باسم الشعب
محكمة النقض
الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية
ومواد الأحوال الشخصية وغيرها
برئاسة السيد القاضي / عاصم عبد اللطيف الغايش رئيس المحكمة . وعضوية السادة القضاة / فراج عباس عبد الغفار ، نبيل أحمد عثمان وأحمد فتحي المزين ، عبد الرحيم الصغير زكريا وعبد الصمد محمد هريدي ، عطية محمد زايد ، عمرو محمد الشوربجي ومحمد شفيع الجرف ونبيل فوزي إسكندر وعبد الرحمن إبراهيم عبد العاطي نواب رئيس المحكمة .
بحضور السيد المحامي العام لدى نيابة النقض / إسلام شمس الدين.
وحضور السيد أمين السر / أحمد علي.
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الإثنين ۲۹ من ذي الحجة سنة ١٤٤٧هـ الموافق ١٥ من يونيه سنة ٢٠٢٦م.
أصدرت الحكم الآتي:
في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم ٣٤٩٠ لسنة ٨٨ القضائية " هيئة عامة ..
المرفوع من
السيد / .............
يعلن في / .......... - أرض الجولف - مصر الجديدة - محافظة القاهرة.
ضد
ورثة المتوفى / ...........، وهم:
١- وريثة المتوفى / .........، وهي:
...........
١٠ - السيدة / ...........
تعلن في ....... - أمام سينما فريد شوقي - محافظة القاهرة.
--------------
الوقائع
في يوم ۲۰۱۸/۲/۱۷ طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف طنطا " مأمورية استئناف بنها الصادر بتاريخ ۲۰۱۷/۱۲/۲۶ في الاستئناف رقم ٦٤٦ لسنة ٣٥ ق وذلك بصحيفة طلب فيها الطاعن الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه.
وفي ۲۰۱۸/۳/٥ أعلن المطعون ضدهم بالبند الثامن بصحيفة الطعن.
وفي ۲۰۲۵/۲/۱۱ أعلنت المطعون ضدها العاشرة بصحيفة الطعن.
وفي ٢٠٢٥/٢/٢٤ أعلن المطعون ضدهم من الأول حتى السابعة والتاسع بصحيفة الطعن.
ثم أودعت نيابة النقض مذكرتها أبدت فيها الرأي بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه.
وبجلسة ٢٠٢٤/١٢/١٦ عرض الطعن على المحكمة - في غرفة مشورة - فرأت أنه جدير بالنظر فحددت لنظره جلسة للمرافعة.
وبجلسة 2025 /۱۱/۱۷ سمعت الدعوى أمام الدائرة المحيلة على ما هو مبين بمحضر الجلسة، حيث صممت النيابة على ما جاء بمذكرتها.
وبجلسة ۲۰۲٦/٢/١٦ قررت الدائرة المحيلة إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها.
ثم أودعت النيابة مذكرة تكميلية بالرأي في شأن الاتجاهين محل قرار الإحالة، انتهت فيها إلى إقرار المبدأ الذي تبنته الأحكام التي انتهت إلى أن حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته لا يعدو أن يكون رخصة، والرخص لا تسقط بالتقادم، واستبعاد الاتجاه الآخر.
وبجلسة ۲۰۲٦/٥/٤ نظر الطعن أمام الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها على النحو المبين بمحضر الجلسة، حيث صممت النيابة على ما جاء بمذكرتها التكميلية، فقررت الهيئة إصدار حكمها بجلسة اليوم.
------------
الهيئة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر /نبيل فوزي إسكندر " نائب رئيس المحكمة " والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن مورث الطاعن والمطعون ضدها العاشرة أقام على المطعون ضدهم من الأولى حتى التاسع الدعوى رقم ٨٨١ لسنة ۱۹۹٧ أمام محكمة بنها الابتدائية بطلب الحكم بإخلاء العين المبينة بالصحيفة والتسليم، وقال بياناً لذلك: إنه بموجب عقد مؤرخ ۱۹۶۸/۱۰/۲۹ استأجر مورث المطعون ضدهم من الأولى حتى الثامن عين التداعي، وإذ تركها للمطعون ضده التاسع فأقام الدعوى، حكمت المحكمة برفضها. استأنف الطاعن والمطعون ضدها العاشرة هذا الحكم بالاستئناف رقم ٦٤٦ لسنة ٣٥ ق طنطا " مأمورية بنها ، ندبت المحكمة خبيراً وبعد أن أودع تقريره قضت بتاريخ ۲۰۱۳/۱/۲۹ بإلغاء الحكم المستأنف والإخلاء والتسليم. طعن المطعون ضده التاسع في هذا الحكم بطريق النقض بالطعن رقم ٥٠٦١ لسنة ٨٣ ق ، وبتاريخ ۲۰۱٥/١/١٤ نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه وأحالت القضية إلى محكمة استئناف طنطا " مأمورية استئناف بنها ". عجل الطاعن والمطعون ضدها العاشرة السير في الاستئناف، أحالت المحكمة الدعوى إلى التحقيق، وبعد سماع شهود الطرفين قضت المحكمة بتاريخ ۲۰۱۷/۱۲/٢٦ بإلغاء الحكم المستأنف وبسقوط الحق في إقامة الدعوى بمضي المدة. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عُرض الطعن على الدائرة المختصة فحددت جلسة لنظر الموضوع، وفيها التزمت النيابة رأيها.
ونظراً لتعارض الأحكام الصادرة من دوائر محكمة النقض بشأن سقوط حق المؤجر في طلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته المنصوص عليها في قوانين إيجار الأماكن بمضي خمس عشرة سنة إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: أن حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته يسقط بمضي خمس عشرة سنة من الوقت الذي يتمكن فيه الدائن من المطالبة بدينه، تأسيساً على أن النص في المادة ٣٧٤ من القانون المدني يدل على أن الالتزام وهو الحق الشخصي للدائن الذي يخوله مطالبة مدينه إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، وسائر الالتزامات التي مصدرها القانون تتقادم كأصل عام بمضي خمس عشرة سنة ما لم يوجد نص خاص يخالف ذلك، باعتبار أن التقادم سبب لانقضاء الحقوق الشخصية أو العينية احتراماً للأوضاع المستقرة كأصل عام، أو اعتداداً بقرينة الوفاء، أو جزاء الإهمال الدائن في حالات خاصة، وأن الدعوى بطلب فسخ عقد الإيجار هي بطلب حق من الحقوق الشخصية التي ليست لها مدة خاصة تتقادم بها، فإن تقادمها يكون بمضي خمس عشرة سنة من وقت نشأة الحق في الدعوى باعتباره التاريخ الذي يتمكن فيه الدائن من المطالبة بدينه.
الاتجاه الثاني: أن حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته لا يعدو أن يكون رخصة، والرخص لا تسقط بالتقادم، تأسيساً على أن المشرع فرض في قوانين إيجار الأماكن المتعاقبة قواعد خاصة خرج بها على الأحكام العامة لعقد الإيجار في القانون المدني، وأن الحق الممنوح للمؤجر في طلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته التي نصت عليها قوانين إيجار الأماكن الاستثنائية جوازي، فله أن يحجم عن استعمال حقه نهائيا، وله أن يتراخى في ذلك، ولا يعد هذا التراخي مهما بلغت مدته إسقاطا من جانبه لحقه، ولا يعدو أن يكون رخصة للمؤجر إن شاء استعملها وإن شاء أحجم عنها، والرخص لا تسقط بالتقادم.
وإزاء هذا التباين في المبادئ قررت الدائرة المختصة بجلستها المعقودة بتاريخ ٢٠٢٦/٢/١٦ إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها إعمالاً لنص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ المعدل للفصل في هذا الاختلاف.
وإذ حددت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها بالمحكمة جلسة لنظر الطعن، وأودعت النيابة العامة لدى محكمة النقض مذكرة تكميلية أبدت فيها الرأي باعتماد الاتجاه الثاني.
وحيث تداولت الهيئة في المسألة المعروضة عليها من الدائرة المحيلة والتزمت النيابة رأيها، وقررت الهيئة إصدار حكمها بجلسة اليوم.
لما كان التقادم من النظم القانونية الأساسية التي أقامها المشرع تحقيقاً لاستقرار الأوضاع القانونية، وصوناً للمعاملات من أن تظل معلقة إلى غير نهاية، فجعل لمضى مدة معينة متى توافرت شرائطها القانونية أثراً في بعض الحقوق والدعاوى اكتساباً أو انقضاء، وأحاط سريانه ووقفه وانقطاعه بقواعد دقيقة تكفل تحقيق الغاية التي شرع من أجلها دون مجاوزة لحدودها، إلا أن التقادم لا يقوم بذاته سبباً عاماً لانقضاء المراكز القانونية كافة، ولا ينسحب أثره إلى ما خوله القانون للأشخاص من سلطات أو مزايا قانونية، إنما يظل محكوماً بطبيعة المركز القانوني الذي يرد عليه وبالغاية التي استهدفها المشرع من إخضاعه لأحكامه، فما كان قابلاً بطبيعته للاكتساب أو السقوط جرى عليه أثر التقادم في الحدود التي رسمها القانون، أما ما استعصى منها بحكم طبيعته أو بنص القانون على هذا الأمر، فإنه يظل بمنأى عنه مهما استطال الزمن أو تراخي صاحبه عن مباشرته.
وحيث إنه متى ثبت قيام الحق مستكملاً مقوماته، فلا محل بعد ذلك للفصل بين الحق ووسائل مباشرته أو مظاهر استعماله، ذلك أن الاستعمال ليس مصدراً قانونياً مستقلاً عن الحق ولا يصدر مغايراً له، إنما هو الأثر الطبيعي المترتب على وجوده والوسيلة التي يتحقق بها مضمونه وتظهر فيها آثاره في الواقع، وإذ كان الحق لا يتصور وجوده إلا مستنداً إلى رابطة قانونية يعترف بها القانون ويحميها، فإن مباشرة هذا الحق تظل بدورها متصلة بهذه الرابطة ومستمدة وجودها منها فلا تنفصل عنها ولا يتحول إلى مجرد رخصة أو إباحة قانونية مجردة، لأن الفرع لا يغاير أصله في طبيعته القانونية، ولأن ما يستمد وجوده من الحق لا يجوز أن يجرد خصائص هذا الحق أو ينتزع منه وصفه القانوني، بما يكون معه استعمال الحق تجلياً لسلطاته ومظهرا من مظاهر اقتضائه، فلا يصح قانوناً إسباغ وصف الرخصة عليه، لأن الرخصة تفترض انتفاء الرابطة القانونية التي يقوم عليها الحق، بينما استعمال الحق يفترض وجود هذه الرابطة ابتداء ويستمد مشروعيته وآثاره منها، ولذلك فإن الخلط بين الحق واستعماله من جهة، وبين الرخصة من جهة أخرى، مؤداه إهدار الفوارق الجوهرية بين المراكز القانونية المختلفة وإسقاط الأحكام المقررة للحقوق على غير محلها، بما يؤدى إلى تجريد الحق من أهم خصائصه القانونية رغم بقاء مصدره وأساسه والرابطة المنشئة له قائمة ومنتجة لكافة آثارها، ومن ثم فلا محل للقول بأن استعمال الحق رخصة، إذ إن الرخصة لا تنشئ حقاً، والحق لا يتحول استعماله إلى رخصة، إذ إن لكل منهما طبيعته القانونية المميزة له وأحكامه التي لا تختلط بالغير .
ولما كان التفريق بين الحق والرخصة ليس تفريقًا في مدى الحماية القانونية أو في قوة الأثر المترتب على كل منهما، إنما هو تفريق في حقيقة المركز القانوني ذاته، إذ لا يمثل أحدهما صورة مختلفة للآخر ولا مرحلة سابقة أو لاحقة عليه، بل يقوم كل منهما على بنيان قانوني مستقل يستمد منه وجوده وأحكامه وآثاره، فالحق لا يوجد إلا حيث تقوم رابطة قانونية اعتد بها القانون ورتب عليها أثراً ملزماً، فجعل لصاحبه سلطة قانونية محددة، وأقام في المقابل التزاماً أو مركزاً قانونياً يلتزم الغير باحترامه، وبهذه الرابطة وحدها يخرج الحق من دائرة الإمكان إلى دائرة الوجود القانوني، ويغدو عنصراً من عناصر المركز القانوني لصاحبه واجب الحماية، أما الرخصة فلا تستند إلى رابطة قانونية من هذا القبيل، ولا تنشئ بذاتها حقاً قبل الغير، ولا تقيم التزاماً في مواجهته، إنما تقتصر على مجرد الإباحة التي يترك القانون للشخص أمر الأخذ بها أو الإعراض عنها دون أن يترتب على ذلك قيام مركز قانوني مقابل، ولما كان استعمال الحق ليس إلا الوجه العملي لوجوده القانوني والمظهر الذي تباشر به السلطات الناشئة عنه، فإنه لا ينفصل عنه ولا يستقل بطبيعة قانونية مغايرة لطبيعته، إذ لا يتصور أن يظل أصل الحق قائماً ثم يتحول أثره إلى غير طبيعته، ولا أن تبقى الرابطة القانونية المنشئة للحق قائمة ثم تزول آثارها عند مباشرتها، ومن ثم فإن القول بأن استعمال الحق رخصة ينطوي على تناقض في التكييف ذاته، لأنه يفترض بقاء الحق وزوال خصائصه في أن واحد، وهو ما يأباه المنطق القانوني، فالرخصة لا تنشئ حقا، لأنها لا تقوم على رابطة قانونية والحق لا يفقد طبيعته باستعماله، بل يستمد الاستعمال وجوده منه ولكل منهما طبيعته القانونية التي تلازمه وأحكامه التي تدور معه وجوداً وعدماً، فلا يختلط أحدهما بالآخر ولا يصح حمل أوصاف أحدهما على الآخر أو إخضاعه لأحكامه ولا أن يحل أحدهما محل الآخر، وإلا انتقض الأساس الذي أقام القانون عليه أحكام كل منهما، ومن ثم فإن المشرع حين نظم الحقوق لم يقف عند حد تقرير وجودها، وإنما أحاطها بمنظومة متكاملة من الأحكام التي تنشأ عنها وتدور معها وجوداً وعدماً، ورتب على قيامها آثاراً قانونية متعددة، وجعل منها ما يخضع للسقوط أو التقادم أو غير ذلك من النظم القانونية التي لا يكون لها محل بحث إلا حيث يوجد الحق الذي تنصرف إليه، فإذا جرى إلحاق ما يُعد في حقيقته حقاً بدائرة الرخص القانونية، أدى ذلك إلى نزع هذا المركز القانوني من الإطار الذي وضعه المشرع له وتجريده من الأحكام التي رتبها عليه والتي أقيمت أصلاً على أساس وجود هذا الحق واستمراره، فينتهى إلى تغيير الأحكام القانونية الواجبة التطبيق ذاتها وإهدار البناء التشريعي الذي أقامه المشرع على التفرقة بين الحق والرخصة وتجريدها من مجال إعمالها، ومن ثم فإن القول بأن استعمال الحق رخصة، لا يقتصر أثره على العلاقة الإيجارية، وإنما يمتد بالضرورة إلى كل حق يخضع للتقادم سواء كان عقد بيع أو رهن أو غيرها من مصادر الالتزام، بما يترتب على ذلك من عدم خضوع هذه الحقوق للتقادم أياً كان مصدرها، بما مؤداه إهدار نظام التقادم في انقضاء الحقوق على خلاف ما استقر عليه التشريع المدني من تقريره وآثاره القانونية.
وحيث إن التقادم ليس سبباً مستقلاً لانقضاء المراكز القانونية أياً كانت طبيعتها، وإنما هو نظام استثنائي أقامه المشرع على حقوق ودعاوى معينة، وربط سريانه بقيام الحق الذي يرد عليه وبقاء صاحبه ممتنعاً عن التمسك به أو المطالبة به خلال المدة التي حددها القانون، لذلك اختلفت الأحكام التي ترد على كل من الرخصة والحق باختلاف طبيعتهما، فحيث وجد الحق أمكن أن ترد عليه أسباب الانقضاء والسقوط والتقادم متى توافرت شروطها، أما الرخصة فلا تكون محلاً لذلك أصلاً، إذ لا يرد التقادم إلا على حق أو دعوى يحميها القانون، وهو لا يتصور إعماله في مجرد إباحة قانونية لا تنشئ بذاتها مركزاً قانونياً من هذا القبيل، وكانت العقود من أهم مصادر الحقوق والالتزامات، فإن ما ينشأ عنها من حقوق يظل خاضعاً للأحكام العامة التي قررها القانون للحقوق بوجه عام، ومنها أحكام السقوط والتقادم.
وإذ كان عقد الإيجار يرتب بين طرفيه حقوقاً والتزامات متقابلة، فإن إخلال المستأجر بالالتزامات التي فرضها العقد أو أوجبها القانون ينشئ للمؤجر حقاً في طلب الإخلاء يستمد وجوده من الرابطة القانونية القائمة بينهما ويقوم على مركز قانوني مكتمل العناصر ، بما يخرجه بطبيعته عن دائرة الرخص والإباحات المجردة، فإذا تحقق سبب الإخلاء لمخالفته أحكام العقد أو القانون بما يترتب عليه فسخ عقد الإيجار ، فإن لجوء المؤجر إلى القضاء بطلب الحكم به لا يعدو أن يكون مباشرة لهذا الحق واقتضاء لأثره القانوني، إذ لا تنشئ الدعوى حقاً جديداً ولا يستحدث للمؤجر سلطة لم تكن قائمة من قبل، إنما يمثل الصورة التي يتجسد فيها الحق عند المنازعة فيه والطريق الذي رسمه القانون الإعمال اثاره، ومن ثم فلا محل للقول أن طلب الإخلاء أو الدعوى المقامة به لا تعدو أن تكون رخصة قانونية، إذ الرخصة تفترض إباحة مجردة ولا تقوم على حق سابق، بينما دعوى الإخلاء تقوم استناداً إلى حق نشأ بالفعل واكتملت عناصره بقيام سبب الإخلاء، ومن ثم فإن استعمال المؤجر لهذا الحق بالمطالبة به قضاء، لا يجاوز أن يكون مظهراً من مظاهر الحق ذاته ولا ينفصل عنه ولا يغير من طبيعته القانونية، ولا يغير من ذلك ما نصت عليه المادة ۱۸ من القانون ١٣٦ لسنة ۱۹۸۱ من أنه " لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأحد الأسباب الآتية .... ومؤدى هذا النص أن المشرع قد تناول بالتنظيم العلاقة الإيجارية الناشئة عن العقد القائم بين المؤجر والمستأجر ، وهو ما أفصح عنه صراحة بإحالته إلى العقد وجعله أساساً للرابطة القانونية محل التنظيم، ومقتضى ذلك أن الحقوق والالتزامات التي تدور في فلك هذه العلاقة، تستمد وجودها من العقد ذاته بوصفه مصدراً من مصادر الالتزام لا من نص المادة ١٨ سالفة البيان، والذي اقتصر دورها على تنظيم آثار تلك العلاقة وضبط كيفية مباشرتها، ومن ثم فإن حق المؤجر في طلب الإخلاء لا يستمد وجوده من المادة المشار إليها، وإنما يستمد وجوده من الرابطة العقدية وما يرتبه الإخلال بها من آثار قانونية طبقاً للقواعد العامة، غير أن المشرع - وخروجاً على ما تقتضيه تلك القواعد - لم يترك استعمال هذا الحق على إطلاقه، بل تدخل لتنظيمه وتقييد نطاق مباشرته، فنص على أنه " لا يجوز " طلب الإخلاء... " إلا )، فدلالة الجواز الواردة بالنص لا تنصرف إلى أصل الحق ولا إلى وصفه وطبيعته، إنما تنصرف إلى تقييد نطاق استعمال الحق في دعوى الإخلاء بالحالات الواردة فقط به وعلى سبيل الحصر، فالمشرع لم يكن بصدد إنشاء حق أو تقرير رخصة، إنما كان بصدد فرض قيد على سلطات المؤجر في استعمال حقه في طلب الإخلاء وجعلها مقصورة على الحالات الواردة بالنص دون غيرها ومنعه من اللجوء إلى هذا الجزاء فيما عداها، وعلى ذلك فإن الجواز الوارد بالمادة ليس رخصة للمؤجر ، وإنما هو في حقيقته قيد على استعمال الحق أو إطلاق حرية استعماله وحصره في أسباب محددة تتعلق بالنظام العام، فلا يكون الإخلاء جائزاً إلا إذا قام سبب من الأسباب التي أوردها المشرع حصراً ولا يمتد إلى غيرها ولو كان ذلك جائزاً وفقاً للأصل العام، ومن ثم فإن استخلاص وصف الرخصة من هذا الجواز ينطوي على مجاوزة لدلالة النص، وخلط بين الحق وبين القيود الواردة على استعماله وبين الرخصة والتي مناطها أن يكون للشخص أن يستعمل المكنة التي قررها القانون أو بعرض عنها، فالجواز الوارد بالمادة تعلق بتقييد استعمال الحق لا بإطلاقه، وبحصر حالات مباشرته، لا بالتخيير بين استعماله أو تركه، ومن ثم فإن استخدام النص للفظ " لا يجوز " لم يتناول به الرخصة تصريحاً أو دلالة ولم يكن معنياً ببيان أحكامها، إنما اقتصر على تنظيم مباشرة حق الإخلاء وقصر استعماله على الحالات التي حددها المشرع، ومما يؤكد هذا النظر أن المشرع حينما استخدم عبارة ( لا يجوز " للمؤجر أن يطلب الإخلاء " إلا ) هي صيغة لم ترد لبيان إباحة أو تقرير رخصة وإنما وردت في صورة نفي أعقبه استثناء، وهي من أبلغ صيغ القصر والحصر ، ومؤداها منع طلب الإخلاء أصلاً فيما جاوز الحالات المستثناة وقصره عليها دون غيرها، فالنص لم ينشئ دائرة من الحريات يترك لصاحب الشأن أمر استعمالها أو عدم استعمالها، وإنما أقام قيداً تشريعياً أمراً على حق قائم، فحجب سريان أثره إلا في الأحوال التي عينها المشرع تحديداً، ومن ثم فإن دلالة النص لا تتجه إلى تقرير رخصة، وإنما تطبيق نطاق استعمال الحق وحصر وسائل مباشرته، فالنص لم يرد في صورة إباحة أعقبها تنظيم، وإنما ورد في صورة حظر أعقبه استثناء، والفارق بينهما هو الفارق بين تقرير الرخصة وتقييد الحق.
ومن ثم فإن الهيئة تقر مبدأ أن طلب الإخلاء لإخلال المستأجر بالتزاماته المقررة بالقانون وعقد الإيجار يقوم على حق مقرر للمؤجر وليس رخصة قانونية، ومن ثم فإنه يكون صالحاً بطبيعته لأن يكون محلاً للأحكام التي ترد على الحقوق ومنها السقوط والتقادم متى توافرت شروطه القانونية. ومن ثم، فإن الهيئة - وبعد الفصل في المسألة المعروضة - تعيد الطعن إلى الدائرة التي أحالته للفصل فيه، وفقاً لما سبق وطبقاً لأحكام القانون.
لذلك
حكمت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها بالأغلبية المنصوص عليها بالفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ۱۹۷۲ المعدل
أولا: إقرار مبدأ تقادم حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة لإخلال المستأجر بالتزاماته حال توافر أحد مسبباته المنصوص عليها في القانون بمضي المدة، والعدول عما عداها من أحكام أخرى مخالفة في هذا الشأن.
ثانيا : إعادة الطعن إلى الدائرة المحيلة للفصل فيه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق