، ويردوا على استفساراته في حدود سياسة الدولة، وأن يلبوا رغباته في حدود الشرع؛ لأن تركه وإهماله بعدم الرد عليه نوع من الإهانة وإهدار الكرامة التي نهى عنها الإسلام في معاملة الأسير، وحوارات النبي صلى الله عليه وسلم مع الأسرى معروفة ومشهورة ([52]).


ودليل ذلك ما حدث مع الأسير الذي أسر من بني عقيل:


فعن عمران بن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل وأصيبت معه العضباء ([53]) فأتي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق فقال: يا محمد يا محمد فقال: ما شأنك فقال: بم أخذتني بم أخذت سابقة الحاج إعظاما لذلك؟ فقال: أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف ثم أنصرف عنه فقال: يا محمد يا محمد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ثم أنصرف عنه، فناداه: يا محمد يا محمد فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال: إني جائع فأطعمني وظمآن فأسقني قال هذه حاجتك قال ففدي بالرجلين..) ([54])


فإن تلك المحادثة اللينة والكلام الطيب والأخذ والرد مع الأسير وتلبية ما يريده -في حدود الشرع طبعا-قد تؤدي بالأسير إلى الإسلام، وفيها خير كثير لا سيما من يرجى إسلامه من الأشراف، الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير، وهي دليل على ثبوت حق الأسير في محادثته والرد عليه.


سادسا: حق الأسير في الاتصال بذويه:


لا يمنع الإسلام الأسرى من الاتصال بأسرهم وأقاربهم للاطمئنان عليهم فذلك مما يتفق مع روح الإسلام وقيمه ومبادئه السامية القائمة على الرحمة والكرامة الإنسانية والفضيلة والأخوة الإنسانية وغيرها، ولكن يحق للدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة؛ للمحافظة على أمنها عند تبادل الرسائل والطرود بين الأسرى وذويهم كي لا يؤدي ذلك إلى إفشاء سر من أسرار الدولة الإسلامية أو إلى إلحاق الضرر بالمصلحة العامة. ([55])


وما يستدل به على ثبوت هذا الحق في الشريعة الإسلامية، ما ورد عن أم المؤمنين عائشة "رضي الله عنها قالت: (لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها. فقالوا: نعم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه) ([56])


وجه الدلالة: دل هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأبي العاص بالاتصال بزوجه زينب "رضي الله عنها" لإرسال الفداء له، فدل على حق الأسرى في الاتصال بذويهم ومحادثتهم وفق ما حدده لهم الآسرين وما يتناسق مع الشريعة الإسلامية.


سابعا: حق الأسير في الحفاظ على وحدة أسرته


فمن سماحة شريعتنا الإسلامية الغراء أنه إذا وقع في الأسر إخوة مجتمعون أو ولد وأمه أو أبوه أو غلام لم يدرك وعمته أو خالته صغيرة مثله أو كبيرة؛ فليس ينبغي أن يفرق بينهم؛ لأن كل واحد منهم يأنس بصاحبه ويألف معه، فإذا فرق بينهم فإن القلب يستوحش من الوحدة، خصوصا إن كان صغيرا، فإن قلبه لا يكاد يحتمل ذلك فيؤدي إلى هلاكه. ([57])


فقد قال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: (من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) ([58])


وجه الدلالة: "هذا الحديث ظاهر بتحريم التفريق بين الوالدة وولدها"([59])


وأنه من قام بالتفريق بين الأم وابنها عوقب في الآخرة، والعقاب لا يكون إلا في فعل شيء منهي عنه إما لحرمته وإما لكراهته.


المبحث الثالث:

حقوق الأسرى المعنوية في القانون الدولي الإنساني

المقدمة:

في أوائل القرن العشرين اشتدت الحروب وتوسعت بين الدول الكبرى في العالم، وكان لتلك الحروب من الويلات والمآسي ما يندى له الجبين؛ فظهرت الحاجة لدى تلك الدول؛ لإنشاء اتفاقيات دولية ومعاهدات عالمية تحد من شدة الحرب ووطأتها وما عليها من تبعات ونتائج، فكان من بين تلك الاتفاقيات اتفاقية جنيف المتعلقة بالأسرى ووسائل حمايتهم حين وقوعهم في أيدي آسريهم إلى حين الإفراج عنهم.


وموقف الإسلام من تلك الاتفاقيات بلا ريب أنه يؤيدها ويشجعها ويوافق عليها؛ لأنها تدعو إلى نشر الفضيلة كأساس أخلاقي في معاملات الدول بين بعضها في حال الحرب كما يدعو إلى الإحسان للأسير وجميل التعامل معه.


وخير ما أستشهد به على ذلك حضور النبي لحلف الفضول وتأييده له، "فعن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شهدت حلف المطيبين ([60]) مع عمومتي وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه" ([61])


والشاهد من هذا الحديث: أن كل حلف وميثاق يتلاءم مع روح الشريعة الإسلامية؛ فإن الإسلام يرحب به ويشجع على إقامته.


ولكن من المؤسف أن تلك الدول التي تنشئ تلك الاتفاقيات التي تنص على حقوق الأسرى وحمايتهم، هي نفسها التي تنتهك تلك العهود وترمي بها في مكب النفايات دون أي أدنى شعور بالمسؤولية تجاه أفعالها الواجب ملاحقتها عليها قانونيا ودوليا.


ومن ذلك ما تفعله الولايات المتحدة، من تدعي نفسها بالدولة العملاقة الحضارية، بالأسرى في سجن (غوانتانمو) من تعذيب وحرمان من كافة حقوقهم بل وأبسطها!!


لكن مع ذلك فإن القانون الدولي الإنساني قد اشتملت مواد اتفاقياته على الكثير من حقوق الأسرى عموما والمعنوية منها على وجه خاص، وهذا بيان لأهم الحقوق المعنوية التي أقرها القانون الدولي الإنساني وذلك من خلال إثبات نص المادة التي تدل على ذلك والتي هي مقصودنا في هذا المبحث.


أولا: حق الأسير في المعاملة الإنسانية:


كفل القانون الدولي الإنساني للأسير معاملة إنسانية حسنة في كل الأوقات بدءا من لحظة أسره ثم عند إجلائه وأن يحمى من كل أنواع الاعتداءات، فقد جاء في اتفاقية جنيف ما نصه أن:


(يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات، ويحظر أن تقترف الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال غير مشروع؛ يسبب موت أسير في عهدتها، ويعتبر انتهاكا جسيما لتلك الاتفاقية، وعلى الأخص لا يجوز تعريض أي أسير حرب للتشويه البدني أو التجارب الطبية أو العلمية من أي نوع كان مما لا تبرره المعالجة الطبية للأسير المعني أو لا يكون في مصلحته.


وبالمثل يجب حماية أسرى الحرب في جميع الأوقات وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد، وضد السباب وفضول الجماهير، وتحظر تدابير الاقتصاص من أسرى الحرب) ([62]).


وكذلك في وقت إجلائه فقد نصت الاتفاقية على أنه: "يجب أن يجري إجلاء أسرى الحرب دائما بكيفية إنسانية، وفي ظروف مماثلة للظروف التي توفر لقوات الدولة الحاجزة في تنقلاتها " ([63])


فهذه المواد القانونية من الواضح أنها تكفل للأسير معاملة إنسانية حسنة سواء أكانت في الجانب المعنوي أم الجانب المادي، مما يؤكد اهتمام القانون الدولي الإنساني بحقوق الأسير بنوعيها المادي والمعنوي.


ثانيا: معاملته في حالة صدور مخالفات منه معاملة القوات المسلحة للدولة الحاجزة:


من الحقوق التي كفلها القانون الدولي الإنساني للأسير: أن يعامل في حالة ارتكابه لمخالفة أو جريمة معاملة أفراد القوات المسلحة للدولة التي أسرته، فقد جاء في اتفاقيات جنيف: (يخضع أسرى الحرب للقوانين واللوائح والأوامر السارية في القوات المسلحة بالدولة الحاجزة، وللدولة الحاجزة أن تتخذ إجراءات قضائية أو تأديبية إزاء أي أسير حرب يقترف مخالفة لتلك القوانين أو اللوائح أو الأوامر، على أنه لا يسمح بأية ملاحقة قضائية أو عقوبة، إذا نص أي من قوانين أو لوائح أو أوامر الدولة الحاجزة على المعاقبة عن عمل ما إذا اقترفه أسير الحرب بينما لا يعاقب عليه إذا اقترفه أحد أفراد قواتها المسلحة، وجب ألا تترتب على مثل ذلك العمل إلا عقوبة تأديبية) ([64])


وأنه في حالة معاقبته على مخالفة ارتكبها فإنه لا يعاقب أكثر من مرة، فقد نصت المادة 86 من الاتفاقية على أنه (لا يعاقب أسير الحرب إلا مرة واحدة عن الذنب نفسه أو التهمة نفسها) ([65])


كما ضمنت مواد القانون للأسير منع تعريضه لأي نوع من أنواع التعذيب أجسمانيا كان أم معنويا؛ فقد نصت المادة 17 من اتفاقية جنيف على أنه: "لا يجوز ممارسة أي تعذيب بدني أو معنوي أو أي إكراه على أسرى الحرب "([66]) وفي ذلك نص صريح على ثبوت حق الأسير في عدم تعذيبه ولو معنويا.


ثالثا: حق الأسير في ممارسة نشاطاته الدينية والعقلية البدنية:


كما كفل القانون الدولي الإنساني للأسير الحق في أن يمارس شعائره الدينية، وأن توفر له الدولة الحاجزة أمكنة مناسبة لإقامة تلك الشعائر وما ذلك إلا تأكيدا لثبوت الحقوق المعنوية للأسير مع الحقوق المادية فقد نصت اتفاقية جنيف على أنه:


(تترك لأسرى الحرب حرية كاملة في ممارسة شعائرهم الدينية، بما في ذلك حضور الاجتماعات الدينية الخاصة بعقيدتهم؛ شريطة أن يراعوا التدابير النظامية المعتادة التي حددتها السلطات الحربية، وتعد أماكن مناسبة لإقامة الشعائر الدينية) ([67])


رابعا: حق الأسير في ممارسة نشاطاته الذهنية والتعليمية والرياضية:


وإضافة لحق الأسير في ممارسة شعائره الدينية فقد كفلت له القوانين ممارسة أنشطته الذهنية والتعليمية والرياضية حيث جاء في مواد اتفاقيات جنيف:


(تشجع الدولة الحاجزة الأسرى على ممارسة الأنشطة: الذهنية، والتعليمية، والترفيهية، والرياضية، وتتخذ التدابير الكفيلة بضمان ممارستها، بتوفير الأماكن الملائمة والأدوات اللازمة لهم.


وتوفر لأسرى الحرب فرص القيام بالتمارين الرياضية، بما في ذلك الألعاب والمسابقات والخروج إلى الهواء الطلق، وتخصص مساحات فضاء كافية لهذا الغرض في جميع المعسكرات. ([68])


خامسا: حق الأسير في الاتصال بذويه:


قد كفل القانون الدولي الإنساني للأسير أيضا الحق في أن يتواصل مع أهله وأقاربه بوسائل الاتصال المتاحة سواء أكانت عبر المراسلات أم المحادثات عبر الهاتف أم الجوال أم غيرها من الوسائل، حيث نصت مواد القانون الدولي الإنساني على أنه:


(يسمح لكل أسير حرب بمجرد وقوعه في الأسر أو خلال مدة لا تزيد على أسبوع واحد من تاريخ وصوله إلى المعسكر، حتى لو كان ذلك المعسكر انتقاليا، وكذلك في حالة مرض الأسير، أو نقله إلى مشفى، أو إلى معسكر آخر، بأن يرسل مباشرة إلى عائلته من جهة، وإلى الوكالة المركزية من جهة أخرى، بطاقة مماثلة بقدر الإمكان للنموذج الملحق بهذه الاتفاقية؛ لإبلاغها بوقوعه في الأسر وبعنوانه وحالته الصحية، وترسل هذه البطاقات بأسرع ما يمكن ولا يجوز تأخيرها بأي حال) ([69])


(ويسمح لأسرى الحرب بإرسال واستلام الرسائل والبطاقات، وإذا رأت الدولة الحاجزة ضرورة تحديد تلك المراسلات فإنه يتعين عليها السماح على الأقل بإرسال رسالتين وأربع بطاقات كل أشهر، وفي حالة فرض قيود على الرسائل التي ترسل إلى الأسرى، فإن ذلك القرار لا يصدر إلا من الدولة التي يتبعها الأسرى، بناء على طلب الدولة الحاجزة، وترسل تلك الرسائل والبطاقات بأسرع طريقة متاحة للدولة الحاجزة، ولا يجوز تأخيرها أو حجزها لدواع تأديبية) ([70])


سادسا: تبعية الأسير:


قد نصت اتفاقية جنيف الثالثة على أن: "يقع أسرى الحرب تحت سلطة الدولة المعادية، لا تحت سلطة الأفراد أو الوحدات العسكرية التي أسرتهم، وبخلاف المسؤوليات الفردية التي قد توجد، تكون الدولة الحاجزة مسؤولة عن المعاملة التي يلقاها الأسرى ([71])


والهدف من إلزام الدول المتحاربة بأن يكون أسرى الحرب تحت سلطة الدولة وليس الأشخاص الذين أسروهم يعود إلى أمرين:


أولا: أن الأفراد يجهلون حقوق الأسير في القانون الدولي فقد يقومون بأعمال تسيء إلى شخص الأسير أو يعاملونه معاملة سيئة


ثانيا: أن الدولة تتحمل المسؤولية الكاملة في الحفاظ على الأسير بينما لا يوجد التزام دولي يوجب على الأفراد الذين قاموا بأسرهم بأن يعاملوا الأسرى المعاملة المطلوبة، خاصة وأن الأفراد قد لا تتوافر لديهم الإمكانيات اللازمة لتوفير سكن وغذاء ومستلزمات صحية للأسير " ([72])


سابعا: حق الأسير في احترام شرفه وسمعته:


"لأسرى الحرب حق في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال، ويجب أن تعامل النساء الأسيرات بكل الاعتبار الواجب لجنسهن، كما ويجب على أي حال أن يلقين معاملة لا تقل ملاءمة عن المعاملة التي يلقاها الرجال"([73])


"فمن حق أسرى الحرب احترام شخصيتهم وشرفهم وأن يحتفظوا بأهليتهم المدنية التي كانوا يتمتعون بها قبل وقوعهم في الأسر"([74])


ثامنا: حقه في عرضه على محكمة عادلة:


(لا يجوز محاكمة أو إدانة أي أسير حرب لفعل لا يحظره صراحة قانون الدولة الحاجزة أو القانون الدولي الذي يكون ساريا في وقت اقتراف ذلك الفعل...، ولا يجوز إدانة أي أسير حرب بدون إعطائه فرصة الدفاع عن نفسه والحصول على محام أو مستشار مؤهل) ([75])


(تجري جميع التحقيقات القضائية المتعلقة بأسير الحرب بأسرع ما تسمح به الظروف، وبحيث يحاكم بأسرع ما يمكن، ولا يجوز إبقاء أسير الحرب محبوسا احتياطيا في انتظار المحاكمة إلا إذا كان يطبق على أفراد القوات المسلحة في الدولة الحاجزة إزاء المخالفات المماثلة، ولا تزيد مدة ذلك الحبس الاحتياطي على مدة ثلاثة أشهر) ([76])


وبعد استعراض حقوق الأسرى في كل من الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني يمكننا تسجيل أهم الفروق بين المنهجين وذلك كما يلي:


إن للإسلام قدم السبق في النص على تلك الحقوق وإقرارها، والتي كانت وفق تشريع محكم وثابت وواضح في فرض تلك الحقوق في وقت لم تعرف البشرية للضعفاء حقوقا ولا للحروب قانونا وكانت الشريعة السائدة هي شريعة الغاب لا تعرف حقا ولا عدلا ولا رحمة.

إن حقوق الأسرى في الشريعة الإسلامية تعد واجبا على المسلمين يتعبدون الله بها، بينما الحقوق التي يقررها القانون الدولي الإنساني ليس لها صفة الإلزام ولا القدسية ويترك للدول احترام تلك القوانين بشكل غير ملزم، ولذلك نجد أن كبرى الدول الموقعة على الاتفاقيات والقوانين المثبتة لتلك الحقوق هي نفسها الدول التي تنتهكها وتتحلل منها.

تميز الإسلام بالشمولية؛ فقد وضع مبادئ للإحسان للأسير، وتشمل كل صور الإحسان وتمنع كل صور الإساءة، بينما اهتم القانون الدولي بالتفاصيل، والتي يمكن التفاف الدول عليها إذ لم تكن صورة الحق مذكورة ومنصوص عليها.

وإن كل نصوص القانون الدولي لم تبلغ معشار رحمة نبينا صلى الله عليه وسلم بالأسرى وإحسانه إليهم، فوصيته الخالدة بقوله: "صلى الله عليه وسلم": (استوصوا بالأسارى خيرا)([77]) عمت وشملت كل إحسان للأسرى وأخرجت ما سواه من إيذاء وتعذيب لهم.


وعليه؟ فإن حقوق الأسير لم تظهر بصورة جلية وواضحة ولم تطبق القوانين بشكل دقيق إلا عند العرب المسلمين، حيث كان حق الأسير مضمونا وفقا لقانون السماء، أما في العالم غير الإسلامي فقد ظلت معاملة الأسير وأوضاعه معتمدة على العرف السائد والمستخلص مما جرت عليه عادة الدول في حروبها. ([78])


المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، المؤرخة في 12 / آب -أغسطس/1949 م: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، سويسرا، 1987 م.

آثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة، 1419 ه-1998 م

أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام الشيباني، عثمان جمعة ضميرية، دار المعالي، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 1419 ه-1999 م

أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى،1418ه.

الأحكام السلطانية، أبو الحسن علي بن بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، دار الحديث، القاهرة، بدون طبعة وتاريخ.

البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ابن نجيم الحنفي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1418 ه-1997 م.

البناية شرح الهداية، بدر الدين العيني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420 ه-2000 م.

تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420 ه-2000 م.

التاج والإكليل لمختصر خليل، محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1416 ه-1994 م.

التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، بدون دولة، الطبعة الأولى، 1393 ه-1973 م.

جامع البيان في تفسير القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (أبو جعفر الطبري)، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1420 ه-2000 م.

حقوق الأسير والتزاماته في القانون الدولي، مصلح حسن عبد العزيز، دار البداية، عمان، الأردن، الطبعة الأولي،1433ه-2012 م.

حقوق الإنسان والقانون الإنساني بين الشريعة والقانون، إسماعيل أحمد الأسطل، مطبعة شبير، غزة، الطبعة الأولى، 1425 ه-2014، 2015 م

الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل، علي بن نايف الشحود، بدون طبعة ولا دار نشر.

الحق بين اللغة والشرع والقانون، كمال المصري، نشر بتاريخ 29/7/2001م على موقع أون إسلام www.onislam. Com

الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404 ه-1937 م.

حماية أسرى الحرب في القانون الدولي الإنساني (رسالة ماجستير في القانون العام)، فاطمة بلعيش، جامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، الجزائر، 2007/2008 م.

الخلاصة في أحكام الأسرى، علي بن نايف الشحود، بدون دار نشر، الطبعة الثانية، 1433 ه -2012 م.

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1418 ه.

سبل السلام في شرح بلوغ المرام، الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1418 ه-1993 م.

سنن أبي داوود، أبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1427 ه-2007 م.

سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1407 ه.

شرح السير الكبير، محمد بن الحسن الشيباني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1417 ه-1997 م.

صحيح البخاري، أبو عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، مكتبة ألفا، الجيزة، مصر، الطبعة الأولى، 1429 ه-2008 م.

العلاقات الدولية في الإسلام، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، (بدون طبعة)، 1415 ه-1995 م.

الفروق، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي، عالم الكتب، بدون طبعة وتاريخ.

القاموس المحيط، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثامنة، 1426 ه -2005 م.

الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1415 ه

لسان العرب، جمال الدين أبي الفضل محمد بن مكرم ابن منظور الأنصاري الإفريقي المصري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1424 ه- 2003 م.

المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.

المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1420 ه-1999 م

المدخل إلى دراسة العلوم القانونية، أنور حمدان الشاعر، مكتبة الطالب، الجامعة الإسلامية بغزة، الطبعة الأولى، 1430 ه -2009 م.

المدخل للعلوم القانونية، محمد أحمد المعداوي، بدون طبعة ولا دار نشر.

المعجم الصغير، الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، بدون تاريخ.

المعجم الكبير، الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1415 ه -1994 م

المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى -أحمد الزيات -حامد عبد القادر-محمد النجار، دار الدعوة، (لا يوجد طبعة ولا تاريخ).

المغني، موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، هجر للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1413 ه-1992 م.

الملكية في الشريعة الإسلامية مع المقارنة بالشرائع الوضعية، على الخفيف، دار الفكر العربي، مدينة نصر، 1416 ه-1996 م.

المنجد في اللغة والأعلام، علي بن الحسن الهنائي، دار المشرق، بيروت، الطبعة السابعة والعشرون، بدون تاريخ.

موقع قصة الإسلام: www.islamstory. com

الموسوعة الفقهية الكويتية، مجموعة من العلماء، دار الصفوة، مصر، الطبعة الرابعة، 1414 ه-1993 م

هذا وبالله التوفيق


[1] سورة الأنفال، الآية 8.


[2] أحمد الحموي-المصباح المنير (ج1، ص143) / إبراهيم مصطفى وآخرون-المعجم الوسيط (ج1، ص188) / الفيروز آبادي-القاموس المحيط (ج1، ص875).


[3] ابن نجيم-البحر الرائق (ج6، ص226) / بدر الدين العيني-البناية شرح الهداية (ج8، ص301).


[4] الدريني-الحق ومدى سلطان الدولة (ص184).


[5] الكرماني-الكواكب الداري في شرح صحيح البخاري (ج6، ص183).


[6] القرافي-الفروق (ج1، ص256).


[7] محمد موسى-الفقه الإسلامي، ص211.


[8] الدريني-الحق ومدى سلطان الدولة، ص188.


[9] الخفيف-الملكية في الشريعة (ص6).


[10] المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي (ص19).


[11] الحق ومدى سلطان الدولة (ص193).


[12] نفس المرجع السابق-ص (7، 8).


[13] بيع العينة هي: "أن يظهر العاقدان فعل ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز كأن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها من المشتري قبل قبض الثمن بثمن نقداً أقل من ذلك القدر" الشوكاني-السيل الجرار (ج1، ص519) / الصنعاني-سبل السلام (ج3، ص852). بيع العينة هو:


[14] الاحتكار هو: "شِراء الشيء وحبسه ليقل بين الناس فيغلو سعره" الصنعاني-سبل السلام (ج3، ص825).


[15] الدريني- الحق ومدى سلطان الدولة (ص6).


[16] أنور الشاعر-المدخل إلى دراسة العلوم القانونية-ص198.


[17] محمد المعداوي-المدخل للعلوم القانونية-ص7.


[18] أنور الشاعر-المدخل لدراسة العلوم القانونية-ص20.


[19] كمال المصري-بحث بعنوان: الحق بين اللغة والشرع والقانون 29/7/2001م.


[20] نفس المرجع السابق.


[21] القدُّ: هو الإسار والقيد الذي يشد به الأسير.


[22] ابن منظور-لسان العرب (ج4، ص19/20) / إبراهيم مصطفى وآخرون/ الفيروز آبادي- المعجم الوسيط (ج1، ص8)/ علي الهنائي- المنجد في اللغة والأعلام (ص17).


[23] الماوردي-الأحكام السلطانية-ص166/ عثمان ضميرية-أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام الشيباني (ج2، ص1207).


[24] علي الشحور-الخلاصة في أحكام الأسرى-ص3.


[25] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية- ص100، 101.


[26] بدر الدين العيني- عمدة القاري شرح صحيح البخاري- (ج14، ص294).


[27] صحيح البخاري/ باب فكاك الأسير/ ج4- ص68.


[28] تطور القانون الدولي الإنساني، نقلاً عن رسالة ماجستير بعنوان: حماية أسرى الحرب في القانون الدولي الإنساني- فاطمة بلعيش- ص12.


[29] نفس المرجع السابق.


[30] البيضاوي/ أنوار التنزيل وأسرار التأويل (ج3، ص88)/ الطبري- جامع البيان في تفسير القرآن (ج14، ص59).


[31] ابن كثير- تفسير القرآن الكريم (ج5، ص434)/ البيضاوي- أنوار التنزيل وأسرار التأويل (ج5، ص120)/ القرطبي- الجامع لأحكام القرآن (ج6، ص228).


[32] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب إذا نزل العدو على حكم الرجل (ح3043)، (ج4، ص67).


[33] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الخمس، باب ما من النبي على الأسارى من غير أن يخمس (ح3139)، (ج2، ص363) وكتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا (ح4024)، (ج3، ص85).


[34] الصنعاني- سبل السلام (ج4، ص1358).


[35] أخرجه الترمذي في سننه (ح1615)، (ج3، ص65).


[36] الصنعاني-سبل السلام (ج4، ص1356).


[37] الموسوعة الفقهية (ج4، ص196).


[38] الشربيني-مغني المحتاج (ج6، ص38) / ابن قدامة-المغني (ج13، ص46).


[39] النجل: هو موضع قرب المسجد فيه ماء قليل.


[40] الصابئ: هو الخارج من دينه إلى دين آخر، وكانت العرب تُسمي النبي صلى الله عليه وسلم الصابئ، لأنه خرج من دين قريش إلى الإسلام. (لسان العرب/ ج1، ص108).


[41] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الخصومات، باب التوثق ممن تخشى معرته، (رقم 7)، (ح2422)، وباب الربط والحبس في الحرم (رقم 8)، (ح2423)، (ج2، ص166) وكتاب المغازي، وفد بني حذيفة (رقم 71)، (ح4372)، (ج3، ص158).


ومسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه (رقم 19)، (ح176)، (ص869).


[42] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، (ح977)، (ج22، ص393)، وفي معجمه الصغير، (ح409)، (ج1، ص205)، وابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ (ج2، ص25).


[43] العلاقات الدولية في الإسلام (ص122).


[44] علي الشحود-الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (ص44).


[45] الموسوعة الفقهية (ج4، ص198).


[46] أخرجه أبو داوود في سننه (ح3931)، (ج4، ص22)، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (ح26356)، (ج4، ص22).


[47] الكامل في التاريخ، (ج2، ص7).


[48] العبدري- التاج والإكليل لمختصر خليل- (ج3، ص353).


[49] راغب السرجاني- موقع قصة الإسلام .www.islamstory.com


[50] سبق تخريجه في ص9 من البحث.


[51] مجموعة علماء- التفسير الوسيط- (ج3، ص1648).


[52] الزحيلي- آثار الحرب- ص414/ الموسوعة الفقهية (ج4، ص199).


[53] العضباء هي: ناقة مشقوقة الأذن، وهي لقب ناقة رسول الله "صلى الله عليه وسلم".


[54] أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ح19863، (ج3، ص95).


[55] الأسطل- حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية والقانون الإنساني بين الشريعة والقانون، ص412 و413.


[56] أخرجه أبو داوود في سننه: كتاب الجهاد- باب في فداء الأسير بالمال (ح2692)، (ج3، ص62)، وأحمد في مسنده (ح62402)، (ج2، ص276).


[57] السرخسي- شرح السير الكبير (ج5، ص388).


[58] أخرجه الترمذي في سننه: كتاب البيوع عن رسول الله، باب ما جاء في كراهية الفرق بين الأخوين أو الوالدة وولدها (رقم 52)، (ح1283)، (ج3، ص580)، وكتاب السير عن رسول الله، باب في كراهية التفريق بين السبي (رقم 17)، (ح1566)، (ج4، 134)، والدارمي في سننه: كتاب السير، باب في النهي عن التفريق بين الوالدة وولدها (رقم 39)، (ح2479)، (ج2، ص299)، وأحمد في مسنده (ح23546)، (ج5، ص412).


[59] الصنعاني- سبل السلام (ج2، ص31).


[60] حلف المطيبين هو: حلف بنو هاشم وزهرة وتيم على نصرة المظلوم.


[61] أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ح (1655)، (ج3، ص193).


[62] اتفاقية جنيف، المادة 13، ص7.


[63] اتفاقية جنيف، المادة 20، ص11.


[64] اتفاقية جنيف، المادة 82، ص40.


[65] اتفاقية جنيف، المادة 86، ص41.


[66] اتفاقية جنيف، المادة 17، ص9.


[67] اتفاقية جنيف، المادة 34، ص19.


[68] اتفاقية جنيف، المادة 38، ص20.


[69] اتفاقية جنيف، المادة 70، ص33.


[70] اتفاقية جنيف، المادة 71، ص33.

[71] اتفاقية جنيف الثالث، المادة 12، ص7.

[72] مصلح عبد العزيز، حقوق الأسير والتزاماته في القانون الدولي، ص111، 110.

[73] اتفاقية جنيف الثالثة، المادة 14، ص8.

[74] مصلح عبد العزيز، المصدر السابق، ص113.

[75] اتفاقية جنيف الثالثة، المادة 99، ص46.

[76] اتفاقية جنيف، المادة 103، ص47.

[77] سبق تخريجه ص15.

[78] حقوق الأسير والتزاماته في القانون الدولي، مصلح عبد العزيز، ص114.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق