المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۸ / ۳ / ۲۰۲٦
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت السابع مــــن مارس سنة 2026م،الموافق السابع عشر من رمضان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 98 لسنة 43 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح بحكمها الصادر بجلسة 24/4/2021، ملف الدعوى رقم 3995 لسنة 67 قضائية
المقامة من
مجدي عبد الخالق هندي
ضــد
1- وزيــر الماليــــة
2- محافظ الإسكندرية
3- رئيس مصلحة الضرائب المصرية
--------------
الإجراءات
بتاريخ السادس عشر من ديسمبر سنة 2021، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 3995 لسنة 67 قضائية، نفاذًا لحكم المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح، الصادر بجلسة 24/4/2021، بوقف الدعوى، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، ونص المادة (64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
--------------
المحكمـــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن المدعي في الدعوى الموضوعية أقام دعواه التي آل قيدها أمام المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح برقم 3995 لسنة 67 قضائية، ضد المدعى عليهم، طالبًا الحكم بأحقيته في صرف نصف أجره عن مدة حبسه احتياطيًّا على ذمة القضية رقم 5971 لسنة 2014 جنايات سيدي جابر، وأحقيته في صرف الحافز العام والإضافي عن تلك المدة؛ وذلك على سند من أنه كان يشغل وظيفة مأمور ضرائب بمصلحة الضرائب بالإسكندرية، وتم اتهامه جنائيًّا بانضمامه إلى جماعة أسست على خلاف القانون، وتم حبسه احتياطيًّا خلال الفترة من 6/9/2013 إلى 21/12/2016، على ذمة تلك القضية، التي قضي فيها بجلسة 15/12/2016، ببراءته مما نسب إليه من اتهامات، وصار ذلك الحكم نهائيًّا بعدم الطعن عليه. وإذ طلب المدعي صرف نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه احتياطيًّا والحوافز المستحقة له وكافة المبالغ المالية التي صرفت لزملائه في العمل؛ أثرًا للقضاء النهائي ببراءته من الاتهامات المسندة إليه في تلك القضية، فقد رفضت جهة الإدارة طلبه؛ استنادًا إلى نص المادتين (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، و(64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016. وإذ تراءى لمحكمة الموضوع أن نص المادتين المشار إليهما، فيما تضمنتاه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا، أو تنفيذًا لحكم جنائي غير نهائي من الحصول على نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه الاحتياطي، ولو لم تثبت مسئوليته الجنائية أو التأديبية، يخالف نصوص المواد (53 و95 و96) من الدستور؛ فقد أوقفت نظر الدعوى وأحالت أوراقها إلى هذه المحكمة للفصل في دستوريتهما.
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا سبق أن قضت بجلسة 4/11/2023، في الدعوى رقم 100 لسنة 43 قضائية "دستورية": "بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016، فيما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجـوز الطعن عليه". وقد نُشر الحكم بالجريدة الرسمية - العدد 44 (مكرر) في 4/11/2023. ولما كان مقتضى نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، أن يكون للأحكام والقرارات الصادرة من هذه المحكمة حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة؛ باعتبارها قولًا فصلًا في المسألة المقضي فيها، لا يقبل تأويلًا ولا تعقيبًا، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيها، أو إعادة طرحها عليها من جديد لمراجعتها؛ الأمر الذي يتعين معه الحكم باعتبار الخصومة منتهية في هذا الشق من الدعوى، والاكتفاء بإيراد هذا القضاء في الأسباب دون المنطوق.
وحيث إن المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، تنص على أن "كل موظف يُحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم جنائي يُوقف عن عمله، بقوة القانون مدة حبسه، ويحرم من نصف أجره إذا كان الحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم جنائي غير نهائي، ويُحرم من كامل أجره إذا كان الحبس تنفيذًا لحكم جنائي نهائي.
وإذا لم يكن من شأن الحكم الجنائي إنهاء خدمة الموظف يُعرض أمره عند عودته إلى عمله على السلطة المختصة لتقرير ما يُتبع في شأن مسئوليته التأديبية".
وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية، وهـي شــرط لقبولهـا، مناطها -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة- أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع، ويستوي في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريــــق الدفــــع، أو عن طريق الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هي وحدها التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى الدستورية، للتثبت من شروط قبولها. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الموضوع ينصب على طلب المدعي الحكم بأحقيته في صرف نصف أجره المحروم منه خلال مدة حبسه احتياطيًّا، وذلك لصدور حكم نهائي ببراءته من الاتهامات المسندة إليه، وكان حرمانه من صرف نصف أجره خلال الفترة من 13/3/2015 إلى 20/1/2016، مرده إلى نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية هذا النص يكون ذا أثر وانعكاس أكيد على الدعوى الموضوعية، وقضاء محكمة الموضوع فيها، وتتحقق به المصلحة المباشرة في الدعوى المعروضة، ويتحدد نطاقها فيما تضمنه ذلك النص من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن قرار مجلس النواب رقم 1 لسنة 2016 بعدم الموافقة على قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015 بإصدار قانون الخدمة المدنية، واعتماد نفاذه خلال الفترة من 12/3/2015 إلى 20/1/2016، لا يُعد –في ذاته– عملاً تشريعيًّــا مما يخضع للرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة بمقتضى نص المادة (192) من الدستور، وإنما يُعد عملًا برلمانيًّا يتولاه مجلس النواب، في نطاق الاختصاص المحجوز للمجلس بتقدير عدم ملاءمة إقرار التشريع الاستثنائي واعتماد نفاذه خلال الفترة السابقة؛ كون ذلك يمثل جوهر الولاية التشريعية التي اؤتُمِن عليها، بمقتضى نص المادتين (101 و156) من الدستور، إلا أن ذلك لا يخل بولاية المحكمة الدستورية العليا في بسط رقابتها القضائية على دستورية نصوص القرارات بقوانين، التي لم يتم إقرارها، إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة، شريطة أن يكون لها محل من التطبيق على وقائع الدعوى الموضوعية التي اتصلت بهذه المحكمة من خلال الدعوى الدستورية المعروضة عليها.
وحيث إن النص المحال –في النطاق المتقدم– أقام قرينة قانونية قاطعة على ثبوت مخالفة الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا لالتزامه الوظيفي، وخروجه على مقتضى واجبات وظيفته، بما يوجب مجازاته بالحرمان من نصف أجره خلال مدة حبسه، وهو جزاء لا يجوز سحبه أو إلغاؤه، متى انتفت مسئولية الموظف الجنائية عن الاتهام المنسوب إليه، بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن فيه، حتى ولو لم يشكل الفعل في ذاته مخالفة تأديبية مما تنتظمها أحكام قانون الخدمة المدنية المشار إليه.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد اطرد على أن الدستور هو القانون الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ويحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، بما يحــول دون تدخل أي منها في أعمال السلطة الأخرى أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التي ناطها الدستور بها.
وحيث إن الدستور قد اعتمد بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ العدل، باعتباره إلى جانب مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص أساسًا لبناء المجتمع وصون وحدته الوطنية، يستلهمه المشرع وهو بصدد مباشرة سلطته في التشريع. وإذا كان الدستور -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– قد خلا من تحديد معنى العدالة، فإن المقصود بها ينبغي أن يتمثل فيما يكون حقًّا وواجبًا، سواء في علائق الأفراد فيما بينهم، أو في نطاق صلاتهم بمجتمعهم، بما مؤداه أن العدالة –في غايتها– لا تنفصل علاقاتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفًا إلا إذا كان كافلًا لأهدافها، فإذا ما زاغ المشرع ببصره عنها، وأهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان مُنهيًا للتوافق في مجال تنفيذه، ومسقطًا كل قيمة لوجوده، ومُستوجبًا تغييره أو إلغاءه.
وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد عنيت بتنظيم الوظيفة العامة؛ إذ حرص دستور 1923، ومن بعده دستور 1930، على أن يعهد للمصريين وحدهم بالوظائف العامة، مدنية كانت أو عسكرية، ولا يولى الأجانب هذه الوظائف إلا في أحوال استثنائية يعينها القانون، وأجمعت الدساتير الصادرة سنوات: 1956 و1958 و1964، على أن الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، ويستهدف موظفو الدولة في أداء أعمال وظائفهم خدمة الشعب، واعتبر دستور 1971 الوظائف العامة حقًّا للمواطنين، وتكليفًا للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب، واتخذ دستور سنة 2014 – القائم - من الكفاءة، وعدم المحاباة أو الوساطة أساسًا لحق المواطنين في شغل الوظائف العامة، مع اعتبار شغلهم لها تكليفًا لخدمة الشعب، واعتد بكفالة الدولة حقوقهم وحمايتهم، فلا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبي، إلا في الأحوال التي يحددها القانون، مقابل التزامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب - مبينًا فيما تقدم - الضوابط المتعينة في تنظيم الوظيفة العامة، بداية من طبيعة شغلها بين الحق والتكليف، مرورًا بشروط ذلك الشغل وموانعه، انتهاء بحقوق الشاغلين لها والتزاماتهم، على نحو يضحى معه التزام التنظيم القانوني للوظيفة العامة تلك الضوابط مناطًا لدستوريته، فيما تكون مخالفتها موطئًا لوقوع تنظيمها في حومة العوار الدستوري.
وحيث إن النص في المادة (54) الذي استحدثه الدستور الصادر عام 2014، ضمن باب الحقوق والحريات والواجبات العامة، على أن ينظم القانون حالات استحقاق التعويض، الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه، مؤداه أن التزام الدولة بالتعويض في الأحوال المار بيانها صار أمرًا مقضيًّا، وهو ما انتظمته أحكام قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025، والمرجأ العمل بأحكامه حتى الأول من أكتوبر سنة 2026، مبينًا أحوال التعويض عن الحبس الاحتياطي، والأحوال التي تنتفي فيها المسئولية الجنائية للمحبوس احتياطيًّا بصورة باتة، ومقررًا أن طلب التعويض عن الحبس الاحتياطي يرفع بالطرق المعتادة لرفع الدعاوى، ويتبع في شأن إجراءاته والحكم فيه والطعن عليه القواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية. ولا كذلك الحال لمن حرمه التشريع الذي يحكم العلاقات الوظيفية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، والتي تُعد من علاقات القانون العام، من استئداء نصف أجره الوظيفي المحروم منه خلال مدة حبسه الاحتياطي، فيما لو انتفت مسئوليته الجنائية بصورة نهائية، عن الوقائع التي حُبس عنها؛ إذ يغدو استرداد الموظف نصف أجره الذي حُرم منه -والحال كذلك– بمثابة تعويض عما حاق به من خسارة، تلتزمه الجهة الإدارية التي يعمل بها؛ إنفاذًا للالتزام المنصوص عليه بالمادة (54) من الدستور، فيما يكون حصوله على باقي عناصر التعويض –في حالات استحقاقه– رهنًا بالعمل بأحكام قانون الإجراءات الجنائية سالف الذكر.
وحيث إن افتراض البراءة –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– لا يتمحض عن قرينة قانونية، ولا هو من صورها؛ ذلك أن القرينة القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلي، ممثلًا في الواقعة مصدر الحق المدعى به، إلى واقعة أخرى قريبة منها متصلة بها، وهذه الواقعة البديلة هي التي يُعد إثباتها إثباتًا للواقعة الأولى بحكم القانون. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التي افترضها الدستور؛ فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محل واقعة أخرى وأقامها بديلًا عنها، وإنما يؤسس افتراض البراءة على الفطرة التي جُبل الإنسان عليها، فقد ولد حرًّا مبرَّأً من الخطيئة أو المعصية، ويفترض على امتداد مراحل حياته أن أصل البراءة ما زال كامنًا فيه، مصاحبًا له فيما يأتيه من أفعال، إلى أن تنقض محكمة الموضوع بقضاء بات لا رجعة فيه هذا الافتراض.
وحيث إن مفاد نص المادة (97) من الدستور أن ضمان الدستور لحق التقاضي مؤداه ألا يعزل الناس جميعهم، أو فريق منهم، أو أحدهم من النفاذ إلى جهة قضائية، تكفل بتشكيلها وقواعد تنظيمها ومضمون القواعد الموضوعيـة والإجرائية المعمول بها أمامها حدًّا أدنى من الحقوق، التي لا يجوز إنكارها عمن يلجون أبوابها؛ ضمانًا لمحاكمتهم إنصافًا. وكان لحق التقاضي غاية نهائية يتوخاها، تمثلها الترضية القضائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها، لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على حقوق يطلبونها، فإن أرهقها المشرع بقيود تعسر الحصول عليها، أو تحول دونها، كان ذلك إخلالًا بالحماية التي كفلها الدستور لهذا الحق. ولا ينفك عن حق التقاضي حق الدفاع أصالة، أو بالوكالة، الذي كفله أيضًا الدستور في المادة (98) منه، باعتبار أن ضمانة الدفاع لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي؛ ذلك أنهما يتكاملان ويعملان معًا في دائرة الترضية القضائية التي يعتبر اجتناؤها غاية نهائية للخصومة القضائية، فلا قيمة لحق التقاضي ما لم يكن متساندًا لضمانة الدفاع مؤكدًا لأبعادها، عاملًا من أجل إنفاذ مقتضاها. كذلك لا قيمة لضمانة الدفاع بعيدًا عن حق النفاذ إلى القضاء، وإلا كان القول بها، وإعمالها واقعًا وراء جدران صامتة.
وحيث إن النص المحال بما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره على الرغم من انتفاء مسئوليته الجنائية بحكم نهائي، أو قرار قضائي لا يجوز الطعن فيه، إنما يفتئت على مبدأ العدالة، بحسبان التنظيم القانوني لأجر الموظف العام لا يقتصر –فقط– على ما يؤديه من أعمال وواجبات وظيفية، وإنما يتقرر ليستوفي الموظف العام متطلباته الاجتماعية، ويسد احتياجاته الأسرية، وهو ما أكده المشرع في العديد من الاستثناءات التي قررها على قاعدة الأجر مقابل العمل، وهي استثناءات ترنو في مضمونها إلى تحقيق غاية أسمى تتمثل في الحرص على الجوانب الإنسانية والاجتماعية والأسرية للموظف العام، من خلال منحه أجره الوظيفي، متى ثبت أن انقطاعه عن العمل كان لسبب يخرج عن إرادته.
وحيث إن النص المحال افتقر إلى ضمانة جوهرية مقررة لشاغل الوظيفة العامة؛ هي حصوله على أجره المقرر لوظيفته كلما كان مهيأً لأداء العمل المنوط به، دون أن ينال من هذه الضمانة عدم أدائه العمل لحبسه احتياطيًّا، ما دامت قد انتفت مسئوليته الجنائية بصورة نهائية عن ارتكاب الفعل الذي نُسب إليه، ليغدو إهدار الضمانة السالف بيانها إخلالًا من النص المحال بكفالة الدولة لحقوق شاغلي الوظائف العامة، والتفاتًا منه عما أضفاه الدستور عليها من حماية، فضلًا عن اتخاذه من حبس الموظف احتياطيًّا قرينة قانونية قاطعة على ثبوت إخلاله بالتزامه الوظيفي، دون مراعاة لانتفاء الرابطة المنطقية بين الأمرين، ما دامت قد انتفت عن الموظف المسئولية الجنائية بصورة نهائية، مما يكون معه النص المحال قد أخل بأصل البراءة، التي توثقها حجية الشيء المحكوم فيه، أو الأمر المقضي به، بحسب الأحوال.
وحيث إن النص المحال قوض حق الموظف العام الذي يُحبس احتياطيًّا، وانتفت مسئوليته الجنائية على نحو نهائي، في المطالبة باسترداد نصف أجره الذي حرم منه خلال مدة حبسه؛ جبرًا للضرر المادي الذي أصابه، فإن ذلك يُشكل إهدارًا لأصل البراءة، وعدوانًا على استقــــــلال القضاء والحق في التقاضي، وحق الدفاع، وتعطيلًا للحق في التعويض عن الحبس الاحتياطي الذي ألزم الدستور الدولة بأدائه. يُضاف إلى ما تقدم أن حرمان الموظف من استرداد نصف أجره إنما يُشكل افتئاتًا على الملكية الخاصة؛ ومن ثم يكون النص المحال قد جاء مخالفًا للمواد (4 و14 و33 و35 و54 و95 و96 و97 و98 و184) من الدستور، مما يتعين معه القضاء بعدم دستوريته.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، فيما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق