جلسة ۸ من يناير سنة ۲۰۲٤
برئاسة السيد القاضي/ محمد فوزي خفاجي "نائب رئيس المحكمة"، وعضوية السادة القضاة/ عبد الباري عبد الحفيظ، أحمد فراج، د/ محسن إبراهيم ود/ محمد حسين عطية "نواب رئيس المحكمة".
---------------
(۹)
الطعن رقم ۹٥۲۹ لسنة ۹۲ القضائية
(۱) حكم" الطعن في الحكم: أثر الطعن".
قاعدة أن الطاعن لا يضار بطعنه. تضمينها الطعن بالنقض. هدفها. ألا يكون من شأن رفع الطعن تَسْوِئُ مركز الطاعن أو إثقال أعبائه. تعلقها بالنظام العام. أثره. لمحكمة النقض والنيابة العامة إثارتها من تلقاء نفسها مادامت عناصرها مطروحة عليها.
(۲ - ٤) نقض" أثر نقض الحكم: التزام محكمة الإحالة بالمسألة القانونية التي فصل فيها الحكم الناقض، أثر النقض أمام محكمة الإحالة".
(۲) نقض الحكم المطعون فيه لمصلحة الطاعن. مؤداه. يوجب على محكمة الإحالة ألا تزيد من الالتزامات المقضي بها عليه في الحكم المنقوض التزامًا منها بقاعدة ألا يضار طاعن بطعنه تطبيقًا لمبدأ عدم جواز تسويئ مركزه القانوني. قضاء الحكم المطعون فيه بتأييد الحكم الابتدائي الذي قضى على الطاعن بأكثر مما قضى به عليه الحكم المنقوض الذي ألغِيَ لمصلحته. خطأ.
(۳) قضاء الحكم المطعون فيه بتأييد الحكم الابتدائي الذي قدر تعويضاً أكبر تسويئاً لمركز الطاعن القانوني وإضراراً بمصالحه رغم نقض الحكم لمصلحته والإحالة إليها. مخالفة للقانون وخطأ في تطبيقه.
(٤) نقض الحكم لقصوره في التسبيب وفقاً م۱۷٦ مرافعات. لا يتضمن حسماً لمسألة قانونية تلتزم محكمة الإحالة بإتباعها.
(٦،٥) نزع الملكية "نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة: التعويض عن نزع الملكية: مقابل التحسين بسبب أعمال المنفعة العامة ".
(٥) المطالبة بخصم مقابل التحسين الذى يلتزم مالك العقار بدفعه. م ۱۹ ق ۱۰ لسنة ۱۹۹۰. لازمه. وجوب التفرقة بين إقامة دعوى التعويض عن نزع جزء من الملكية لأعمال المنفعة العامة قبل انتهاء الأعمال أم بعدها. إقامة الدعوى قبل تمام الأعمال. مقتضاه. التزام القاضي حال قضائه بالتعويض بخصم النسبة المقررة قانوناً على ذمة ما سوف يُسفر عنه حساب ما عاد على باقي العقار من منفعة. علة ذلك. إقامة الدعوى بعد انتهائها. مقتضاه. وجوب التزام جهة الإدارة بتقدير مقابل التحسين على وجه التحديد. علة ذلك.
(٦) سبق صدور حكم بنقض الحكم المنقوض لعدم تحقيق دفاع الطاعن بصفته بأحقيته في خصم مقابل التحسين الذي طرأ على ما تبقى من أرض التداعي التي لم يُنزعَ ملكيتها للمنفعة العامة. عدم اعتباره فصلاً في مسألة قانونية يتحتم على محكمة الإحالة اتباعها. قضاء محكمة الإحالة برفض طلبه بخصم مقابل التحسين العائد على بقية أرض المطعون ضدهم لعدم تحديد الطاعن ذلك المقابل وفقاً م۱۹ ق۱۰ لسنة ۱۹۹۰ رغم تمام أعمال المنفعة العامة قبل إقامة الدعوى محل الطعن الماثل. صحيح. النعي عليه في هذا الخصوص على غير أساس.
(۷) قانون" تفسير القانون: قواعد التفسير ".
تفسير النص القانوني الغامض. لازمه. الإحاطة بكافة الظروف الداعية لصدوره ومطالعة المذكرة الإيضاحية الخاصة بالتشريع الذي تضمنه ومعرفة الحكمة التشريعية من صدوره.
(۹،۸) نقض" نطاق الطعن بالنقض: نطاق الطعن بالنقض للمرة الثانية " " الطعن بالنقض للمرة الثانية: التصدي للموضوع ".
(۸) الطعن بالنقض للمرة الثانية بعد العمل م۲ ق ۷٦ لسنة ۲۰۰۷. أثره. وجوب الحكم في الموضوع أياً كان سبب الطعن النقض. الطعن بالنقض للمرة الثانية قبل العمل م۲ ق ۷٦ لسنة ۲۰۰۷. أثره. عدم التزام محكمة النقض بالتصدي لموضوعه. الاستثناء. إقامة الطعن الجديد على ذات الأسباب التي أقيم عليها الطعن الأول. م۲٦۹ مرافعات قبل تعديلها بق ۷٦ لسنة ۲۰۰۷.
(۹) الطعن بالنقض للمرة الثانية. أثره. وجوب الحكم في الموضوع. م ٤/۲٦۹ ق مرافعات المعدلة بق ۷٦ لسنة ۲۰۰۷. علة ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ - المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن قاعدة عدم جواز ألا يضار الطاعن بطعنه تطبق على جميع الطعون بما فيها الطعن بالنقض، وتستهدف من ذلك ألا يكون من شأن رفع الطعن تسويئ مركز الطاعن أو زيادة التزاماته، وإثقال الأعباء عليه، وهذه القاعدة تعتبر من القواعد الأصولية المتعلقة بالنظام العام، ومن ثم يجوز لمن أضير من مخالفتها من الخصوم التمسك بإعمالها لأول مرة أمام محكمة النقض التي يحق لها هي الأخرى – كما يحق للنيابة العامة – إثارتها من تلقاء نفسها مادامت عناصرها مطروحة عليها.
۲ - المقرر - في قضاء محكمة النقض – أن نقض الحكم المطعون فيه لمصلحة الطاعن يوجب على محكمة الإحالة ألا تزيد من الالتزامات المقضي بها عليه في الحكم المنقوض التزامًا منها بقاعدة ألا يضار طاعن بطعنه باعتبارها من القواعد الآمرة التي لا يجوز لمحكمة الإحالة مخالفتها الباتة تطبيقًا منها لمبدأ عدم جواز تسويئ مركزه القانوني، وبالتالي فإن تأييد الحكم المطعون فيه للحكم الابتدائي الذي قضى على الطاعن بأكثر مما قضى به عليه الحكم المنقوض الذي ألغِيَ لمصلحته يجعله معيبًا بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه.
٣ - إذ كان الحكم المنقوض قد خفض التعويض الذي قدره حكم الدرجة الأولى على الطاعن مما كان يتعين معه على محكمة الإحالة ألا تزيد مبلغ التعويض عن المقدار الذي حدده الحكم الاستئنافي السابق بعد أن ألغاه الحكم الناقض لمصلحة الطاعن التزاماً منها بقاعدة ألا يضار طاعنًّ بطعنهِ بحسبان أن تلك القاعدة تُعدُ من القواعد الأصولية المتعلقة بالنظام العام لارتباطها بإجراءات التقاضي، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر بتأييده للحكم الابتدائي الذي قدر عليه تعويضًا أكبر تسويئًا منه لمركزه القانوني، وإضرارًا بمصالحه فإنه يكون فضلًا عن مخالفته للقانون وخطئه في تطبيقه قد ران عليه قصور مبطل مما يعيبه.
٤ - المقرر - في قضاء محكمة النقض – أن نقض الحكم للقصور في التسبيب – أياً كان وجه هذا القصور – لا يعدو أن يكون تعييباً للحكم المنقوض لإخلاله بقاعدة عامة فرضتها المادة ۱۷٦ من قانون المرافعات التي أوجبت أن تشمل الأحكام الأسباب التي بنيت عليها وإلا كانت باطلة " بما لا يتصور معه أن يكون الحكم الناقض قد حسم مسألة قانونية حتى ولو تطرق لبيان أوجه القصور في الحكم المنقوض.
٥ - المقرر - في قضاء محكمة النقض – إن تحديد مقابل التحسين الذى يلتزم مالك العقار بدفعه طبقاً للمادة ۱۹ من القانون ۱۰ لسنة ۱۹۹۰ يقتضى تحقيق عديد من العناصر، وإن لم يأت بيانها في تلك المادة إلا أنها لازمه لمراقبة صحة القضاء به، باعتبار أنه يلزم التفرقة بين حالة ما إذا كان من عاد التحسين على ما تبقى من عقاره قد بادر إلى إقامة دعواه بطلب التعويض عن نزع جزء من ملكه لأعمال المنفعة العامة قبل انتهاء تلك الأعمال أم أنه أقام دعواه بعد انتهائها على نحو تتوافر معه للجهة نازعة الملكية أن تُقدر ما عاد على باقي ملكه من منفعة نتيجة للتحسين الذى طرأ عليه، فإذا كانت الدعوى قد أقيمت قبل تمام الأعمال فإنه في هذه الحالة يكون لزاماً على القاضي إذا ما قضى لمن نُزعت ملكيته بالتعويض أن يخصم النسبة المقررة قانونًا على ذمة ما سوف يُسفر عنه حساب ما عاد على باقي العقار من منفعة حتى يتسنى للجهة نازعة الملكية استيداء ما تم خصمه من مبلغ التعويض، أما في حالة إقامة الدعوى بعد انتهاء أعمال المنفعة العامة فيجب على جهة الإدارة إذا ما طالبت بمقابل التحسين نتيجة لهذه الأعمال أن تكون قد قدرت ذلك المقابل على وجه التحديد كي يصير ديناً معلوم المقدار صالحاً للمطالبة به قضاءً.
٦ - إذ كان حكم النقض السابق قد نقض الحكم المنقوض لعدم تحقيق دفاع الطاعن بأحقيته في خصم مقابل التحسين الذي طرأ على ما تبقى من أرض التداعي التي لم يُنزعَ ملكيتها ، ومن ثم فإنه لا يكون قد فصل في ثمة مسألة قانونية يتعين على محكمة الإحالة أن تتبعه فيها بحسبان أن نقض الحكم هنا قد جاء للقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع فلا يتضمن فصلاً في مسألة قانونية يتحتم على محكمة الإحالة اتباعها، وإذ ندبت المحكمة الأخيرة خبيراً لبيان التحسينات التي طرأت على باقي أرض النزاع فانتهى في تقريره – الذي اطمأنت إليه تلك المحكمة – إلى أن أعمال المنفعة العامة التي نُزِعَ جزء من الأرض بُغية إتمامها قد انتهت قبل إقامة الدعوى محل الطعن الراهن بما يكون معه طلب الطاعن بصفته بخصم مقابل التحسين الذي عاد على بقية أرض المطعون ضدهم خليق بالرفض على اعتبار أنه لم يُقَدِر ذلك المقابل، ويطالبهم بمقداره الذي حدده على الرغم من أنه صار ديناً معلوم المقدار وصالحاً للمطالبة به قضاءً لاستيدائه منهم عملًا بنص المادة ۱۹ من القانون رقم ۱۰ لسنة ۱۹۹۰ بحسبان أنها المادة التي تضمنت النص القانوني الذي نظم تلك المسألة، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر برفضه لذلك الطلب المبدى من الطاعن فإنه يكون قد وافق صحيح القانون وبمنأى عن مخالفته.
۷ - المقرر - في قضاء محكمة النقض – إن تفسير النص القانوني يتطلب الإحاطة بكافة الظروف الداعية لصدوره، كما يحتاج إلى مطالعة المذكرة الإيضاحية الخاصة بالتشريع الذي تضمنه متى اكتنف عباراته الغموض، وافتقرت إلى الوضوح التام، فمعرفة الحكمة التشريعية من صدور النص المراد تفسيره أمر لازم تقتضيه القواعد الدستورية المستقرة حتى يتسنى تفسيره تفسيراً صحيحاً يتفق مع الغاية التشريعية من إصداره.
۸ - المقرر - في قضاء محكمة النقض – أن مؤدى نص الفقرة الأخيرة من المادة ۲٦۹ من قانون المرافعات بعد استبدالها بالمادة ۲ من القانون رقم ۷٦ لسنة ۲۰۰۷ أنه إذا أقيم الطعن للمرة الثانية، ورأت محكمة النقض وجوب نقض الحكم المطعون فيه فإنه يتعين عليها أن تفصل في موضوعه أياً كانت أسبابه المطروحة عليها حتى ولو كانت تلك الأسباب مغايرة لأسباب الطعن السابق طالما أن الطعن قد أقيم بعد صدور ذلك القانون والعمل بأحكامه، أما إذا كان الطعن قد أقيم للمرة الثانية قبل ذلك التاريخ فإنه لا إلزام عليها أن تتصدى للفصل في موضوعه حتى ولو أدرك القانون الأخير الطعن لدى نظره أمامها وقبل الفصل فيه بيد أن ذلك مشروط بألا يكون الطعن الجديد قد أقيم على ذات الأسباب التي أقيم عليها الطعن الأول إذ يتحتم عليها في هذه الحالة أن تتصدى للفصل في موضوعه عملًا بنص المادة ۲٦۹ من قانون المرافعات قبل تعديلها بالقانون ۷٦ لسنة ۲۰۰۷ بحسبان أنها سوف تكون المادة واجبة التطبيق على الطعن في تلك الحالة، وذلك تطبيقاً لمبدأ عدم رجعية القوانين الذي حرص المشرع على احترامه في الدساتير المصرية المتعاقبة على اعتبار أن أحكام القانون الذي عدلها تتطبق على الطعون التي تقام بعد العمل بأحكامه إعمالاً لأثره الفوري المباشر.
۹ - إذ كان الطعن للمرة الثانية فإنه يتعين الحكم في موضوع الطعن عملًا بنص المادة ٤ /۲٦۹ من قانون المرافعات المعدل بالقانون رقم ۷٦ لسنة ۲۰۰۷ بحسبان أن الطعن الراهن قد أقيم بعد صدور القانون الأخير والعمل بمقتضى أحكامه. وحيث إن موضوع الطعن صالح للفصل فيه – ولما تقدم – يتعين القضاء في موضوع الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدداً بإلزام الطاعن بأن يؤدي للمطعون ضدهم مبلغ مقداره ... جنيهاً، وذلك إعمالً لقاعدة ألا يُضار طاعن بطعنهِ والتزاماً منها بمبدأ عدم جواز تسويئ مركز الطاعن بعدما نقضت محكمة النقض في الطعن الأول – المقام منه – الحكم الاستئنافي السابق لمصلحته، وألغت الحكم المنقوض الذي ألزمه بذات المبلغ الذي ألزمته به محكمة النقض في حكمها الراهن بحسبان أن الحكم الابتدائي الذي أيده الحكم المطعون فيه قد ألزمه بمبلغ أكبر، ومن ثم فإنه تأييده من الحكم المطعون عليه فيه تسويئ لمركزه القانوني، وإضرار واضح بمصلحته حتى ولو كان الحكم المؤيد له قد التزم صحيح القانون باعتبار أن تلك القاعدة القانونية السابق عرضُها تتعلق بالنظام العام، ولا يجوز مخالفة حكمها الباتة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحكمــة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المــقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصـل في أن المطعون ضدهم أولًا /۲،۱ بنود أ، ب، ج، د، ٤، ثانيًا / ب، ج، د، هـ، و، ومورثي المطعون ضدهم أولًا / ۲ بند هـ، ۳ بندي أ، ب، وثانيًا /أ قد أقاموا الدعوى رقم ... لسنة ۲۰۰٦ مدنى محكمة طنطا الابتدائيـة على الطاعن بصفته بطلب الحكم بإلزامه بأن يؤدي لهم مبلغاً مقداره عشرة ملايين جنيه، وقالوا بياناً لذلك: إنه قد استولى على أرضهم المبينة بالصحيفة بغير اتباع الإجراءات المنصوص عليها بقانون نزع الملكية دون أن يعوضهم عنها تعويضًا يناسب الأضرار التي حاقت بهم من جراء غصبها، ومن ثم فقد أقاموا الدعوى. ندبت المحكمة خبيراً، وبعد أن قدم تقريره حكمت بالتعويض الذي قدرته. استأنف الطاعن هذا الحكم بالاستئناف رقم ... لسنة ٦۰ ق طنطا، فندبت المحكمة لجنة من الخبراء، وبعد أن أودعت تقريرها قضت بتخفيض التعويض المقضي به ابتدائياً. طعن الطاعن في هذا الحكم بالطعن رقم ... لسنة ۸۸ ق فنقضته محكمة النقض، وأحالت القضية إلى محكمة الإحالة، وبعد أن عجل الطاعن السير في الخصومة أمامها، وصحح شكل الاستئناف باختصام باقي المطعون ضدهم نظرا لوفاة مورثيهم المذكورين ندبت المحكمة خبيرًا فيه، وعقب إيداعه لتقريره قضت بتاريخ ۲۰۲۲ /۲ /۲۷ بتأييد الحكم المستأنف. طعن الطاعن على هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وإذ عُرِضَ الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيق، وفي بيان ذلك يقول: إن الحكم المطعون فيه بتأييده لحكم الدرجة الأولى يكون قد قضى عليه بأكثر مما قضى به عليه الحكم المنقوض برغم أن محكمة النقض قد ألغته لمصلحته بعد أن خفض التعويض المقضي به ابتدائيًا مسوئًا بذلك مركزه القانونيَّ بالمخالفة لقاعدة ألا يُضار طاعن بطعنه بما يعيبه، ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أنه من المقرر – في قضاء هذه المحكمة – إن قاعدة عدم جواز ألا يضار الطاعن بطعنه تطبق على جميع الطعون بما فيها الطعن بالنقض، وتستهدف من ذلك ألا يكون من شأن رفع الطعن تسويئ مركز الطاعن أو زيادة التزاماته، وإثقال الأعباء عليه، وهذه القاعدة تعتبر من القواعد الأصولية المتعلقة بالنظام العام، ومن ثم يجوز لمن أضير من مخالفتها من الخصوم التمسك بإعمالها لأول مرة أمام محكمة النقض التي يحق لها هي الأخرى – كما يحق للنيابة العامة – إثارتها من تلقاء نفسها مادامت عناصرها مطروحة عليها، بما مؤداه أن نقض الحكم المطعون فيه لمصلحة الطاعن يوجب على محكمة الإحالة ألا تزيد من الالتزامات المقضي بها عليه في الحكم المنقوض التزامًا منها بقاعدة ألا يضار طاعن بطعنه باعتبارها من القواعد الآمرة التي لا يجوز لمحكمة الإحالة مخالفتها الباتة تطبيقاً منها لمبدأ عدم جواز تسويئ مركزه القانوني، وبالتالي فإن تأييد الحكم المطعون فيه للحكم الابتدائي الذي قضى على الطاعن بأكثر مما قضى به عليه الحكم المنقوض الذي ألغِيَ لمصلحته يجعله معيباً بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه.
لما كان ذلك، وكان الحكم المنقوض قد خفض التعويض الذي قدره حكم الدرجة الأولى على الطاعن مما كان يتعين معه على محكمة الإحالة ألا تزيد مبلغ التعويض عن المقدار الذي حدده الحكم الاستئنافي السابق بعد أن ألغاه الحكم الناقض لمصلحة الطاعن التزاماً منها بقاعدة ألا يضار طاعنًّ بطعنهِ بحسبان أن تلك القاعدة تُعدُ من القواعد الأصولية المتعلقة بالنظام العام لارتباطها بإجراءات التقاضي، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر بتأييده للحكم الابتدائي الذي قدر عليه تعويضاً أكبر تسويئاً منه لمركزه القانوني، وإضراراً بمصالحه فإنه يكون فضلاً عن مخالفته للقانون وخطئه في تطبيقه قد ران عليه قصور مبطل مما يعيبه، ويوجب نقضه.
وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، وفي بيانه يقول: إن الحكم المطعون فيه قضى برفض طلب خصم مقابل التحسين من التعويض المقضي به بالمخالفة للحكم الناقض بما يعيبه، ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي غير سديد، ذلك أن المقرر – في قضاء هذه المحكمة – إن نقض الحكم للقصور في التسبيب – أياً كان وجه هذا القصور – لا يعدو أن يكون تعييباً للحكم المنقوض لإخلاله بقاعدة عامة فرضتها المادة ۱۷٦ من قانون المرافعات التي أوجبت أن تشمل الأحكام الأسباب التي بنيت عليها وإلا كانت باطلة " بما لا يتصور معه أن يكون الحكم الناقض قد حسم مسألة قانونية حتى ولو تطرق لبيان أوجه القصور في الحكم المنقوض، وكان تحديد مقابل التحسين الذى يلتزم مالك العقار بدفعه طبقاً للمادة ۱۹ من القانون ۱۰ لسنة ۱۹۹۰ يقتضى تحقيق عديد من العناصر، وإن لم يأت بيانها في تلك المادة إلا أنها لازمه لمراقبة صحة القضاء به، باعتبار أنه يلزم التفرقة بين حالة ما إذا كان من عاد التحسين على ما تبقى من عقاره قد بادر إلى إقامة دعواه بطلب التعويض عن نزع جزء من ملكه لأعمال المنفعة العامة قبل انتهاء تلك الأعمال أم أنه أقام دعواه بعد انتهائها على نحو تتوافر معه للجهة نازعة الملكية أن تُقدر ما عاد على باقي ملكه من منفعة نتيجة للتحسين الذى طرأ عليه، فإذا كانت الدعوى قد أقيمت قبل تمام الأعمال فإنه في هذه الحالة يكون لزاماً على القاضي إذا ما قضى لمن نُزعت ملكيته بالتعويض أن يخصم النسبة المقررة قانوناً على ذمة ما سوف يُسفر عنه حساب ما عاد على باقي العقار من منفعة حتى يتسنى للجهة نازعة الملكية استيداء ما تم خصمه من مبلغ التعويض، أما في حالة إقامة الدعوى بعد انتهاء أعمال المنفعة العامة فيجب على جهة الإدارة إذا ما طالبت بمقابل التحسين نتيجة لهذه الأعمال أن تكون قد قدرت ذلك المقابل على وجه التحديد كي يصير ديناً معلوم المقدار صالحًا للمطالبة به قضاءً.
لما كان ذلك، وكان حكم النقض السابق قد نقض الحكم المنقوض لعدم تحقيق دفاع الطاعن بأحقيته في خصم مقابل التحسين الذي طرأ على ما تبقى من أرض التداعي التي لم يُنزعَ ملكيتها، ومن ثم فإنه لا يكون قد فصل في ثمة مسألة قانونية يتعين على محكمة الإحالة أن تتبعه فيها بحسبان أن نقض الحكم هنا قد جاء للقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع فلا يتضمن فصلاً في مسألة قانونية يتحتم على محكمة الإحالة اتباعها، وإذ ندبت المحكمة الأخيرة خبيراً لبيان التحسينات التي طرأت على باقي أرض النزاع فانتهى في تقريره – الذي اطمأنت إليه تلك المحكمة – إلى أن أعمال المنفعة العامة التي نُزِعَ جزء من الأرض بُغية إتمامها قد انتهت قبل إقامة الدعوى محل الطعن الراهن بما يكون معه طلب الطاعن بصفته بخصم مقابل التحسين الذي عاد على بقية أرض المطعون ضدهم خليق بالرفض على اعتبار أنه لم يُقَدِر ذلك المقابل، ويطالبهم بمقداره الذي حدده على الرغم من أنه صار دينًا معلوم المقدار وصالحًا للمطالبة به قضاءً لاستيدائه منهم عملًا بنص المادة ۱۹ من القانون رقم ۱۰ لسنة ۱۹۹۰ بحسبان أنها المادة التي تضمنت النص القانوني الذي نظم تلك المسألة، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر برفضه لذلك الطلب المبدى من الطاعن فإنه يكون قد وافق صحيح القانون وبمنأى عن مخالفته، ويكون النعي به على غير أساس.
وحيث إنه ومن المقرر – في قضاء هذه المحكمة – إن تفسير النص القانوني يتطلب الإحاطة بكافة الظروف الداعية لصدوره، كما يحتاج إلى مطالعة المذكرة الإيضاحية الخاصة بالتشريع الذي تضمنه متى اكتنف عباراته الغموض، وافتقرت إلى الوضوح التام، فمعرفة الحكمة التشريعية من صدور النص المراد تفسيره أمر لازم تقتضيه القواعد الدستورية المستقرة حتى يتسنى تفسيره تفسيراً صحيحاً يتفق مع الغاية التشريعية من إصداره، وكان مؤدى نص الفقرة الأخيرة من المادة ۲٦۹ من قانون المرافعات بعد استبدالها بالمادة ۲ من القانون رقم ۷٦ لسنة ۲۰۰۷ أنه إذا أقيم الطعن للمرة الثانية، ورأت محكمة النقض وجوب نقض الحكم المطعون فيه فإنه يتعين عليها أن تفصل في موضوعه أياً كانت أسبابه المطروحة عليها حتى ولو كانت تلك الأسباب مغايرة لأسباب الطعن السابق طالما أن الطعن قد أقيم بعد صدور ذلك القانون والعمل بأحكامه، أما إذا كان الطعن قد أقيم للمرة الثانية قبل ذلك التاريخ فإنه لا إلزام عليها أن تتصدى للفصل في موضوعه حتى ولو أدرك القانون الأخير الطعن لدى نظره أمامها وقبل الفصل فيه بيد أن ذلك مشروط بألا يكون الطعن الجديد قد أقيم على ذات الأسباب التي أقيم عليها الطعن الأول إذ يتحتم عليها في هذه الحالة أن تتصدى للفصل في موضوعه عملًا بنص المادة ۲٦۹ من قانون المرافعات قبل تعديلها بالقانون ۷٦ لسنة ۲۰۰۷ بحسبان أنها سوف تكون المادة واجبة التطبيق على الطعن في تلك الحالة، وذلك تطبيقاً لمبدأ عدم رجعية القوانين الذي حرص المشرع على احترامه في الدساتير المصرية المتعاقبة على اعتبار أن أحكام القانون الذي عدلها تتطبق على الطعون التي تقام بعد العمل بأحكامه إعمالاً لأثره الفوري المباشر.
لما كان ذلك، وكان الطعن للمرة الثانية فإنه يتعين الحكم في موضوع الطعن عملًا بنص المادة ٤ /۲٦۹ من قانون المرافعات المعدل بالقانون رقم ۷٦ لسنة ۲۰۰۷ بحسبان أن الطعن الراهن قد أقيم بعد صدور القانون الأخير والعمل بمقتضى أحكامه.
وحيث إن موضوع الطعن صالح للفصل فيه – ولما تقدم – يتعين القضاء في موضوع الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدداً بإلزام الطاعن بأن يؤدي للمطعون ضدهم مبلغ مقداره ۲٦۸۹۳٤۰ جنيهاً، وذلك إعمالاً لقاعدة ألا يُضار طاعن بطعنهِ والتزامًا منها بمبدأ عدم جواز تسويئ مركز الطاعن بعدما نقضت محكمة النقض في الطعن الأول – المقام منه – الحكم الاستئنافي السابق لمصلحته، وألغت الحكم المنقوض الذي ألزمه بذات المبلغ الذي ألزمته به محكمة النقض في حكمها الراهن بحسبان أن الحكم الابتدائي الذي أيده الحكم المطعون فيه قد ألزمه بمبلغ أكبر، ومن ثم فإنه تأييده من الحكم المطعون عليه فيه تسويئ لمركزه القانوني، وإضرار واضح بمصلحته حتى ولو كان الحكم المؤيد له قد التزم صحيح القانون باعتبار أن تلك القاعدة القانونية السابق عرضُها تتعلق بالنظام العام، ولا يجوز مخالفة حكمها الباتة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق