الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

الموسوعة الجنائية / جندي عبد الملك

المقدمة

الطعنان 22128 ، 23464 لسنة 93 ق جلسة 4 / 3 / 2024 مكتب فني 75 ق 56 ص 369

جلسة ٤ من مارس سنة ۲۰۲٤
برئاسة السيد القاضي/ نبيل أحمد صادق "نائب رئيس المحكمة " وعضوية السادة القضاة / محمد عاطف ثابت، الريدي عدلي
ياسر الشريف وهاني درويش " نواب رئيس المحكمة".
----------------
(٥٦)
لطعنان رقما ٢٢١٢٨، ٢٣٤٦٤ لسنة ٩٣ القضائية
(۱ – ٦) التزام "انتقاله: حوالة الحق". تحكيم "حجية حكم المحكمين". حكم "حجية الأحكام: مدى تعلقها بالنظام العام، ما يحوز الحجية: أجزاء الحكم التي تحوز الحجية، نطاق الحجية ومداها". حوالة "حوالة الحق: أثرها". قوة الأمر المقضي "أثر اكتسابها".
(۱) حجية الأحكام. تعلقها بالنظام العام. مؤدَّاه. لمحكمة النقض إثارتها ولو لم يثرها الخصوم أو النيابة.
(۲) أحكام المُحَكَّمين شأنها شأن أحكام القضاء. مؤداه. اكتسابه حجية الشيء المحكوم به ما بقيَ قائمًا.
(۳) القضاء بثبوت الحق في الدعوى أو بانقضائه مترتب على ثبوت أو عدم ثبوت المسألة الواحدة الأساسية. مقتضاه. اكتساب هذا القضاء قوة الأمر المقضي. أثره. مانع للخصوم ذاتهم
من التنازع في شأن أي حق آخر مترتب على ثبوت أو انتفاء تلك المسألة.
(٤) حجية الأمر المقضي. ورودها على منطوق الحكم وما ارتبط به من أسباب ارتباطًا وثيقًا ولازمًا للنتيجة التي انتهى إليها.
(٥) نفاذ حوالة الحق. مؤداه. اعتبار المُحال إليه هو صاحب الصفة في طلب الحق موضوع الحوالة.
(٦) عدم تقديم الطاعنة ما يفيد بطلان حكم التحكيم الصادر بعدم قبول دعواها. أثره. اكتسابه حجية الأحكام القضائية. اتحاد الدعوى التحكيمية مع الدعوى محل الحكم المطعون فيه خصومًا وموضوعًا وسببًا. مؤداه. عدم جواز طرح المسألة ذاتها. علة ذلك.
(٧ – ١٢) بنوك "خطاب الضمان: طبيعة الالتزام فيه" "صيغة خطاب الضمان ومدته" "زواله". حكم "عيوب التدليل: مخالفة الثابت بالأوراق، مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه". دعوى "الطلبات فيها: الطلبات العارضة".
(٧) الوفاء بخطاب الضمان. الأصل. عدم توقفه على واقعة خارجة عنه ولا على تحقق شرط ولا على حلول أجل غير وارد به. الاستثناء. ارتباط تنفيذه بواقعة ترجع إلى المستفيد من الخطاب. لازمه. التحقق من قيامها.
(٨) خطاب الضمان الصادر لكفالة العميل. يحكم العلاقة بين البنك مُصدره والمستفيد منه. مؤداه. عباراته تحدد التزام البنك الشروط التي يدفع بمقتضاها. تعذر تحقق تلك الشروط. أثره. زوال الضمان. علة ذلك.
(٩) عبارات خطاب الضمان. ماهيتها. الأصل فيها أن تكون واضحة وصريحة ما لم يكن مدلولها ذات مفهوم واحد جرى العرف التجاري على اتباعه.
(١٠) خطاب ضمان الدفعة المقدمة. ماهيته. حق المستفيد بصرف قيمته خلال سريانه. الاستثناء. الاتفاق على استهلاكه تلقائيًا بما يقوم الآمر بتنفيذه من أعمال. أثره. امتناع البنك جزئيًا أو كليًا عن طلب تسييله. تعلق ذلك بعلاقة المستفيد بالبنك مُصدر الخطاب ومدى حسن التزام المستفيد التنفيذ المناسب لبنود خطاب الضمان. علة ذلك. قاعدة الضمان المتدرج لخطاب الضمان.
(١١) النص في خطاب الضمان على تخفيض قيمته تدريجيًا وفقًا للأعمال المنفذة
من قِبَل الشركة الآمرة. مدلوله. انقضاء الضمان باستهلاك قيمة الخطاب بالأعمال المنفذة. أثره. عدم أحقية المطعون ضدها الأولى في طلب تسييل ذلك الخطاب. مخالفة الحكم المطعون فيه هذا النظر. خطأ.
(١٢) الطلب العارض المُبدَى من المدعى عليه. ماهيته. وجوب الحكم فيه مع الدعوى الأصلية أو استبقاؤه للحكم فيه بعد تحقيقه. المادتان ۱۲٥، ۱۲۷ مرافعات. قضاء الحكم المطعون فيه بعدم قبول الدعوى الفرعية من الطاعن بدعوى عدم ارتباطها بالدعوى الأصلية. خطأ في تطبيق القانون.
(١٣) التزام "انتقاله: حوالة الحق". فوائد "أنواعه وبعض صورها: الفائدة القانونية".
دخول مستحقات الشركة المنفذة ضمن الحقوق المتنازل عنها للبنك المدعي فرعيًا. سبيله. عقد حوالة. إخلال الشركة المدعى عليها فرعيًا بالتزاماتها تجاه الشركة المنفذة. مؤداه. القضاء للبنك بتلك المستحقات. تطبيق الفائدة القانونية بواقع ٥% لعدم وجود فائدة اتفاقية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن حجية الأحكام من مسائل النظام العام وتُعد ضمن نطاق الطعون المطروحة على محكمة النقض التي لها إثارتها ولو لم يثرها الخصوم أو النيابة.
۲ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن أحكام المُحكَّمين شأن أحكام القضاء تحوز حجية الشيء المحكوم فيه بمجرد صدورها، وتبقى هذه الحجية طالما بقيَ الحكم ولم يقض ببطلانه.
۳ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن المسألة الواحدة متى كانت أساسية وكان ثبوتها أو عدم ثبوتها هو الذي يترتب عليه القضاء بثبوت الحق في الدعوى أو بانقضائه، فإن هذا القضاء يحوز قوة الشيء المحكوم فيه في تلك المسألة الأساسية بين الخصوم أنفسهم، ويمنعهم من التنازع بطريق الدعوى أو الدفع في شأن أي حق آخر يتوقف ثبوته أو انتفاؤه على ثبوت تلك المسألة السابق الفصل فيها بين هؤلاء الخصوم أنفسهم أو انتفائها.
٤ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن حجية الأمر المقضي ترد على منطوق الحكم وعلى ما يكون من أسباب مرتبطًا بالمنطوق ارتباطًا وثيقًا ولازمًا للنتيجة التي انتهى إليها.
٥ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه بنفاذ حوالة الحق يصبح المحال إليه دون المُحيل – الذي أضحى أجنبيًا – هو صاحب الصفة في طلب الحق موضوع الحوالة.
٦ - إذ كان البيِّن من طلبات الطاعنة في الدعوى التحكيمية رقم ... لسنة ... تحكيم مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، إلزام المطعون ضدها الأولى تعويضها بمبلغ حددته لما لحقها من أضرار مادية وأدبية تمثلت في قيمة المستحقات المتأخرة عن عملية الإسناد المحرر عنها العقد المؤرخ .../.../٢٠٠٨ وقيمة خطابي ضمان الدفعة المقدمة والأعمال ومبلغ التأمين النقدي المحجوز لديها، وما أنفقته من مصروفات وما لحق سمعتها من إساءة، وهذه الدعوى تتحد مع الدعوى محل الحكم المطعون فيه خصومًا وموضوعًا وسببًا. وإذ أصدرت هيئة التحكيم بتاريخ .../.../... حكمًا بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي كامل صفة، وفصلت في أسبابه المرتبطة بمنطوقه بعدم أحقية الطاعنة في المطالبة بحقوقها المستمدة من عقد الإسناد آنف البيان، لثبوت تنازلها عنها إلى البنك المطعون ضده الثاني بموجب حوالة الحق المؤرخة .../.../... المقبولة من المطعون ضدها الأولى، وبانفراد المُحال إليه في مطالبة الأخيرة بتلك الحقوق، وقبضها مباشرة. وإذ خلت الأوراق، كما لم تقدم الطاعنة ما يفيد القضاء ببطلان حكم التحكيم، فيحوز حجية الأحكام القضائية، فلا يجوز لطرفيه إعادة طرح المسألة آنفة البيان الواردة بأسبابه، كما يمتنع على المحكمة التعرض لها / لاعتبارات حجية الأحكام المتعلقة بالنظام العام / وإذ انتهى الحكم المطعون فيه إلى عدم قبول دعوى الطاعنة، وهو يتساوى في نتيجته مع القضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بالحكم التحكيمي آنف البيان، فلا يعيبه تنكبه الوسيلة إذ لمحكمة النقض تصويب أسبابه دون أن تنقضه.
۷ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه وإن كان الأصل في خطاب الضمان ألا يتوقف الوفاء به على واقعة خارجة عنه ولا على تحقق شرط ولا حلول أجل غير وارد به وهو ما يعرف بالكفاية الذاتية للخطاب، إلا أنه إذا ارتبط تنفيذه بواقعة ترجع إلى المستفيد من الخطاب تعين التحقق من قيامها.
۸ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه إذا ما أصدر البنك خطاب الضمان لكفالة عميله، فإن علاقة هذا البنك بالمستفيد يحكمها هذا الخطاب وحده وأن عباراته التي يمليها الأخير على الآمر في عقد الأساس ويمليها الآمر على البنك في طلب إصدار الخطاب هي التي تحدد التزام البنك الشروط التي يدفع بمقتضاها حتى إذا ما طولب بالوفاء أثناء سريان أجل الضمان وتحققت الشروط وقدمت إليه المستندات المحددة في الخطاب وجب عليه الدفع فورًا بحيث لا يلتزم إلا في حدود تلك الشروط ولا يعتد بغير هذه المستندات، فإذا تعذر تحققها نهائيًا خلال الأجل المحدد زال الضمان بدوره نهائيًا لفقدان فاعليته.
۹ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن عبارات خطاب الضمان هي التي تبدأ عادة ببيان الغرض من إصداره والمستمد من الرابطة القانونية القائمة بين الآمر والمستفيد بقصد تحديد نطاق الضمان الذي يمنحه البنك إلى الأخير فلا يمتد إلى ما يجاوزه، وتتضمن كذلك الشروط المعلق عليها التزام البنك الدفع والتي ترجع إلى المستفيد والتي يتعين أن تكون في الأصل واضحةً وصريحةً ما لم يكن مدلولها ذات مفهوم واحد جرى العرف التجاري على اتباعه بما يحتويه من شروط.
۱۰ - خطاب ضمان الدفعة المقدمة يعني في أحد صوره الخطاب الذي يقدم ممن قبل عطاؤه / الآمر / لضمان إعادة ما اقترضه مقدمًا من المتعاقد معه / المستفيد / من مبالغ قدمت له بغرض مساعدته في تمويل العملية التي أُسندت إليه بما لا يكون معه المستفيد دائنًا بالحق الناشئ عن هذا الخطاب إلا من وقت قيامه بدفعه بالفعل للآمر، فيحق له صرف قيمة الخطاب خلال سريانه ما لم يتفق فيه على استهلاك تلك الدفعة تلقائيًا بما يقوم الآمر بتنفيذه من الأعمال المتعاقد عليها أو يتم توريده من بضائع أو مواد أولية، فعندئذٍ يحق للبنك مصدر خطاب الضمان –إعمالًا لقاعدة الضمان المتدرج لخطاب الضمان– الامتناع الجزئي أو الكلي عن طلب تسييله التزامًا بنوده ومدى تنفيذ الأعمال المحرر بشأنها خطاب الضمان، وهي في جوهرها أسباب مردَّها علاقة المستفيد بالبنك مصدر الخطاب، ومنها ما يتعلق بمدى حسن التزام المستفيد التنفيذ المناسب لبنود خطاب الضمان، ولا يُعد ذلك مساسًا بقاعدة استقلال عقد الضمان عن عقد الأساس، والقول بغير ذلك قد يُمكن المستفيد من تقاضي مبلغ خطاب الضمان من خلال خصمه من قيمة الأعمال المنفذة ثم معاودة استلام قيمته بطلب تسييله من البنك مصدره، وهو من شأنه تقويض الغاية التي شُرِّعَ من أجلها خطاب الضمان.
۱۱ - إذ كان البيِّن من خطاب ضمان الدفعة المقدمة رقم ... محل التداعي أنه صادر من البنك بتاريخ .../.../... لصالح المطعون ضدها الأولى –المستفيد– بمبلغ ... جنيهًا بناءً على طلب المطعون ضدها الثانية كتأمين الدفعة المقدمة عن ضمان تنفيذ العقد الخاص بتصنيع وتوريد الأعمال الحديدية لمبنى ... التي أسندتها المطعون ضدها الأولى إلى الثانية بالعقد المؤرخ .../.../...، ومما لا خُلف فيه بين الأطراف صدور طلبات المطعون ضدها الأولى إلى البنك الطاعن بتخفيض قيمة خطاب الضمان تدريجيًا وفقًا لتنفيذ الأعمال من قبل الآمر إعمالًا لبنود خطاب الضمان حتى استقر عند مبلغ ... جنيهًا وهو محل المطالبة من المستفيد، كما ثبتت صفة البنك الطاعن في مطالبة المطعون ضدها الأولى بمستحقات عقد الإسناد سالف الذكر، وذلك بموجب عقد الحوالة المؤرخ .../.../... الصادر إليه من المطعون ضدها الثانية والمقبولة من المطعون ضدها الأولى وانعدام صفة المُحيلة في مطالبة الأخيرة بتلك الحقوق، وهذه المسألة قد حسمها الحكم الصادر في الدعوى التحكيمية رقم ... لسنة ... تحكيم مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، وذلك على نحو ما انتهت إليه هذه المحكمة عند الفصل في الطعن الأول رقم ٢٣٤٦٤ لسنة ٩٣ ق. وكان البنك الطاعن قد تمسك بعدم أحقية المطعون ضدها الأولى في طلب تسييل خطاب الضمان محل التداعي وذلك لاستهلاك قيمته من إجمالي قيمة الأعمال المنفذة لصالح المطعون ضدها الأولى بما يزول معه الضمان وتنتهي فاعليته وبانتفاء خطئه في الامتناع عن تسييله، وكان البيِّن من تقريري الخبرة المنتدبة في الدعوى تنفيذ الأعمال محل عقد الإسناد دون عيب من عيوب الصناعة، وأن المطعون ضدها الأولى هي من أخلت بالتزاماتها التعاقدية لعدم سدادها مستحقات المطعون ضدها الأولى / المُحالة إلى البنك الطاعن– ومقدراها مبلغ ... جنيهًا، وأن خطاب ضمان الدفعة المقدمة محل المطالبة قد اُستهلكت كامل قيمته من جانب المطعون ضدها الأولى بما يترتب عليه انقضاؤه، وكان من شأن ذلك عدم أحقية المطعون ضدها الأولى في طلب تسييل خطاب ضمان الدفعة المقدمة، لثبوت استهلاك قيمته بمعرفتها مما لا يمكن معه نسبة ثمة خطأ في جانب البنك الطاعن لامتناعه عن قبول طلب تسييل خطاب ضمان الدفعة المقدمة، وتنتفى بالبناء على ما تقدم مسئوليته عن التزام التعويض للمستفيد / المطعون ضدها الأولى / وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وألزم البنك الطاعن قيمة خطاب الضمان محل المطالبة فضلًا عن مبلغ التعويض الذي قدره جراء امتناعه عن هذا التسييل، فإنه يكون معيبًا.
۱۲ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن للمدعى عليه وفقًا لنص المادة ۲/۱۲٥ من قانون المرافعات أن يقدم من الطلبات العارضة أي طلب يترتب على إجابته ألا يحكم للمدعي بطلباته كلها أو بعضها أو أن يحكم له بها مقيدة بقيد لمصلحة المدعى عليه، فإذا طرحت على المحكمة طلبات عارضة تعين على المحكمة أن تحكم في موضوعها كلما أمكن ذلك، وإلا استبقت الطلب العارض للحكم فيه بعد تحقيقه وذلك إعمالًا لنص المادة ۱۲۷ من القانون سالف البيان. وكانت الدعوى الفرعية من الطاعن بإلزام المطعون ضدها الأولى مبلغ ... جنيهًا قيمة المستخلصات المستحقة للمطعون ضدها الثانية والمحالة إليه ومبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن عدم سداد تلك المستحقات ورد خطاب الضمان محل التداعي لثبوت استهلاك قيمته وهي طلبات تُعد دفعًا في الدعوى الأصلية يترتب على قبولها ألا يحكم للمطعون ضدها الأولى بطلباتها على نحو يدخلها في نطاق الطلبات العارضة التي نصت عليها الفقرة الثانية من المادة ۱۲٥ من قانون المرافعات، فإن الحكم المطعون فيه إذ أعمل بشأنها حكم الفقرة الثالثة من المادة سالفة البيان بمقولة عدم ارتباطها بالدعوى الأصلية وقضى بعدم قبولها، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون.
۱۳ - إذ كان البيِّن من تقريري الخبرة المنتدبة في الدعوى تنفيذ شركة ... - الخصم المدخل والمتدخل – للأعمال محل عقد الإسناد دون عيب من عيوب الصناعة وقد أخلت شركة ... / المدعى عليه فرعيًا / بالتزاماتها سداد مبلغ ... جنيهًا مستحقات الشركة المنفذة والتي تدخل ضمن الحقوق المتنازل عنها للبنك المدعى فرعيًا بموجب عقد الحوالة المقبولة من المدعى عليه فرعيًا، وبأن خطاب ضمان الدفعة المقدمة قد انقضى باستهلاك قيمته، فإن المحكمة تقضي / في حدود طلبات البنك المدعى فرعيًا / بإلزام شركة ... أداء مبلغ ... جنيهًا قيمة المستحقات عن عملية الإسناد محل التداعي، وإذ خلت الأوراق من وجود فائدة اتفاقية في شأن عقد الإسناد فتسري الفائدة القانونية بواقع ٥% سنويًا، وإذ كان المبلغ المطالب به غير محدد مقداره على أسس ثابتة، ولم يستقر إلا بندب خبير في الدعوى وتقدير المبلغ من قبل المحكمة، وعليه يكون سريان الفائدة من تاريخ هذا الحكم وحتى تمام السداد، وإذ كان تأخير المدعى عليه فرعيًا في سداد المبالغ المستحقة للبنك المدعي قد جاوز مدة عشر سنوات بما حرمه من فرصة استثمار ذلك المبلغ، فإن المحكمة تقدر مبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن الأضرار المادية التي لحقته عن هذا التأخير، وإذ انتهت المحكمة إلى ثبوت استهلاك قيمة خطاب ضمان الدفعة المقدمة بما تقضي معه المحكمة بقبول طلب البنك المدعي فرعيًا برد ذلك الخطاب وتجديداته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المُقرر، والمُرافعة، والمُداولة.
حيث إنَّ الطعنين استوفيا أوضاعهما الشكلية.
وحيث إنَّ الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تحصل في أن المطعون ضدها الأولى في الطعن الأول أقامت على البنك الطاعن في الطعن ذاته الدعوى رقم ... لسنة ... ق أمام الدائرة الاستئنافية بمحكمة القاهرة الاقتصادية بطلب الحكم / وفقًا لطلباتها الختامية / بإلزامه أن يؤدي إليها مبلغ ... جنيهًا قيمة خطاب الضمان مقدم الأعمال رقم ...، وإلزامه أن يؤدي إليها مبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن الأضرار المادية التي لحقتها من جراء امتناع البنك الطاعن عن تسييل خطاب الضمان عاليه، وإلزام الخصم المدخل ... (الطاعنة في الطعن الثاني) أن تؤدي إليها مبلغ ... جنيهًا تعويضًا عما فاتها من كسب وما لحقها من خسارة جراء امتناع البنك عن استكمال وتنفيذ الأعمال محل عقد المقاولة في مواعيدها، على سندٍ أنه بتاريخ .../.../... أسندت إلى المطعون ضدها الثانية / الطاعنة في الطعن الثاني / عملية تصنيع أعمال حديدية خاص بها، وقد أصدر البنك - بناءً على أوامر الأخيرة - في .../.../... خطاب ضمان بمبلغ ... جنيهًا إلى المطعون ضدها الأولى تم تخفيض قيمته إلى مبلغ ... جنيهًا، وإذ رفض البنك الطاعن طلبها تسييل هذا الخطاب دون مبرر، فأقامت الدعوى. أدخل البنك الطاعن المطعون ضدها الثانية خصمًا في الدعوى، وقدم طلبًا عارضًا ختاميًا بإلزام المطعون ضدها الأولى أن تؤدي إليه مبلغ ... جنيهًا قيمة المستخلصات المستحقة للمطعون ضدها الثانية والمحالة إليه بموجب حوالة الحق المؤرخة .../.../... المقبولة منها والفوائد القانونية التي يتعامل بها البنك المركزي من تاريخ المطالبة حتى تمام السداد، وإلزامها أن تؤدي إليه ... جنيهًا تعويضًا عن الأضرار المادية التي لحقته من عدم سدادها المستخلصات المستحقة في ذمتها طبقًا لحوالة الحق سالفة البيان، وإلزامها رد خطاب الضمان سالف البيان وتجديداته إليه لانتهاء الغرض منه واستهلاكه كاملًا. على سندٍ أنه على إثر عقد الإسناد سالف البيان تحصلت المطعون ضدها الثانية منه على تسهيلات ائتمانية منها خطاب الضمان محل التداعي وتنازلت له عن حقوقها قبل المطعون ضدها الأولى التي قبلت تلك الحوالة في .../.../...، وإذ تضمن خطاب الضمان في صدره بندًا بأن قيمته تنخفض تدريجيًا بنسبة من كل مستخلص يستحق لعملائنا وتم تخفيضه من قيمته الأصلية، وإذ كانت المستخلصات المستحقة في ذمة المستفيد –المطعون ضدها الأولى– قد استهلكت قيمة الخطاب، فضلًا عما لحقه من ضرر مادي لامتناعها عن سداد باقي المستخلصات المستحقة للمطعون ضدها الثانية والمحالة إليه منها، فقد كانت دعواه الفرعية. كما وجهت المطعون ضدها الثانية / الطاعنة في الطعن الثاني / دعوى فرعية بطلب الحكم بانقضاء خطاب الضمان رقم ... محل التداعي لاستهلاك كامل قيمته وبرده إلى البنك الطاعن، وبإلزام المطعون ضدها الأولى أن تؤدي لها مبلغ ... جنيهًا قيمة خطاب ضمان الأعمال رقم ... الذي يمثل خطاب التأمين النهائي والذي طلبت الأخيرة تسييله وصادرت قيمته في .../.../... دون وجه حق، وإلزامها مبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن الأضرار التي لحقتها من تسييل خطاب ضمان الأعمال وتقاعسها عن تخفيض قيمة خطاب ضمان مقدم الأعمال بما استحق للشركة المدعية من مستخلصات وبإلزامها مبلغ ... جنيهًا قيمة المستحقات الختامية لها، على سندٍ من أن قيمة خطاب مقدم الأعمال قد انقضت بما استحق لها من قيمة المستخلصات وفقًا للثابت بصدر الخطاب وتقرير لجنة الخبراء المنتدبة، وأن تسييل المطعون ضدها الأولى لخطاب ضمان الأعمال النهائي رغم عدم استحقاقها لثبوت مديونيتها ألحق بالمطعون ضدها الثانية أضرارًا مادية، فضلًا عن امتناعها عن سداد قيمة المستحقات الختامية لها، فقد أقامت دعواها الفرعية. ندبت الحكمة خبيرًا، وبعد أن أودع تقريره حكمت المحكمة بتاريخ .../.../.... بعدم اختصاصها نوعيًا، وأحالتها إلى محكمة جنوب القاهرة الابتدائية حيث قيدت برقم ... لسنة ... تعويضات، وبعد أن ندبت المحكمة لجنة خبراء ثلاثية أودعت تقريرها، حكمت بإعادة الدعوى إلى المحكمة الاقتصادية المحيلة ذاتها نفاذًا للحكم الصادر من محكمة النقض في الطعن رقم ... لسنة ... ق بتاريخ .../.../...، حيث قُيدت برقمها السابق. وبتاريخ .../.../... قضت المحكمة بإلزام البنك الطاعن أن يؤدي إلى المطعون ضدها الأولى مبلغ ... جنيهًا قيمة خطاب الضمان ومبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن الأضرار التي حاقت بها جراء امتناعه عن تسييل خطاب الضمان، وبعدم قبول دعوى الضمان الفرعية الموجهة من البنك الطاعن إلى المطعون ضدها الثانية، وبعدم قبول الطلبات المبداة من الطاعن والمطعون ضدها الثانية قبل المطعون ضدها الأولى. طعن البنك المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض بالطعن رقم ۲۲۱۲۸ لسنة ۹۳ ق، كما طعنت المطعون ضدها الثانية في هذا الحكم بالطريق ذاته بالطعن رقم ۲۳٤٦٤ لسنة ۹۳ ق، وأودعت النيابة مذكرتين أبدت الرأي في الطعن الأول بنقض الحكم المطعون فيه، ورفض الطعن الثاني. وإذ عُرض الطعنان على دائرة فحص الطعون الاقتصادية / في غُرفة مشورة / فأمرت بضم القضية الصادر فيها الحكم المطعون فيه، وحددت جلسة لنظرهما أمام محكمة النقض التي أمرت بضم الطعنين للارتباط، والتزمت النيابة رأيها.

أولًا: الطعن رقم ۲۳٤٦٤ لسنة ۹۳ قضائية:
وحيث إنه لما كان من المستقر / في قضاء محكمة النقض / أن حجية الأحكام من مسائل النظام العام وتُعد ضمن نطاق الطعون المطروحة على محكمة النقض التي لها إثارتها ولو لم يثرها الخصوم أو النيابة، وأن أحكام المُحكَّمين شأن أحكام القضاء تحوز حجية الشيء المحكوم فيه بمجرد صدورها، وتبقى هذه الحجية طالما بقيَ الحكم ولم يقض ببطلانه، وأن المسألة الواحدة متى كانت أساسية وكان ثبوتها أو عدم ثبوتها هو الذي يترتب عليه القضاء بثبوت الحق في الدعوى أو بانقضائه، فإن هذا القضاء يحوز قوة الشيء المحكوم فيه في تلك المسألة الأساسية بين الخصوم أنفسهم، ويمنعهم من التنازع بطريق الدعوى أو الدفع في شأن أي حق آخر يتوقف ثبوته أو انتفاؤه على ثبوت تلك المسألة السابق الفصل فيها بين هؤلاء الخصوم أنفسهم أو انتفائها، وأن حجية الأمر المقضي ترد على منطوق الحكم وعلى ما يكون من أسباب مرتبطًا بالمنطوق ارتباطًا وثيقًا ولازمًا للنتيجة التي انتهى إليها، كما أنه بنفاذ حوالة الحق يصبح المحال إليه دون المُحيل / الذي أضحى أجنبيًا / هو صاحب الصفة في طلب الحق موضوع الحوالة. لمَّا كان ذلك، وكان البيِّن من طلبات الطاعنة في الدعوى التحكيمية رقم ... لسنة ... تحكيم مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، إلزام المطعون ضدها الأولى تعويضها بمبلغ حددته لما لحقها من أضرار مادية وأدبية تمثلت في قيمة المستحقات المتأخرة عن عملية الإسناد المحرر عنها العقد المؤرخ .../.../٢٠٠٨ وقيمة خطابي ضمان الدفعة المقدمة والأعمال ومبلغ التأمين النقدي المحجوز لديها، وما أنفقته من مصروفات وما لحق سمعتها من إساءة، وهذه الدعوى تتحد مع الدعوى محل الحكم المطعون فيه خصومًا وموضوعًا وسببًا. وإذ أصدرت هيئة التحكيم بتاريخ .../.../... حكمًا بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي كامل صفة، وفصلت في أسبابه المرتبطة بمنطوقه بعدم أحقية الطاعنة في المطالبة بحقوقها المستمدة من عقد الإسناد آنف البيان، لثبوت تنازلها عنها إلى البنك المطعون ضده الثاني بموجب حوالة الحق المؤرخة .../.../... المقبولة من المطعون ضدها الأولى، وبانفراد المُحال إليه في مطالبة الأخيرة بتلك الحقوق، وقبضها مباشرة. وإذ خلت الأوراق، كما لم تقدم الطاعنة ما يفيد القضاء ببطلان حكم التحكيم، فيحوز حجية الأحكام القضائية، فلا يجوز لطرفيه إعادة طرح المسألة آنفة البيان الواردة بأسبابه، كما يمتنع على المحكمة التعرض لها / لاعتبارات حجية الأحكام المتعلقة بالنظام العام / وإذ انتهى الحكم المطعون فيه إلى عدم قبول دعوى الطاعنة، وهو يتساوى في نتيجته مع القضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بالحكم التحكيمي آنف البيان، فلا يعيبه تنكبه الوسيلة إذ لمحكمة النقض تصويب أسبابه دون أن تنقضه.
ولما تقدم يتعين رفض الطعن.

ثانيًا: الطعن رقم ۲۲۱۲۸ لسنة ۹۳ قضائية:
وحيث إنَّ الطعن أُقيم على خمسة أسباب ينعي البنك الطاعن بها / عدا الوجه الثاني من السبب الثالث / على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع؛ وفي بيان ذلك يقول إنه تمسك أمام محكمة الموضوع باستهلاك قيمة خطاب الضمان الدفعة المقدمة محل المطالبة بثبوت تنفيذ الأعمال محل العقد الأساسي الصادر بشأنها ذلك الخطاب ومديونية المطعون ضدها الأولى –المستفيد– له بمبلغ ... جنيهًا والتي آلت إليه بتنازل المطعون ضدها الثانية –الآمر– بموجب عقد حوالة الحق المؤرخ .../.../... المقبولة من المطعون ضدها الأولى بما يجاوز المبلغ محل خطاب الضمان آنف البيان، وهو ما انتهيا إليه تقريرا الخبرة المنتدبة في الدعوى، وبالتالي تكون قد نفذت الأعمال المقدمة الصادر عنها خطاب الضمان محل التداعي الذي نُص فيه على أن يتم تخفيضه تدريجيًا بنسبة من كل مستخلص مستحق للآمر، بما يحول دون المطعون ضدها الأولى وطلب تسييل هذا الخطاب ويحق للطاعن الامتناع عن طلب تسييله، كما ينتفي الخطأ في جانبه إذا رفض طلب تسييله، فإن الحكم المطعون فيه إذ ألزمه / بالرغم من ذلك / مبلغ ... جنيهًا قيمة خطاب ضمان مقدم الأعمال ومبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن الأضرار المادية التي حاقت بالمطعون ضدها الأولى من جراء امتناعه عن تسييل خطاب الضمان، فإنه يكون معيبًا بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك بأن من المقرر / في قضاء محكمة النقض / أنه وإن كان الأصل في خطاب الضمان ألا يتوقف الوفاء به على واقعة خارجة عنه ولا على تحقق شرط ولا حلول أجل غير وارد به وهو ما يعرف بالكفاية الذاتية للخطاب، إلا أنه إذا ارتبط تنفيذه بواقعة ترجع إلى المستفيد من الخطاب تعين التحقق من قيامها، وعلى ذلك فإذا ما أصدر البنك خطاب الضمان لكفالة عميله، فإن علاقة هذا البنك بالمستفيد يحكمها هذا الخطاب وحده وأن عباراته التي يمليها الأخير على الآمر في عقد الأساس ويمليها الآمر على البنك في طلب إصدار الخطاب هي التي تحدد التزام البنك الشروط التي يدفع بمقتضاها حتى إذا ما طولب بالوفاء أثناء سريان أجل الضمان وتحققت الشروط وقدمت إليه المستندات المحددة في الخطاب وجب عليه الدفع فورًا بحيث لا يلتزم إلا في حدود تلك الشروط ولا يعتد بغير هذه المستندات، فإذا تعذر تحققها نهائيًا خلال الأجل المحدد زال الضمان بدوره نهائيًا لفقدان فاعليته، وعبارات خطاب الضمان هي التي تبدأ عادة ببيان الغرض من إصداره والمستمد من الرابطة القانونية القائمة بين الآمر والمستفيد بقصد تحديد نطاق الضمان الذي يمنحه البنك إلى الأخير فلا يمتد إلى ما يجاوزه، وتتضمن كذلك الشروط المعلق عليها التزام البنك الدفع والتي ترجع إلى المستفيد والتي يتعين أن تكون في الأصل واضحةً وصريحةً ما لم يكن مدلولها ذات مفهوم واحد جرى العرف التجاري على اتباعه بما يحتويه من شروط، وكان خطاب ضمان الدفعة المقدمة يعني في أحد صوره الخطاب الذي يقدم ممن قبل عطاؤه / الآمر / لضمان إعادة ما اقترضه مقدمًا من المتعاقد معه / المستفيد / من مبالغ قدمت له بغرض مساعدته في تمويل العملية التي أُسندت إليه بما لا يكون معه المستفيد دائنًا بالحق الناشئ عن هذا الخطاب إلا من وقت قيامه بدفعه بالفعل للآمر، فيحق له صرف قيمة الخطاب خلال سريانه ما لم يتفق فيه على استهلاك تلك الدفعة تلقائيًا بما يقوم الآمر بتنفيذه من الأعمال المتعاقد عليها أو يتم توريده من بضائع أو مواد أولية، فعندئذٍ يحق للبنك مصدر خطاب الضمان –إعمالًا لقاعدة الضمان المتدرج لخطاب الضمان– الامتناع الجزئي أو الكلي عن طلب تسييله التزامًا بنوده ومدى تنفيذ الأعمال المحرر بشأنها خطاب الضمان، وهي في جوهرها أسباب مردَّها علاقة المستفيد بالبنك مصدر الخطاب، ومنها ما يتعلق بمدى حسن التزام المستفيد التنفيذ المناسب لبنود خطاب الضمان، ولا يُعد ذلك مساسًا بقاعدة استقلال عقد الضمان عن عقد الأساس، والقول بغير ذلك قد يُمكن المستفيد من تقاضي مبلغ خطاب الضمان من خلال خصمه من قيمة الأعمال المنفذة ثم معاودة استلام قيمته بطلب تسييله من البنك مصدره، وهو من شأنه تقويض الغاية التي شُرِّعَ من أجلها خطاب الضمان. لما كان ذلك، وكان البيِّن من خطاب ضمان الدفعة المقدمة رقم ... محل التداعي أنه صادر من البنك بتاريخ .../.../... لصالح المطعون ضدها الأولى –المستفيد– بمبلغ ... جنيهًا بناءً على طلب المطعون ضدها الثانية كتأمين الدفعة المقدمة عن ضمان تنفيذ العقد الخاص بتصنيع وتوريد الأعمال الحديدية لمبنى ... التي أسندتها المطعون ضدها الأولى إلى الثانية بالعقد المؤرخ .../.../...، ومما لا خُلف فيه بين الأطراف صدور طلبات المطعون ضدها الأولى إلى البنك الطاعن بتخفيض قيمة خطاب الضمان تدريجيًا وفقًا لتنفيذ الأعمال من قبل الآمر إعمالًا لبنود خطاب الضمان حتى استقر عند مبلغ ... جنيهًا وهو محل المطالبة من المستفيد، كما ثبتت صفة البنك الطاعن في مطالبة المطعون ضدها الأولى بمستحقات عقد الإسناد سالف الذكر، وذلك بموجب عقد الحوالة المؤرخ .../.../... الصادر إليه من المطعون ضدها الثانية والمقبولة من المطعون ضدها الأولى وانعدام صفة المُحيلة في مطالبة الأخيرة بتلك الحقوق، وهذه المسألة قد حسمها الحكم الصادر في الدعوى التحكيمية رقم ... لسنة ... تحكيم مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، وذلك على نحو ما انتهت إليه هذه المحكمة عند الفصل في الطعن الأول رقم ٢٣٤٦٤ لسنة ٩٣ ق. وكان البنك الطاعن قد تمسك بعدم أحقية المطعون ضدها الأولى في طلب تسييل خطاب الضمان محل التداعي وذلك لاستهلاك قيمته من إجمالي قيمة الأعمال المنفذة لصالح المطعون ضدها الأولى بما يزول معه الضمان وتنتهي فاعليته وبانتفاء خطئه في الامتناع عن تسييله، وكان البيِّن من تقريري الخبرة المنتدبة في الدعوى تنفيذ الأعمال محل عقد الإسناد دون عيب من عيوب الصناعة، وأن المطعون ضدها الأولى هي من أخلت بالتزاماتها التعاقدية لعدم سدادها مستحقات المطعون ضدها الأولى / المُحالة إلى البنك الطاعن– ومقدراها مبلغ ... جنيهًا، وأن خطاب ضمان الدفعة المقدمة محل المطالبة قد اُستهلكت كامل قيمته من جانب المطعون ضدها الأولى بما يترتب عليه انقضائه، وكان من شأن ذلك عدم أحقية المطعون ضدها الأولى في طلب تسييل خطاب ضمان الدفعة المقدمة، لثبوت استهلاك قيمته بمعرفتها مما لا يمكن معه نسبة ثمة خطأ في جانب البنك الطاعن لامتناعه عن قبول طلب تسييل خطاب ضمان الدفعة المقدمة، وتنتفى بالبناء على ما تقدم مسئوليته عن التزام التعويض للمستفيد / المطعون ضدها الأولى / وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وألزم البنك الطاعن قيمة خطاب الضمان محل المطالبة فضلًا عن مبلغ التعويض الذي قدره جراء امتناعه عن هذا التسييل، فإنه يكون معيبًا بما يوجب نقضه نقضاً جزئياً في هذا الخصوص.
وحيث إنَّ الطاعن ينعي بالوجه الثاني من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون؛ إذ قضى بعدم قبول دعواه الفرعية قبل المطعون ضدها الأولى استنادًا إلى أنها منبتة الصلة عن الطلبات في الدعوى الأصلية إعمالًا للفقرة الثالثة من المادة ۱۲٥ من قانون المرافعات رغم أنه يستند في ذلك إلى عدم أحقية المطعون ضدها الأولى في طلباتها لاستهلاك قيمة خطاب ضمان الدفعة المقدمة محل المطالبة بتنفيذ الأعمال من قبل المطعون ضدها الثانية وتنازلها عن حقوقها قبل المطعون ضدها الأولى لصالحه بموجب حوالة الحق المؤرخة .../.../... المقبولة من الأخيرة بما يترتب عليه مديونيتها للطاعن بالمبلغ محل الدعوى الفرعية وانتفاء الحق في تسييل خطاب الضمان المطالب به، وحق الطاعن في رده وهي طلبات يترتب على إجابتها عدم الحكم للمدعي في الدعوى الأصلية بطلباته بما تتوفر فيه شروط قبول الدعوى الفرعية على نحو يُعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في أساسه سديد، ذلك بأن من المقرر / في قضاء محكمة النقض / أن للمدعى عليه وفقًا لنص المادة ۲/۱۲٥ من قانون المرافعات أن يقدم من الطلبات العارضة أي طلب يترتب على إجابته ألا يحكم للمدعي بطلباته كلها أو بعضها أو أن يحكم له بها مقيدة بقيد لمصلحة المدعى عليه، فإذا طرحت على المحكمة طلبات عارضة تعين على المحكمة أن تحكم في موضوعها كلما أمكن ذلك، وإلا استبقت الطلب العارض للحكم فيه بعد تحقيقه وذلك إعمالًا لنص المادة ۱۲۷ من القانون سالف البيان. وكانت الدعوى الفرعية من الطاعن بإلزام المطعون ضدها الأولى مبلغ ... جنيهًا قيمة المستخلصات المستحقة للمطعون ضدها الثانية والمحالة إليه ومبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن عدم سداد تلك المستحقات ورد خطاب الضمان محل التداعي لثبوت استهلاك قيمته وهي طلبات تُعد دفعًا في الدعوى الأصلية يترتب على قبولها ألا يحكم للمطعون ضدها الأولى بطلباتها على نحو يدخلها في نطاق الطلبات العارضة التي نصت عليها الفقرة الثانية من المادة ۱۲٥ من قانون المرافعات، فإن الحكم المطعون فيه إذ أعمل بشأنها حكم الفقرة الثالثة من المادة سالفة البيان بمقولة عدم ارتباطها بالدعوى الأصلية وقضى بعدم قبولها، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون مما يعيبه ويوجب نقضه نقضًا جزئيًا في هذا الخصوص.
وحيث إنَّ الموضوع - وفي حدود ما تم نقضه - صالح للفصل فيه، ولما تقدم، وكانت المحكمة قد انتهت سلفًا إلى عدم أحقية شركة ... في طلب تسييل خطاب ضمان الدفعة المقدمة، وانتفاء الخطأ في جانب البنك المدعى عليه في الامتناع عن قبول هذا الطلب، فيتعين القضاء برفض الدعوى الأصلية.
وحيث إنَّه عن موضوع الطلبات العارضة المبداة من البنك المدعى عليه أصليًا، فلما كان البيِّن من تقريري الخبرة المنتدبة في الدعوى تنفيذ شركة ... - الخصم المدخل والمتدخل - للأعمال محل عقد الإسناد دون عيب من عيوب الصناعة وقد أخلت شركة... – المدعى عليه فرعيًا – بالتزاماتها سداد مبلغ ... جنيهًا مستحقات الشركة المنفذة والتي تدخل ضمن الحقوق المتنازل عنها للبنك المدعى فرعيًا بموجب عقد الحوالة المقبولة من المدعى عليه فرعيًا، وبأن خطاب ضمان الدفعة المقدمة قد انقضى باستهلاك قيمته، فإن المحكمة تقضي / في حدود طلبات البنك المدعى فرعيًا / بإلزام شركة ... أداء مبلغ ... جنيهًا قيمة المستحقات عن عملية الإسناد محل التداعي، وإذ خلت الأوراق من وجود فائدة اتفاقية في شأن عقد الإسناد فتسري الفائدة القانونية بواقع ٥% سنويًا، وإذ كان المبلغ المطالب به غير محدد مقداره على أسس ثابتة، ولم يستقر إلا بندب خبير في الدعوى وتقدير المبلغ من قبل المحكمة، وعليه يكون سريان الفائدة من تاريخ هذا الحكم وحتى تمام السداد، وإذ كان تأخير المدعى عليه فرعيًا في سداد المبالغ المستحقة للبنك المدعي قد جاوز مدة عشر سنوات بما حرمه من فرصة استثمار ذلك المبلغ، فإن المحكمة تقدر مبلغ ... جنيهًا تعويضًا عن الأضرار المادية التي لحقته عن هذا التأخير، وإذ انتهت المحكمة إلى ثبوت استهلاك قيمة خطاب ضمان الدفعة المقدمة بما تقضي معه المحكمة بقبول طلب البنك المدعي فرعيًا برد ذلك الخطاب وتجديداته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطعن 940 لسنة 47 ق جلسة 22 / 1 / 1978 مكتب فني 29 ق 14 ص 74

جلسة 22 من يناير سنة 1978

برياسة السيد المستشار حسن علي المغربي نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: أحمد فؤاد جنينه، ويعيش رشدي، ومحمد وهبه، وأحمد طاهر خليل.

-----------------

(14)
الطعن رقم 940 لسنة 47 القضائية

(1، 2) قتل خطأ. نيابة عامة. مأمور الضبط القضائي. إثبات "شهود". "خبرة". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
(1) حق عضو النيابة. بوصفه رئيساً للضبطية القضائية. في الاستعانة بأهل الخبرة وفي طلب رأيهم شفهيا أو بالكتابة بغير حلف يمين. المادة 29 إجراءات جنائية.
(2) لمحكمة الموضوع الأخذ بأقوال الشاهد في أية مرحلة ولو خالفت ما شهد به أمامها. دون إلزام ببيان العلة. لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها وفي مفاضلة التقارير عند تعددها.
قول الحكم يتوافر الخطأ في جانب المتهم استناداً إلى ما شهد به أعضاء لجنة فنية. رغم عدم القيام بأية تجارب معملية. لا يعيبه.
النعي على المحكمة قعودها عن إجراء لم يطلب منها. غير مقبول.

-----------------
1 - لما كان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه - بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل الخطأ التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، لما كان ذلك وكان النعي على الحكم استناده إلى تقرير لجنة الإسكان بقالة أنه لم يصدر قرار بندبها من سلطة التحقيق ولم يؤد أعضاؤها اليمين القانونية قبل مباشرة المأمورية المندوبين لها فقد قام الحكم الابتدائي بالرد عليه بقوله: "وحيث إن الثابت من الأوراق أن النيابة العامة هي التي قامت بتحقيق الواقعة بنفسها وكذلك أصدرت قرارها بتشكيل لجنة من السادة مهندسي وزارة الإسكان ومن ثم يكون ندب هذه اللجنة قد صدر منها باعتبارها سلطة تحقيق. هذا بالإضافة إلى أن الأصل أن الإجراءات المتعلقة بالشكل كتحليف الخبراء اليمين على إبداء رأيهم بالذمة إعمالاً للمادة 86 من قانون الإجراءات الجنائية قد روعيت ولم يقدم المتهم دليلاً ما يثبت أن أعضاء اللجنة سالفة الذكر لم يحلفوا اليمين القانونية قبل إبداء رأيها ومن ثم يضحى ما يثيره المتهم في هذا الخصوص على أساس غير سليم من القانون خليقاً بالرفض". وهو رد سائغ، فضلاً عن ذلك فإنه وإن أوجب القانون على الخبراء أن يحلفوا يميناً أمام سلطة التحقيق بأن يبدوا رأيهم بالذمة وأن يقدموا تقريرهم كتابة إلا أنه من المقرر أن عضو النيابة بوصف كونه صاحب الحق في إجراء التحقيق ورئيس الضبطية القضائية له من الاختصاص ما خوله القانون لسائر رجال الضبطية القضائية طبقاً للمادتين 24 و31 من قانون الإجراءات الجنائية، لما كان ذلك وكانت المادة 29 من هذا القانون تجيز لمأموري الضبط القضائي أثناء جمع الاستدلالات أن يستعينوا بأهل الخبرة وأن يطلبوا رأيهم شفهياً أو بالكتابة بغير حلف يمين، وكان القانون لا يشترط في مواد الجنح والمخالفات إجراء أي تحقيق قبل المحاكمة، فإنه على فرض صحة ما نعاه الطاعن في هذا الخصوص - فإنه ليس ثمة ما يمنع من الأخذ بما جاء بتقرير اللجنة وبما شهد به أعضاؤها ولو لم يحلفوا اليمين قبل مباشرة المأمورية على أنه ورقة من أوراق الاستدلال في الدعوى المقدمة للمحكمة وعنصراً من عناصرها ما دام أنه كان مطروحاً على بساط البحث وتناوله الدفاع بالتفنيد والمناقشة - كما هو الحال في الدعوى الماثلة - ومن ثم يضحى هذا النعي في غير محله.
2 - لما كان وزن أقوال الشاهد مرجعه إلى محكمة الموضوع ولها الأخذ بها في أية مرحلة ولو كانت مخالفة لما شهد به أمامها دون تلتزم ببيان السبب وفي أخذها بأقوال الشاهد ما يفيد إطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وكان لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها ما دامت قد اطمأنت إلى ما جاء به فلا يجوز مجادلتها فيه، وكان الحكم المطعون فيه قد تكفل بالرد على ما أثاره المدافع عن الطاعن بشأن التدليل على توافر الخطأ في حق الطاعن بما ورد بتقرير اللجنة وبشهادة أعضائها دون القيام بأي تجارب معملية، واكتفاء بما شاهدوه بالعين المجردة بقوله: "..... وهذه المحكمة رأت وقوفاً على وجه الحق في الدعوى واستجلاء للحقيقة سماع أقوال أعضاء تلك اللجنة المذكورة أسماؤهم في المحضر وبسؤالهم اتفقت كلمتهم على أن سبب انهيار المنزل كان بسبب خطأ المتهم متمثلاً في رداءة خلطه الأسمنت والرمل والزلط وعدم التزام المتهم الأصول الفنية في البناء باستعمال حديد مسحوب لا يصلح للبناء ولم يراع المسافات القانونية بين كل سيخ وآخر ولم يضع الكوابيل اللازمة في الأعمدة وكان دفاع المتهم أن التحقيق كان قاصراً لعدم إرسال عينة من مخلفات المبنى لحساب قيمة الجهد الذي يتحمله المبنى وأن هذا الدفاع في غير محله لأن جميع أعضاء اللجنة قرروا بأن سبب الانهيار وهو عدم تحمل الأعمدة الخرسانية البناء القائم عليها بسبب رداءة الصنع والمواد المستعملة في البناء وأن ذلك يبين بالعين المجردة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المعامل للتحليل"، كما نقل الحكم الابتدائي عن تقرير اللجنة أنه تبين لها بعد معاينتها العقار المنهار....." أن المتهم قام ببناء بدروم ودور أرضي وخمسة أدوار علوية هيكل خرساني على أساسات منفصلة وحدث انهيار كامل المبنى وقد وجد من المعاينة أن مستوى التنفيذ رديء جدا وواضح أن خلطات الهيكل الخرساني ضعيفة للغاية سواء في نوعية الأسمنت أو الرمل الذي تدخل فيه بعض شوائب ولا تنطبق عليه مواصفات حبيبات الرمل الواجب استخدامها في الخرسانة المسلحة كما أن الزلط غير متدرج وبه نسبة عالية من الزلط الكبير كما أن جميع الحديد المستعمل من الحديد المسحوب الغير مسموح باستعماله، كما أن متوسط سمك الأسمنت في الأجزاء التي وجدت أقل من السمك الذي يجب ألا يقل عن 10 سم وحديد التسليح وتوزيعه أقل من الكميات التصميمية المقررة سواء في الأقطار المستعملة أو نسبته وتوزيعه على السطح أو سقوطه..... كما أن قطاعات الكمرات أقل من القطاعات التصميمية بالنسبة لأطوالها والأحمال الواقعة عليها علاوة على قلة نسبة حديد التسليح بها وعدم اتباع الأصول الفنية في استخدامه بالنسبة للعزم كما أن الحديد المستعمل في الأعمدة من أقطار 3/ 8 بوصة الغير مسموح باستعماله في تسليح الأعمدة وموضوع بطريقة غير فنية والكانات بالأعمدة من حديد 1/ 8 بوصة وتوجد قطاعات كاملة من الأعمدة بدون كأنات ولا توجد أشاير ربط..... بالإضافة إلى أن المتهم قام بتنفيذ كامل البناء في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر مخالفاً بذلك المواصفات الزمنية اللازمة لتنفيذ الأعمال الإنشائية والمعمارية"...... لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والمفاضلة بين تقاريرهم والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها دون أن تلتزم بندب خبير آخر ما دام استنادها في الرأي الذي انتهت إليه هو استناد سليم لا يجافي المنطق والقانون، وكان يبين من مدونات الحكمين الابتدائي والاستئنافي أن محكمة الموضوع أقامت قضاءها ما على ما اقتنعت به من أسانيد حواها تقرير أعضاء لجنة الإسكان الذي لم ينازع الطاعن في صحة ما نقله الحكم عنه، وعلى ما شهد به أعضاء تلك اللجنة أمام المحكمة الاستئنافية بما لا يخرج عما تضمنه التقرير، وأوضح الحكمان تفصيلاً الأخطاء التي وقعت من الطاعن والتي اكتشفها أعضاء اللجنة بالعين المجردة من معاينة المبنى بعد انهياره بما يوفر في حقه ركن الخطأ في الجريمة التي دين عنها. لما كان ذلك، فإنه لا يجوز مصادرتها في عقيدتها التي خلصت إليها في منطق سائغ كما أنه لا يصح النعي عليها عدم أخذها بالنتيجة التي انتهى إليها تقرير خبير الجدول ذلك أن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ينحل إلى جدل في تقدير الدليل مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الطاعن لم يطلب إلى محكمة الموضوع ندب خبير آخر من غير مهندسي مديرية الإسكان تحقيقاً لما ادعاه في طعنه فإنه لا يصح له أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء لم يطلبه منها. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه "تسبب خطأ في موت..... و...... وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وإخلاله إخلالاً جسيماً بما تفرضه عليه أصول حرفته بأن لم يطبق المواصفات الفنية للتنفيذ في البناء المبين بالمحاضر. كما استعمل في بنائه مواد رديئة مما أدى إلى ضعف الخراسنات وعدم تحمل أعمدة البناء للأحمال الواقعة عليها كما أتم التنفيذ في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر مخالفاً بذلك المواصفات الزمنية اللازمة لتنفيذ الأعمال الإنشائية والمعمارية وقد ترتب على ذلك تفتت الأعمدة الحاملة للهيكل الخرسانى للبدروم وحدوث انهيار كامل للمبنى فحدثت إصابات المجني عليهم سالفي البيان والتي أودت بحياتهم. وطلبت عقابه بالمادة 238/ 302 من قانون العقوبات. ومحكمة مصر الجديدة الجزئية قضت حضورياً عملاً بمادة الاتهام بحبس المتهم سبع سنوات مع الشغل وكفالة خمسمائة جنيهاً لوقف التنفيذ. فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم. ومحكمة القاهرة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة القتل الخطأ قد شابه خطأ في تطبيق القانون وفساد في الاستدلال وقصور في التسبيب وإخلال بحق الدفاع ذلك بأنه عول في إدانته على تقرير لجنة الإسكان وشهادة أعضائها رغم ما دفع به من بطلان أعمال تلك اللجنة لعدم صدور قرار بالندب من سلطة التحقيق ولأن أعضاءها لم يؤدوا اليمين القانونية قبل مباشرتهم المأمورية لمندوبين لها، ورد الحكم على هذا الدفع رداً غير سائغ، كما استدل الحكم على توافر الخطأ في حق الطاعن بما شهد به أعضاء اللجنة من أنه تبين لهم بالعين المجردة رداءه مكونات خليط الأسمنت والزلط والرمل ومن استعماله حديداً مسحوباً غير جائز استعماله في الخرسانة، ومن عدم مراعاته المسافات القانونية بين أسياخ الحديد وعدم وضع الكوابل اللازمة للأعمدة، في حين أن أحد أعضاء تلك اللجنة قرر في تحقيقات النيابة أنه كان يتعين إجراء تحليل معملي لبيان مدى ضعف العينات الخرسانية واستكمال الدراسات الإنشائية من واقع الرسومات وما تم تنفيذه لتحديد جهود الشد الواقعة على أحمال المبنى والكشف على الأساسات واستكمال التحليلات للتحقق من صلاحية التربة وسلامة الأساسات وتنفيذ الشدادات اللازمة لربط القواعد الجانبية، ويتفق الشاهد في ذلك مع ما طلبته اللجنة المشكلة برئاسة السيد وكيل كلية هندسة عين شمس وما طلبه مكتب خبراء وزارة العدل - كما شهد بجلسة المحاكمة الاستئنافية عندما استوضحته المحكمة عن جدوى التحليل المعملي لمكونات الخرسانة بأن التحليل المعملي يحدد الجهد الذي تتحمله الخرسانة وأنه على الرغم من عدم إجراء هذا التحليل فقد قام بتحديد الجهد بأنه أقل من المطلوب مؤسساً ذلك على واقع الرسم والطبيعة دون أن يبين كيفية إمكان احتساب الجهد بنسبة معينة دون إجراء تجارب معملية على عينات تؤخذ من الموقع، بما يجعل تلك الأقوال الغير مدعمة بدليل فني غير صالحة للاستدلال على توافر الخطأ في حق الطاعن. هذا إلى أن المحكمة الاستئنافية أطرحت تقرير خبير الجدول الذي ندبته والذي خلص إلى أن سبب انهيار المبنى هو أخطاء فنية في التصميم المعماري ونفى أن يكون سببه الإنشاءات، بقالة أنها لا تطمئن إليه دون بيان لأسانيد عدم اطمئنانها، وفضلاً على ذلك فقد عاب الطاعن على أقوال الشهود من لجنة الإسكان أن شهادتهم على النحو الذي شهدوا به كان مبعثها درء المسئولية الملقاة على عاتقهم نتيجة تقصيرهم في مراجعة الرسم الهندسي قبل إصدار الترخيص بالمبنى الأمر الذي يوجب ندب هيئة محايدة لإبداء رأيها في سبب الحادث، ورغم جوهرية هذا الدفاع الذي قد يترتب على تحقيقه تغير وجه الرأي في الدعوى فإن المحكمة لم تجبه إليه، كل ذلك مما يعيب الحكم ويوجب نقضه.
وحيث الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه - بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل الخطأ التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها، لما كان ذلك، وكان النعي على الحكم استناده إلى تقرير لجنة الإسكان بقالة أنه لم يصدر قرار بندبها من سلطة من سلطة التحقيق ولم يؤد أعضاؤها اليمين القانونية قبل مباشرة المأمورية المندوبين لها فقد قام الحكم الابتدائي بالرد عليه بقوله: "وحيث إن الثابت من الأوراق إن النيابة العامة هي التي قامت بتحقيق الواقعة بنفسها وكذلك أصدرت قرارها بتشكيل لجنة من السادة مهندسي وزارة الإسكان ومن ثم يكون ندب هذه اللجنة قد صدر منها باعتبارها سلطة تحقيق، هذا بالإضافة إلى أن الأصل أن الإجراءات المتعلقة بالشكل كتحليف الخبراء اليمين على إبداء رأيهم بالذمة إعمالاً للمادة 86 من قانون الإجراءات الجنائية قد روعيت ولم يقدم المتهم دليلاً ما يثبت أن أعضاء اللجنة سالفة الذكر لم يحلفوا اليمين القانونية قبل إبداء رأيها، ومن ثم يضحي ما يثيره المتهم في هذا الخصوص على غير أساس غير سليم من القانون خليقاً بالرفض". وهو رد سائغ، فضلاً عن ذلك فإنه وإن أوجب القانون على الخبراء أن يحلفوا يميناً أمام سلطة التحقيق بأن يبدو رأيهم بالذمة وأن يقدموا تقريرهم كتابة إلا أنه من المقرر أن عضو النيابة بوصف كونه صاحب الحق في إجراء التحقيق ورئيس الضبطية القضائية له من الاختصاص ما خوله القانون لسائر رجال الضبطية القضائية طبقاً للمادتين 24 و31 من قانون الإجراءات الجنائية، لما كان ذلك، وكانت المادة 29 من هذا القانون تجيز لمأموري الضبط القضائي أثناء جمع الاستدلالات أن يستعينوا بأهل الخبرة وأن يطلبوا رأيهم شفهيا أو بالكتابة بغير حلف يمين، وكان القانون لا يشترط في مواد الجنح والمخالفات إجراء أي تحقيق قبل المحاكمة، فإنه على فرض صحة ما نعاه الطاعن في هذا الخصوص - فإنه ليس ثمة ما يمنع من الأخذ بما جاء بتقرير اللجنة وبما شهد به أعضاؤها ولو لم يحلفوا اليمين قبل مباشرة المأمورية على أنه ورقة من أوراق الاستدلال في الدعوى المقدمة للمحكمة وعنصراً من عناصرها ما دام أنه كان مطروحاً على بساط البحث وتناوله الدفاع بالتفنيد والمناقشة - كما هو الحال في الدعوى الماثلة - ومن ثم يضحى هذا النعي في غير محله. لما كان ذلك، وكان وزن أقوال الشاهد مرجعه إلى محكمة الموضوع ولها الأخذ بها في أية مرحلة ولو كانت مخالفة لما شهد به أمامها دون تلتزم ببيان السبب وفي أخذها بأقوال الشاهد ما يفيد إطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وكان لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها ما دامت قد اطمأنت إلى ما جاء به فلا يجوز مجادلتها فيه، وكان الحكم المطعون فيه قد تكفل بالرد على ما أثاره المدافع عن الطاعن بشأن التدليل على توافر الخطأ في حق الطاعن بما ورد بتقرير اللجنة وبشهادة أعضائها دون القيام بأي تجارب معملية، واكتفائه بما شاهدوه بالعين المجردة بقوله...... وهذه المحكمة رأت وقوفاً على وجه الحق في الدعوى واستجلاء للحقيقة سماع أقوال أعضاء تلك اللجنة المذكورة أسماؤهم في المحضر وبسؤالهم اتفقت كلمتهم على أن سبب انهيار المنزل كان بسبب خطأ المتهم متمثلاً في رداء خلطه الأسمنت والرمل والزلط وعدم التزام المتهم الأصول الفنية في البناء باستعمال حديد مسحوب لا يصلح للبناء ولم يراع المسافات القانونية بين كل سيخ وآخر ولم يضع الكوابيل اللازمة في الأعمدة وكان دفاع المتهم أن التحقيق كان قاصراً لعدم إرسال عينة من مخلفات المبنى لحساب قيمة الجهد الذي يتحمله المبنى وإن هذا الدفاع في غير محله لأن جميع أعضاء اللجنة قرروا بأن سبب الانهيار هو عدم تحمل الأعمدة الخرسانية البناء القائم عليها بسبب رداءة الصنع والمواد المستعملة في البناء وأن ذلك يبين بالعين المجردة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المعامل للتحليل، كما نقل الحكم الابتدائي عن تقرير اللجنة أنه تبين لها بعد معاينتها العقار المنهار..... أن المتهم قام ببناء بدروم أرضي وخمسة أدوار علوية هيكل خرساني على أساسات منفصلة وحدث انهيار كامل المبنى وقد وجد من المعاينة أن مستوى التنفيذ رديء جداً وواضح أن خلطات الهيكل الخرساني ضعيفة للغاية سواء في نوعية الأسمنت أو الرمل الذي تدخل فيه بعض شوائب ولا تنطبق عليه مواصفات حبيبات الرمل الواجب استخدامها في الخرسانة المسلحة كما أن الزلط غير متدرج وبه نسبة عالية من الزلط الكبير كما أن جميع الحديد المستعمل من الحديد المسحوب الغير مسموح باستعماله، كما أن متوسط سمك الأسمنت في الأجزاء التي وجدت أقل من السمك الذي يجب ألا يقل عن 10 سم وحديد التسليح وتوزيعه أقل من الكميات التصميمية المقررة سواء في الأقطار المستعملة أو نسبته وتوزيعه على السطح أو سقوطه...... كما أن قطاعات الكمرات أقل من القطاعات التصميمية بالنسبة لأطوالها والأحمال الواقعة عليها علاوة على قلة نسبة حديد التسليح بها وعدم اتباع الأصول الفنية في استخدامه بالنسبة للعزم كما أن الحديد المستعمل في الأعمدة من أقطار 3/ 8 بوصة الغير مسموح باستعماله في تسليح الأعمدة وموضوع بطريقة غير فنية والكانات بالأعمدة من حديد 1/ 8 بوصة وتوجد قطاعات كاملة من الأعمدة بدون كانات ولا توجد أشاير ربط..... بالإضافة إلى أن المتهم قام بتنفيذ كامل البناء في مدة لا تتجوز ثلاثة أشهر مخالفاً بذلك المواصفات الزمنية اللازمة لتنفيذ الأعمال الإنشائية والمعمارية......." لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والمفاضلة بين تقاريرهم والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها دون أن تلتزم بندب خبير آخر ما دام استنادها في الرأي الذي انتهت إليه هو استناد سليم لا يجافي المنطق والقانون، وكان يبين من مدونات الحكمين الابتدائي والاستئنافي أن محكمة الموضوع أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أسانيد حواها تقرير أعضاء لجنة الإسكان الذي لم ينازع الطاعن في صحة ما نقله الحكم عنه، وعلى ما شهد به أعضاء تلك اللجنة أمام اللجنة أمام المحكمة الاستئنافية بما لا يخرج عما تضمنه التقرير، وأوضح الحكمان تفصيلاً الأخطاء التي وقعت من الطاعن والتي اكتشفها أعضاء اللجنة بالعين المجردة من معاينة المبنى بعد انهياره بما يوفر في حقه ركن الخطأ في الجريمة التي دين عنها، لما كان ذلك، فإنه لا يجوز مصادرتها في عقيدتها التي خلصت إليها في منطق سائغ، كما أنه لا يصح النعي عليها عدم أخذها بالنتيجة التي انتهى إليها تقرير خبير الجدول ذلك أن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ينحل إلى جدل في تقدير الدليل مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الطاعن لم يطلب إلى محكمة الموضوع ندب خبير آخر من غير مهندسي مديرية الإسكان تحقيقاً لما ادعاه في طعنه فإنه لا يصح له أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء لم يطلبه منها. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

الطعن 706 لسنة 47 ق جلسة 22 / 1 / 1978 مكتب فني 29 ق 13 ص 70

جلسة 22 من يناير سنة 1978

برياسة السيد المستشار حسن علي المغربي نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: أحمد فؤاد جنينة، وأحمد طاهر خليل، ومحمد علي بليغ، ومحمد حلمي راغب.

-----------------

(13)
الطعن رقم 706 لسنة 47 القضائية

تبديد. حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما يوفره". نقض. "أسباب الطعن. ما يقبل منها".
تمسك الطاعن بأن المنقولات موضوع الاتهام بيعت جبرياً وفاءً لدين له وأخرى على المجني عليه. وتقديمه صورة محضر حجز تساند ذلك. التفات الحكم عن هذا المستند وعن تحقيق مؤداه. إخلال بحق الدفاع.

----------------

لما كان يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه عرض لحافظة المستندات المقدمة من الطاعن بإحدى جلسات المعارضة الاستئنافية بقوله: "ومن حيث إن المتهم تقدم بحافظة مستندات طويت على صورة عريضة الدعوى 5239 سنة 1967 مدني مستعجل إسكندرية عن الحكم الصادر فيها بطرد المجني عليها من الأرض الموضحة بالصحيفة وعقد الإيجار المؤرخ 16/ 1/ 1961 وتسليمها خالية وكذا محضر الطرد والتسليم وثابت به استلام المتهم للشاليه وما وجد بداخله، ثم محضر جرد وإشهار مزايدة وبيع بالنسبة للمنقولات ولم يأت ذكر للشاليه ومخلفاته والثابت بمحضر الطرد المؤرخ 28/ 1/ 1968 أوصافه الواردة بالمحضر المذكور والمسلمة للمتهم على سبيل الوديعة كما لم يثبت هذه الأشياء ضمن محضر الجرد المؤرخ 3/ 2/ 1969 ومن ثم يضحى الاتهام ثابتاً قبل المتهم........."، لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المعارضة الاستئنافية وعلى المفردات المضمومة تحقيقاً لوجه الطعن أن الطاعن قدم أثناء نظر المعارضة حافظتي مستندات اشتملت أولاهما على المستندات التي أشار إليها الحكم المطعون فيه، كما كان من بين ما اشتملت عليه الحافظة الثانية التي لم يعرض لها الحكم، صورة من محضر الحجز التحفظي المؤرخ 11/ 1/ 1969 الموقع بناء على طلب الطاعن وأخرى على أنقاض الشاليه من الأخشاب ضد المجني عليها....... وفاء لمبلغ 30 ج و520 م، وكان هذا المستند متعلقاً بدفاع جوهري للطاعن قد يترتب على تحقيقه تغير وجه الرأي في الدعوى فإنه كان يتعين على المحكمة أن تعني بتحقيقه وتقسطه حقه من البحث والتمحيص، لما كان ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد انطوى على إخلال بحق الدفاع.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه بدد الأشياء والمنقولات المبينة وصفاً وقيمة بالمحضر والمملوكة لـ.......... والتي سلمت إليه على سبيل الوديعة فاختلسها لنفسه أضراراً بالمالكة الحاجزة. وطلبت عقابه بالمادتين 341 و342 من قانون العقوبات. ومحكمة المنتزه الجزئية قضت حضورياً عملاً بمادتي الاتهام بحبس المتهم شهراً مع الشغل وكفالة ثلاثة جنيهات للإيقاف. فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم ومحكمة الإسكندرية الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت غيابياً بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فعارض وقضى بقبولها شكلاً وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المعارض فيه فطعن الوكيل عن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة تبديد قد شابه خطأ في تطبيق القانون وإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه دفع بأن الواقعة التي دين عنها غير مؤثمة إذ أنه يداين المجني عليها بدين أجره استصدر به أمر أداء، وبمصاريف دعوى وأوقع بهذين الدينين حجزين تنفيذيين على منقولات المجني عليها بداخل الشاليه - المقام منها على قطعة الأرض المؤجرة إليها والتي قضى بطردها منها - وعلى أنقاض الشاليه من الأخشاب، وكان الطاعن قد تسلم المنقولات وأنقاض الشاليه بصفة وديعة، وتم بيع المنقولات وفاء لهذين الدينين، وأنه على الرغم من إبدائه هذا الدفاع الجوهري أمام المحكمة الاستئنافية وتقديمه المستندات المؤيدة له ومنها محضر الحجز الموقع على الأنقاض بتاريخ 11 من يناير سنة 1969 إلا أنها لم تمحص هذه المستندات ولم تقل كلمتها فيها وقضت في الدعوى دون أن تعرض لدفاعه إيراداً ورداً بما يعيب الحكم ويوجب نقضه.
وحيث إنه يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه عرض لحافظة المستندات المقدمة من الطاعن بإحدى جلسات المعارضة الاستئنافية بقوله: "ومن حيث إن المتهم تقدم بحافظة مستندات طويت على صورة عريضة الدعوى 5239 سنة 1967 مدني مستعجل إسكندرية عن الحكم الصادر فيها بطرد المجني عليها من الأرض الموضحة بالصحيفة وعقد الإيجار المؤرخ 16/ 1/ 1961 وتسليمها خالية وكذا محضر الطرد والتسليم وثابت به استلام المتهم للشاليه وما وجد بداخله، ثم محضر جرد وإشهار مزايدة وبيع بالنسبة للمنقولات ولم يأت ذكر للشاليه ومخلفاته والثابت بمحضر الطرد المؤرخ 28/ 1/ 1968 أوصافه الواردة بالمحضر المذكور والمسلمة للمتهم على سبيل الوديعة كما لم يثبت بيع هذه الأشياء ضمن محضر الجرد المؤرخ 3/ 2/ 1969 ومن ثم يضحى الاتهام ثابتاً قبل المتهم...."، لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المعارضة الاستئنافية وعلى المفردات المضمومة تحقيقاً لوجه الطعن أن الطاعن قدم أثناء نظر المعارضة حافظتي مستندات اشتملت أولاهما على المستندات التي أشار إليها الحكم المطعون فيه، كما كان من بين ما اشتملت عليه الحافظة الثانية التي لم يعرض لها الحكم، صورة من محضر الحجز التحفظي المؤرخ 11/ 1/ 1969 الموقع بناء على طلب الطاعن وأخرى على أنقاض الشاليه من الأخشاب ضد المجني عليها....... وفاء لمبلغ 30 ج و520 م، وكان هذا المستند متعلقاً بدفاع جوهري للطاعن قد يترتب على تحقيقه تغير وجه الرأي في الدعوى، فإنه كان يتعين على المحكمة أن تعني بتحقيقه تقسطه حقه من البحث والتمحيص. لما كان ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد انطوى على إخلال بحق الدفاع ويتعين نقضه والإحالة دون حاجة لبحث الوجه الآخر من وجهي الطعن.

الطعن 161 لسنة 3 ق جلسة 29 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 137 ص 1335

جلسة 29 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

------------------

(137)

القضية رقم 161 لسنة 3 القضائية

(أ) طعن 

- شمول الحكم المطعون فيه لشقين أحدهما بالإلغاء والآخر بالتعويض - الطعن في أحد الشقين فقط أمام المحكمة الإدارية العليا يثير المنازعة برمتها ما دام الطلبان مرتبطين ارتباطاً جوهرياً - كلاهما يقوم على أساس قانوني واحد هو عدم مشروعية القرار الإداري - الإلغاء هو طعن بالبطلان بطريق مباشر، والتعويض طعن بالبطلان بالطريق غير المباشر.
(ب) رقابة القضاء الإداري 

- القوانين والقرارات التنظيمية العامة التي تمت في عهد الثورة قبل صدور الدستور - تمتعها بحصانة تعصمها من السقوط أو من المجادلة في قوة نفاذها - القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة وما يتصل بها من قوانين وقرارات - تمتعها بنفس الحصانة - المادتان 190 و191 من الدستور - سريانهما على الدعاوى القائمة.
(جـ) دستورية القانون 

- اعتبار القانون غير دستوري إذا خالف نصاً دستورياً قائماً أو خرج على روحه ومقتضاه.
(د) دستورية القانون 

- النص في القانون رقم 600 لسنة 1953 على حرمان الموظف المفصول من رفع دعوى الإلغاء ودعوى التعويض - النعي عليه بأنه غير دستوري لا يستقيم إلا إذا كان حق الموظف في الوظيفة العامة هو من الحقوق التي يكفلها الدستور ذاته، وأن وسيلة اقتضائه عن طريق القضاء يقررها الدستور كذلك - إذا كان الحق ووسيلة اقتضائه منظمين بالقانون، فلا وجه للنعي على مثل هذا النص بعدم دستوريته.
(هـ) موظف 

- علاقته بالحكومة علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح - تعيينه بالوظيفة لا يخلقها ولا يرتب له حقاً فيها على غرار حق الملكية؛ إذ هي ملك للدولة - بقاؤه في الوظيفة هو وضع شرطي منوط بصلاحيته للنهوض بأعبائها، وليس حقاً ينهض إلى مرتبة الحقوق الدستورية المنصوص عليها في الباب الثالث من الدستور - للإدارة أن تفصل من تراه أصبح غير صالح للنهوض بالوظيفة ما دام ذلك قد تم بالشروط والأوضاع التي قررها القانون وبغير إساءة استعمال السلطة.
(و) موظف 

- فصله - حق الحكومة في ذلك هو حق أصيل مرده إلى أمرين: أحدهما طبعي، والآخر تشريعي - دليل ذلك.
(ز) موظف 

- فصله بغير الطريق التأديبي - القانون رقم 600 لسنة 1953 الذي أجاز فصل الموظفين من الدرجة الثانية وما فوقها بشروط معينة - تقريره مبدأ كان مقرراً في ظل الأوضاع السابقة على صدوره - استحداثه ضمانات للموظف.
(ح) دستورية القانون 

- حرمان الناس كافة من الالتجاء للقضاء للانتصاف يعتبر مصادرة لحق التقاضي - وجوب التفرقة بين المصادرة المطلقة لحق التقاضي عموماً وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء: الأولى تخالف الدستور لانطوائها على تعطيل وظيفة السلطة القضائية التي أنشأتها نصوصه، الثاني لا مخالفة فيه للدستور الذي تقضي نصوصه بأن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويحدد اختصاصاتها - سرد لبعض النصوص التي تعتبر محددة لدائرة الاختصاص - المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 التي حرمت الموظفين المفصولين تطبيقاً لأحكامه من رفع دعوى الإلغاء أو التعويض - عدم اعتبارها من النصوص المصادرة لحق التقاضي، بل من تلك المحددة لدائرة اختصاص القضاء.
(ط) دستورية القانون - الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء مخالف للدستور - المقصود بالمساواة عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية - المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 لا تنطوي على إخلال بمبدأ المساواة سالف الذكر.
(ى) دعوى - المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 - نصها على عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إليه، وعدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها - عدم التفرقة في ذلك بين من طبق القانون في حقه تطبيقاً سليماً ومن لم يطبق هكذا في حقه؛ إذ البحث في ذلك دخول في الموضوع الذي يتعين أن يسبقه البحث في مسألة الاختصاص.

-----------------
1 - إن الدعوى إذا كانت ذات شقين أحدهما بالإلغاء والآخر بالتعويض، فإن الطعن في شق منهما يثير المنازعة برمتها؛ ما دام الطلبان مرتبطين أحدهما بالآخر ارتباطاً جوهرياً باعتبارهما يقومان على أساس قانوني واحد، هو عدم مشروعية القرار الإداري، وأن الطعن بالإلغاء هو طعن فيه بالبطلان بالطريق المباشر، وطلب التعويض عنه هو طعن فيه بالبطلان بالطريق غير المباشر. وآية ذلك أنه لا يستقيم الحكم بالتعويض على أساس أن القرار غير مشروع مع عدم الحكم بالإلغاء على أساس أن القرار مشروع؛ إذ مؤدى ذلك قيام حكمين متعارضين متفرعين عن أساس قانوني واحد وهو ما لا يجوز، وما لا مندوحة عن التردي فيه إذا لم يثر الطعن في أحد الشقين المنازعة برمتها. ومن ثم يجوز للمحكمة الإدارية العليا - وهي في مقام فحص الطعن المرفوع عن شق الحكم الخاص بالتعويض - أن نتناول بالنظر والتعقيب الحكم المطعون فيه في شقه الخاص بعدم جواز سماع طلب الإلغاء الذي لم تطعن فيه هيئة المفوضين ولكن آثاره المطعون عليه.
2 - نصت المادة 190 من دستور جمهورية مصر على أن "كل ما قررته القوانين والمراسيم والأوامر واللوائح والقرارات من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقى نافذاً، ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقا للقواعد والإجراءات المقررة في هذا الدستور"، كما نصت المادة 191 منه على أن "جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة، وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وصدرت مكملة أو منفذة لها، وكذلك كل ما صدر من الهيئات التي أمر المجلس المذكور بتشكيلها من قرارات أو أحكام، وجميع الإجراءات والأعمال والتصرفات التي صدرت من هذه الهيئات أو من أية هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة ونظام الحكم، لا يجوز الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت". ويبين من ذلك أن الدستور أراد أن يضفي حصانة دستورية على حركة التشريع السابقة عليه التي تمت في عهد الثورة، سواء أكانت بالطريق الأصلي أي بمقتضى قوانين، أم بالطريق الفرعي أي بمقتضى قرارات تنظيمية عامة - حصانة تعصمها من السقوط أو من المجادلة في قوة نفاذها؛ لحكمة تتصل بالمصالح العليا للوطن، بمراعاة أن تلك القوانين واللوائح إنما تمت في عهد ثورة تستهدف الإصلاح الشامل بشكل وفي أوضاع وظروف استثنائية لا تقاس فيها الأمور بمقياس الأوضاع العادية، فأضفى عليها تلك الحصانة الدستورية على اعتبار أنها من الأدوات التي استعملتها الثورة في سبيل أوجه الإصلاح الذي قامت من أجله. وللحكمة عينها حصن الدستور كذلك جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وتكون مكملة أو منفذة لها؛ وذلك بمنع الطعن فيها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت. وغني عن البيان أن نصي الدستور المشار إليهما يسريان على الدعاوى المنظورة باعتبار أن هذا الدستور أصبح القانون الأعلى.
3 - إن القانون لا يكون غير دستوري إلا إذا خالف نصاً دستورياً قائماً أو خرج عن روحه ومقتضاه؛ ومرد ذلك إلى أن الدستور - وهو القانون الأعلى فيما يقرره - لا يجوز أن يهدره قانون وهو أداة أدنى.
4 - إذا كان النعي بعدم دستورية المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 يقوم على أنها تنطوي على مصادرة لحق الموظف في تعويضه عن فصله، سواء بالطريق العيني وهو الإلغاء، أو بطريق المقابل وهو التعويض عن فصله، إذا كان القرار قد وقع مخالفاً للقانون، وعلى مصادرة لحقه في الانتصاف في هذا الشأن عن طريق القضاء، وعلى إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء - فإن هذا النعي لا يستقيم إلا إذا كان حق الموظف في الوظيفة العامة هو من الحقوق التي يكفلها الدستور ذاته، وأن وسيلة اقتضائه عن طريق القضاء هي وسيلة يقررها الدستور كذلك، وأن ثمة حقاً إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء في هذا الشأن، إذن لا يجوز عندئذ أن يهدر القانون ما يقرره الدستور. أما إذا كان هذا الحق هو مما ينشئه القانون أو يلغيه، وكذلك إذا كانت وسيلة اقتضائه هي مما ينظمه القانون على الوجه الذي يراه، كما إذا كان القانون لا يقوم على تمييز بين أفراد طائفة واحدة تماثلت مراكزهم القانونية، فلا يكون ثمة وجه للنعي بعدم دستوريته.
5 - إن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح، فمركز الموظف هو مركز قانوني عام يجوز تغييره في أي وقت، ومرد ذلك إلى أن الموظفين هم عمال المرافق العامة، وبهذه المثابة يجب أن يخضع نظامهم القانوني للتعديل والتغيير وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة لحسن سير تلك المرافق؛ ذلك أن الوظيفة العامة هي مجموعة من الاختصاصات يتولاها الموظف لصالح المرفق العام ويعهد بها إليه ليساهم في شئونه في سبيل تحقيق الأغراض المنشودة منه للمصلحة العامة التي تقوم الدولة على رعايتها. وتقليد الوظيفة العامة هو إسناد اختصاصاتها إلى الموظف الذي يولاها، وتعيين الموظف أياً كانت أداته لا يخلق الوظيفة، ولا يرتب للموظف حق فيها، على غرار حق الملكية مثلاً؛ إذ هي ملك للدولة وإنما يقتصر أثر التعيين على وضع الموظف في مركز قانوني عام، وإخضاعه لما تقرره القوانين واللوائح الخاصة بالوظيفة من قواعد وأحكام، وإفادته من مزاياها. ولما كانت الوظيفة تكليفاً للقائم بها كأصل مسلم رددته المادة 28 من دستور جمهورية مصر، وهذا التكليف يتطلب من الموظف أن يكون صالحاً للقيام به، فإن بقاءه في الوظيفة - وهو رهين بهذا المناط - ليس حقاً ينهض إلى مرتبة الحقوق الدستورية، تلك الحقوق المنصوص عليها في الباب الثالث من الدستور المذكور، ولا يقاس على حق الملكية مثلاً الذي صانته النصوص الدستورية بما يكفل عدم نزعه إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون، بل هو وضع شرطي منوط بصلاحيته للنهوض بأعباء الوظيفة العامة، وهو أمر يخضع لتقدير الحكومة القوامة على تسيير المرافق العامة، فتفصل من تراه أصبح غير صالح لذلك، دون الاحتجاج بأن له أصل حق في البقاء في الوظيفة، ما دام ذلك قد تم بالشروط والأوضاع التي قررها القانون وبغير إساءة استعمال السلطة.
6 - إن حق الحكومة في فصل الموظفين هو حق أصيل لا شبهة فيه مرده إلى أصلين: (الأول) أصل طبعي رددته النصوص الدستورية هو وجوب هيمنة الحكومة على تسيير المرافق العامة على الوجه الذي يحقق المصلحة العامة؛ فنصت المادة 57 من دستور سنة 1923 على أن "مجلس الوزراء هو المهيمن على مصالح الدولة"، كما نصت المادة 44 منه على أن رئيس الدولة وقتذاك يولي ويعزل الموظفين على الوجه المبين بالقوانين، ونصت المادة 140 من دستور جمهورية مصر على أن "يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعزلهم على الوجه المبين في القانون". و(الثاني) أصل تشريعي يستند إلى الأوامر العالية الصادرة في 10 من إبريل سنة 1883 و24 من مايو سنة 1885 و19 من فبراير سنة 1887 والدكريتو الصادر في 24 من ديسمبر سنة 1888 والقانون رقم 5 لسنة 1909 بشأن المعاشات الملكية والمرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية، والمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة التي عددت أسباب انتهاء خدمة الموظفين المعينين على وظائف دائمة، وذكرت من بينها في بند (4) العزل أو الإحالة إلى المعاش بقرار تأديبي، وفي البند (6) الفصل بمرسوم أو أمر جمهوري أو بقرار خاص من مجلس الوزراء أي بغير الطريق التأديبي، وهذا الفصل بالطريق الأخير هو الذي أشارت إليه المادة الرابعة بند (5) من القانون رقم 112 لسنة 1946 الخاص بإنشاء مجلس الدولة، والمادة الثالثة بند (5) من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة، والمادة الثامنة بند خامساً من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة.
7 - إن القانون رقم 600 لسنة 1953 عندما أجاز في مادته الأولى إحالة الموظف إلى المعاش قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة إذا كان من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها بناء على اقتراح لجنة وزارية يشكلها مجلس الوزراء متى تبين عدم صلاحيته للوظيفة، مع ضم مدة خدمة لا تجاوز السنة وأداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة، وذلك خلال الفترة التي حددها من 3 من يناير سنة 1954 إلى 14 من يناير سنة 1954 - إن القانون المذكور لم يستحدث جديداً في شأن جواز إحالة الموظف إلى المعاش بغير الطريق التأديبي، بل ما استحدثه هو إيجاد ضمانة لم تكن مقررة له من قبل بجعل اقتراح فصله منوطاً أولاً بلجنة وزارية تفحص حالته وتبدي رأيها في صلاحيته للبقاء في الوظيفة من عدمه، كما رتب له حقوقاً مالية ما كان ليظفر بها لولا النص عليها؛ ذلك أنه إذا كانت الحكومة تملك من الأصل فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي لعدم صلاحيتهم للبقاء في الوظيفة، وتم ذلك وفقاً للقانون، وخلا من إساءة استعمال السلطة، كان القرار سليماً مبرءاً من العيب، مما لا وجه معه لمساءلة الحكومة بتعويض عنه.
8 - إن نص المادة الثانية من القانون رقم 600 سنة 1953، وإن جاء مضيقاً لاختصاص القضاء مانعاً إياه من نظر المنازعات المشار إليها بذلك النص إلغاء أو تعويضاً، إلا أنه لا وجه للنعي عليه بعدم الدستورية بدعوى مصادرته لحق التقاضي؛ ذلك أنه تجب التفرقة بين المصادرة المطلقة لحق التقاضي عموماً وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء. وإذا كان لا يجوز من الناحية الدستورية حرمان الناس كافة من الالتجاء إلى القضاء للانتصاف؛ لأن في ذلك مصادرة لحق التقاضي، وهو حق كفل الدستور أصله؛ إذ تكون مثل هذه المصادرة المطلقة بمثابة تعطيل وظيفة السلطة القضائية، وهي سلطة أنشأها الدستور لتمارس وظيفتها في أداء العدالة مستقلة عن السلطات الأخرى - لئن كان ذلك كذلك، إلا أنه لا يجوز الخلط بين هذا الأمر وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء بالتوسيع أو التضييق؛ لأن النصوص الدستورية تقضي بأن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويعين اختصاصاتها، وعلى هذا نصت المادة 125 من دستور سنة 1923 والمادة 176 من دستور جمهورية مصر، وينبني على ذلك أن كل ما يخرجه القانون من ولاية القضاء يصبح معزولاً عن نظره، وهذا أصل من الأصول المسلمة. وقديماً قالوا إن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والخصومة؛ وعلى هذا الأصل الدستوري صدرت التشريعات الموسعة أو المضيقة لولاية القضاء في جميع العهود وفي شتى المناسبات، كالنصوص التشريعية المانعة من النظر في أعمال السيادة سواء بالإلغاء أو بالتعويض، وكالنصوص التي كانت تمنع القضاء من النظر في طلبات إلغاء القرارات الإدارية أو وقف تنفيذها، إلى أن أنشئ مجلس الدولة، فجعل ذلك من اختصاصه على الوجه المحدد بقانونه، وكتلك النصوص التي تمنع سماع الدعاوى في شأن تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية بعد انتهائها إلغاء أو تعويضاً، وكالمادة 13 من المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 الخاص بالإصلاح الزراعي التي تمنع جميع جهات القضاء من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ قرارات الاستيلاء أو في المنازعات المتعلقة بملكية الأطيان المستولى عليها، وكالمادة السابعة من المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 الخاص بفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي التي تمنع القضاء الإداري من نظر طلبات إلغاء قرارات الفصل أو وقف تنفيذها، وكالمادة 14 من القانون رقم 598 لسنة 1953 بشأن أموال أسرة محمد علي المصادرة التي تمنع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها من سماع الدعاوى المتعلقة بتلك الأموال، وكالمادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات المصرية التي تمنع القضاء الإداري من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها - ولا شبهة في دستورية هذه التشريعات جميعاً؛ ما دام القانون هو الأداة التي تملك بحكم الدستور ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصاتها؛ ومن ثم فله أن يضيقها أو أن يوسعها بالشروط والأوضاع التي يقررها.
9 - لا وجه للنعي على المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 بأنها تنطوي على إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء؛ لأن المقصود بالمساواة في هذا الشأن هو عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية، ولم يتضمن القانون المشار إليه أي تمييز من هذا القبيل بين الموظفين الذين تنطبق عليهم أحكامه.
10 - إن نص المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 جاء صريحاً قاطعاً في عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إليه، وفي عدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها أمام جميع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، لا فرق في ذلك بين من طبقت الإدارة القانون في حقه تطبيقاً سليماً وبين من عساها تكون قد أخطأت في تطبيقه بالنسبة إليه؛ وذلك لحكمة واضحة؛ إذ المقصود من هذا المنع هو سد باب المنازعات القضائية في هذا الشأن، استقراراً للدولاب الحكومي. وإذا كان الشارع قد نص في المادة الأولى من هذا القانون على أن الفصل يلحق من تتبين عدم صلاحيته للوظيفة من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها، فليس مفاد ذلك أن الاختصاص القضائي بنظر المنازعة أو عدم اختصاصه بها - والاختصاص مسألة فرعية سابقة على نظر الموضوع - يتوقف على تبين ما إذا كان الموظف صالحاً أو غير صالح، وهي مسألة من صميم الموضوع، بل الظاهر أن هذا بعيد عن مقصود الشارع الذي أراد عزل جميع جهات القضاء عن نظر هذه المنازعات؛ سداً لهذا الباب؛ للحكمة التي ارتآها. أما الخطاب في شأن ما نصت عليه المادة الأولى فموجه إلى السلطات التنفيذية التي تصدر قرارات الفصل بالتطبيق لأحكام هذه المادة، وإذا أخطأت في هذا التطبيق فلا تكون مساءلتها عن ذلك عن طريق القضاء بعد إذ امتنع عليه النظر في هذا الشأن بنص المادة الثانية، وإنما تكون مساءلتها بغير الوسيلة القضائية، كالالتجاء إلى السلطات التي أصدرت القرار أو السلطات الأعلى.


إجراءات الطعن

في 15 من يناير سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 161 لسنة 3 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) بجلسة 21 من نوفمبر سنة 1956 في الدعوى رقم 7982 لسنة 8 القضائية المقامة من السيد/ محمد عبد المنعم محمد ضد مجلس الوزراء ووزارة الخارجية، القاضي "بعدم قبول الدعوى بالنسبة لطلب إلغاء القرار المطعون فيه، وبإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ ألف جنيه مصري والمصروفات، ومبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ 1000 جنيه مصري والمصروفات ومبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة، والقضاء برفض الدعوى في هذا الشق من طلبات المدعي، وإلزامه مصروفات الدعوى". وقد أعلن هذا الطعن إلى كل من مجلس الوزراء ووزارة الخارجية في 4 و14 من فبراير سنة 1957، وإلى المطعون عليه في 11 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 30 من مارس سنة 1957. وقد أودعت الحكومة في 19 من مارس سنة 1957 و8 من إبريل سنة 1957 مذكرتين بملاحظاتها انتهت فيهما إلى طلب "الحكم بقبول الطعن، وإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم قبول دعوى الطاعن بشطريها، مع إلزامه بالمصاريف ومقابل الأتعاب". كما أودع المطعون عليه في 10 من إبريل سنة 1957 مذكرة بملاحظاته خلص فيها إلى طلب "أولاً - رفض الطعن المقدم من رئيس هيئة مفوضي الدولة. ثانياً - والحكم بقبول الدعوى، وإجابة المطعون ضده إلى طلباته الأصلية الموضحة بعريضة دعواه أمام محكمة القضاء الإداري، مع حفظ كافة الحقوق". وقد أبلغ الطرفان في 4 من مارس سنة 1957 بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
عن عدم قبول الدعوى:
من حيث إن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 7982 لسنة 8 القضائية ضد كل من مجلس الوزراء ووزارة الخارجية أمام محكمة القضاء الإداري بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 26 من مايو سنة 1954 طلب فيها الحكم "بصفة أصلية - بإلغاء القرار الصادر بإحالته إلى المعاش وما ترتب عليه من آثار، واحتياطياً - إلزام المدعى عليهما بصفتهما بأن يدفعا للطالب مبلغ 15000 جنيه تعويضاً له عن الأضرار الأدبية والمادية التي لحقته من جراء الفصل من الخدمة تعسفياً قبل السن القانوني، وإلزام المدعى عليهما في الحالتين بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة، مع حفظ كافة الحقوق الأخرى". وأسس دعواه على أنه كان يشغل بوزارة الخارجية وظيفة وزير مفوض ببراج (تشيكو سلوفاكيا) حين قرر مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 7 من يناير سنة 1954 إحالته إلى المعاش اعتباراً من ذلك التاريخ تطبيقاً للقانون رقم 600 لسنة 1953، الذي أجاز للمجلس بناء على اقتراح لجنة وزارية أن يحيل إلى المعاش من يتبين عدم صلاحيته لوظيفته من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة، على أساس ضم مدة لا تجاوز السنة مع أداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة. وأنه أبلغ بمنطوق هذا القرار في 15 من يناير سنة 1954، ثم بفحواه في 4 من فبراير سنة 1954، فتظلم منه في طريق عودته إلى مصر بكتاب أرسله في 14 من مارس سنة 1954 إلى القنصلية المصرية العامة بجنوا، التي قامت بإبلاغه إلى وزارة الخارجية في 18 منه. وقد سبق للوزارة أن تعللت بحالته الصحية، وبعثت إليه بخطاب تستطلع فيه مدى استعداده لاعتزال الخدمة بحجة احتياجه إلى الراحة والتوفر على العناية بصحته، متلمسة بذلك السبيل لتنحيته عن وظيفته، ولكنه رد عليها سلباً، وطلب في الوقت ذاته إحالة ملف خدمته إلى اللجنة الوزارية التي نص عليها القانون رقم 600 لسنة 1953، للنظر في حالته في ضوء نشاطه وإنتاجه خلال مدة خدمته التي بلغت سبعاً وعشرين سنة. فلما أسقط في يد الوزارة فيما يتعلق بتذرعها باعتلال صحته، عمدت فجأة إلى تقرير عدم صلاحيته لوظيفته محتمية بالقانون رقم 600 لسنة 1953، ظانة أنها في مأمن من طعنه على قرار إحالته إلى المعاش بالإلغاء أو رجوعه عليها بالتعويض؛ استناداً إلى ما نص عليه هذا القانون مادته الثانية من عدم جواز الطعن بالإلغاء أو بوقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكامه، وعدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها أمام المحاكم على اختلاف أنواعها. ولما كان من حق كل إنسان أن يلجأ إلى المحاكم ليعرض عليها شكواه، فإن القانون المذكور الذي قام على الحرمان المطلق من هذا الحق الطبعي، وهو حق التقاضي، يتسم بعدم الدستورية؛ لإنكاره لأحد المبادئ الدستورية العامة التي حرص الدستور المؤقت الصادر في 10 من فبراير سنة 1953 على توكيدها، كما أكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1948؛ لذا يتعين تقرير بطلان النص المانع من التقاضي وعدم إعماله وإطراحه. هذا إلى أن قرار إحالة المدعي إلى المعاش خارج عن نطاق تطبيق أحكام القانون المشار إليه، التي مناط إعمالها عدم الصلاحية؛ أي عدم كفاية الموظف أو سلوكه مسلكاً يتنافى مع واجبات الوظيفة ومقتضياتها. فإذا كانت جدارة الموظف ونزاهته واستقامته مشهوداً بها، فلا محل للقول بعدم الصلاحية، وإلا كان هذا تزييفاً للواقع وتجنياً على الحقائق، يبطل قرار الإحالة إلى المعاش، ويوجب الحكم بإلغائه، وبالتعويض عنه مادياً وأدبياً.
ومن حيث إن وزارة الخارجية دفعت بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى بطلب إلغاء قرار إحالة المدعي إلى المعاش؛ واستندت في ذلك إلى أن اختصاص هذا القضاء رهين طبقاً للمادة الرابعة من قانون مجلس الدولة بأن يكون القرار المطعون فيه أحد القرارات المنصوص عليها في المادة الثالثة. ولما كانت القرارات الصادرة بفصل الموظفين طبقاً للقانون رقم 600 لسنة 1953 خارجة عن ولاية الإلغاء - طبقاً للمادة الثانية من هذا القانون التي تقضي بعدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكامه، وكذا بعدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها، وذلك أمام المحاكم على اختلاف أنواعها - فإن قرار فصل المدعي يكون خارجاً من عداد القرارات التي أشارت إليها المادة الثالثة من قانون مجلس الدولة؛ ومن ثم فلا تكون محكمة القضاء الإداري مختصة بنظر الدعوى، سواء بالنسبة إلى طلب إلغاء قرار فصل المدعي أو بالنسبة إلى طلب التعويض عن هذا القرار.
ومن حيث إنه بجلسة 21 من نوفمبر سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) "بعدم قبول الدعوى بالنسبة لطلب إلغاء القرار المطعون فيه، وبإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ ألف جنيه مصري والمصروفات، ومبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها فيما يتعلق بعدم قبول طلب الإلغاء وقبول طلب التعويض على أنه من المسلم أن كل مصادرة لحق التقاضي على إطلاقه تقع باطلة وغير مشروعة ومنافية للأصول الدستورية المرعية؛ إذ لا تجوز مصادرة الحقوق وحرمان أربابها في الوقت ذاته من اقتضاء تعويض عادل عنها. ولما كانت المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 تنص على تحريم الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إلى المادة الأولى منه، كما تقضي إلى جانب ذلك بعدم جواز سماع الدعوى بطلب التعويض عن هذه القرارات، فإن من الواضح أن هذين الحكمين لا يرتبطان ببعضهما ارتباطاً غير قابل للتجزئة، ولا يدوران في فلك واحد، بل يتميز كل منهما بمجال وأثر مستقل عن الآخر؛ ومن ثم يتعين النظر في مدى دستورية كل منهما منفصلاً عن الآخر. أما عن منع الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بفصل الموظفين، فإن حق الحكومة في فصل هؤلاء الموظفين بغير الطريق التأديبي هو حق ثابت لا شبهة فيه؛ لكونه مستمداً من طبيعة وظيفة الحكومة في الهيمنة على تسيير المرافق العامة على الوجه الذي تراه محققاً للصالح العام وما يستلزمه من إطلاق يدها في اختيار من ترى فيهم الصلاحية لمعاونتها في تحقيق هذا الغرض، وإقصاء من يصبح منهم غير صالح لذلك. وهذا الحق قد قررته القوانين واللوائح المتعاقبة ابتداء من الأمر العالي الصادر في 10 من إبريل سنة 1883 حتى القانون رقم 210 لسنة 1951، وكانت المحاكم العادية ممنوعة من نظر الدعاوى التي ترفع بطلب إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الإدارية ولو كانت مخالفة للقوانين واللوائح، وإنما أجيز الطعن بطلب إلغاء تلك القرارات منذ صدور القانون بإنشاء مجلس الدولة. وإذا كان حق الطعن هذا قد تقرر للأفراد بقانون عادي، فليس ثمة ما يمنع من تعطيل استعماله بالأداة ذاتها، ولا يكون مثل هذا الإجراء سبباً للدفع بعدم الدستورية؛ ومن ثم فإن حكم المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 القاضي بمنع الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بفصل الموظفين تطبيقاً لأحكامه، لا يخالف أصلاً من الأصول الدستورية المرعية ويتعين اتباعه، والقضاء بعدم قبول طلب المدعي إلغاء قرار إحالته إلى المعاش. أما ما نصت عليه المادة الثانية المذكورة من عدم جواز سماع دعاوى التعويض عن القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكام القانون المشار إليه، فينطوي على مخالفة للقواعد الدستورية الأصيلة التي لا تجيز مصادرة الحقوق وحرمان أصحابها في الوقت ذاته من الحصول على تعويض عادل عنها، أو من اقتضاء هذا التعويض عند عدم أدائه رضاء؛ ذلك أن الأصل في التعويض عن الأعمال الضارة أن يكون عينياً بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه، وهذا التعويض العيني يتمثل بالنسبة للقرارات الإدارية المخالفة للقانون في الإلغاء، فإذا استحال التعويض العيني لأسباب عادية أو قانونية، كان للمضرور حق في التعويض بمقابل، لا يجوز حرمانه منه متى تحققت أسبابه، وإلا كان ذلك مصادرة للحقوق بغير تعويض، وهو ما يخالف المبادئ الدستورية العامة. ومن ثم فإذا كان حظر الطعن بإلغاء القرارات الصادرة بالإحالة إلى المعاش بالتطبيق لأحكام القانون رقم 600 لسنة 1953 غير مخالف للدستور، فإن حظر سماع دعاوى التعويض عن هذه القرارات هو حظر غير دستوري، يتعين إهماله، والمضي في سماع دعوى التعويض المرفوعة من المدعي عن قرار إحالته إلى المعاش.
ومن حيث إنه بعريضة مودعة سكرتيرية هذه المحكمة في 15 من يناير سنة 1957، طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم طالباً إلغاءه "فيما قضى بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي على سبيل التعويض الشامل مبلغ 1000 جنيه مصري والمصروفات ومبلغ 500 قرش أتعاب المحاماة، والقضاء برفض الدعوى في هذا الشق من طلبات المدعي، وإلزامه مصروفات الدعوى". وقال في أسباب هذا الطعن إنه لا اعتراض له على ما قضى به الحكم المطعون فيه من عدم قبول طلب المدعي إلغاء القرار الصادر بإحالته إلى المعاش في 7 من يناير سنة 1954 عملاً بحكم المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953، التي نصت على منع الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكامه، كما لا اعتراض له على ما قضى به الحكم من سماع دعوى التعويض، على الرغم مما نصت عليه المادة الثانية سالفة الذكر من عدم جواز سماع دعاوى التعويض عن تلك القرارات؛ ذلك أن التطهير الإداري - الذي ليس إلا عزلاً للموظف بغير الطريق التأديبي - جاء منظماً بقانون خاص، فهو إذن من صميم الأعمال الإدارية التي تدخل في نطاق السلطة الإدارية وإن اتخذت طابع القانون. وعلى ذلك فلا أثر للمادة 191 من دستور سنة 1956 التي حصنت جميع قرارات مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها أو التي صدرت مكملة أو منفذة لها، ومنعت الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها - لا أثر لذلك على القانون رقم 600 لسنة 1953 في شأن الإحالة إلى المعاش قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة؛ لأن نص المادة 191 من الدستور خاص بأعمال السيادة أو أعمال الحكومة وبإجراءات الضرورة، وليس التطهير الإداري الصادر به القانون رقم 600 لسنة 1953 من أعمال السيادة أو الحكومة أو من إجراءات الضرورة الملجئة لحماية نظام الحكم، بل هو عمل يدخل في اختصاصات السلطة التنفيذية التي يتولاها مجلس الوزراء والوزراء كل فيما يخصه. وعلى ذلك فلا تضفي المادة 191 من دستور سنة 1956 حصانة على القانون رقم 600 لسنة 1953 تعصمه من نظر المحاكم لدستوريته ومن خضوعه للقضاء فيما يتعلق بهذه الدستورية عن طريق الدفع الفرعي. ولا ريب أن منع سماع دعوى التعويض المنصوص عليه في المادة الثانية من هذا القانون هو مصادرة لحق التقاضي، وهذه المصادرة تخالف مبدأ دستورياً عاماً مستمداً من نص المادة الثالثة من الدستور المؤقت، الذي صدر القانون رقم 600 المشار إليه في ظله، وهو مبدأ كفالة الحرية الشخصية في حدود القانون؛ فحق التقاضي من أهم صور الحرية الشخصية التي كفلتها الثورة من بادئ الأمر. على أن المشرع عندما أغلق باب التعويض ومنع سماع الدعوى بشأنه لم يقصد المصادرة على حق التقاضي لذاته، وإنما أراد في الواقع منع إعادة النظر في التعويض عن القرارات التي تصدر بالتطبيق لأحكام القانون رقم 600 لسنة 1953 بالذات، بعد أن لمس ما تحملته الميزانية في مدة التطهير السابقة بالمرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 من أعباء مالية جسيمة غير منظورة، نتيجة لتجاوز السلطة عند التنفيذ؛ لهذا حدد المشرع بنفسه هذه المرة مقدار التعويض مشتملاً تجاوز السلطة، وذلك بطريقة جزافية، سواء كانت قرارات الفصل متفقة مع أحكام القانون، أم كانت الجهة الإدارية قد تجاوزت السلطة فيها، أي أنه ضمن هذا التعويض كافة المخاطر الناجمة عن أخطاء الجهة الإدارية على أساس ضم مدة خدمة لا تجاوز السنة مع أداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة. أما التعبير في مذكرة القانون الإيضاحية بمصلحة الدولة العليا التي أملت منع الطعن بالإلغاء أو سماع دعوى التعويض فليس إلا إشارة إلى مصلحة المرافق العامة، عن طريق إقصاء غير الصالح من عمالها وعدم عودته إليها بأي شكل، وإلى مصلحة الخزانة العامة عن طريق تحميلها أكثر من التعويض التشريعي المنصوص عليه حتى في حالة مجاوزة السلطة. بيد أن المشرع - عندما منع سماع دعوى التعويض - اصطدم بحق دستوري عام هو حق التقاضي؛ ولذا يسوغ للقاضي أن يهدر المنع ويقبل سماع الدعوى.
ومن حيث إن الحكومة أودعت مذكرتين بملاحظاتها، نعت فيهما على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون من عدة أوجه: (الوجه الأول) أن الحكم تعرض للقانون رقم 600 لسنة 1953 فلم ينفذ بعض أحكامه، مع أنه - بمقارنة المادة 190 من دستور سنة 1956 التي نصت على أن كل ما قررته القوانين السابقة على صدوره من أحكام يبقى نافذاً، بالمادة 167 من دستور سنة 1923 المقابلة التي اشترطت لنفاذ هذه الأحكام اتفاقها مع مبادئ الدستور - يبين أن المشرع الدستوري، إذ حذف القيد الموجب لاتفاق القوانين السابقة مع الدستور، إنما ألزم السلطتين التنفيذية والقضائية بالعمل بأحكام تلك القوانين بحالتها، ومنع القضاء من بحث دستوريتها؛ وبذلك جعلها جميعها دستورية لا تجوز المناقشة في أحكامها، مهما اختلفت هذه الأحكام مع أحكامه. ثم أتي عقب ذلك بنص المادة 191 الذي أغلق كل باب للمناقشة في كل ما سبق الدستور - وأضفى على كل ما صنعته الثورة حصانة دستورية استقراراً للأوضاع. كما ألزم القضاء بالخضوع للقانون دون سواه، ولم يمنحه سلطة تنحية القانون إعمالاً لحكم الدستور؛ لأن هذا من شأن الأمة وحدها طبقاً لمبدأ فصل السلطات. و(الوجه الثاني) أن الحكم المطعون فيه ذهب إلى أن القانون رقم 600 لسنة 1953 قد خالف أحد الأصول الدستورية المرعية، ومع أن هذا القانون لم يتضمن أية مصادرة للحقوق مع حرمان أربابها من تعويض عادل، بل قرر تعويضاً تشريعياً مقدراً منع الالتجاء في شأنه إلى القضاء، فإن صدور الحكم على هذا النحو ينطوي على إنكار للنظام القانوني الذي تقوم عليه الدولة أثناء الثورات؛ ذلك أن الثورة هي حالة ضرورة طارئة على الدولة تقوم على تغيير الأوضاع الرئيسية، فكل تشريع تصدره تحقيقاً لأهدافها أو تأميناً لها هو دستور في ذاته كاف بنفسه ولا يبحث له عن مصدر دستوري آخر، خلافاً لما عليه الأمر في الأحوال العادية، ولا سيما إذا كان ذلك في أول عهد الثورة وهي تعمل على تدعيم كيانها وإرساء قواعدها خلال فترة الانتقال قبل استقرار نظامها، وكل تشريع تصدره إنما هو لمصلحة الدولة العلياً، فإذا ما تعرض التشريع لبعض الحريات الفردية كان دستورياً مع ذلك في الظروف التي أحاطت به. وقد أكدت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 600 لسنة 1953 أن عدم الالتجاء إلى القضاء في شأن قرار الفصل أو التعويض عنه هو "تحقيقاً لمصلحة الدولة العليا"، وذلك نتيجة عدم وصول الثورة إلى أغراضها كاملة في تشريعات التطهير السابقة. ولما كان دستور سنة 1956 قد استهدف في الحقوق مصلحة جماعية، وقرن أغلبها بكفالة تنظيم القانون لها، فإن التشريع الصادر بناء على ذلك بتقييد استعمال الحق في خصوصية معينة لحكمة تشريعية ارتآها المشرع، يكون غير مخالف لأحكام الدستور. وليس الاستثناء من الأصل الوارد في حالة معينة إنكاراً للمبدأ العام، إنما يظل المبدأ قائماً لم يمس إلا في الحالة الصادر عنها التشريع تحقيقاً لمصلحة عامة. فلا يعد الاستثناء مصادرة للحق على إطلاقه، بل هو تنظيم له في خصوصية بذاتها لحكمة اقتضتها المصلحة العامة. وما يقال عن الحق وجواز الاستثناء من مبدئه العام يصدق أيضاً على توزيع الاختصاصات بين مختلف السلطات، فليس الاستثناء من القاعدة العامة لاختصاص سلطة معينة إنكاراً لأصل القاعدة. ولما كان القضاء بنصوص الدستور هو سلطة، وكانت اختصاصاته يحددها القانون، فإنه يمتنع التحدث في شأنه عن الحقوق؛ إذ هو كسائر السلطات الأخرى لا يعمل إلا على أساس اختصاصات محددة. وإذا كان الدستور قد كفل بنفسه تحديد اختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية بما لا يجوز معه الإضافة إلى هذه الاختصاصات أو الانتقاص منها، فإن الوضع على خلاف ذلك بالنسبة إلى السلطة القضائية التي ترك الدستور الأمر في تحديد اختصاصاتها للمشرع. وقد حدد المشرع هذه الاختصاصات فعلاً في كل من قانوني نظام القضاء ومجلس الدولة، وهما قانونان عاديان يجوز للمشرع نسخ بعض أحكامهما بقانون آخر لحكمة تشريعية. فإذا منع القانون القاضي من النظر في موضوع معين، كان له ذلك وفقاً لأحكام الدستور، ولم يكن في هذا المنع انتقاص للحقوق؛ إذ لا حقوق للسلطة القضائية، وإنما لها اختصاص مرهون بما يحدده لها القانون، فإذا منع القاضي من النظر في منازعة معينة كان نظره لها خروجاً على اختصاصه المحدد قانوناً، وكان مناط اختصاصه رهيناً بمشيئته هو لا بإرادة المشرع وهو ما لا يجوز. ولم يفعل القانون رقم 600 لسنة 1953 سوى سلب اختصاص السلطة القضائية في خصوصية معينة، وهو أمر مشروع درج عليه المشرع لاعتبارات الصالح العام، فأصبح قاعدة دستورية مرعية، ومثال ذلك القانون رقم 28 لسنة 1922 الخاص بتصفية أملاك الخديوي السابق، وقانون التضمينات رقم 25 لسنة 1923 الخاص بتصرفات السلطة العسكرية، والمرسوم بقانون رقم 114 لسنة 1945 بشأن عدم قبول الطعن في التدابير التي اتخذتها السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية إبان الحرب العظمى الثانية، والمرسوم بقانون رقم 148 لسنة 1944 الخاص بإلغاء الاستثناءات، ولائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالنسبة إلى بعض دعاوى الزوجية والوصية والوقف، وقانوناً نظام القضاء ومجلس الدولة فيما يتعلق بأعمال السيادة. والأصل أن للحكومة سلطة فصل الموظف وإحالته إلى المعاش من غير الطريق التأديبي دون ذكر الأسباب ضماناً لحسن سير المرافق العامة إذا رأت أنه غير جدير بثقتها، ودون أن يكون له حق في مطالبتها بتعويض عن ذلك، ما دام لم يثبت عدم صحة القرار أو صدوره لغير الصالح العام. بيد أن المشرع رأى في القانون رقم 600 لسنة 1953 تقدير تعويض جزافي للموظف المفصول بمقتضى أحكام هذا القانون، ثم أغلق عليه باب التقاضي في شأن هذا التعويض، وبذا جرد القاضي من سلطة إعادة النظر في تقدير هذا التعويض، فإذا تدخل القاضي على الرغم من ذلك كان عمله هذا تعديلاً للتشريع فيما رآه المشرع تعويضاً عادلاً وقدره بصفة نهائية بالتوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ولو لم يجبر الضرر فعلاً؛ إذ مؤدى تقدير المشرع للتعويض رغبته في الخروج على القواعد العامة للمسئولية، وهذا هو شأن التقدير الجزافي، وهو ما قد يتبعه المشرع في تنظيم التعويض بالنسبة إلى بعض الهيئات الخاصة، كما في قانون إصابات العمل. ففي مثل هذه الحالات لا محل لبحث خطأ المصلحة لزيادة مبلغ التعويض عن طريق تقديره وفقاً للقواعد العامة، بل تطبق نصوص القانون الخاص وحدها، سواء وقع خطأ أو لم يقع، وسواء جبر الضرر كاملاً في نظر القاضي أو لم يجبر. و(الوجه الثالث) أن الحكم المطعون فيه فرق بين عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ قرار الفصل، وبين عدم سماع دعوى التعويض، وانتهى من ذلك إلى أن الأول دستوري، وأن الثاني يقوم على مصادرة الحقوق وحرمان أصحابها من تعويض عادل عنها؛ وبذلك تعدى اختصاصه القانوني؛ بأن قطع أوصال القانون في شأن حكم قانوني خاص بواقعة قانونية واحدة؛ إذ أجاز الفصل بين دعويي الإلغاء والتعويض عن قرار إداري واحد، في حين أنهما فرعان لأصل واحد، هو عدم جواز الطعن بفرعيه في قرار الفصل. وطالما أن قصد المشرع هو حصانة القرار إلغاء وتعويضاً، فإن في التفرقة بين هذين الفرعين للقصد الواحد تغييراً لحكم القانون وتعديلاً للتشريع لا يملكه القاضي. وإذا فرض أن للمحكمة سلطة التصدي لدستورية القانون، فإن عليها إما تطبيقه بحالته أو إهداره كاملاً برمته؛ ذلك أن القانون لا يتجزأ في المسألة الواحدة، ولا سيما أن الحكم المطعون فيه قد قرر أن التعويض عن الفعل الضار له وجهان: أحدهما عيني وهو الأصل، والثاني بمقابل، فإذا منع المشرع سماع الدعوى عن الأصل فلا تثريب عليه إذا هو منعها أيضاً عن الفرع تمشياً مع القاعدة. وانتهت الحكومة من هذا إلى طلب "الحكم بقبول الطعن، وإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم قبول دعوى الطاعن بشطريها، مع إلزامه بالمصاريف ومقابل الأتعاب".
ومن حيث إن المطعون عليه أودع سكرتيرية المحكمة في 10 من إبريل سنة 1957 مذكرة بملاحظاته، قال فيها إن رفع الطعن من هيئة مفوضي الدولة يتيح له الفرصة لتوكيد طلباته أمام محكمة القضاء الإداري التي لم تكن مقصورة على التعويض، بل تناولت قرار الإحالة إلى المعاش ذاته، بغية إلغائه تأسيساً على أنه ليس قراراً إدارياً باطلاً فحسب، بل معدوماً في حقه بحيث لا وجود له ولا ينتج أثراً، ولا تسري بالنسبة إليه الحصانة المستفادة من الحظر الوارد في المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953، وتقتصر مهمة القضاء الإداري فيما يتعلق به بإثبات انعدامه؛ ذلك أن القرار المطعون فيه وإن كان قد صدر من مجلس الوزراء، وهو السلطة المختصة أصلاً بشئون الموظفين، إلا أن المجلس قد خرج في إصداره عن نطاق القانون المشار إليه الذي لم يخوله إلا فصل الموظفين غير الصالحين، لا من يثبت أن صلاحيتهم فوق متناول الشبهات. ومن ثم فإنه يعد قراراً باطلاً ويصح وصفه بأنه معدوم في نظر القانون. ولا يغير من هذا كون الصلاحية خاضعة لتقدير جهة الإدارة؛ لأن لسلطة الإدارة التقديرية في هذا حدوداً متى جاوزتها انعدم أساس قرارها. ومما يعزز وصف قرار إحالة المطعون عليه إلى المعاش بأنه معدوم لا باطل فحسب، إهمال عرض أمره كلية على اللجنة الوزارية المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون، التي استهدف الشارع بتشكيلها إيجاد ضمانة للاطمئنان إلى سلامة قرارات الإحالة إلى المعاش الصادرة بالتطبيق لهذا القانون. وحتى إذا قيل بأن أثر العيب الذي شاب القرار يقتصر على إبطاله دون إعدامه، فإن النص في المادة الثانية من القانون على عدم جواز سماع دعوى التعويض عنه إن هو إلا مصادرة لحق الانتصاف تنطوي على مخالفة للمبادئ الدستورية، ولذا يتعين إطراحه، وهذا هو ما جرت عليه أحكام القضاء الإداري في شأن سماع دعوى التعويض عن قرارات فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي بالتطبيق لأحكام المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952، كما أن هذه الأحكام رفضت الأخذ بفكرة أن ضم مدة سنتين إلى خدمة الموظفين المفصولين تطهيراً يعتبر بمثابة تعويض جزافي يغني عن أي تعويض آخر. وقد ثار الفقه الحديث في الدول الدستورية على نظرية أعمال السيادة لما تضمنته من استثناء هذه الأعمال من الخضوع لرقابة القضاء، حتى لقد أجيز سماع دعوى التعويض عن هذه الأعمال اكتفاء بتحصينها ضد قضاء الإلغاء أو وقف التنفيذ. على أن قرار فصل المطعون عليه هو قرار إداري وليس عملاً من أعمال السيادة، فمنع المحاكم من سماع دعوى التعويض عنه فيما سببه من أضرار مادية وأدبية يخالف القواعد الدستورية العامة المتمشية مع ما نصت عليه المادتان الثامنة والعاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة المنعقدة في باريس في سنة 1948. ولا يدحض ذلك ما جرى عليه العمل في قوانين التضمينات إثر إعلان الأحكام العرفية وبمناسبة رفعها من النص على عدم سماع دعاوى الأفراد أو الهيئات عن الإجراءات التي تكون اتخذتها السلطة القائمة على إجراء تلك الأحكام؛ إذ الواضح أن القصد من مثل هذه التشريعات إنما هو إعفاء الدولة ذاتها، لا شخص موظفيها وعمالها الذي كانوا ينفذون الأحكام العرفية، على الأقل متى بلغ ما هو مسند إليهم مرتبة الخطأ الجسيم. على أن هذه القوانين تصدر عادة بعد نفاذ الأحكام العرفية والعمل بها، وبعد أن يكون القضاء، بناء على ما رفع إليه من دعاوى، قد استوفى سلطانه في بسط رقابته على التدابير التي اتخذت. أما فكرة التعويض الجزافي فهي أكثر تمشياً مع مسئولية المخاطر منها مع المسئولية عن الخطأ أو التقصير التي يتعين أن يكون التعويض فيها بقدر الضرر. والأولى قد تكون نتيجة خطأ أو إهمال ولكن لا دخل للإدارة فيه، أما الثانية فقد تكون بصدد قرارات إدارية تعبر عن إرادة واعية قد يؤدي تحولها عن الهدف المقصود أصلاً إلى اختلال المعايير التي اتخذت أساساً للتعويض الجزافي. ولا وجه للمقارنة بين المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 الذي صدر لتطهير الأداة الحكومية مما شابها، والقانون رقم 600 لسنة 1953 الذي قصد به إفساح المجال للموظفين من الشباب ليحلوا محل آخرين قاربوا سن الإحالة إلى المعاش، أي تيسير خروج غير الصالحين من الموظفين، وحث المترددين منهم على المبادرة بطلب اعتزال الخدمة لكي يفيدوا من مزايا قراري مجلس الوزراء الصادرين في 4 و25 من نوفمبر سنة 1953 بتيسير خروج الموظفين، وأخص هذه المزايا ضم سنتين إلى المدة المحسوبة في معاشهم بدلاً من السنة الواحدة المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون المشار إليه. وهذا الضم لا يفيد معنى التعويض عن ضرر بقدر ما يفيد معنى التسوية المالية بغية الترغيب في ترك الخدمة، الأمر الذي لا صلة له بما يصيب الموظف المحال إلى المعاش من ضرر مادي وأدبي نتيجة لتطبيق أحكام ذلك القانون في شأنه. ولا سيما أنه لم يرد في نصوص القانون المذكور ولا في مذكرته الإيضاحية ما يفيد أنه قصد بالتسوية المالية التي نص عليها بضم مدة سنة إلى المعاش أن تكون بمثابة تعويض جزافي يستعاض به عن التعويض الشامل، بل العكس هو الصحيح؛ فقد تحاشت المذكرة الإيضاحية ذكر لفظ التعويض، كما تناول القانون موضوع التعويض مستقلاً عن موضوع التسوية المالية. ولو صح الأخذ بفكرة التعويض الجزافي فلا أقل من قصر هذا التخريج على الحالات التي تنطوي تحت أحكام هذا القانون، دون تلك التي تقحم عليه بناء على قرارات خاطئة صادرة من جهة الإدارة. وخلص المطعون عليه من هذا إلى طلب الحكم بقبول الدعوى وإجابته إلى طلباته الأصلية الموضحة بعريضة دعواه أمام محكمة القضاء الإداري.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن مثار المنازعة هو: (أولاً) ما إذا كان يجوز للمحكمة أن تتناول بالنظر والتعقيب الحكم المطعون فيه في شقه الخاص بعدم جواز سماع طلب الإلغاء الذي لم تطعن فيه هيئة المفوضين، ولكن أثاره المطعون عليه، أم أن ذلك لا يجوز (وثانياً) ما إذا كانت المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953 - إذ قضت بأنه "استثناء من أحكام المادة 12 من قانون نظام القضاء ومن أحكام المواد 3 و4 و10 من قانون مجلس الدولة، لا يجوز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالتطبيق لأحكام هذا القانون. وكذلك لا يجوز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها وذلك أمام المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها" - تتضمن حكماً غير دستوري فيمتنع على المحاكم تطبيقه، أم أن هذا النص دستوري فيجب على المحاكم أن تنزل عليه؟.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن الطعن أمامها في الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري أو المحاكم الإدارية - طبقاً للمادة 15 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة - يفتح الباب أمامها لتزن الحكم المطعون فيه بميزان القانون وزناً مناطه استظهار ما إذا كانت قد قامت به حالة أو أكثر من الأحوال التي تعيبه المنصوص عليها في المادة سالفة الذكر فتلغيه، ثم تنزل حكم القانون في المنازعة، أم أنه لم تقم به أية حالة من تلك الأحوال وكان صائباً في قضائه فتبقى عليه وترفض الطعن. ويتفرع عن ذلك أن للمحكمة العليا أن تنزل حكم القانون، غير مقيدة بالأوجه أو الأسباب التي تبديها هيئة المفوضين، ما دام المرد في ذلك كله هو إلى تطبيق مبدأ الشرعية نزولاً على سيادة القانون في روابط هي من روابط القانون العام التي تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص؛ ذلك أن رقابة محكمة القضاء الإداري والمحاكم الإدارية على القرارات الإدارية هي رقابة قانونية تسلطها عليها لتتعرف على مدى مشروعيتها من حيث مطابقتها أو عدم مطابقتها للقانون، وهذا بدوره ما تتناوله المحكمة الإدارية العليا في رقابتها للأحكام القضائية، كما قضت كذلك بأن الدعوى إذا كانت ذات شقين أحدهما بالإلغاء والآخر بالتعويض فإن الطعن في شق منهما يثير المنازعة برمتها، ما دام الطلبان مرتبطين أحدهما بالآخر ارتباطاً جوهرياً، باعتبارهما يقومان على أساس قانوني واحد، هو عدم مشروعية القرار الإداري، وأن الطعن بالإلغاء هو طعن فيه بالبطلان بالطريق المباشر، وطلب التعويض عنه هو طعن فيه بالبطلان بالطريق غير المباشر. وآية ذلك أنه لا يستقيم الحكم بالتعويض على أساس أن القرار غير مشروع مع الحكم بالإلغاء على أساس أن القرار مشروع؛ إذ مؤدى ذلك قيام حكمين متعارضين متفرعين عن أساس قانوني واحد، وهو ما لا يجوز وما لا مندوحة عن التردي فيه إذا لم يثر الطعن في أحد الشقين المنازعة برمتها.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الثانية فإنه يجب التنبيه بادئ ذي بدء إلى أن الدفع بعدم دستورية النص المشار إليه قد أصبح غير ذي موضوع بعد صدور دستور جمهورية مصر والعمل به من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء؛ إذ قد نصت المادة 190 منه على أن "كل ما قررته القوانين والمراسيم والأوامر واللوائح والقرارات من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقي نافذاً، ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في هذا الدستور"، كما نصت المادة 191 منه على أن "جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة، وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وصدرت مكملة أو منفذة لها، وكذلك كل ما صدر من الهيئات التي أمر المجلس المذكور بتشكيلها من قرارات أو أحكام، وجميع الإجراءات والأعمال والتصرفات التي صدرت من هذه الهيئات أو من أية هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة ونظام الحكم، لا يجوز الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت". ويبين من ذلك أن الدستور أراد أن يضفي حصانة دستورية على حركة التشريع السابقة عليه التي تمت في عهد الثورة؛ سواء أكانت بالطريق الأصلي، أي بمقتضى قوانين، أم بالطريق الفرعي، أي بمقتضى قرارات تنظيمية عامة - حصانة تعصمها من السقوط أو من المجادلة في قوة نفاذها؛ لحكمة تتصل بالمصالح العليا للوطن، بمراعاة أن تلك القوانين واللوائح إنما تمت في عهد ثورة تستهدف الإصلاح الشامل بشكل وفي أوضاع وظروف استثنائية. لا تقاس فيها الأمور بمقياس الأوضاع العادية، فأضفى عليها تلك الحصانة الدستورية على اعتبار أنها من الأدوات التي استعملتها الثورة في سبيل أوجه الإصلاح الذي قامت من أجله. وللحكمة عينها حصن الدستور كذلك جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة، وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وتكون مكملة أو منفذة لها، وذلك بمنع الطعن فيها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت. وغني عن البيان أن نصي الدستور المشار إليهما يسريان على الدعاوى المنظورة باعتبار أن هذا الدستور أصبح القانون الأعلى. على أنه ينبغي، وضعاً للأمور في نصابها الدستوري الصحيح، التنبيه كذلك إلى أن الأصل المسلم هو أن القانون لا يكون غير دستوري إلا إذا خالف نصاً دستورياً قائماً أو خرج على روحه ومقتضاه؛ ومرد ذلك إلى أن الدستور - وهو القانون الأعلى فيما يقرره - لا يجوز أن يهدره قانون، وهو أداة أدنى. ويتحصل النعي بعدم دستورية المادة الثانية من القانون رقم 600 لسنة 1953، في أنها تنطوي على مصادرة لحق الموظف في تعويضه عن فصله، سواء بالطريق العيني وهو الإلغاء، أو بطريق المقابل وهو التعويض عن فصله، إذا كان القرار قد وقع مخالفاً للقانون، وعلى مصادرة لحقه في الانتصاف في هذا الشأن عن طريق القضاء، وعلى إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء. ولكن من البداهة أن هذا النعي لا يستقيم إلا إذا كان حق الموظف في الوظيفة العامة هو من الحقوق التي يكفلها الدستور ذاته، وأن وسيلة اقتضاء حقه هذا عن طريق القضاء هي وسيلة يقررها الدستور كذلك، وأن ثمة حقاً إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء في هذا الشأن؛ إذن لا يجوز عندئذ أن يهدر القانون ما يقرره الدستور. أما إذا كان هذا الحق هو مما ينشئه القانون أو يلغيه، وكذلك إذا كانت وسيلة اقتضائه هي مما ينظمه القانون على الوجه الذي يراه. كما إذا كان القانون لا يقوم على تمييز بين أفراد طائفة واحدة تماثلت مراكزهم القانونية، فلا يكون ثمة وجه للنعي بعدم دستوريته.
ومن حيث إن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح، فمركز الموظف هو مركز قانوني عام يجوز تغييره في أي وقت، ومرد ذلك إلى أن الموظفين هم عمال المرافق العامة، وبهذه المثابة يجب أن يخضع نظامهم القانوني للتعديل والتغيير وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة لحسن سير تلك المرافق؛ ذلك أن الوظيفة العامة هي مجموعة من الاختصاصات يتولاها الموظف لصالح المرفق العام، ويعهد بها إليه ليساهم في شئونه في سبيل تحقيق الأغراض المنشودة منه للمصلحة العامة التي تقوم الدولة على رعايتها. وتقليد الوظيفة العامة هو إسناد اختصاصاتها إلى الموظف الذي يولاها، وتعيين الموظف أياً كانت أداته، لا يخلق الوظيفة، ولا يرتب للموظف حقاً فيها على غرار حق الملكية مثلاً؛ إذ هي ملك للدولة، وإنما يقتصر أثر التعيين على وضع الموظف في مركز قانوني عام، وإخضاعه لما تقرره القوانين واللوائح الخاصة بالوظيفة من قواعد وأحكام وإفادته من مزاياها. ولما كانت الوظيفة تكليفاً للقائم بها كأصل مسلم رددته المادة 28 من دستور جمهورية مصر، وهذا التكليف يتطلب من الموظف أن يكون صالحاً للقيام به، فإن بقاءه في الوظيفة، وهو رهين بهذا المناط، ليس حقاً ينهض إلى مرتبة الحقوق الدستورية، تلك الحقوق المنصوص عليها في الباب الثالث من الدستور المذكور، ولا يقاس على حق الملكية مثلاً الذي صانته النصوص الدستورية بما يكفل عدم نزعه إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون، بل هو وضع شرطي منوط بصلاحيته للنهوض بأعباء الوظيفة العامة، وهو أمر يخضع لتقدير الحكومة القوامة على تسيير المرافق العامة؛ فتفصل من تراه أصبح غير صالح لذلك دون الاحتجاج بأن له أصل حق في البقاء في الوظيفة، ما دام ذلك قد تم بالشروط والأوضاع التي قررها القانون وبغير إساءة استعمال السلطة.
ومن حيث إن حق الحكومة في فصل الموظفين هو حق أصيل لا شبهة فيه مرده إلى أصلين: (الأول) أصل طبعي رددته النصوص الدستورية هو وجوب هيمنة الحكومة على تسيير المرافق العامة على الوجه الذي يحقق المصلحة العامة؛ فنصت المادة 57 من دستور سنة 1923 على أن "مجلس الوزراء هو المهيمن على مصالح الدولة"، كما نصت المادة 44 منه على أن رئيس الدولة وقتذاك يولي ويعزل الموظفين على الوجه المبين بالقوانين، ونصت المادة 140 من دستور جمهورية مصر على أن "يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعزلهم على الوجه المبين في القانون". و(الثاني) أصل تشريعي يستند إلى الأوامر العالية الصادرة في 10 من إبريل سنة 1883 و24 من مايو سنة 1885 و19 من فبراير سنة 1887، والدكريتو الصادر في 24 من ديسمبر سنة 1888، والقانون رقم 5 لسنة 1909 بشأن المعاشات الملكية، والمرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1929 الخاص بالمعاشات الملكية، والمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة التي عددت أسباب انتهاء خدمة الموظفين المعينين على وظائف دائمة، وذكرت من بينها في بند "4" العزل أو الإحالة إلى المعاش بقرار تأديبي، وفي البند "6" الفصل بمرسوم أو أمر جمهوري أو بقرار خاص من مجلس الوزراء أي بغير الطريق التأديبي؛ وهذا الفصل بالطريق الأخير هو الذي أشارت إليه المادة الرابعة بند "5" من القانون رقم 112 لسنة 1946 الخاص بإنشاء مجلس الدولة، والمادة الثالثة بند "5" من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة، والمادة الثامنة بند "خامساً" من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة. ويبين من هذا كله أن القانون رقم 600 لسنة 1953، عندما أجاز في مادته الأولى إحالة الموظف إلى المعاش قبل بلوغ السن المقررة لترك الخدمة إذا كان من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها بناء على اقتراح لجنة وزارية يشكلها مجلس الوزراء متى تبين عدم صلاحيته للوظيفة، مع ضم مدة خدمة لا تجاوز السنة وأداء الفرق بين المرتب والمعاش مشاهرة، وذلك خلال الفترة التي حددها من 3 من يناير سنة 1954 إلى 14 من يناير سنة 1954 - إن القانون المذكور لم يستحدث جديداً في شأن جواز إحالة الموظف إلى المعاش بغير الطريق التأديبي، بل ما استحدثه هو إيجاد ضمانة لم تكن مقررة له من قبل؛ بجعل اقتراح فصله منوطاً أولاً بلجنة وزارية تفحص حالته وتبدي رأيها في صلاحيته للبقاء في الوظيفة من عدمه، كما رتب له حقوقاً مالية ما كان ليظفر بها لولا النص عليها؛ ذلك أنه إذا كانت الحكومة تملك من الأصل فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي لعدم صلاحيتهم للبقاء في الوظيفة، وتم ذلك وفقاً للقانون وخلا من إساءة استعمال السلطة، كان القرار سليماً مبرءاً من العيب مما لا وجه معه لمساءلة الحكومة بتعويض عنه؛ لأن أساس المسئولية - كما سبق أن قضت هذه المحكمة بذلك - هو وقوع خطأ من جانب الحكومة؛ بأن يكون القرار غير مشروع، أي يشوبه عيب أو أكثر من العيوب المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة، وفي المادة الثامنة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة، وهي عدم الاختصاص ووجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة، وأن يترتب على القرار ضرر، وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر، فإذا كان القرار مشروعاً؛ بأن صدر سليماً مطابقاً للقانون، فلا تسأل الحكومة عن الضرر الذي ينجم عنه؛ إذ لا مندوحة من أن يتحمل الأفراد نتائج النشاط الإداري المشروع أي المطابق للقانون، ولا يمكن ترتيب مسئولية الدولة على أساس تبعة المخاطر - كأصل عام - إلا إذا وجد نص تشريعي خاص يقضي بذلك، والواقع من الأمر أن المنحة المالية التي قررتها المادة الأولى من القانون رقم 600 لسنة 1953 هي من هذا القبيل.
ومن حيث إن نص المادة الثانية من القانون المذكور، وإن جاء مضيقاً لاختصاص القضاء مانعاً إياه من نظر هذه المنازعات إلغاء أو تعويضاً، إلا أنه لا وجه للنعي عليه بعدم الدستورية، بدعوى مصادرته لحق التقاضي أو إخلاله بمبدأ المساواة أمام القانون؛ ذلك أنه تجب التفرقة بين المصادرة المطلقة لحق التقاضي عموماً وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء. وإذا كان لا يجوز من الناحية الدستورية حرمان الناس كافة من الالتجاء إلى القضاء للانتصاف؛ لأن في ذلك مصادرة لحق التقاضي وهو حق كفل الدستور أصله، إذ تكون مثل هذه المصادرة المطلقة بمثابة تعطيل وظيفة السلطة القضائية" وهي سلطة أنشأها الدستور لتمارس وظيفتها في أداء العدالة مستقلة عن السلطات الأخرى - لئن كان ذلك كذلك، إلا أنه لا يجوز الخلط بين هذا الأمر وبين تحديد دائرة اختصاص القضاء بالتوسيع أو التضييق؛ لأن النصوص الدستورية تقضي بأن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويعين اختصاصاتها، وبهذا نصت المادة 125 من دستور سنة 1923 والمادة 176 من دستور جمهورية مصر، وينبني على ذلك أن كل ما يخرجه القانون من ولاية القضاء يصبح معزولاً عن نظره، وهذا أصل من الأصول المسلمة. وقديماً قالوا إن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والخصومة، وعلى هذا الأصل الدستوري صدرت التشريعات الموسعة أو المضيقة لولاية القضاء في جميع العهود وفي شتى المناسبات، كالنصوص التشريعية المانعة من النظر في أعمال السيادة سواء بالإلغاء أو بالتعويض، وكالنصوص التي كانت تمنع القضاء من النظر في طلبات إلغاء القرارات الإدارية أو وقف تنفيذها، إلى أن أنشئ مجلس الدولة فجعل ذلك من اختصاصه على الوجه المحدد بقانونه، وكتلك النصوص التي تمنع سماع الدعاوى في شأن تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية بعد انتهائها إلغاء أو تعويضاً، وكالمادة 13 من المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 الخاص بالإصلاح الزراعي التي تمنع جميع جهات القضاء من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ قرارات الاستيلاء أو في المنازعات المتعلقة بملكية الأطيان المستولى عليها، وكالمادة السابعة من المرسوم بقانون رقم 181 لسنة 1952 الخاص بفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي التي تمنع القضاء الإداري من نظر طلبات إلغاء قرارات الفصل أو وقف تنفيذها، وكالمادة 14 من القانون رقم 598 لسنة 1953 بشأن أموال أسرة محمد على المصادرة التي تمنع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها من سماع الدعاوى المتعلقة بتلك الأموال، وكالمادة 291 من القانون رقم 345 لسنة 1956 في شأن تنظيم الجامعات المصرية التي تمنع القضاء الإداري من النظر في طلبات إلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الهيئات الجامعية في شئون طلابها - ولا شبهة في دستورية هذه التشريعات جميعاً، ما دام القانون هو الأداة التي تملك بحكم الدستور ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصاتها؛ ومن ثم فله أن يضيقها أو أن يوسعها بالشروط والأوضاع التي يقررها.
ومن حيث إنه لا وجه للنعي على تلك المادة بأنها تنطوي على إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء؛ لأن المقصود بالمساواة في هذا الشأن هو عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية، ولم يتضمن القانون المشار إليه أي تمييز من هذا القبيل بين الموظفين الذين تنطبق عليهم أحكامه.
ومن حيث إن نص المادة الثانية من القانون السالف الذكر جاء صريحاً قاطعاً في عدم جواز الطعن بإلغاء أو وقف تنفيذ القرارات الصادرة بالاستناد إليه، وفي عدم جواز سماع الدعاوى الخاصة بالتعويض عنها أمام جميع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، لا فرق في ذلك بين من طبقت الإدارة القانون في حقه تطبيقاً سليماً وبين من عساها تكون قد أخطأت في تطبيقه بالنسبة إليه؛ وذلك لحكمة واضحة إذ المقصود من هذا المنع هو سد باب المنازعات القضائية في هذا الشأن، استقراراً للدولاب الحكومي. وإذا كان الشارع قد نص في المادة الأولى من هذا القانون على أن الفصل يلحق من تتبين عدم صلاحيته للوظيفة من الموظفين من الدرجة الثانية فما فوقها، فليس مفاد ذلك أن الاختصاص القضائي بنظر المنازعة أو عدم اختصاصه بها - والاختصاص مسألة فرعية سابقة على نظر الموضوع - يتوقف على تبين ما إذا كان الموظف صالح، أو غير صالح، وهي مسألة من صميم الموضوع، بل الظاهر أن هذا بعيد عن مقصود الشارع الذي أراد عزل جميع جهات القضاء عن نظر هذه المنازعات سداً لهذا الباب للحكمة التي ارتآها، أما الخطاب في شأن ما نصت عليه المادة الأولى فموجه إلى السلطات التنفيذية التي تصدر قرارات الفصل بالتطبيق لأحكام هذه المادة، وإذا أخطأت في هذا التطبيق فلا تكون مساءلتها عن ذلك عن طريق القضاء بعد إذ امتنع عليه النظر في هذا الشأن بنص المادة الثانية، وإنما تكون مساءلتها بغير الوسيلة القضائية؛ كالالتجاء إلى السلطات التي أصدرت القرار أو السلطات الأعلى.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه في شقه الخاص بطلب التعويض، والقضاء بعدم جواز سماعه، وتأييد الحكم فيما عدا ذلك.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم جواز سماع دعوى التعويض، وبتأييده فيما عدا ذلك، وألزمت المدعي بالمصروفات.