الصفحات

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 31 أغسطس 2022

القضية 176 لسنة 22 ق جلسة 12 / 11 / 2006 دستورية عليا مكتب فني 12 ج 1 دستورية ق 11 ص 111

جلسة 12 من نوفمبر سنة 2006
برئاسة السيد المستشار/ ماهر عبد الواحد رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح والدكتور/ حنفي علي جبالي وماهر سامي يوسف ومحمد خيري طه نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن أمين السر

-----------------

(11)

القضية 176 لسنة 22 ق "دستورية"

(1) دستور - المادة (13) مفادها - حق العمل - سلطة المشرع في تنظيمه.
النص في المادة (13) من الدستور على أن "العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة" يعني توجيه الدولة إلى استغلال إمكاناتها لإنشاء مشروعات تكفل تهيئة الظروف لتوفير فرص العمل للمواطنين في ظل المساواة وتكافؤ الفرص.

(2) دستور - تضامن اجتماعي - عدل.
تأسيس المواطنين لمجتمعهم على قاعدة التضامن الاجتماعي - وفقاً لنص المادة السابعة من الدستور - مؤداه: تداخل مصالحهم لا تصادمها.

(3) إيجار - القانون رقم 6 لسنة 1997 - المساواة بين طرفي العلاقة الإيجارية.
القانون رقم 6 لسنة 1997 - ليس إلا حلقة من حلقات التشريعات الاستثنائية الصادرة لتنظيم العلائق الإيجارية بين المؤجرين والمستأجرين، راعى المشرع بهذا القانون المزاوجة بين حقوق مؤجري الأماكن غير السكنية ومصالح مستأجريها تحقيقاً للتوازن في العلاقة الإيجارية والمساواة بين طرفيها.

----------------

1 - النص في المادة (13) من الدستور على أن "العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة" إنما يعني توجيه الدولة إلى استغلال إمكاناتها لإنشاء مشروعات تكفل تهيئة الظروف لتوفير فرص العمل للمواطنين في ظل المساواة وتكافؤ الفرص، وعلى الدولة ممثلة في السلطة التشريعية – عند تنظيمها لهذا الحق – سواء بالتشريعات العمالية أو بغيرها من التشريعات التي تمس الحق في العمل أن تراعي ألا تتضمن هذه التشريعات ما يهدر هذا الحق أو يقيده بما يعطل جوهره إلا أنه عليها في ذات الوقت ألا تتخذ من حمايتها له موطناً لإهدار حقوق يملكها آخرون ومن أخصها حقوق ملاك ومؤجري الأماكن التي يمارس فيها العمل.

2 - تأسيس المواطنين لمجتمعهم على قاعدة التضامن الاجتماعي وفقاً لنص المادة السابعة من الدستور مؤداه: تداخل مصالحهم لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تعارضها بما يرعى القيم التي يؤمنون بها فلا يتقدم على ضوئها فريق على غيره انتهازاً ولا ينال قدراً من الحقوق يكون بها - دون مقتض - أكثر امتيازاً من سواه، بل يتمتعون جميعاً بالحقوق عينها، وذلك تحقيقاً للعدل الذي قرنه الدستور بكثير من النصوص التي تضمنها ليكون قيداً على السلطة التشريعية في المسائل التي تناولتها هذه النصوص بحيث يتعين عليها دوماً أن توازن علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، بأوضاع مجتمعهم والمصالح التي يتوخاها.

3 - القانون رقم 6 لسنة 1997 ليس إلا حلقة من حلقات التشريعات الاستثنائية الصادرة لتنظيم العلائق الإيجارية بين المؤجرين والمستأجرين، وقد راعى المشرع بهذا القانون المزاوجة بين حقوق مؤجري الأماكن غير السكنية ومصالح مستأجريها تحقيقاً للتوازن في العلاقة الإيجارية والمساواة بين طرفيها، فنص على امتداد عقد إيجار تلك الأماكن على زوج وأقارب المستأجر الأصلي بالشروط والقيود الواردة بالمادة الأولى من هذا القانون، تقديراً منه لحقوق ورثة المستأجر المذكور لاستمرار مورد رزقهم ومصدر عيشهم وحفاظاً على تواصل نشاط المراكز الحرفية والصناعية والتجارية. وحرصاً من المشرع على عدم الإضرار بمؤجري هذه الأماكن، فقد قرر عدم استمرار العقد بموت أحد من أصحاب البقاء في العين إلا لصالح المستفيدين من ورثة المستأجر الأصلي دون غيره ولمرة واحدة، وذلك حتى لا يتحول حق المستأجر في استعمال العين – وهو حق مصدره العقد دائماً حتى مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية وتحديد أبعادها بقوانين استثنائية – إلى نوع من السلطة الفعلية يسلطها المستأجر مباشرة على الشيء المؤجر مستخلصاً منه فوائده دون تدخل من المؤجر. إذ لو جاز ذلك لخرج هذا الحق من إطار الحقوق الشخصية، وصار مشبهاً بالحقوق العينية، ملتئماً مع ملامحها، وهو ما يناقض خصائص الإجارة باعتبار أن طرفيها – وطوال مدتها – على اتصال دائم مما اقتضى ضبطها تحديداً لحقوقهما وواجباتهما، فلا يتسلط أغيار عليها انتهازاً وإضراراً بحقوق مؤجرها، متدثرين في ذلك بعباءة القانون، ولأنها – فوق هذا – لا تقع على ملكية الشيء المؤجر، بل تنصب على منفعة يغلها، مقصودة في ذاتها، ومعلومة من خلال تعيينها، ولمدة طابعها التأقيت مهما استطال أمدها.

-------------

الوقائع

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر المستندات - تتحصل في أن المدعى عليه الرابع كان قد أقام ضد المدعي الدعوى رقم 1792 لسنة 1999 كلي مساكن الإسكندرية، طالباً الحكم بإنهاء عقد الإيجار المؤرخ 1/1/1969 المبرم مع السيدة/ ....... للمحل رقم (2) بالعقار رقم 277 شارع بور سعيد كليوباترا حمامات، بعد وفاة المستأجرة بتاريخ 14/4/1983، ثم وفاة زوجها من بعدها بتاريخ 18/1/1998، وبجلسة 28/5/2000 قضت المحكمة بإخلاء عين التداعي وتسليمها خالية مما يشغلها، وإذ لم يلق هذا القضاء قبولاً لدى المدعي فقد طعن عليه بالاستئناف رقم 4595 لسنة 56 قضائية مساكن، أمام محكمة استئناف الإسكندرية، كما طعنت عليه المدعى عليها الخامسة بالاستئناف رقم 4274 لسنة 56 قضائية، وأثناء نظر هذين الطعنين دفع المدعي بعدم دستورية القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع وصرحت للمدعي بإقامة دعواه الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
بتاريخ الثامن والعشرين من نوفمبر سنة 2000، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية، فيما تضمنته من أن الإجارة تمتد لمرة واحدة لورثة المستأجر الأصلي.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

--------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن النزاع الموضوعي يدور حول مدى أحقية المدعي في الاستفادة من الامتداد القانوني لعقد إيجار العين محل النزاع بعد وفاة والده، فإن مصلحته الشخصية في الدعوى الدستورية تتحدد بما تنص عليه الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 المشار إليه، والتي تنص على أنه "واعتباراً من اليوم التالي لتاريخ نشر هذا القانون المعدل، لا يستمر العقد بموت أحد من أصحاب حق البقاء في العين إلا لصالح المستفيدين من ورثة المستأجر الأصلي دون غيره ولمرة واحدة."
وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون عليه - محدداً نطاقاً على النحو السالف بيانه - إهداره للحق في العمل وتعارضه مع قيام المجتمع على التضامن الاجتماعي واعتداءه على حق الملكية، بالمخالفة لأحكام المواد (7، 13، 34) من الدستور.
وحيث إن هذا النعي مردود بأن النص في المادة (13) من الدستور على أن "العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة "إنما يعني توجيه الدولة إلى استغلال إمكاناتها لإنشاء مشروعات تكفل تهيئة الظروف لتوفير فرص العمل للمواطنين في ظل المساواة وتكافؤ الفرص، وعلى الدولة ممثلة في السلطة التشريعية - عند تنظيمها لهذا الحق - سواء بالتشريعات العمالية أو بغيرها من التشريعات التي تمس الحق في العمل أن تراعي ألا تتضمن هذه التشريعات ما يهدر هذا الحق أو يقيده بما يعطل جوهره إلا أنه عليها في ذات الوقت ألا تتخذ من حمايتها له موطناً لإهدار حقوق يملكها آخرون ومن أخصها حقوق ملاك ومؤجري الأماكن التي يمارس فيها العمل.

وحيث إن تأسيس المواطنين لمجتمعهم على قاعدة التضامن الاجتماعي وفقاً لنص المادة السابعة من الدستور مؤداه: تداخل مصالحهم لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تعارضها بما يرعى القيم التي يؤمنون بها فلا يتقدم على ضوئها فريق على غيره انتهازاً ولا ينال قدراً من الحقوق يكون بها - دون مقتض - أكثر امتيازاً من سواه، بل يتمتعون جميعاً بالحقوق عينها، وذلك تحقيقاً للعدل الذي قرنه الدستور بكثير من النصوص التي تضمنها ليكون قيداً على السلطة التشريعية في المسائل التي تناولتها هذه النصوص بحيث يتعين عليها دوماً أن توازن علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، بأوضاع مجتمعهم والمصالح التي يتوخاها.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان القانون رقم 6 لسنة 1997 الذي تضمن النص المطعون عليه ليس إلا حلقة من حلقات التشريعات الاستثنائية الصادرة لتنظيم العلائق الإيجارية بين المؤجرين والمستأجرين، وقد راعى المشرع بهذا القانون المزاوجة بين حقوق مؤجري الأماكن غير السكنية ومصالح مستأجريها تحقيقاً للتوازن في العلاقة الإيجارية والمساواة بين طرفيها، فنص على امتداد عقد إيجار تلك الأماكن على زوج وأقارب المستأجر الأصلي بالشروط والقيود الواردة بالمادة الأولى من هذا القانون، تقديراً منه لحقوق ورثة المستأجر المذكور لاستمرار مورد رزقهم ومصدر عيشهم وحفاظاً على تواصل نشاط المراكز الحرفية والصناعية والتجارية. وحرصاً من المشرع على عدم الإضرار بمؤجري هذه الأماكن، فقد قرر بالنص المطعون عليه عدم استمرار العقد بموت أحد من أصحاب البقاء في العين إلا لصالح المستفيدين من ورثة المستأجر الأصلي دون غيره ولمرة واحدة، وذلك حتى لا يتحول حق المستأجر في استعمال العين – وهو حق مصدره العقد دائماً حتى مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية وتحديد أبعادها بقوانين استثنائية – إلى نوع من السلطة الفعلية يسلطها المستأجر مباشرة على الشيء المؤجر مستخلصاً منه فوائده دون تدخل من المؤجر. إذ لو جاز ذلك لخرج هذا الحق من إطار الحقوق الشخصية، وصار مشبهاً بالحقوق العينية، ملتئماً مع ملامحها، وهو ما يناقض خصائص الإجارة باعتبار أن طرفيها – وطوال مدتها – على اتصال دائم مما اقتضى ضبطها تحديداً لحقوقهما وواجباتهما، فلا يتسلط أغيار عليها انتهازاً وإضراراً بحقوق مؤجرها، متدثرين في ذلك بعباءة القانون، ولأنها – فوق هذا – لا تقع على ملكية الشيء المؤجر، بل تنصب على منفعة يغلها، مقصودة في ذاتها، ومعلومة من خلال تعيينها، ولمدة طابعها التأقيت مهما استطال أمدها، ومن ثم فإن ادعاء المدعي مخالفة النص المطعون عليه للدستور – وقد تغيا الأغراض المشار إليها، ولم يتضمن أي مساس بأموال يملكها المدعي – يكون لغواً.
وحيث إن النص المطعون عليه لا يتعارض مع أي حكم في الدستور من أوجه أخرى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 62 لسنة 19 ق جلسة 12 / 11 / 2006 دستورية عليا مكتب فني 12 ج 1 دستورية ق 10 ص 92

جلسة 12 من نوفمبر سنة 2006
برئاسة السيد المستشار/ ماهر عبد الواحد رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وإلهام نجيب نوار وماهر سامي يوسف ومحمد خيري طه والدكتور/ عادل عمر شريف نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن أمين السر

----------------

(10)

القضية 62 لسنة 19 ق " دستورية"

(1) دعوى دستورية - حكم - حجيته.
مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة.

(2) دعوى دستورية - المصلحة الشخصية المباشرة - مناطها.
المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية.

(3) رقابة دستورية - مناطها.
الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة في شأن دستورية النصوص القانونية - مناطها مخالفة تلك النصوص لقاعدة تضمنها الدستور.

(4) دستور - شريعة إسلامية - الاجتهاد - محله.
النص في المادة (2) من الدستور بعد تعديلها عام 1980 على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" يدل على أنه لا يجوز لنص تشريعي يصدر في ظله أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها.

(5) إيجار - شريعة إسلامية - عقود.
اختلف الفقهاء في تحديد المراد من قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود". "الآية رقم (1) من سورة المائدة"، وضحت كتب التفسير بهذا الاختلاف الذي كشف عن ظنية دلالة النص، بالرغم من قطعية ثبوته، كما اختلف الفقهاء كذلك بالنسبة لأحكام عقد الإيجار وشروطه ومدته، وإذ كان ذلك فإن المشرع بما أورده بنص الفقرة الأولى من البند "ب" من المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 - من هذه الوجهة - لا يكون قد خرج عن دائرة الاجتهاد - ومن ثم لم يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.

(6) حق الملكية - تنظيمه - قيود.
الملكية في إطار النظم الوضعية لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها، ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التي تتطلبها وظيفتها الاجتماعية.

(7) حق الملكية - تنظيمه - سلطة ولي الأمر - الاختيار بين البدائل.
لم تعد الملكية مجرد حق خالص لصاحبها، ولا مزية في ذاتها تتحرر بموجبها من القيود، وإنما تتقيد بما لولي الأمر من سلطة في مجال تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية في نطاقها.

(8) حق الملكية - إطاره - توازن المصالح.
ينبغي أن يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المصالح ولا تتنافر.

(9) عقد الإيجار - الامتناع عن سداد الأجرة - التكليف بالوفاء - غايته.
إن المشرع رغبة منه في تحقيق التوازن بين أوضاع المؤجرين والمستأجرين في ظل أزمة الإسكان المحتدمة، أوجب على المؤجر تكليف المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة في ذمته، والغاية من ذلك التكليف هو أعذار المستأجر بأداء المتأخر في ذمته من الأجرة، ووضعه وضع المتأخر في تنفيذ التزامه، وإثبات ذلك في حقه.

(10) عقد الإيجار - التأخر في سداد الأجرة - تحقيق التوازن بين المؤجر والمستأجر - سلطة تقديرية.
إذا كان المشرع قد أجاز للمستأجر توقي القضاء بإخلاء العين المؤجرة له بسبب تأخره في سداد الأجرة، فقد قابل ذلك بإلزام المستأجر بأداء الأجرة المستحقة عليه وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية، قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى.

(11) مبدأ تكافؤ الفرص - إعماله.
مبدأ تكافؤ الفرص الذي تكفله الدولة للمواطنين كافة، وفقاً لنص المادة (8) من الدستور يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها.

(12) مبدأ المساواة - معناه - أسس موضوعية للتمييز.
مبدأ مساواة المواطنين لدى القانون لا يعني أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها.

(13) عقود الإيجار - القانون رقم 136 لسنة 1981، 4 لسنة 1996 - اختلاف المراكز القانونية.
العلاقات الإيجارية الخاضعة للقانون رقم 136 لسنة 1981 تستقل بأحكامها ونظامها القانوني عن تلك التي تخضع لأحكام القانون رقم 4 لسنة 1996.

----------------

1 - مقتضى نص المادتين (48, 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979, أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة, باعتباره قولا فصلا في المسألة المقضي فيها, وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد.

2 - المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية, وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازما للفصل في الطلبات المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.

3 - الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة في شأن دستورية النصوص القانونية - على ما جرى به قضاؤها - مناطها مخالفة تلك النصوص لقاعدة تضمنها الدستور, ولا شأن لها بالتعارض بين نصين قانونيين, ما لم يكن هذا التعارض منطويا بذاته على مخالفة دستورية.

4 - النص في المادة (2) من الدستور بعد تعديلها عام 1980 على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع "يدل على أنه لا يجوز لنص تشريعي يصدر في ظله أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معا, باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يمتنع الاجتهاد فيها, لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية ثوابتها التي لا تحتمل تأويلا أو تبديلا, أما الأحكام غير القطعية في ثبوتها أو في دلالتها أو فيهما معا, فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لمواجهة تغير الزمان والمكان, وتطور الحياة وتنوع مصالح العباد.

5 - الحكم قطعي الثبوت في شأن العقود كافة هو قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" "الآية رقم (1) من سورة المائدة", وكان الفقهاء قد اختلفوا في تحديد المراد بالعقود في تفسير الآية الكريمة, ونضحت كتب التفسير بهذا الاختلاف الذي كشف عن ظنية دلالة النص, بالرغم من قطعية ثبوته, كما اختلف الفقهاء كذلك بالنسبة لأحكام عقد الإيجار وشروطه ومدته, وإذ كان ذلك فإن المشرع بما أورده بنص الفقرة الأولى من البند "ب" من المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 - من هذه الوجهة - لا يكون قد خرج عن دائرة الاجتهاد - ومن ثم لم يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.

6 - الملكية في إطار النظم الوضعية لم تعد حقا مطلقا, ولا هي عصية على التنظيم التشريعي, وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها, ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التي تتطلبها وظيفتها الاجتماعية, وهي وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ, ولا تفرض نفسها تحكما, بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية والأغراض التي ينبغي رصدها عليها, على ضوء واقع اجتماعي معين وفي بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها, وفي إطار هذه الدائرة, وتقيدا بتخومها, يفاضل المشرع بين البدائل, ويرجح على ضوء الموازنة التي يجريها ما يراه من المصالح أجدر بالحماية وأولى بالرعاية وفقا لأحكام الدستور, مستهديا في ذلك بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة بذاتها من مراحل تطورها, وبمراعاة أن القيود التي يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها لا تعتبر مقصودة لذاتها, بل غايتها خير الفرد والجماعة, ولا مخالفة في ذلك للشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تبديل فيها, إذ الأصل أن الأموال جميعها مضافة إلى الله تعالى, فهو الذي خلقها وإليه تعود.

7 - لم تعد الملكية بالتالي مجرد حق خالص لصاحبها, ولا مزية في ذاتها تتحرر بموجبها من القيود, وإنما تتقيد بما لولي الأمر من سلطة في مجال تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية في نطاقها, وهي مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال أو إدارتها متخذا وجهة تناقض مصلحة الجماعة أو تخل بمصلحة للغير أولى بالاعتبار, ومن ثم جاز لولي الأمر رد الضرر البين الفاحش, واختيار أهون الضررين إذا تزاحما لدفع أعظمهما, كذلك فإن العمل على دفع الضرر قدر الإمكان هو مما ينعقد لولي الأمر بشرط ألا يزال الضرر بمثله, ويندرج تحت ذلك القبول بالضرر الخاص لرد ضرر عام.

8 - ينبغي أن يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المصالح ولا تتنافر, ذلك أن الملكية خلافة, وهي باعتبارها كذلك تضبطها وظيفتها الاجتماعية التي تعكس بالقيود التي تفرضها على الملكية الحدود المشروعة لممارسة مكناتها, وهي حدود يجب التزامها, لأن العدوان عليها يخرج الملكية عن دائرة الحماية التي كفلها لها الدستور.

9 - إن المشرع رغبة منه في تحقيق التوازن بين أوضاع المؤجرين والمستأجرين في ظل أزمة الإسكان المحتدمة, أوجب على المؤجر تكليف المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة في ذمته, بإحدى الوسيلتين المبينتين بالنص, أي بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف, أو بإعلان على يد محضر, كما أوجب كذلك أن يكون التكليف بالوفاء سابقا على رفع دعوى الإخلاء بخمسة عشر يوما, والغاية من ذلك التكليف هو إعذار المستأجر بأداء المتأخر في ذمته من الأجرة, ووضعه وضع المتأخر في تنفيذ التزامه, وإثبات ذلك في حقه, مما مفاده أن رفع دعوى الإخلاء دون تكليف بالوفاء أو قبل انقضاء المهلة المشار إليها, يترتب عليه عدم قبولها لعدم استيفائها لأوضاعها الشكلية.

10 - إذا كان المشرع قد أجاز للمستأجر توقي القضاء بإخلاء العين المؤجرة له بسبب تأخره في سداد الأجرة, فقد قابل ذلك بإلزام المستأجر بأداء الأجرة المستحقة عليه وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية, قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى, وهو أمر يدخل تقريره في نطاق سلطة المشرع في تنظيم حق الملكية تمكينا لها من أداء وظيفتها الاجتماعية, دون أن يخالف في ذلك مبادئ الشريعة الإسلامية أو الأسس التي تقوم عليها, بل كفل هذا التنظيم المواءمة بين المصالح المتعارضة والتوفيق بينها بما يحقق صالح الجماعة ككل, ودون مساس بحقوق المؤجر في ناتج ملكه, كما التزم الإطار الدستوري لسلطة المشرع في تنظيم حق التقاضي الذي كفلته المادة (68) من الدستور, دون أن ينال من هذا الحق سواء في محتواه أو مقاصده.

11 - مبدأ تكافؤ الفرص الذي تكفله الدولة للمواطنين كافة وفقا لنص المادة (8) من الدستور, فهو في غير محله, ذلك أن مضمون هذا المبدأ - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها, وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها.

12 - مبدأ مساواة المواطنين لدى القانون لا يعني - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة, كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها, ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية, بما مؤداه: أنه كلما كان القانون مغايرا بين أوضاع أو مراكز أو أشخاص لا تتحد واقعا فيما بينها, وكان تقديره في ذلك قائما على أسس موضوعية, مستهدفا غايات لا نزاع في مشروعيتها, وكافلا وحدة القاعدة القانونية في شأن من تتماثل مراكزهم القانونية, بما لا يجاوز متطلبات تلك الغايات, كان واقعا في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع, غير مصادم في ذلك لمبدأ المساواة.

13 - العلاقات الإيجارية الخاضعة لأحكام القانون رقم 136 لسنة 1981 تستقل بأحكامها ونظامها القانوني عن تلك التي تخضع لأحكام القانون رقم 4 لسنة 1996, وتنشأ - بالتالي - عن كل منهما مراكز قانونية تتباين عن المراكز القانونية التي تنشأ عن الآخر.

--------------

الوقائع

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي وآخر كانا قد أقاما الدعوى رقم 9068 لسنة 1996 مدني كلي، أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية، ضد المدعى عليه الخامس، بطلب الحكم بتقرير الفسخ الاتفاقي الذي وقع بقوة القانون طبقاً للبند رقم (6) من عقد الإيجار المؤرخ 13/5/1978، وإخلائه من الشقة محل النزاع وتسليمها لهما، وذلك على سند من القول أنه بموجب عقد الإيجار المؤرخ 13/5/1978 استأجر المدعى عليه الخامس من المدعي العين محل التداعي لاستعمالها سكناً خاصاً له، وقد تضمن عقد الإيجار النص في البند رقم (6) منه على أنه "في حالة التأخير في دفع أي قسط من الإيجار في ميعاد استحقاقه يفسخ العقد فوراً من تلقاء نفسه وبدون حاجة لتنبيه أو إنذار، ويحق للمؤجر رفع دعوى ضد المستأجر أمام قاضي الأمور المستعجلة الذي يحكم بالإخلاء بمجرد التثبت من التأخير في الدفع إذ يعتبر المستأجر في هذه الحالة غاصباً للمكان وشاغلاً له بدون سند ..... "، وإذ تأخر المستأجر في سداد القيمة الإيجارية عن المدة من أول فبراير سنة 1995 حتى نهاية شهر مايو سنة 1996، فقد اعتبر عقد الإيجار مفسوخاً بقوة القانون، إعمالاً للشرط الفاسخ الصريح، وحق للمؤجر الالتجاء إلى القضاء الموضوعي لتقرير هذا الفسخ وإثباته، دون الالتفات إلى قيام المستأجر بموجب إنذار العرض المؤرخ 5/6/1996 بعرض الإيجار المتأخر على المؤجر، لوقوعه بعد تحقق الشرط الفاسخ الصريح. وخلص المدعي إلى طلب الحكم له بطلباته المتقدمة. وأثناء نظر الدعوى دفع المدعي بعدم دستورية نص البند (ب) من المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981، وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع، وصرحت له برفع الدعوى الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
بتاريخ 29 مارس سنة 1997، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، بطلب الحكم بعدم دستورية نص البند (ب) من المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

--------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 تنص على أنه "لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأحد الأسباب الآتية:-
(أ) .........................
(ب) إذا لم يقم المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تكليفه بذلك بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف، أو بإعلان على يد محضر، ولا يحكم بالإخلاء إذا قام المستأجر قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى بأداء الأجرة وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية.
ولا ينفذ حكم القضاء المستعجل بطرد المستأجر من العين بسبب التأخير في سداد الأجرة إعمالا للشرط الفاسخ الصريح إذا ما سدد المستأجر الأجرة والمصاريف والأتعاب عند تنفيذ الحكم وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر.
فإذا تكرر امتناع المستأجر أو تأخره في الوفاء بالأجرة المستحقة دون مبررات تقدرها المحكمة حكم عليه بالإخلاء أو الطرد بحسب الأحوال".
وحيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بحكمها الصادر بجلسة 6/2/1999 في القضية رقم 81 لسنة 19 قضائية "دستورية" بعدم دستورية عجز الفقرة الثانية من البند (ب) من المادة (18) سالفة الذكر فيما نص عليه من أنه "وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر"، ونشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية بعددها رقم (7) بتاريخ 18/2/1999، وكان مقتضى نص المادتين (48، 49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة، باعتباره قولاً فصلاً في المسألة المقضي فيها، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد، فإن الخصومة في الدعوى الراهنة بالنسبة للنص المتقدم تغدو منتهية.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع. وكان المدعي قد أقام ضد المدعى عليه الخامس دعوى موضوعية أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية، بطلب إعمال الشرط الفاسخ الصريح الذي تضمنه عقد الإيجار المؤرخ 13/5/1978، والذي يعتبر بمقتضاه العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى تنبيه أو إنذار، إذا تأخر المستأجر في سداد أي قسط من الإيجار في ميعاد استحقاقه، كما طلب المدعي إخلاء المستأجر - المدعى عليه الخامس في الدعوى الماثلة - من عين النزاع وتسليمها له إعمالاً لهذا الشرط، لتأخره في سداد الإيجار المستحق عن المدة من أول فبراير سنة 1995 وحتى نهاية شهر مايو سنة 1996. وكان المدعى عليه الخامس قد دفع أمام محكمة الموضوع بعدم قبول الدعوى لعدم تكليفه بالوفاء طبقاً لما نص عليه البند (ب) من المادة (18) سالفة الذكر، فضلاً عن قيامه بعرض الإيجار المتأخر على المؤجر بموجب إنذار العرض المؤرخ 5/6/1996، وإيداعه خزانة المحكمة المختصة في 6/6/1996، قبل رفع الدعوى الموضوعية في 15/7/1996، فإن نطاق الدعوى الراهنة والمصلحة فيها - في ضوء ذلك - تكون متحققة بالنسبة لنص الفقرة الأولى من البند (ب) من المادة (18) المشار إليها، الذي ينص على أن "إذا لم يقم المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تكليفه بذلك بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف، أو بإعلان على يد محضر، ولا يحكم بالإخلاء إذا قام المستأجر قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى بأداء الأجرة وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية"، دون باقي أحكام هذا البند بحسبان أن تضمن عقد الإيجار شرطاً فاسخاً صريحاً لا يغني عن التقيد بما أوجبه النص المشار إليه على المؤجر من تكليف المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة في ذمته خلال مدة معينة كشرط لقبول دعوى الإخلاء، وعدم إجازته الحكم بالإخلاء متى قام المستأجر قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى بأداء الأجرة المستحقة عليه وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية، ومن ثم يكون للقضاء في المسألة الدستورية المتعلقة بهذا النص في حدود نطاقه المتقدم أثره وانعكاسه على الدعوى الموضوعية والطلبات المعروضة بها وقضاء المحكمة فيها.
وحيث إنه عن نعي المدعي مخالفة النص الطعين للمادتين (24/3، 27) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، فهو مردود بأن الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة في شأن دستورية النصوص القانونية - على ما جرى به قضاؤها - مناطها مخالفة تلك النصوص لقاعدة تضمنها الدستور، ولا شأن لها بالتعارض بين نصين قانونيين، ما لم يكن هذا التعارض منطوياً بذاته على مخالفة دستورية.
وحيث إن المدعي ينعي على النص الطعين مخالفته لمبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية يقضي باحترام إرادة المتعاقدين في العقود والوفاء بها، وكذا مخالفته لنصوص المواد (4، 7، 8، 25، 34، 40) من الدستور، بما تضمنه من إخلال بالتوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية، وانحيازه لطائفة من المواطنين هم المستأجرون دون غيرهم، وحرمانه المؤجرين من دخلهم المشروع، وتعطيل انتفاعهم بملكهم، فضلاً عن تعطيله إرادة المتعاقدين في فسخ العقد بقوة القانون في حالة عدم الوفاء بالأجرة في مواعيدها القانونية، وتكريسه للتباين في المعاملة القانونية بين المخاطبين بالنص الطعين والمخاطبين بأحكام القانون رقم 4 لسنة 1996 بشأن سريان أحكام القانون المدني على الأماكن التي لم يسبق تأجيرها والأماكن التي انتهت أو تنتهي عقود إيجارها دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها.
وحيث إنه عن النعي بمخالفة النص المطعون فيه للمواد ( 2، 4، 7، 25، 34) من الدستور فهو مردود، ذلك أن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن النص في المادة (2) من الدستور بعد تعديلها عام 1980 على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع "يدل على أنه لا يجوز لنص تشريعي يصدر في ظله أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها معاً، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يمتنع الاجتهاد فيها، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية ثوابتها التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً، أما الأحكام غير القطعية في ثبوتها أو في دلالتها أو فيهما معاً، فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لمواجهة تغير الزمان والمكان، وتطور الحياة وتنوع مصالح العباد. إذ كان ذلك، وكان الحكم قطعي الثبوت في شأن العقود كافة هو النص في القرآن الكريم "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" "الآية رقم (1) من سورة المائدة"، وكان الفقهاء قد اختلفوا في تحديد المراد بالعقود في تفسير الآية الكريمة، ونضحت كتب التفسير بهذا الاختلاف الذي كشف عن ظنية دلالة النص، بالرغم من قطعية ثبوته، كما اختلف الفقهاء كذلك بالنسبة لأحكام عقد الإيجار وشروطه ومدته، وإذ كان ذلك فإن المشرع بالنص الطعين - من هذه الوجهة - لا يكون قد خرج عن دائرة الاجتهاد - ومن ثم لم يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.
وحيث إنه - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - فإن الملكية في إطار النظم الوضعية لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها، ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التي تتطلبها وظيفتها الاجتماعية، وهي وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكماً، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية والأغراض التي ينبغي رصدها عليها، على ضوء واقع اجتماعي معين وفي بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها، وفي إطار هذه الدائرة، وتقيداً بتخومها، يفاضل المشرع بين البدائل، ويرجح على ضوء الموازنة التي يجريها ما يراه من المصالح أجدر بالحماية وأولى بالرعاية وفقاً لأحكام الدستور، مستهدياً في ذلك بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة بذاتها من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة، ولا مخالفة في ذلك للشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تبديل فيها، إذ الأصل أن الأموال جميعها مضافة إلى الله تعالى، فهو الذي خلقها وإليه تعود، وقد عهد إلى عباده عمارة الأرض وهم مسئولون عما في أيديهم من الأموال باعتبارهم مستخلفين فيها لقوله تعالى "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "الآية رقم (7) من سورة الحديد"، ولم تعد الملكية بالتالي مجرد حق خالص لصاحبها، ولا مزية في ذاتها تتحرر بموجبها من القيود، وإنما تتقيد بما لولي الأمر من سلطة في مجال تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية في نطاقها، وهي مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال أو إدارتها متخذاً وجهة تناقض مصلحة الجماعة أو تخل بمصلحة للغير أولى بالاعتبار، ومن ثم جاز لولي الأمر رد الضرر البين الفاحش، واختيار أهون الضررين إذا تزاحما لدفع أعظمهما، كذلك فإن العمل على دفع الضرر قدر الإمكان هو مما ينعقد لولي الأمر بشرط ألا يزال الضرر بمثله، ويندرج تحت ذلك القبول بالضرر الخاص لرد ضرر عام . وينبغي من ثم أن يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المصالح ولا تتنافر، ذلك أن الملكية خلافة، وهي باعتبارها كذلك تضبطها وظيفتها الاجتماعية التي تعكس بالقيود التي تفرضها على الملكية الحدود المشروعة لممارسة مكناتها، وهي حدود يجب التزامها، لأن العدوان عليها يخرج الملكية عن دائرة الحماية التي كفلها لها الدستور.
وحيث إن البين من النص الطعين أن المشرع رغبة منه في تحقيق التوازن بين أوضاع المؤجرين والمستأجرين في ظل أزمة الإسكان المحتدمة، أوجب على المؤجر تكليف المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة في ذمته، بإحدى الوسيلتين المبينتين بالنص، أي بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف، أو بإعلان على يد محضر، كما أوجب كذلك أن يكون التكليف بالوفاء سابقاً على رفع دعوى الإخلاء بخمسة عشر يوماً، والغاية من ذلك التكليف هو إعذار المستأجر بأداء المتأخر في ذمته من الأجرة، ووضعه وضع المتأخر في تنفيذ التزامه، وإثبات ذلك في حقه، مما مفاده أن رفع دعوى الإخلاء دون تكليف بالوفاء أو قبل انقضاء المهلة المشار إليها، يترتب عليه عدم قبولها لعدم استيفائها لأوضاعها الشكلية. هذا وإذ كان النص المطعون فيه قد أجاز للمستأجر توقي القضاء بإخلاء العين المؤجرة له بسبب تأخره في سداد الأجرة، فقد قابل ذلك بإلزام المستأجر بأداء الأجرة المستحقة عليه وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية، قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى، وهو أمر يدخل تقريره في نطاق سلطة المشرع في تنظيم حق الملكية تمكيناً لها من أداء وظيفتها الاجتماعية، دون أن يخالف في ذلك مبادئ الشريعة الإسلامية أو الأسس التي تقوم عليها، بل كفل هذا التنظيم المواءمة بين المصالح المتعارضة والتوفيق بينها بما يحقق صالح الجماعة ككل، ودون مساس بحقوق المؤجر في ناتج ملكه، كما التزم الإطار الدستوري لسلطة المشرع في تنظيم حق التقاضي الذي كفلته المادة (68) من الدستور، دون أن ينال من هذا الحق سواء في محتواه أو مقاصده، الأمر الذي يضحى معه النعي بمخالفة النص المطعون فيه للمواد (2، 4، 7، 25، 34) من الدستور غير سديد حقيقاً بالالتفات عنه.
وحيث إنه عن نعي المدعي مخالفة النص الطعين لمبدأ تكافؤ الفرص الذي تكفله الدولة للمواطنين كافة وفقاً لنص المادة (8) من الدستور، فهو في غير محله، ذلك أن مضمون هذا المبدأ - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها، وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها، وهو ما لا محل له في نطاق النص الطعين.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من مخالفة النص الطعين لمبدأ المساواة المقرر بنص المادة (40) من الدستور، فمردود أيضاً، ذلك أن مبدأ مساواة المواطنين لدى القانون لا يعني - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية، بما مؤداه: أنه كلما كان القانون مغايراً بين أوضاع أو مراكز أو أشخاص لا تتحد واقعاً فيما بينها، وكان تقديره في ذلك قائماً على أسس موضوعية، مستهدفاً غايات لا نزاع في مشروعيتها، وكافلاً وحدة القاعدة القانونية في شأن من تتماثل مراكزهم القانونية، بما لا يجاوز متطلبات تلك الغايات، كان واقعاً في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع، غير مصادم في ذلك لمبدأ المساواة. إذ كان ذلك، وكان النص الطعين لم يقم تمييزاً بين المخاطبين بأحكامه المتكافئة مراكزهم القانونية، وكانت العلاقات الإيجارية الخاضعة لهذا النص تستقل بأحكامها ونظامها القانوني عن تلك التي تخضع لأحكام القانون رقم 4 لسنة 1996 المشار إليه، وتنشأ - بالتالي - عن كل منهما مراكز قانونية تتباين عن المراكز القانونية التي تنشأ عن الآخر، وبالتالي فإن نعي المدعي مخالفة النص المطعون فيه لمبدأ المساواة يكون في غير محله.
وحيث إن النص الطعين لا يتعارض مع أحكام الدستور من أوجه أخرى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 107 لسنة 27 ق جلسة 8 / 10 / 2006 دستورية عليا مكتب فني 12 ج 1 دستورية ق 9 ص 86

جلسة 8 من أكتوبر سنة 2006
برئاسة السيد المستشار/ ماهر عبد الواحد رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله وأنور رشاد العاصي وإلهام نجيب نوار وسعيد مرعي عمرو نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن أمين السر

----------------

(9)

القضية 107 لسنة 27 ق "دستورية"

(1) المحكمة الدستورية العليا – ولايتها.
عهد الدستور بنص المادة (175) منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون. وبناء على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة، مبينا اختصاصاتها، محددا ما يدخل في ولايتها حصرا، مستبعدا من مهامها ما لا يندرج تحتها.

(2) بنك مصر – طبيعته القانونية.
التنظيم التشريعي لبنك مصر – على ضوء أحكام المادتين الأولى والثانية من قرار رئيس الجمهورية رقم 872 لسنة 1965 في شأن بعض الأحكام الخاصة بالبنوك – يدل على أن ذلك البنك شركة مساهمة.

------------------

1 - الدستور قد عهد - بنص المادة (175) منه - إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها, بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون. وبناء على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة, مبينا اختصاصاتها, محددا ما يدخل في ولايتها حصرا, مستبعدا من مهامها ما لا يندرج تحتها, فخولها اختصاصا منفردا بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح, مانعا أي جهة من مزاحمتها فيه, مفصلا طرائق هذه الرقابة وكيفيتها, وذلك ضمانا منه لمركزية الرقابة على الشرعية الدستورية, وتأمينا لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها, وصولا من بعد إلى بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور, بما يكفل تكاملها وتجانسها, مؤكدا أن اختصاص هذه المحكمة - في مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية - ينحصر في النصوص التشريعية, أيا كان موضوعها, أو نطاق تطبيقها أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها. فلا تنبسط ولايتها في شأن الرقابة القضائية على الدستورية, إلا على القانون بمعناه الموضوعي, باعتباره منصرفا إلى النصوص القانونية التي تتولد عنها مراكز عامة مجردة, سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة التشريعية, أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها, وأن تنقبض عما سواها.

2 - التنظيم التشريعي لبنك مصر - على ضوء أحكام المادتين الأولى والثانية من قرار رئيس الجمهورية رقم 872 لسنة 1965 في شأن بعض الأحكام الخاصة بالبنوك - يدل على أن ذلك البنك شركة مساهمة, يضع مجلس إدارة البنك المركزي المصري نظامها الأساسي, وتتم إدارتها وفقا للقواعد السارية في المنشآت المصرفية العادية, دون تقيد بالنظم والقواعد الإدارية المعمول بها في مصالح الحكومة ومؤسساتها العامة, وهي تزاول دون أي قيد جميع العمليات العادية, وذلك بالشروط, وفي الحدود التي تخضع لها البنوك التجارية, وفقا لأحكام القانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان.

----------------

الوقائع

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى، وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعية كانت قد أقامت الدعوى رقم 232 لسنة 2004 عمال كلي أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية، بطلب الحكم بحساب المدة من 18/12/1984 حتى 31/10/1990 ضمن مدة الخدمة المقررة للترقية، وإدراج العلاوة الدورية المستحقة عنها ضمن مفردات المرتب، وإعادة التسوية الحسابية بناءً على ذلك. وأثناء نظر الدعوى دفعت المدعية بعدم دستورية اللائحة العامة للعاملين ببنك مصر، وكذا البند (ب) من المادة 73 من اللائحة المشار إليها، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعية برفع دعواها الدستورية، فقد أقامت الدعوى الماثلة.

بتاريخ الخامس عشر من مايو سنة 2005، أودعت المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم:- أصلياً: بعدم دستورية اللائحة العامة للعاملين ببنك مصر، الصادرة بقرار مجلس الإدارة، تنفيذاً لأحكام القانون رقم 120 لسنة 1975 بشأن البنك المركزي المصري والجهاز المصرفي. واحتياطياً: بعدم دستورية نصي الفقرتين الخامسة والسادسة من البند (ب) من المادة (73) من اللائحة المشار إليها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً: بعدم قبول الدعوى، واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

--------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الدستور قد عهد – بنص المادة (175) - إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون. وبناءً على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة، مبيناً اختصاصاتها، محدداً ما يدخل في ولايتها حصراً، مستبعداً من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً أي جهة من مزاحمتها فيه، مفصلاً طرائق هذه الرقابة وكيفيتها، وذلك ضماناً منه لمركزية الرقابة على الشرعية الدستورية، وتأميناً لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها، وصولاً من بعد إلى بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور، بما يكفل تكاملها وتجانسها، مؤكداً أن اختصاص هذه المحكمة - في مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية - ينحصر في النصوص التشريعية، أياً كان موضوعها، أو نطاق تطبيقها أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها. فلا تنبسط ولايتها في شأن الرقابة القضائية على الدستورية، إلا على القانون بمعناه الموضوعي، باعتباره منصرفاً إلى النصوص القانونية التي تتولد عنها مراكز عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة التشريعية، أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها؛ وأن تنقبض عما سواها.
وحيث إن التنظيم التشريعي لبنك مصر - على ضوء أحكام المادتين الأولى والثانية من قرار رئيس الجمهورية رقم 872 لسنة 1965 في شأن بعض الأحكام الخاصة بالبنوك - يدل على أن ذلك البنك شركة مساهمة، يضع مجلس إدارة البنك المركزي المصري نظامها الأساسي، وتتم إدارتها وفقاً للقواعد السارية في المنشآت المصرفية العادية، دون تقيد بالنظم والقواعد الإدارية المعمول بها في مصالح الحكومة ومؤسساتها العامة، وهي تزاول دون أي قيد جميع العمليات العادية، وذلك بالشروط، وفي الحدود التي تخضع لها البنوك التجارية، وفقاً لأحكام القانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان.
وقد أسند البند (ج) من المادة 19 من القانون رقم 120 لسنة 1975 في شأن البنك المركزي والجهات المصرفية – الذي حل محل القانون رقم 163 لسنة 1957 - إلى مجلس إدارة كل بنك من البنوك التجارية – ومن بينها البنك المدعى عليه - وضع اللوائح المتعلقة بنظم العاملين ومرتباتهم وأجورهم والمزايا والبدلات الخاصة بهم، غير مقيد في ذلك بالقواعد والنظم المعمول بها في شأن العاملين المدنيين بالدولة أو القطاع العام.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه صادراً عن أحد أشخاص القانون الخاص التي تتولى – في نطاق أغراضها - إدارة الشئون المصرفية بوسائل ليس لها من صلة بوسائل السلطة العامة أو وشيجة بامتيازاتها، وبما يتلاءم وطبيعة المشروع الخاص؛ ولا تربطها بالتالي بالمتعاملين معها، أو العاملين بها، علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح؛ بل مرد شئون هؤلاء إلى قواعد قانون عقد العمل، وما يكملها من قواعد خاصة، ولو تدخل المشرع لتنظيم بعض جوانبها بقواعد آمرة، إذ لا تتولد عن مثله، أية قاعدة قانونية بما تتناولها الرقابة القضائية على الدستورية، ومن ثم فإنه لا يعد قراراً لائحياً، مما يستنهض ولاية هذه المحكمة للفصل في عدم دستوريته.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعية المصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

القضية 16 لسنة 27 ق جلسة 8 / 10 / 2006 دستورية عليا مكتب فني 12 ج 1 دستورية ق 7 ص 72

جلسة 8 من أكتوبر سنة 2006
برئاسة السيد المستشار/ ماهر عبد الواحد رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح والدكتور/ حنفي علي جبالي وماهر سامي يوسف نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن أمين السر

---------------

(7)

القضية 16 لسنة 27 ق "دستورية"

(1) دعوى دستورية – المصلحة الشخصية المباشرة – غايتها – مفهومها – حالات انتفاؤها.
شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها في تلك الخصومة القضائية ويحدد نطاقها، فلا تمتد لغير المطاعن التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعي، وبالقدر اللازم للفصل فيه.

(2) المحكمة الدستورية العليا – نطاق إعمال رقابتها القضائية.
الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا تدور وجودا وعدما مع الأضرار التي يدعي بوقوعها فعلا أو احتمالا، متى كانت تلك الأضرار تستقل بعناصرها، وممكنا إدراكها لتكون لها ذاتيتها.

(3) دعوى دستورية – المصلحة الشخصية المباشرة – مناطها.
المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية.

-----------------

1 - شرط المصلحة الشخصية المباشرة, يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية, وليس من معطياتها النظرية, أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها في تلك الخصومة القضائية ويحدد نطاقها, فلا تمتد لغير المطاعن التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعي, وبالقدر اللازم للفصل فيه, ومؤداه: ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء تطبيق النص المطعون فيه عليهم, سواء أكان الضرر قد وقع فعلا أم وشيكا يتهددهم. ويتعين دوما أن يكون هذا الضرر منفصلا عن مجرد مخالفة النص الطعين للدستور, أما إذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلا على من ادعى مخالفته لحكم في الدستور أو كان من غير المخاطبين بأحكامه, أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه, دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة.

2 - الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا تدور وجودا وعدما مع الأضرار التي يدعى بوقوعها فعلا أو احتمالا, متى كانت تلك الأضرار تستقل بعناصرها, وممكنا إدراكها لتكون لها ذاتيتها, ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهما أو منتحلا أو مجردا أو يقوم على الافتراض أو التخمين.

3 - المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية, وذلك بأن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازما للفصل في النزاع الموضوعي.

---------------

الوقائع

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليها الخامسة كانت قد أقامت ضد المدعي الدعوى رقم 11694 لسنة 1995 مدني كلي أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية طالبة الحكم، أصلياً: بإلزامه بتنفيذ عقد الاتفاق المؤرخ 22/2/1995 تنفيذاً عينياً، واحتياطياً: بفسخ العقد المذكور مع إلزامه بالتعويض الاتفاقي بما يعادل 30% من قيمة العقد؛ ومن جهة أخرى أقام المدعي الدعوى رقم 28 لسنة 1996 مدني كلي أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية ضد الشركة المذكورة طالباً الحكم ببطلان العقد المشار إليه ورد ما سدده من مقدم الثمن، وكذا رد الشيكات المحررة بالباقي منه، وبعد أن قررت تلك المحكمة ضم الدعويين للارتباط، قضت فيهما بجلسة 30/3/1996 ببطلان العقد لمخالفته أحكام القانون رقم 81 لسنة 1976 بتنظيم تملك غير المصريين للعقارات المبنية والأراضي الفضاء. وإذ لم يرتض المدعي هذا القضاء فقد طعن عليه بالاستئناف رقم 8773 لسنة 113 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة طالباً الحكم برد المبلغ السابق سداده والشيكات التي أغفل الحكم الابتدائي القضاء بردها، كما تقدم بطلب إلى محكمة شمال القاهرة الابتدائية للفصل في الطلب الذي أغفلته عملاً بالمادة (193) من قانون المرافعات، فقضت المحكمة الأخيرة برفضه، فطعن على هذا القضاء بالاستئناف رقم 205 لسنة 1 قضائية أمام محكمة استئناف القاهرة، وبعد أن ضمت محكمة الاستئناف الدعويين للارتباط، قضت بجلسة 2/1/2002 في موضوع الاستئناف الأول برفضه وفي الاستئناف الثاني بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من رفض طلب رد مقدم الثمن، والقضاء مجدداً برد هذا المقدم، وتأييده فيما عدا ذلك. وإذ لم يلق القضاء الأخير قبول الشركة المدعى عليها الخامسة، فقد أقامت الطعن رقم 1282 لسنة 72 قضائية أمام محكمة النقض. وبجلسة 26/3/2003 قضت تلك المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة الاستئناف رقم 205 لسنة 1 قضائية إلى محكمة استئناف القاهرة، حيث قام المدعي بتعجيله، وتحدد لنظره جلسة 14/3/2004، وبهذه الجلسة دفعت الشركة المدعى عليها الخامسة بسقوط التعجيل إعمالاً لنص المادة (134) من قانون المرافعات، وإذ دفع المدعي بعدم دستورية ذلك النص، قررت المحكمة بجلسة 15/12/2004 تأجيل نظر الدعوى لجلسة 13/1/2005 ليقيم المدعي دعواه الدستورية فأقام الدعوى الماثلة.
بتاريخ الثاني عشر من يناير سنة 2005، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة (134) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

-------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن المادة (134) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968 تنص على أن: "لكل ذي مصلحة من الخصوم في حالة عدم السير في الدعوى بفعل المدعي أو امتناعه أن يطلب الحكم بسقوط الخصومة متى انقضت ستة أشهر من آخر إجراء صحيح من إجراءات التقاضي".
وحيث إن المدعي ينعى على النص الطعين إخلاله بمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (40) من الدستور، ذلك أنه مايز بين الخصوم أصحاب المراكز القانونية المتساوية دون سبب موضوعي يبرر هذا التمييز، إذ أجاز للخصم أن يعجل دعواه خلال ستة أشهر من تاريخ آخر إجراء صحيح تم في الدعوى، في حين حظر على الخصم الآخر التمسك بسقوط الخصومة قبل مضي سنة من ذات الإجراء، كما أنه يُخل بحق التقاضي الذي كفلته المادة (68) من الدستور بالرغم من أن عدم السير في الدعوى لا يرجع لفعل المدعي وإنما لتقاعس قلم كتاب محكمة النقض عن إرسال ملف الدعوى إلى محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد.
وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها في تلك الخصومة القضائية ويحدد نطاقها، فلا تمتد لغير المطاعن التي يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعي، وبالقدر اللازم للفصل فيه، ومؤداه: ألا تُقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء تطبيق النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان الضرر قد وقع فعلاً أم وشيكاً يتهددهم. ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص الطعين للدستور، أما إذا لم يكن هذا النص قد طُبق أصلاً على من ادعى مخالفته لحكم في الدستور أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة.
وحيث إن الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا تدور وجوداً وعدماً مع الأضرار التي يُدعى بوقوعها فعلاً أو احتمالاً، متى كانت تلك الأضرار تستقل بعناصرها، وممكناً إدراكها لتكون لها ذاتيتها، ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهماً أو منتحلاً أو مجرداً أو يقوم على الافتراض أو التخمين. والتزاماً بما تقدم جرى قضاء هذه المحكمة على أن المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازماً للفصل في النزاع الموضوعي.
وحيث إن نصوص قانون المرافعات المدنية والتجارية تُكمل بعضها بعضاً، ومن ثم فإن نص المادة (134) منه – النص الطعين – يتعين أن يُقرأ مع نص المادة (136) من ذات القانون، واللذين إنتظمهما الفصل الثالث من الباب السابع من القانون المشار إليه الذي يحكم حالات وقف الخصومة وانقطاعها وسقوطها وانقضائها، والذي يقضي بأن "يقدم طلب الحكم بسقوط الخصومة إلى المحكمة المقامة أمامها الدعوى المطلوب إسقاط الخصومة فيها بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى.
ويجوز التمسك بسقوط الخصومة في صورة دفع إذا عجل المدعي دعواه بعد انقضاء السنة"، ومفاد ذلك أن لكل ذي مصلحة من الخصوم أن يسلك أحد طريقين إذا أهمل خصمه السير في الدعوى أو امتنع عن السير فيها مدة ستة أشهر من تاريخ آخر إجراء صحيح فيها، أولهما: طريق الطلب الذي يقدم إلى المحكمة المقامة أمامها الدعوى المطلوب إسقاط الخصومة فيها بصحيفة تودع قلم كتاب تلك المحكمة ويتم إعلان خصمه بها، وثانيهما: طريق الدفع بسقوط الخصومة إذا ما عجل المدعي دعواه بعد انقضاء مدة السنة المنصوص عليها في المادة (136) من قانون المرافعات، على أنه في الحالين يشترط انقضاء مدة ستة أشهر من آخر إجراء صحيح تم اتخاذه في الدعوى، بما مؤداه: أن الخصم ذا المصلحة إذا أراد ولوج الطريق الهجومي كي يرد على خصمه الآخر قصده تعطيل الفصل في الخصومة فعليه أن يسلك طريق الدعوى المبتدأة، أما إذا كان مشاركا في هذا الأمر، فلا يكون أمامه إلا أن يعتصم بطريق الدفع بسقوط الخصومة إذ ما عُجلت الدعوى بعد انقضاء سنة من تاريخ آخر إجراء صحيح فيها.
وحيث إن الثابت من ملف الدعوى الموضوعية أن الخصم الذي تمسك بسقوط الخصومة – المدعى عليها الخامسة – آثر أسلوب الدفع دون طريق الدعوى الأصلية، وقد تمسك بهذا الدفع بجلسة 14/3/2004 ولم تمض مدة سنة على آخر إجراء صحيح اتخذ في الدعوى وهو حكم محكمة النقض في الطعن رقم 1282 لسنة 72 قضائية الصادر بجلسة 26/3/2003، ومن ثم فإن الدفع بسقوط الخصومة في الدعوى الموضوعية يكون غير مقبول لتخلف شرائطه المنصوص عليها في قانون المرافعات، ولا يكون بالتالي للخصم الذي آثار الدفع بعدم الدستورية باعتباره الخصم الذي عجل الدعوى في الميعاد المقرر قانوناً أية مصلحة شخصية ومباشرة في القضاء بعدم دستورية النص الطعين، مما يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى الماثلة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.