الصفحات

▼

Additional Menu

الخميس، 24 سبتمبر 2026

الدعوى رقم 48 لسنة 46 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 9 / 9 / 2026

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٦/۰۹/۱۰⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأربعاء التاسع من سبتمبر سنة ٢٠٢٦م، الموافق السابع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٤٤٨هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وصلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٤٨ لسنة ٤٦ قضائية "دستورية"

المقامة من

أيمن عبد الرازق حامد خيره، عن نفسه وبصفته صاحب معرض خيره موتورز

ضد

١- رئيس مجلس الوزراء

٢- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًّا)

٣- رئيس مجلس إدارة البنك الزراعــــــي المصـــــري

٤- رئيس قطاع الغربية بالبنك الزراعي المصــــري

٥- مدير البنك الزراعي المصري فرع المحلة الكبـرى

٦- محافظ البنك المركزي المصري

----------------

الإجراءات

بتاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر سنة ٢٠٢٤، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية المواد (١٢٩/٢ و١٤٧/١ و١٧٢ و١٨٠ و٥٩٢/١) من القانون المدني.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم؛ أولًا: بعدم قبول الدعوى بشأن المواد (١٤٧/١ و١٧٢ و١٨٠) من القانون المدني، ثانيًا: برفض الدعوى بالنسبة للمادتين (١٢٩/٢ و٥٩٢/١) من القانون ذاته.

وقدم المدعى عليه الثالث مذكرة، طلب في ختامها الحكم؛ أولًا: بعدم قبول الدعوى لإقامتها من غير ذي مصلحة، ثانيًا: بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للمدعى عليهم جميعًا لعدم اختصام رئيس الجمهورية، ثالثًا: بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للمدعى عليهم (الثالث والرابع والخامس)، رابعًا: برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها، أعقبته بتقرير تكميلي، بعد أن أعادت المحكمة الدعوى إليها لاستكمال التحضير.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها طلب الحاضر عن المدعي استخراج شهادة من مجمع اللغة العربية عن معنى وتفسير كلمة "شريعة"، وكذا استخراج فتوى عن سقوط الحقوق ودعاوى التعويضات، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

--------------

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصـل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعي أقام أمام محكمة شرق طنطا الابتدائية الدعوى رقم ٢٧٣٣ لسنة ٢٠٢١ مدني كلي، ضد المدعى عليهم من الثالث حتى السادس، طالبًا الحكم –وفق طلباته الختامية– أولًا: بانتهاء مدة عقد الإيجار المحرر بتاريخ ٢١/٩/٢٠٢٢ لمضي مدة سنة من عقد الإيجار في الإنشاءات دون انتفاع. ثانيًا: ببطلان البندين الرابع والحادي عشر من ذلك العقد فيما نصا عليه من قيام المدعي بالأعمال الهندسية على نفقته الخاصة، على أن تؤول ملكية هذه الأعمال للبنك دون مقابل. ثالثًا: ببطلان البند الخامس من العقد في شأن تحمل المدعي كافة المصروفات الخاصة بالأعمال الهندسية. رابعًا: بثبوت العلاقة الإيجارية لمدة ثلاث سنوات من تاريخ توقيع العقد طبقًا للعرض المقدم منه بتاريخ ٥/٢/٢٠٢١. خامسًا: بإلزام المدعى عليه الثالث التعويض عما لحقه من خسارة وما فاه من كسب جراء امتناعه عــن تنفيذ تصريح المحكمة بجلسة ٢٩/١٠/٢٠٢٣، ونظير القيمة السوقية للتحسينات التي أدخلها على العقار موضوع الدعوى. وذلك تأسيسًا على أنه بتاريخ ٢١/٩/٢٠١٦، أبرم المدعي مع المدعى عليه الخامس عقد إيجار مساحة ٤٥٦ مترًا مربعًا لاستخدامها في نشاط تجارة السيارات، ونص العقد على أن مدته خمس سنوات تبدأ من ١/١٠/٢٠١٦ إلى ٣٠/٩/٢٠٢١، إلا أن الإنشاءات التي أقامها المدعي استغرقت عامًا لم ينتفع خلاله بالعقار، مما يتعين معه مد مدة عقـد الإيجار حتى ٣٠/٩/٢٠٢٢، فضلًا عن أن البنك استغل طيشه وحمَّله ما لا يجوز تحميله قانونًا، بأن ألزمه تكلفة التحسينات التي أدخلها على العقار وأيلولتها للبنك عقب انتهاء مدة الإيجار؛ فأقام دعواه بطلباته سالفة البيان.

ومن ناحية أخرى، وجه المدعى عليه الثالث دعوى فرعية ضد المدعي، طلب فيها الحكم؛ أولًا: بطرده من العين المؤجرة لانتهاء عقد الإيجار بانتهاء مدته في ٣٠/٩/٢٠٢١، وإلزامه بتسليم العين بما عليها من إنشاءات وتشطيبات بالحالة الموضحة خالية من الأشخاص والشواغل. ثانيًا: بإلزامه الريع جراء غصب العين وغل يد البنك عن الانتفاع بها خلال الفترة التالية لانتهاء عقد الإيجار حتى تاريخ الحكم في الدعوى. وبجلسة ١٨/٢/٢٠٢٤، حكمت المحكمة برفض الدعوى الأصلية، وفي الدعوى الفرعية بطرد المدعى عليه من العين موضوع عقد الإيجار، وألزمته تسليمها للمدعي بما عليها من إنشاءات وتشطيبات خالية من الأشخاص والشواغـــل، وألزمتـــه أن يؤدي إلى المدعي فرعيًّا مبلغ ٣٨١٨٨١,٥ جنيهًا قيمة الريع المستحق عن العين موضوع عقد الإيجار السالف عن الفترة من ١/١٠/٢٠٢١ حتى تاريخ الحكم.

لم يلق ذلك القضاء قبولًا لدى أطراف الخصومة فأقام المدعي أمام محكمة استئناف طنطا الاستئناف رقم ٩٦٥ لسنة ١٨ قضائية، كما أقام المدعى عليهم الثالث والرابع والخامس أمام المحكمة ذاتها الاستئناف رقم ١٠١٣ لسنة ١٨ قضائية. تدوول الاستئنافان أمام المحكمة، وقررت المحكمة ضم الاستئنافين ليصدر فيهما حكم واحد. وبجلسة ٤/٩/٢٠٢٤، دفع المدعي بعدم دستورية المواد (١٢٩/٢ و١٤٧/١ و١٧٢ و١٨٠ و٥٩٢/١) من القانون المدني. وبعد أن قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقام الدعوى المعروضة.

وحيث إنه عن طلب المدعي استخراج شهادة من مجمع اللغة العربية عن معنى وتفسير كلمة "شريعة"، وكذا استخراج فتوى عن سقوط الحقوق ودعاوى التعويضات، فإن المحكمة لا ترى وجهًا لإجابة هذا الطلب، لكونها السلطة المختصة وحدها دون غيرها بالرقابة القضائية على موافقة النصوص التشريعية المطعون فيها للدستور، وذلك دون إخلال بسلطتها في طلب الإيضاح الذي تراه لازمًا للفصل في الدعوى الدستورية متى تراءى لها ذلك.

وحيث إنه عن الدفع المبدى من المدعى عليهم الثالث والرابع والخامس بعدم قبول الدعوى، لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة إليهم وكذلك لعدم اختصام رئيس الجمهورية، فذلك مردود بأن المدعى عليهم المذكورين خصوم في الدعوى الموضوعية، ومواجهون بالحكم الذي يصدر في تلك الدعوى؛ ومن ثم يكون اختصامهم في الدعوى المعروضة في محله، كما أن المدعي اختصم رئيس مجلس الوزراء في الدعوى، ولما كانت الخصومة في الدعاوى الدستورية عينية، تستهدف النصوص التشريعية المطعون فيها بعيب دستوري، ويكون للحكم الصادر فيها حجية مطلقة في مواجهة الكافة، طبقًا لنص المادة (٤٩) من قانونها الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩، لذلك نصت المادة (٣٥) من قانون المحكمة على أنه "وتعتبر الحكومة من ذوي الشأن في الدعاوى الدستورية"، ولما كان المدعي قد اختصم رئيس مجلس الوزراء في الدعوى المعروضة الأمر الذي يغدو معه الدفع المشار إليه غير قائم على أساس سليم، حقيقًا بالالتفات عنه.

وحيث إن المواد (١٢٩ و١٤٧ و١٧٢ و١٨٠ و٥٩٢) من القانون المدني، الصادر بالقانون رقم ١٣١ لسنة ١٩٤٨، تنص على:

مادة (١٢٩): "١- إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر، وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشًا أو هوى جامحًا، جاز للقاضي بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو ينقص التزامات هذا المتعاقد.

٢- ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال سنة من تاريخ العقد، وإلا كانت غير مقبولة.

٣- ويجوز في عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف الآخر دعوى الإبطال، إذا عرض ما يراه القاضي كافيًا لرفع الغبن".

مادة (١٤٧): "١- العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون.

٢- ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلًا، صار مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي تبعًا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلًا كل اتفاق على خلاف ذلك".

مادة (١٧٢): "١- تسقط بالتقادم دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه. وتسقط هذه الدعوى في كل حال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع.

٢- على أنه إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة، وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء المواعيد المذكورة في الفقرة السابقة، فإن دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية".

مادة (١٨٠): "تسقط دعوى التعويض عن الإثراء بلا سبب بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه من لحقته الخسارة بحقه في التعويض، وتسقط الدعوى، كذلك في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي ينشأ فيه هذا الحق".

مادة (٥٩٢): "١- إذا أوجد المستأجر في العين المؤجرة بناء أو غراسًا أو غير ذلك من التحسينات مما يزيد في قيمة العقار، التزم المؤجر أن يرد للمستأجر عند انقضاء الإيجار ما أنفقه في هذه التحسينات أو ما زاد في قيمة العقار، ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك.

....................".

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المشرع أوجب لقبول الدعوى الدستورية أن يتضمن قرار الإحالة، أو صحيفة الدعوى، ما نصت عليه المادة (٣٠) من قانونها الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩ من بيانات جوهرية تُنبئ عن جدية هذه الدعاوى، ويتحدد بها موضوعها، وذلك مراعاة لقرينة الدستورية لمصلحة القوانين، وحتى يتاح لذوي الشأن فيها، ومن بينهم الحكومة –التي أوجبت المادة (٣٦) من قانون المحكمة إعلانها بالقرار أو الصحيفة– أن يتبينوا كافة جوانبها، ويتمكنوا في ضوء ذلك من إبداء ملاحظاتهم وردودهم وتعقيبهم عليها في المواعيد التي حددتها المادة (٣٧) من القانون ذاته، بحيث تتولى هيئة المفوضين بعد انتهاء تلك المواعيد تحضير الدعوى، وتحديد المسائل الدستورية والقانونية المثارة، وتبدي فيها رأيًا مسببًا، وفقًا لما تقضي به المادة (٤٠) من هذا القانون. متى كان ذلك، وكانت صحيفة الدعوى المعروضة قد خلت من أي مناعٍ دستورية على نص المادة (١٢٩/٢) من القانون المدني بما يُمكن هذه المحكمة من تحريها وتحديد مقاصد المدعي في شأنها، وجاءت قاصرة عن بيان ما أوجبته المادة (٣٠) من قانون هذه المحكمة، بما يصمها بالتجهيل ولازمه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها في شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم شرط المصلحة باجتماع عنصرين، أولهما: أن يقيم المدعي -وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون عليه- الدليل على أن ضررًا واقعيًّا –اقتصاديًّا أو غيره– قد لحق به، سواء أكان هذا الضرر الذي يتهدده وشيكًا أم كان قد وقع فعلًا. ويتعين دومًا أن يكون هذا الضرر مباشرًا، منفصلًا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلًّا بالعناصر التي يقوم عليها، ممكنًا تصوره، ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره. ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، وليس ضررًا متوهمًا أو منتحلًا أو مجهلًا، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلًا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة؛ ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.

متى كان ما تقدم، وكان نص الفقرة الأولى من المادة (١٤٧) من القانون المدني يمثل القاعدة العامة في شأن التزام طرفي العقد بما اتفقا عليه، فلا يجوز الخروج عليها إلا باتفاقهما أو بما يقرره القانون من أسباب، وكان هذا النص لم يتضمن تنظيمًا يحدد الملتزم بقيمة التحسينات التي يُدخلها المستأجر على العقار أو ما زاد بسببها في قيمة العقار عند انقضاء عقد الإيجار، وسلطة طرفي العقد في الاتفاق على مخالفة هذا التنظيم، وإنما أقره المشرع في الفصل الأول من الباب الثاني من الكتاب الثاني من القانون المدني تحت اسم "الإيجار"؛ وتبعًا لذلك فإن الفصل في دستورية النص العام –المطعون فيه– لن يكون ذا أثر على طلبات المدعي من الدعوى الموضوعية، التي تظل محكومة بالنص الخاص من فصل "الإيجار" المشار إليه– وحده- الأمر الذي تنتفي معه المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي في الطعن على نص الفقرة الأولى من المادة (١٤٧) من القانون المدني، ولزامه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.

وحيث إن المادة (١٧٢) من القانون المدني مارة البيان تقرر سقوط دعاوى التعويض عن العمل غير المشروع بالتقادم بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر، وبالشخص المسئول عنه. وإذ تقرر المادة (١٨٠) من القانون ذاته سقوط دعوى الإثراء بلا سبب بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه من لحقته الخسارة بحقه في التعويض وبمرور خمسة عشر عامًا من اليوم الذي نشأ فيه هذا الحق، ولما كانت طلبات المدعي أمام محكمة الموضوع تدور حول بطلان بعض بنود العقد التي كبدته مبالغ مالية، وزادت في ذمة البنك المالية، أو تعويضه عن التحسينات التي أدخلها على العقار، فهي طلبات تدور حول الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقد المبرم بينه وبين البنك المدعى عليه؛ ومن ثم فلا مجال لإعمال أحكام التعويض عن العمل غير المشروع أو الإثراء بلا سبب؛ إذ المناط في تحديد الحقوق المدعى بها يُرد إلى أحكام المسئولية العقدية وحدها؛ ومن ثم تنتفي مصلحة المدعي في الطعن على نص المادتين (١٧٢ و١٨٠) من القانون المدني؛ الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها.

وحيث إن رحى الدعوى الموضوعية تدور حول طلب المدعي القضاء له بقيمة ما أنفقه على التحسينات التي أدخلها على العقار، وهو الأمر الذي جابهه البنك المدعى عليه بأن تحمل المدعي قيمة تلك التحسينات كان بناءً على الاتفاق المبرم بينهما. وكان صدر الفقرة الأولى من المادة (٥٩٢) قد ألزم المؤجر برد قيمة التحسينات أو ما زاد في قيمة العقار للمستأجر عند انقضاء عقد الإيجار، إلا أن عجز تلك الفقرة أجاز الاتفاق على ما يخالف ذلك؛ ومن ثم تنعقد مصلحة المدعي في الطعن على هذه الإجازة التي تحول بين المدعي وتحقيق غايته من الدعوى الموضوعية؛ ومن ثم يتحدد نطاق هذه الدعوى فيما نص عليه عجز الفقرة الأولى من المادة (٥٩٢) من القانون المدني من عبارة "ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك"، دون ما يجري به النص ذاته من أحكام أخرى.

وحيث إن المدعي ينعى على عجز النص الذي تحدد فيه نطاق هذه الدعوى مخالفته المواد (٢٧ و٣٣ و٣٥) من الدستور، بقالة أن ذلك النص جاء مطلقًا بحيث يسمح بالاتفاق على شروط تخالف الدستور والقانون، وتخل بالتوازن بين أطراف العقد على نحو ينال من الملكية الخاصة ولا يحقق العدالة الاجتماعية التي يهدف إليها النظام الاقتصادي.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونًا للحرية الشخصية، التي لا يقتصر ضمانها على تأمينها ضد صدور العدوان على البدن، بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة من إرادة الاختيار وسلطة التقرير التي ينبغي أن يملكها كل شخص، فلا يكون بها كائنًا يحمل على ما لا يرضاه، بل بشر سويٌّ.

وحيث إن حرية التعاقد هذه فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية فإنها- وهي وثيقة الصلة بالحق في الملكية- قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونًا للحرية الشخصية، وهذه الحرية التي تعتبر حقًا طبيعيًّا ولازمًا لكل إنسان يستحيل وصفها بالإطلاق، بل يجوز فرض قيود عليها وفق أسس موضوعية تكفل متطلباتها دون زيادة أو نقصان، فلا تكون حرية التعاقد بذلك إلا حقًّا موصوفًا لا يدنيها من أهدافها إلا قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها، بين تمردها على كوابحها والحدود المنطقية لممارستها، وبين مروقها مما يحد من اندفاعها وردها إلى ضوابط لا يمليها التحكم، وفي إطار هذا التوازن تتحدد دستورية القيود التي يفرضها المشرع عليها، فإذا ساغ للسلطة التشريعية استثناءً أن تتناول أنواعًا من العقود لتحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر فإن ذلك لا بد أن يكون مستندًا إلى مصلحة مشروعة.

وحيث إن الدستور قد حدد بالمادة (٢٧) منه الأغراض التي يتوخاها النظام الاقتصادي، وهي تحقيق الرخاء في البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، بما يكفل النمو الحقيقي للاقتصاد القومي، ورفع مستوى المعيشة وزيادة فرص العمل، وتقليل معدلات البطالــــة، والقضاء على الفقر، والالتزام –في هذا الإطار- بمعايير الشفافية والحوكمة، ودعم محاور التنافسية، ومنع الممارسات الاحتكارية، مع مراعاة التوازن المالي، وضبط آليات السوق، وكفالة الأنواع المختلفة للملكية والتوازن بين مصالح الأطراف المختلفة. والتوازن في مجال تنظيم العلائق الإيجارية لا يجوز أن يكون صوريًّا أو منتحلًا، وكلما كان هذا التنظيم متحيفًا بأن مال بالميزان في اتجاه أحد أطرافها تعظيمًا للحقوق التي يدعيها أو يطلبها، كان ذلك انحرافًا عن إطارها الحق، أو نكولًا عن ضوابط ممارستها، فلا يستقيم بنيانها، بما يُعد خروجًا من المشرع على الالتزام الدستوري الملقى على عاتقه بتحقيق التوازن بين أطراف تلك العلاقة القانونية.

وإن الدستور-إعلاءً من جهته لدور الملكية الخاصة، وتوكيدًا لإسهامها في صون الأمن الاجتماعي- كفل حمايتها لكل فرد -وطنيًّا كان أم أجنبيًّا– ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود التي يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة –في الأعم من الأحوال- إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضروريًّا، مُعبدًا لها الطريق إلى التقدم، كافلًا للتنمية أهم أدواتها، محققًا من خلالها إرادة الإقدام، هاجعًا إليها لتوفر ظروفًا أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئنًا في كنفها إلى يومه وغده، مهيمنًا عليها يختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته في شأنها خصم ليس بيده سند ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التي تعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها، ولم يعد جائزًا -تبعًا لذلك- أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها أو يجردها من لوازمها ولا أن يقلصها عن أجزائها أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التي تتفرع عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ودون ذلك تفقد الملكية ضمانتها الجوهرية، ويكون العدوان عليها غصبًا، وافتئاتًا على كيانها أدخل إلى مصادرتها.

وحيث إن العدالة الاجتماعية وإن كانت من القيم التي تبناها الدستور فإن مفهومها لا يناقض بالضرورة حق الملكية، ولا يجوز أن يكون عاصفًا بفحواه، وعلى الأخص في نطاق العلائق الإيجارية التي تستمد مشروعيتها الدستورية من التوازن في الحقوق التي كفلها المشـــــرع لأطرافها؛ ذلك أن الملكية – بما يتفرع عنها من الحقوق- ينبغي أن تخلص لأصحابها، فلا ينقضُّ المشرع على أحد عناصرها، ليقيم بنيانها على غير القواعد التي تتهيأ بها لوظيفتها الاجتماعية أسبابها. ولئن جاز القول إن لكل حق وظيفة يعمل في إطارها ليتحدد مداه على ضوئها، فإن لكل حق –كذلك– دائرة لا يجوز اغتيالها حتى يظل الانتفاع به ممكنًا، وكلما فرض المشرع على الحق قيودًا جائرة تنال من جدواه، فلا يكون بها إلا هشيمًا، فإن التذرع بأن لهذه القيود دوافعها من وظيفة اجتماعية يكون لغوًا.

متى كان ما تقدم، وكان عقد الإيجار من العقود المسماة التي عُنِيَ المشرع بتنظيم أحكامها وإيرادها في القانون المدني، وذلك لما بلغه من أهمية عملية عظيمة، والغالب في هذا التنظيم أنه ينص على ما يعتقد أنه يمثل إرادة المتعاقدين من أحكام، ولذلك يعتبر الأصل في الأحكام التي تنظم عقد الإيجار أنها مكملة أو مفسرة لإرادة العاقدين ويجوز الاتفاق على ما يخالفها – إلا ما كان منها متعلقًا بالنظام العام- عملًا بمبدأ سلطان الإرادة وحرية المتعاقدين في تعيين شروط التعاقد وأحكامه، وتطبيقًا لذلك نصت الفقرة الأولى من المادة (٥٩٢) من القانون المدني على أنه "إذا أوجد المستأجر في العين المؤجرة بناء أو غراسًا أو غير ذلك من التحسينات مما يزيد في قيمة العقار، التزم المؤجر أن يرد للمستأجر عند انقضاء الإيجار ما أنفقه في هذه التحسينات أو ما زاد في قيمة العقار، ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك". وهذه القاعدة التي أتى بها المشرع ليست من قبيل القواعد الآمرة، وإنما تعتبر من القواعد المكملة التي أجاز المشرع الاتفاق على ما يخالفها؛ إعلاء لمبدأ سلطان الإرادة، وعلى اعتبار أن الأصل في الروابط الإيجارية أن الإرادة هي التي تُنشئها، فإذا جردها المشرع من كل دور في مجال تكوين هذه الروابط وتحديد آثارها كان التنظيم أمرًا منافيًا لطبيعتها. ولأن قاعدة حرية التعاقد التي تتفرع عن مبدأ سلطان الإرادة هي قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونًا للحرية الشخصية التي تمتد حمايتها إلى إرادة الاختيار، وسلطة التقرير التي ينبغي أن تتوافر لكل شخص، وهى بذلك تتصل اتصالًا وثيقًا بحق الملكية الذي قد يكون هو أو بعض من الحقوق التي تنبثق عنه محلًّا للتعاقد، ومجالًا لإعمال إرادة الاختيار، وسلطة اتخاذ القرار في شأن هذا التعاقد، لذلك أتاح المشرع للمتعاقدين تنظيم هذا الأمر مراعاة للطبيعة الرضائية لعقد الإيجار؛ ذلك أن الأصل في عقود القانون الخاص ابتناؤها على علائق تتكافأ بشأنها مصالح أطرافها؛ فلا يميل ميزانها في اتجاه مناقض لطبيعتها، وأن حرية التعاقد هي الأصل في العقود جميعها، فيجوز للأطراف الاتفاق على التشديد أو التخفيف في التزام المؤجر بسداد قيمة تلك التحسينات، وهذا الاتفاق هو الذي يحقق التوازن بين مصالح أطراف العقد، وعلى ضوء باقي شروط وأحكام العقد الأخرى؛ ومن ثم فإن إعمال مبدأ سلطان الإرادة وحرية التعاقد في مجال الإيجار وتحديد الطرف الذي يتحمل الأعباء المالية الناتجة عن التحسينات التي أجريت على العقار لا يتعارض مع نص المادة (٢٧) من الدستور التي حددت أهداف النظام الاقتصادي وأدواته والتزاماته، بل هي أكفل لتحقيق التوازن بين طرفي العلاقة الإيجارية على ضوء باقي شروط العقد وأحكامه، فضلًا عن أن الإخلال بالحمايـــة المقـــررة بحـــق الملكية لا يتحقق –في الأعم من الأحوال- إلا من خلال نصوص تفقد ارتباطها عقلًا بمقدماتها، فلا يكون لها من أساس عادل ولا سند مبرر لتقريرها، ولا كذلك النص المطعون فيه، الذي اعتد بإرادة أطراف العقد في الاتفاق، تماهيًا مع القاعدة المكملة التي تضمنها؛ وعلى ذلك تغدو مناعي المدعي على النص المشار إليه مخالفته أهداف النظام الاقتصادي، وإهداره الحق في الملكية وإخلاله بالعدالة الاجتماعية، لغوًا لا سند له.

لما كان ما تقدم، وكان النص المطعون فيه لا يخالف نصوص المواد (٢٧ و٣٣ و٣٥) من الدستور، ولا يتعارض مع أي حكم آخر فيه، الأمر الذي يتعين معه القضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق