عودة الى صفحة الأعمال التحضيرية لدستور 1923 👈 (هنا)
مضبطة وضع الدستور / ج 3 ص 3678
مشروع الدستور
كما وضعته لجنة الثلاثين
الباب الأول
في الدولة المصرية ونظام الحكم فيها
مصر دولة سيدة حرة مستقلة ملكها لا يجزأ ولا ينزل عن شيء منه ، وحكومتها ملكية وراثية نيابية . (مادة ١)
تجمع هذه المادة معانى ثلاثة : (الأول) وصف الدولة من حيث مركزها الدولى . و(الثاني) تأكيد وحدتها وبقائها . و (الثالث) نظام الحكم فيها .
ولم يتناول هذه المعانى الثلاثة إلا الدستور النرويجي ، وهو مع ذلك قد أغفل النص على السيادة استغناء بذكر آثارها من حرية واستقلال وغيرها .
واجتزأت بعض الدساتير بالإشارة إلى نظام الحكم وحده كالدستور البرتغالي والدانيمركي .
وإذا كانت جمهرة الدساتير لم تتعرض لذكر المعنى الأول ، فلأن موضوع الدستور هو بيان علاقات السلطات العامة بعضها ببعض وعلاقتها بالأفراد . أما ذلك المعنى فيعلو على هذا الجوهر ويتصل بالقانون الدولى ، إذ كان يقرر قيام الدولة وحدة بين الدول ، لها ما لسائرها من الشخصية والحقوق . غير أنه لما كان الدستور المصري معاصراً لكسب البلاد سيادتها واستقلالها وتقرير وجودها دولة قائمة بذاتها تملك أمرها ولا سيادة لأحد عليها ، رأت اللجنة ألا يخلو من صريح النص على هذه الصفة الدولية الجديدة أخذاً بمثال الدستور النرويجي .
أما المعنى الثاني فيقع في كثير من الدساتير ؛ ولكنه لما كانت نتيجة لازمة للسيادة ، رأت اللجنة أن تصله بالمعنى الأول وتصدر به هذا الدستور .
ثم رأت أن تجمع إلى المعنيين أساس نظام الحكم وأجملته في كلمات ثلاث ليس كل ما في الدستور إلا تفصيلا لها .
الباب الثاني
في حقوق المصريين وواجباتهم
تفرد أكثر الدساتير باباً لحقوق الأفراد وواجباتهم لا على الطريقة التي جرى عليها دستور فرنسا في سنة ١٧٩١ من إعلان حقوق الإنسان - تلك الطريقة التي أريد بها إشعار الناس العزة والكرامة وتبصيرهم بحقوقهم بعد إذ أنكرتها وعفت عليها حكومات الاستبداد السابقة - بل قصداً إلى أن يكون وضعاً قانونياً له حكم الدستور وعلوه على القوانين العادية . وقد أصبح ذلك سنة متبعة . وعلى أي حال فموضوع هذا الباب أساس للمدنية الحديثة تمكن حتى انقطع من دونه الجدل واضطراب الآراء ، وأصبح تقريره بين قواعد الدستور حتما لزاماً على الشارعين. وإذا كان الدستور الفرنسي الأخير لسنة ١٨٧٥ لم يأت بمثل ذلك الباب ، أو كان الدستور الإنجليزي خلوا منه ، فإن ذلك يرجع فيهما إلى أسباب عملية أو تاريخية لا يعنينا تقصيها وليس لها أثر عندنا .
وقد كان المصريون يتمتعون بهذه الحقوق تدعمها النظم السياسية التي كانت جارية في مصر ، وتنظم معظمها القوانين المصرية . غير أن تلك الحقوق لم تكن مجموعة في باب ظاهر منشور بين الناس ، لذلك رأت اللجنة أن تضع ذلك الباب درجاً على سنن الدساتير الأخرى وتحقيقاً للغرض الذي يلتمس منه وليكون قيداً للشارع المصرى لا يتعداه فيما يسنه من الأحكام .
وقد جمع هذا الباب نوعين من الحقوق : الأول المساواة ، والثاني الحريات المختلفة . وقرن إلى ذلك بعض ما يرتبط بهما من الأحكام . أما المساواة (مادة ٣) فهي ملاك الحياة الاجتماعية الحديثة ، ومن الحق أن تكون أهم مطالب الدستور . والمقصود بها ألا يفرق القانون بين المصريين برغم اختلافهم في الميسرة والكفاءات ، فلا يحرم أحداً ولا طائفة من الناس شيئاً من الحقوق المدنية والسياسية ، ولا يقيل أحداً من الواجبات والتكاليف العامة ، أو يضعه في أي الأمرين موضعاً خاصاً بل يعتبر الجميع في ذلك بمنزلة سواء . وقد كانت المساواة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسة جارية في مصر من قبل إذ انقطعت فيها أسباب التفريق والتمييز من عهد بعيد . وأما الحريات فقد فصلها هذا الباب ، وهي الحرية الشخصية ، وحرمة المنزل ، وحرمة الملك ، وحرية الاعتقاد ، وحرية الرأي ، وهي الحريات الأساسية .
ويرتبط بالحرية الشخصية التي هي حرية الغدو والرواح ما وضعته المادتان الخامسة والسادسة من عدم جواز القبض على إنسان أو حبسه إلا وفق أحكام القانون ، ومن وجوب تحديد الجرائم والعقوبات بالقانون وعدم العقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون . وحرية السر في المكاتبات والمخاطبات التلغرافية والتليفونية نوع من حرية الملك . وحرية إقامة الشعائر تتمة الحرية الاعتقاد ، وقد روعي فيها تقاليد البلاد وهى تقاليد حرة من قديم الزمان .
ويتصل بحرية الرأي حرية الأفراد في استعمال اللغات الخاصة التي هي أداة نقل الآراء والأفكار كما يتصل بها حريات النشر التبعية الأخرى وهي حريات التعليم والصحافة والاجتماع والجمعيات وتختلف هذه الحريات الأربع عن سابقتها في أن أثرها ليس قاصراً على الفرد فإن بعضها يرمى إلى تأثير الفرد في غيره كالتعليم والصحافة والبعض الآخر يرمى إلى إحداث قوة جمعية قد لا تكون قليلة الأثر في الأعمال العامة كالاجتماع والجمعيات . لذلك كان جانب التنظيم في هذه الحريات أمراً مباحا لأنها ليست من الحريات الطبيعية للإنسان . ولما كانت تؤدى إلى الفوضى واضطراب الأمن والنظام وتفتيت السلطة إذا هي قامت على وجهها المطلق ، وكانت عندنا تكاد لا تستند إلى نظام ثابت فقد قررها الدستور مع الإشارة إلى شأن القوانين المنظمة لها .
فالتعليم حر ، وهو وإن كان كذلك الآن في مصر غير أنه يجب أن تتولى القوانين تنظيم شؤونه من حيث اشتراط الكفاءات الأخلاقية والعلمية في القائمين به ومن حيث اشتراط مقتضيات النظام والصحة في أماكنه وغير ذلك من وجوه المراقبة التي يتأكد معها الانتفاع به ، كما يجب أن تكون القوانين لا الأوامر الإدارية - كما هي الحال الآن - هي التي تنظم التعليم العام أي التعليم الذي تقوم به الحكومة في معاهدها ومدارسها .
وقد يقع في النفس أنه إذا كان التعليم حراً وجب أن يكون التعلم حراً كذلك ، بل قد تكون حرية التعلم فرعا من الحرية الشخصية . غير أن المصلحة العامة وضرر بقاء الجهل ، والخير الذي يرجى فى حسن أداء الأعمال العامة من تعميم التعليم تقضى بالحد من الحرية الشخصية في هذا السبيل ويجعل التعليم الأولى إلزامياً ، كما تقضي بتسهيل وسائله وجعله مجانياً حتى لا يبهظ نشر التعليم أحداً ولا يكون لأحد عذر في الانصراف عنه
وأما الصحافة فليست من حيث ما يكتب فيها بأكثر من صورة من صور إبداء الرأي . وحرية إبداء الرأي مكفولة بالمادة ١٤ غير أنها صورة خاصة لدوريتها وانتشارها ، وقد بلغت في أوربا بحكم المدنية الحديثة وسهولة النقل شأوا بعيداً . وهي في بلادنا أكبر خطراً وأبلغ أثرا نظراً لعدم انتشار التعليم وقيامها مقام المعلم والهادي المرشد في الشؤون العامة .
وقد كان مما ينظم أمور الصحافة عندنا قانون المطبوعات وفيه إثبات حق الإدارة في إنذار الجرائد وتعطيلها ووقفها ، وإذ هي لم تكن من حيث ما يكتب فيها إلا صورة خاصة من إبداء الرأي كما تقدم رأت اللجنة التسوية بينها وبين صوره الأخرى في الحكم ، فلا يكون حسابها على ما يقع منها إلا بطريق القضاء وعلى حسب ما يضعه القانون من الحدود ، ولذلك حظرت إنذارها أو وقفها أو إلغاءها من أجل ما ينشر فيها بالطرق الإدارية ، كما حظرت الرقابة عليها وإن لم تكن الرقابة معروفة في قوانينا المصرية من قبل . وأما حرية الصحافة من حيث إصدارها فقد تركت اللجنة الأمر في هذا للقانون يقرر ما يرى فيه المصلحة العامة وهو المقصود بعبارة والصحافة حرة في حدود القانون » (مادة ١٥) .
بقيت حريتا الاجتماع وتكوين الجمعيات . وقد أطلق الدستور الحق في الاجتماعات الخاصة وترك تنظيم الاجتماعات العامة للقانون . كذلك عهد إلى القانون بتنظيم الحق في تكوين الجمعيات بعد أن قرر قيامه ، ولا تكاد تزيد الدساتير الأوربية في هاتين الحريتين أو في سابقتيهما على ما فعله مشروع الدستور المصري ، بل قلما يوجد في الدساتير ما يجعل التعليم الأولى إلزاميا مجانياً .
يكمل هذه الحقوق والحريات حق مخاطبة السلطات العامة . وقد جاء في الدستور حماية لتلك الحقوق إذ هو يمكن الأفراد والطوائف من لفت النظر إلى ما يقع عليها من الاعتداء كما يمكنها من الإفضاء برأيها في الشؤون العامة فهو بنوع ما إشراك للأهالي في توجيه أمور البلاد .
وهذا الحق قديم في التشريع المصرى ، فقد قرره القانون النظامى سنة ۱۹۱۳ وقانون سنة ۱۸۸۳ من قبله . غير أن مشروع الدستور رتبه على الصورة التي أخذت بها الدساتير .
ومما يتصل بمعنى الحريات في هذا الباب حظر بعض العقوبات .
ذلك أن العقوبات توضع بقدر ما تقتضيه الضرورة أو المصلحة فما تجاوزهما يصبح قسوة لا مبرر لها وانتهاكا للحرية بغير مسوغ .
وباسم الحرية ألغيت من القوانين الجنائية مطلقاً عقوبتا الموت المدني والمصادرة العامة للأموال اللتان كانتا فاشيتين في القرن الثامن عشر . غير أن الموت المدنى عفت آثاره ولم يفكر أحد في العودة إليه منذ ألغى ، لذلك لم يكن محل لذكره . واكتفى بذكر المصادرة العامة للأموال لأن قانون العقوبات لا يزال يقرر المصادرة كعقوبة وإن كانت لا ترد إلا على أشياء خاصة كمحل الجريمة أو كالآلات التي استعملت في ارتكابها .
كذلك حظر مشروع الدستور عقوبة الإبعاد .
على أن كثيراً من الأمم الأوربية تقرر النفى كعقوبة في قوانينها ، ولا ترى غضاضة في إبعاد الوطني الذي يخل بحقوق وطنه أو مواطنيه . ولكن لما كانت عقوبة النفى قد ألغيت في قانوننا الحالي وكانت مصر لا تملك مستعمرات تبعد المصريين إليها ، رأت اللجنة أن تستبقى النظام الحاضر وتستبعد هذه العقوبة .
وظاهر مما تقدم أن هذا الباب يقرر الحقوق الشخصية كير ما فعلته الدساتير . وتقريرها على هذه الصورة قيد للشارع ، على أنه قد أبيح له تنظيمها في حدود حريات الغير والمصلحة العامة دون أن ينقضها أو ينقص منها وإلا كان ذلك خروجاً على قواعد الدستور .
ومما يتصل بهذه الحقوق ما جرى البحث فيه في اللجنة في مسألتى حماية الأقليات والأجانب .
أما الأقليات فليس لعرفنا المصرى بها عهد ، وليس بيننا طوائف أقلية مما تختلف عليه ألسنة الأوربيين ويمثل للذهن قيام البغضاء والشحناء بين أهل البلد الواحد . على أن تقرير المساواة كقاعدة تتسلط على الحقوق والواجبات كافة ، وعلى القبول في الوظائف العامة ، وعلى حريات الرأى والاعتقاد وإقامة الشعائر واستعمال اللغات في جميع الشؤون - كل أولئك فيه أقصى ما يطلب من الحماية والتأمين .
وأما الأجانب فالدستور وإن كان خاصاً بالمصريين إلا أنه مما لا ريب فيه أن لهم التمتع بالحريات الأساسية الواردة فيه طوعاً لقواعد القانون العام الحديث . على أن المشروع قد قرر ما للأجانب من الحقوق فأوجب لها الرعاية والاحترام كما هو صريح المادة ١٤٣ .
الجنسية
عقد هذا الباب لحقوق المصريين وواجباتهم فكان حقاً أن يعرف من هو المصري الذي يتمتع بهذه الحقوق وتفرض عليه تلك الواجبات ، وكذلك تفعل بعض الدساتير فتعرف الداخل فى جنسية أهلها ، ولكن الغالب أن يترك تعريف الجنسية وبيان أحكامها من کسب وفقد وتغيير إلى قانون خاص . وفى مصر في هذا الصدد نظم مختلفة : فللانتخاب جنسية ، وللخدمة العسكرية أخرى ، وللوظائف ثالثة ، وكل هذه الجنسيات تستند إلى الجنسية العثمانية وإن كان لها محتوى خاص . ومصر اليوم أحوج ما تكون إلى قانون خاص يعرف جنسيتها المستقلة عما سواها ، وينسق نظامها ويوحد أحكامها . غير أن قانون الجنسية قد يمس من بعض الوجوه نظام الامتيازات لبعض الطوائف المتوطنة في مصر ، لذلك رأت اللجنة الاكتفاء بالإحالة إلى القانون الذي يوضع في هذا الصدد تاركة للحكومة الرأي في البت في وضعه أو الاجتزاء بالأحكام القائمة مؤقتاً .
الباب الثالث
في السلطات العامة
في هذا الباب بيان للسلطات العامة التي تقوم بأمر الحكم في البلاد وهي ثلاث :
السلطة التشريعية ويتولاها الملك بالاشتراك مع البرلمان ( مادة ٢٤).
السلطة التنفيذية ويتولاها الملك (مادة ٢٧) .
السلطة القضائية وتتولاها المحاكم (مادة ۲۸) .
وقد رأت اللجنة أن تنص صراحة على أن السلطات مصدرها الأمة (مادة ۲۳) . وأنه وإن كان هذا المعنى قد روعي في تصوير أحكام الدستور والتفريع عليها بحيث لا يمكن ردها إلى غيره إلا أن للنص الصريح فضلا في هذا الصدد فهو يجعل علة تلك الأحكام واضحة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق