الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاماة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاماة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

الدعوى رقم 1 لسنة 47 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 9 / 9 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۹/۱۰⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأربعاء التاسع من سبتمبر سنة ٢٠٢٦م، الموافق السابع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٤٤٨هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ١ لسنة ٤٧ قضائية "دستورية"

المقامة من

إيهاب رمضان أحمد مهاود

ضد

١- رئيس الجمهوريـة

٢- رئيس مجلس الشعـب (النواب حاليًّا)

٣- رئيس مجلس الوزراء

٤- وزيـر العـــدل

٥- وزيــــر الداخليـة

---------------

الإجراءات

بتاريخ الأول من يناير سنة ٢٠٢٥، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية المادة (٣٥ مكررًا) من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤، في شأن الأسلحة والذخائر، المعدل بالقانون رقم ١٠١ لسنة ١٩٨٠، فيما نصت عليه من أنه تعتبر أسلحة نارية في حكم هذا القانون التلسكوبات المعدة لتركيبها للأسلحة النارية، والعقاب على حيازتها والاتجار فيها بالعقوبات ذاتها المنصوص عليها في شأن الأسلحة النارية الكاملة، دون بيان المواصفات الفنية للتلسكوبات المستخدمة في كل نوع من أنواع الأسلحة النارية المنصوص عليها في الجدولين رقمي (٢ و٣)، وبعدم دستورية المادة (٩) من قرار وزير الداخلية رقم ١٣٠٠ لسنة ٢٠١٩، بشأن إجراءات الترخيص بمسدسات وبنادق الصوت وضغط الهواء وضغط الغاز وذخائرها، فيما نصت عليه من أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال التصريح بحيازة كاتمات أو مخفضات الصوت أو التلسكوبات لمسدسات وبنادق الصوت وضغط الهواء وضغط الغاز.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها الحكم؛ أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدم المدعي مذكرة، صمم فيها على طلباته، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

-----------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن النيابة العامة قدمت المدعي، وآخرين، إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنايات شمال القاهرة، في الدعوى رقم ٥٣٦ لسنة ٢٠٢٤ جنايات الزيتون، المقيدة برقم ٦٣٨ لسنة ٢٠٢٤ كلي غرب القاهرة، بوصف أنهم في تاريخ سابق على ٢٤/١/٢٠٢٤، اتجروا وحازوا وأحرزوا أجزاء رئيسية لأسلحة نارية (تلسكوبات، وكاتمات صوت) مما لا يجوز الترخيص بها، كما أسندت إليهم تهمة حيازة وإحراز أسلحة صوت وضغط هواء (بندقيات وطبنجات صوت) قبل الحصول على ترخيص بذلك، وأنشأوا وأداروا بقصد الاتجار حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي يعرضون فيها صورًا ومقاطع لأسلحة ضغط هواء، وطلبت عقابهم بالمواد (١/٢ و١ مكرر و٣ و٤ و١٢ و١٣/١، ٢ و٢٥ و٢٦/٣ و٢٦ مكرر/١، ٣ و٢٦ مكرر ب و٢٨/١ و٣٠/١ و٣٥ مكرر) من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤، في شأن الأسلحة والذخائر، والبند (د) من القسم الثاني من الجدول رقم (٣) المضاف بقرار وزير الداخلية رقم ٢١٣ لسنة ٢٠٠٨، والجدول رقم (٥) المرفق بالقانون المضاف بقرار وزير الداخلية رقم ١٣٠٠ لسنة ٢٠١٩، والمواد (١ و١١ و١٢ و٢٧ و٣٨) من القانون رقم ١٧٠ لسنة ١٩٨١. وفي أثناء تداول الدعوى أمام تلك المحكمة دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة (٣٥ مكررًا) من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ في شأن الأسلحة والذخائر، والمادة (٩) من قرار وزير الداخلية رقم ١٣٠٠ لسنة ٢٠١٩، وهو الدفع الذي قدرت محكمة الموضوع جديته، وصرحت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقام الدعوى المعروضة، ناعيًا على نص المادة (٣٥ مكررًا) من القانون المار ذكره تجريم الاتجار وحيازة وإحراز التلسكوبات المعدة لتركيبها للأسلحة النارية، دون بيان المواصفات الفنية للتلسكوبات الصالحة للاستخدام في كل نوع منها، كما أن نص المادة (٩) من قرار وزير الداخلية المطعون فيه يعد افتئاتًا على سلطة المشرع في التجريم والعقاب، وهو مما يخل بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ويخالف نص المادة (٩٥) من الدستور.

وحيث إن المادة (٣٥ مكررًا) من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ في شأن الأسلحة والذخائر، المضافة بالقانون رقم القانون رقم ٥٤٦ لسنة ١٩٥٤، المستبدل بها المادة الأولى من القانون رقم ١٠١ لسنة ١٩٨٠، والمستبدل بفقرتها الثالثة المادة السابعة من القانون رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢ التي تنص على أنه "تعتبر أسلحة نارية في حكم هذا القانون أجزاء الأسلحة النارية المنصوص عليها بالجدولين ٢، ٣ وكاتمات أو مخفضات الصوت والتلسكوبات المعدة لتركيبها للأسلحة النارية.

ويعاقب على الاتجار فيها أو استيرادها أو صنعها أو إصلاحها بالمخالفة لأحكام هذا القانون بذات العقوبات المنصوص عليها في هذا الشأن على الأسلحة النارية الكاملة.

يسري حكم الفقرة السابقة على حيازة أو إحراز الأجزاء الرئيسية للأسلحة النارية المبينة بالجدول رقم (٤) المرافق، أو كاتمات أو مخفضات الصوت والتلسكوبات التي تركب على الأسلحة المذكورة"، وهو اختصاص ممتنع على هذه المحكمة لخروجه عن حدود ولايتها الواردة حصرًا بنص المادتين (١٩٢) من الدستور و(٢٥) من قانونها الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩، مما لازمه القضاء بعدم اختصاص المحكمة بنظر هذا الطلب.

وتنص المادة (٩) من قرار وزير الداخلية رقم ١٣٠٠ لسنة ٢٠١٩، التي يجري نصها على أنه "لا يجوز بأي حال من الأحوال التصريح بحيازة كاتمات أو مخفضات الصوت أو التلسكوبات لمسدسات وبنادق الصوت وضغط الهواء وضغط الغاز".

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن تقرير اختصاصها ولائيًّا بنظر دعوى بذاتها يسبق الخوض في شروط قبولها أو موضوعها، وكان الدستور الحالي قد عهد بنص المادة (١٩٢) منه إلى هذه المحكمة، دون غيرها، بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وقد بين قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩ اختصاصاتها، وحدد ما يدخل في ولايتها حصرًا، مستبعدًا من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصًا منفردًا بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، وينحصر هذا الاختصاص في النصوص التشريعية، أيًّا كان موضوعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التي أصدرتها، فلا تنبسط هذه الولاية إلا على القانون بمعناه الموضوعي، باعتباره منصرفًا إلى النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة التشريعية، أو تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي بينها الدستور، وتنقبض هذه الرقابة –تبعًا لذلك- عما سواها؛ ومن ثم يخرج عن نطاق هذه الرقابة إلزام هاتين السلطتين بإقرار قانون أو إصدار قرار بقانون في موضوع معين؛ إذ إن ذلك مما تستقل بتقديره هاتان السلطتان وفقًا لأحكام الدستور، ولا يجوز -من ثم- حملهما على التدخل لإصدار تشريع في زمن محدد أو على نحو معين.

متى كان ذلك، وكانت مناعي المدعي على النص المطعون فيه، بغية إبطاله، تتحدد بحصر عباراته، في أنه "كان يتعين على المشرع أن يحدد المواصفات الفنية اللازم توافرها في التلسكوبات الخاصة بكل نوع من أنواع الأسلحة غير المششخنة والمششخنة أو أن يحيل إلى اللائحة التنفيذية لتحديد هذه المواصفات فتكون حيازة التلسكوبات دون المواصفات المحددة أو الاتجار فيها غير مجرم وغير معاقب عليها"؛ ومن ثم تنحل هذه المناعي إلى طلب إصدار تشريع جديد -قانونًا كان أم لائحة– وفق المفهوم الذي قصد إليه المدعي، بما يمثل خوضًا في السياسة التشريعية وملاءمات التشريع وبواعثه، وهو ما لا تمتد إليه ولاية هذه المحكمة، ولازم ذلك القضاء بعدم اختصاصها بنظر الدعوى في هذا الشق منها.

حيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المصلحـة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية مؤثرًا في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع؛ ومن ثم يتحدد مفهوم هذا الشرط بأن يقيم المدعي الدليل على أن ضررًا واقعيًّا قد لحق به، وأن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، فإذا كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، أو كان من غير المخاطبين بهذا النص، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة؛ إذ إن إبطال النص التشريعي في هذه الحالة لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها. متى كان ذلك، وكانت التهمة المواجه بها المدعي هي حيازة وإحراز والاتجار في تلسكوبات مما يركب على أسلحة نارية، ولم توجه إليه النيابة العامة تهمة حيازة أو إحراز أو الاتجار في تلسكوبات مما يركب على أسلحة ضغط الهواء أو الغاز أو أسلحة الصوت؛ ومن ثم لا يكون للفصل في دستورية هذا القرار انعكاس على الفصل في الدعوى الموضوعية المطروحة على محكمة الموضوع، الأمر الذي تقضي معه المحكمة بعدم قبول الدعوى في هذا الشق من الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى بشأن نص المادة (٣٥ مكررًا) من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ في شأن الأسلحة والذخائر، المضافة بالقانون رقم ٥٤٦ لسنة ١٩٥٤، المستبدل بها المادة الأولى من القانون رقم ١٠١ لسنة ١٩٨٠، والمادة السابعة من القانون رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢، وبعدم قبول الدعوى فيما جاوز ذلك من طلبات، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات.

الدعوى رقم 49 لسنة 42 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 9 / 9 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۹/۱۰⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأربعاء التاسع مـن سبتمبر سنة ٢٠٢٦م، الموافق السابع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٤٤٨هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٤٩ لسنة ٤٢ قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة القضاء الإداري بالبحيرة، بحكمها الصادر بجلسة ٢/٣/٢٠٢٠، ملف الدعوى رقم ١٢٠٨٤ لسنة ١٨ قضائية

المقامة من

ربيع السيد مصيلحي السيد

ضد

رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي

---------------

الإجـراءات

بتاريخ التاسع والعشرين من سبتمبر سنة ٢٠٢٠، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم ١٢٠٨٤ لسنة ١٨ قضائية، نفاذًا لحكم محكمة القضاء الإداري بالبحيرة الصادر بجلسة ٢/٣/٢٠٢٠، القاضي بوقف الدعوى وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (۷۸) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ۲۰۱۹.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وقدمت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر جلسة ٩/٥/٢٠٢٦. وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، صممت فيها على الطلبات، كما قدمت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مذكرة، طلبت فيها الحكم؛ أصليًّا: بعدم قبـــول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها، وقررت المحكمة استمرار نظر الدعوى لجلسة ١/٧/٢٠٢٦، وفيها قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم.

-----------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق– في أن المدعي في الدعوى الموضوعية أقام أمام محكمة القضاء الإداري بالبحيرة الدعوى رقم ١٢٠٨٤ لسنة ١٨ قضائية، ضد الهيئة المدعى عليها، بطلب الحكم –وفقًا لتكييف محكمة الموضوع لطلباته– أولًا: بإلزام جهة الإدارة أن تؤدي له المقابل النقدي عن الانتقال لإجراء جلسات الغسيل الكلوي، هو والمرافق له من منزله إلى المستشفى الذي يعالج فيه، من تاريخ بدء جلسات الغسيل في ٢٠/٤/٢٠١١ حتى ٣١/١٢/٢٠١٩، طبقًا لأحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم ٧٩ لسنة ١٩٧٥. ثانيًا: بإلزام جهة الإدارة أداء المقابل ذاته اعتبارًا من ١/١/٢٠٢٠، بصفة مستمرة، وفقًا لأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠١٩؛ وذلك على سند من أنه كان يعمل بوظيفة رقيب أول بقطاع مصلحة السجون حتى إحالته للمعاش، وإذ أصيب بمرض الفشل الكلوي المزمن الذي يتطلب إجراء جلسات الغسيل الكلوي بواقع ثلاث جلسات أسبوعيًّا، بدءًا من ٢٠/٤/٢٠١١، وقرر الطبيب المعالج احتياجه لوسيلة مواصلات خاصة ذهابًا وإيابًا من محل إقامته إلى المستشفى الذي يعالج فيه، لتعذر استخدام وسائل المواصلات العامة، إلا أن الهيئة المدعى عليها لم تصرف له مصاريف الانتقال. وبجلسة ٢/٣/٢٠٢٠، قضت محكمة القضاء الإداري بالبحيرة بإلزام الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أن تؤدي إليه المقابل النقدي عن انتقاله لإجراء جلسات الغسيل الكلوي بواقع خمسين جنيهًا عن كل جلسة، اعتبارًا من ١/٨/٢٠١٣ حتى ٣١/١٢/٢٠١٩. وإذ تراءى لتلك المحكمة، وهي بصدد الفصل في طلب صرف المقابل النقدي عن الانتقال اعتبارًا من ١/١/٢٠٢٠، أن هذا الطلب يخضع لنص الفقرة الأخيرة من المادة (٧٨) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠١٩، وأن هذا النص تقوم بشأنه شبهة عدم الدستورية، فيما تضمنه من عدم سريان مصاريف الانتقال على أصحاب المعاشات؛ فقررت وقف الدعوى، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته، ناعية على النص المحال مخالفته لأحكام المواد (٨ و١٧ و١٨ و٣٥ و٥٣) من الدستور.

وحيث إن المادة (۷۸) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ۲۰۱۹، تنص على أن:

"تتحمل الجهة المختصة بصرف تعويض الأجر مصاريف انتقال المريض بوسائل الانتقال العادية من محل الإقامة إلى مكان العلاج إذا كان يقع خارج المدينة التي يقيم بها، وبوسائل الانتقال الخاصة متى قرر الطبيب المعالج أن حالة المريض الصحية لا تسمح باستعماله وسائل الانتقال العادية.

وتتبع في تنظيم الانتقال ومصاريفه القواعد التي يصدر بها قرار من رئيس الهيئة بناءً على موافقة مجلس الإدارة.

وفي جميع الأحوال، لا تسري أحكام تعويض الأجر ومصاريف الانتقال على أصحاب المعاشات أو المستحقين".

وحيث إن المصلحة في الدعوى الدستورية، وهي شرط لقبولها، مناطهـا –على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، ويستوي في شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة. لما كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي تدور رحاه حول طلب المدعي إلزام الهيئة المدعى عليها أن تؤدى إليه مصاريف الانتقال لإجراء جلسات الغسيل الكلوي من منزله إلى المستشفى الذي يعالج فيه، اعتبارًا من ١/١/٢٠٢٠ –تاريخ العمل بقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠١٩- وبصفة مستمرة، وذلك بوسيلة انتقال خاصة. وكان النص المحال هـــــو ما يحول دون إجابة المدعي لطلبه؛ ومن ثم فإن الفصل في دستوريته يكون له انعكاسه الأكيد على الدعوى الموضوعية، والطلبات المطروحة بها، وقضاء محكمة الموضوع فيها؛ وتبعًا لذلك يكون الدفع المبدى من الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بعدم قبول الدعوى قائمًا على غير سند متعينًا الالتفات عنه. ويتحدد نطاق الدعوى الدستورية –فـــي حدود النزاع المطروح على محكمــــــة الموضوع- فيما تضمنه نص الفقرة الأخيرة من المادة (۷۸) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ۲۰۱۹ -مقروءًا في ضوء صدرها- من عدم تحمل الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مصاريف الانتقال بوسائل خاصة، لعلاج أصحاب المعاشات المنتفعين بأحكام تأمين المرض، متى قرر الطبيب المعالج أن حالة المريض الصحية لا تسمح باستعماله وسائل الانتقال العادية.

وحيث إن قوانين التأمين الاجتماعي المتعاقبة قد صدرت مقررة الحق في التأمين الاجتماعي، ومبينة حالات استحقاقه وقواعد منحه وشروط اقتضائه، وأفرد قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠١٩، لتأمين المرض بابًا قائمًا بذاته، عُني فيه المشرّع برصد المرض بوصفه أحد الأخطار الاجتماعية التي تنال من المؤمَّن عليه في بدنه وقدرته على الكسب، فجعل مناط الانتفاع بأحكامه تحقّق هذا الخطر في شأن المخاطب بها، ورتّب على ذلك التزامًا على الجهة المختصة بأن تكفل له العلاج والرعاية الطبية، وأن تؤدّي إليه تعويض الأجر عن مدة تعطّله بسبب المرض، ومصاريف الانتقال اللازمة لتلقّي العلاج إذا كان مكانه يقع خارج المدينة التي يقيم بها، أو متى قرّر الطبيب المعالج أن حالته الصحية لا تسمح باستعمال وسائل الانتقال العادية؛ وقد جعل المشرّع مقابل هذه الحماية اشتراكًا قرّره على المخاطبين بأحكام هذا الباب، بواقع نسبةٍ من أجور العاملين عن العلاج والرعاية الطبية، ونسبةٍ من المعاش بالنسبة إلى أصحاب المعاشات المنتفعين بأحكامه، تُحصَّل وتُورَّد على النحو الذي تبيّنه اللائحة التنفيذية؛ كما جرى المشرّع على إعمال هذا الباب تدريجيًّا على فئات المؤمَّن عليهم وأصحاب المعاشات الذين يصدر بتحديدهم قرارٌ من رئيس مجلس إدارة الهيئة المعنية بالتأمين الصحي وفق القواعد والأولويات التي يقرّرها، وذلك كلّه دون إخلالٍ بالحقوق التي انتفع بها المؤمَّن عليهم وأصحاب المعاشات في ظل قانون التأمين الاجتماعي السابق الصادر بالقانون رقم ٧٩ لسنة ١٩٧٥، فحفظ بذلك ما اكتسبوه من حقوقٍ في تلك المظلّة التأمينية.

وحيث إن حكم الإحالة ينعى على النص المحال إخلاله بمبدأ التضامن الاجتماعي والحق في التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية، إذ حجب عن أصحاب المعاشات الحق في مصروفات الانتقال اللازمة لتلقي العلاج، على الرغم من سريان أحكام تأمين المرض عليهم ومساهمتهم في تمويله، ولا سيما أن هذه الفئة هي الأشد احتياجًا بحكم تقدم السن وما يصاحبه من ازدياد احتمالات المرض وضعف القدرة على تحمل أعباء العلاج، ونال -من ثم- من الحماية المقررة للملكية الخاصة، مما يشكل إخلالًا بأحكام المواد (٨ و١٧ و١٨ و٣٥) من الدستور.

وحيث إن المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أن الدساتير المصرية على تعاقبها قد حرصت على النص على التضامن الاجتماعي، باعتباره ركيزة أساسية لبناء المجتمع، وواحدًا من الضمانات الجوهرية التي ينبغي أن ينعم بها أفراده، وهو ما أكدته المادة (٨) من الدستور القائم، التي ألزمت الدولة بتوفير سبل التضامن والتكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمه القانون. وفي سبيل تحقيق ذلك؛ ألزمت المادة (١٧) من الدستور الدولة بكفالة توفير خدمات التأمين الاجتماعي، وحق كل مواطن في الضمان الاجتماعي، إذا لم يكن متمتعًا بنظام التأمين الاجتماعي، بما يضمن له ولأسرته الحياة الكريمة، وتأمينه ضد مخاطر حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة، باعتبار أن مظلة التأمين الاجتماعي التي يحدد المشرع نطاقها هي التي تكفل بمداها واقعًا أفضل، يؤمّن المواطن في غده، وينهض بموجبات التضامن الاجتماعي التي يقوم عليها المجتمع، بما مؤداه أن المزايا التأمينية هي– في حقيقتها– ضرورة اجتماعية بقدر ما هي ضرورة اقتصادية، وأن غايتها أن تؤمن المشمولين بها في مستقبل أيامهم عند تقاعدهم أو عجزهم أو مرضهم.

وحيث إن مبدأ التضامن الاجتماعي –على ما قررته المحكمة الدستورية العليا– يقتضي أن تكون الحماية التي يلوذ بها ضعفـاء المجتمع حماية حقيقية ومجدية، وأن تتوزع الأعباء توزيعًا عادلًا لا يرهق الفئات الأضعف، فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعي -التي يمتد نطاقها إلى الأشخاص المشمولين بها- هي التي تكفل لكل مواطن الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية التي لا تمتهن فيها آدميته، والتي توفر لحريته الشخصية مناخها الملائم، ولضمانة الحق في الحياة أهم روافدها، وللحقوق التي يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التي يعيش في محيطها، مقوماتها، بما يؤكد انتماءه إليها، وتلك هي الأسس الجوهرية التي لا يقوم المجتمع من دونها.

وحيث إن الدستور قد عني في المادة (١٨) منه بضمان توفير الرعاية الصحية لكل مواطن، وفقًا لمعايير الجودة، بحسبانها العمود الفقري للحياة الكريمة للإنسان، فأقر ذلك حقًّا لكل مواطن، يستوجب التزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي على الصحة لا تقل عن ٣٪ من إجمالي الناتج القومي، تتصاعد تدريجيًّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

وحيث إن الدستور قد أفرد للمسنين حماية دستورية خاصة بنص المادة (٨٣) منه، التي ألزمت الدولة بضمان حقوقهم صحيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، بما يكفل لهم حياة كريمة، وهو التزام يقتضي اتخاذ تدابير خاصة تراعي طبيعة هذه الفئة واحتياجاتها المتزايدة.

وحيث إن الحماية التي أظل بها الدستور الملكية الخاصة لضمان صونها من العدوان لا تقتصر على الصور التي تظهر الملكية فيها بوصفها الأصل الذي تتفرع عنه الحقوق الأصلية جميعها، وإنما تمتد هذه الحماية إلى الأموال كلها دون تمييز بينها، باعتبار أن المال حق ذو قيمة مالية، سواء أكان هذا الحق شخصيًّا أم عينيًّا، من حقوق الملكية الأدبية أم الفنية أم الصناعية، وإلى هذه الأموال كلها تنبسط الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية، فلا تخلص لغير أصحابها، ولم يعد جائزًا –من ثَمَّ- أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن أجزائها أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصبًا وافتئاتًا على كيانها، أدخل إلى مصادرتها.

متى كان ما تقدم، وكان النص المحال إذ حرم أصحاب المعاشات المنتفعين بأحكام تأمين المرض من استحقاق مصاريف الانتقال بوسائل خاصة لتلقي العلاج، متى قرر الطبيب المعالج أن حالة المريض لا تسمح باستعماله وسائل الانتقال العادية فإنه يكون قد انتقص من الحماية التأمينية التي كفلها الدستور، حال كون تلك المصروفات تمثل عنصرًا لازمًا للانتفاع بالخدمات الصحية، وألقى على عاتقهم عبئًا ماليًّا أُنشئ نظام التأمين الاجتماعي لتحمله، وهم في مرحلة عمرية يغلب فيها المرض وتتعاظم فيها الحاجة إلى الرعاية الصحية، بما يُفرغ هذه الحماية التأمينية من مضمونها العملي، ويحيلها إلى حماية منقوصة، تقصر عن تحقيق الغاية التي شرعت من أجلها، مما يؤدي إلى الانتقاص من أحد العناصر الإيجابية لذمتهم المالية، لينحل النص المحال بذلك إلى عدوان على الملكية الخاصة؛ ومن ثم يكون –في النطاق المحدد سلفًا- قد خالف المواد (٨ و١٧ و١٨ و٣٥ و٨٣) من الدستور، مما لزامه القضاء بعدم دستوريته.

وحيث إن هذه المحكمة تقديرًا منها للآثار المالية التي ستترتب على الأثر الرجعي للقضاء بعدم دستورية النص المحال، فإنها تقرر إعمال الرخصة المخولة لها بنص المادة (٤٩) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩، وتحدد اليوم التالي لنشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية تاريخًا لإعمال آثاره، وذلك دون إخلال باستفادة المدعي –في الدعوى الموضوعية- من الحكم الصادر بعدم دستورية النص المحال.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولًا: بعدم دستورية نــص الفقــرة الأخيــرة مــن المــادة (٧٨) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، الصادر بالقانون رقم ١٤٨ لسنة ٢٠١٩، فيما تضمنه من عدم تحمل الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مصاريف انتقال أصحاب المعاشات المنتفعين بأحكام تأمين المرض بوسائل خاصة إلى مكان العلاج متى قرر الطبيب المعالج أن حالة المريض الصحية لا تسمح باستعماله وسائل الانتقال العادية.

ثانيًا: بتحديد اليوم التالي لنشر هذا الحكم تاريخًا لإعمال آثاره.

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

الطعن 1525 لسنة 50 ق جلسة 17 / 11 / 1980 مكتب فني 31 ق 196 ص 1012

جلسة 17 من نوفمبر سنة 1980

برئاسة السيد المستشار عادل برهان نور نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: راغب عبد الظاهر، وفوزي أسعد، وعبد الرحيم نافع، ومصطفى عبد الرازق.

-----------------

(196)
الطعن رقم 1525 لسنة 50 القضائية

(1) شيك بدون رصيد. جريمة. "أركانها". إثبات. "بوجه عام". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
جريمة إعطاء شيك بدون رصيد. متى تتحقق؟
عدم تقديم أصل الشيك. لا ينفي وقوع الجريمة.
جواز الأخذ بالصورة الشمسية. إذا اطمأنت إليها المحكمة.
مطابقة المحكمة صورة الشيك وإفادة البنك وإعادة أصليهما للمدعي بالحق المدني. لا عيب.
(2) شيك بدون رصيد. باعث. جريمة. "أركانها". مسئولية جنائية.
السبب أو الباعث لا يؤثر على المسئولية الجنائية في صدد المادة 337 ع. قرار المحكمة التحضيري لا تتولد عنه حقوق للخصوم.
(3) اختصاص. شيك بدون رصيد. دفوع. "الدفع بعدم الاختصاص". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
الأماكن التي يتعين بها الاختصاص. قسائم متساوية. م 217 (أ. ج)
جريمة إعطاء شيك بدون رصيد. مكان وقوعها. المكان الذي حصل تسليم الشيك للمستفيد فيه. مثال في دفع بعدم الاختصاص.
(4) نقض. "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها". حكم. "وضعه والتوقيع عليه وإصداره".
المصلحة النظرية الصرفة. لا يؤبه بها. مثال في التقاء النتيجة رغم اختلاف منطوق الحكم.

------------------
1 - من المقرر أن جريمة إعطاء شيك بدون رصيد المنصوص عليها في المادة 337 من قانون العقوبات تتحقق بمجرد إعطاء الساحب الشيك إلى المستفيد مع علمه بأنه ليس له مقابل وفاء قابل للسحب إذ يتم بذلك طرح الشيك في التداول فتنعطف عليه الحماية القانونية التي أسبغها الشارع بالعقاب على هذه الجريمة باعتباره أداة وفاء تجري مجرى النقود في المعاملات وأن عدم تقديم أصل الشيك لا ينفي وقوع الجريمة، وللمحكمة أن تكون عقيدتها في ذلك بكل طرق الإثبات، فلها أن تأخذ بالصورة الشمسية كدليل في الدعوى إذا اطمأنت إلى صحتها، وإذ كان يبين من مطالعة محضر جلسات المحاكمة أن الحاضر عن المدعي بالحق المدني قدم إلى محكمة أول درجة بجلسة 23/ 10/ 1974 حافظة تنطوي على صورة فوتوغرافية للشيك موضوع الدعوى وإفادة البنك بعدم وجود رصيد وتيقنت المحكمة من مطابقتها للأصل الذي أعيد إليه كما أورد الحكم المطعون فيه "أن الشيك موضوع الدعوى قد استوفى المقومات التي تجعل منه أداة وفاء طبقاً للقانون وأنه ثبت من إفادة البنك عدم وجود رصيد للمتهم قائم وقابل للسحب" ومن ثم فلا تثريب على المحكمة إذا هي لم تستجب لطلب الطاعن ضم أصل الشيك وإفادة البنك أو ترد عليه ويكون منعى الطاعن في هذا الصدد في غير محله.
2 - لما كان من المقرر أن المسئولية الجنائية في صدد المادة 237 من قانون العقوبات لا تتأثر بالسبب أو الباعث الذي من أجله أعطى الشيك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لما جاء بصورة الحكم الصادر في القضية رقم.... لسنة 1974 جنح الأزبكية وبمحضر الصلح المقدمين من الطاعن وانتهى إلى إطراح ما يثيره حول سبب تحرير الشيك، فإنه لا يكون هناك وجه لما ينعاه الطاعن على المحكمة من عدولها عن تنفيذ قرارها بضم أوراق القضية سالفة الذكر إذ من المقرر أن قرار المحكمة الذي تصدره في صدد تجهيز الدعوى وجمع الأدلة لا يعدو أن يكون قراراً تحضيرياً لا تتولد عنه حقوق للخصوم توجب حتماً العمل على تنفيذه صوناً لهذه الحقوق.
3 - لما كانت المادة 217 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه: "يتعين الاختصاص. بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة أو الذي يقيم فيه المتهم، أو الذي يقبض عليه فيه". وهذه الأماكن قسائم متساوية في إيجاب اختصاص المحكمة بنظر الدعوى ولا تفاضل بينها، ويعتبر مكان وقوع جريمة إعطاء شيك بدون رصيد هو المكان الذي حصل تسليم الشيك للمستفيد فيه، وكان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه قد عرض للدفع المبدى من الطاعن بعدم اختصاص محكمة عابدين محلياً بنظر الدعوى ورفضه على سند من القول أن واقعتي تحرير الشيك وتسليمه إلى المجني عليه كانتا بدائرة قسم عابدين وهو ما لم يجحده الطاعن أو يعاود الجدل في شأنه أمام المحكمة الاستئنافية، فإن ما يثيره من قالة الخطأ في تطبيق القانون في هذا لا يكون له وجه.
4 - لما كان النعي على الحكم لقضائه بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بتأييد الحكم المستأنف دون القضاء بقبول المعارضة شكلاً وإلغاء الحكم الغيابي المعارض فيه فيما قضى به من سقوط الاستئناف وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف، لا جدوى منه ما دام الحكمان يلتقيان في النتيجة حسب عقيدة المحكمة بالقضاء في الموضوع بإدانة المتهم، فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الخصوص يكون قائماً على مصلحة نظرية صرفة لا يؤبه بها مما يتعين معه الالتفات عن هذا الوجه من وجوه النعي.


الوقائع

أقام المدعي بالحقوق المدنية دعواه بالطريق المباشر ضد الطاعن متهماً إياه بأنه. أعطى المهندس........ شيكاً بمبلغ خمسمائة جنيه على بنك القاهرة فرع رمسيس لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب. وطلب عقابه بالمادتين 336، 337 من قانون العقوبات، وإلزامه بأن يدفع له مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت. ومحكمة جنح قسم عابدين قضت حضورياً عملا بمادتي الاتهام بمعاقبة المتهم بالحبس ستة أشهر مع الشغل وكفالة خمسين جنيهاً لإيقاف التنفيذ وفي الدعوى المدنية بإلزام المتهم بأن يؤدي للمدعي بالحقوق المدنية مبلغ واحد وخمسين جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت. فاستأنف ومحكمة القاهرة الابتدائية (بهيئة استئنافية) قضت غيابياً بسقوط الاستئناف. فعارض والمحكمة المذكورة قضت بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من حبس المتهم ستة أشهر مع الشغل وفي الدعوى المدنية باعتبار المدعي المدني تاركاً لدعواه المدنية. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمة إصدار شيك بدون رصيد فقد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع والخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأنه لم يستظهر في قضائه أمر الرصيد وجوداً وعدماً وتساند إلى أن الشيك استوفى مقوماته الشكلية وأن البنك أفاد بالرجوع على الساحب دون أن يكون الشيك أو إفادة البنك مرفقين بأوراق الدعوى، وقد أصر الدفاع على ضرورة إرفاق هذين الدليلين بأوراق الدعوى، كما تمسك بضم القضية رقم..... لسنة..... جنح الأزبكية لاستجلاء الظروف التي حرر الشيك بمناسبتها إلا أن المحكمة لم تستجب لهذا الطلب وأعرضت عن ضم القضية رغم سبق صدور قرار منها بتأجيل الدعوى لضمها، فضلاً عن أن محكمة أول درجة كانت قد رفضت الدفع المبدى من الطاعن بعدم اختصاصها محلياً بنظر الدعوى قولاً منها بأنه لم ينف تحرير الشيك وتسليمه إلى المجني عليه بدائرة قسم عابدين في حين أن الثابت بدفاع الطاعن أن الجريمة لم تقع بدائرة اختصاص هذه المحكمة لأنه ليس له محل إقامة أو جهة عمل تابعة لها، وقد فات المحكمة الاستئنافية تدارك هذا الخطأ، كما أنها أخطأ إذ قضت في الدعوى بوصفها استئنافاً بقبوله وبتأييد قضاء محكمة أول درجة في حين أن المطروح أمامها معارضة استئنافية، ولكل ذلك فإن حكمها يكون معيباً بما يبطله ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة إعطاء شيك لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن جريمة إعطاء شيك بدون رصيد المنصوص عليها في المادة 337 من قانون العقوبات تتحقق بمجرد إعطاء الساحب الشيك إلى المستفيد مع علمه بأنه ليس له مقابل وفاء قابل للسحب إذ يتم بذلك طرح الشيك في التداول فتنعطف عليه الحماية القانونية التي أسبغها الشارع بالعقاب على هذه الجريمة باعتباره أداة وفاء تجري مجرى النقود في المعاملات وأن عدم تقديم أصل الشيك لا ينفي وقوع الجريمة، وللمحكمة أن تكون عقيدتها في ذلك بكل طرق الإثبات، فلها أن تأخذ بالصورة الشمسية كدليل في الدعوى إذا اطمأنت إلى صحتها، وإذ كان يبين من مطالعة محضر جلسات المحاكمة أن الحاضر عن المدعي بالحق المدني قدم إلى محكمة أول درجة بجلسة - 23/ 10/ 1974 حافظة تنطوي على صورة فوتوغرافية للشيك موضوع الدعوى وإفادة البنك بعدم وجود رصيد وتيقنت المحكمة من مطابقتها للأصل الذي أعيد إليه كما أورد الحكم المطعون فيه "أن الشيك موضوع الدعوى قد استوفى المقومات التي تجعل منه أداة وفاء طبقاً للقانون وأنه ثبت من إفادة البنك عدم وجود رصيد للمتهم قائم وقابل للسحب" ومن ثم فلا تثريب على المحكمة إذا هي لم تستجب لطلب الطاعن ضم أصل الشيك وإفادة البنك أو ترد عليه ويكون منعى الطاعن في هذا الصدد في غير محله. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المسئولية الجنائية في صدد المادة 337 من قانون العقوبات لا تتأثر بالسبب أو الباعث الذي من أجله أعطى الشيك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لما جاء بصورة الحكم الصادر في القضية رقم..... لسنة.... جنح الأزبكية وبمحضر الصلح المقدمين من الطاعن وانتهى إلى إطراح ما يثيره حول سبب تحرير الشيك، فإنه لا يكون هناك وجه لما ينعاه الطاعن على المحكمة من عدولها عن تنفيذ قراراها بضم أوراق القضية سالفة الذكر إذ من المقرر أن قرار المحكمة الذي تصدره في صدد تجهيز الدعوى وجمع الأدلة لا يعدو أن يكون قراراً تحضيرياً لا تتولد عنه حقوق للخصوم توجب حتماً العمل على تنفيذه صوناً لهذه الحقوق. لما كان ذلك، وكانت المادة 217 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه. "يتعين الاختصاص بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة أو الذي يقيم فيه المتهم، أو الذي يقبض عليه فيه". وهذه الأماكن قسائم متساوية في إيجاب اختصاص المحكمة بنظر الدعوى ولا تفاضل بينها، ويعتبر مكان وقوع جريمة إعطاء شيك بدون رصيد هو المكان الذي حصل تسليم الشيك للمستفيد فيه، وكان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه قد عرض للدفع المبدى من الطاعن بعدم اختصاص محكمة عابدين محلياً بنظر الدعوى ورفضه على سند من القول أو واقعتي تحرير الشيك وتسليمه إلى المجني عليه كانتا بدائرة قسم عابدين وهو ما لم يجحده الطاعن أو يعاود الجدل في شأنه أمام المحكمة الاستئنافية، فإن ما يثيره من قالة الخطأ في تطبيق القانون في هذا الشأن لا يكون لها وجه. لما كان ذلك، وكان النعي على الحكم لقضائه بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بتأييد الحكم المستأنف دون القضاء بقبول المعارضة شكلاً وإلغاء الحكم الغيابي المعارض فيه فيما قضى به من سقوط الاستئناف وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف، لا جدوى منه ما دام الحكمان يلتقيان في النتيجة حسب عقيدة المحكمة بالقضاء في الموضوع بإدانة المتهم، فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الخصوص يكون قائماً على مصلحة نظرية صرفة لا يؤبه بها مما يتعين معه الالتفات عن هذا الوجه من وجوه النعي. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

الطعن 151 لسنة 3 ق جلسة 15 / 6 / 1957 إدارية عليا مكتب فني 2 ج 3 ق 123 ص 1173

جلسة 15 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

---------------------

(123)

القضية رقم 151 لسنة 3 القضائية

(أ) دعوى الإلغاء 

- وجوب التظلم إلى جهة الإدارة قبل رفع الدعوى في بعض المنازعات الخاصة بالموظفين وإلا كانت الدعوى غير مقبولة - المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 - التظلم الوجوبي لا يكون إلا بالنسبة للقرارات القابلة للسحب - لا جدوى من هذا التظلم إذا امتنع على الإدارة إعادة النظر في القرار لاستنفاد ولايتها بإصداره أو لعدم وجود سلطة رئيسية تملك التعقيب على مصدره.
(ب) لجنة الشياخات 

- اختصاصها في شأن تأديب العمد والمشايخ - قرارها الذي تصدره في هذا الصدد تستنفد به سلطتها ويمتنع عليها إلغاؤه - لا ضرورة للتظلم من هذا القرار قبل رفع الدعوى بطلب إلغائه.
(جـ) طعن 

- صدور حكم بعدم قبول الدعوى بعد سبق طرح موضوع الدعوى برمته واستيفاء الدفاع بشأنه - الطعن في هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا - لها أن تتصدى للفصل في الموضوع ولا وجه لإعادته إلى المحكمة الأولى.
(د) عمد ومشايخ 

- اختلاف العقوبة التي توقع عليهم والجهة المختصة بتوقيعها بحسب جسامة التهمة ونوع الجزاء - القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ لم يحدد بالذات كل فعل وما يناسبه من جزاء بل ترك تحديد ذلك للسلطة التأديبية المختصة في حدود النصاب المقرر.
(هـ) عمد ومشايخ 

- الواجبات المفروضة عليهم - بعض حالات المؤاخذة التي تستوجب مجازاتهم.
(و) قرار تأديبي 

- وجوب قيامه على سبب يسوغ تدخل الإدارة لإحداث أثر قانوني هو توقيع الجزاء للغاية التي استهدفها المشرع وهي حسن سير العمل - انعدام السبب إذا لم تتوافر حالة واقعية أو قانونية تسوغ تدخل الإدارة - ليس للقضاء الإداري أن يبحث ملاءمة توقيع الجزاء أو مناقشة مقداره - ليس له أن يستأنف النظر بالموازنة والترجيح فيما يقدم لسلطات التأديب من دلائل وقرائن إثباتاً ونفياً في خصوص قيام الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب أو يتدخل في تقدير خطورة هذا السبب ومعقباته - الرقابة منحصرة في التحقق من أن نتيجة القرار مستفادة من أصول موجودة ومستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً أو قانوناً.
(ز) قرار إداري 

- قرار لجنة الشياخات بفصل عمدة لخروجه على مقتضيات وظيفته والإخلال بكرامته - استناده إلى وقائع صحيحة ثابتة بالأوراق ومؤدية إلى النتيجة التي انتهى إليها - عدم إلغائه لقيامه على سبب ومطابقته للقانون.
(ح) عمد ومشايخ 

- تأديبهم - عدم تحديد القانون عقوبة معينة لكل فعل تأديبي بذاته - تقدير تناسب الجزاء مع الذنب الإداري في نطاق القانون - من الملائمات التي تنفرد الإدارة بها - خروجها عن رقابة القضاء الإداري.
(ط) قرار إداري 

- قرار لجنة الشياخات بفصل عمدة - ثبوت أن بعض الوقائع المنسوبة إليه يمكن الغض عنها وعدم الاعتداد بها وأن باقي ما نسب إليه ينهض في جملته سبباً كافياً مبرراً للقرار - مطابقته للقانون.

-----------------
1 - نصت المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة في فقرتها الثانية على أنه "ولا تقبل الطلبات الآتية: (1).... (2) الطلبات المقدمة رأساً بإلغاء القرارات الإدارية المنصوص عليها في البندين "ثالثاً" و"رابعاً" عدا ما كان منها صادراً من مجالس تأديبية والبند "خامساً" من المادة 8، وذلك قبل التظلم منها إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية وانتظار المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم.."، وقد تناول البند "رابعاً" من المادة 8 من القانون المذكور "الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية". وجاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون "وفيما يختص بتنظيم التظلم وجعله وجوبياً بالنسبة إلى القرارات القابلة للسحب والصادرة في شأن الموظفين (مادة 12 فقرة 3)، فإن الغرض من ذلك هو تقليل الوارد من القضايا بقدر المستطاع وتحقيق العدالة الإدارية بطريق أيسر للناس، بإنهاء تلك المنازعات في مراحلها الأولى، إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه، فإن رفضته أو لم تبت فيه في خلال الميعاد المقرر فله أن يلجأ إلى طريق التقاضي. ومفاد هذا أن التظلم الوجوبي السابق - سواء إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار إن كانت هي التي تملك سحبه أو الرجوع فيه، أو إلى الهيئات الرئيسية إن كان المرجع إليها في هذا السحب، وهو الذي جعله المشرع شرطاً لقبول طلب إلغاء القرارات الخاصة بالموظفين العموميين التي عينها وقرنه بوجوب انتظار المواعيد المقررة للبت فيه - لا يصدق إلا بالنسبة إلى ما كان قابلاً للسحب من هذه القرارات، للحكمة التي قام عليها استلزام هذا التظلم، وهي الرغبة في تقليل المنازعات بإنهائها في مراحلها الأولى بطريق أيسر للناس، وذلك بالعدول عن القرار المتظلم منه، إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه. فإذا امتنع على الإدارة إعادة النظر في القرار لاستنفاد ولايتها بإصداره أو لعدم وجود سلطة رئيسية تملك التعقيب على الجهة الإدارية التي أصدرته، فإن التظلم في هذه الحالة يصبح غير مجد ولا منتج؛ وبذلك تنتفي حكمته وتزول الغاية من التربص طوال المدة المقررة، حتى تفيء الإدارة إلى الحق أو ترفض التظلم أو تسكت عن البت فيه. ويؤكد هذا النظر الاستثناء الخاص بالقرارات الصادرة من مجالس تأديبية الذي نصت عليه المادة 12 سالفة الذكر وأخرجته من عداد الطلبات المبينة في البند "رابعاً" من المادة 8 من القانون، وهي التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية؛ ذلك أن القرارات الصادرة من المجالس التأديبية لا تملك أية سلطة إدارية التعقيب عليها بالإلغاء أو التعديل؛ ومن ثم استبعدها الشارع من طائفة القرارات التأديبية التي أوجب التظلم السابق فيها إلى الإدارة قبل رفع الدعوى بإلغائها أمام القضاء، وذلك على خلاف القرارات النهائية الصادرة من السلطات التأديبية الأخرى والتي قد يجدي التظلم منها إلى هذه السلطات.
2 - إن المادة 24 من القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ - الواردة في الباب السادس وعنوانه "في رفت العمد والمشايخ إدارياً ومحاكمتهم أمام لجنة الشياخات" - نصت في فقرتيها الثالثة والرابعة على أنه "..... إذا رأى المدير أن ما ثبت على العمدة أو الشيخ يستوجب جزاء أشد أحاله إلى لجنة الشياخات لمحاكمته تأديبياً"، وللجنة أن تحكم بالإنذار أو بغرامة لا تتجاوز أربعين جنيهاً أو بالفصل من العمدية أو الشياخة"، كما نصت المادة 27 من القانون المذكور على أن "تبلغ القرارات والأحكام التأديبية الصادرة من لجنة الشياخات تنفيذاً للمادة 24 إلى وزارة الداخلية للنظر في التصديق عليها، ولها تخفيض العقوبة. على أن قرارات اللجنة تعتبر نهائية في الأحكام الصادرة منها بغرامة لا تتجاوز خمسة جنيهات...". ويبين من هذين النصين أن لجنة الشياخات هي جهة أولاها الشارع - فيما يتعلق بالعمد والمشايخ - اختصاصات عديدة، من بينها اختصاص تأديبي عندما تنعقد بهيئة تأديبية وتقوم بتوقيع إحدى العقوبات التي خولها إياها القانون، ومنها عقوبة الفصل من العمدية أو الشياخة. وهذه اللجنة - طبقاً للمادة 12 من قانون العمد والمشايخ - تشكل من أعضاء معينين بحكم وظائفهم وآخرين منتخبين، وتصدر قراراتها بأغلبية الأصوات، وهي تسمع أقوال العمدة أو الشيخ المتهم أمامها وتحقق دفاعه، وتصدر حكمها بالبراءة أو الإدانة بناء على ذلك، ثم تبلغه إلى وزارة الداخلية للنظر في التصديق عليه، وللوزارة تخفيض العقوبة إن رأت وجهاً لذلك. على أن الأحكام الصادرة من اللجنة بغرامة لا تجاوز خمسة جنيهات تعتبر نهائية، فلا يملك وزير الداخلية تعديلها، كما أن اختصاص الوزير في التعقيب على قرارات اللجنة مقصور على تخفيض العقوبة دون تشديدها أو إلغائها. وعلى أية حال فإن اللجنة متى أصدرت قرارها استنفدت به سلطتها وامتنع عليها إعادة النظر فيه لتعديله بالتشديد أو التخفيف. ومتى كان الأمر كذلك، وكانت لجنة الشياخات تباشر اختصاصاً تأديبياً كمجلس تأديب عندما توقع عقوبة على العمدة أو الشيخ، وكان من الممتنع عليها إلغاء القرار الذي تصدره بالفصل، ومن الممتنع على وزير الداخلية كذلك إلغاء هذا القرار أو قرار التصديق عليه، فإن التظلم إليها أو إلى وزير الداخلية بطلب إلغاء هذا القرار يكون غير مجد؛ ومن ثم فلا وجه للإلزام بالالتجاء إلى هذا التظلم قبل رفع دعوى الإلغاء كشرط لقبولها.
3 - متى كانت الدعوى المطروحة أمام المحكمة الإدارية العليا مهيأة للفصل فيها، وكان موضوعها قد سبق طرحه برمته على المحكمة التي أصدرت حكماً بعدم قبول الدعوى (وهو الحكم المطعون فيه)، بعد إذ أبدى ذوو الشأن ملاحظاتهم بصدده، واستوفوا فيه دفاعهم ومستنداتهم، فإن للمحكمة الإدارية العليا أن تتصدى للفصل في هذا الموضوع، ولا وجه لإعادة الدعوى إلى المحكمة الإدارية المختصة للفصل فيها من جديد.
4 - إن المادة 24 من القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ نصت في فقراتها الثانية والثالثة والرابعة والسابعة على أنه "إذا قصر العمدة أو الشيخ أو أهمل في القيام بواجباته أو أتى أمراً يخل بكرامته فللمدير أن ينذره أو أن يجازيه بغرامة لا تتجاوز مائتي قرش". "غير أنه إذا رأى المدير أن ما ثبت على العمدة أو الشيخ يستوجب جزاء أشد أحاله إلى لجنة الشياخات لمحاكمته تأديبياً". "وللجنة أن تحكم بالإنذار أو بغرامة لا تتجاوز أربعين جنيهاً أو بالفصل من العمدية أو الشياخة". "وللجنة في حالة الحكم بالرفت أن تقرر إبعاد اسم المرفوت من كشف المرشحين لمدة أقصاها خمس سنوات". كما نصت المادة 27 من القانون المذكور على أن "تبلغ القرارات والأحكام التأديبية الصادرة من لجنة الشياخات تنفيذاً للمادة 24 إلى وزارة الداخلية للنظر في التصديق عليها...". ويبين من هذا أن قانون العمد والمشايخ فرق بين الأفعال التي يمكن أن تستوجب مؤاخذة العمدة أو الشيخ من حيث درجة جسامتها ونوع الجزاء الذي يمكن توقيعه بسببها، وغاير في الجهة التي أسند إليها اختصاص توقيع هذا الجزاء بحسب مقداره، كما حدد لكل جهة نوع العقوبة التي تملك توقيعها. بيد أنه لم يحدد بالذات كل فعل وما يناسبه من جزاء، على غرار ما جرى عليه قانون العقوبات، بل ترك تحديد ذلك للسلطة التأديبية المختصة، بحسب تقديرها لدرجة جسامة الفعل وما يستأهله من جزاء في حدود النصاب المقرر.
5 - إن المادة 19 من القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ نصت على أن "عمدة القرية ومشايخها مكلفون بالمحافظة على الأمن فيها، وعليهم في دائرة القرية مراعاة أحكام القوانين واللوائح واتباع الأوامر التي تبلغ إليهم من جهات الإدارة". وقد أجملت هذه المادة واجبات العمد والمشايخ بصفتهم من حفظة الأمن وأعوان السلطة التنفيذية، ولخصت أسسها في وجوه ثلاثة وهي: (1) المحافظة على الأمن في القرية، و(2) مراعاة أحكام القوانين واللوائح، و(3) اتباع الأوامر التي تبلغ إليهم من جهات الإدارة. وقد رتب القانون المشار إليه في المادة 24 منه على التقصير أو الإهمال في القيام بشيء من هذه الواجبات جزاءات مختلفة تتفاوت في الشدة تبعاً لجسامة هذا التقصير أو الإهمال، ولم يقف المشرع في مجازاة العمدة والشيخ عند حد المؤاخذة على التقصير أو الإهمال في الواجبات المذكورة، بل قرر جواز توقيع هذه الجزاءات عينها من أجل أمور أخرى، كما في حالة فقدان العمدة أو الشيخ لشرط من الشروط المنصوص عليها في القانون، أو ظهور عجزه عن أداء واجباته، أو إتيانه أمراً يخل بكرامته. وقد استهدف المشرع بهذا كله رعاية المصلحة العامة، وضمان الاستقامة الإدارية فيما ناط به هذه الفئة من عمال المرافق العامة من واجبات، وحسن أداء هذه الواجبات، واحترام القوانين واللوائح، وإطاعة أوامر جهات الإدارة الصادرة في حدود القانون، مع المحافظة على هيبة الحاكم وكرامة ممثل السلطة العامة في القرية. فإذا فرط العمدة أو الشيخ فيما وكلت إليه أمانته بحكم وظيفته أو تهاون فيه أو أخل به أو أتى من الأفعال ما يخدش كرامته التي هي مرتبطة بكرامة الوظيفة، حق عليه الجزاء.
6 - إن القرار التأديبي، شأنه شأن أي قرار إداري آخر، يجب أن يقوم على سبب يسوغ تدخل الإدارة لإحداث أثر قانوني في حق الموظف، هو توقيع الجزاء، للغاية التي استهدفها المشرع، وهي الحرص على حسن سير العمل تحقيقاً للمصلحة العامة. ولا يكون ثمة سبب للقرار إلا إذا قامت حالة واقعية أو قانونية تبرر التدخل. وللقضاء الإداري - في حدود رقابته القانونية - أن يراقب صحة قيام هذه الوقائع وسلامة تكييفها القانوني، دون أن يتطرق إلى بحث ملاءمة توقيع الجزاء أو مناقشة مقداره، ورقابته القانونية هذه لصحة الحالة الواقعية أو القانونية لا تعني أن يحل القضاء الإداري نفسه محل السلطات التأديبية المختصة فيما هو متروك لتقديرها ووزنها، فيستأنف النظر بالموازنة والترجيح فيما يقوم لدى السلطات التأديبية المختصة من دلائل وبيانات وقرائن أحوال إثباتاً أو نفياً في خصوص قيام أو عدم قيام الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب، أو يتدخل في تقدير خطورة هذا السبب وما يمكن ترتيبه عليه من آثار، بل إن هذه السلطات حرة في تقدير هذه الخطورة وتلك الدلائل والبيانات وقرائن الأحوال، تأخذها دليلاً إذا اقتنعت بها أو تطرحها إذا تطرق الشك إلى وجدانها، ولا هيمنة للقضاء الإداري على ما تكون منه الإدارة عقيدتها واقتناعها في شيء من هذا، وإنما الرقابة التي للقضاء المذكور في ذلك تجد حدها الطبعي - كرقابة قانونية - في التحقق مما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار التأديبي في هذا الخصوص مستفادة من أصول موجودة أو أثبتتها السلطات المذكورة وليس لها وجود، وما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً أو قانوناً. فإذا كانت هذه النتيجة منتزعة من غير أصول موجودة، أو كانت مستخلصة من أصول لا تنتجها، أو كان تكييف الوقائع على فرض قيامها مادياً لا ينتج النتيجة التي يتطلبها القانون، كان القرار فاقداً لركن من أركانه وهو ركن السبب ووقع مخالفاً للقانون، أما إذا كانت النتيجة مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول ثابتة تنتجها مادياً أو قانوناً، فقد قام القرار على سببه وكان مطابقاً للقانون.
7 - إذا توافر لدى لجنة الشياخات من مجموع العناصر التي طرحت عليها الاقتناع بأن العمدة أو الشيخ سلك سلوكاً معيباً ينطوي على تقصير أو إهمال في القيام بواجباته، أو خروج على مقتضيات وظيفته، أو إخلال بكرامته، ويدعوها إلى عدم الاطمئنان إلى صلاحيته بناء على ذلك للقيام بأعباء وظيفته، وكان اقتناعها هذا مجرداً عن الميل أو الهوى، فبنت عليه قرارها بإدانة سلوكه، ورأت لمصلحة الأمن ومصلحة الأهالي معاً إقصاءه عن هذه الوظيفة مع حرمانه من الترشيح للعمدية لمدة خمس سنوات كنتيجة طبيعية لذلك، واستنبطت هذا كله من وقائع صحيحة ثابتة في عيون الأوراق ومؤدية إلى النتيجة التي خلصت إليها، فإن قرارها في هذا الشأن يكون قائماً على سببه ومطابقاً للقانون ومعصوماً من الإلغاء.
8 - لما كان المشرع لم يحدد في قانون العمد والمشايخ عقوبة معينة لكل فعل تأديبي بذاته بحيث تتقيد الإدارة بالعقوبة المقررة له وإلا وقع قرارها مخالفاً للقانون، فإن تقدير تناسب الجزاء مع الذنب الإداري في نطاق تطبيق هذا القانون يكون من الملائمات التي تنفرد الإدارة بتقديرها والتي تخرج عن رقابة القضاء الإداري.
9 - إذا ثبت أن من بين الوقائع التي قدم العمدة من أجلها إلى لجنة الشياخات فقررت فصله ما يمكن إطراحه أو الغض عنه وعدم الاعتداد به، وأن في باقي ما نسب إليه من وقائع ما ينهض في جملته سبباً كافياً مبرراً للمؤاخذة التأديبية التي انتهى إليها قرار اللجنة المذكورة - وهي وقائع لها دلالتها في تقدير سلوكه، وقد استخلصت منها اللجنة اقتناعها بإدانته استخلاصاً سائغاً يجعل قرارها قائماً على سببه ومطابقاً للقانون، دون أن تكون للقضاء الإداري رقابة على تقدير الجزاء الذي رأت اللجنة توقيعه - إذا ثبت ما تقدم، فإن هذا القرار يكون في محله، ويتعين القضاء برفض الدعوى بطلب إلغائه.


إجراءات الطعن

في 13 من يناير سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 151 لسنة 3 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لرياسة الجمهورية ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بجلسة 25 من نوفمبر سنة 1956 في الدعوى رقم 737 لسنة 2 القضائية المقامة من محمد محمد طه محمدين ضد وزارة الداخلية، القاضي "بعدم قبول الدعوى شكلاً، وألزمت المدعي بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإعادة الدعوى إلى المحكمة الإدارية المختصة للفصل فيها من جديد". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الداخلية في 20 من يناير سنة 1957، وإلى المطعون لصالحه في 9 من فبراير سنة 1957، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 6 من إبريل سنة 1957. وقد أودع المطعون لصالحه مذكرة بملاحظاته في 7 من مارس سنة 1957 انتهى فيها إلى طلب "الحكم بالطلبات الواردة بتقرير الطعن". ولم تقدم الحكومة مذكرات ما في الميعاد القانوني. وفي 17 من مارس سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة 4 من مايو سنة 1957، وأعادت الدعوى إلى المرافعة لجلسة 18 منه، ثم حجزت الطعن للحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
عن عدم قبول الدعوى:
من حيث إن المطعون لصالحه أقام الدعوى رقم 737 لسنة 2 القضائية ضد وزارة الداخلية أمام المحكمة الإدارية لرياسة الجمهورية ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 27 من سبتمبر سنة 1955 قال فيها وفي مذكراته التي قدمها بعد ذلك إنه عين عمدة لناحية الكردي مركز دكرنس دقهلية في 23 من سبتمبر سنة 1939، وظل يباشر وظيفته زهاء ستة عشر عاماً حتى شهر إبريل سنة 1955، حيث أعلن بقرار اتهام بالحضور بجلسة 20 من إبريل سنة 1955 أمام لجنة شياخات مديرية الدقهلية؛ لاتهامه في القضيتين رقمي 176 و177 لسنة 1955 اللتين قررت اللجنة ضمهما لبعضهما وتأجيل نظر الموضوع بجلسة 30 من أغسطس سنة 1955، وفي هذه الجلسة أصدرت اللجنة قرارها بفصله بأغلبية الأصوات، وأرسلت الأوراق إلى وزارة الداخلية لعرضها على السيد الوزير الذي وافق على قرار اللجنة. وقد انحصرت التهم التي قدم بها في القضية رقم 176 لسنة 1955 في: (1) إهمال القيام بواجبات وظيفته وذلك: " أ " لعدم إثبات قيامه بالإجازة المصرح له بها في 12 من مارس سنة 1955 بدفتر أحوال البلد، و"ب" تغيبه عن بلده بدون إذن من 19 من مارس سنة 1955 إلى 30 منه، و"جـ" عدم إشرافه على حالة الأمن مما أدى إلى وقوع الجناية رقم 315 حريق عمد لسنة 1955، و(و) عدم حضوره عملية فرز واقتراع أنفار القرعة في 26 من مارس سنة 1955 - مع أن هذه الأدلة غير كافية لتبرير قرار الفصل وغير ثابتة ولا تؤدي إلى النتيجة التي وصل إليها القرار، كما أن تواريخها توحي بأنها جمعت بعد تحديد الجلسة الأولى للجنة الشياخات لغرض خاص. (2) تقديمه شكاوى كيدية ضد موظفي المسجد ببلده لفرض سلطانه عليهم - مع أن هذا من صميم اختصاصه ولا يعد إخلالاً منه بواجبه؛ بدليل أن وكيل المديرية طلب نقل إمام المسجد. (3) عدم سداده الأموال الأميرية مما كان سبباً في وقفه عن عمله، واستيلاءه على مبالغ كبيرة من بنك التسليف بطرق احتيالية وعدم سداده لها، حتى تعددت ضده الحجوزات وقضايا التبديد - وهذا اتهام غير جدي؛ لأنه قام بسداد جميع الأموال الأميرية المطلوبة منه، كما قسط مطلوبات بنك التسليف ودفع معظمها، وليس من اختصاص لجنة الشياخات بحث العلاقات المالية بينه وبين البنك، وقد حفظت تهم التبديد المسندة إليه أو برئ منها. أما التهمة الموجهة إليه في القضية التأديبية رقم 177 لسنة 1955 - وهي عدم أمانته في الإدلاء بمعلوماته بصفته عمدة للبلدة، مما يتنافى مع طبيعة وظيفته وواجباته ويفوت على العدالة أن تأخذ مجراها - فهي تهمة غير صحيحة، كما يبين من الأوراق الخاصة بهذا الموضوع. وقد جانب قرار وزير الداخلية القانون؛ بتأييده قرار لجنة الشياخات الذي بني على وقائع غير صحيحة، وخرج على الضمانات المقررة للمحاكمات التأديبية بعدم إجراء تحقيق مع المدعي في التهم المنسوبة إليه، ولم يستخلص النتيجة التي انتهى إليها استخلاصاً سائغاً من أصول ثابتة في الأوراق، إذ أن ما بالأوراق لا يبرر توقيع عقوبة الفصل بحسب نصوص القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ وروحه. وخلص المدعي من هذا إلى طلب الحكم بإلغاء قرار لجنة شياخات مديرية الدقهلية الصادر في 30 من أغسطس سنة 1955، والذي صدق عليه وزير الداخلية، وانعدام كل أثر له فيما قضى به من فصل المدعي من وظيفته عمدة ناحية الكردي مركز دكرنس، وما ترتب على ذلك من آثار، مع إلزام وزارة الداخلية بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقد ردت وزارة الداخلية على هذه الدعوى بأن سردت وقائع التهم التأديبية التي حوكم من أجلها المدعي، وتقرر فصله من العمدية، وأوضحت أن لجنة الشياخات قررت هذا الفصل بأغلبية الآراء لعدم صلاحيته، نظراً إلى أن مسلكه في أداء واجباته وفي معاملته مع الناس لا يتفق وما تفرضه عليه وظيفته. وإلى أنه يستغل وظيفته أسوأ استغلال، الأمر الذي يجعل بقاءه في وظيفته بالغ الضرر بصالح الأمن العام وبمصالح أهالي بلده، كما قررت اللجنة حرمانه من الترشيح لمدة خمس سنوات. وقد عرضت أوراق المحاكمة وقرار اللجنة على السيد وزير الداخلية، فوافق على القرار في 19 من سبتمبر سنة 1955. وبجلسة 25 من نوفمبر سنة 1956 قضت المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية ووزارات الداخلية والخارجية والعدل "بعدم قبول الدعوى شكلاً. وألزمت المدعي بالمصروفات". وأقامت قضاءها على أن المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة نصت على أن الطلبات المقدمة رأساً بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو الترقية أو بمنح علاوات، والقرارات الإدارية النهائية الصادرة بإحالة الموظفين العموميين إلى المعاش أو الاستيداع أو فصلهم من غير الطريق التأديبي، والقرارات الإدارية النهائية المبينة بالبند الرابع من المادة الثالثة عدا ما كان منها صادراً من مجالس تأديبية - هذه الطلبات جميعاً لا يجوز قبولها قبل التظلم منها إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار، أو الهيئات الرئيسية، ثم انتظار المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم؛ ومن ثم فإن التظلم من القرارات المذكورة وانتظار المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم أصبح شرطاً لقبول طلب الإلغاء. فإذا ما رفع الطلب رأساً إلى المحكمة قبل التظلم أو قبل انقضاء المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم، وجب الحكم بعدم قبول الدعوى؛ ذلك أن القانون رتب البطلان على إغفال هذه الإجراءات التي عدها من الأمور الجوهرية بالنسبة إلى القرارات الإدارية النهائية التي عينها، والتي يرد عليها طلب الإلغاء. وقد صدر قرار لجنة الشياخات بجلسة 30 من أغسطس سنة 1955 بفصل المدعي من وظيفته تأديبياً، فتظلم منه إلى وزير الداخلية في 15 من سبتمبر سنة 1955، وفي 19 من سبتمبر سنة 1955 صدق الوزير على قرار اللجنة، فقام المدعي برفع دعواه طالباً إلغاء قرار وزير الداخلية القاضي بالتصديق على قرار لجنة الشياخات المشار إليه، في حين أن قرار اللجنة هذا لا يعتبر قراراً إدارياً نهائياً يجوز الطعن فيه أمام القضاء الإداري؛ وذلك بناء على نص المادة 27 من القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ. ولا يصبح نهائياً إلا بعد أن يصادق عليه وزير الداخلية الذي له سلطة تخفيض العقوبة. ولما كان التظلم المقدم من المدعي في 15 من سبتمبر سنة 1955 قد انصب على قرار لجنة الشياخات، وهو قرار غير نهائي، كما أنه قدم قبل تصديق الوزير على قرار اللجنة، بينما التظلم، الذي أوجبته المادة 12 من قانون مجلس الدولة والذي هو شرط لقبول دعوى الإلغاء، يجب أن يرد على قرار إداري نهائي، هو القرار الصادر من وزير الداخلية بالتصديق على قرار لجنة الشياخات، فإن الدعوى تكون غير مقبولة لرفعها مباشرة أمام المحكمة دون التظلم من قرار وزير الداخلية الصادر في 19 من سبتمبر سنة 1955 بالتصديق على قرار لجنة الشياخات. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 13 من يناير سنة 1957، واستند في أسباب طعنه إلى أنه يبين من البند الثاني من المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة أن القرار الصادر من مجلس تأديبي يكون صالحاً للطعن فيه مباشرة دون حاجة إلى التظلم منه. وقد كشفت المذكرة الإيضاحية للقانون المشار إليه عن الغرض من التظلم وهو تقليل الوارد من القضايا وتيسير تحقيق العدالة، وهذا الغرض غير متحقق بالنسبة إلى المجالس التأديبية حيث تنتهي ولايتها بإصدار قراراتها. وبالرجوع إلى المادة 27 من القانون رقم 141 لسنة 1947 يتضح أن الصفة الأساسية لقرار لجنة الشياخات هي أنه قرار تأديبي صادر عن محاكمة تأديبية لها كل خصائصها، وأن سلطة وزير الداخلية في هذا الشأن لا تعدو خفض العقوبة في بعض الحالات دون تشديدها أو إلغائها، بل إنه لا اختصاص له أصلاً إذا ما كانت العقوبة التي وقعتها اللجنة هي الغرامة التي لا تجاوز خمسة جنيهات. فإذا كان ما يطلبه المدعي هو إلغاء القرار الصادر من لجنة الشياخات فلا إلزام عليه بأن يتظلم قبل رفع دعواه، بل له أن يرفع هذه الدعوى إلى القضاء الإداري مباشرة ما دام الإلغاء ممتنعاً على الوزير، ولا جدوى من التظلم إليه في هذا الشأن وانتظار قراره فيه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تأويله وتطبيقه وتكون قد قامت به إحدى حالات الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا. وانتهى السيد رئيس هيئة المفوضين من هذا إلى طلب "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإعادة الدعوى إلى المحكمة الإدارية المختصة للفصل فيها من جديد". وقد أودع المطعون لصالحه سكرتيرية المحكمة في 7 من مارس سنة 1957 مذكرة بملاحظاته قال فيها إن المشرع حدد الجهات التي تتولى توقيع الجزاءات التأديبية التي تبدأ بعقوبة الإنذار وتنتهي بعقوبة الفصل بالنسبة إلى العمد والمشايخ بوصفهم من الموظفين العموميين، ومنح هذه السلطة للمدير وللجنة الشياخات. وأنه يتضح من نصوص المواد 24 و25 و27 من القانون رقم 141 لسنة 1947 أن لجان الشياخات ما هي إلا مجالس تأديبية تصدر قرارات وأحكاماً تأديبية، وأن وزارة الداخلية عندما يعرض عليها قرار لجنة الشياخات لا تملك إلغاء عقوبة الفصل، وكل ما لها هو سلطة التصديق على القرار أو تعديله بتخفيض العقوبة المقضى بها على أنها إذا استعملت هذه السلطة مرة امتنع عليها استعمالها مرة أخرى. وما دام الأمر كذلك فإن التظلم من قرار الوزير يصبح غير مجد؛ لأن هذا الأخير لا يملك العدول عن قرار التصديق، كما لا يملك إلغاء عقوبة الفصل. وبناء على ذلك يصبح من حق المدعي أن يلجأ إلى القضاء مباشرة. وخلص المدعي من هذا إلى طلب "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإعادة الدعوى إلى المحكمة الإدارية المختصة للفصل فيها من جديد".
ومن حيث إن المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة نصت في فقرتها الثانية على أنه "ولا تقبل الطلبات الآتية: (1)... (2) الطلبات المقدمة رأساً بإلغاء القرارات الإدارية المنصوص عليها في البندين "ثالثاً" و"رابعاً" عدا ما كان منها صادراً من مجالس تأديبية والبند "خامساً" من المادة 8، وذلك قبل التظلم منها إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية، وانتظار المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم..."، وقد تناول البند "رابعاً" من المادة 8 من القانون المذكور "الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية". وجاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون "وفيما يختص بتنظيم التظلم وجعله وجوبياً بالنسبة إلى القرارات القابلة للسحب والصادرة في شأن الموظفين (مادة 12 فقرة 3)، فإن الغرض من ذلك هو تقليل الوارد من القضايا بقدر المستطاع وتحقيق العدالة الإدارية بطريق أيسر للناس بإنهاء تلك المنازعات في مراحلها الأولى إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه، فإن رفضته أو لم تبت فيه في خلال الميعاد المقرر، فله أن يلجأ إلى طريق التقاضي". ومفاد هذا أن التظلم الوجوبي السابق - سواء إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار إن كانت هي التي تملك سحبه أو الرجوع فيه، أو إلى الهيئات الرئيسية إن كان المرجع إليها في هذا السحب، وهو الذي جعله المشرع شرطاً لقبول طلب إلغاء القرارات الخاصة بالموظفين العموميين التي عينها وقرنه بوجوب انتظار المواعيد المقررة للبت فيه - لا يصدق إلا بالنسبة إلى ما كان قابلاً للسحب من هذه القرارات؛ للحكمة التي قام عليها استلزام هذا التظلم؛ وهي الرغبة في تقليل المنازعات بإنهائها في مراحلها الأولى بطريق أيسر للناس، وذلك بالعدول عن القرار المتظلم منه، إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه. فإذا امتنع على الإدارة إعادة النظر في القرار لاستنفاد ولايتها بإصداره أو لعدم وجود سلطة رئيسية تملك التعقيب على الجهة الإدارية التي أصدرته، فإن التظلم في هذه الحالة يصبح غير مجد ولا منتج، وبذلك تنتفي حكمته وتزول الغاية من التربص طوال المدة المقررة حتى تفيء الإدارة إلى الحق أو ترفض التظلم أو تسكت عن البت فيه. ويؤكد هذا النظر الاستثناء الخاص بالقرارات الصادرة من مجالس تأديبية الذي نصت عليه المادة 12 سالفة الذكر، وأخرجته من عداد الطلبات المبينة في البند "رابعاً" من المادة 8 من القانون وهي التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية؛ ذلك أن القرارات الصادرة من المجالس التأديبية لا تملك أية سلطة إدارية التعقيب عليها بالإلغاء أو التعديل؛ ومن ثم استبعدها الشارع من طائفة القرارات التأديبية التي أوجب التظلم السابق فيها إلى الإدارة قبل رفع الدعوى بإلغائها أمام القضاء، وذلك على خلاف القرارات النهائية الصادرة من السلطات التأديبية الأخرى والتي قد يجدي التظلم منها إلى هذه السلطات.
ومن حيث إن المادة 24 من القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ - الواردة في الباب السادس وعنوانه "في رفت العمد والمشايخ إدارياً ومحاكمتهم أمام لجنة الشياخات" - نصت في فقرتيها الثالثة والرابعة على أنه "... إذا رأى المدير أن ما ثبت على العمدة أو الشيخ يستوجب جزاء أشد أحاله إلى لجنة الشياخات لمحاكمته تأديبياً"، "وللجنة أن تحكم بالإنذار أو بغرامة لا تتجاوز أربعين جنيهاً أو بالفصل من العمدية أو الشياخة". كما نصت المادة 27 من القانون المذكور على أن "تبلغ القرارات والأحكام التأديبية الصادرة من لجنة الشياخات تنفيذاً للمادة 24 إلى وزارة الداخلية للنظر في التصديق عليها. ولها تخفيض العقوبة. على أن قرارات اللجنة تعتبر نهائية في الأحكام الصادرة منها بغرامة لا تتجاوز خمسة جنيهات...". ويبين من هذين النصين أن لجنة الشياخات هي جهة أولاها الشارع - فيما يتعلق بالعمد والمشايخ - اختصاصات عديدة، من بينها اختصاص تأديبي عندما تنعقد بهيئة تأديبية وتقوم بتوقيع إحدى العقوبات التي خولها إياها القانون، ومنها عقوبة الفصل من العمدية أو الشياخة. وهذه اللجنة طبقاً للمادة 12 من قانون العمد والمشايخ تشكل من أعضاء معينين بحكم وظائفهم وآخرين منتخبين، وتصدر قراراتها بأغلبية الأصوات. وهي تسمع أقوال العمدة أو الشيخ المتهم أمامها، وتحقق دفاعه، وتصدر حكمها بالبراءة أو الإدانة بناء على ذلك، ثم تبلغه إلى وزارة الداخلية للنظر في التصديق عليه. وللوزارة تخفيض العقوبة إن رأت وجهاً لذلك. على أن الأحكام الصادرة من اللجنة بغرامة لا تجاوز خمسة جنيهات تعتبر نهائية، فلا يملك وزير الداخلية تعديلها. كما أن اختصاص الوزير في التعقيب على قرارات اللجنة مقصور على تخفيض العقوبة دون تشديدها أو إلغائها. وعلى أية حال، فإن اللجنة متى أصدرت قرارها استنفدت به سلطتها، وامتنع عليها إعادة النظر فيه لتعديله بالتشديد أو التخفيف. ومتى كان الأمر كذلك، وكانت لجنة الشياخات تباشر اختصاصاً تأديبياً كمجلس تأديب عندما توقع عقوبة على العمدة أو الشيخ، وكان من الممتنع عليها إلغاء القرار الذي تصدره بالفصل، ومن الممتنع على وزير الداخلية كذلك إلغاء هذا القرار أو قرار التصديق عليه، فإن التظلم إليها أو إلى وزير الداخلية بطلب إلغاء هذا القرار يكون غير مجد؛ ومن ثم فلا وجه للإلزام بالالتجاء إلى هذا التظلم قبل رفع دعوى الإلغاء كشرط لقبولها. ولما كان المدعي قد حدد في مذكرته الأولى أمام المحكمة الإدارية أنه يطلب "إلغاء قرار لجنة شياخات مديرية الدقهلية الصادر في 30 من أغسطس سنة 1955، والذي صدق عليه وزير الداخلية، فيما قضى به من فصل المدعي من وظيفة عمدة ناحية الكردي مركز دكرنس وما يترتب على ذلك من آثار"، فإن طلبه هذا بوصفه موجهاً إلى القرار الإداري النهائي الصادر من وزير الداخلية بالتصديق على قرار لجنة الشياخات يكون مقبولاً. وإذ قضى الحكم المطعون فيه بغير ذلك، فإنه يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، ويتعين القضاء بإلغائه.
عن الموضوع:
من حيث إنه متى كانت الدعوى مهيأة للفصل فيها، وكان موضوعها قد سبق طرحه برمته على المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه، بعد إذ أبدى ذوو الشأن ملاحظاتهم بصدده، واستوفوا فيه دفاعهم ومستنداتهم، فإن لهذه المحكمة أن تتصدى للفصل في هذا الموضوع، ولا وجه لإعادة الدعوى إلى المحكمة الإدارية المختصة للفصل فيها من جديد.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة - حسبما يبين من أوراق الطعن - تتحصل في أن المدعي، وقد كان عمدة لناحية الكردي مركز دكرنس دقهلية، قدم للمحاكمة التأديبية أمام لجنة الشياخات بمديرية الدقهلية؛ لاتهامه (أولاً): في القضية التأديبية رقم 176 لسنة 1955 (1) بالإهمال في القيام بالواجبات التي تفرضها عليه وظيفته، وذلك: - أ - لعدم إثبات قيامه بالإجازة المصرح له بها في 12 من مارس سنة 1955 بدفتر أحوال البلدة. - ب - لتغيبه عن بلدته ومغادرته لها بدون إذن من 19 من مارس سنة 1955 حتى 30 منه. - ج - لعدم إشرافه إشرافاً فعلياً على حالة الأمن مما أدى إلى وقوع حوادث ببلدته آخرها الجناية رقم 1315 حريق عمد سنة 1955 التي كان معظم المتهمين قها يمتون له بصلة القرابة والنسب. - د - لعدم حضوره عملية فرز واقتراع أنفار القرعة في 26 من مارس سنة 1955. (2) بتقديم شكاوى كيدية ضد موظفي المسجد ببلده، محاولاً بذلك فرض سلطانه عليهم. (3) بعدم سداد الأموال الأميرية مما كان سبباً في وقفه عن عمله، واستيلائه على مبالغ كبيرة من بنك التسليف بطرق احتيالية وعدم سداده لها حتى تعددت الحجوزات وقضايا التبديد ضده. (ثانياً): في القضية التأديبية رقم 177 لسنة 1955 بعدم الأمانة في الإدلاء بمعلوماته بصفته عمدة للبلدة، مما يتنافى مع طبيعة وظيفته وواجباتها، ويفوت على العدالة أن تأخذ مجراها. وقد قررت لجنة الشياخات بجلسة 20 من إبريل سنة 1955 ضم هاتين القضيتين التأديبيتين إلى بعضهما. وبجلسة 30 من أغسطس سنة 1955 أصدرت قرارها فيهما حضورياً وبأغلبية الآراء بفصل المدعي من وظيفة العمدية لعدم صلاحيته، مع حرمانه من الترشيح لمدة خمس سنوات. وفي 19 من سبتمبر سنة 1955 وافق وزير الداخلية على هذا القرار. وقد أقام المدعي دعواه الحالية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة الإدارية في 27 من سبتمبر سنة 1955 طلب فيها "الحكم بإلغاء قرار لجنة شياخات مديرية الدقهلية الصادر في 30 من أغسطس سنة 1955 وانعدام كل أثر له، ثم أوضح في مذكراته أنه يطلب "إلغاء قرار لجنة شياخات مديرية الدقهلية الصادر في 30 من أغسطس سنة 1955 والذي صدق عليه وزير الداخلية فيما قضى به من فصل المدعي من وظيفة عمدة ناحية الكردي مركز دكرنس، وما يترتب على ذلك من آثار". ونعى على هذا القرار وقوعه مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة ومخالفته للقانون، ورد على وقائع الاتهام التي حوكم وفصل من وظيفته من أجلها بأنه حصل على إجازته في 12 من مارس سنة 1955 بعد موافقة المركز الذي أخطر بها بإشارة تليفونية، وأنه ليس من شأنه إثبات ذلك في دفتر الأحوال. وأنكر تغيبه عن بلدته في الفترة من 19 إلى 30 من مارس سنة 1955 مؤكداً مباشرته لأعمال وظيفته في هذه الفترة؛ بدليل توجهه إلى إدارة التجنيد خلالها بصحبة المقترعين من أبناء قريته ومقابلته رئيس مجلس التجنيد وتقديمه الأوراق اللازمة، وحضوره عملية الفرز والاقتراع في يوم 26 من مارس سنة 1955، وأنه لم يتغيب عن قريته إلا ليلة 29 من مارس سنة 1955 لاضطراره لاصطحاب زوجته إلى المنصورة لمعالجتها من مرض مفاجئ ألم بها؛ كما تدل على ذلك التذاكر الطبية التي قدمها. أما اتهامه بأنه لم يشرف إشرافاً فعلياً على حالة الأمن في بلدته مما أدى إلى وقوع الجناية رقم 1315 لسنة 1955 دكرنس حريق عمد فلا سند له؛ لأن الأمر لم يعد جريمة واحدة دبرت في الخفاء، وارتكبت في مكان ناء، وما كان في الوسع تلافيها، ولا يدل وقوعها على إهمال العمدة أو تراخيه، ولا على اضطراب حبل الأمن، وقد قيدت ضد مجهول. ولما سئل المجني عليه في محضر التحقيق الإداري عن مسئولية العمدة عنها وصلته بمرتكبيها نفى تلك المسئولية وهذه الصلة. وأما الادعاء بعدم حضوره عملية الفرز في 26 من مارس سنة 1955 فيدحضه ما هو ثابت بكتاب رئيس مجلس التجنيد بالدقهلية إلى مركز دكرنس من أنه حضر وأتم المطلوب منه. وفيما يتعلق باتهامه بتقديم شكاوى كيدية ضد إمام المسجد في قريته، فحقيقة الحال أن أهالي القرية دأبوا على الشكوى من الإمام المذكور بعد إذ ضاقوا به ذرعاً بسبب إغفاله القيام بواجباته وتغيبه عن البلدة لإقامته في بلدة أخرى، فما كان من المدعي بصفته عمدة البلدة إلا أن طلب إلى وزارة الأوقاف العمل على نقله، وأيده في هذا وكيل المديرية الذي تحقق بنفسه من صحة الشكوى، وطالب بنقل الإمام من القرية، ولكن رجال وزارة الأوقاف - وبصفة خاصة مفتش المساجد بالمنطقة الذي يمت بصلة إلى الإمام - أصروا على بقاء هذا الأخير، واتهموا العمدة بمحاولته بسط سلطانه عليه وبأن سمعته غير طيبة. أما فيما يختص بتهمة عدم سداد الأموال الأميرية والاستيلاء على مبالغ كبيرة من بنك التسليف بطرق احتيالية وعدم أدائها حتى تعددت الحجوزات وقضايا التبديد ضده، فإن هذا كله لا صلة له بوظيفة المدعي، بل يرجع إلى علاقته بالحكومة كممول وعلاقته بالبنك كعميل. ومع ذلك فقد قام بسداد جميع الأموال الأميرية المستحقة عليه، واتفق مع البنك على تقسيط السلفة التي حصل عليها منه، ووفى جميع أقساطها، كما برئ بأحكام قضائية نهائية وبقرارات حفظ قطعية من تهم التبديد التي أسندت إليه، وما كان يسوغ للجنة الشياخات بعد ذلك أن تقضي بفصله من العمدية من أجل هذا السبب، ولكنها فعلت ذلك مدفوعة بالرغبة في الكيد له والتخلص منه إرضاء لمن ناصبوه العداء من رجال الإدارة ودبروا له الاتهامات لأغراض شخصية لتراخيه في الإذعان لمطالبهم غير القانونية؛ وبذلك جاء قرارها مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة، مناقضاً لما هو ثابت بالأوراق الرسمية، وخلواً من الأسباب الواقعية المستقاة من أصول ثابتة في الأوراق، بل ومهدراً لما قضت به الأحكام القضائية النهائية. وقد كان هذا أيضاً هو مسلك اللجنة إزاءه بالنسبة إلى تهمة عدم الأمانة في الإدلاء بمعلوماته بصفته عمدة للبلدة في الشكوى الإدارية رقم 4056 لسنة 1954 مركز دكرنس الخاصة بنزاع على وضع يد على قطعة أرض بزمام ناحية الكردي كانت لوكيل حكمدار الدقهلية ومفتش المنطقة مصلحة في تمكين قريب لهما من وضع يده عليها، فلما اعترض المدعي على ذلك دبرا له هذه التهمة التي تعجلت لجنة الشياخات بإدانته من أجلها، قبل أن تبت النيابة في موضوع الشكوى، مع أن اللجنة كانت قد أرجأت محاكمته حتى يتم التصرف في الشكوى المذكورة، الأمر الذي يصم قرار اللجنة بعيب مخالفة القانون، ولا سيما أن النيابة لم تر مساءلة المدعي عن الإدلاء بمعلومات كاذبة بعد إذ تحقق لها صدق أقواله وسلامة موقفه من النزاع القائم حول تسليم الأرض موضوع الشكوى والذي مرجع الأمر فيه إلى القضاء المدني، وحرصه على تنفيذ الأوامر الصادرة إليه بما يحول دون وقوع أي إخلال بالأمن العام، وعدم استماعه لما طلبه منه وكيل الحكمدار من مساعدة قريبه في وضع يده على هذه الأرض احتراماً للقانون وتنفيذاً لأحكامه في شأن كان لا يزال موضع تحقيق لم تتخذ النيابة فيه قراراً نهائياً. أما التقرير الذي قدمه رئيس مباحث المديرية ضد المدعي ووصمه فيه باستغلال النفوذ وإفساد الأداة الحكومية باستعمال طرق ملتوية، فإن هذه الورقة لم تتضمنها صحيفة الاتهام، وإنما حررت في 16 من إبريل سنة 1955 خدمة لأغراض وكيل الحكمدار حتى توضع تحت نظر لجنة الشياخات التي انعقدت في 20 من إبريل سنة 1955. وقد تجنى فيها رئيس المباحث على المدعي؛ إذ زعم أنه أثرى من استغلال نفوذه، مع أن لجنة فحص الإقرارات انتهت إلى حفظ التحقيق المتعلق بفحص إقرار الذمة المالية الخاص به. كما افترى عليه في ادعائه بأنه حزبي أفاد من الحزبية؛ ذلك أنه ظل عمدة في قريته منذ سنة 1939 حتى سنة 1955، وقد تعاقبت على حكم البلاد طوال تلك الفترة وزارات من أحزاب مختلفة وأخرى مستقلة ولم تنكل به إحداها لانتمائه إلى حزب وزارة معينة، وقد ساهم في أعمال إنسانية وخيرية كثيرة بالقرية، كما عمل على التوفيق بين العائلات، وتفانى في خدمة الصالح العام. وإذا كان القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ قد نص في المادة 24 منه على تدرج العقوبات التي تفرض على العمدة أو الشيخ إذا قصر أو أهمل في القيام بواجبات وظيفته أو أتى أمراً يخل بكرامته، فإن لجنة الشياخات تكون قد أخطأ عندما رأت أنه يستحق المؤاخذة للأسباب المتقدم ذكرها، ويكون قد أخطأها التوفيق كذلك عندما قضت بفصله وحرمانه من حق الترشيح لمدة خمس سنوات موقعة عليه بذلك أقصى عقوبة. وما يؤخذ على قرار اللجنة من عيب إساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون يمكن أن يؤخذ أيضاً على تصديق وزير الداخلية على هذا القرار.
ومن حيث إن وزارة الداخلية ردت على الدعوى بأن المدعي رخص له في إجازة اعتيادية لمدة أسبوع اعتباراً من 12 من مارس سنة 1955، وفي 29 من مارس سنة 1955 وقعت جناية حريق ساقية عمد قيدت برقم 1315 جنايات سنة 1955 دكرنس، ولما قام مأمور المركز للناحية لم يجد العمدة بها، وبمراجعة دفتر الأحوال لم يجد به ما يثبت قيام العمدة بالإجازة، وبسؤال عامل التليفون قرر أن العمدة قام بالإجازة ولم يثبت ذلك بدفتر الأحوال. ولما كانت هذه الإجازة تنتهي في 18 من مارس سنة 1955 فقد كان متعيناً عليه العودة يوم 19 منه، بيد أنه ظل غائباً عن البلدة حتى 30 من مارس سنة 1955، مما يدل على استهتاره بالوظيفة واستخفافه بواجباتها. وقد وقعت جناية الحريق العمد المشار إليها أثناء غيابه، وتبين من التحقيق أن الباعث على ارتكابها هو الكيد؛ لوجود نزاع على شراء قطعة أرض بين المجني عليه والمتهمين ومعظمهم من أقارب العمدة وأصهاره. وكان قد سبق هذا الحادث بأسبوع وقوع حريق في دريس للمجني عليه لم يبلغ عنه؛ مما يثبت أن العمدة كان على علم بهذا النزاع، وأنه لو قام بواجبه لأمكنه التوفيق بين المجني عليه والمتهمين من أقاربه لصيانة الأمن قبل أن يستفحل الأمر، كما أنه لم يبلغ المركز بهذا النزاع في حينه، ولما طلب لحضور لجنة فرز أنفار القرعة في يوم 26 من مارس سنة 1955 لم يحضرها رغم إعلانه بها مما عطل أعمال اللجنة، كما يتضح ذلك من مذكرة رئيس مجلس التجنيد. هذا إلى أن المدعي قدم شكاوى ضد إمام مسجد البلدة وموظفيه، ولما أرسلت نتيجة التحقيق إلى وزارة الأوقاف تبين لها أن هذه الشكاوى كيدية؛ لأن الإمام رجل عالم يؤدي عمله بانتظام، وإنما يعزى سبب الشكاوى إلى نزاع بينه وبين العمدة وإلى أن هذا الأخير كان يقصد منها إخضاع إمام المسجد ومستخدميه لسلطته. وقد أوقف العمدة في 23 من ديسمبر سنة 1954 بناء على طلب المركز والقسم المالي لعدم سداده الأموال الأميرية، وتبين من التحقيق أنه اعتاد ذلك حتى تعددت ضده الحجوزات وقضايا التبديد، الأمر الذي يجعله قدوة سيئة لأهالي بلدته ويشجعهم على سلوك مسلكه. وقد رفع عنه الوقف بعد أن سدد أموال سنة 1954، إلا أنه تبين أنه استولى على مبلغ 500 م و712 ج من بنك التسليف بطرق احتيالية ولم يقم بسداده في مواعيد استحقاقه، مما اضطر البنك إلى الحجز عليه وتعيين والده حارساً على المحجوزات ولكنه بددها وحررت عن ذلك محاضر التبديد أرقام 1370 و1371 و1372 جنح دكرنس سنة 1955، كما أنه تبين من تحقيق الشكوى الإدارية رقم 4056 دكرنس سنة 1955 تضارب المدعي في أقواله وعدم أمانته في الإدلاء بمعلوماته حسب الواقع لتمكين العدالة من أن تأخذ مجراها. ونظراً إلى ما ثبت من أن المدعي قد أخل إخلالاً جسيماً بواجبات وظيفته مما زعزع الثقة فيه، فقد قررت المديرية إحالته إلى لجنة الشياخات لمحاكمته. وبجلسة 20 من إبريل سنة 1955 قررت اللجنة ضم القضيتين التأديبيتين المتهم فيهما وإرجاء نظرهما لحين تصرف النيابة في قضايا التبديد وقضية التعرض موضوع الشكوى الإدارية سالفة الذكر. وقد حفظت قضية التبديد رقم 1370 لسنة 1955 لعدم الأهمية، وقيدت القضية رقم 1371 لسنة 1955 ضد متهم آخر غير المدعي، وحكم في القضية رقم 1372 لسنة 1955 ببراءة المدعي، كما حكم ببراءته في القضية رقم 138 جنح دكرنس سنة 1955. وقد ذكر مأمور المركز أنه على الرغم من حفظ بعض هذه القضايا والحكم بالبراءة في البعض الآخر، فإن العمدة يجب أن يكون قدوة حسنة لسائر أفراد البلدة في سداد الأموال الأميرية ومطلوبات بنك التسليف في مواعيدها، ولكن المدعي استعمل طرقاً احتيالية للاستيلاء على سلف باهظة من بنك التسليف، وماطل في السداد حتى حجز عليه وحررت ضده محاضر تبديد، وهذا مسلك يحط من كرامته ويقلل من هيبته كما يزعزع الثقة فيه كعمدة للبلدة. وقد دافع العمدة عن نفسه أمام لجنة الشياخات بأقواله المدونة بمحضر الجلسة، غير أن اللجنة رأت إدانته؛ لأن ما نسب إليه ثابت من التحقيقات ومن اعترافه، ولأن مسلكه في أداء واجباته وفي معاملته للناس لا يتفق وما تفرضه عليه أعباء وظيفته. كما أكدت المباحث والتحريات التي عملت عن سلوكه بواسطة مأمور المركز ورئيس المباحث الجنائية بالمديرية أنه يستغل وظيفته أسوأ استغلال، ويفرض إتاوات على أصحاب الشكاوى، ويتخذ من تعيين الخفراء وتجديد تطوعهم مناسبة للمساومة في سبيل منفعة شخصية غير مشروعة. كما عرف عن أقاربه وبعض أفراد أسرته سوء السيرة والسلوك اعتماداً على حمايته لهم مع علمه بذلك، وأن ماضيه يقطع باستغلاله وظيفته استغلالاً غير مشروع، إذ اتخذ من الحزبية والمشاحنات الانتخابية فيما مضى فرصة للمساومة ووسيلة للحصول من المرشحين على مبالغ لقاء مساعدته لهم. وقد رأت لجنة الشياخات أن هذه الاعتبارات كلها تجعل بقاءه في وظيفته أمراً بالغ الضرر لصالح الأمن والأهالي ببلدته، لذلك قررت بأغلبية الآراء فصله من عمله لعدم صلاحيته مع حرمانه من الترشيح لمدة خمس سنوات. وقد عرضت أوراق المحاكمة وقرار اللجنة على وزير الداخلية فوافق على القرار في 19 من سبتمبر سنة 1955.
ومن حيث إن المدعي أودع في 15 من مايو سنة 1957 مذكرة تكميلية ردد فيها دفاعه السابق الذي أبداه في المذكرات المقدمة منه إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية، وأضاف إليها أن اتهامه أمام لجنة الشياخات كان مدبراً من وكيل الحكمدار الذي أحيل إلى المعاش في حركة التطهير وذلك بسبب رفضه الاستجابة إلى ما طلبه منه هذا الأخير ومفتش المنطقة إرضاء لقريب لهما؛ بتمكين هذا القريب من وضع يده على قطعة أرض متنازع عليها أمرت النيابة بعدم التعرض لحائزها، وأن رئيس المباحث تجنى عليه فيما نسبه إليه من استغلال نفوذه وإثرائه بغير وجه حق وإفادته من الحزبية. ثم ناقش تفصيل الاتهامات التأديبية التي حوكم من أجلها أمام لجنة الشياخات، وكذا التقارير السرية التي قدمت في حقه، ونوه بالإصلاحات التي قام بها أثناء توليه منصب العمدية، وعاب على لجنة الشياخات أنها أخطأت عندما رأت أنه يستحق المؤاخذة من أجل هذه الأسباب، وأنها أخطأها التوفيق عندما وقعت عليه أقصى العقوبة بفصله من العمدية وحرمانه من حق الترشيح لمدة خمس سنوات، مع أنه لم يهمل أو يقصر ولم يسند إليه ما يمس كرامته أو نزاهته، كما نعى على القرار الصادر من وزير الداخلية بالتصديق على قرار اللجنة مخالفته للقانون ووقوعه مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة، وخلص من هذا إلى طلب الحكم بإلغاء قرار فصله المطعون فيه.
ومن حيث إنه يؤخذ مما تقدم أن مثار النزاع هو ما إذا كانت التهم - التي حوكم المدعي من أجلها تأديبياً أمام لجنة الشياخات بمديرية الدقهلية، وتقرر بسببها فصله من عمدية ناحية الكردي مركز دكرنس بقرار اللجنة الصادر في 30 من أغسطس سنة 1955 الذي صادق عليه وزير الداخلية في 19 من سبتمبر سنة 1955 - تستند إلى أصول ثابتة في الأوراق وتكون جرائم تأديبية حقة تقوم على وقائع استخلصت اللجنة منها قرارها استخلاصاً سائغاً، وأنزلت عليها حكم القانون على وجه صحيح يؤدي إلى الإدانة التي انتهت إليها أم لا، وما إذا كانت رقابة القضاء الإداري تنبسط على تقدير الجزاء وتناسبه مع الفعل المبرر لتوقيعه في حالة ثبوت الإدانة، أم تقف عند حد التحقق من قيام الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب في القرار التأديبي، دون التطرق إلى تقدير أهمية هذه الحالة أو مناقشة خطورة الأثر الذي قد ينجم عنها؟
ومن حيث إن المادة 24 من القانون رقم 141 لسنة 1947 الخاص بالعمد والمشايخ نصت في فقراتها الثانية والثالثة والرابعة والسابعة على أنه "إذا قصر العمدة أو الشيخ أو أهمل في القيام بواجباته أو أتى أمراً يخل بكرامته فللمدير أن ينذره أو أن يجازيه بغرامة لا تتجاوز مائتي قرش". "غير أنه إذا رأى المدير أن ما ثبت على العمدة أو الشيخ يستوجب جزاء أشد أحاله إلى لجنة الشياخات لمحاكمته تأديبياً". "وللجنة أن تحكم بالإنذار أو بغرامة لا تتجاوز أربعين جنيهاً أو بالفصل من العمدية أو الشياخة". "وللجنة في حالة الحكم بالرفت أن تقرر إبعاد اسم المرفوت من كشف المرشحين لمدة أقصاها خمس سنوات". كما نصت المادة 27 من القانون المذكور على أن "تبلغ القرارات والأحكام التأديبية الصادرة من لجنة الشياخات تنفيذاً للمادة 24 إلى وزارة الداخلية للنظر في التصديق عليها...". ويبين من هذا أن قانون العمد والمشايخ فرق بين الأفعال التي يمكن أن تستوجب مؤاخذة العمدة أو الشيخ من حيث درجة جسامتها ونوع الجزاء الذي يمكن توقيعه بسببها، وغاير في الجهة التي أسند إليها اختصاص توقيع هذا الجزاء بحسب مقداره، كما حدد لكل جهة نوع العقوبة التي تملك توقيعها، بيد أنه لم يحدد بالذات كل فعل وما يناسبه من جزاء على غرار ما جرى عليه قانون العقوبات، بل ترك تحديد ذلك للسلطة التأديبية المختصة بحسب تقديرها لدرجة جسامة الفعل وما يستأهله من جزاء في حدود النصاب المقرر.
ومن حيث إن المادة 19 من القانون رقم 141 لسنة 1947 آنف الذكر نصت على أن "عمدة القرية ومشايخها مكلفون بالمحافظة على الأمن فيها، وعليهم في دائرة القرية مراعاة أحكام القوانين واللوائح واتباع الأوامر التي تبلغ إليهم من جهات الإدارة". وقد أجملت هذه المادة واجبات العمد والمشايخ بصفتهم من حفظة الأمن وأعوان السلطة التنفيذية، ولخصت أسسها في وجوه ثلاثة وهي: (1) المحافظة على الأمن في القرية. (2) مراعاة أحكام القوانين واللوائح. (3) اتباع الأوامر التي تبلغ إليهم من جهات الإدارة. وقد رتب القانون المشار إليه في المادة 24 منه على التقصير أو الإهمال في القيام بشيء من هذه الواجبات جزاءات مختلفة تتفاوت في الشدة تبعاً لجسامة هذا التقصير أو الإهمال. ولم يقف المشرع في مجازاة العمدة أو الشيخ عند حد المؤاخذة على التقصير أو الإهمال في الواجبات المذكورة، بل قرر جواز توقيع هذه الجزاءات عينها من أجل أمور أخرى، كما في حالة فقدان العمدة أو الشيخ لشرط من الشروط المنصوص عليها في القانون، أو ظهور عجزه عن أداء واجباته، أو إتيانه أمراً يخل بكرامته. وقد استهدف المشرع بهذا كله رعاية المصلحة العامة، وضمان الاستقامة الإدارية فيما ناط به هذه الفئة من عمال المرافق العامة من واجبات، وحسن أداء هذه الواجبات واحترام القوانين واللوائح، وإطاعة أوامر جهات الإدارة الصادرة في حدود القانون، مع المحافظة على هيبة الحاكم وكرامة ممثل السلطة العامة في القرية. فإذا فرط العمدة أو الشيخ فيما وكلت إليه أمانته بحكم وظيفته أو تهاون فيه أو أخل به أو أتى من الأفعال ما يخدش كرامته التي هي مرتبطة بكرامة الوظيفة، حق عليه الجزاء.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت (1) بأن القرار التأديبي، شأنه شأن أي قرار إداري آخر، يجب أن يقوم على سبب يسوغ تدخل الإدارة لإحداث أثر قانوني في حق الموظف، هو توقيع الجزاء للغاية التي استهدفها المشرع، وهي الحرص على حسن سير العمل تحقيقاً للمصلحة العامة، ولا يكون ثمة سبب للقرار إلا إذا قامت حالة واقعية أو قانونية تبرر التدخل. وللقضاء الإداري، في حدود رقابته القانونية، أن يراقب صحة قيام هذه الوقائع وسلامة تكييفها القانوني، دون أن يتطرق إلى بحث ملاءمة توقيع الجزاء أو مناقشة مقداره. ورقابته القانونية هذه لصحة الحالة الواقعية أو القانونية لا تعني أن يحل القضاء الإداري نفسه محل السلطات التأديبية المختصة فيما هو متروك لتقديرها ووزنها، فيستأنف النظر بالموازنة والترجيح فيما يقوم لدى السلطات التأديبية المختصة من دلائل وبيانات وقرائن أحوال إثباتاً أو نفياً في خصوص قيام أو عدم قيام الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب، أو يتدخل في تقدير خطورة هذا السبب وما يمكن ترتيبه عليه من آثار، بل إن هذه السلطات حرة في تقدير هذه الخطورة وتلك الدلائل والبيانات وقرائن الأحوال، تأخذها دليلاً إذا اقتنعت بها أو تطرحها إذا تطرق الشك إلى وجدانها. ولا هيمنة للقضاء الإداري على ما تكون منه الإدارة عقيدتها واقتناعها في شيء من هذا، وإنما الرقابة للقضاء المذكور في ذلك تجد حدها الطبعي - كرقابة قانونية - في التحقق مما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار التأديبي في هذا الخصوص مستفادة من أصول موجودة أو أثبتتها السلطات المذكورة وليس لها وجود، وما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً أو قانوناً، فإذا كانت هذه النتيجة منتزعة من غير أصول موجودة، أو كانت مستخلصة من أصول لا تنتجها، أو كان تكييف الوقائع على فرض قيامها مادياً لا ينتج النتيجة التي يتطلبها القانون، كان القرار فاقداً لركن من أركانه، وهو ركن السبب، ووقع مخالفاً للقانون. أما إذا كانت النتيجة مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول ثابتة تنتجها مادياً أو قانوناً، فقد قام القرار على سببه وكان مطابقاً للقانون. وسبب القرار التأديبي بوجه عام هو إخلال الموظف بواجبات وظيفته أو إتيانه عملاً من الأعمال المحرمة عليه. فكل موظف يخالف الواجبات التي تنص عليها القوانين أو القواعد التنظيمية العامة أو أوامر الرؤساء الصادرة في حدود القانون أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته المنوط به تأديتها بنفسه بدقة وأمانة، إنما يرتكب ذنباً إدارياً هو سبب القرار يسوغ تأديبه، فتتجه إرادة الإدارة إلى إنشاء أثر قانوني في حقه هو توقيع جزاء عليه بحسب الشكل والأوضاع المقررة قانوناً وفي حدود النصاب المقرر (2). فإذا توافر لدى لجنة الشياخات - من مجموع العناصر التي طرحت عليها - الاقتناع بأن العمدة أو الشيخ سلك سلوكاً معيباً ينطوي على تقصير أو إهمال في القيام بواجباته، أو خروج على مقتضيات وظيفته، أو إخلال بكرامته، ويدعوها إلى عدم الاطمئنان إلى صلاحيته بناء على ذلك للقيام بأعباء وظيفته، وكان اقتناعها هذا مجرداً عن الميل أو الهوى، فبنت عليه قرارها بإدانة سلوكه، ورأت لمصلحة الأمن ومصلحة الأهالي معاً إقصاءه عن هذه الوظيفة مع حرمانه من الترشيح للعمدية لمدة خمس سنوات كنتيجة طبيعية لذلك، واستنبطت هذا كله من وقائع صحيحة ثابتة في عيون الأوراق ومؤدية إلى النتيجة التي خلصت إليها، فإن قرارها في هذا الشأن يكون قائماً على سببه ومطابقاً للقانون ومعصوماً من الإلغاء. ولما كان المشرع لم يحدد في قانون العمد والمشايخ عقوبة معينة لكل فعل تأديبي بذاته، بحيث تتقيد الإدارة بالعقوبة المقررة له وإلا وقع قرارها مخالفاً للقانون، فإن تقدير تناسب الجزاء مع الذنب الإداري - في نطاق تطبيق هذا القانون - يكون من الملائمات التي تنفرد الإدارة بتقديرها، والتي تخرج عن رقابة القضاء الإداري.
ومن حيث إنه ثابت من الأوراق - وبوجه خاص من ملف المدعي، ومن محاضر لجنة الشياخات بجلستي 20 من إبريل سنة 1955 و30 من أغسطس سنة 1955، وتقرير مفتش الضبط بمديرية الدقهلية المؤرخ 16 من إبريل سنة 1955، وتقرير رئيس مباحث المديرية في التاريخ ذاته، وتقرير معاون إدارة مركز دكرنس في 3 من مارس سنة 1955، وملف المحاكمة الإدارية - أن المدعي سبق أن أوقف عن عمله في 23 من ديسمبر سنة 1954 لعدم سداده الأموال الأميرية ومستحقات بنك التسليف المطلوبة منه، وأنه جاء بتقرير معاون إدارة مركز دكرنس عنه "أن العمدة المذكور أخلا إخلالاً معيباً بواجبات وظيفته مما زعزع الثقة به كعمدة، ونرى إحالته على لجنة الشياخات". كما جاء بختام تقرير رئيس مباحث المديرية "وأخيراً ورغم شراهة العمدة المذكور في السلب والنهب لم يكتف بضياع وسلب حقوق المواطنين؛ بل تعداه إلى محاولة سلب أموال الحكومة الأميرية وحجز عليه واتهم بالتبديد نظير مبلغ حوالي 1400 ج متأخرات للحكومة، كما اغتصب حوالي 1/3 فدان من المنافع الأميرية لإقامة حديقة عليها بالناحية، مما تقدم أرى أن هذا العمدة لم يعد خطراً على نفسه وبلده فقط بل على الأمن والإنسانية والعدالة". كذلك ذكر عنه مفتش الضبط في نهاية تقريره أنه "ولما كان مسلك العمدة سواء في أداء واجباته أو في معاملته للناس لا يتفق مع ما تفرضه عليه واجبات وظيفته فقد أجريت تحريات وبحوث بشأن سلوكه بمعرفة السيد مأمور المركز والسيد رئيس المباحث الجنائية بالمديرية. وقد جاء في هذه التحريات أن العمدة المذكور يستغل وظيفته أسوأ استغلال، ويفرض إتاوات على أصحاب الشكاوى، كما أنه يتخذ من تعيين الخفراء ببلده مناسبة للمساومة في سبيل منفعة شخصية غير مشروعة، كما أنه عرف عن أقاربه وبعض أفراد أسرته سوء السيرة والسلوك اعتماداً على حمايته لهم مع علمه بذلك. كما أن ماضيه يقطع باستغلاله وظيفته استغلالاً غير مشروع، إذ اتخذ من الحزبية فيما مضى والمشاحنات الانتخابية فرصة للمساومة والحصول من المرشحين على مبالغ مقابل مساعدته لهم. ونخلص مما تقدم إلى أن مصلحة الأهلين ومصلحة الأمن بالبلدة وما تتطلبه وظيفة العمدية من الأمانة والبعد عن الشبهات، يتطلب كل ذلك إقصاءه عن وظيفة العمدية. وقد حوكم المذكور أمام لجنة الشياخات بمديرية الدقهلية لما نسب إليه من تهم في القضيتين التأديبيتين رقمي 176 و177 لسنة 1955 بعد إذ أحالته المديرية إلى اللجنة المذكورة لما ارتأته من العناصر التي تجمعت لديها من أنه أخل إخلالاً جسيماً بواجبات وظيفته مما زعزع الثقة فيه، وقد استدعته لجنة الشياخات فمثل أمامها وواجهته بالتهم المنسوبة إليه وناقشته فيها تفصيلاً فأبدى دفاعه بصددها بما هو مدون بمحضري اللجنة. ثم قررت بجلستها الأولى ضم القضيتين وتأجيل نظرهما لحين بحث قضايا التبديد المسندة إليه؛ وقد تبين أن إحدى هذه القضايا حفظت قطعياً لعدم الأهمية، والثانية قيدت ضد متهم آخر، والثالثة والرابعة قيدتا ضده وحكم فيهما ببراءته، وأن النيابة لم تنته بعد من تحقيق موضوع التعرض في الأرض البور. إلا أن مأمور المركز ذكر أنه على الرغم من حفظ بعض قضايا التبديد والحكم بالبراءة في البعض الآخر فإن العمدة يجب أن يكون قدوة حسنة لسائر أفراد البلدة في سداد الأموال الأميرية ومطلوبات بنك التسليف في مواعيدها، وأن المتهم قد استعمل طرقاً احتيالية للاستيلاء على سلف باهظة من بنك التسليف وماطل في السداد حتى حجز عليه وحررت ضده محاضر تبديد. وهذا المسلك يحط من كرامته ويقلل من هيبته كما يزعزع الثقة به كعمدة للبلدة. وبالجلسة الثانية استكمل المذكور دفاعه، وبعد أن استمعت إليه اللجنة أصدرت قرارها حضورياً بأغلبية الآراء بفصله من وظيفته لعدم صلاحيته مع حرمانه من الترشيح لمدة خمس سنوات. وبنت قرارها على أنه ثبت لها إهمال العمدة المتهم في واجبات وظيفته واستهتاره واستخفافه بأعبائها، ومغادرته البلدة بدون إذن وتغيبه عنها بعد انتهاء إجازته، وأن حريقاً حدث كان الباعث على ارتكابه هو الكيد لوجود نزاع على مشترى أرض بين المجني عليهم والمتهمين وهؤلاء معظمهم من أقارب العمدة، وعلى الرغم من علمه بهذا النزاع فإنه لم يعمل على التوفيق أو إخطار الجهات المختصة قبل أن يستفحل الأمر. كما أنه على الرغم من علمه أيضاً بحصول حريق سابق فإنه لم يبلغ عنه بل ترك البلدة لأقاربه يعبثون بالأمن. وقد أقر بأنه لم يحضر لجنة الفرز الطبي للمتخلفين من أنفار القرعة مما ترتب عليه تعطيل أعمالها وانعقادها في اليوم التالي، كذلك اتضح أن شكاواه ضد إمام مسجد البلدة كيدية، وأنه كان يقصد منها إخضاع إمام المسجد ومستخدميه لسلطانه، وأنه يماطل في سداد الأموال الأميرية ويستولى على مبالغ كبيرة من بنك التسليف لم يسددها في ميعاد استحقاقها مما أدى إلى الحجز عليه ووقفه وتقديمه للمحاكمة في قضايا تبديد عديدة، الأمر الذي يجعل منه مثلاً سيئاً لسائر أهل بلدته. هذا إلى أنه أدلى بمعلومات متناقضة في التحقيقات الخاصة بالنزاع المتعلق بالأرض البور، مما أفضى إلى إصدار النيابة لقرارات متعارضة بسبب عدم أمانته ونزاهته، وهو أمر بالغ الخطورة؛ إذ يؤدي إلى زيادة المشاغبات والمنازعات بين الأهالي، وفضلاً عن هذا كله فإن مسلكه في أداء واجباته وفي معاملته للناس لا يتفق وما تفرضه عليه مقتضيات وظيفته. كما أن التحريات أكدت أنه يستغل وظيفته أسوأ استغلال، وأنه يفرض إتاوات على أصحاب الشكاوى ويتخذ من تعيين الخفراء وتجديد تطوعهم وسيلة للمساومة في سبيل منفعة شخصية غير مشروعة، وقد عرف عن أقاربه وبعض أفراد أسرته سوء السيرة والسلوك اعتماداً منهم على حمايته لهم مع علمه بذلك. هذا إلى أن ماضيه يقطع باستغلاله وظيفته استغلالاً غير مشروع؛ إذ اتخذ من الحزبية فيما مضى ومن المشاحنات الانتخابية فرصة للمساومة والحصول من المرشحين على مبالغ لقاء مساعدته لهم. وانتهت اللجنة من هذا إلى أن الاعتبارات المتقدمة تجعل بقاءه في وظيفته أمراً بالغ الضرر لصالح الأمن وكذا الأهلين ببلده.
ومن حيث إنه قد بان للمحكمة من أقوال المدعي أمام لجنة الشياخات، ومن التظلم المرفوع منه إلى وزير الداخلية في 10 من سبتمبر سنة 1955، ومن باقي الأوراق، أن الوقائع المسندة إليه لها وجود مادي ثابت بالفعل، وإن تنصل من تبعتها ونازع الإدارة في مساءلته عنها واختلف معها في تأويل مداها. وإذا صح أن من بين هذه الوقائع ما يمكن إطراحه أو الغض عنه وعدم الاعتداد به، فإن في باقي ما نسب إليه من وقائع ما ينهض في جملته سبباً كافياً مبرراً للمؤاخذة التأديبية التي انتهى إليها قرار لجنة الشياخات الذي صدق عليه وزير الداخلية، وهي وقائع لها دلالتها في تقدير سلوكه، وقد استخلصت منها اللجنة اقتناعها بإدانته استخلاصاً سائغاً يجعل قرارها قائماً على سببه ومطابقاً للقانون، دون أن تكون للقضاء الإداري رقابة على تقدير الجزاء الذي رأت اللجنة توقيعه؛ ومن ثم فإن هذا القرار يكون في محله، ويتعين القضاء برفض الدعوى بطلب إلغائه، مع إلزام رافعها بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبقبول الدعوى، وبرفضها موضوعاً.


(1) راجع أيضاً الحكم المنشور ببند 60، صفحة 526 من هذه المجموعة.
(2) راجع الحكم المنشور بالسنة الأولى من هذه المجموعة بند 7، ص 41.

الطعن 3061 لسنة 54 ق جلسة 4 / 12 / 1984 مكتب فني 35 ق 193 ص 874

جلسة 4 من ديسمبر 1984

برياسة السيد المستشار/ فوزي أحمد المملوك نائب رئيس المحكمة. وعضوية السيد المستشار/ محمد عبد الرحيم نافع نائب رئيس المحكمة والسادة المستشارين: محمد أحمد حسن، السيد عبد المجيد العشري والصاوي يوسف.

----------------

(193)
الطعن رقم 3061 لسنة 54 القضائية

(1) اختلاس أموال أميرية. حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب" "بيانات حكم الإدانة". إثبات "بوجه عام".
مثال لتسبيب سائغ لحكم بالإدانة في واقعة اختلاس أموال أميرية. مؤاخذة الطاعن عن القدر الذي تيقنت المحكمة من اختلاسه تعويلاً على إقراره. لا تناقض.
(2) إثبات "بوجه عام" "أوراق رسمية". اختلاس أموال أميرية.
العبرة في المحاكمات الجنائية. باقتناع قاضي الموضوع. عدم جواز مطالبته بالأخذ بدليل معين.
(3) اختلاس أموال أميرية. جريمة "أركانها". قصد جنائي. حكم "تسبيه. تسبيب غير معيب".
كفاية إيراد الحكم ما يدل على تحقق قصد الاختلاس.
(4) اختلاس أموال أميرية. نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها". إثبات "خبرة". محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل" حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
تقدير آراء الخبراء. موضوعي. الرد على ما يوجه إليها من مطاعن عند الأخذ بها. عدم لزومه. أساس ذلك؟
(5) إثبات "بوجه عام" "شهود". اختلاس أموال أميرية.
وزن أقوال الشهود. موضوعي. مفاد أخذ المحكمة بالشهادة.
(6) إثبات "شهود" "بوجه عام". محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
تناقض أقوال الشهود أو تضاربهم في أقوالهم أو تناقض رواياتهم في بعض تفصيلاتها لا يعيب الحكم. ما دام قد استخلص الحقيقة منها استخلاصاً سائغاً.
(7) اختلاس أموال أميرية. محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". إثبات "بوجه عام" "شهود".
لمحكمة الموضوع سلطة تقدير الأدلة والأخذ بما ترتاح إليه منها والتعويل على أقوال شاهد في أي مرحلة من مراحل الدعوى ولو خالفت قولاً آخر له أو لشاهد آخر دون بيان العلة. علة ذلك؟
(8) إثبات "بوجه عام" حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". اختلاس أموال أميرية.
لا محل للنعي على الحكم بالخطأ في الإسناد. متى كان ما أسنده للطاعن من إقرار بالاختلاس له أصل بالأوراق.
(9) عقوبة "تطبيقها". نقض أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
معاقبة المتهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات وعزله من وظيفته مدة مساوية لمدة السجن على خلاف ما تقضي به المادة 118 عقوبات - إذ أن توقيت عقوبة العزل لا يكون إلا في حالة الحكم بعقوبة الحبس خطأ في تطبيق القانون. يوجب التصحيح.
(10) اختلاس أموال أميرية. الطعن بالنقض. عقوبة "العقوبة التكميلية" نيابة عامة.
المتهم لا يضار - بناء على الطعن المرفوع منه وحده.
توقيت عقوبة العزل على خلاف ما تقضي به المادة 118 عقوبات وسكوت النيابة عن الطعن في الحكم. ليس لمحكمة النقض أن تصحح هذا الخطأ.

--------------------
1 - لما كان البين مما أورده الحكم المطعون فيه سواء في بيانه لواقعة الدعوى أو في تحصيله لأدلة الثبوت أنه إنما أخذ الطاعن عن اختلاسه مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه باعتبار أن هذا المبلغ هو القدر الذي تيقنت المحكمة من اختلاسه وفقاً لإقرار الطاعن، مما يدل على أن المحكمة واجهت عناصر الدعوى وألمت بها واعتبرت الواقعة التي أخذت الطاعن عنها في حكم الحقيقة الثابتة لديها.
2 - لا عبرة بما اشتمل عليه بلاغ الواقعة أو بما قرره الشهود مغايراً لما استند إليه الحكم، وإنما العبرة بما اطمأنت إليه المحكمة مما استخلصته بعد التحقيقات، لأن العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع قاضي الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته، فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين، فقد جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه. ومن ثم فإن نعي الطاعن على الحكم بدعوى إغفاله تمحيص الاختلاف في تحديد قيمة العجز يكون غير سديد.
3 - لما كان الحكم المطعون فيه قد دلل على وقوع الاختلاس من جانب الطاعن بناء على ما أورده من أدلة سائغة وأثبت في حقه أنه تصرف في المبلغ الذي أخذه عن اختلاسه على اعتبار أنه مملوك له، فإن ذلك حسبه بياناً لجناية الاختلاس كما هي معرفة في القانون بركنيها المادي والمعنوي، إذ لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالاً عن توافر القصد الجنائي في تلك الجريمة بل يكفي أن يكون ما أورده من وقائع وظروف يدل على قيامه - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - ومن ثم فإن ما يدعيه الطاعن من قصور في التسبيب في هذا الصدد غير سديد.
4 - لما كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه لم يتساند في قضائه بالإدانة إلى تقرير لجنة الجرد وإنما عول في تحديد المبلغ المختلس على ما أقر به الطاعن في هذا الصدد فإن ما ينعاه على الحكم من قصور وفساد في الرد على الدفع ببطلان تقرير تلك اللجنة يكون غير مجد.
5 - من المقرر أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات، كل هذا مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، ومتى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، ولا يجوز الجدل في ذلك أمام محكمة النقض.
6 - من المقرر أن تناقض كل من الشهود أو تضاربهم في أقوالهم أو تناقض رواياتهم في بعض تفصيلاتها - بفرض حصوله - لا يعيب الحكم أو يقدح في سلامته ما دام الحكم قد استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصاً سائغاً لا تناقض فيه، ولم يورد تلك التفصيلات على نحو يركن إليه في تكوين عقيدته.
7 - لمحكمة الموضوع سلطة تقدير الأدلة والأخذ بما ترتاح إليه فيها والتعويل في قضائها على قول الشاهد في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ولو خالفت قولاً آخر له أو لشاهد آخر دون بيان العلة إذ يرجع الأمر في ذلك كله إلى اطمئنانها إلى ما تأخذ به دون ما تعرض عنه، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أورد ما أثاره دفاع الطاعن من تناقض روايات أعضاء لجنة الجرد، ورد الحكم على هذا الدفاع يسوغ إطراحه فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون مقبولاً لما فيه من مصادرة لحرية محكمة الموضوع في وزن أقوال الشهود وتكوين معتقدها في الدعوى.
8 - لما كان البين من المفردات - التي أمرت المحكمة بضمها - أن ما أسنده الحكم المطعون فيه للطاعن من إقرار باختلاس مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه له أصله في التحقيقات خلافاً لما يقول به الطاعن - فإن تعيب الحكم بالخطأ في الإسناد يكون غير صحيح.
9 - لما كان الحكم المطعون فيه إذ عاقب الطاعن بالسجن لمدة ثلاث سنوات إلا أنه قضى بعزله من وظيفته مدة مساوية لمدة السجن على خلاف ما تقضي به المادة 118 من قانون العقوبات ذلك أن توقيت عقوبة العزل لا يكون إلا في حالة الحكم بعقوبة الحبس طبقاً لما تقضي به المادة 27 من ذات القانون، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون قد أخطأ في القانون، لما كان الطاعن هو المحكوم عليه، فإن محكمة النقض لا تستطيع تصحيح هذا الخطأ، لما في ذلك من إضرار بالمحكوم عليه، إذ من المقرر أنه لا يصح أن يضار المتهم بناء على الطعن المرفوع منه وحده.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه بصفته موظفاً عاماً "موظف بالجمعية التعاونية الاستهلاكية للعاملين بالشركة الأهلية للغزل والنسيج" اختلس مبلغ 8166.027 جنيهاً والمملوك للجمعية سالفة الذكر والذي وجد في حيازته بسبب وظيفته حالة كونه من الأمناء على الودائع، وأحالته إلى محكمة الجنايات لمعاقبته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة. ومحكمة جنايات الإسكندرية قضت حضورياً عملاً بالمواد 112/ 1، 2 ( أ )، 118، 119، 119 مكرراً هـ من قانون العقوبات بمعاقبة المتهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات وبعزله من وظيفته مدة مساوية وبرد مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه يخصم منه المبلغ المدفوع منه إلى خزينة محكمة إسكندرية الابتدائية بتاريخ 7/ 3/ 1984 وبتغريمه مبلغاً مساوياً.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض..... إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجناية الاختلاس فقد شابه قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال كما أخطأ في القانون وفي الإسناد ذلك بأنه اكتفى - في تحصيله لواقعة الدعوى - بذكر قيمة العجز في عهدة الطاعن دون أن يورد شيئاً عن اختلاف ما تضمنه بلاغ الواقعة في شأن هذا العجز عما جاء في نتيجة الجرد الذي أجراه مدير الجمعية وما أثبتته اللجنة التي شكلتها النيابة العامة برئاسته في تقريرها كذلك فقد سكت الحكم عن الرد على ما أثاره الطاعن من أن الواقعة لا تعدو أن تكون عجزاً في عهدته مما لا تقوم به جريمة الاختلاس، كما أطرح بأسباب غير كافية ولا سائغة ما تمسك به, من انتفاء قصد الاختلاس لديه وبطلان تقرير لجنة الجرد لعدم أداء أعضائها اليمين القانونية قبل قيامهم بعملهم, ولتناقض رواياتهم التي أدلوا بها، هذا إلى أن ما أورده الحكم من أن الطاعن قد اعترف باختلاس مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه لا أصل له في الأوراق, كل ذلك يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بقوله: "إن المتهم.... الموظف بالجمعية التعاونية الاستهلاكية للعاملين بالشركة الأهلية للغزل والنسيج عهد إليه بوديعة من أموال الجمعية ليكون مندوباً عنها في شراء اللحوم وغيرها وتوزيعها على منافذ البيع التابعة للجمعية ثم جمع حصيلة البيع من تلك المنافذ ليشترى بها مرة أخرى ما يخص الجمعية من السلع المذكورة على أن يتقدم لمدير الجمعية في فترات متقاربة لحساب عمليات الشراء والتحصيل التي يجريها ويورد له المبالغ التي تتجمع لديه وتزيد على حاجة المشتريات غير أنه وقد تراخت عنه قبضة الرقابة والحساب استحل لنفسه اختلاس ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه من أموال الجمعية التي هو أمين عليها، وفي يوم 20/ 8/ 1983 انقطع عن عمله وغادر البلاد للبحث عن عمل. وبجرد عهدته اتضح وجود عجز مقداره 8166.027 ثمانية آلاف ومائة وستة وستون جنيهاً وسبعة وعشرون مليماً، وساق الحكم على ثبوت الواقعة لديه على هذه الصورة أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتب عليها مستمدة من أقوال كل من..... و.... و.... و..... ومما قرره الطاعن بالتحقيقات، وأورد مؤدى كل منها في بيان واف ثم انتهى إلى قوله: "إن المحكمة وإن اطمأنت إلى إقرار المتهم باختلاسه ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه مما كان في عهدته من أموال الجمعية إلا أنها تجد الدعوى خالية من دليل كاف على اختلاسه ما جاوز ذلك من جملة العجز في عهدته إذ لم يقم في الأوراق دليل يكذب دفاعه بشأن فقد أربعة آلاف جنيه أو تغفلته عن إثبات نقص المبالغ المنصرفة بل يرشح لذلك قول الشاهد الرابع أن المتهم لم يكن منتظماً في تقديم الحساب عن أعماله في الشراء والتحصيل هذا إلى أن مجرد وجود عجز في العهدة لا ينهض دليلاً على أن مرجعه إلى اختلاس قارفه المتهم ومن ثم فإن المحكمة تأخذ المتهم بما اعترف بأنه اختلسه وتلزمه برده للجهة المجني عليها استيفاء من المبلغ الذي أودعه على ذمتها خزانة المحكمة أما ما جاوز ذلك من مبلغ العجز فإن الجمعية المجني عليها وشأنها في استيفائه بالطرق المقررة قانوناً، لما كان ذلك، وكان البين مما أورده الحكم المطعون فيه سواء في بيانه لواقعة الدعوى أو في تحصيله لأدلة الثبوت أنه إنما أخذ الطاعن عن اختلاسه مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه باعتبار أن هذا المبلغ هو القدر الذي تيقنت المحكمة من اختلاسه وفقاً لإقرار الطاعن, مما يدل على أن المحكمة واجهت عناصر الدعوى وألمت بها واعتبرت الواقعة التي أخذت الطاعن عنها في حكم الحقيقة الثابتة لديها, ولا عبرة - من بعد - بما اشتمل عليه بلاغ الواقعة أو بما قرره الشهود مغايراً لما استند إليه الحكم، وإنما العبرة بما اطمأنت إليه المحكمة مما استخلصته بعد التحقيقات، لأن العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع قاضي الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته، فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل معين، فقد جعل القانون من سلطته أن يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه. ومن ثم فإن نعي الطاعن على الحكم بدعوى إغفاله تمحيص الاختلاف في تحديد قيمة العجز يكون غير سديد.
لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل على وقوع الاختلاس من جانب الطاعن بناء على ما أورده من أدلة سائغة وأثبت في حقه أنه تصرف في المبلغ الذي أخذه عن اختلاسه على اعتبار أنه مملوك له، فإن ذلك حسبه بياناً لجناية الاختلاس كما هي معرفة في القانون بركنيها المادي والمعنوي، إذ لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالاً عن توافر القصد الجنائي في تلك الجريمة بل يكفي أن يكون ما أورده من وقائع وظروف يدل على قيامه - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - ومن ثم فإن ما يدعيه الطاعن من قصور في التسبيب في هذا الصدد غير سديد. لما كان ذلك، وكان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه لم يتساند في قضائه بالإدانة إلى تقرير لجنة الجرد وإنما عول في تحديد المبلغ المختلس على ما أقر به الطاعن في هذا الصدد فإن ما ينعاه على الحكم من قصور وفساد في الرد على الدفع ببطلان تقرير تلك اللجنة يكون غير مجد. لما كان ذلك وكان من المقرر أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات، كل هذا مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، ومتى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، ولا يجوز الجدل في ذلك أمام محكمة النقض. كما أنه من المقرر أن تناقض كل من الشهود أو تضاربهم في أقوالهم أو تناقض رواياتهم في بعض تفصيلاتها - بفرض حصوله - لا يعيب الحكم أو يقدح في سلامته ما دام الحكم قد استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصاً سائغاً لا تناقض فيه، ولم يورد تلك التفصيلات على نحو يركن إليه في تكوين عقيدته. كما أن لمحكمة الموضوع سلطة تقدير الأدلة والأخذ بما ترتاح إليه فيها والتعويل في قضائها على قول الشاهد في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ولو خالفت قولاً آخر له أو لشاهد آخر دون بيان العلة إذ يرجع الأمر في ذلك كله إلى اطمئنانها إلى ما تأخذ به دون ما تعرض عنه، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أورد ما أثاره دفاع الطاعن من تناقض روايات أعضاء لجنة الجرد، ورد الحكم على هذا الدفاع بما يسوغ إطراحه فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون مقبولاً لما فيه من مصادرة لحرية محكمة الموضوع في وزن أقوال الشهود وتكوين معتقدها في الدعوى. لما كان ذلك، وكان البين من المفردات - التي أمرت المحكمة بضمها - أن ما أسنده الحكم المطعون فيه للطاعن من إقرار باختلاس مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه له أصله في التحقيقات خلافاً لما يقول به الطاعن فإن تعييب الحكم بالخطأ في الإسناد يكون غير صحيح. لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه إذ عاقب الطاعن بالسجن لمدة ثلاث سنوات إلا أنه قضى بعزله من وظيفته مدة مساوية لمدة السجن على خلاف ما تقضي به المادة 118 من قانون العقوبات ذلك أن توقيت عقوبة العزل لا يكون إلا في حالة الحكم بعقوبة الحبس طبقاً لما تقضي به المادة 27 من ذات القانون، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون قد أخطأ في القانون، إلا أنه لما كان الطاعن هو المحكوم عليه، فإن محكمة النقض لا تستطيع تصحيح هذا الخطأ، لما في ذلك من إضرار بالمحكوم عليه، إذ من المقرر أنه لا يصح أن يضار المتهم بناء على الطعن المرفوع منه وحده. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.