الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الخميس، 29 أكتوبر 2026

القضية 107 لسنة 21 ق جلسة 9 / 12 / 2001 دستورية عليا مكتب فني 10 دستورية ق 14 ص 69

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۰۱/۱۲/۲٥⁩

جلسة ٩ ديسمبر سنة ٢٠٠١

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ محمد فتحي نجيب – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور حنفي علي جبالي وعبد الوهاب عبد الرازق وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي والسيد عبد المنعم حشيش ومحمد خيري طه، وحضور السيد المستشار/ سعيد مرعي عمرو – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

------------------

قاعدة رقم (١٤)

القضية رقم ١٠٧ لسنة ٢١ قضائية "دستورية"

(١) رقابة دستورية "أحوال شخصية: لائحة الأقباط الأرثوذكس".

القواعد التي تتضمنها شرائع الأحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين، ومنها اللائحة المذكورة المعمول بها اعتباراً من ٨/ ٧/ ١٩٣٨، هي قواعد قانونية؛ مؤدى ذلك: خضوعها للرقابة الدستورية التي تتولاها المحكمة الدستورية العليا.

(٢) مبدأ المساواة "الأسرة المصرية: حرية العقيدة".

انصراف مبدأ المساواة إلى حظر كل صور التمييز بين المواطنين. إطلاق حكم نص المادة التاسعة من الدستور، فيما قضى به من أن الأسرة أساس المجتمع، ليشمل كل أسرة مصرية أياً كانت عقيدتها الدينية؛ مؤدى ذلك: انطباق القاعدة القانونية المنظمة لأوضاع الأسرة المصرية على المواطنين كافة، وعدم جواز اختلاف قاعدة عن أخرى تتحد معها في محلها إلا في مجال يتصل بشكل جازم بأمر العقيدة.

(٣) مبدأ المساواة "أحكام الغيبة والفقد: تمييز".

تنظيم أوضاع غيبة وفقد المصريين يُعد شأناً مصرياً عاماً. اختلاف التنظيم القانوني حسب الطائفة المخاطبة بأحكامه يعتبر تمييزاً لمن كان التنظيم الخاضع له أكثر ميزة أو أيسر سبيلاً.

(٤) مبدأ المساواة "أحوال شخصية: مدة الغيبة والفقد: توحيد".

بمقارنة نص الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ بنص المادة (١٧٧) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، يبين أن حكم الأول أكثر قرباً إلى طبائع الأمور إذ حدد المدة التي يحتمل فيها ظهور المفقود بجعلها أربع سنوات من تاريخ فقده، في حين جعلها الثاني ثلاثين سنة من تاريخ الحكم بإثبات غيبته أو استمراره غائباً حتى يبلغ التسعين من تاريخ ولادته. لإعمال المساواة بين المصريين في هذا الشأن، فإنه يتعين القضاء بعدم دستورية نص المادة (١٧٧) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، ومن ثم توحيد تلك المدة بإعمال التنظيم الراجح الذي يتضمنه نص الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩.

----------------------

١ - جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن القواعد التي تتضمنها شرائع الأحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين، ومنها لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس التي أقرها المجلس الملي العام في ٩ مايو سنة ١٩٣٨، وعمل بها اعتباراً من ٨ يوليه سنة ١٩٣٨، هي قواعد قانونية من حيث عموميتها وتجردها، بما مؤداه خضوعها للرقابة الدستورية التي تتولاها هذه المحكمة.

٢ - النص في المادة التاسعة من الدستور، على أن "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على الحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة المصرية وما يتمثل فيه من قيم وتقاليد، مع تأكيد هذا الطابع وتنميته في العلاقات داخل المجتمع المصري "يدل على أن المشرع الدستوري قصد إلى إطلاق حكم هذا النص ليشمل كل أسرة مصرية أياً كانت عقيدتها الدينية، ثم أورد بعد ذلك حظراً شاملاً لأية صورة من صور التمييز بين المواطنين، بنصه في المادة (٤٠) منه على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة" بما مؤداه أن القاعدة القانونية التي تقوم على تنظيم أوضاع الأسرة المصرية أو تتصل بهذا التنظيم برباط من الروابط، يجب أن تكون عامة ومطلقة في انطباقها على كل أسرة مصرية، كما هي عامة ومطلقة في انطباقها على كل مصري، وأنه لا يجوز أن تختلف قاعدة عن أخرى تتحد معها في محلها إلا أن يكون مرد الاختلاف هو اتصاله بشكل جازم بأمر العقيدة، حيث يجوز في هذه الدائرة وحدها أن تختلف القواعد القانونية، وهو اختلاف يتحد في انبعاثه من قاعدة دستورية مقابلة هي كفالة حرية العقيدة التي نصت عليها المادة (٤٦) من الدستور، والتي يتفرع عنها الاعتداد الكامل، والاحترام المطلق لعقائد المصريين الدينية كافة.

٣ - لما كان تنظيم أوضاع غيبة وفقد المصريين، هو أمر يتصل بحياتهم الاجتماعية ويندمج بالكامل في الأحكام الخاصة بتنظيم أحوال الأسرة المصرية في مفهومها المطلق الذي يتجاوز اختلاف العقائد والأديان، بما يجعله شأناً مصرياً عاماً لا محل فيه لخصوصية العقيدة وذاتيتها الروحية، وكان نص الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ المعدلة قد جرى على أن "يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنوات من تاريخ فقده"، في حين أن نص المادة (١٧٧) من لائحة الأحول الشخصية للأقباط الأرثوذكس قد جرى على أنه "يجوز الحكم بوفاة الغائب بعد مضي ثلاثين سنة من الحكم بإثبات غيبته أو مضي تسعين سنة من حين ولادته"، فإن مؤدى النصين معاً، أنهما وإن اتحدا في تنظيمهما لأحكام الغيبة والفقد، غير أنهما اختلفا اختلافاً بّيناً في التنظيم الذي قرره كل منهما بشأن الطائفة المخاطبة بأحكامه، حال أن الطائفتين معاً هما من المصريين الذين يجب أن يخاطبوا بقاعدة قانونية واحدة طالما تعلق الأمر بتنظيم لمسألة بعينها تتصل بحياتهم العامة، وإلا كان في خضوع بعضهم لتنظيم وخضوع البعض الآخر لتنظيم مغايراً، تمييزاً لمن كان التنظيم الخاضع له أكثر ميزة أو أيسر سبيلاً.

٤ - بمقارنة الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ بنص المادة (١٧٧) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، يبين أنه في حين أن النص الأول قد أجرى توازناً دقيقاً بين حقوق المفقود واحتمالات ظهوره من جهة، وحقوق من تتصل حياتهم وأوضاعهم بفقده أو موته وحاجتهم لاستقرار أوضاعهم بقضاء يحسم الأمر في شأن فقده من جهة أخرى، ثم جعل من هذا التوازن أساساً لتحديد المدة التي يحتمل فيها ظهور المفقود بجعلها أربع سنوات من تاريخ فقده – إذا كان يغلب عليه الهلاك – وهي مدة ليست بالقصيرة بحيث تتصادم مع مصالحه إذا تعرض لظروف استثنائية حالت دون تواصل أخباره، وليست ممتدة الإطالة بحيث تتصادم مع أوضاع وحقوق من تتصل حياتهم وأوضاعهم به، فإن النص الثاني – المادة (١٧٧) من لائحة الأقباط الأرثوذكس – قد صرف نظره فقط إلى حقوق المفقود واحتمالات ظهوره، فأمهله للظهور ثلاثين سنة من تاريخ الحكم بإثبات غيبته، أو استمراره غائباً حتى يبلغ التسعين من تاريخ ولادته، وهي مدد لابد أن تصيب من تتصل حياتهم وأوضاعهم به، باضطراب وعدم استقرار شديدين، ويضع طائفة من الأسر المصرية في وضع أقل استقراراً، وأكثر ارتباكاً من طائفة أخرى من الأسر المصرية، وهو حال يتصادم مع ما استهدفته المادة التاسعة من الدستور، من إعلاء شأن الأسرة المصرية وجعلها هي أساس المجتمع، كما يتصادم ونص المادة (٤٠) من الدستور فيما حظرته من أي تمييز بين المصريين، بما مؤداه أنه وقد أتى حكم الفقرة الأولى من القانون من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ بتنظيم أكثر قرباً إلى طبائع الأمور، وأكثر يسراً على من يتحمل أعباء غيبة المفقود، وادعى إلى تحقيق استقرار الأسرة المصرية، فإنه بذلك كله يكون التنظيم الذي يرجع في ميزان المقارنة بين التنظيمين، ويكون نص المادة (١٧٧) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، بما ينطوي عليه من إعنات على فئة من الأسرة المصرية وإخلال بالمساواة الواجبة بين المصريين في شأن من شئونهم العامة، مخالفاً للدستور، ومن ثم يتعين القضاء بعدم دستورية النص الطعين، وهو ما يترتب عليه صيرورة حكم الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ سارياً على المصريين من المسلمين والأقباط الأرثوذكس، إعمالا لحكم المادة (٣٢) من القانون المدني والمادة الثالثة من القانون رقم (١) لسنة ٢٠٠٠ بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

-------------

الإجراءات

بتاريخ الثاني عشر من يونيو سنة ١٩٩٩، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبين، الحكم: بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بعدم دستورية نص المادة (١٧٧) من لائحة الأقباط الأرثوذكس.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم بما تراه المحكمة متفقاً مع الشرعية الدستورية.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

---------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعية الأولى زوجة للسيد/ بنيامين معوض سعد بموجب عقد الزواج الكنسي المؤرخ ٢/ ٥/ ١٩٦٥ وقد أنجبت منه على فراش الزوجية كلاً من ميلاد بنيامين معوض ونيفين بنيامين معوض، وفي عام ١٩٧٧ سافر الزوج المذكور إلى دولة الكويت حيث انقطعت أخباره وفشلت كل المحاولات التي بذلت للعثور عليه، وقد ترك المذكور ما يورث عنه شرعاً وهو ما آل إليه من حصة في العقارين رقمي ٣، ٥ شارع مصطفى حافظ بعزبة النخل الشرقية، الأمر الذي حدا بالمدعين إلى إقامة الدعوى رقم ٢٣١٤ لسنة ١٩٩٦ بتاريخ ٦/ ٧/ ١٩٩٦ أمام محكمة القاهرة للأحوال الشخصية – الدائرة السابعة مدني كلي – طالبين في ختامها الحكم بإثبات وفاة مورثهم وأنهم ضمن ورثته الشرعيين وذلك على سند من أن فقده كان في حالة يغلب عليها الظن بهلاكه، وقد انقضت مدة تزيد على أربع سنين من تاريخ فقده طبقاً لنص المادة (٢١) فقرة أولى من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ المعدل بالقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ والخاص بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية، وقد دفع الحاضر عن الدولة أمام المحكمة بعدم جواز تطبيق نص المادة (٢١) المشار إليها على الدعوى بحسبان أن المفقود ورافعي الدعوى يخضعون لأحكام لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس التي أقرها المجلس الملي العام بجلسته المنعقدة في ٩/ ٥/ ١٩٣٨ والمعمول بها اعتباراً من ٨/ ٧/ ١٩٣٨ والتي تنص المادة (١٧٧) منها على أنه "يجوز الحكم بوفاة الغائب بعد مضي ثلاثين سنة من الحكم بإثبات غيبته أو مضي تسعين سنة من حين ولادته" فدفع المدعون بعدم دستورية نص المادة (١٧٧) المشار إليها، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت للمدعين برفع الدعوى الدستورية فقد أقاموها.

وحيث إن المدعين ينعون على النص الطعين تمييزه دون مبرر بين أبناء الوطن الواحد في مسألة لا تتعلق بالعقيدة بما يترتب عليه من إخلال بالمساواة بين المسلمين والأقباط الأرثوذكس فيما يتعلق بشروط الحكم باعتبار المفقود ميتاً، مما يؤدي إلى إهدار مصلحة الأسرة القبطية، ويكون النص الطعين مخالفاً للمادتين (٩، ٤٠) من الدستور.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن القواعد التي تتضمنها شرائع الأحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين، ومنها لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس التي أقرها المجلس الملي العام في ٩ مايو سنة ١٩٣٨، وعمل بها اعتباراً من ٨ يوليه سنة ١٩٣٨، هي قواعد قانونية من حيث عموميتها وتجردها، بما مؤداه خضوعها للرقابة الدستورية التي تتولاها هذه المحكمة.

وحيث إن النعي على النص الطعين بمخالفته الدستور صحيح، ذلك أن النص في المادة التاسعة من الدستور، على أن "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية. وتحرص الدولة على الحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة المصرية وما يتمثل فيه من قيم وتقاليد، مع تأكيد هذا الطابع وتنميته في العلاقات داخل المجتمع المصري" يدل على أن المشرع الدستوري قصد إلى إطلاق حكم هذا النص ليشمل كل أسرة مصرية أياً كانت عقيدتها الدينية، ثم أورد بعد ذلك حظراً شاملاً لأية صورة من صور التمييز بين المواطنين، بنصه في المادة (٤٠) منه على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والوجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة" بما مؤداه أن القاعدة القانونية التي تقوم على تنظيم أوضاع الأسرة المصرية أو تتصل بهذا التنظيم برباط من الروابط، يجب أن تكون عامة ومطلقة في انطباقها على كل أسرة مصرية، كما هي عامة ومطلقة في انطباقها على كل مصري، وأنه لا يجوز أن تختلف قاعدة عن أخرى تتحد معها في محلها إلا أن يكون مرد الاختلاف هو اتصاله بشكل جازم بأمر العقيدة، حيث يجوز في هذه الدائرة وحدها أن تختلف القواعد القانونية، وهو اختلاف يتحد في انبعاثه من قاعدة دستورية مقابلة هي كفالة حرية العقيدة التي نصت عليها المادة (٤٦) من الدستور، والتي يتفرع عنها الاعتداد الكامل، والاحترام المطلق لعقائد المصريين الدينية كافة.

إذ كان ذلك، وكان تنظيم أوضاع غيبة وفقد المصريين، هو أمر يتصل بحياتهم الاجتماعية ويندمج بالكامل في الأحكام الخاصة بتنظيم أحوال الأسرة المصرية في مفهومها المطلق الذي يتجاوز اختلاف العقائد والأديان، بما يجعله شأناً مصرياً عاماً لا محل فيه لخصوصية العقيدة وذاتيتها الروحية، وكان نص الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ المعدلة قد جرى على أن "يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنوات من تاريخ فقده"، في حين أن نص المادة (١٧٧) من لائحة الأحول الشخصية للأقباط الأرثوذكس قد جرى على أنه "يجوز الحكم بوفاة الغائب بعد مضي ثلاثين سنة من الحكم بإثبات غيبته أو مضي تسعين سنة من حين ولادته"، فإن مؤدى النصين معاً، أنهما وإن اتحدا في تنظيمهما لأحكام الغيبة والفقد، غير أنهما اختلفا اختلافاً بّيناً في التنظيم الذي قرره كل منهما بشأن الطائفة المخاطبة بأحكامه، حال أن الطائفتين معاً هما من المصريين الذين يجب أن يخاطبوا بقاعدة قانونية واحدة طالما تعلق الأمر بتنظيم لمسألة بعينها تتصل بحياتهم العامة، وإلا كان في خضوع بعضهم لتنظيم وخضوع البعض الآخر لتنظيم مغاير، تمييزاً لمن كان التنظيم الخاضع له أكثر ميزة أو أيسر سبيلاً.

وحيث إنه بمقارنة الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ بنص المادة (١٧٧) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، يبين أنه في حين أن النص الأول قد أجرى توازناً دقيقاً بين حقوق المفقود واحتمالات ظهوره من جهة، وحقوق من تتصل حياتهم وأوضاعهم بفقده أو موته وحاجتهم لاستقرار أوضاعهم بقضاء يحسم الأمر في شأن فقده من جهة أخرى، ثم جعل من هذا التوازن أساساً لتحديد المدة التي يحتمل فيها ظهور مفقود بجعلها أربع سنوات من تاريخ فقده - إذ كان يغلب عليه الهلاك – وهي مدة ليست بالقصيرة بحيث تتصادم مع مصالحه إذا تعرض لظروف استثنائية حالت دون تواصل أخباره، وليست ممتدة الإطالة بحيث تتصادم مع أوضاع وحقوق من تتصل حياتهم وأوضاعهم به، فإن النص الثاني – المادة (١٧٧) من لائحة الأقباط الأرثوذكس –، قد صرف نظره فقط إلى حقوق المفقود واحتمالات ظهوره، فأمهله للظهور ثلاثين سنة من تاريخ الحكم بإثبات غيبته، أو استمراره غائباً حتى يبلغ التسعين من تاريخ ولادته، وهي مدد لابد أن تصيب من تتصل حياتهم وأوضاعهم به، باضطراب وعدم استقرار شديدين، ويضع طائفة من الأسر المصرية في وضع أقل استقراراً، وأكثر ارتباكاً من طائفة أخرى من الأسر المصرية، وهو حال يتصادم مع ما استهدفته المادة التاسعة من الدستور، من إعلاء شأن الأسرة المصرية وجعلها هي أساس المجتمع، كما يتصادم ونص المادة (٤٠) من الدستور فيما حظرته من أي تمييز بين المصريين، بما مؤداه أنه وقد أتى حكم الفقرة الأولى من القانون من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ بتنظيم أكثر قرباً إلى طبائع الأمور، وأكثر يسراً على من يتحمل أعباء غيبة المفقود، وادعى إلى تحقيق استقرار الأسرة المصرية، فإنه بذلك كله يكون التنظيم الذي يرجح في ميزان المقارنة بين التنظيمين، ويكون نص المادة (١٧٧) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، بما ينطوي عليه من إعنات على فئة من الأسر المصرية وإخلال بالمساواة الواجبة بين المصريين في شأن من شئونهم العامة، مخالفاً للدستور، ومن ثم يتعين القضاء بعدم دستورية النص الطعين، وهو ما يترتب عليه صيرورة حكم الفقرة الأولى من المادة (٢١) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ سارياً على المصريين من المسلمين والأقباط الأرثوذكس، إعمالاً لحكم المادة (٣٢) من القانون المدني والمادة الثالثة من القانون رقم (١) لسنة ٢٠٠٠ بشأن تنظيم أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة (١٧٧) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق