الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

الطعن رقم 25 لسنة 43 ق دستورية عليا " دستورية" جلسة 5 / 4 / 2026

المحكمة الدستورية العليا رقم ۲٥ لسنة ٤۳

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰٤/۰٥⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الرابع مــــن أبريل سنة 2026م، الموافق السادس عشر من شوال سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 25 لسنة 43 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بحكمها الصادر بجلسة 24/3/2019، ملف الدعوى رقم 23904 لسنة 66 قضائية

المقامة من

نادية عثمان محمد طاهر

ضــد

1- وزير الزراعة واستصلاح الأراضي

2- رئيس الإدارة المركزية للملكية والتصرف بالهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية

3 – المدير التنفيذي لمشروع مبارك القومي لشباب الخريجين

------------

الإجراءات

بتاريخ الثالث والعشرين من فبراير سنة 2021، ورد إلى قلم كتاب هذه المحكمة ملف الدعوى رقم 23904 لسنة 66 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية (الدائرة الأولى – أفراد) بجلسة 24/3/2019، بقبول الدعوى شكلًا، وبوقفها تعليقًا، وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية المادة (1) من قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 1432 لسنة 1991، بشأن تمليك الراغبين من العاملين بهيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية وديوان عام استصلاح الأراضي وصندوق أراضي الاستصلاح، أراضي مستصلحة مقابل ترك الخدمة.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

-------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين مــــن حكم الإحالــــة وسائــــر الأوراق- في أن المدعية في الدعوى الموضوعية أقامت، أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، الدعوى رقم 23904 لسنة 66 قضائية، ضد المدعى عليهم، طالبة الحكم بإلزام الهيئة المدعى عليها الثانية منحها خمسة أفدنة إضافية –بخلاف الخمسة أفدنة الممنوحة لها– مقابل تركها الخدمة، أسوة بزملائها؛ على سند من أنها كانت تعمل مهندسة زراعية بمراقبة غرب النوبارية على درجة مدير عام بمشروع مبارك القومي، وبناء على قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 1432 لسنة 1991 الخاص بتمليك الراغبين من العاملين بهيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية وديوان عام استصلاح الأراضي وصندوق أراضي الاستصلاح، أراضي مستصلحة مقابل ترك الخدمة، طلبت المدعية إنهاء خدمتها، فأصدرت جهة الإدارة القرار رقم 7 لسنة 2006 بإنهاء خدمتها اعتبارًا من 1/8/2005، وتمليكها حصة قدرها خمسة أفدنة فقط -بواقع 50٪ من حصة التمليك المقررة لزملائها من الرجال- الأمر الذي حدا بها إلى التظلم من ذلك القرار، وإذ لم يُقبل تظلمها، فقد أقامت دعواها الموضوعية. وبجلسة 24/3/2019، حكمت المحكمة بوقف الدعوى تعليقًا، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية ذلك القرار.

وحيث إن قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 1432 لسنة 1991، ينص في المادة (1) منه على أن "يتم تمليك الراغبين من العاملين بهيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية وديوان عام استصلاح الأراضي وصندوق أراضي الاستصلاح، أراضي مستصلحة مقابل ترك الخدمة، وفقًا للأسس والقواعد التالية:

(أ) شروط الانتفاع بالتمليك:

- .............

(ب) حصص التمليك:

- يملك العامل من الرجال الذي على درجة مالية ممن تنطبق عليه الشروط السابقة بحصة تمليك كاملة، وإذا كان هو وزوجته ممن تنطبق عليهم شروط التمليك فتملك الزوجة حصتها كاملة حسبما ينطبق عليها من شروط إذا لم يستفد الزوج من التمليك.

- إذا كان العامل من السيدات أو الآنسات وأزواجهم من غير العاملين بجهات التمليك يملكون 50٪ من حصة الرجال.

- ...........................

(ج) شرائح التمليك:

- ...............

- العاملون من حملة المؤهلات العليا يملكون بواقع 1 فدان عن كل سنة خدمة، وبحد أقصى 15 فدانًا".

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الولاية التي تباشرها في مجال الرقابة الدستورية إنما تتعلق بالنصوص القانونية أيًّا كان محلها أو موضوعها أو نطاق تطبيقها أو السلطة التي أقرتها أو أصدرتها، وأن غايتها رد النصوص القانونية المطعون عليها إلى أحكام الدستور تثبتًا من اتفاقها أو اختلافها معها، فلا يتمثل محل هذه الرقابة إلا في القانون بمعناه الموضوعي، محددًا على ضوء قاعدة قانونية يرتبط مجال إعمالها بتعدد تطبيقاتها، سواء أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها، وهو ما يعنى انتفاء تخصيصها، فلا تتقيد بحالة بذاتها تستنفد بها القاعدة القانونية مجال تطبيقها، ولا بشخص معين يستغرق نطاق سريانها. متى كان ذلك، وكان القرار المُحال ينظم تمليك العاملين بهيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية وديوان عام استصلاح الأراضــي وصندوق أراضي الاستصلاح، أراضي مستصلحة، مقابـــل ترك الخدمــــة، فإنه بذلك يكون منصرفًا إليهم في مجموعهم، منظمًا شروط الحصول عليها، من خلال قاعدة قانونية عامة مجردة، ينحل مضمونها إلى لائحة، تنبسط عليها الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة.

وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية -وهي شرط لقبولها- مناطها، على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة، أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع. ويستوي في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة. والمحكمة الدستورية العليا هي وحدها التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعاوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها، بما مؤداه أن الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا لا تفيد بذاتها توافر المصلحة، بل يتعين أن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازمًا للفصل في النزاع المثار أمام محكمة الموضوع، فإذا لم يكن للفصل في دستورية النصوص التي ثارت بشأنها شبهة عدم الدستورية لدى محكمة الموضوع انعكاس على النزاع الموضوعي؛ فإن الدعوى الدستورية تكون غير مقبولة. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الإحالة ينصب على طلب المدعية في الدعوى الموضوعية الحكم بأحقيتها في تملك خمسة أفدنة إضافية -بخلاف الخمسة الممنوحة لها– من الأراضي المستصلحة مقابل تركها الخدمة، لانطباق شروط الانتفاع بالتمليك الواردة في البند (أ) من المادة (1) من القرار المُحال، بحسبانها من حملة المؤهلات العليا، وكانت تعمل مهندسة زراعية، وشغلت درجة مالية دائمة، وكان نص الفقرة الثانية من البند (ب) من المادة (1) من ذلك القرار مؤداه حرمانها من تملك حصة مساوية للحصة المقررة لأقرانها من الرجال، مقابل ترك الخدمة؛ ومن ثم يغدو الفصل في دستورية هذا النص له أثره وانعكاسه الأكيد على النزاع الموضوعي وقضاء محكمة الموضوع فيه، ولا ينال من تحقق شرط المصلحة إلغاء النص المحال، وقرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 1432 لسنة 1991 برمته، بحكم المادة (1) من قراره رقم 245 لسنة 2010، لما هو مقرر بقضاء المحكمة الدستورية العليا من أن استبدال المشرع قاعدة قانونية بغيرها، أو إلغاءها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طبقت عليه خلال مدة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه، يتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة؛ ومن ثم يتحدد نطاق الدعوى المعروضة فيما تضمنه هذا النص من تمليك السيدات أو الآنسات العاملات بجهات التمليك حصة قدرها 50٪ من الحصة المقررة للرجال العاملين بالجهات ذاتها أراضي مستصلحة مقابل ترك الخدمة، دون سائر أحكام النص الأخرى.

وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المُحال –في حدود نطاقــــــه المتقدم– مخالفته مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص؛ لما تضمنه من تمييز غير مبرر بين الرجل والمرأة، العاملين بالجهات الواردة حصرًا به، في شأن تمليكهما أراضي مستصلحة مقابل ترك الخدمة، إذا كانا مُعينين على درجة مالية، إذ تتحدد حصة المرأة بنسبة 50٪ من حصة الرجل، على الرغم من تماثلهما في المراكز القانونية وشروط الانتفاع بالتمليك، مما يُعد إخلالًا بسيادة القانون، ومساسًا بحق الملكية الخاصة.

وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره؛ إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلًا صون الدستور القائم، وحمايته من الخروج على أحكامه التي تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة، ومع ذلك فإذا كان الدستور القائم ليس له أثر رجعي فإنه يتعين إعمال أحكام الدستور السابق، الذي صدر التشريع المُحال في ظل العمل بأحكامه، ما دام هذا التشريع قد عُمل بمقتضاه إلى أن أُلغي أو استبدل به نص آخر خلال مدة سريان ذلك الدستور. متى كان ذلك، وكان النص المُحال قد صدر وانتهى العمل به في ظل الدستور الصادر سنة 1971، فإن النظر في أمر دستوريته يخضع لأحكامه.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور، أصل مقرر وحكم لازم لكل نظام ديمقراطي سليم، ويتعين على كل سلطة عامة، أيًّا كان شأنها، وأيًّا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، أن تنزل على قواعد الدستور ومبادئه وأن تلتزم حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وخضعت -متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة- للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا بوصفها الجهة القضائية العليا التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها.

وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتعتبر تخومًا لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، وكان الدستور إذ يعهد إلى أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية بتنظيم موضوع معين، فإن القواعد القانونية التي تصدر عن أيتهما في هذا النطاق لا يجوز أن تنال من الحقوق التي كفل الدستور أصلها، سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، وإلا كان ذلك عدوانًا على مجالاتها الحيوية من خلال إهدارها أو تهميشها.

وحيث إن دستور سنة 1971 تضمن مادتين تقيمان مبدأ مساواة المرأة بالرجل، أولاهما: مادته الحادية عشرة التي تكفل الدولة بمقتضاها التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في المجتمع، كما تكفل مساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، والأخرى: مادته الأربعون التي حظر الدستور بموجبها التمييز بين الرجل والمرأة، سواء في مجال حقوقهم أو حرياتهم، على أساس من الجنس، بما مؤداه تكامل هاتين المادتين واتجاههما إلى تحقيق الأغراض عينها، وعلى القمة منها مبدأ المساواة أمام القانون؛ باعتباره أساس العدل وجوهر الحرية وذروة سنام السلام الاجتماعي؛ ذلك أن الأصل في النصوص التي يتضمنها الدستور هو تساندها فيما بينها، واتفاقها مع بعضها في صون القيم والمثل العليا التي احتضنها الدستور، ولا يتصور -من ثمَّ- تعارضها أو تماحيها، ولا علو بعضها على بعض، بل تجمعها تلك الوحدة العضوية التي تقيم من بنيانها نسيجًا متضافرًا يحول دون تهادمها.


متى كان ما تقدم، وكان النص المُحال قد نحا إلى تمليك العاملات بجهات التمليك المحددة فيه حصة قدرها 50٪ من الحصة المقررة للرجال العاملين بالجهات ذاتها، أراضي مستصلحة مقابل ترك الخدمة، في حين أن إعمال مبدأ المساواة يحتم أن تكون حصة التمليك واحدة للعامل بجهات التمليك، رجلًا كان أو امرأة، إلا أن النص المُحال لم يلتزم هذا النظر، بل أقام تمييزًا بينهما -غير مبرر ولا يستند إلى أساس موضوعي- على أساس الجنس، حال تماثل مركزهما القانوني، إذ اتحدا في كون كل منهما من المعينين على درجات مالية بجهات التمليك، وتوفرت في شأنهما شروط الانتفاع بهذا التمليك، وصاحب ذلك تهوين من حقوق فئة منهما، وهي فئة العاملات من النساء دون نظرائهن من العاملين الرجال، وهو تمييز يتصادم مع نص المادة (40) من الدستور، فضلًا عن انطوائه على تهديد لكيان الأسرة المصرية وتماسكها، والافتئات على قيمها وتقاليدها الأصيلة، وهو ما يتناقض بدوره وأحكام المواد (9 و10 و11 و12) من دستور سنة 1971.


وحيث إن الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تفترض تكافؤها، وتدخل الدولة إيجابيًّا لضمان عدالة توزيعها على من يتزاحمون عليها ويستبقون للفوز بها، وضرورة ترتيبهم فيما بينهم على ضوء قواعد يمليها التبصر والاعتدال، وهو ما يعنى أن موضوعية شروط النفاذ إليها مناطها تلك العلاقة المنطقية التي تربطها بأهدافها فلا تنفصل عنها. ولا يجوز -من ثمَّ- حجبها عمن يستحقها، ولا إنكارها لاعتبار لا يتعلق بطبيعتها، ولا بمتطلباتها.

وحيث إن من المقرر أن عمل المرأة في مجتمعها -وأيًّا كانت الصورة التي يتخذها- هو من الحقوق التي كفلها الدستور لها بمراعاة التوفيق بين هذا العمل وواجباتها قِبل أسرتها، فإذا منعها المشرع -بغير سند موضوعي مبرر- من الحصول على حصة كاملة من الأرض المستصلحة -شأنها شأن العاملين من الرجال- فإن القول بتكافؤهما في الفرص التي أتاحتها هذه الجهة لنيلها، أو بتساويهما في شروط النفاذ إليها، ينحل بهتانًا يؤيده أن القرار رقم 1432 لسنة 1991 المشار إليه ما كفل للعاملين ميزة الحصول على أراض مستصلحة تملكها جهة عملهم، وتقوم بتوزيعها عليهم، بعيدًا عن الأغراض التي ربطها بها، وأخصها استثارة اهتمامهم بالتنمية الزراعية تطويرًا لها، ولا يلتئم وهذه الأغراض إنكار حق المرأة كاملًا في تلك الميزة، ولو كانت مستوفية شرائطها، وإلا كان هذا الحرمان عدوانًا مبينًا.

وحيث إن المقرر في قضـاء هذه المحكمة أن ضمان الدستور للحق في الملكية الخاصة -على ما تقضى به المادتان (32 و34) من دستور سنة 1971- لا يقتصر على صون ما يكون قائمًا فعلًا من مصادرها، وإنما تمتد الحماية التي كفلها لهذه الملكية إلى فرص كسبها -والأصل فيها هو الإطلاق- فلا يجوز تقييدها دونما ضرورة تقتضيها مصلحة مشروعة، وأن الحمايــــــة التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء أكان هذا الحق شخصيًّا أم عينيًّا. متى كان ذلك، وكان النص التشريعي المحــــــال قد حــــــرم –دون مقتضٍ– المرأة العاملة المخاطبة بأحكامه من حصة تمليك أراض مستصلحة مساوية لحصة الرجل، على الرغم من تماثل مركزهما القانوني، وتوفر شروط الانتفاع بهذا التمليك في شأنها، فإنه يكون قد انتقص من الحقوق التي تثرى الجانب الإيجابي لذمتها المالية، وانطوى بذلك على عدوان على الحماية المكفولة للملكية الخاصة، بالمخالفة لأحكام المادتين (32 و34) من دستور 1971.

وحيث إن القول بأن الفرص التي أتاحها المشرع للحصول على أرض مستصلحة محدودة بطبيعتها، فلا يكون مخالفًا للدستور تنظيم استحقاقها، فذلك مردود من وجهين، أحدهما: أن دستور سنة 1971 -وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- قد أفرد بابه الثاني للمقومات الأساسية للمجتمع، وهي قواعد تتكامل فيما بينها، ويندرج تحتها نص المادة (7) من ذلك الدستور، التي كفل بها لجميع المواطنين تأسيس مجتمعهم على قاعدة التضامن الاجتماعي، بما مؤداه تداخل مصالحهم لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تعارضها بما يرعى القيم التي يؤمنون بها، فلا يتقدم على ضوئها فريق على غيره انتهازًا، ولا ينال قدرًا من الحقوق يكون بها -دون مقتضٍ- أكثر امتيازًا من سواه، بل يتمتعون جميعًا بالحقوق عينها -التي تتكافأ مراكزهم القانونية قبلها- وبالوسائل ذاتها التي تُعينهم على ممارستها. والآخر: أن الفرص التي هيأها المشرع للعاملين بهيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية -وأيًّا كان عددها- ينبغي دومًا أن تتحدد وفقًا لأسس موضوعية لا تتباين تطبيقاتها. وما جرى به النص المُحال من ألا يخصص للمرأة العاملة من الأرض المستصلحة سوى نصف الحصة المقررة للعامل من الرجال في الجهات ذاتها، مؤداه انتقاص حصتها دون أن يكون ذلك راجعًا إلى ضوابط موضوعية، بل إقصاء لها عن فرص الحصول على حصة كاملة، فلا يكون الحرمان منها متصلًا بقواعد منطقية تطبقها جهة العمل في شأن من يطلبونها، بل إهدارًا دائمًا للحق فيها.

متى كان ذلك، فإن النص المُحال -وفى حدود نطاقه في الدعوى المعروضة– يكون مخالفًا لأحكام المواد (7 و8 و11 و32 و34 و40) من دستور سنة 1971.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من البند (ب) من المادة (1) من قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 1432 لسنة 1991.

الطعن رقم 189 لسنة 34 ق دستورية عليا " دستورية" جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۳/۰۸⁩
جمهورية مصر العربيــة
المحكمة الدستورية العليا
محضر جلسة
بالجلسة المنعقدة في غرفة مشورة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت القرار الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 189 لسنة 34 قضائية "دستورية"
المقامة من
حلمي عبد الحميد علي داود
ضد
1- رئيس الجمهوريــــــــــــــة
2- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًّا)
3- رئيس مجلس الوزراء
4- وزير الكهرباء والطاقة
5- رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء بصفته
6- رئيس قطاع كهرباء كفر الشيخ بصفته
بطلب الحكم: 1- بعدم دستورية البند (۱) من المادة الأولى من قرار رئيس مجلس إدارة هيئة كهرباء مصر رقم ٢٧٥ لسنة 1995، المعدل بالقرار رقم ۲۸۰ لسنة ١٩٩٥ فيما لم يتضمنه من حق العاملين في كافة الشركات التابعة لهيئة كهرباء مصر في صرف بدل الحافز المقرر بهذا النص. 2- بسقوط لائحة العاملين بشركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء، الصادرة بالقرار الوزاري رقم ٢٩٤ لسنة ۱۹۹۹ الصادر من وزير الكهرباء والطاقة؛ نفاذًا لأحكام القانون رقم ١٨ لسنة ١٩٩٨، فيما لم تتضمنه من حق العاملين في صرف بدل الحافز المقرر بقرار رئيس مجلس إدارة هيئة كهرباء مصر رقم 275 لسنة 1995، المعدل بالقرار رقم 280 لسنة 1995.
-------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن الدستور الحالي قد عهد -بنص المادة (۱۹۲) منه، المقابلة لنص المادة (١٧٥) من دستور سنة ١٩٧١- إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون، وأن المشرع أصدر قانون هذه المحكمة بالقانون رقم ٤٨ لسنة ۱۹۷۹ مبينًا اختصاصاتها؛ محددًا ما يدخل في ولايتها حصرًا، مستبعدًا من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصًا منفردًا بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح؛ مانعًا أي جهة من مزاحمتها فيه، مفصلًا طرائق هذه الرقابة وكيفيتها، وذلك ضمانًا منه لمركزية الرقابة على المشروعية الدستورية، وتأمينًا لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها، وصولًا من بعد إلى بناء الأحكام الدستورية، بما يكفل تكاملها وتجانسها، وهو ما نحاه قانون المحكمة الدستورية العليا، مؤكدًا أن اختصاص هذه المحكمة - في مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية - ينحصر في النصوص التشريعية أيًّا كان موضوعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها، فلا تنبسط ولايتها في شأن الرقابة القضائية على الدستورية، إلا على القانون بمعناه الموضوعي، باعتباره منصرفًا إلى النصوص القانونية التي تتولد عنها مراكز عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة التشريعية، أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها، وأن تنقبض عما سواها.
وحيث إنه من المقرر- كذلك- في قضاء هذه المحكمة أن كل لائحة يتحدد تكييفها القانوني بمجال سريانها، فكلما كان هذا المجال متصلًا مباشرة بنطاق القانون الخاص، انحسرت الصفة الإدارية عنها، ولو كانت الجهة التي أصدرتها شخصًا من أشخاص القانون العام، فلا تعتبر -من ثم- تشريعًا بالمعنى الموضوعي، مما تمتد إليه الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة في شأن الشرعية الدستورية.
متى كان ما تقدم، وكانت قواعد منح الحوافز المنازع بشأنها وإن كانت قد صدرت بداية عن هيئة كهرباء مصر بقرار رئيس مجلس الإدارة رقم ٣٧٥ لسنة ۱۹۹۳ المعدل بالقرار رقم ٢٧٥ لسنة ١٩٩٥، فإنه بصدور القانون رقم ١٦٤ لسنة ۲۰۰۰ بتحويل هيئة كهرباء مصر إلى شركة مساهمة مصرية باسم الشركة القابضة لكهرباء مصر، فارقت هذه القواعد صفتها اللائحية العامة، بعد أن تحولت الهيئة إلى شركة مساهمة مصرية خاضعة لأحكام القانون الخاص، وصدر قرار وزير الكهرباء والطاقة رقم ١٣٨ لسنة ۲۰۰۱ بتاريخ 19/3/2001، بالموافقة على إصدار النظام الأساسي للشركة القابضة لكهرباء مصر، كما صدر قرار وزير الكهرباء والطاقة رقم ٥٤٦ لسنة ۲۰۰۱ بتاريخ 21/11/2001، باعتماد لائحة نظام العاملين بالشركة، الذي نص في المادة (٤٧) منه على أن "يستمر العمل بنظام حافز التقدير المقرر للعاملين عند انتهاء خدمتهم والمعمول به وقت صدور هذه اللائحة"، وقد عدل من ضوابط منح هذا الحافز قرار رئيس مجلس إدارة الشركة الجديدة رقم 166 لسنة 2010 بتاريخ 20/7/2010، الذي اعتمده وزير الكهرباء والطاقة؛ بما لازمه اندماج القواعد الحاكمة لهذا الحافز في أحكام لائحة نظام العاملين بالشركة، وصيرورتها جزءًا لا يتجزأ منها، وعليه فقد أصبحت هذه القواعد متعلقة بدائرة القانون الخاص التي تباشر الشركة مهامها من خلالها، وبوسائلها وأساليبها، وتجاه العاملين بها والغير، وإزاء ذلك فقد خرجت عن دائرة التشريع الموضوعي الذي تختص المحكمة الدستورية العليا بالرقابة الدستورية عليه، وهو ما يلزم معه القضاء بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الدعوى.
وحيث إنه عن طلب سقوط لائحة العاملين بشركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء، الصادرة بقرار وزير الكهرباء والطاقة رقم ٢٩٤ لسنة ۱۹۹۹، فإن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن طلب السقوط يعتبر من قبيل التقريرات القانونية التي تملكها المحكمة الدستورية العليا، فيما لو قضت بعدم دستورية نص معين، ورتبت السقوط للمواد الأخرى المرتبطة به ارتباطًا لا يقبل التجزئة، وهو أمر تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها حتى ولو لم يطلبه الخصوم. وإذ انتهت المحكمة، فيما تقدم، إلى عدم اختصاصها بنظر الدعوى فإن الالتفات عن ذلك الطلب يكون متعينًا.
لذلك
قررت المحكمة -في غرفة مشورة- عدم اختصاصها بنظر الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الاثنين، 27 أبريل 2026

الطعن رقم 107 لسنة 34 ق دستورية عليا " دستورية" جلسة 7 / 3 / 2026


المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۳/۰۸⁩
جمهورية مصر العربيــة
المحكمة الدستورية العليا
محضر جلسة
بالجلسة المنعقدة في غرفة مشورة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الروينى نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت القرار الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 107 لسنة 34 قضائية "دستورية"
المقامة من
محمد كمال عبد الجابر عبد المجيد، أحد ورثة/ كمال عبد الجابر عبد المجيد
ضد
1- رئيس الجمهوريـــــــــــــــــة
2- رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة
3- رئيس مجلس الوزراء
4- وزيـــــر المالية، بصفته الرئيس الأعلى لمصلحة الضرائب المصرية
5- مدير عام مأمورية ضرائب مبيعـــات المنتـــــزه
بطلب الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (18) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، وبسقوط أحكام تلك المادة والمادة (5) من القانون ذاته.
---------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن هذه المحكمة سبق أن حسمت المسألة الدستورية المثارة في هذه الدعوى المعروضة، بحكمها الصادر بجلسة 6/8/2022، في الدعوى الدستورية رقم 88 لسنة 33 قضائية "دستورية"، وقضي فيها برفض الدعوى، وقد نُشر الحكم في الجريدة الرسمية - العدد 31 مكرر (ج) بتاريخ 9/8/2022، وكان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون للأحكام والقرارات الصادرة منها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتبارها قولًا فصلًا لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا من أية جهة كانت، وهي حجية تحول دون المجادلة فيها، أو السعي إلى إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها؛ ومن ثم تغدو الدعوى المعروضة غير مقبولة.
وحيث إنه عن طلب المدعي الحكم بسقوط المادتين (5 و18) من قانون الضريبة العامة على المبيعات سالف الإشارة إليه، فإن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن طلب السقوط يعتبر من قبيل التقريرات القانونية التي تملكها المحكمة الدستورية العليا، فيما لو قضت بعدم دستورية نص معين، ورتبت السقوط للمواد الأخرى المرتبطة به ارتباطًا لا يقبل التجزئة، وهو أمر تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها حتى ولو لم يطلبه الخصوم. وإذ انتهت المحكمة، فيما تقدم، إلى عدم قبول الدعوى؛ فإن الالتفات عن ذلك الطلب يكون متعينًا.
لذلك
قررت المحكمة -في غرفة مشورة- عدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات.

الطعن رقم 68 لسنة 36 ق دستورية عليا " دستورية" جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۳/۰۸⁩

جمهورية مصر العربيــة

المحكمة الدستورية العليا

محضر جلسة

بالجلسة المنعقدة في غرفة مشورة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت القرار الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 68 لسنة 36 قضائية "دستورية"

المقامة من

محمد السيد عوض العمريطي، بصفته المدير المسئول عن شركة محمد ومجدي السيد عوض العمريطي للاستيراد والتصدير

ضد

1- رئيس الجمهوريــــــــــــــة

2- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًّا)

3- رئيس مجلس الوزراء

4- وزيـــــر العــــــــــدل

5- وزير القوى العاملة والهجرة

6- محافـــــظ الدقهليـــــــة

7- وكيل وزارة القوى العاملة بالدقهلية

بطلب الحكم بعدم دستورية نص المادة (134/1) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003.

-----------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن نطاق هذه الدعوى والمصلحة فيها -في ضوء ما ساقه المدعي من مناعي- يتحددان في البند (1) من الفقرة الأولى من المادة (134) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2003.

وحيث إن هذه المحكمة سبق أن حسمت المسألة الدستورية المثارة في الدعوى المعروضة، وذلك بحكمها الصادر بجلسة 6/11/2021، في الدعوى رقم 114 لسنة 27 قضائية "دستورية"، الذي قضت فيه برفض الدعوى، وقد نُشر الحكم بالجريدة الرسمية – العدد 45 تابع (أ) بتاريخ 11/11/2021، وكان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون للأحكام والقرارات الصادرة منها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتبارها قولًا فصلًا لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا من أية جهة كانت، وهي حجية تحول دون المجادلة فيها، أو السعي إلى إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها؛ ومن ثم تغدو الدعوى المعروضة غير مقبولة.

لذلك

قررت المحكمة -في غرفة مشورة- عدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي بصفته المصروفات.

الطعن رقم 61 لسنة 28 ق دستورية عليا " دستورية" جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۳/۰۸⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 61 لسنة 28 قضائية "دستورية"

المقامة من

رئيس مجلس إدارة نادي سموحة الرياضي الاجتماعي

ضد

1- رئيس مجلـس الـوزراء

2- وزيــــــــــــــــــر الشـبـــــــــــــــاب

3- عصام رشدي عباس

--------------

الإجـراءات

بتاريخ التاسع والعشرين من أبريل سنة 2006، أودع النادي المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًـــا الحكم بعدم دستورية نص المادة (38) من النظام المالي الموحد للأندية الرياضية، المعتمد بقرار وزير الشباب رقم 1173 لسنة 2000.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًّا: بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، واحتياطيًّا: أولًا: بعدم قبول الدعوى فيما عدا عبارة "ضباط الشرطة" الواردة في الفقرة الثانية من النص المطعون فيه، ثانيًا: برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

-------------

المحكمــــة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق– في أن المدعى عليه الثالث –ضابط شرطة- أقام أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية الدعوى رقم 8858 لسنة 2004 مدني كلي، ضد النادي المدعي، طالبًا الحكم بإلزامه أن يؤدي إليه مبلغ ثلاثين ألف جنيه قيمة اشتراك العضوية المسدد بالزيادة عن المستحق تحت اسم "تبرعات إنشائية"، والفوائد القانونية بواقع 4٪ من تاريخ المطالبة القضائية حتى تاريخ السداد؛ وذلك على سند من أنه تقدم للحصول على العضوية العاملة بالنادي، ومعه أفراد أسرته، بتاريخ 28/8/2004، وقام بسداد الرسوم المطالب بها. وإذ تبين له أن المبلغ الذي سدده يزيد على الرسوم السنوية المقررة بواقع ثلاثين ألف جنيه، رفض النادي ردها؛ على سند من أنها مقابل تبرعات إجبارية إنشائية يلتزم بها طالب العضوية. ولأنه من ضباط الشرطة، ويتمتع بالاشتراك المخفض والإعفاء من رسوم الالتحاق والإعانة الإنشائية المقررة بالأندية الرياضية بموجب نص البند (ثانيًا) من المادة (38) من النظام المالي الموحد للأندية الرياضية المعتمد بقرار وزير الشباب رقم 1173 لسنة 2000؛ فقد أقام دعواه الموضوعية. وبجلسة 23/2/2005، حكمت المحكمة بإلزام النادي رد المبلغ المطالب به إلى المدعي؛ للحصول عليه دون وجه حق؛ فطعن النادي على الحكم أمام محكمة استئناف الإسكندرية بالاستئناف رقم 2958 لسنة 61 قضائية، طالبًا إلغاءه، باعتبار أن المبلغ المحكوم برده هبة اختيارية صحيحة وفقًا للقانون. كما أقام المدعي أمام المحكمة ذاتها استئنافًا فرعيًّا قيد برقم 7120 لسنة 61 قضائية، طالبًا تعديل الحكم والقضاء له بالفوائد. ضمت المحكمة الاستئنافين، وحال نظرهمــا دفع النادي المدعــي بعدم دستورية نص المادة (38) من اللائحة المــار ذكرها؛ لما تـضمنتـه من استثنـــاءات وإعفاءات لفئات بعينها بالمخالفة لأحكام الدستـــور. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت للنادي باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية؛ فقد أقام الدعوى المعروضة.

وحيث إنه عن الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الدعوى، بقالة إن النص اللائحي المطعون عليه يخاطب الأندية الرياضية، وهي من أشخاص القانون الخاص، ولا يخاطب أية جهة عامة؛ الأمر الذي تندرج معه اللائحة المطعون عليها ضمن اللوائح الخاصة التي تخرج الرقابة على دستوريتها عن ولاية هذه المحكمة، وإن صدرت من الوزير المختص، فإن هذا الدفع غير سديد؛ ذلك أن القانون رقم 77 لسنة 1975 بإصدار قانون الهيئات الخاصة للشباب والرياضة قد ناط في المادة (8) منه بالوزير المختص سلطة إصدار القــــرارات اللازمة لتنفيذه، وتحديد الجهة الإدارية المختصة، كما عهد إليه في صدر المادة (4) من القانون اعتماد النظم الأساسية النموذجية التي تضعها الجهة الإدارية المركزية للهيئات الخاضعة لأحكامه. ونفاذًا لذلك؛ أصدر وزير الشباب القرار رقم 1173 لسنة 2000 بشأن اعتماد النظام المالي الموحد للأندية الرياضية، محددًا في الباب الثالث منه، المعنون "إجراءات العضوية والاشتراكات والرسوم"، شروط العضوية وأنواعها وإجراءات قبولها وإسقاطها، وحقوق الأعضاء وواجباتهم، وفئات الاشتراك، ورسوم الالتحاق وأية رسوم أخرى، وطريقة تحصيلها، وحالات الإعفاء منها، ونسبة التخفيض فيها، وحدد في المادة (38) منه الفئات المستثناة، مبينًا حالات الإعفاء من رسوم الالتحاق والإعانة الإنشائية المقررة بالأندية الرياضية ونسبة تخفيض قيمة الاشتراك السنوي لكل حالة من هذه الحالات. ومؤدى ذلك أن قرار وزير الشباب رقم 1173 لسنة 2000 المشار إليه قد صدر إنفاذًا للاختصاص الذي منحه دستور سنة 1971 للسلطة التنفيذية، بمقتضى نص المادة (144) منه، في إصــــــدار القرارات اللازمة لتنفيـــــذ القوانين -وهو الدستور النافذ وقت إصدار اللائحة– وكان ذلك القرار قد تضمن قواعد عامة مجردة، الأمر الذي يوفر له المقومات الدستورية للوائح، التي ينعقد الاختصاص بنظر دستوريتها إلى المحكمة الدستورية العليا؛ ومن ثم يضحى الدفع بعدم الاختصاص في غير محله، حريًّا بالرفض.

وحيث إن نص المادة (38) من النظام المالي الموحد للأندية الرياضية، المعتمد بقرار وزير الشباب رقم 1173 لسنة 2000، المعمول به اعتبارًا من تاريخ صدوره في 27/11/2000، المعدل بقراره رقم 552 لسنة 2001 - وأقيمت هذه الدعوى في ظل سريان أحكامه - قبل أن يستبدل به قرار رئيس المجلس القومي للرياضة رقم 96 لسنة 2007، المعمول به اعتبارًا من تاريخ نشره في 15 مايو سنة 2007، كان يجري على أنه "(بالنسبة للفئات المستثناة):

أولًا: ..............

ثانيًا: ضباط القوات المسلحة وضباط الشرطة وأعضاء الهيئات القضائية وأعضاء مجلس إدارة اللجنة الأولمبية المصرية والصحفيون أعضاء النقابة وأفراد أسرهم جميعًا: تخفيض (50٪) من قيمة الاشتراك السنوي الفردي أو العائلي للعضو العامل، والإعفاء من رسوم الالتحاق والإعانة الإنشائية المقررة بالأندية الرياضية (أحقية من تنتهي خدمته من هذه الفئات في التمتع بذات الاستثناء شأن الموجودين بالخدمة بشرط أن يكون قد أمضى عشر سنوات على الأقل قبل انتهاء الخدمة).

ثالثًا: ........ رابعًا: ........ خامسًا: ........ سادسًا: ........".

وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة، وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية، مناطها –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– قيام رابطة منطقية بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. ومن ثم؛ فلا تقوم هذه المصلحة إلا بتوافر شرطين يحددان بتكاملهما معًا مفهوم المصلحة الشخصية المباشرة كشرط لقبول الدعوى الدستورية، أولهما: أن يقيم المدعي الدليل على أن ضررًا واقعيًّا قد لحق به، ويتعين أن يكون الضرر مباشرًا ومستقلًّا بعناصره، ممكنًا إدراكه ومواجهته بالترضية القضائية، وليس ضررًا متوهمًا أو نظريًّا أو مجهلًا، وثانيهما: أن يكون مرد هذا الضرر عائدًا إلى النص التشريعي المطعون فيه، بما مؤداه قيام علاقة سببية بينهما تحتم أن يكون مرد الأمر في هذا الضرر إلى النص التشريعي المطعون فيه. وينفصل شرط المصلحة دومًا عن توافق النص التشريعي المطعون فيه مع أحكام الدستور أو مخالفته لها، اعتبارًا بأن هذا التوافق أو الاختلاف هو موضوع الدعوى الدستورية فلا تخوض فيه المحكمة إلا بعد قبولها. كما اطرد قضاء هذه المحكمة على أنه لا يكفي توافر المصلحة عند رفع الدعوى الدستورية، وإنما يتعين أن تظل قائمة حتى الفصل فيها، فإذا زالت المصلحة بعد رفعها وقبل الحكم فيها فلا سبيل إلى التطرق إلى موضوعها.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في القاعدة القانونية هو سريانها اعتبارًا من تاريخ العمل بها على الوقائع التي تتم في ظلها، وحتى إلغائها، فإذا أحل المشرع محلها قاعدة قانونية جديدة تعيَّن تطبيقها اعتبارًا من تاريخ نفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد مجال سريان كل من القاعدتين من حيث الزمان، فمــا نشأ مكتملًا من المراكز القانونية–وجودًا وأثرًا– في ظل القاعدة القانونية القديمة، يظل محكومًا بها وحدها، وما نشأ من مراكز قانونية وترتبت آثاره في ظل القاعدة القانونية الجديدة، يخضع لهذه القاعدة وحدها.

وحيث كان ما تقدم، وكان المشرع قد ألغى الأحكام الخاصة بالرياضة الواردة بالقانون رقم 77 لسنة 1975 بإصدار قانون الهيئات الخاصة للشباب والرياضة، بموجب نص المادة السادسة من القانون رقم 71 لسنة 2017 بإصدار قانون الرياضة، ونصت المادة السابعة منه على أنه "مع عدم الإخلال بالاختصاصات المخولة للهيئات الرياضية، يصدر الوزير المختص القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون ......". واستنادًا لذلك أصدر وزير الشباب والرياضة القرار رقم 605 لسنة 2017 بشأن اعتماد اللائحة المالية للأندية الرياضية، ونص في المادة (6) منها على أنه: "دون الإخلال بأحكام القانون وهذه اللائحة، يضع مجلس إدارة النادي ما يراه من أحكام لتنظيم أعماله الفنية والإدارية والمالية وعلى الأخص اللوائح الآتية: أولًا: ......، ثانيًا: اللائحة المالية الداخلية: تتضمن نظام تحصيل الإيرادات وصرف الاعتمادات ...... وتحديد فئات الاشتراك لكل نوع من أنواع العضوية وطريقــة تحصيلها والإجراءات التي تتبع في ذلك وأحوال التخفيضات من رسوم الاشتراك، والإعفاء من رسوم الالتحاق ........".

وحيث إن المادة الرابعة من القانون رقم 71 لسنة 2017، المار ذكره، تنص على أن "تضع اللجنة الأولمبية المصرية لائحة استرشادية للنظم الأساسية للهيئات الرياضية، تقوم بإرسالها إلى تلك الهيئات.

وتعقد الجمعيات العمومية للهيئات الرياضية اجتماعًا خاصًّا خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بالقانون المرافق يُخصص لوضع نظمها الأساسية، .... فإذا انتهت المدة المشار إليها ولم تجتمع هذه الجمعيات سواء لعدم اكتمال النصاب أو لغير ذلك من الأسباب، يعمل بأحكام النظام الأساسي الاسترشادي المشار إليه بعد نشره في الوقائع المصرية على نفقة الدولة، دون أن يخل ذلك بحق الجمعية العمومية في تعديل نظمها الأساسية، وفقًا للإجراءات المنصوص عليها في أحكام القانون المرافق". وإعمالًا لهذا النص عقدت الجمعية العمومية للنادي المدعي اجتماعًا خاصًّا بتاريخ 23/8/2017، لوضع لائحة النظام الأساسي للنادي، وإذ تمت الموافقة عليها، فقد صدر قرار اللجنة الأولمبية المصرية رقم 45 لسنة 2017 باعتماد لائحة النظام الأساسي لنادي سموحة الرياضي الاجتماعي، ونص في المادة (10) منه على أن "يقدم طلب الحصول على العضوية إلى إدارة النادي على النموذج المخصص لذلك مقابل إيصال، ....... ويخطر مقدم الطلب بقرار المجلس خلال شهر من تاريخ صدوره بخطاب موصى عليه بعلم الوصول، وفي حالة القبول يجب على مقدم الطلب سداد قيمة الالتحاق والاشتراك المقرر وجميع المبالغ واجبة السداد دون تمييز بين أي من المتقدمين للعضوية وذلك خلال شهرين من تاريخ تسلمه الخطاب، وإلا عدت الموافقة كأن لم تكن".

وحيث إن مؤدى ما تقدم جميعه أنه بصدور قانون الرياضة المار ذكره، وقرار وزير الشباب والرياضة رقم 605 لسنة 2017، بشأن اعتماد اللائحة المالية للأندية الرياضية، وصدور قرار اللجنة الأولمبية المصرية رقم 45 لسنة 2017، باعتماد لائحة النظام الأساسي لنادي سموحة الرياضي الاجتماعي، فقد أضحى النادي المدعي مخاطبًا بنص المادة (10) من لائحة نظامه الأساسي، على النحو المار ذكره؛ بما تزول معه المصلحة في الطعن على النص المطعون فيه، الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت النادي المدعي المصروفات.

الطعن رقم 51 لسنة 44 ق دستورية عليا " دستورية" جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۳/۰۸⁩

جمهورية مصر العربيــة

المحكمة الدستورية العليا

محضر جلسة

بالجلسة المنعقدة في غرفة مشورة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت القرار الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 51 لسنة 44 قضائية "دستورية"

المقامة من

محمد سعد عبد الجواد الشاذلي، صاحب شركة النور للاستيراد والتصدير

ضد

1- رئيس الجمهورية

2- رئيس مجلس الوزراء

3- رئيس مجلس النواب

4- السيد القاضي/ محمود العربي، رئيس محكمة شمال الجيزة ورئيس دائرة الجنح المستأنفة مركز إمبابة، في القضية رقم 20272 لسنة 2021 جنح مستأنف شمال الجيزة

5- السيد القاضي/ رئيس محكمة شمال الجيزة، وعضو يمين دائرة الجنح المستأنفة مركز إمبابة، في القضية رقم 20272 لسنة 2021 جنح مستأنف شمال الجيزة

6- فوزي محمد محمد عبد العال الشرقاوي، المجني عليه في القضية رقم 20272 لسنة 2021 جنح مستأنف شمال الجيزة

بطلب الحكم بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة (148) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968.

-------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن هذه المحكمة سبق أن حسمت المسألة الدستورية المثارة في هذه الدعوى المعروضة، وذلك بحكمها الصادر بجلسة 16/11/1996، في الدعوى رقم 38 لسنة 16 قضائية "دستورية"، حيث قضت برفض الدعوى، وقد نُشر الحكم بالجريدة الرسمية - العدد (47) بتاريخ 28/11/1996، وكان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون للأحكام والقرارات الصادرة منها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتبارها قولًا فصلًا لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا من أية جهة كانت، وهي حجية تحول دون المجادلة فيها، أو السعي إلى إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها؛ ومن ثم تغدو الدعوى المعروضة غير مقبولة.

لذلك

قررت المحكمة -في غرفة مشورة- عدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات.\

الطعن رقم 29 لسنة 44 ق دستورية عليا " منازعة تنفيذ" جلسة 7 / 3 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۳/۰۸⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 29 لسنة 44 قضائية "منازعة تنفيذ"

المقامة من

السيد علي أحمد الصغير

ضــــد

1- رئيس مجلس الوزراء

2- وزيــــر الماليــــــة

----------------

الإجـراءات

بتاريخ الثالث والعشرين من أكتوبر سنة 2022، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم، بصفة مستعجلة: بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية الصادر بجلسة 20/1/2020، في الدعوى رقم 9102 لسنة 71 قضائية، وفي الموضوع: بعدم الاعتداد به، والاستمرار في تنفيذ حكمي المحكمة الدستورية العليا، الصادر أولهما بجلسة 11/12/2005، في الدعوى رقم 125 لسنة 18 قضائية "دستورية"، والآخر بجلسة 12/5/2013، في الدعوى رقم 229 لسنة 29 قضائية "دستورية".

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، فقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وصرحت بتقديم مذكرات في أسبوع، انقضى دون تقديمها.

------------

المحكمــــة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق– في أن المدعي أقام الدعوى التي صار قيدها أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية برقم 9102 لسنة 71 قضائية، طعنًا على قرار لجنة الطعن الضريبي الصادر بجلسة 22/5/2011، في الطعن رقم 352 لسنة 2007 بتحديد وعاء الربط الإضافي عن الأعوام من 1991 إلى 1997 على النحو المبين بقرارها. وبجلسة 20/1/2020، حكمت المحكمة برفض الدعوى، بعد أن أعادت تكييفها باعتبارها دعوى إلغاء قرار لجنة الطعن الضريبي السالف فيما تضمنه من إعادة تحديد صافي الوعاء الضريبي للمدعي عن الأعوام من 1991 إلى 1997، وتساندت في قضائها إلى تقريري خبيري الدعوى، اللذين خلصا إلى أن المدعي مسجل لدى مصلحة الضرائب العامة، وأن نشاطه المهني –محام- وكيانه القانوني فردي، مسوغةً تقدير لجنة الطعن الضريبي عن تحديد وعاء الربط الإضافي. طعن المدعي على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، بالطعن رقم 41006 لسنة 66 قضائية "عليا". وبجلسة 28/11/2021، قضت دائرة فحص الطعون برفض الطعن.

وإذ ارتأى المدعي أن حكم محكمة القضاء الإداري السالف يمثل عقبة في تنفيذ حكمي المحكمة الدستورية العليا الصادر أولهما بجلسة 11/12/2005، في الدعوى رقم 125 لسنة 18 قضائية "دستورية"، وآخرهما بجلسة 12/5/2013، في الدعوى رقم 229 لسنة 29 قضائية "دستورية"؛ فقد أقام الدعوى المعروضة.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن قوام منازعة التنفيذ أن يكون تنفيذ الحكم القضائي لم يتم وفقًا لطبيعته، وعلى ضوء الأصل فيه، بل اعترضنه عوائق تحول قانونًا –بمضمونها أو أبعادها– دون اكتمال مداه، وتعطل تبعًا لذلك أو تقيد اتصال حلقاته وتضاممها بما يعرقل جريان آثاره كاملة دون نقصان؛ ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية هي ذاتها موضوع منازعة التنفيذ؛ تلك الخصومة التي تتوخى في غايتها النهائية إنهاء الآثار القانونية المصاحبة لتلك العوائق، أو الناشئة عنها، أو المترتبة عليها، ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها وإعدام وجودها، لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالتها السابقة على نشوئها. وكلما كان التنفيذ متعلقًا بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا فإن حقيقة مضمونه ونطاق القواعد القانونية التي يضمها، والآثار المتولدة عنها في سياقها، وعلى ضوء الصلة الحتمية التي تقوم بينها، هي التي تحدد جميعها شكل التنفيذ وصورته الإجمالية، وما يكون لازمًا لضمان فاعليته. بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها، وتنال من جريان آثارها في مواجهة الأشخاص الطبيعيين والاعتبارين جميعهم، دون تمييز، يفترض ثلاثة أمور، أولها: أن تكون هذه العوائق –سواء بطبيعتها أو بالنظر إلى نتائجها– حائلة دون تنفيذ أحكامها، أو مقيدة لنطاقها. وثانيها: أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام وربطها منطقيًّا بها ممكنًا، فإذا لم تكن لها بها من صلة فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها، منافية لحقيقتها ومضمونها. وثالثها: أن منازعة التنفيذ لا تعد طريقًا للطعن في الأحكام القضائية، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة.

وحيث إن الحجية المطلقة للأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى الدستورية – على ما استقر عليه قضاؤها – يقتصر نطاقها على النصوص التشريعية التي كانت مثارًا للمنازعة حول دستوريتها، وفصلت فيها المحكمة فصلًا حاسمًا بقضائها، ولا تمتد إلى غير تلك النصوص، حتى لو تطابقت في مضمونها. كما أن قوة الأمر المقضي لا تلحق سوى منطوق الحكم وما يتصل به من الأسباب اتصالًا حتميًّا، بحيث لا تقوم له قائمة إلا بها، مما مؤداه أن نطاق منازعة التنفيذ الذي يستنهض ولاية هذه المحكمة إنما يدور وجودًا وعدمًا مع نطاق حجية حكمها محل منازعة التنفيذ دون أن يتعداه.

وحيث إن المحكمة الدستورية العليا قد قضت بجلسة 11/12/2005، في الدعوى رقم 125 لسنة 18 قضائية "دستورية": "أولًا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة للفقرات (9 و10 و11) من المادة الأولى ونصوص المواد (27 و39 و157 و158) من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981. ثانيًا: بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (38) من القانون رقم 157 لسنة 1981، فيما تضمنه من أن يكون لمصلحة الضرائب عدم الاعتداد بالإقرار وتحديد الأرباح بطريق التقدير وذلك دون وضع ضوابط أو معايير لهذا التقدير". ونُشر الحكم بالجريدة الرسمية -العدد 52 (تابع) في 29/12/2005، كما قضت بجلسة 12/5/2013، في الدعوى رقم 229 لسنة 29 قضائية "دستورية": "أولًا: بعدم دستورية عجز الفقرة الثانية من المادة (103) من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981 المعدل بالقانون رقم 187 لسنة 1993، فيما تضمنه من تخويل مصلحة الضرائب عدم الاعتداد بالإقرار وتحديد الإيرادات والأرباح بطريق التقدير، دون وضع ضوابط أو معايير لهذا التقدير. ثانيًا:...". ونُشر الحكم بالجريدة الرسمية -العدد 21 (مكرر) في 26/5/2013.

وحيث إن حكم محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية الصادر بجلسة 20/1/2020، في الدعوى رقم 9102 لسنة 71 قضائية – المصور عقبة في تنفيذ حكمي المحكمة الدستورية العليا سالفي الذكر – المؤيد بحكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 41006 لسنة 66 قضائية "عليا" أقام قضاءه برفض الدعوى تأسيسًا على ما ثبت من تقريري الخبيرين المنتدبين في الدعوى من أن المدعي استعمل طرقًا احتيالية واردة بالمادة (152) من قانون الضرائب على الدخل سالف البيان، لإخفاء أرباحه وإيراداته الحقيقية خلال فترة الفحص الضريبي عن الأعوام محل الطعن الضريبي، وأن ما قدرته مأمورية الضرائب من ربط إضافي عن نشاطه المهني خلال هذه الفترة، وتأيد بقرار لجنة الطعن الضريبي، جاء إعمالًا للمادتين (152 و178) من القانون السالف؛ ومن ثم تنبت الصلة بينه وبين حكمي المحكمة الدستورية العليا سالفي الذكر، ولا يُعد الحكم المصور عقبة في التنفيذ عائقًا بطبيعته أو بالنظر إلى نتائجه أو يحول فعلًا أو من شأنه أن يحول دون تنفيذ الحكمين المنازع فيهما، لتنحل الدعوى المعروضة إلى طعن على قضاء محكمة الموضوع، مما يخرج عن ولاية هذه المحكمة، ولازمه القضاء بعدم قبول الدعوى.

وحيث إنه عن الطلب المستعجل بوقف التنفيذ، فإنه يعد فرعًا من أصل النزاع المعروض، وإذ انتهت المحكمة إلى القضاء بعدم قبول الدعوى على النحو المتقدم فإن قيامها بمباشرة اختصاص البت في هذا الطلب - وفقًا للمادة (50) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979- يكون قد بات غير ذي موضوع.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعي المصروفات.

حكم حج ذوي الاحتياجات الخاصة

تاريخ الفتوى: 07 يونيو 2009 م

رقم الفتوى: 4532

من فتاوى: أمانة الفتوى

التصنيف: ذوي الهمم

السؤال:

ما حكم الشرع بالنسبة لفريضة الحج لذوي الاحتياجات الخاصة والإعاقات الذهنية والجسدية؟

الجواب:

المسلمون من ذوي الإعاقات الجسدية لهم حكم الأصحاء شرعًا مِن وجوب الحج على المستطيع منهم، وكذلك الحال مع ذوي الإعاقات الذهنية التي لم تُخرجهم إعاقتُهم عن حَدِّ التكليف الشرعي، والحج يقع صحيحًا منهم مُسقِطًا للفريضة؛ سواء حجوا بمالهم أم بمال غيرهم.

وأما مَن كانت إعاقتُه الذهنية تُخرجه عن حدِّ التكليف الشرعي، فإن الحج والعمرة تصح منهم -لا على جهة الوجوب- إذا تم نقلهم إلى الأماكن المقدسة وقاموا بأداء الحج أو العمرة بأركانهما وشروطهما عن طريق مساعدة الغير لهم، ويكون ذلك في ميزان حسناتهم، وإن كان ذلك لا يُغنِي عن حج الفريضة وعمرة الفريضة -عند مَن يقول بفرضيتها- إذا عُوفِي المعاق ذهنيًّا من مرضه وإعاقته وصار مُكَلَّفًا.....

يتفرد الحج ومثله العمرة عن سائر العبادات بأحكامٍ وطبيعةٍ مختلفة؛ منها: أنه يجمع بين العبادة المالية والبدنية، على حين أن الزكاة عبادة مالية، وأما الصلاة والصوم فعبادتان بدنيتان. ومنها: أن للحج مكانًا محددًا لإقامة شعائره، على حين أن العبادات الأخرى ليس لها مكان محدد. ومنها: أن الحج إذا فَسَدَ وَجَبَ المُضِيُّ فيه وإتمامُه، ثم قضاء حج آخر مكانه، بينما بقية العبادات إذا فَسَدَت فقد خرج المكلف منها قَهرًا، ولا يَمضِي فيها ويجب قضاؤها أو إعادتها. ومنها: أن هناك فرقًا في الحج بين الركن والواجب، بينما في بقية العبادات لا فرق عند جمهور العلماء فيها بين الركن والواجب. ومنها: أنه يمكن الحج والعمرة عن الحي غير القادر على المناسك، بمعنى غير المستطيع للوصول إلى الأراضي المقدسة والثبات على الدابة أو الراحلة، وهو المسمى في الفقه بـالمَعضُوب، بينما سائر العبادات لا يقوم فيها الغير عن المكلف في حياته. وغير ذلك من الفروق بين الحج والعمرة من جهةٍ وبين سائر العبادات من جهةٍ أخرى.

ولهذا كان الحج ذا طبيعة خاصة؛ حيث إنه لا يجب إلا مرة واحدة في العُمُر، خلافًا لبقية العبادات. ومنها -وهذا الذي يعنينا الآن في الجواب على السؤال المطروح-: أن الحج يُقبَل مِن المكلف ومن غير المكلف ولو غير مُمَيِّز، بمعنى أنه يُثاب عليه إذا أداه عنه غيره صحيحًا مستوفيًا الأركان والشروط. أما الصلاة والصوم فغاية أمرهما أنهما يصحان مِن غير المكلف إذا أداهما بأركانهما وشروطهما بشرط أن يكون مميزًا، وإن كان لا يطالب المميز بهما، وإنما المخاطب في ذلك هو الولي الشرعي له؛ من والدٍ أو والدةٍ أو وَلِيٍّ أو وَصِيّ، بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الصلاة: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه رضي الله تعالى عنه، وفي رواية: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِثَلَاثَ عَشْرَةَ» رواها الدارقطني، والطبراني في "الأوسط". وقيس على الصلاة الصيامُ وغيرُه بجامع العبادة البدنية في كُلٍّ.

أما الحج فلخصوصيته التي سبق الكلام عليها وعلى مظاهرها كان الثواب لاحقًا لمَن صدر منه بنفسه أو بمساعدة الغير ولو كان طفلًا غير مميز، ولو رضيعًا، أو كان بالغًا ولكن اختل تكليفُه الشرعي بنقص في عقله أو بإعاقة في ذهنه.

والدليل على ذلك: ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أنه لقي رَكبًا بالرَّوحاء، فقال: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»، وفي رواية الطبراني في "الكبير" و"الأوسط": رفعت صبيًّا لها في خِرقة؛ مما يدل على أنه كان رضيعًا. ويُقاس على الطفلِ غيرِ المميز المجنونُ والمُعاق ذهنيًا إعاقة تُخرجه عن التكليف بجامع ارتفاع التكليف عن كُلٍّ.

وعليه: فإن المسلمين من ذوي الإعاقات الجسدية فقط لهم حكم الأصحاء شرعًا، مِن وجوب الحج على المستطيع منهم إما بنفسه أو بغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:97]، وكذلك الحال مع ذوي الإعاقات الذهنية التي لم تُخرجهم إعاقتُهم عن حَدّ التكليف الشرعي؛ بأن كان سنه العقلي لا العمري هو سن البالغين المدركين لما حولهم؛ بأن يكون خمسة عشر عامًا فما فوق، أو أقل من خمسة عشر عامًا ولكنه يكون برأي المختصين مدركًا للأمور الحسِّيّة المتعلقة بالجنس الآخر كما يشعر بها مَن احتلم من الذكور أو احتلمت أو حاضت من الإناث؛ سواء أَجَمَعُوا بين الإعاقة الجسدية وهذا النوع من الإعاقة الذهنية أم اقتصر الأمر على إعاقتهم الذهنية فقط، والحج يقع صحيحًا منهم مُسقِطًا للفريضة؛ سواء أحجوا بمالهم أو بمال غيرهم.

وأما مَن كانت من المسلمين إعاقتُه الذهنية تُخرجه عن حدّ التكليف السابقِ تحديدُه، فإن الحج ومثله العمرة تصح منهم إذا تم نقلهم إلى الأماكن المقدسة وقاموا بأداء الحج أو العمرة بأركانهما وشروطهما عن طريق مساعدة الغير لهم؛ سواء أكان ذلك بأموالهم أو بأموال غيرهم، ومعنى ذلك أنه يوضع ذلك في ميزان حسناتهم، وتُرفَع بها درجاتهم، وإن كان ذلك لا يُغنِي عن حج الفريضة أو عمرة الفريضة عند مَن يقول بوجوب العمرة كالشافعية، بمعنى أن المعاق ذهنيًّا إعاقةً تُخرِجه عن التكليف إذا عُوفِي من مرضه وإعاقته وصار مكلفًا وجبت عليه حجةُ الفريضة وعمرة الفريضة عند مَن يقول بفرضيتها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

قيام الإشارة أو الكتابة لذوي الهمم مكان الكلام

تاريخ الفتوى: 30 أغسطس 2021 م

رقم الفتوى: 6548

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: التقاضي والشهادات

السؤال:

يقول السائل: هل الإشارة أو الكتابة بالنسبة للأشخاص من ذوي الهمم من فاقدي حاستي السمع والكلام تقوم مقام الكلام؟

الجواب:

المستقر عند كافَّة الفقهاء أنَّ الإشارة المعهودة المُفْهِمة من غير القادر على النطق كالعبارة من الناطق، وكذلك الكتابة منه تقوم مقام اللفظ إذا كانت تبيّن المراد، ويكون ذلك في بيان ما له من حقوق وما عليه من واجبات.

أمَّا في مقام العقوبة؛ فينبغي ألَّا يكون ذلك إلا بما يُعَبّر عن إرادته على جهة اليقين.

لقد ضبط الفقه الإسلامي أحكام تعبير فاقد النطق عن إرادته، ولم يخلُ باب من أبواب الفقه من الحديث عن إشارة الأخرس وكتابته أثناء الحديث عن ركن الصيغة.

والمستقر عند كافَّة فقهاء المذاهب أنَّ الإشارة المعهودة المُفْهِمة من الأخرس كالعبارة من الناطق.


والإشارة المعهودة: هي التي تَصَالَحَ عليها الناس واتخذوها بينهم أداة للتعبير والإفهام.

كما أنَّ الكتابة منه تقوم مقام اللفظ إذا كانت مستبينة؛ كالكتابة على الورق؛ لأنها كالقول في الإبانة عن المراد.

قال العلَّامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (5/ 302، ط. دار الكتب العلمية): [(وطلاق الأخرس واقع بالإشارة) ش: إن كانت له إشارة تُعْرَف في نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشرائه يقع استحسانًا، سواء قدر على الكتابة أم لا، وبه قال الشافعي ومالك لأنَّه يحتاج إلى ما يحتاج إليه الناطق، ولو لم يُجْعَل إشارته كعبارة الناطق لأدَّى إلى الحرج وهو مدفوع شرعًا] اهـ.

وقال العلامة المرغيناني في "الهداية ومعها شرح العناية" (10/ 524، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا قُرئ على الأخرس كتابُ وصيته فقيل له: أنشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فأومأ برأسه: أي نعم أو كتب، فإذا جاء من ذلك ما يعرف أنه إقرار فهو جائز] اهـ.

وقال العلَّامة السرخسي في "المبسوط" (18/ 172، ط. دار المعرفة): [وإقرار الأخرس إذا كان يكتب ويعقل جائزٌ في القصاص وحقوق الناس؛ لأن له إشارة مفهومة تَنْفُذُ تصرفاته بتلك الإشارة، ويحتاج إلى المعاملة مع الناس فيصح إقراره بحقوق العباد] اهـ.

قال الإمام القرافي في "الذخيرة" (4/ 304، ط. دار الغرب الإسلامي): [وتقوم مقام اللفظ الإشارةُ والكتابةُ من الأخرس] اهـ.

وقال الإمام الشيرازي في "المهذب في فقه الإمام الشافعي" (3/ 86، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الأخرس فإنه إن لم يكن له إشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصحّ لِعَانُهُ؛ لأنه في معنى المجنون، وإن كانت له إشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لِعَانُهُ؛ لأنه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكان كالناطق في لِعَانِهُ] اهـ.

وقال العلَّامة ابن قدامة المقدسي في "الكافي في فقه الإمام أحمد" (3/ 21، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا فُهِمت إشارة الأخرس صحَّ النكاح بها؛ لأنَّه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصحَّ بإشارته، كبيعه] اهـ.

كما نصَّ "قانون الإثبات" في المادة 83 منه على مَن لا قدرة له على الكلام يؤدي الشهادة إذا أمكن أن يبيِّن مراده بالكتابة أو بالإشارة.

والاعتداد بالكتابة والإشارة بالنسبة للأبكم أو الأصم الأبكم على ما قرره الفقهاء هو فرع الاعتراف له بأهلية الأداء، والتي هي عبارة عن ثبوت الصلاحية القانونية لما يصدر عن الشخص من تصرفات وأعمال، للتمتع بالحقوق على النحو الأكمل، فالإحاطة بجوانب الأمور والتعبير عن الإِرادةِ هي قوام أهليَّة الأداء.

وهذا ما قرَّره القانون المدني في المادة 93 منه، والتي نصَّت على: [التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المتداولة عُرفًا، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على حقيقة المقصود] اهـ.

إلَّا أنَّه ينبغي التفرقة بين اعتبار إشارة الأبكم في اكتساب الحقوق، وبين اعتبار إشارته في التزامه بالواجبات، وإقراره للغير بالحقوق، وفي اعتبارها سببًا في إنزال العقوبة أو إقامة الحد عليه؛ إذ ينبغي ألَّا يكون ذلك إلا بما يعبر عن إرادته على وجه اليقين، وهو ما جرى عليه فقهاء الحنفية.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الأحد، 26 أبريل 2026

حكم حجر الأم على ابنها الرشيد الذي طرأ عليه السفه دون حكم قضائي

تاريخ الفتوى: 17 يوليو 2024 م

رقم الفتوى: 8415

من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

التصنيف: الحجر

السؤال:

ما حكم منع الابن الرشيد من التصرف في ماله دون حكم قضائي إذا طرأ عليه السفه بعد البلوغ؟ لأن ابني بلغ رشيدًا، وله مال خاص به، ثم طرأ عليه السفه بعد البلوغ فصار مبذِّرًا في ماله، فهل يجوز لي أن أمنعه من التصرف في ماله دون حكمٍ قضائيٍّ؟

الجواب:

لا يجوز للأم أن تحجر على ابنها الذي بلغ رشيدًا ثم طرأ عليه السفه دون حكمٍ قضائيٍّ، بل عليها أن ترفع الأمر إلى القضاء، وذلك لما لديه من سلطات واسعة في التحقيق والإثبات التي لا تتوفر لدى آحاد الناس، والتي بها يتوصل إلى ثبوت السفه من عدمه، وما يقضي به القاضي يتعين العمل به.


حفظ المال مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية

الأصل في الإنسان المكلف أنه أحق بماله يتصرف فيه كيفما شاء ما دام أهلًا للتصرف، بأن كان بالغًا عاقلًا رشيدًا، فإذا قام به عارضٌ من عوارض الأهلية، مُنِعَ من التصرف في ماله مُراعاةً لمصلحته وحِفظًا للمال من الضياع؛ إذ المقرَّر أنَّ حفظ المال مقصدٌ من المقاصد الكلية التي راعتها الشريعة الإسلامية وأمرت بالمحافظة عليه.

قال الشيخ محمد بن علي المكي المالكي في "تهذيب الفروق" (3/ 247، ط. عالم الكتب): [مقصود الشرع حفْظُ المال عن الضياع] اهـ.

ومن مظاهر ذلك: الحجر على السفيه، وهو الذي يصرف ماله في غير موضعه، ويُبذِّر في مصروفاته، ويضيع أمواله، ويتلفها بالإسراف، وذلك حتى لا يصبح في ضيقٍ من عيشه ويصبح عالةً على غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5].

قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (5/ 30، ط. دار الكتب المصرية): [دلت الآية على جواز الحجر على السفيه، لأمر الله عز وجل بذلك في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾] اهـ.

بيان ضابط السفه عند الفقهاء

ضَبَطَ الفقهاءُ السفهَ بأنَّه: خفةٌ تعتري الإنسان فتحمله على العمل بخلاف مُوجَبِ الشرع والعقل مع قيام العقل، وَمَنْ عادَتُهُ التبذير والإسراف في المال، والتصرف فيه لا لغرضٍ، أو لغرضٍ لا يَعُدُّهُ العقلاء من أهل الديانة غرضًا، كالإلقاء في البحر، والإحراق بالنار، وشراء الحمام الطيارة بثمن غالٍ، والغبن الفاحش في التجارات من غير محمدةٍ، فهو السفيه، كما في "العناية شرح الهداية" لأكمل الدين البابرتي الحنفي (9/ 259، ط. دار الفكر).

حكم الحجر على السفيه الذي طرأ عليه السفه بعد بلوغه رشيدًا

قد اختلف الفقهاء في الحجر على السفيه الذي طرأ عليه السفه بعد بلوغه رشيدًا على مذهبين:

فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنَّه يُحجَرُ عليه، ويُمنع من التصرف في المال، حتى يصير راشدًا مُحسنًا للتصرف، وهذا هو قول الصاحبين أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية.

قال الإمام أبو الحسين القُدوري الحنفي في "مختصره" (ص: 95، ط. دار الكتب العلمية): [قال أبو يوسف ومحمد: يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله] اهـ.

وقال الإمام الحطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (5/ 64، ط. دار الفكر): [ويحجر على البالغ السفيه في ماله، وإن كان شيخًا، ولا يتولى الحجر إلا القاضي] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "منهاج الطالبين" (ص: 124، ط. دار الفكر): [فلو بَذَّرَ بعد ذلك حُجِرَ عليه] اهـ.

قال العلَّامة الخطيب الشربيني شارحًا في "مغني المحتاج" (3/ 140، ط. دار الكتب العلمية): [(فلو بَذَّرَ بعد ذلك) أي: بعد بلوغه رشيدًا (حُجِرَ) أي حجر القاضي (عليه)] اهـ.

وقال الإمام البُهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (3/ 527، ط. دار الكتب العلمية): [(وإن فك عنه الحجر) بأن بلغ عاقلًا رشيدًا (فعاوده السفه) أعيد الحجر عليه (أو جُنَّ) بعد بلوغه ورشده (أُعِيدَ الحجر عليه) لأنَّ الحكم يدور مع علته] اهـ.

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنَّه لا يُحجَرُ عليه، ولا يُمنَعُ من التصرف في المال، فتصرفه في ماله جائزٌ، وإن كان مبذرًا مفسدًا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة.

قال الإمام القدوري الحنفي في "مختصره" (ص: 95): [قال أبو حنيفة: لا يحجر على السفيه إذا كان بالغًا عاقلًا حرًّا، وتصرفه في ماله جائز، وإن كان مبذرًا مفسدًا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة] اهـ.

والذي عليه أكثر أهل العلم: أنَّه يحجر على السفيه ولو طرأ عليه السفه بعد بلوغه رشيدًا، قال الإمام أبو الحسن ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (2/ 179، ط. الفاروق الحديثة): [الأكثر من أهل العلم يوجبون الحجر على الحر البالغ المُضَيِّعِ لماله صغيرًا كان أو كبيرًا] اهـ.

وقت ابتداء الحجر على السفيه، وما عليه القانون

ومع اتفاق الجمهور على ذلك، إلا أنَّهم اختلفوا في وقت ابتداءِ الحجرِ عليه، هل يكون بمجرد ظهور السفه، أم أنَّه يحتاج إلى حكم القاضي؟ على ثلاثة مذاهب، المُختَار منها للفتوى وما أخذ به القانون: أنَّه لا يثبت الحجر عليه إلا بحكم القاضي، وذلك أن التبذير والإسراف شيءٌ غير منضبط، ولا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق القاضي؛ لاختلاف النظر فيه بين آحاد الناس، وما تختلف فيه الأنظار لابد من اللجوء فيه إلى القضاء كما قرره الإمام القرافي رحمه الله تعالى، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية -في الأصح عندهم- والحنابلة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية.

قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (7/ 169، ط. دار الكتب العلمية): [... هل يصير محجورًا عليه بنفس السفه أم يقف الانحجار على حجر القاضي؟ قال أبو يوسف: لا يصير محجورًا إلا بحجر القاضي] اهـ.

وقال الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (6/ 95، ط. دار الفكر): [ويحجر على البالغ السفيه في ماله، وإن كان شيخًا، ولا يتولى الحجر إلا القاضي] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (4/ 182، ط. المكتب الإسلامي): [فرعٌ: لو عاد التبذير بعدما بلغ رشيدًا، فوجهان:... وأصحهما: لا يعود، لكن يعيده القاضي] اهـ.

وقال الإمام البُهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 178، ط. عالم الكتب): [ولا يَحجر عليه (ولا يَنظر في ماله إلا حاكمٌ) لاختلاف التبذير الذي هو سبب الحجر عليه ثانيًا فيحتاج إلى الاجتهاد] اهـ.

وهو ما نصَّ عليه قانون الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 في المادة 65، فقال: [يُحكم بالحجر على البالغ للجنون أو للعته أو للسفه أو للغفلة، ولا يُرفع الحجر إلا بحكمٍ، وتُقيم المحكمة على من يُحجر عليه قيِّمًا لإدارة أمواله وفقًا للأحكام المقررة في هذا القانون] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فلا يجوز للأم أن تحجر على ابنها الذي بلغ رشيدًا ثم طرأ عليه السفه دون حكمٍ قضائيٍّ، بل عليها أن ترفع الأمر إلى القضاء، وذلك لما لديه من سلطات واسعة في التحقيق والإثبات التي لا تتوفر لدى آحاد الناس، والتي بها يتوصل إلى ثبوت السفه من عدمه، وما يقضي به القاضي يتعين العمل به.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

حكم الاستعانة على قيادة السيارات والمركبات بتعاطي المخدرات

تاريخ الفتوى: 09 أغسطس 2025 م

رقم الفتوى: 8729

من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية

التصنيف: أطعمة وأشربة

السؤال:

ما حكم الاستعانة على قيادة السيارات والمركبات بتعاطي المخدرات؟ فأنا أعمل سائق شاحنة، وأشاهد بعض زملاء المهنة يتعاطون أنواعًا من المخدرات، وعند مناقشتهم وجدتهم يبررون ذلك بأنها تعينهم على القيادة وتقلل الشعور لديهم بالإرهاق نتيجة المواصلة في العمل لمدد كبيرة ولمسافات طويلة، فأرجو بيان الحكم الشرعي في ذلك.

الجواب:

يجب شرعًا اجتناب المخدرات سواء كان الإنسان يقود مركبة أو لا، ومَن تعاطى شيئًا منها أثناء القيادة فهو أشد إثمًا وأعظم ضررًا وأخطر جُرْمًا.

وتشدد دار الإفتاء المصرية على السائقين ألا يقود أحدهم مركبته ويُسَيِّرها عبر الطرق إلا وهو في حال إفاقةٍ ونشاطٍ وقدرةٍ ورؤيةٍ ودرايةٍ لكي يراعي قواعد المرور ومعايير الأمان والسلامة المقررة في أنظمة تسيير المركبات ويتقيد بها، ويحدد السرعة المعقولة والمسافات الآمنة بينه وبين الآخرين. 

نعمة العقل وضرورة المحافظة عليه

امتن الله تعالى على الإنسان بنعمة العقل الذي به يكون الإدراك والتمييز، وعليه مدار التكليف، وشَرَع من الأحكام ما من شأنها حفظ العقل لدى كل إنسان؛ مما يحول بينه وبين أن تصيبه آفة تُعْجِزه أو تُتْلِفُه أو تجعل صاحبَه مصدرَ ضرر وأذى على المجتمع أو أن يكون أداة فساد فيه.

من أجل ذلك أوجب الشرع الشريف اجتنابَ كلِّ ما من شأنه تغييب عقل الإنسان وفقدان حسه ووعيه؛ وحرَّم ارتكاب ذلك باعتباره إلقاء بالنفس في المهالك؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].

قال العلامة الطاهر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (2/ 215، ط. الدار التونسية): [ووقوع فعل: (تُلْقُوا) في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة، أي: كل تسبب في الهلاك عن عمد، فيكون منهيًّا عنه محرمًا] اهـ.

بيان المراد بالمخدرات وأثرها على الإنسان

المخدرات جمع مُخَدِّر، وهو مأخوذ من الخَدَر (بالتحريك)، ويطلق في اللغة على عدة معان كالظلمة والضعف والفتور والكسل والستر، كما في "المجموع المغيث" لأبي موسى الأصبهاني (مادة "خدر" 1/ 554، ط. دار المدني)، و"تاج العروس" للمرتضى الزبيدي (مادة "خدر" 11/ 141، ط. دار الهداية).

والمخدِّر اصطلاحًا: "مادة تُسَبِّب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتةٍ" كما في "المعجم الوسيط" لمجمع اللغة العربية بالقاهرة (باب الخاء، 1/ 220، ط. دار الدعوة).

ومن الجهة القانونية فالمخدرات تشمل كلَّ مادةٍ طبيعية أو تركيبية أُدرِجَت في جداول وأحكام القانون رقم 182 لسنة 1960م وتعديلاته اللاحقة في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وما يُضاف إليه من مواد أولًا بأول بحسب ما يصدر من قرارات الجهة المختصة.

ولا يخفى ما للمخدرات من أثر ضارٍّ على العقل والجسد البشريين، يدل على ذلك تلك الحالة التي تغشى عقل المتعاطي وتؤثر سلبًا على تفكيره وتوازنه وتوَلِّد في أعصابه الكسل والثِّقل والفتور، مما يجعل المخدرات أيًّا كان نواعها في حُكْم المسكرات بجامع تغير العقل أو التأثير عليه من وجه، والضرر بالعقل والجسم وما تسببه من أمراض وآثار ضارة خطيرة ومتنوعة من وجه آخر.

وقد أكد صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي على أن مخدر الحشيش -على سبيل المثال- يحتوي على مادة تسبب الهلاوس والضلالات والعديد من الاضطرابات النفسية، كما يسبب تعاطي مخدر الحشيش تليف الرئة، وانخفاضا في ضغط الدم، وضمور خلايا المخ، وضعف القدرة الجنسية، وأنه -وفقا لتقرير الأمم المتحدة- فإن السائقين الذين يقودون تحت تأثير مخدر الحشيش تزداد احتمالية تسببهم في الحوادث بمقدار ثلاثة أضعاف مقارنة بغيرهم من السائقين نظرًا لتأثير الحشيش على إدراك المسافات والزمن.

بيان الأصل في حرمة تناول المخدرات

الأصل في حرمة تناول المخدرات بشتى أنواعها ما روته أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، قالت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ مسكرٍ ومُفَترٍ» أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وإسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 44، ط. دار المعرفة). و"المُفَتِّر" كما قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر" (3/ 408، ط. المكتبة العلمية) في ضبطه: [الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار. يقال: أفتر الرجل فهو مفتر: إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه] اهـ.

وقال العلامة محمد بن علي بن حسين المكي المالكي في "تهذيب الفروق" (1/ 216، ط. عالم الكتب، مطبوع مع "الفروق" للإمام القرافي): [فسَّر غير واحد التفتيرَ باسترخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهنٍ وانكسارٍ] اهـ.

والمفتر حكمه حكم المُسْكِر؛ وذلك لأن القاعدة الأصولية تُقَرِّر أنه: "إذا ورد النهي عن شيئين مقترنين ثم نصَّ على حكم النهي عن أحدهما من حرمة أو غيرها أُعطِيَ الآخرُ ذلك الحكم بدليل اقترانهما في الذكر والنهي، وفي الحديث المذكور ذكر المُفَتِّر مقرونًا بالمسكر، وتقرَّر عندنا تحريم المسكر بالكتاب والسُّنَّة والإجماع فيجب أن يُعطَى المفتر حكمه بقرينة النهي عنهما مقترنين" كما جاء في "تهذيب الفروق" للعلامة محمد بن علي بن حسين المكي المالكي (1/ 216).

كما أن المُسْكِر والمُخَدِّر يجتمعان في عِلةٍ مؤثرة وهي تغييب العقل أو التأثير عليه؛ رغم وجود عموم مطلق بينهما؛ إذ كلُّ مخدرٍ مسكر وليس كلُّ مسكرٍ مخدرا، ذلك لأن "الإسكار يُطْلَق ويُراد به مطلق تغطية العقل، وهذا إطلاق أعم، ويُطلق ويُراد به تغطية العقل مع نشأة وطرب، وهذا إطلاق أخص وهو المراد من الإسكار" كما قال شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي الشافعي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (4/ 230، ط. المكتبة الإسلامية).

كما أنَّ ما ورد من اختلاف بين الفقهاء في عَدِّ المخدرات من المسكرات أو من المفسدات -كما في "الفروق" للإمام القرافي (1/ 217) في الفرق الأربعين بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات وقاعدة المفسدات- كان وفق معارف هاتيك الأزمان بحسب ما ثبت لديهم من جانب الوجود والتجربة، وإنما الذي أثبته العلم في العصر الحديث أن المخدرات فيها مفاسد الخمر ومضاره، بل قد تزيد عليها؛ حيث تسبب الإدمان حيث يُعتبر مرضًا خطيرًا له بُعد بيولوجي ونفسي على الإنسان، بالإضافة إلى الأضرار الخطيرة بالمجتمع؛ مما يجعل الجزم بتحريمها قليها وكثيرها وكافة أنواعها هو الأقرب للأدلة والقواعد الشرعية، والأوفق للمقاصد الكلية المقررة حفظ العقل وحماية المجتمع وتأمينه من أي إخلال أو عبث.

تجريم القانون المصري لتعاطي المخدرات

قد جرَّم المشرع المصري تعاطي المخدرات؛ حيث نصت المادة (39- الفقرة الأولى، والثانية) من القانون رقم 182 لسنة 1960م -والمستبدلة بالمادة الأولى من القانون رقم (122) لسنة 1989م- على: [يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة آلاف جنيه كلُّ مَن ضُبِطَ في مكان أعد أو هُيِّئَ لتعاطي الجواهر المخدرة وذلك أثناء تعاطيها مع علمه بذلك. وتزداد العقوبة إلى مثلها إذا كان الجوهر المخدر الذي قدم هو الكوكايين أو الهيروين أو أي من المواد الواردة بالقسم الأول من الجدول رقم(1)] اهـ.

حكم الاستعانة على قيادة السيارات والمركبات بتعاطي المخدرات

يظهر ممَّا سبق وجوب اجتناب المخدرات أيًّا كان نوعها، وحرمة تعاطيها بأي وسيلة كانت سواء كان الإنسان يقود مركبة أو آلة أو لا؛ بل تشتد هذه الحرمة إذا كان التعاطي للمخدر أثناء القيادة وتسيير المركبة -كما في مسألتنا-، لما يترتب عليه من خطر بالغ وضرر شديد محقق للسائق نفسه ولغيره ممن يركب معه أو مَن يُشاركونه في السير على الطريق، في الأرواح وفي الممتلكات العامة والخاصة؛ ذلك أن المركبة أيًّا كان نوعها ما هي إلا آلة في يد السائق ولا تتحرك البتة إلا بفعلٍ منه، ولا بد أن يسير وفق الأصل الفقهي الذي يقرر أن "المرور في طريق العامة مباحٌ بشرط السلامة".

قال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية" (4/ 479، ط. دار إحياء التراث العربي): [الأصل أن المرور في طريق المسلمين مباحٌ مُقيدٌ بشرطِ السلامة؛ لأنه يتصرف في حقِّه من وجه وفي حقِّ غيره من وجهٍ لكونه مشتركًا بين كلِّ الناس] اهـ.

وقال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (26/ 188، ط. دار المعرفة): [وما يكون حقًّا للجماعة يُباح لكلِّ واحدٍ استيفاؤه بشرط السلامة؛ لأنَّ حقَّه في ذلك يمكنه من الاستيفاء، ودفع الضرر عن الغير واجبٌ عليه فيُقَيد بشرط السلامة؛ ليعتدل النظر من الجانبين] اهـ.

موقف القانون المصري من القيادة تحت تأثير المخدرات

قد منع قانون المرور المصري رقم 66 لسنة 1973م، والمعدل بالقانون 155 لسنة 1999م مَن قاد مركبة وهو تحت تأثير مادة مخدرة أو مُسْكِرة من السير والقيادة، ووضع له جملة من العقوبات؛ حيث نصت المادة (66) منه على: [يُحْظَر قيادة أية مركبة على مَن كان واقعًا تحت تأثير خمر أو مخدر وإلا سحبت رخصة قيادته إداريًّا لمدة تسعين يومًا، ولضباط وأمناء ومساعدي الشرطة والمرور عند الاشتباه فحص حالة قائد المركبة بالوسائل الفنية التي يحددها وزير الداخلية بالاتفاق مع وزير الصحة، أو إحالته إلى أقرب مقر شرطة أو مرور لإحالته إلى أقرب جهة طبية مختصة؛ لفحصه فإذا امتنع أو لجأ إلى الهرب سحبت رخصته إداريًّا للمدة المذكورة، وعند ارتكاب ذات الفعل خلال سنة تلغى الرخصة إداريًّا لمدة ستة أشهر في الحالتين، فإذا تكرر ذلك سحبت الرخصة نهائيًّا، ولا يجوز إعادة الترخيص قبل انقضاء سنة على الأقل من تاريخ السحب] اهـ.

كما نصت المادة (76) منه على: [مع عدم الإخلال بالتدابير المقررة في هذا القانون أو بأية عقوبة أشد في أي قانون آخر، يُعاقب كلُّ مَن قَادَ مركبةً وهو تحت تأثير مخدر أو مسكر بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنية ولا تزيد على ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتُضاعف العقوبة عند العود إلى الفعل ذاته خلال سنة من تاريخ الحكم النهائي بالإدانة] اهـ.

الرد على دعوى أن تعاطي المخدرات يعين على القيادة

ما ذُكِر في السؤال على لسان السائقين من كون تعاطي المخدرات يعينهم على القيادة ويقلل من الشعور بالإرهاق فدعوى تنطوي على الفساد والأذى، وتخفي وراءها أضرارًا ومخاطر جمة؛ بل إن ذلك محض تزيين الشيطان للمعصية والجريمة المتعدية؛ لأنه والحال هذه لا يُعَدُّ اضطرارًا يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، فكان من قبيل إزالة ضرر متوهَّم بضرر ظاهر متحقق، وهذا غير جائز، وقد تقرر أن "الضرر يُزال"، وهي قاعدة كلية عليها مدار الإسلام وأحكامه.

إنما الواجب في مثل هذه الحالة أن يُعرض الإنسان على الطبيب المختص ليقرر له العلاج المناسب ويُقَدِّم له النصائح والتعليمات الطبية اللازمة لمعالجة العَرَض المُشْتَكَى منه، فلا كانت المخدرات للإنسان فيها شفاءٌ؛ ولأن "الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حُرِّم علينا" كما قال الإمام الجصاص الحنفي في "شرح مختصر الطحاوي" (2/ 38، ط. دار البشائر الإسلامية).

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فيجب شرعًا اجتناب المخدرات سواء كان الإنسان يقود مركبة أو لا، ومَن تعاطى شيئًا منها أثناء القيادة فهو أشد إثمًا وأعظم ضررًا وأخطر جُرْمًا. وتشدد دار الإفتاء المصرية على السائقين ألا يقود أحدهم مركبته ويُسَيِّرها عبر الطرق إلا وهو في حال إفاقةٍ ونشاطٍ وقدرةٍ ورؤيةٍ ودرايةٍ لكي يراعي قواعد المرور ومعايير الأمان والسلامة المقررة في أنظمة تسيير المركبات ويتقيد بها، ويحدد السرعة المعقولة والمسافات الآمنة بينه وبين الآخرين.

والله سبحانه وتعالى أعلم.