التزام محكمة الجنايات بدرجتيها باستطلاع رأي مُفتي الجمهورية في أحكام الإعدام
"دراسة تحليلية في ضوء اتجاه محكمة النقض وضوابط التفسير القضائي"
القاضي الدكتور
أحمد أبو هشيمة
نائب رئيس محكمة النقض
سبتمبر 2026
مقدمة البحث:
يُعدُّ استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل النطق بحكم الإعدام أحد أبرز الضمانات الإجرائية الجوهرية التي قررها المشرع المصري في الجنايات، لما تنطوي عليه هذه العقوبة من إنهاء للحياة البشرية، وهي ضمانة تتصل بالنظام العام ويترتب على إغفالها بطلان الحكم. ومع صدور القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، والذي استحدث نظام التقاضي في الجنايات على درجتين عبر إنشاء "محاكم الجنايات المستأنفة" - وسار على ذات الدرب قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 - دخلت السياسة الجنائية في مصر مرحلة جديدة تهدف إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.
بيد أن هذا التحول التشريعي قد أثار إشكالية قانونية وعملية معقدة تتعلق بمدى تكرار هذا الالتزام الإجرائي أمام محكمة الدرجة الثانية. فقراءة النص التشريعي الجديد وفقاً لصريح عبارته تشير إلى أن التزام أخذ رأي المفتي يقع على عاتق محكمة جنايات أول درجة قبل إصدار حكمها بالإعدام، ويمتد ذات الالتزام بالضرورة إلى محكمة الجنايات المستأنفة إذا ما قضت بتأييد حكم الإعدام أو تشديد العقوبة المقيدة للحرية بناءً على استئناف النيابة العامة. ولما كان هذا التعديل حديث العهد، فقد تباينت الرؤى القضائية في تفسيره، مما استدعى تدخل محكمة النقض لضبط الإيقاع الإجرائي، إلا أن هذا التدخل أسفر بدوره عن اتجاهات متباينة بين دوائرها، مما جعل من دراسة هذا الموضوع ضرورة ملحة لتحديد المسار القانوني السديد.
وفي هذا السياق، تبرز محكمة النقض كقمة الهرم القضائي في المنظومة القانونية المصرية، ليست مجرد جهة رقابية عليا تُوحّد تطبيق القانون وتُقرّر المبادئ القانونية المستقرة فحسب، بل هي منبع إلهام أصيل لكل باحث قانوني يغوص في أعماق الفكر القانوني وأدوات البحث العلمي. فأحكامها الرفيعة، التي تُستخلص بعناية فائقة، تشكل خريطة طريق مضيئة توجه الباحث نحو منهجية دقيقة في تحليل النصوص التشريعية، وتفسيرها بما يتوافق مع روح العدالة، واستخلاص المبادئ من الوقائع المعقدة.
إن هذه المحكمة التليدة تُلهم الباحثين بترسيخها لقيم الدقة والعمق في البحث، حيث تُعلّم كيفية التوفيق بين الظاهر والمقصود، وكيفية بناء الاجتهاد على أسس متينة من التحليل المنطقي والتاريخي للتطور القضائي. ومن ثم، فإن كل اجتهاد قانوني يصدر عن باحث، حتى لو بدا في ظاهره مخالفًا لبعض اجتهاداتها السابقة، إنما هو في حقيقته امتداد طبيعي لفكرها الرحب ومبادئها الراسخة؛ إذ ينبع من رحم تلك المبادئ التي أرستها في مجال الفكر القانوني، ويُثريها بتطوير يحافظ على جوهرها، تمامًا كما ينبثق الفرع من الأصل، محملًا بإرثه ومُضيفًا إليه لمسة عصرية تُعزز من تماسك المنظومة القانونية ككل.
نؤكد في البداية أن فرضية تشديد العقوبة المقيدة للحرية إلى عقوبة الإعدام بناءً على استئناف النيابة العامة، لا تثير أي خلاف فقهي أو قضائي بشأن حتمية استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الدرجة الثانية؛ إذ تواجه المحكمة هنا عقوبة مستحدثة لم تُعرض أوراقها على المفتي من قبل. بيد أن جوهر التنازع ومحور الخلاف العملي ينحصران في حالة مدى وجوب امتداد ذات الالتزام الإجرائي بالضرورة إلى محكمة الجنايات المستأنفة إذا ما اقتصر قضاؤها على تأييد حكم الإعدام الصادر عن محكمة أول درجة.
ومن هنا تتبلور إشكالية البحث في الغموض التشريعي والتنازع القضائي حول مدى إلزامية إعادة استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة. حيث يثور التساؤل الجوهري حول النطاق الإجرائي لتطبيق النص المستحدث في القانون رقم 1 لسنة 2024: هل يوجب النص تكرار عرض الأوراق على المفتي في الدعوى الواحدة؟
وينبثق عن هذه الإشكالية نظامان تفسيريان تبنتهما دوائر محكمة النقض:
- الاتجاه الأول (التفسير الموسع): يرى التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجدداً متى تصدت لعقوبة الإعدام (سواء بالتأييد أو بالتشديد بناءً على استئناف النيابة)، باعتبارها محكمة موضوع كاملة الصلاحية تواجه خطورة العقوبة ذاتها.
- الاتجاه الثاني (التفسير الضيق): يرى عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا كان حكم محكمة الجنايات المستأنفة قد انتهى إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، استناداً إلى أن الغاية التشريعية والشرعية قد تحققت بالعرض الأول.
ومن ثم، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن التساؤل الرئيس: ما هو الاتجاه القانوني الأصوب في تفسير التزام محكمة الجنايات المستأنفة باستطلاع رأي المفتي، في ضوء الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024 والغاية من تقاضي الجنايات على درجتين؟
تنبع أهمية هذا البحث وهدفه من اعتبارات تشريعية وقضائية وعملية بالغة الخطورة، وتتمثل في:
- معالجة النص المعيب للوصول إلى اليقين القانوني: تظهر الأهمية في معالجة غياب النص الصريح القاطع في التعديل الجديد بشأن تكرار استطلاع رأي المفتي، مما فتح الباب للاجتهادات.
- توحيد المبادئ القضائية ومنع تضارب الأحكام: يكتسب البحث قيمة كبرى برصده التنازع الحاصل بين دوائر محكمة النقض ذاتها، محاولاً تقديم تأصيل قانوني يساهم في دمج هذه الرؤى وتوحيد اتجاهات المحكمة العليا.
- تحديد النطاق الإجرائي لالتزامات محكمة الجنايات المستأنفة: بيان ما إذا كانت هذه المحكمة ملزمة باتباع ذات إجراءات محكمة أول درجة من عرض الأوراق على المفتي عند التصدي لعقوبة الإعدام تأييداً أو تشديداً.
- تحليل أسانيد دوائر محكمة النقض المتباينة: دراسة الحجج القانونية التي استندت إليها الدوائر التي أوجبت إعادة استطلاع الرأي الشرعي، وتلك التي اكتفت بالعرض الأول، لمعرفة الفلسفة القضائية لكل اتجاه.
- استقراء الإرادة التشريعية من واقع الأعمال التحضيرية: البحث في مضابط مجلس النواب والأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024 للوقوف على المقصد الحقيقي للمشرع خلف هذا الاستحداث.
- تقديم رؤية ترجيحية للمسار القانوني الأصوب: تقديم توصيات علمية وقانونية مرجحة لأحد الاتجاهين بما يتفق مع الفقه الجنائي والضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.
أولًا: نص القانون محل البحث وإشكاليته.
ثانيًا: تفسير النصوص القانونية الجنائية.
ثالثًا: أنواع التفسير.
رابعًا: قواعد وضوابط التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية.
خامسًا: اتجاه محكمة النقض في تفسير نص القانون محل البحث.
سادسًا: الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024.
سابعًا: خاتمة البحث ورأي الباحث.
ثامنًا: النتائج والتوصيات.
أولًا: نص القانون محل البحث وإشكاليته
يتمثل نص القانون محل البحث في نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ - المقابلة لنص المادة ٣٦٥ من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ – والذي جرى على أنه: "ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكمًا بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى".
وقد فرض هذا التحول التشريعي الحديث إشكالية قانونية وعملية معقدة؛ تتبلور في الغموض التشريعي والتنازع القضائي حول مدى إلزامية وتكرار إعادة استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة. فبينما يشير صريح النص إلى التزام محكمة جنايات أول درجة بهذا الإجراء قبل قضائها بالإعدام، يثور تساؤل جوهري حول النطاق الإجرائي لتطبيق هذا النص المستحدث: هل يمتد هذا الالتزام حتمًا وبذات الآلية إلى محكمة الجنايات المستأنفة (الدرجة الثانية) إذا ما انتهت إلى تأييد حكم الإعدام أو قضت بتشديد العقوبة إلى الإعدام بناءً على استئناف النيابة العامة، أم يكتفى بالعرض الأول؟ ونظرًا لحداثة هذا التعديل، فقد تباينت الرؤى والتفسيرات القضائية في شأنه، مما استدعى تدخل محكمة النقض لضبط الإيقاع الإجرائي وتوحيد الأحكام، إلا أن هذا التدخل أسفر بدوره عن اتجاهين تفسيريين متباينين بين دوائرها: الاتجاه الأول (التفسير الموسع): يقرر التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجددًا متى تصدت لعقوبة الإعدام - سواء بتأييد حكم أول درجة أو بالتشديد إليه بناءً على استئناف النيابة العامة - بحسبانها محكمة موضوع كاملة الصلاحية تواجه جسامة العقوبة ذاتها وتحكم فيها من جديد. وأما الاتجاه الثاني (التفسير الضيق): يرى عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا انتهى حكم محكمة الجنايات المستأنفة إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، استنادًا إلى أن الغاية التشريعية والشرعية من هذا الاستطلاع الإجرائي قد تحققت بالفعل وخلصت غايتها بالعرض الأول للدعوى. ومن ثم، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن التساؤل الرئيس: ما هو الاتجاه القانوني الأصوب في تفسير التزام محكمة الجنايات المستأنفة باستطلاع رأي المفتي؟ وذلك في ضوء الأعمال التحضيرية للقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤، والغاية التشريعية من إقرار مبدأ تقاضي الجنايات على درجتين. وللوصول إلى هذا الترجيح، يتبع البحث خطة دراسة تبدأ - كما سيأتي - بإلقاء الضوء على المنهج القضائي في تفسير النصوص الجنائية وضوابطه وأنواعه، ثم عرض موقف محكمة النقض بالتفصيل من تفسير نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ المقابلة للمادة ٣٦٥ من القانون الجديد، وصولاً إلى تحليل الأعمال التحضيرية ذات الصلة؛ لترجيح الاتجاه القانوني الصحيح والملائم للتطبيق العملي السديد.
ثانيًا: التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية[1]).
التفسير، في جوهره، استثناءٌ يخرج على الأصل؛ وأصلُ النصوص القانونية هو الانطلاق من ظاهرها. فالمفترض في النص القانوني أن يكون واضحاً، بما يُمكّن المخاطَبين به من إدراك دلالته ومقصوده بدقة، وإلا أصبح القانون مصدر قلق وارتياب، بدلًا من أن يكون مصدر أمن واطمئنان.
ويأتي دور تفسير النصوص القانونية ليزيل ما قد يعتري بعضها من غموض أو التباس. فبعض الألفاظ والعبارات قد تحتمل أكثر من معنى أو تأويل، مما يُنذر بتشتت الأحكام وتباين القرارات. وهنا يتدخل القضاء ليحدد المعنى الواحد، ويوحّد التأويل، فيعيد للنص وضوحه، ويُعزز ثقة الناس في القانون وفي العدالة على السواء.
وفي حين يتمتع المفسرون في النصوص المدنية بمساحة أوسع وحرية أكبر في مواجهة الغموض والنقص والالتباس، فإن المشهد يختلف تماماً في النصوص الجنائية. هنا تُفرض ضوابط أكثر دقة، تقوم على قاعدة أساسية: عدم التوسع في التفسير. وذلك حفاظاً على عدم اختلاق جرائم لم يُردها المشرع، أو ابتداع عقوبات وتدابير وقائية لم يقرها، مما يُعدّ مساساً خطيراً بأعظم مبادئ القانون الجنائي وهي شرعية التجريم والعقاب.
إن التوسع في تفسير النصوص الجنائية -خاصة من جانب القضاء- قد يُشكل في حقيقته تهديداً للأمن القضائي الجنائي ذاته؛ إذ يصبح الفرد عرضة لأن يُدان أو يُعاقب بجريمة أو عقوبة لم يكن في وارد توقعه، لمجرد أن القاضي استنبط معنىً موسعاً لم يكن ظاهراً في النص ولا متوقعاً لدى المخاطَب العادي. ومن ثم يُلزم القاضي الجنائي بمجموعة ضوابط، تجعل تفسيره لا يتجاوز حدود مبدأ عدم التوسع، ولا يُخلّ بمبدأ الأمن القضائي الجنائي.
وإذا كانت ترد على مبدأ عدم التوسع في تفسير النصوص القانونية الجنائية بعض الاستثناءات، فهي تبقي مؤكدة للقاعدة، ولا يمكنها بأي حال أن تفضي لخلق قواعد جنائية جديدة، سواء تعلق الأمر بالجرائم أو بالعقوبات، وحتى بالتدابير الوقائية، لأن ما يرد على الأصل من استثناء هو على سبيل الحصر وعليه ألا يخرق مبدأ دستوريًا واضحًا.
ومن المعلوم أن التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية هو جزء من تفسير النصوص القانونية عمومًا، سواء المدنية أو الجنائية أو غيرها، كما أنه جزء من تفسيرات عدة، كالتفسير التشريعي والفقهي. لكننا سنتطرق في البحث للتفسير القضائي كنوع من أنواع تفسير النصوص القانونية ثم نعرض لقواعده وضوابطه كما سيأتي حالًا.
ثالثًا: أنواع التفسير:
يفرق الفقه والقضاء بين أنواع عديدة من التفسير غالبًا يكون بالنظر إلى الجهة مُصدرة التفسير، منها التفسير التشريعي والتفسير الإداري والتفسير الفقهي والتفسير القضائي، وما يهمنا في هذا البحث هو التفسير القضائي [2]).
التفسير القضائي هو تفسير عملي متميز ينفرد به القاضي ويتمثل في اجتهاده في البحث والتأصيل القانوني عند إنزال حكم القانون بنزاع مطروح عليه الفصل فيه. وهذا التفسير بوجه عام لا يلزم القاضي أو المشرع أو الفقيه، ومع ذلك تختلف النظم القانونية المعاصرة في شأن تحديد القوة الإلزامية للتفسير القضائي أو بالأحرى للحكم القضائي، فنميز بين اتجاهين وهما: النظام اللاتيني الذي يجرد التفسير القضائي من كل قوة ملزمة كقواعد عامة، والنظام الأنجلو أمريكي والذي يجعل القاضي صانعًا للقانون فيأخذ فيه بنظام السوابق القضائية، بعبارة أخرى إذا كان النظام اللاتيني يقوم على مبدأ عدم إلزام الحكم القضائي لغير أطرافه، فإن النظام الأنجلو أمريكي يجعل الحكم القضائي سابقة يلتزم بها سائر القضاة المساوين له في الدرجة أو الأدنى منه في هذا الشأن، وما يعنينا هو أن النظام القانوني المصري، وهو يدخل في زمرة النظم اللاتينية، ويقصر حجية الحكم على أطرافه، ويخرج عن هذا القاعدة في حالة وحيدة وهي إلزام قضاة الموضوع بالتفسير القانوني لمحكمة النقض عند نقضها لحكمهم. ومن المعروف أن محكمة النقض إذا نقضت الحكم وأعادته لمحكمة الموضوع للحكم فيه مع التزامهم بالرأي القانوني الذي قالت به محكمة النقض، فإذا أصرت محكمة الموضوع على الرأي المخالف وطعن فيه أمام محكمة النقض للمرة الثانية التزمت محكمة النقض بالحكم بنفسها في الموضوع متبنية في حكمها - بطبيعة الحال - التفسير الذي أخذت به بداية، وفيما عدا ذلك فالأحكام القضائية للمحكمة العليا ليست ملزمة للمحاكم لأن حجيتها مقصورة على أطرافها.
وتجدر الإشارة إلى أن الاستثناء الأبرز والأعم أثراً في النظام القانوني المصري يتبدى في الأحكام والقرارات التفسيرية الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا؛ فإذا ما قضت المحكمة بعدم دستورية نص تشريعي، أو أصدرت قراراً تفسيرياً، فإن حجية حكمها أو قرارها لا تقتصر على أطراف النزاع فحسب، وإنما تتمتع بحجية مطلقة تنصرف إلى الكافة وتلزم جميع سلطات الدولة بما فيها المحاكم على اختلاف درجاتها؛ وهو ما يتماشى تماماً مع نص المادة 195 من الدستور المصري الحالي والمادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا، واللتين تؤكدان صراحةً أن أحكام المحكمة وقراراتها بالتفسير ملزمة للكافة ولجميع سلطات الدولة.
رابعًا: قواعد وضوابط التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية [3]).
تختلف قواعد التفسير الواجبة الاتباع عند تطبيق النص القانوني بحسب حالة النص موضوع التفسير، فهناك فارق بين حالة النص غير الموجود (الفراغ التشريعي) وحالة النص السليم، وحالة النص المعيب، وهذه الحالة الأخيرة هي محل البحث.
يوصَف النص التشريعي بالمعيب إذا شابه أحد أربعة عيوب: الخطأ بنوعيه المادي والمعنوي، أو الغموض، أو النقص، أو التعارض. وتدفع هذه العيوب بالمُفسِّر إلى الاستعانة بآليات التفسير المختلفة - سواء مجتمعة أو منفردة - والتي تتمثل في: المقارنة بين النصوص، والرجوع إلى النص الفرنسي، أو المصادر التاريخية، أو حكمة التشريع، فضلاً عن الاستهداء بالأعمال التحضيرية، وهي الوسيلة التي يعتمدها هذا البحث كأداة رئيسية لحل إشكاليته.
ويمكن تفصيل هذه العيوب التشريعية وتحديد المقصود بكل منها على النحو الآتي:
أولاً: الخطأ التشريعي (المادي والمعنوي): ينقسم الخطأ الذي يقع فيه المشرع دون قصد إلى نوعين:
الخطأ المادي: ويتمثل في سقطات النشر أو الطباعة، كحذف أو زيادة حرف أو كلمة أو أكثر، بما يؤدي إلى إخلالٍ بالمعنى المراد.
الخطأ المعنوي (أخطاء القلم): ويحدث حين تزلُّ صياغة المشرع فيستبدل كلمة بأخرى لم يقصدها حقيقة، مما يترتب عليه اختلال المعنى الابتدائي للنص.
وعند صدور استدراك لتصحيح الأخطاء الشائبة لعملية النشر في الجريدة الرسمية، يجب التمييز بين فرضيتين:
الفرضية الأولى (الخطأ غير الجوهري): وهو الخطأ المادي أو المطبعي البسيط الذي يسهل على القارئ الفطن إدراكه. وفي هذه الحالة، يُعامل الاستدراك كجزء لا يتجزأ من النص الأصلي وله ذات قوته القانونية، ويمتد أثره الزمني (تاريخ نفاذه) بأثر رجعي إلى تاريخ نفاذ القانون الأول.
الفرضية الثانية (الخطأ الجوهري): وهو الخطأ الذي يمس جوهر النص أو موضوعه. ويخضع الاستدراك هنا لأحكام التشريع الجديد؛ إذ يشترط لصحته أن يصدر عن الجهة التي تملك دستورياً سلطة تعديل التشريع الأصلي أو إلغائه، ويترتب عليه نسخ التشريع القديم في الحدود التي شملها التصحيح.
ثانياً: الغموض التشريعي: ينشأ الغموض نتيجة استخدام المشرع لألفاظ أو عبارات حمالة أوجه وتحتمل أكثر من معنى، مما يضع المُفسِّر في حيرة لتحديد المقصد الحقيقي. ويتخذ هذا الغموض ثلاث صور دلالية هي:
اللفظ الخفي: وهو اللفظ الذي يبدو واضح الدلالة في أصله، لكن يكتنفه الغموض عند محاولة تطبيقه على حالات خاصة فرعية. ومثال ذلك نص المادة (211) من قانون العقوبات التي عرفت السرقة بأنها "اختلاس مال منقول مملوك للغير"؛ حيث ثار الخلاف حول مدى انطباق وصف "المنقول" على "التيار الكهربائي". وقد حسمت محكمة النقض هذا الغموض مقررةً أن التيار الكهربائي يعد مالاً منقولاً في مفهوم قانون العقوبات، ويصلح أن يكون محلاً لجريمة السرقة [4]).
اللفظ المُشْكِل: وهو اللفظ الذي لا تفصح صيغته بذاتها عن معناه المراد، مما يستلزم الاستعانة بقرينة خارجية لتحديده. ومثاله لفظ "الليل" الذي اعتبره قانون العقوبات ظرفاً مشدداً في عدة جرائم؛ إذ ثار الخلاف حول ما إذا كان المقصود به "الظلام الفعلي" المترتب على غياب الضوء، أم "الظلام الفلكي" الممتد من غروب الشمس حتى شروقها. ولم يكن لمحكمة النقض في هذا الشأن قضاءٌ مستقر، فتارةً اعتدّت بالظلام الفعلي، وتارةً أخرى بالفلكي[5])، وقضت في مسار ثالث بأن استخلاص دلالة "الليل" يعد من المسائل التقديرية التي يستقل بها قاضي الموضوع طبقاً لظروف كل واقعة[6]).
اللفظ المُجْمَل: وهو اللفظ الذي يحتمل في صيغته المعنى المقصود، لكنه يفتقر إلى قرائن لفظية أو حالية توضحه وتزيل إبهامه. ومثاله مصطلح "أصل الوقف" الوارد في المادة (16) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، والتي حظرت على المحاكم النظر فيه؛ حيث لم يخلص القضاء الفقهي والعملي إلى تعريف جامع مانع وموحد لهذا اللفظ.
ثالثاً: النقص التشريعي: ويتحقق النقص عند إغفال المشرع للفظ جوهري لا يستقيم حكم النص أو يكتمل بدونه. ومثاله ما شاب المادة (151) من القانون المدني القديم، والتي كانت تقضى بأن "كل فعل نشأ عنه ضرر للغير يوجب ملزمية فاعله بتعويض الضرر"؛ إذ كان الحكم القانوني ناقصاً لا يستقيم منطقياً إلا بزيادة كلمة "خطأ" إلى جوار "فعل". وهو ما تداركه المشرع في القانون المدني الحالي عبر المادة (163) التي استقرت صياغتها على أن: "كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض".
رابعاً: التعارض التشريعي: وهو التناقض والتقابل بين النصوص التشريعية بما يمنع إعمالها معاً، مما يفرض على المفسر محاولة التوفيق بينها أولاً، فإذا استعصى الجمع، وجب تغليب أحد النصوص على الآخر. وينحصر هذا التعارض بين أربع فرضيات رئيسية:
الفرضية الأولى (التعارض بين نصوص متفاوتة الدرجة): وفيه يُغلّب النص التشريعي الأعلى مرتبة على النص الأدنى، تطبيقاً لقاعدة "تدرج القواعد القانونية" كتقديم النص الدستوري على التشريعي.
الفرضية الثانية (التعارض بين نصوص متحدة الدرجة ومتفاوتة التاريخ): وفيه يُغلّب التشريع اللاحق من حيث الزمان على التشريع السابق عليه، إعمالاً لقاعدة "اللاحق ينسخ السابق".
الفرضية الثالثة (التعارض بين نصوص متحدة الدرجة والتاريخ ومتفاوتة الاستدلال): وفيه يتم اللجوء إلى التفسير الأقوى دلالة؛ بحيث تُقدّم الدلالة المستقاة من "عبارة النص" على الدلالة المستنتجة من "إشارة النص"، وهكذا نزولاً في مراتب الاستدلال.
الفرضية الرابعة (التعارض بين نصوص متحدة الدرجة والتاريخ وقوة الاستدلال): وتتحقق هذه الحالة النادرة عندما يضم التشريع الواحد نصوصاً متناقضة بالكامل، أو عند صدور نصين متعارضين في ذات التوقيت عبر تشريعين مستقلين ولهما نفس القوة. فإذا استحال التوفيق أو الجمع بينهما في هذه الفرضية، تهاترت النصوص وسقطت حجيتها، ويمتنع تطبيق أي منها. وعليه، وبعد حصر هذه العيوب الصياغية، يثور التساؤل الجوهري حول الوسائل والأدوات القانونية التي يملكها المفسر، والتي يتعين عليه بذل غاية جهده لتطبيقها بغية التوفيق بين النصوص وإزالة عوارها، وهو ما سنعرض له حالًا.
طرق تفسير النص المعيب
الأصل أنه متى كانت عبارة القانون واضحة لا لبس فيها فإنه يجب أن تعد تعبيرًا صادقًا عن إرادة الشارع ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أيًا كان الباعث على ذلك، وأنه لا محل للاجتهاد إزاء صراحة نص القانون الواجب تطبيقه[7]).
بيد أن الفقه والقضاء استقرَّا على حزمة من الوسائل التفسيرية والآليات الاستدلالية التي يتعين على المفسر الاستعانة بها في حال استغلق عليه فهم النص، أو عجزت ألفاظه عن بيان مقصده بوضوح، ولم تسعفه القواعد اللغوية العادية في الوصول إلى تأويل يرتضيه. وتتمثل هذه الأدوات والوسائل في: تقريب النصوص، والرجوع إلى النص الفرنسي، والاستهداء بالمصادر التاريخية، فضلاً عن استنباط حكمة التشريع والرجوع إلى الأعمال التحضيرية.
وقد يلجأ المشرع أو القاضي إلى كل هذه الوسائل أو بعضها مجتمعة لإزالة العيب التشريعي، ونعرض لكل وسيلة منها تفصيلاً على النحو التالي:
(1) تقريب النصوص: يقصد بالتقريب قيام المفسر بالمقارنة والمواءمة بين النص محل التفسير والنصوص التشريعية الأخرى، سواء وردت في ذات التشريع أو في تشريعات أخرى؛ ذلك أن النصوص القانونية المختلفة يجمعها عادةً نسق فكري وفلسفي واحد ورابطة تشريعية متجانسة، ومن ثمّ يسهم هذا الترابط في فك الغموض والكشف عن المفهوم الصحيح والنوايا الحقيقية للمشرع.
(2) الرجوع إلى النص الفرنسي: تستند هذه الوسيلة إلى المرجعية التاريخية لصياغة القوانين المصرية؛ إذ كانت التشريعات تُصاغ أولاً باللغة الفرنسية ثم تُترجم إلى العربية. وعلى الرغم من أن النص العربي هو صاحب الحجية الرسمية والدستورية، إلا أن القضاء والفقهاء درجوا على العودة إلى الأصل الفرنسي لإزالة الغموض الذي قد يشوب الترجمة. ولئن كانت هذه الازدواجية اللغوية مبررة في الماضي نظراً لتعامل قضاة لا يجيدون العربية مع نسخ فرنسية في يد زملائهم، فإن القيمة التفسيرية للنص الفرنسي قد تراجعت بشكل ملحوظ في الوقت الراهن بعدما أصبحت اللغة العربية هي اللغة الحصرية والنسق الصياغي الوحيد لإصدار التشريعات.
(3) الرجوع إلى المصادر التاريخية: تعني هذه الآلية تقصي الينابيع الأولى والمنطلقات الأصلية التي استقى منها المشرع أحكامه، وتعد هذه الوسيلة أصلاً ثابتاً ومسلماً به من أصول التفسير. وتشمل هذه المصادر: التشريعات السابقة أو المقارنة، والأعراف المستقرة، والاجتهادات القضائية والفقهية القديمة.
ففي فرنسا: يرتد المفسرون إلى قواعد القانون الروماني، وأطروحات الفقيهين "بوتييه" و"دوما"، ناهيك عن السوابق القضائية والأعراف القديمة. وفي مصر: تتعدد الروافد التاريخية للتشريع؛ إذ يتوجب على المفسر مراجعة أحكام القانون المدني الملغى، والقانون المدني الفرنسي بشروحه الفقهية وتطبيقاته القضائية. وعلاوة على ذلك، تبرز مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً تاريخياً وجوهرياً للعديد من نصوص القانون المدني الحالي، حيث يمكن رد غالبية هذه الأحكام إلى المذاهب الفقهية الإسلامية المختلفة بيسر وسهولة.
(4) الرجوع إلى حكمة التشريع (الغاية التشريعية): المراد بحكمة التشريع هي الغاية التي رمى إليها المشرع عند صياغة النص، وسواء كانت هذه المصلحة المستهدفة ذات طابع سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، أو أخلاقي. وتطبيقاً لذلك، استقر اجتهاد محكمة النقض المصرية على الكشف عن هذه الحكمة عند تحديد المفهوم القانوني لـ "الليل" كظرف مشدد في القانون الجنائي، فاعتبرته فترة الظلام المحصورة بين الغسق والفجر؛ نظراً لأن الحكمة من تشديد العقوبة في هذا الوقت تكمن في سكون الناس وهدوء الحركة وتعاظم الخطر الاستثنائي على الأنفس والأموال.
وجدير بالذكر أن الاستهداء بحكمة التشريع مشروط بوجود غموض أو إبهام في النص؛ إذ إن النص الواضح القطعي ترتفع يد الاجتهاد عنه ويتعين إعماله وتطبيقه فحسب. ورغم تواتر أحكام محكمة النقض على هذا المبدأ، إلا أن الرأي الفقهي الراجح يميل إلى إطلاق ضرورة الاجتهاد والتأويل عند إنزال النص القائم على واقعة مستجدة ونوازل جديدة.
(5) الرجوع إلى الأعمال التحضيرية
هذه الوسيلة هي وسيلتنا في التفسير لحل إشكالية هذا البحث، وتتمثل هذه الوسيلة في تقصي ومراجعة المحاضر والوثائق الرسمية التي واكبت ولادة النص، وتشمل المذكرات الإيضاحية، والتقارير البرلمانية، والمناقشات التي دارت أثناء صياغة المشروع سواء داخل أروقة المجالس النيابية أو في اللجان المشتركة وخارجها.
وفي هذا السياق، أصدرت الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض حكماً حديثاً يرسخ هذا المنحى، حيث أيدت الأحكام التي تقضي بتأثيم أعمال التنقيب والحفر غير المشروع عن الآثار في أي موقع كان، سواء أكان معلماً أثرياً أم لا، وسواء أكانت الأرض مملوكة للدولة أم للأفراد، متى ثبتت نية الحصول على الآثار دون ترخيص. وقد استندت المحكمة في ذلك إلى صراحة النص وما سطرته المذكرة الإيضاحية وتقرير اللجنة المشتركة في مجلس النواب. وتبعاً لذلك، دحض الحكم أي دفع يحاول قصر التجريم على الأراضي الأثرية أو المتاخمة لها، واصفاً هذا التفسير بأنه قول لا يسعفه النص بل يصطدم بصراحته ومقصد الشارع منه، ويتنافى مع الفلسفة التشريعية للتعديل التي تبتغي حصار سائر محاولات التنقيب غير المشروعة وملاحقة مرتكبيها، إذ المستقر قضاءً أنه "لا تخصيص بغير مخصص، ولا إلزام بما لا يلزم"[8]).
خامسًا: اتجاه محكمة النقض في تفسير نص القانون محل البحث
تبنت محكمة النقض اتجاهين حول تفسير نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من القانون القديم المقابلة للمادة 365 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، وينبثق عن هذه الإشكالية نظامان تفسيريان تبنتهما دوائر محكمة النقض:
الاتجاه الأول: (التفسير الموسع):
تبنت هذا الاتجاه بعض الدوائر الجنائية بمحكمة النقض، ويرى هذا الاتجاه التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجدداً متى تصدت لعقوبة الإعدام (سواء بالتأييد أو بالتشديد بناءً على استئناف النيابة)، وبرَّرت قضاءها بأن "حكم محكمة جنايات أول درجة بعد أن حصل واقعة الدعوى، وأورد الأدلة على ثبوتها في حق الطاعنة انتهى - بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية - إلى القضاء حضوريًا، وبإجماع الآراء بمعاقبة الطاعنة بالإعدام شنقًا عما أسند إليها، وألزمتها المصاريف الجنائية، فاستأنفت المحكوم عليها هذا الحكم، وقضت محكمة الجنايات المستأنفة بجلسة ١٥ من أكتوبر سنة ٢٠٢٤ بإجماع آراء أعضائها بقبول الاستئناف شكلًا، وفي الموضوع برفضه، وتأييد الحكم المستأنف، وألزمت المستأنفة المصاريف الجنائية، دون أن تستطلع رأي المفتي قبل القضاء بتلك العقوبة. لما كان ذلك، وكان نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ قد جرى على أنه: "ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكمًا بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى". لما كان ذلك، وكان من المقرر وفقًا لقضاء محكمة النقض وجوب استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل الحكم بالإعدام باعتباره شرطًا لازمًا لصحة الحكم أوجبه القانون، لا يغني عنه سبق اتخاذه أمام محكمة جنايات أول درجة، لما هو مقرر أن الاستئناف يعيد طرح الدعوى برمتها على محكمة الجنايات المستأنفة، مما لازمه أن تتحقق في المحاكمة أمامها ذات ضمانات الدفاع التي أوجبها القانون لكل متهم فإذا رأت محكمة الجنايات المستأنفة تأييد الحكم بالإعدام وجب عليها إرسال أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه حتى تطمئن إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها هيئة حكم جديدة لم يسبق لها نظر الدعوى، واتجه الرأي عندها إلى الحكم بإعدام المتهم، ولم تستطلع من قبل رأيه حتى يطمئن وجدانها إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، كما أن هذا الإجراء يطمئن المتهم إلى أن المحكمة الجديدة قد استطلعت رأي مفتي الجمهورية قبل الحكم - حسبما استلزم القانون - وليكون الرأي العام على بينة من ذلك، وهي مقاصد لازمة جديرة بالاحترام، فضلًا عن أن هناك جديدًا في محكمة الجنايات المستأنفة، هو أن تشكيل المحكمة أصبح مغايرًا، والمحكمة بتشكيلها الجديد في حاجة إلى أن تطمئن بدورها إلى موافقة حكمها للشرع، إذا رأت الحكم بإعدام المتهم، هذا بالإضافة إلى أن المرافعة التي تجري في الدعوى هي مرافعة جديدة تسمعها المحكمة الجديدة لأول مرة. لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على الأوراق، والمفردات المضمومة أن حكم محكمة الجنايات المستأنفة بجلسة ١٥ من أكتوبر سنة ٢٠٢٤ قد قضى بمعاقبة الطاعنة بالإعدام دون أن تأخذ هذه المحكمة رأي المفتي عملًا بالفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من القانون سالف الذكر، فإن الحكم يكون باطلًا، ولا يقدح في ذلك أن تكون محكمة جنايات أول درجة قد استطلعت رأي المفتي قبل إصدار حكمها بالإعدام. لما كان ما تقدم، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه بغير حاجة لبحث أوجه طعن المحكوم عليها مع تحديد جلسة لنظر الموضوع عملًا بنص الفقرة الثانية من المادة ٣٩ من القانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ الصادر بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض بعد تعديلها بالقانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧ [9] )".
الاتجاه الآخر: (التفسير الضيق):
يرى هذا الاتجاه من خلال تفسيره لذات النص - عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا كان حكم محكمة الجنايات المستأنفة قد انتهى إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، وبرَّرت قضاءها بأن المقرر وفقاً لنص المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية أنه "تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجيتها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجيتها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية..."، ومفاد هذا النص أن القانون قد أوجب على محكمة الجنايات بدرجيتها عند إصدارها حكماً بالإعدام أن يصدر ذلك الحُكم بإجماع آراء أعضائها ويجب عليها أن تأخذ رأي مفتي الجمهورية قبل إصداره، ومعنى الإصدار هنا أن يكون ذلك الحكم قد صدر ابتداء من محكمة جنايات أول درجة أو من محكمة الجنايات المُستأنفة كما لو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالبراءة ثم استأنفت النيابة العامة للثبوت ورأت محكمة الجنايات المُستأنفة معاقبة المتهم بالإعدام أو كانت محكمة أول درجة قد قضت بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد واستأنفت النيابة العامة للتشديد أو للخطأ في تطبيق القانون، وقضت محكمة الجنايات المُستأنفة بالإعدام فيها يكون حكم الإعدام صادراً من محكمة الجنايات المُستأنفة ويجب عليه أن تستطلع رأي مفتي الجمهورية وأن يصدر حكمها بإجماع الآراء أما إذا اقتصر دورها على تأييد الحُكم المستأنف القاضي بالإعدام فلا حاجة لاستطلاع رأي مفتي الجمهورية أو صدور الحكم بإجماع آراء أعضائها طالما كأن حكم محكمة الجنايات قد استوفى تلك الإجراءات ويؤيد هذا النظر ما استقر عليه العمل بمحكمة النقض قبل العمل بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ الذي جعل التقاضي في الجنايات على درجتين إذ أن محكمة النقض إذا ما عرضت عليها قضية محكوم فيها بالإعدام ورأت اقراره فتقضي بذلك دون إعادة إرسال القضية إلى مفتي الجمهورية لأخذ رأيه – طالما كانت محكمة أول درجة قد قامت بهذا الإجراء وكان رأيه معروضاً على المحكمة باختلاف درجاتها ولا حاجة لإعادة ذلك الإجراء الا في حالة إلغاء الحُكم بالإعدام وإعادة المحاكمة إذا ما رأت محكمة الإعادة توقيع تلك العقوبة عليه، وإذ كان الحُكم المعروض قد التزم هذا النظر فإنه يكون قد سلم من مخالفة القانون في هذا الخصوص[10] )".
ومن هنا، وللوصول إلى ترجيح علمي دقيق بين هذين الاتجاهين القضائيين المتباينين، يتعين لزامًا بسط وتحليل الأعمال التحضيرية للقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤؛ تفعيلًا لما سلف بيانه من وجوب اتخاذ هذه الأعمال أداةً أصيلة من وسائل التفسير القانوني، للوقوف على النية الحقيقية للمشرع ومقاصده الواقعية، لحل إشكالية البحث في ضوء الفلسفة الحاكمة لنظام تقاضي الجنايات على درجتين، وذلك على النحو الآتي.
سادسًا: الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024. [11] )".
نعرض هنا لما جاء بالمضبطة نصًّا:
"السيد النائب المحترم إبراهيم محمد إبراهيم الهنيدي
(المستشار إبراهيم الهنيدي) (رئيس اللجنة ومقررها):
'مادة ( ٣٨١):
تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام المقررة في الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك.
ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، ويتعين عليه في جميع الأحوال أن يرسل رأيه إلى المحكمة قبل جلسة النطق بالحكم بفترة كافية، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة قبل التاريخ المحدد للنطق بالحكم، حكمت المحكمة في الدعوى.
وفى حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه، مَن يقوم مقامه.
ولا يجوز الطعن فى أحكام محكمة الجنايات المستأنفة إلا بطريق النقض أو إعادة النظر."
رئيس المجلس:
لتتفضل الحكومة بشرح أسباب ومبررات طلب إعادة المناقشة في المادة (٣٨١) المتضمنة في المادة الأولى.
السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية:
شكراً سيادة الرئيس.
قضت الفقرة الثانية من المادة (٣٨١) كما وافق عليها المجلس أمس بأخذ رأى فضيلة مفتي الجمهورية مرتين حيث وردت عبارة " لمحكمة الجنايات بدرجتيها".
التعديل الأول المقترح أن يكون رأى مفتي الجمهورية في أول درجة، إلا في حالة الطعن بالاستئناف من النيابة العامة للتشديد، وإذا كانت المحكمة ستقضى بالإعدام عليها أخذ رأى مفتي الجمهورية في الاستئناف.
التعديل الثاني وهو الخاص بمدة ورود رأى مفتي الجمهورية، النص في القانون القائم كان يعطى مدة عشرة أيام لورود رأى مفتي الجمهورية، وقد حذفت من النص الجديد، ونقترح إعادتها مرة أخرى، شكراً.
السيد المستشار وزير العدل:
سيادة الرئيس، لدينا ثلاث ملاحظات على هذه المادة:
الملاحظة الأولى: كما أشار السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية تكرار أخذ رأى مفتي الجمهورية في ذات الواقعة، فالأفضل أخذ رأى المفتي أمام محكمة الاستئناف إذا كان الاستئناف من النيابة العامة للتشديد، بمعنى أنه إذا لم يكن حكم أول درجة يقضى بالإعدام، بالتالي لم يؤخذ رأى المفتي، فإذا استأنفت النيابة العامة للتشديد يجب على محكمة الاستئناف أخذ رأى المفتي، أما إذا كان من الأصل صدر ضده حكم بالإعدام، واستأنف هذا الحكم، فما المبرر لإعادة أخذ رأى المفتي مرة أخرى؟
فالمحكمة إما أن تؤيد الحكم أو تخفض العقوبة أو تقضي بالبراءة، لذلك ليس هناك مبرر واضح لإعادة أخذ رأى فضيلة المفتي مرة أخرى.
الملاحظة الثانية: تتعلق بحذف مدة العشرة أيام الواردة في نص المادة في القانون القائم، هذا ميعاد تنظيمي حتى يستطيع فضيلة المفتي ترتيب أولوياته في الرد على القضايا التي ترد إليه، وترتيب أولوياته يكون على ضوء ميعاد زمني محدد للقضايا التي ترد إليه.
الملاحظة الثالثة: إن نص المادة الذي سبق أن وافق عليه المجلس الموقر يقضى بأن المحكمة تحجز الدعوى للحكم وتنتظر رأى فضيلة المفتي، كيف هذا؟ المفترض أن تكون الدعوى متداولة، وعلى المحكمة تأجيل الدعوى لحين ورود رأى فضيلة المفتي، وليس العكس، لذلك نقترح إعادة الصياغة بحيث لا تحجز الدعوى للحكم مادام رأى فضيلة المفتي لم يأت، ولم تنقض المدة المحددة لورود رأى فضيلته.
هذه التعديلات التي تقدمت بها لهذه المادة، أما باقي التعديلات فالسيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية صاحب الاقتراح فيها، ومن يتولى الرد عليها.
رئيس المجلس:
السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية اقرأ لنا النص المقترح، مع بيان نقاط الاختلاف بينه وبين النص المقدم من الحكومة ووافقت عليه اللجنة.
السيد المستشار وزير شئون المجالس النيابية:
سيادة الرئيس، سأتلو على سيادتكم نص المادة
(٣٨١) على ضوء النص المقترح بإعادة صياغة الفقرة
الثانية منها.
"تتبع أمام محاكم الجنايات بدرجتيها جميع الأحكام
المقررة فى الجنح ما لم ينص على خلاف ذلك.
ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب على محكمة جنايات أول درجة قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة خلال العشرة أيام التالية لإرسال الأوراق إليه حكمت المحكمة في الدعوى.
ولا يعاد أخذ رأى مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة قبل الحكم بالإعدام إلا في حالة تشديد العقوبة المحكوم بها بناءً على الاستئناف المرفوع من النيابة العامة.
وفى حالة خلو وظيفة المفتي أو غيابه أو قيام مانع لديه، يندب وزير العدل، بقرار منه، مَن يقوم مقامه.
ولا يجوز الطعن فى أحكام محكمة الجنايات المستأنفة إلا بطريق النقض أو إعادة النظر."
رئيس المجلس:
السادة النواب، أستأذن حضراتكم قبل التصويت، لابد من توضيح بعض النقاط:
أولاً: التعديل المقترح من الحكومة ممثلة في وزارة العدل يتعلق بمصلحة الدولة المصرية العليا في المقام الأول، وهو ما حدا بي أن أتدخل للتوضيح.
نحن نتحدث عن عقوبة الإعدام، وهى ليست بالأمر الهين لاسيما على المستوى الدولي، ولا شك أن أخذ رأى فضيلة مفتى الجمهورية مرتين ينظر إليه على أنه ضمانة للمتهم، وبالتالي فإن الأخذ بمقترح وزارة العدل سيكون له مردود سلبى.
أكرر اقتراح الحكومة المقدم الآن له مردود سلبي على المستوى الدولي عند مناقشة الملف الخاص بالنظام العقابي المصري، ومن المفترض أن تكون وزارة العدل الأحرص في ذلك، باعتبارها من الجهات القائمة على مناقشة هذا الملف.
(تصفيق)
ثانياً: قد استرعى انتباهي أن مقترح وزارة العدل يخالف حكم محكمة النقض، الهيئة العامة للمواد الجنائية في الطعن رقم (٤٩٣٩٠) لسنة ٧٥ قضائية بجلسة الثاني عشر من نوفمبر سنة ٢٠٠٦، وهو حكم رائع في تفصيلاته ومبرراته، ماذا انتهى إليه هذا الحكم؟ انتهى الحكم إلى وجوب استطلاع رأى مفتي الجمهورية قبل الحكم، بالإعدام مرتين، باعتباره شرطاً لازماً لصحة الحكم - أوجبه القانون - مؤكداً أنه لا يغنى عنه سبق أخذ رأيه في المحاكمة الأولى لكون نقض الحكم يعيد الدعوى لمحكمة الإعادة بحالتها قبل إصدار الحكم المنقوض، فإذا رأت محكمة الإعادة أن تقضى بالإعدام، ماذا تفعل؟ وجب عليها إرسال أوراق القضية لمفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه حتى نطمئن إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، باعتبارها هيئة حكم جديدة لم يسبق لها نظر الدعوى، وحتى يطمئن وجدانها إلى أن حكمها يوافق أحكام الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى أن هذا الإجراء يطمئن المتهم إلى أن المحكمة الجديدة استطلعت رأى مفتى الجمهورية قبل الحكم، ويكون الرأي العام على بينة من ذلك، هذه مقاصد تراها الهيئة لازمة وجديرة بالاحترام، هذه الهيئة هي الهيئة العامة للمواد الجنائية في محكمة النقض، وهى أعلى جهة في محكمة النقض و تشكل تشكيلاً خاصاً عند الخلاف في الرأي.
ثالثاً: لقد قمت بمراجعة محاضر اجتماعات اللجنة الفرعية المشكلة لصياغة مشروع قانون الإجراءات الجنائية، تبين أن الاقتراح المقدم اليوم من الحكومة قد أثير من أحد السادة أعضاء اللجنة الفرعية وتم رفضه، تم رفضه مِمَّن؟!
هذه هي المفاجأة، تم رفضه من ممثلي وزارتي العدل وشئون المجالس النيابية!
السادة النواب وبعد هذا التوضيح، هل لأحد من حضراتكم ملاحظات أخرى على هذه المادة؟
(لم تبد ملاحظات)
إذن، أعرض على حضراتكم الاقتراح الوارد بشأن هذه المادة لأخذ الرأي عليه والمقدم من الحكومة، ويقضى بتجزئة الفقرة الثانية من هذه المادة إلى فقرتين مع إعادة صياغتها على النحو الآتي "ولا يجوز لمحكمة الجنايات بدرجتيها أن تصدر حكماً بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضائها، ويجب على محكمة جنايات أول درجة قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتي الجمهورية، ويجب إرسال أوراق القضية إليه، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة خلال العشرة أيام التالية لإرسال الأوراق إليه حكمت المحكمة فى الدعوى.
ولا يعاد أخذ رأى مفتي الجمهورية أمام محكمة الجنايات المستأنفة قبل الحكم بالإعدام إلا في حالة تشديد العقوبة المحكوم بها بناءً على الاستئناف المرفوع من النيابة العامة."
الموافق على هذا الاقتراح يتفضل برفع يده.
(أقلية)
رئيس المجلس:
الموافق على المادة (٣٨١) المتضمنة في المادة الأولى كما سبق أن وافق عليها المجلس يتفضل برفع يده.
(موافقة)
رئيس المجلس:
يطلب السيد المستشار وزير العدل الحديث، ولا حديث بعد التصويت، سوف نستمع لسيادتك فيما بعد.
(صوت السيد النائب مصطفى بكري: من حق سيادة الوزير أن يتحدث.)
رئيس المجلس:
أرجو عدم الإخلال بنظام الجلسة سواء من السادة النواب أو من الحكومة، الجلسة لها نظام والتصويت المرجع النهائي.
(تصفيق)
نحن نتعاون مع الحكومة، ولكن اللائحة الداخلية للمجلس حددت الإجراءات والنظام، وكما يجب على السادة النواب الالتزام باللائحة الداخلية، يجب أيضاً على الحكومة الالتزام بها فهي قانون.
الحكومة أخذت فرصتها في شرح مبرراتها، وهي مبررات غير مستندة إلى أساس ومفندة، فأرجو الحكومة الالتزام بالقانون المتمثل في اللائحة الداخلية للمجلس الصادرة بقانون.
أرجو السادة النواب قبل أن يتحمسوا، أن يقرءوا اللائحة الداخلية للمجلس، أرجو ذلك من الجميع وأولهم أنا.
خاتمة البحث ورأي الباحث
نرى أن نص الفقرة الثانية من المادة ٣٨١ من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ - المقابلة لنص المادة ٣٦٥ من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ – قد ران عليه الغموض التشريعي نشأ نتيجة استخدام المشرع لألفاظ أو عبارات حمالة أوجه وتحتمل أكثر من معنى، مما وضع محكمة النقض في حيرة لتحديد المقصد الحقيقي. ويتخذ هذا الغموض صورة اللفظ الخفي الذي يبدو واضح الدلالة في أصله، لكن يكتنفه الغموض عند محاولة تطبيقه؛ وهذ إشكالية انبثق عنها نظامان تفسيريان تبنتهما دوائر محكمة النقض:
- الاتجاه الأول (التفسير الموسع): يرى التزام محكمة الجنايات المستأنفة بأخذ رأي المفتي مجدداً متى تصدت لعقوبة الإعدام (سواء بالتأييد أو بالتشديد بناءً على استئناف النيابة)، باعتبارها محكمة موضوع كاملة الصلاحية تواجه خطورة العقوبة ذاتها.
- الاتجاه الثاني (التفسير الضيق): يرى عدم لزوم أخذ رأي المفتي مرة أخرى إذا كان حكم محكمة الجنايات المستأنفة قد انتهى إلى تأييد حكم أول درجة الصادر بالإعدام، استناداً إلى أن الغاية التشريعية والشرعية قد تحققت بالعرض الأول.
ونؤكد - كما سبق القول - أن فرضية تشديد العقوبة المقيدة للحرية إلى عقوبة الإعدام بناءً على استئناف النيابة العامة، لا تثير أي خلاف فقهي أو قضائي بشأن حتمية استطلاع رأي مفتي الجمهورية أمام محكمة الدرجة الثانية؛ إذ تواجه المحكمة هنا عقوبة مستحدثة لم تُعرض أوراقها على المفتي من قبل. بيد أن جوهر التنازع ومحور الخلاف العملي ينحصران في حالة مدى وجوب امتداد ذات الالتزام الإجرائي بالضرورة إلى محكمة الجنايات المستأنفة إذا ما اقتصر قضاؤها على تأييد حكم الإعدام الصادر عن محكمة أول درجة.
ويؤيد الباحث الاتجاه القضائي الذي يوجب على محكمة الجنايات المستأنفة إعادة استطلاع رأي مفتي الجمهورية قبل النطق بحكم الإعدام، حتى في حالة تأييد الحكم الصادر من محكمة أول درجة، ويستند الباحث في هذا التأييد إلى الأسانيد القانونية والتشريعية الآتية:
- حقيقة الاستحداث الجوهري لطبيعة المحكمة المستأنفة: إن محكمة الجنايات المستأنفة ليست مجرد جهة فاحصة للحكم السابق، بل هي محكمة موضوع ثانية تنظر الدعوى من جديد وتطرح عناصرها بالكامل. ومن ثم، فإن عقيدة المحكمة تتشكل بشكل مستقل، وبما أن الحكم بالإعدام يصدر باسمها ولأول مرة من تشكيلها، وجب تلازم الضمانة الإجرائية (رأي المفتي) مع قرارها الجنائي.
- إن العودة إلى الأعمال التحضيرية للقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ تحسم هذا الخلاف؛ إذ يتضح جلياً أن قصد المشرع قد اتجه صراحةً إلى حتمية إعادة استطلاع رأي المفتي أمام محكمة الجنايات المستأنفة، كالتزام إجرائي مستقل ومتكرر، حتى في الأحوال التي تنتهي فيها المحكمة الاستئنافية إلى مجرد تأييد حكم إعدام صادر عن محكمة أول درجة، أو عند تشديد العقوبة بناءً على استئناف النيابة العامة، وهو ما يؤكد رغبة المشرع في إحاطة عقوبة الإعدام بأقصى ضمانات العدالة وضوابط التحوط التشريعي على اختلاف درجات التقاضي. ولم تشر الأعمال التحضيرية مطلقاً إلى الرغبة في اختزال أو إسقاط أي ضمانة بحجة سبق ممارستها.
- منطق الاتساق الإجرائي (إجماع الآراء): أوجب القانون أن يصدر حكم الإعدام بإجماع آراء قضاة المحكمة. فإذا كان إجماع قضاة محكمة أول درجة يحتاج إلى مظلة الرأي الشرعي للمفتي، فإن إجماع قضاة محكمة الاستئناف (وهم تشكيل قضائي جديد وأعلى درجة) يحتاج بالتبعية ذاتها إلى ذات المظلة الشرعية لضمان سلامة حكمهم الجديد.
ثامنًا: النتائج والتوصيات.
ننتهي من خلال هذه الدراسة إلى جملة من النتائج والتوصيات المهمة:
1. نتائج البحث:
- تأكيد الطبيعة الآمرة لضمانة المفتي: خلص البحث إلى أن استطلاع رأي المفتي ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ضمانة موضوعية وإجرائية تتصل بالنظام العام ويترتب على إغفالها بطلان الحكم بطلاناً مطلقاً.
- رصد اتجاهات النقض: كشف البحث عن وجود تباين واشتباك قانوني بين دوائر محكمة النقض؛ حيث جنح بعضها للتفسير الشكلي بالاكتفاء بالعرض الأول عند تأييد الحكم، بينما انحاز البعض الآخر للتفسير الضماني بضرورة تكرار العرض.
- حسم الإرادة التشريعية: أثبت استقراء الأعمال التحضيرية للقانون رقم 1 لسنة 2024 أن فلسفة المشرع اتجهت نحو حتمية إعادة استطلاع رأي المفتي أمام محكمة الجنايات المستأنفة كالتزام مستقل، حتى في حال تأييدها لحكم الإعدام الصادر من أول درجة، أو تشديد العقوبة بناءً على استئناف النيابة العامة، إمعاناً في توفير أقصى ضمانات التقاضي لهذه العقوبة.
2. توصيات البحث:
- يوصي الباحث بضرورة انعقاد الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض لإصدار مبدأ قضائي موحد، يقضي بوجوب إعادة استطلاع رأي المفتي أمام محاكم الجنايات المستأنفة ترجيحاً لكفة الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة.
- يوصي الباحث النيابة العامة بالتأكد عند قيد الطعون بالنقض في أحكام الإعدام الصادرة من الجنايات المستأنفة من استيفاء إجراء عرض الأوراق على المفتي للمرة الثانية، صوناً للأحكام من البطلان ومحافظةً على استقرار المراكز القانونية.
) [1] ) لمزيد من التفصيل، راجع:
- الأستاذ عبد الرحيم شنكاو، ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية - العدد 49 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث القانوني - تقديم د محمد القاسمي.
) [2] ) لمزيد من التفصيل، راجع د. حسام لطفي: المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء - القاهرة 2025 – 2026، ص 353 وما بعدها.
) [3] ) لمزيد من التفصيل، راجع:
- الأستاذ عبد الرحيم شنكاو، ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية، مرجع سابق.
- د. حسام لطفي: المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء – مرجع سابق، ص 353 وما بعدها.
) [4] ) نقض جنائي: الطعن رقم 1150 - لسنة 48 - تاريخ الجلسة 16 / 4 / 1931 - مكتب فني 2 ع - رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 298.
- الطعن رقم 4258 - لسنة 81 - تاريخ الجلسة 1 / 7 / 2012.
- الطعن رقم 2136 - لسنة 17 - تاريخ الجلسة 4 / 11 / 1947 - مكتب فني 7 ع - رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 391.
- الطعن رقم 2136 - لسنة 17 - تاريخ الجلسة 6 / 1 / 1948 - مكتب فني 7 ع - رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 446.
) [6] ) نقض جنائي: [الطعن رقم 1317 - لسنة 19 - تاريخ الجلسة 30 / 1 / 1950 - مكتب فني 1 رقم الجزء 1 - رقم الصفحة 277.
) [7] ) نقض جنائي: الطعن رقم 13427 - لسنة 61 - تاريخ الجلسة 1 / 4 / 2002 - مكتب فني 53 رقم الصفحة 537.
) [8] ) نقض جنائي: الهيئة العامة للمواد الجنائية: الطعن رقم ١٠٢١٩ لسنة 91 ق جلسة 22/3/2023، مكتب فني س 73 ص 5.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق