الصفحات

Additional Menu

الجمعة، 21 أغسطس 2026

المسئولية عن أعمال المقاتلين؛ وآليات الرقابة في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني محمد محمد حسن زايد محمد عبد الرحمن سعيد السرساوي

المسئولية عن أعمال المقاتلين؛ وآليات الرقابة في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني

إعداد الباحثين

محمد محمد حسن زايد

محمد عبد الرحمن سعيد السرساوي

1436هـ/ 2015م

ملخص البحث:

تكمن أهمية البحث في العمل على محاولة بيان الدور الريادي للفقه الإسلامي في بلورة أحكام المقاتل، وهنا نلاحظ بأن الدراسات الفقهية والقانونية التي تعالج أحكام المقاتل بصفة مستقلة عن موضوع الحرب قليلة ومحدودة، حيث أن معظم الدراسات في هذا المجال تناولت الموضوع العام وهو موضوع الحرب، ناهيك عن غياب الدراسات المقارنة بين الفقه والقانون؛ على مستوى أحكام المقاتل.


ويعتبر موضوع المسئولية عن أعمال المقاتل وآليات الرقابة من أعقد الموضوعات التي يتناولها القانون الدولي الإنساني وأهمها على الإطلاق؛ إذ إن أي قاعدة تخلو من ضمانات لتطبيقها سواء تعلق الأمر بالمسئولية أو الرقابة؛ تصبح عديمة الفائدة؛ ولا يكون لها أي طابع منتجٍ ومجدٍ لوجودها؛ ولا تتعدى أن تكون قاعدة أخلاقية لا يفرض تطبيقها سوى الالتزام الأدبي لا أكثر.


وكذلك فإن وجود دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني حول المسئولية عن أعمال المقاتل وآليات الرقابة ستكون على جانب كبير من الأهمية، لاسيما إذا عرفنا أن الإسلام قد وضع قواعد تنظم سلوك المقاتلين وتفرض عليهم احترام الجانب الإنساني للعدو بهدف سامٍ يتعلق بجعل الحرب خياراً مؤقتاً يلجأ إليه للضرورة مع مراعاة جعلها أقل ضرراً بحماية الفئات الضعيفة؛ وهذا ما تبنته قواعد القانون الدولي الإنساني بعد ثلاثة عشر قرنا من تشريعها في الإسلام.


ولعل أهم ما يميز قواعد المسئولية والرقابة على أعمال المقاتلين في الفقه الإسلامي هو تنميتها للجانب الذاتي في المسئولية والرقابة؛ على خلاف القانون الدولي؛ وهذا يرجع بالأساس للجانب الأخلاقي الذي يتميز به المقاتل المسلم؛ وكذلك إيمانه العميق بأن قتاله في سبيل الله لا يمنحه رخصة في التنكيل بالعدو إلا بالقدر اللازم لتحقيق أهداف الحرب المشروعة في الإسلام؛ بالإضافة إلى أنه يؤمن بالحساب في الدار الآخرة لذلك فهو ملتزم بأوامر الله ونواهيه في السر والعلن.


Abstract

The importance of research to work on trying to statement leading role of the Islamic jurisprudence in the development of the provisions of the fighter, and here we note that studies jurisprudence and legal address the provisions of the fighter as an independent subject of the war are few and limited, as most studies in this area dealt with the overall theme of which is the subject of war, not to mention for the absence of comparative studies between Islamic jurisprudence and law; at the level of the provisions of the fighter.


The question of responsibility for the work of the fighter and control mechanisms of the most complex topics covered by international humanitarian law, the most important of all law; since any base devoid of safeguards to be applied, whether it comes to responsibility or control; become useless; they do not have any product in nature and glory to its existence; they do not exceed to be only a moral rule does not impose a moral obligation only applied no more.


As well as the presence of a comparative study between Islamic jurisprudence and international humanitarian law on the responsibility for the work of the fighter and control mechanisms will be of great importance, especially if we know that Islam has set rules governing the conduct of combatants and subject them to respect the human side of the enemy great aim of respect by making the war a temporary option resort a mechanism for taking into account the need to make them less harmful to the protection of vulnerable groups; and this is what was adopted by the rules of international humanitarian law after three centuries of legislation in Islam.


Perhaps the most important characteristic of the rules of responsibility and control over the work of the fighters in the Islamic jurisprudence is the development of self-side in responsibility and control; otherwise international law; and this is mainly due the moral side, which is characterized by fighter Muslim; as well as a deep belief that fight in him God does not give him license to abuse the enemy only to the extent necessary to achieve the legitimate objectives of the war in Islam; in addition to that he believed in the account in the Hereafter for that Fu is committed to the orders and prohibitions of Allah in secret and in public.


مقدمة:

مما لاشك فيه أن أي قاعدة تخلو من ضمانات لتطبيقها سواء أكان تعلق الأمر بالمسئولية عن تطبيقها أم آليات الرقابة في التطبيق؛ تصبح عديمة الفائدة؛ ولا يكون لها أي طابع منتج ومجدي لوجودها؛ ولا تتعدى أن تكون سوى قاعدة أخلاقية لا يفرض تطبيقها سوى الالتزام الأدبي لا أكثر؛ ومما لاشك فيه أيضاً أن كم كبير من الدراسات والبحوث قد تم إنجازه على صعيد الفقه والقانون في مجال الأحكام العامة لأعمال المقاتلين؛ سواء أتعلق الأمر بالحقوق أم الواجبات في حماية الفئات الضعيفة كالأسرى والجرحى والمدنيين لاسيما الأطفال والنساء.


إلا أنه عند التمحيص في تلك الدراسات نجد أنها افتقرت لتناول جانب مهم؛ وهو محور المسئولية وآليات المحاسبة والمساءلة على أعمال المقاتلين والتي تشكل انتهاكاً لقواعد الحرب إن صح التعبير سواء أكانت على صعيد الفقه أم القانون؛ وهذا يرجع بدوره لأسباب متعددة؛ تتمثل في غياب الجانب العملي لذلك المحور.


لذا فنحن سنقدم في ورقة البحث- إن تمت الموافقة على المشاركة- مقارنة فاحصة للاختلافات الجوهرية وأوجه التشابه بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني في محور المسئولية وآليات الرقابة المساءلة على انتهاكات قواعد النزاعات المسلحة؛ لاسيما مع تطور النزاعات المسلحة وتعددها؛ ومع ضبابية الرؤية حول تصنيف تلك النزاعات، وهل تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني أم لا؟ وإن كان الجواب نعم؛ فنكون أمام التساؤل الأكبر من المسئول عن تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني؟ وما هي آليات الرقابة على تطبيقها؟ وما هي آليات المحاسبة والمساءلة عن الانتهاكات؟.


أهداف وأهمية البحث:


تكمن الأهمية في غياب الجواب الشافي عن المسئولية وآليات الرقابة في تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني؛ لذا كان لزاماً علينا محاولة إيجاد مقارنة جادة ووافية وواضحة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني؛ وكيف نظم كل منهما قواعد المسئولية وآليات الرقابة على أعمال المقاتلين؛ والجزاءات المترتبة في حال ثبوت خروقات جسيمة للقواعد المنظمة للنزاعات المسلحة؛ والتي من المفترض أن تعمل على تخفيف آثار الحروب وجعلها أقل ضرراً.


وتتجلى الأهمية في التعرف على قواعد المسئولية وآليات الرقابة على أعمال المقاتلين؛ الذين عادة ما تدفعهم الظروف النفسية والاجتماعية التي يعيشونها أثناء الحروب لارتكاب أعمال انتقامية ضد خصومهم سواء أكانوا العسكريين أم المدنيين؛ قد ترقى تلك الأعمال لتصنيفها جرائم دولية (الحرب والإبادة وضد الإنسانية) بحسب القانون الدولي المعاصر.


والهدف الأساسي الذي تعمل الدراسة للوصول إليه هو محاولة بيان الدور الريادي لمدارس الفقه الإسلامي في بلورة قواعد للمسئولية وآليات الرقابة على أعمال المقاتلين؛ وأنها صاحبة السبق في العديد من الموضوعات العالمية لاسيما أحكام المقاتل، علماً بأن الدراسات الفقهية والقانونية التي تعالج أحكام المقاتل بصفة مستقلة عن موضوع الحرب قليلة ومحدودة، حيث أن معظم الدراسات في هذا المجال تناولت الموضوع العام وهو موضوع الحرب؛ وسواء أوجد في هذا المجال أم ذاك فإن وجود دراسة تجمع بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي ستكون لها أهمية كبيرة، وستعتبر بمثابة إضافة جديدة للمكتبة العربية، وسيتم توضيح أثر الفقه الإسلامي على القانون الدولي في ضمانات تطبيق قواعد النزاعات المسلحة؛ وكيف تميز الفقه عن القانون؛ بوضعه لآليات توصف بأنها أكثر جدية وأكثر ترتيباً ونظاماً.


مشكلة البحث:


عند النظر للأحكام التي تنظم أعمال المقاتلين والقواعد المحددة لحقوقهم وواجباتهم؛ والقواعد التي تحمي الفئات الضعيفة أثناء النزاعات المسلحة؛ يدور التساؤل عن آليات الرقابة والمسئولية والمحاسبة عند عدم الالتزام بتلك القواعد؛ سواء أكانت على صعيد الفقه أم القانون؛ لاسيما أن الدراسات التي تناولت الأحكام العامة لقواعد النزاعات المسلحة في الفقه والقانون كثيرة؛ إلا أنها أغفلت محوراً مهماً وهو ضمانات تطبيق قواعد النزاعات المسلحة في الفقه والقانون؛ وإن إغفال دور الفقه الإسلامي وتأثيره في إرساء قواعد أصبحت الآن منظمة ضمن قواعد القانون الدولي الإنساني، يدفعنا للبحث؛ من أجل إماطة اللثام عن دور الفقه المغيب في وضع نظام متكامل للضمانات على تطبيق قواعد النزاعات المسلحة.


أسباب اختيار الموضوع:-


إغفال دور الفقه الإسلامي في إنشاء وتطوير قواعد منظمة في القانون الدولي الإنساني.

رد على بعض المستشرقين، الذين لم يعطوا للشريعة حقها باعتبارها نظام ومنهاج حياة متكامل، وصاحبة السبق في العديد من الأحكام؛ ورد على من ادعوا أن الإسلام لم ينظم أي قواعد تحكم الحرب؛ وأنه ترك يد المقاتل تعبث بخصومه كيف يشاء؛ في ظل غياب أي مسئولية أو رقابة؛ وكأنه لا توجد أي قواعد يحتكم إليها في حالة الحرب!

شح الدراسات والبحوث التي تناولت موضوع ضمانات تطبيق قواعد النزاعات المسلحة في الفقه والقانون؛ رغم أن الدراسات التي تناولت الأحكام العامة لقواعد الحرب عديدة وكثيرة.

الهجمة الشرسة التي تواجهها الأمة الإسلامية؛ وكأنها راعية ومصدرة "للإرهاب"؛ واستغلال الإعلام العالمي لبعض الحالات والظواهر التي لا تعبر عن صدق منهج الإسلام؛ لشن حملة وحرب إعلامية على هذا الدين العظيم.

منهج البحث:


سيتم اعتماد المنهج الاستقرائي ممزوجاً بالمنهج التحليلي للوصول للنتائج السليمة من خلال تلك الدراسة.


خطة البحث


الفصل الأول- المسئولية عن أعمال المقاتلين:-


المبحث الأول- المسئولية عن أعمال المقاتلين في الفقه الإسلامي:-


المطلب الأول- التعريف بالمسئولية.


المطلب الثاني- مسئولية القائد العام للدولة.


المطلب الثالث- مسئولية القائد الميداني، أمير الجيش.


المطلب الرابع- المسئولية الذاتية للمقاتل.


المبحث الثاني- المسئولية عن أعمال المقاتلين في القانون الدولي الإنساني:-


المطلب الأول- الأعمال التي تشكل جرائم معاقب عليها دولياً.


المطلب الثاني- تحديد المسئولية على أعمال المقاتل.


المطلب الثالث- مسئولية الدول (أطراف النزاع) عن أعمال مقاتليها.


الفصل الثاني- آليات الرقابة على أعمال المقاتلين:-


المبحث الأول- آليات الرقابة على أعمال المقاتلين في الفقه الإسلامي:-


المطلب الأول- الرقابة الذاتية.


المطلب الثاني- الرقابة القيادية.


المطلب الثالث- الرقابة القضائية.


المبحث الثاني- آليات الرقابة على أعمال المقاتلين في القانون الدولي الإنساني:-


المطلب الأول- رقابة المنظمات واللجان الدولية.


المطلب الثاني- رقابة الدول.


المطلب الثالث- الرقابة القضائية على أعمال المقاتلين.


المسئولية عن أعمال المقاتلين؛ وآليات الرقابة في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني


الفصل الأول: المسئولية عن أعمال المقاتلين


مما لاشك فيه أن الفقه الإسلامي وكذلك القانون الدولي قد أوجد قواعد مهمة تحكم سلوك المقاتل في الحرب، إلا أن تلك القواعد تحتاج لصفة إلزامية من أجل تطبيقها على أكمل وجه، ولا مشكلة في الفقه الإسلامي حيث تتعلق تلك القواعد بتنفيذ أوامر الشارع والكف نواهيه، على خلاف القانون الدولي الذي يفتقر لآلية تنفيذية لتلك القواعد؛ من أجل تطبيقها، أضف إلى ذلك أنه قد تقع بعض المخالفات من المقاتلين، فمن المسئول عن تلك المخالفات؟ هذا ما سيتم التعرض لها من خلال هذا الفصل؛ وقد تم تقسيمه الي مبحثين أساسيين يعالج الأول: المسئولية في الفقه الإسلامي، بينما ينفرد


المبحث الثاني: لمعالجة المسئولية في القانون الدولي.


المبحث الأول: المسئولية عن أعمال المقاتلين في الفقه الإسلامي


يعتبر المقاتل المسلم من أسمى طبقات المجتمع الإسلامي؛ فهو يمثل تلك المجموعة التي عقدت صفقتها مع الله تعالى، لكنه ليس من الضروري أن يكون كل مقاتلي الجيش الإسلامي على هذا النحو، فقد نجد منهم من خرج لمصلحة دنيوية أو فخراً ورياءً، قال صلى الله عليه وسلم: (الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخراً ورياءً وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف)([1])، فأولئك القوم قد يقومون بارتكاب أعمال ينهى عنها الشرع الحنيف، أضف إلى ذلك أن المقاتل المسلم الذي خرج في سبيل الله تعالى، هو في الأساس بشر عرضة للخطأ والنسيان؛ لذلك لابد من التعرف على مسئولية كل شخص في دولة الإسلام عن أعمال المقاتل.


وقد ورد مصطلح المسئولية عدة مرات القرآن والسنة، لكن الفقهاء في مصنفاتهم استخدموا مكانه مصطلحات أخرى تدل على معناه ومنها الضمان أو التضمين والغرامة أو التغريم، ومن أجل معالجة سليمة للموضوع؛ تم تقسيم هذا المطلب إلى أربعة فروع، يعالج الأول مسألة التعريف بالمسئولية، بينما ينفرد الثاني لمعالجة مسئولية القائد العام للدولة، أما الثالث: فقد تم تخصيصه للحديث عن مسئولية القائد الميداني، أو أمير الجيش، وخصص الرابع: لمعالجة المسئولية الذاتية للمقاتل.


المطلب الأول: التعريف بالمسئولية


الفرع الأول- المسئولية في اللغة:


من مادة ساءل يسائل فهو مساءل أي مؤاخذ، والمسئولية تكون بمعنى المؤاخذة، وهي من قبيل سأله الشيء، وعن الشيء، أما السؤال فهو يفيد استدعاء المعرفة، فاستدعاء المعرفة جوابها باللسان وتنوب عنه اليد فاليد خليفة عنه بالكتابة والإشارة، واستدعاء المال جوابه باليد وينوب عن اللسان بوعد أو رد، والسؤال للمعرفة قد يكون للاستعلام وتارة يكون لتعريف المسئول وتنبيهه([2]).


وجاء في القرآن الكريم، قوله تعالى: {وإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ}([3])، وكذلك: {وقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ}([4])، وجاء في الحديث الشريف، قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته))([5])، وكما هو واضح فإن المعاني في النصوص السابقة مختلفة عن بعضها البعض، فتارة تكون بمعنى المؤاخذة وتارة أخرى بمعنى الاستعلام، والمعنى المقصود هنالك هو المسئولية بمعنى المؤاخذة.


الفرع الثاني- المسئولية في الاصطلاح:


سبق الحديث بأن الفقهاء لم يستخدموا هذا المصطلح في كتبهم، لكن هذا المصطلح ظهر بقوة في كتابات الفقه الحديث، والمساءلة تكون نتيجة الاعتداء الذي قام به الشخص وهو ممتنع بعقله الذي أنعمه الله عليه، والذي منحه إياه؛ كي يضبط أفعاله؛ ويميز بين الخير والشر، ولقد سخر الله تعالى نعم من السموات والأرض للإنسان؛ هذا الفضل وتلك النعم لا يشعر بها إلا العقلاء، حيث يستخدم عقله لتحديد تصرفاته، ويكون ذلك بمحض إرادته الحرة، فالإرادة والعزم بدلالة العقل الذي يفكر فيه ويتأمل ويتدبر هو معيار المساءلة، ففاقد العقل غير مسئول، فوجود العقل وحسن الاختيار هو الأساس في تحقق المسئولية([6]).


وتكون المسئولية بمعناها المقصود أي المؤاخذة؛ أكثر وضوحاً في المسئولية المدنية، وقيام المسئولية فيها عن أفعال الضرر؛ يرتب التعويض سواء أكانت المسئولية على أساس تعاقدي أم تقصيري، وبالرغم من ذلك فلا يستبعد الجهاد من قيام مسئولية الدولة ممثلة بقيادتها البشرية، وسواء أتعلق الأمر بالخليفة وهو في مقام رئيس الدولة الآن، أم تمثل الأمر في أمير الجيش؛ وهو القائد الميداني في المعركة، فوجود أخطاء قد يرتكبها الأفراد تستوجب قيام المسئولية.


والمقاتلون المسلمون هم بشر بالأساس؛ وقد ألزمهم الشارع بأوامر ونواهي، وهناك أيضاً التزامات تصدر بناء على تعليمات من القيادة، فالأصل أن يتم الالتزام بها ما لم يوجد ما يخالف شرع الله، امتثالاً للقاعدة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن أولئك المقاتلين هم عرضة لارتكاب الأخطاء كونهم بشر، وعليه لا يتم استبعادهم من المسئولية فهم أيضاً شركاء في المسئولية، وهذا ما تم الاصطلاح عليه بالمسئولية الذاتية للمقاتل.


الفرع الثالث- تأصيل المسئولية:


يعتبر القرآن الكريم الأصل الأول للشريعة الإسلامية، والذي تضمن الأحكام المحددة للحقوق والواجبات، وهدفت تلك الأحكام للمحافظة على مقاصد الشريعة، وإذا كان الأمر كذلك فمن المسلم به أن القرآن يأمر بإتباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عند نواهيه، وتبعاً لذلك؛ فقد نص على جزاء يفرض على المعتدي([7])، إلا أن معظم الآيات التي نظمت على مسئولية الأفراد؛ كانت خاصة لأفعال معينة ومنها، قال تعالى: {... ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا}([8]).


أما في السنة: فقد جاء قوله -صلى الله عليه وسلم-: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته)([9])، ويمثل هذا الحديث عماد المسئولية ليس في مجال معين، وإنما في شتى مجالات الحياة اليومية في الحرب والسلام، وفي البيع والشراء، وفي المعاملات بكل أشكالها وأنواعها، وهناك العديد من الأحاديث التي نظمت مسائل خاصة في المسئولية كالغصب مثلاً، واللقطة والصيد وغيرها من الأمور التي يستوجب وقوعها إقامة مسئولية مرتكب الفعل، أما في الفقه الإسلامي فقد اتفق الفقهاء على إقرار مبدأ الضمان، ولا خلاف في الضمان بحد ذاته، وإنما يكون الخلاف في سبب الضمان([10]).


والمسئولية في الأعمال الحربية لا يمكن استبعادها؛ إذ أن هناك هامش واسع في المعارك لارتكاب الأعمال الضارة وقد قع بعض الأخطاء المنهي عنها شرعاً، وقد يفلت مرتكب الخطأ، لكن تبقى مسئولية دولته، وقد يؤدي ذلك إما إلى التعويض، وإما إعادة الأمر إلى ما كان عليه قبل وقوع فعل الضرر أو الخطأ، وهذا ما سيتم التعرف عليه لاحقاً، من خلال هذا المطلب، وتتنوع المسئولية بين المسئولية القيادية، والتي يشترك فيها القائد العام للدولة والقائد الميداني للجيش وهذا موضوع الفرع الثاني والثالث من هذا المطلب على التوالي، وكذلك هناك المسئولية الذاتية للمقاتل وهو موضوع الفرع الرابع من هذا المطلب.


المطلب الثاني: مسئولية القائد العام للدولة


هناك عدة التزامات تقع على عاتق القائد العام للدولة تجاه الحرب، وتقوم مسئوليته حال الإخلال أو التقصير بها، فيكون مسئولاً أمام الله أولاً، ثم أمام الأمة بمؤسساتها المختلفة كالقضاء وأهل الحل والعقد، وتتلخص تلك الالتزامات فيما يلي:-


أولاً: مسئوليته في تجهيز الجيش:


ما لا يقع الواجب إلا به فهو واجب، ولما كان الجهاد واجب، فإن إعداد وتجهيز الجيش في حد ذاته واجب، وعليه لابد للدولة ممثلة بقائدها من فتح أبواب التدريب والإعداد([11])، قال تعالى: {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ...}([12])، ويقع عبء تجهيز الجيش من الناحية المادية على الدولة، فإن عجزت عن ذلك؛ يجب على الأمة التبرع لتجهيز الجيش([13]).


ثانيا- تعيين أمير الجيش:


يجب على القائد العام للدولة إذا قرر إرسال جيش للغزو تعيين أمير للجيش، ويستحسن اختيار عدة نواب له، والإمارة تنقسم إلى عامة بأن يفوض الإمام للأمير جميع أحكامها؛ وخاصة تقتصر على سياسة الجيش وتدبر الحرب([14])، وعن ضرورة تعيين أمير فقد ورد "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما بعث جيشاً إلا وأمر عليهم، ولأن الحاجة إلى الأمير ماسة لأنه لابد من تنفيذ الأحكام... ولتعذر الرجوع في كل حادثة إلى الإمام"([15])، ولابد على الإمام أن يحسن اختيار الأمير ويتحرى "أن يكون عالماً بالحلال والحرام، عدلاً عارفاً بوجوه السياسات بصيراً بتدابير الحروب وأسبابها؛ لأنه لو لم يكن بهذه الصفة لا يحصل ما ينصب له الأمير"([16]).


ثالثاً:- الوصية:


يجب على الإمام وصية الأمير والجيش، وذلك من صميم مسئوليته فقد روي عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا بعث جيشاً أوصاه، ويقوم الإمام بوصية الجيش بطاعة الأمير فيما يأمرهم به، إلا أن يأمرهم بمعصية فلا يجوز طاعته؛ لقوله –صلى الله عليه وسلم-: ((لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف))([17])، ومما جاء في أدب توديع الجيش أن النبي –صلى الله عليه وسلم-، إذا أراد أن يستودع الأمير قال: ((استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك))([18])، وقد سار الخلفاء على نهجه، فقد روي أن أبا بكر الصديق بعث جيشاً إلى الشام، فخرج مع يزيد بن أبي سفيان- أمير الجيش-، وكان راكباً على فرسه وأبو بكر ماشياً على قدميه فقال يزيد لأبي بكر: إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال أبو بكر له: ما أنت بنازل وما أنا براكب إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله"([19]).


رابعاً:- رعاية أهالي المجاهدين:


يقع على الدولة ممثلة بالإمام رعاية أهالي المجاهدين، فإذا كانت الدولة تعاني من ضعف وفقر فإن خطاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- موجه لعموم الأمة لخلافة المجاهدين في أهليهم، وتقوم الدولة بترتيب ذلك وتنظيمه.


خامسا- مسئولية تجاه غير المقاتلين من العدو:


عن رباح بن الربيع رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في غزوة فرأي الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: انظر، علام اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: ((ما كانت لتقاتل))، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد قال: فبعث رجلاً فقال: ((قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً))([20])، وكذلك نهي النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يثخن في القتل أثناء حنق المسلمين على هوازن، حتى طال القتل الذرية، فقال: ((ألا لا تقتل الذرية)) ثلاثاً تشديداً وتأكيداً للفعل([21])، والملاحظ أن الأمر بالقتل قد صدر ولكنه محصور في صنف المحاربين، ولما تجاوز المسلمون النهي الذي صدر لهم في فتح مكة فكان التشديد هذه المرة([22]).


سادساً:- مسئوليته تجاه أعمال المقاتلين الخاطئة:


أرسل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بعد فتح مكة؛ خالداً بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، وذلك لدعوتهم لا لحربهم، فأصاب خالد بن الوليد من بني جذيمة، بعد أن أعلنوا إسلامهم فأمرهم بوضع سلاحهم، وقام بأسرهم، ثم أمر بضرب رؤوسهم، فلما سمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الخبر استعظم الأمر! وقال داعياً: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، مرتين))([23]) ثم بعث علياً إليهم؛ ليعطيهم الدية؛ ويعوضهم على أموالهم، حتى رضوا بالمودة وأحسن إليهم.


المطلب الثالث: مسئولية القائد الميداني- أمير الجيش.


يمثل الشق الثاني من المسئولية القيادة أمير الجيش أي القائد الميداني، وتتعين مسئولية أمير الجيش في الالتزامات التالية:-


أولاً: المشورة:


بالرغم من أن الإمارة قد عقدت لأمير الجيش بموجب تكليف الخليفة له، إلا أن ذلك لا يعطيه المبرر التام للانفراد بالرأي، دون مشورة من حوله من المسلمين؛ وذلك لأن الأمر عام فيما بينهم وليس خاص به، قال تعالى: {...وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...}([24])، وروى عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنه قال: (ما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى عليه وسلم)([25])، فالشورى وسيلة لتجنب الخطأ قدر الإمكان، وهي وسيلة لتذكير الأمة أنها صاحبة القرار والسلطان، ولتذكير الأمير أو حتى الخليفة بأنه وكيل للأمة في مباشرة السلطان، وقد اخذ الرسول –صلى الله عليه وسلم- برأي أصحابه في أكثر من موطن، ومن ذلك: رأي سلمان الفارسي في الخندق، ورأي سلمان الفارسي في المنجنيق أثناء حصار الطائف، وكذلك رأي الحباب بن المنذر في معسكر بدر، وأبو بكر في أمر أسرى بدر([26]).


ثانياً:- التدريب وإعداد الجند:


سواء أكان ذلك معنوياً أم عسكرياً، فعليه أن يستمر في الإشراف على التدريب، وعليه أيضاً إعداد الجند معنوياً بتذكيرهم بالنصر وحلاوته، وما النصر إلا هبة من الله، وكذلك يذكرهم بفضل الشهداء لكي يرفع الروح المعنوية للجيش؛ والتي لا تقل أهمية عن الإعداد المادي([27])، ومما روي "أن حذيفة وابن عمر -رضي الله عنهم- كانا يتدربان على الرمي، ويجريان ويركضان ولا يمشيان مشياً، وكان حذيفة يركض بغير إزار طلباً للخفة وتمريناً للجسد على التعب"([28]).


ثالثاً:- الرفق بالجند:


روي عن أم المؤمنين عائشة –(رضي الله عنها وعن أبيها)-، قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم، فأشقق عليه؛ ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فأرفق به))([29])، وجاء في وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: "... وترفق بالمسلمين في سيرهم، ولا تجشمهم سيراً يتعبهم ولا تقصر بهم عند منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم والسفر ولم ينقص من قوتهم؛ فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، حامي الأنفس والكراع، وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه.."([30]).


رابعاً:- تفقد الجيش من حين لآخر:


وذلك حتى "يكون على علم بجنوده، يمنع من لا يصلح للحرب من رجال وأدوات...."([31]) مثل المخذل وهو الذي يزهد الناس في القتال، والمرجف الذي يطلق الشائعات فيقول ليس لهم مدد وطاقة، وكذلك من ينقل أخبار الجيش وتحركاته أو يثير الفتن([32])، ويقع على عاتقه عقد الألوية والرايات، وتعريف العرفاء وتخيير المنازل الصحالة، وبث العيون لمعرفة حال العدو.


خامساً:- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:


وذلك تحسباً من أن يقع أفراد جيشه في المعاصي، فيذكرهم على الدوام بطاعة الله([33])، لكن إذا ما ارتكب أحد جنوده جريمة حدية هل يقيم عليه الحد؟ الراجح في الفقه هو عدم إقامة الحدود في أرض الحرب من طرف أمير الجيش ويؤخر ذلك، إلا أن الفقيه محمد بن الحسن الشيباني ميز بين أن يكون قائد الجيش هو الخليفة فيرى في تلك الحالة بتوقيع العقوبة، ولا حرج في ذلك بينما إذا كان قائد الجيش هو شخص تم تكليفه من طرف الخليفة فلا يقيم الحد([34]).


سادساً:- الالتزام بوصايا الإمام:


وكل ما ذكر من واجبات المقاتل تجاه عدوه هو المسئول المباشر عن تنفيذها، وذلك من خلال تذكير الجند بها على الدوام، ومعيار الضرورة الحربية يكون هو المسئول عن تقديره، ويلتزم تجاه عدوه بالدعوة قبل القتال وذلك التزاماً بما ورد في وصايا النبي –(صلى الله عليه وسلم)- لجيوشه وسراياه([35]).


المطلب الرابع: المسئولية الذاتية للمقاتل.


قال صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤول عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته))([36])، وهذا يعني أن المقاتل أيضاً مسئول تجاه قيادته بتصرفاته وقبل ذلك أمام الله؛ فلابد للمقاتل أن يكون عالماً بآثار تصرفاته، وفي حدود تعليمات قيادته؛ وقبل ذلك أوامر ونواهي الشارع، ومرجحاً عقله بما يقدم عليه من تصرفات محمودة، وغيرها من التصرفات التي لا يكون فيها بيان، وعليه فإن الالتزامات الملقاة على عاتق المقاتل متنوعة فيما يلزمه تجاه الله تبارك وتعالى، ومن ثم ما يلزمه تجاه قيادته وإخوانه من المسلمين، وكذلك ما يلزمه تجاه عدوه([37]).


أولاً:- ما يلزمه تجاه الله تعالى:


يجب أن يتحرى المقاتل كمال عقيدته وسلامة عمله الصالح من شوائب البدع والنفاق والرياء، وما يلزمه في حق الله تعالى إنما عدة أمور أهمها:-


الإخلاص لله: وتعني أن يخلص نفسه من أية غاية سوى رضا الله تعالى، محتسباً نفسه لله، قال تعالى: {ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ}([38]).

الثبات وعدم الفرار: وقد استقر الفقه على أن الفرار من أكثر من اثنين؛ أمر جائز شرعاً فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وكذلك اللجوء للقائد عند اضطراب الصفوف لا يعتبر هروب.

ذكر الله وترك التنازع: والصبر والمصابرة على القتال([39]).

عدم الغلول من الغنيمة: وهي أمانة وعليه تأدية الأمانة.

لا يمايل من المشركين ذا قربى([40]).

ثانياً: ما يلزمه تجاه قياديته: تلزمه عدة أمور أهمها:-


الطاعة في غير معصية: فطاعة الأمير واجبة سواء أكانت إمارته خاصة أم عامة، وسواء أكان تعينه بأمر الخليفة أم باختياره ممن هم معه([41]).

صيانة أسرار الجيش والدولة: وهذا أمر مهم؛ لأن إفشاء سر قد يؤدي لضياع الجيش والنكاية بالأمة.

التفويض إلى رأي الأمير: والالتزام به وذلك حتى لا تختلف آراؤهم.

المسارعة في الالتزام بأوامر القائد: والوقوف عند نهيه.

عدم المنازعة في الغنائم: إن تم تقسيمها من طرف الأمير([42]).

ثالثاً:- ما يلزمه تجاه عدوه: يستخلص ذلك من خلال وصايا الرسول -(صلى الله عليه وسلم)- وكذلك وصايا الخلفاء من بعده، وسيتم التنويه لها هنا باختصار، وهي:-


عدم قتل غير المقاتلين من الصغار والنساء والشيوخ.

الإصلاح والإحسان في كل شيء، وعدم السلب والنهب.

الالتزام بالدعوة قبل القتال وهو التزام على عاتق أمير الجيش.

من أسر أسير فليس له أن يقتله، وللإمام الخيار، وأي شخص يعلن إسلامه يكتسب حصانة مباشرة من القتل.

عدم تخريب العامر، وإتلاف الأشجار، وإهلاك الحيوانات بغير ضرورة.

ونرى أن مثل هذه الأمور يمكن تدريسها في الكليات الحربية للدول الإسلامية، ولا يعمد إلى الاقتصار على المناهج الغربية، التي لا يشكك عاقل عادل، في أنها استقت معظم قواعدها من الشريعة الإسلامية، فالأخذ من المنبع ليس كالأخذ من تفرعات قد اختلطت بالشوائب، والنواقص.


المبحث الثاني: المسئولية عن أعمال المقاتلين في القانون الدولي الإنساني


عمل القانون الدولي العام على إيجاد عدد كبير من القواعد الدولية الضرورية التي تحكم النزاعات المسلحة، لكن هناك صعوبة في مدى الالتزام بتلك القواعد، فعلى الرغم من التطور الهائل في القانون الدولي إلا أن الالتزام بقواعده تبقى مسألة نسبية، لاسيما أن ضعف عنصر الجزاء يعد من تحديات تطبيق القانون الدولي، ومع تشكل المنظمات الدولية وإدراك العالم إلى ضرورة العمل الجماعي المشترك؛ من أجل إحلال الأمن والسلم الدوليين والحفاظ عليها، بدأت فكرة الجزاء الدولي بالتطور، وبدا ذلك واضحاً في منتصف القرن العشرين بمحاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية؛ فيما عرفة بمحكمتي (نورمبيرغ وطوكيو).


وعليه يمكن القول بأن من ينتهك قواعد القانون الدولي معرض للمساءلة والجزاء الوطني والدولي، والمقاتل أثناء ممارسته للأعمال الحربية؛ قد يرتكب عدد من الانتهاكات للقانون الدولي- سواء أقام بذلك من تلقاء نفسه أم بناء على أوامر من قيادته- وبالتالي فمن هو المسئول عن تلك الانتهاكات؟


والانتهاكات الواردة على القانون الدولي الإنساني؛ لا يمكن تصور حدوثها إلا من طرف المقاتلين، وبغض النظر عن الدوافع التي أدت لارتكاب تلك الانتهاكات، تبقى المسئولية قائمة، وعليه لابد من التعرف في إطار هذا المبحث على الأعمال التي تشكل خرقاً للقانون الدولي وهو موضوع المطلب الأول، ثم يتناول المطلب الثاني تحديد المسئولية سواء أكان للمقاتل أم لقيادته.


المطلب الأول: الأعمال التي تشكل جرائم معاقب عليها دولياً.


أوجد القانون الدولي القواعد التي تحكم النزاعات المسلحة، إدراكاً منه لضرورة حماية الفئات الضعيفة والتي تدخل جلها في فئة المدنيين، وحظرت تلك القواعد الأعمال التي تتسبب في إيذاء تلك الفئات، واعتبر مرتكبها مجرم حرب، وهذا يتوافق مع مبدأ الشرعية المعروف في قواعد القانون الجنائي الوطني، حيث لابد من ذكر الأفعال المجرمة سلفاً على سبيل الحصر.


وقد تكفل ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998م، بذكر الأفعال المجرمة وتنوعت بين جريمة الحرب وجريمة الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان([43]).


أولاً:- جريمة الإبادة الجماعية: تتلخص الجريمة بحسب المادة السادسة من نظام روما الأساسي؛ في أنها إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بفعل مما يلي:-


قتل أفراد الجماعة.

إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفرادها.

إخضاعها عمداً لأحوال يقصد منها إهلاكها كلياً أو جزئياً.

فرض تدابير تستهدف الإنجاب ضد الجماعة.

نقل أطفال الجماعة عنوة لجماعة أخرى([44]).

ثانياً:- الجرائم ضد الإنسانية: تناولت المادة السابعة من نظام (روما الأساسي) الأعمال التي تعتبر من قبيل الجرائم ضد الإنسانية والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:-


القتل العمد، أو الإبادة، أو الاسترقاق، أو التعذيب.

إبعاد السكان أو النقل القسري لهم.

السجن والحرمان الشديد على نحو يخالف قواعد القانون الدولي.

الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الحمل القسري أو التعقيم القسري.

اضطهاد جماعة معينة لأي سبب محرم دولياً.

الاختفاء القسري للأشخاص.

جريمة الفصل العنصري.

الأفعال اللاإنسانية التي تسبب عمداً معاناة شديدة([45]).

ثالثاً:- جريمة الحرب: جاءت المادة الثامنة من ميثاق روما الأساسي؛ لتحديد الحالات التي تعتبر جريمة حرب، ويمكن تلخيصها فيما يلي:-


الانتهاكات الجسمية لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م([46]).

الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي؛ كاستهداف المدنيين أو المدن التي لا توجد بها أهداف عسكرية؛ أو استهداف الفئات المشمولة بحماية خاصة، وتسري أحكام ذلك البند على النزاعات المسلحة غير الدولية([47]).

رابعاً:- جريمة العدوان: وقع خلاف بين من صاغوا ميثاق روما الأساسي في تعريف جريمة العدوان، فنصت المادة الخامسة: على أن المحكمة تختص بالنظر في جريمة العدوان، متى اعتمد تعريف الجريمة ووضعت الشروط الخاصة بها، وفقاً للمواد 121 و123 من الميثاق نفسه، وتلك المادتين تناولت آليات التعديل والإضافة على الميثاق، حيث لا يجوز التعديل إلا بمضي سبع سنوات من نفاذ الميثاق.


وتجدر الإشارة إلى أن الخلاف كان بين اتجاهين، حيث يرى الاتجاه الأول والذي تمثله عدد كبير من الدول العربية والأفريقية بأن يؤسس التعريف بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 المؤرخ في 14-12-1974م، والذي أورد في مادته الأولى بأن العدوان هو "استخدام القوة المسلحة من جانب إحدى الدول ضد السيادة والسلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى، أو بالطريقة لا تتفق مع ميثاق الأمم المتحدة"، بينما كان الاتجاه الثاني يهدف لتحديد المسئولية الفردية الناشئة عن جريمة العدوان بناء على المادة السادسة من نظام محكمة نورمبيرغ([48]).


وعلى الرغم من وجود هذا الكم الهائل من قواعد القانون الدولي التي تحدد مفهوم الجرائم دولية والانتهاكات الجسيمة، إلا أنها لا تنص على العقوبات المقابلة لتلك الجرائم، كما هو الحال في القانون الجنائي الوطني، بل تركتها لتقدير المحكمة، وعليه فإن القانون الجنائي الدولي بصفة عامة يتبنى قاعدة شرعية الجرائم لكنه لا يتبناها بنفس المفهوم المتعارف عليه في نطاق القانون الجنائي الداخلي، وإنما بمفهوم مغاير يتناسب مع طبيعته كقانون لم يكتمل تقنينه بعد([49]).


ونرى أن ثمة فشل يرافق ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية؛ بوجود المادة 13 البند: (باء) والتي تعطي لمجلس الأمن الحق في إحالة الوقائع للمحكمة، حيث يمكن معاقبة من ترى الدول الخمس بضرورة معاقبته، وما عدا ذلك لا يمكن معاقبته كالمجرمين الصهاينة، وعليه فالخلل الموجود في منظومة عضوية مجلس الأمن، امتد بدوره إلى منظومة القضاء الدولي عبر ميثاق روما الأساسي، وذلك خلط جديد إذ لا يجوز أن تتحكم خمس دول في مصير هذا العالم مما يخالف مفاهيم العمل الجماعي المشترك، ويقدم مفهوم القوة المسيطرة، بل يحمي في بعض الحالات المجرمين ويساعدهم على الإفلات من العقاب.


المطلب الثاني: تحديد المسئولية على أعمال المقاتل.


تتنوع المسئولية لأعمال المقاتل بين مسئولية مباشرة لمرتكب الفعل؛ وهو المقاتل ويمكن أن يصطلح عليها المسئولية الشخصية أو الذاتية، وهناك نوع آخر من المسئولية يتعلق بقيادة مرتكب الفعل، ويمكن أن يصطلح عليها المسئولية القيادية، وعليه سوف يتم تناول كل واحدة على حدا، ثم نبين في بند ثالث مستقل حالات الإعفاء من المسئولية.


أولاً:- المسئولية الشخصية للمقاتل (الذاتية):


يكون المقاتل مسئولاً مسئولية شخصية عن أعماله التي تشكل خرقاً لقواعد القانون الدولي؛ سواء أكانت تمثلت في القيام بارتكاب الفعل أم الامتناع عنه، ولا يعفى من المسئولية إلا في حالة واحدة تتمثل في أن عمله كان تنفيذاً لأمر حكومته أو رئيسه العسكري أو المدني([50])، وقد نصت المادة (91) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، على أنه: "يسأل طرف النزاع الذي ينتهك أحكام الاتفاقيات أو ذلك البروتوكول عن دفع تعويض؛ إذا اقتضى الحال ذلك، ويكون مسئولاً عن كافة الأعمال التي يقترفها الأشخاص الذين يشكلون جزءاً من قواته المسلحة"([51]).


ويتضح من النص بأنه لم يتعرض للمسئولية الشخصية للمقاتل، ومن خلال المواد التي تناولت المسئولية، وحتى المراجع القانونية المختلفة في هذا الموضوع، لم توجد إشارة مباشرة لمسئولية المقاتل الشخصية، مما يعني أن قيام مسئوليته تكون أمام دولته أي على الصعيد الوطني، فتقوم قيادة المقاتل المتهم بارتكاب أعمال تصنف على أنها جرائم دولية بمساءلته، وذلك لا يعني إعفاء دولته من المسئولية، بل هي مكلفة بالتعويض عن تلك الأضرار حسب منطوق المادة السابقة.


ونرى بأن واضعو تلك القواعد؛ أدركوا جيداً صعوبة متابعة المقاتل بشكل شخصي، لذا ركزوا على مسئولية القيادة والدولة، ويفهم من ذلك أن الشخص الذي يكون مسئولاً أمام الهيئات الدولية المختصة هو القائد سواء أكان عسكرياً أم مدنياً؛ إذ لا يتصور أن تتم محاكمة آلاف الجنود أمام المحكمة الجنائية الدولية.


ثانيا:- المسئولية القيادية:


يكون القائد العسكري مسئولاً عن الأفعال التي تشكل انتهاكاً لقواعد وأحكام القانون الدولي، والتي ترتكب من قبل القوات المسلحة التي تخضع لأمرته وسيطرته الفعلية، والقائد العسكري هو الذي يخضع لأمرته مجموعة من العسكريين أو المسلحين، فيكون مسئولاً عن أفعالهم في الحالات التالية:-


إذا كان القائد العسكري قد علم بأن قواته على وشك ارتكاب إحدى الانتهاكات الجسيمة، ويفترض أنه على علم بها.

إذا لم يتخذ القائد العسكري التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع ارتكاب تلك الانتهاكات الجسيمة.

إذا لم يمارس القائد العسكري سيطرته على الأشخاص الخاضعين لأمرته، أو لم يتخذ التدابير اللازمة لمنع ارتكاب هذه تلك الانتهاكات الجسيمة([52]).

ولا يعفي المقاتل رؤساءه من المسئولية الجنائية؛ إذا قام بانتهاك الاتفاقيات الدولية، وثبت علمهم بارتكابه أو نيته في ارتكاب تلك الأعمال، ولم يتخذوا كل ما في وسعهم من إجراءات ممكنة لمنع أو قمع ذلك الانتهاك([53])، وفي ذلك الصدد يجب على أطراف النزاع أن يطلبوا من القادة كل حسب مستواه؛ التأكد من فهم أفراد القوات المسلحة -الذين يعملون تحت إمرتهم- التعليمات والأوامر الصادرة لهم، كما تنص عليها مواد اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الأول؛ وذلك بغية اتخاذ الإجراءات الوقائية من منع الانتهاكات([54])، وإلا فإن ذلك القائد كان مقصراً في أدائه لمهامه، ويكون عرضة للمسئولية، وهذا ما تبنته صراحة المادة 87 من البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، والتي جاءت بعنوان واجبات القادة، وتضمنت كل ما ذكر سابقاً.


ثالثاً:- الإعفاء من المسئولية:


يتطلب القانون الدولي توافر النية والإدراك لدى الجاني فيما سيقدم عليه من فعل، شأنه في ذلك شأن القانون الوطني([55])، وعليه يجب أن يكون الجاني قاصداً الفعل المجرم، وهادفاً لتحقيق النتيجة، فيكون الفعل قد صدر بناء على إرادة ووعي كاملين مترجماً لفعل عمدي مجرم قانوناً، ويمكن حصر الحالات التي يعفى فيها الجاني من المسئولية فيما يلي:-


إذا كان الجاني يعاني من مرض أو قصور وتخلف ذهني أو كان تحت تأثير مخدر فتنعدم أو تقل قدرته على التحكم في سلوكه.

إذا ارتكب الجاني الجريمة في حالة دفاع شرعي.

إذا أجبر الجاني على ارتكاب الجريمة، عن طريق التهديد.

إذا لم تكن عدم شرعية الفعل ظاهرة([56]).

المطلب الثاني: مسئولية الدول (أطراف النزاع) عن أعمال مقاتليها.


رغم أن القواعد الدولية التي تحكم النزاعات المسلحة؛ تخاطب المقاتل بصورة مباشرة إلا أن ذلك لا يعفي دولته من تعويض الأضرار الناجمة عن أعمال مقاتليها، فعلى مستوى قانون (لاهاي) نصت المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية المبرمة بتاريخ 18 أكتوبر لعام 1907م، على أن: "يكون الطرف المتحارب الذي يخل بأحكام اللائحة المذكورة ملزماً بالتعويض؛ إذا دعت الحاجة، كما يكون مسئولاً عن جميع الأعمال التي يرتكبها أشخاص ينتمون إلى قواته المسلحة"([57])، أما قانون جنيف فقد نصت المادة (91) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، على أن: "يسأل طرف النزاع الذي ينتهك أحكام الاتفاقيات أو ذلك البروتوكول عن دفع تعويض إذا اقتضى الحال ذلك، ويكون مسئولا عن كافة الأعمال التي يقترفها الأشخاص الذين يشكلون جزءاً من قواته المسلحة"([58]).


ويجب على الدولة المعنية أن تقوم بعقاب الأشخاص الذين ارتكبوا تلك الانتهاكات، إذ أن البحث عن المجرمين وعقابهم ملزم لجميع الدول محاربة كانت أو محايدة، وينطبق ذلك على جميع المذنبين سواء أكانوا مواطنين أم أعداء أم أجانب؛ بصرف النظر عن مكان اقتراف الجريمة([59])، وفي هذا الصدد تلتزم الدولة بالقيام بعدد من الإجراءات، التي يمكن تلخيصها فيما يلي:-


وقف ارتكاب الانتهاكات بشكل فوري.

التعويض عن الأضرار الناجمة عن انتهاكات مقاتليها لأحكام القانون الدولي.

تقديم مرتكبي الانتهاكات للمحاكمة، سواء أكان في محاكمها الوطنية أم محاكم الدولة صاحبة الشأن؛ أم أمام محكمة دولية خاصة يتم الاتفاق على إنشائها؛ أم تسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية([60]).

وليس للدولة أن تحل نفسها من المسؤولية القانونية عن الانتهاكات الخطيرة، ولا يجوز لمعاهدة سلام أو هدنة أن تتضمن نصوصاً يتنازل بموجبها الطرف المهزوم عن حقه إزاء الانتهاكات التي يرتكبها الجانب المنتصر([61])، وهذه قاعدة مشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع، حيث تبنتها المواد: (51) من اتفاقية جنيف الأولى؛ والمادة (52) من اتفاقية جنيف الثانية؛ والمادة 131 من اتفاقية جنيف الثالثة؛ والمادة (148) من اتفاقية جنيف الرابعة.


الفصل الثاني


آليات الرقابة على أعمال المقاتلين


المبحث الأول: آليات الرقابة على أعمال المقاتلين في الفقه الإسلامي


بداية فان الرقابة في اللغة من مادة رقب، ورقبه يرقبه ورقبانا بكسرهما، ورقابة ورقوباً ورقبه بفتحهن أي رصده، وترقبه وارتقبه والترقب بمعنى الانتظار، والترقب تتوقع شيء وتنظره، ورقب الشيء يرقبه أي حرسه ومراقبة ورقابة([62])، وعليه فقد تكون الرقابة بمعنى الانتظار أو الحفظ والحراسة والإشراف، ومرد مادة رقب إلى أصل واحد يدل على انتصاب لمراعاة شيء([63])، ويعالج هذا المبحث آليات الرقابة على أعمال المقاتلين، والمقصود بها: الإجراءات المتخذة من قبل الهيئات القيادية في الدولة الإسلامية للتحسب من أي إخلال بالالتزامات المقررة على المقاتلين أو معالجتها في حال وقوعها، والجدير أن الآليات المقررة متنوعة ما بين الرقابة الذاتية للمقاتل وهي موضوع المطلب الأول، والرقابة القيادية وهي موضوع المطلب الثاني، وأخيراً الرقابة القضائية التي يعالجها المطلب الثالث.


المطلب الأول: الرقابة الذاتية للمقاتل.


لما كان المقاتل مشتركاً في المسئولية عن الأعمال الحربية إلى جانب قيادته؛ فيما عرف بالمسئولية الذاتية للمقاتل، فيقع عليه أيضاً عبء رقابة تصرفاته، فيما اصطلح عليه الرقابة الذاتية للمقاتل، مع العلم أن الأصل في الرقابة عدم توكيلها لشخص المراقب؛ لأن في ذلك ما يفسد هدفها ويشكك في مدى تحققه، حيث يعمد الشخص المراقَب والمراقبِ في الوقت ذاته إلى التغطية والتستر على أخطائه، وهذا صحيح على مستوى الرقابة الذاتية للشخص العادي، وهي موجودة في النظم الإدارية إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليها بشكل حصري.


ومن أسس الإيمان الصادق لدى المسلم؛ أن يعلم بأن الله -تعالى- معه يراه ويراقبه في كل تصرفاته وأعماله، قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}([64])، وتحقق الرقابة الذاتية لدى المقاتل تعد من أعظم ما يرقى به إلى درجة الإحسان التي حدد النبي -صلى الله عليه وسلم- معالمها بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))([65])، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على مدى تحقق الرقابة الذاتية في عهده -صلى الله عليه وسلم-، ومنها:-


أولاً: قصة أبو لبابة في غزوة بني قريظة:


ضرب المسلمون بقيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الحصار على حصون بني قريظة، فلما اشتد عليهم الحصار "أرادوا أن يتصلوا ببعض حلفائهم من المسلمين؛ لعلهم يتعرفوا ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم؟ فبعثوا إلى رسول الله أن أرسل إلينا أبا لبابة نستشيره وكان حليفاً لهم، وكانت أمواله وولده في منطقتهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش النساء والصبيان يبكون في وجهه؛ فرق لهم. وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه يقول إنه الذبح، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجهه، ولم يرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حتى أتى المسجد النبوي بالمدينة فربط نفسه بسارية المسجد، وحلف ألا يحله إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً. فلما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبره -وكان قد استبطأه- قال: أما إنه لو جاءني؛ لاستغفرت له، وأما قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله إليه"([66]).


وهكذا يجب أن يكون المسلم مراقباً لنفسه في كل المواقف والساحات، فلما أخطأ أبو لبابة وأيقن أنه خان الله ورسوله، بالإشارة لعزم النبي -صلى الله عليه وسلم- على قتلهم في إشارة يده إلى حلقه، لم يكابر على معصيته ولم يستتر بل رقابته الذاتية فرضت عليه أن يفعل ما فعل، وقد "أقام مرتبطاً بالجذع ست ليالي تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم نزلت توبته على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو في بيت أم مسلمة -رضي الله عنها- فقامت على باب حجرتها وقالت: يا أبا لبابة ابشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه، فأبي أن يطلقه أحد إلا رسول الله، فلما مر النبي -صلى الله عليه وسلم- خارجاً إلى الصلاة الصبح أطلقه"([67]).


ثانياً:- قصة المخلفون الثلاثة عن غزوة تبوك:


لما عاد النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة بعد الغزوة دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم جلس للناس، وجاء المنافقون وهم بضعة وثمانون رجلاً يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار وطفقوا يحلفون له، فقيل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل إلى الله سرائرهم([68])، "وأما النفر الثلاثة من المؤمنين الصادقين- وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية- فاختاروا الصدق، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابة -رضوان الله عليهم- ألا يكلموا أولئك الثلاثة، وجرت ضد أولئك الثلاثة مقاطعة شديدة وتغير لهم الناس، حتى تنكرت لهم الأرض، وضاقت عليهم بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وبلغت بهم الشدة أنهم بعد أن قضوا أربعين ليلة من بداية المقاطعة أمروا أن يعتزلوا نساءهم، حتى تمت على مقاطعتهم خمسين ليلة، ثم انزل الله توبتهم"([69])، قال تعال: {وعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}([70]).


ووجه الدلالة أن المسلم الصادق مقاتل أكان أم غير مقاتل، يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، فعلى المقاتل المسلم أن يراعي الله في تصرفاته تجاه قيادته، فيعترف بأخطائه([71])، والأسباب التي دفعته لذلك، وهذا من صميم الرقابة الذاتية التي تجعل المسلم صادقاً مع الله ثم مع قيادته، وفي ذلك يعده الله بالثواب الكبير، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((انتدب الله عز وجل لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة...))([72]).


والرقابة الذاتية لا تقتصر على شخص المقاتل المسلم، بل هي ممتدة لتشمل الأمير والخليفة وكل المسئولين في الدولة، فالكثير من الناس يحبون أن يكونوا من أصحاب المناصب والمسئولية؛ لأنهم ينظرون إلى ما يحصل عليه صاحب المنصب من شهرة ومكانة ولكنهم ينسون أو يتناسون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأنه مسئول أمام الله تعالى، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته...))([73]).


وقد شجعت الشريعة الرقابة الذاتية بقدر ما للعدل من ثواب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا))([74])، وفي حديث آخر: (ما من أمير عشيرة لا وهو يؤتي به يوم القيامة مغلولاً حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور)([75])، وفي ذلك الصدد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام.... وذلك لأن العدل نظام كل شيء"([76]).


وفي إطار تطبيق الرقابة الذاتية وتشجيعها تقع على القائد عدة أمور لابد عليه أن يعلمها ويلتزم به وأهمها:-


أنه أجير عن الأمة ووكيل عنها.

لابد عليه من الإخلاص والعدل في شتى أعماله.

أن يرفق بجنوده ولا يجعل حواجز بينه وبينهم؛ حتى تؤتي الرقابة الذاتية ثمارها، مع مراعاة المحافظة على الانضباط.

لابد عليه من تشجيع أي سلوكيات فاضلة يقوم بها المقاتل وأن يثني عليه.

التفاعل فوراً مع الخطأ والتقصير الذي قد يصدر عن المقاتل، ويراعي معالجة كل حالة على حدا، واعتبار ظروفها الخاصة.

أن يجتهد في تعيين مسئولي كتائب الجيش والأمثل فالأمثل، ممن يعينوه في تطوير الرقابة الذاتية، ويتوخى الحذر في مسألة السلطة التقديرية المسندة لهم.

وأخيراً: إن أهمية الرقابة الذاتية تكمن في أنها قادرة على إصلاح المجتمع بأسره، وليس المقاتلين فحسب، تلك الأهمية دفعت العديد من الدول في العصر الحديث إلى إنشاء ميثاق لأخلاق العمل، وهو من الوسائل الوقائية لمحاربة الفساد في الدول النامية([77])، ونضيف بأن ما وصلت إليه الدول حديثاً، ولم تستطع تطبيقه أعلنه الإسلام صراحة منذ أربعة عشر قرناً، بل إن الرقابة الذاتية تتفاعل بطريقة آلية منذ أن ينطق الرجل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتبقى الرقابة الذاتية من أصعب آليات الرقابة ذلك أن تفعيلها لا يتم إلا بإخلاص واقتناع الشخص نفسه.


المطلب الثاني: الرقابة القيادية


يقصد بها رقابة أمير الجيش أو الإمام على أعمال المقاتلين؛ وسير الحرب بشكل عام، ومما لاشك فيه أن هناك تداخل بين الرقابة الذاتية والرقابة القيادية؛ ذلك أن القائد لابد أن يتحلى بالرقابة الذاتية على نفسه، عملاً وقولاً قبل أن يراقب تصرفات الآخرين، وإذا فقد تلك الصفة سيكون من الصعب عليه تحقيق العدالة في الحكم على تصرفات جنوده ففاقد الشيء لا يعطيه، وسيتم الحديث في هذا الفرع عن صور للرقابة القيادية في العهد النبوي والعهد الراشدي، ثم عن وسائل القائد في الرقابة، وأخيراً عن الأمور والصفات التي يجب أن يراعيها القائد؛ للقيام بالعملية الرقابية على أكمل وجه.


أولاً:- الرقابة القيادية في العهد النبوي:


النبي -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة للأمة بأسرها، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}([78])، وقد كان يراقب من يعطيهم الإمارة، ومن صور الرقابة في عهده، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب الأمير من جنوده، فقال ألم يأمركم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً، فجمعوا، فقال: أوقدوا نار فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضاً، ويقولون: فررنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من النار ، فما زالوا حتي خمدت النار ، فسكن غضبه ، فبلغ النبي _ صلي الله عليه وسلم _، فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف)([79]).


وفي صورة أخرى روي عن رباح بن الربيع -(رضي الله عنه)- أنه قال كنا مع رسول الله -(صلى الله عليه وسلم)- في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: انظر، علام اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: (ما كانت لتقاتل)، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد قال: فبعث رجلاً فقال: ((قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً))([80]).


ثانياً:- الرقابة القيادية في عهد الخلفاء: كان أبو بكر يمارس الدور الرقابي بنفسه على عماله وأمرائه، فعندما جاءه معاذ بن جبل من اليمن قال له: "ارفع لنا حسابك"، وما ذكره الطبري انه كان يراقب ولاته مراقبة شديدة، فكان لا يخفى عنه شيء من عملهم([81]).


وفي عهد عمر بن الخطاب ازدهرت الرقابة بتطويره لوسائلها، وكان مما قاله لجلسائه ذات يوم: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته فعدل، أكنت قضيت ما علي؟ قالوا: نعم، قال: لا حتى انظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا؟ فاستشعاره للمسئولية جعله يراها من واجبات الإمام، وليست الرقابة في فقهه لمرة واحدة ثم تنتهي مسئوليته بل هي رقابة مستمرة سابقة ولاحقة([82])، حتى لا يقل العمل أو يحصل تجاوزات فيه، وكان يرسل المفتش العام محمد بن مسلمة للرقابة على الولاة، وتفحص شكاوى للرعية والتحقق منها وممارسة التحقيق مع الولاة والأمراء، ومن أشهر ما روي تحقيقه في شكوى أهل العراق ضد واليهم سعد بن أبي وقاص، وكذلك تحقيقه في شكوى بعض أهل دمشق؛ ضد واليهم سعيد بن عامر([83])، وكان مما استحدثه وطوره في إطار الرقابة القيادية؛ هو (سياسته) في النظر بأملاك الوالي قبل الولاية، ويسجله في سجل، ثم ينظر ما زاد بسبب الولاية فيأخذ نصفه لبيت المال ونصفه للوالي حتى لو كان كسبه بطريق حلال، وسبب ذلك أن الناس يحابون الوالي لأجل ولايته، فجعلهم كأنهم مشاركون لبيت المال وهذا من فقهه رضي الله عنه([84]).


وعن رقابته على أمراء الجهاد، ففي قضية الصحابي الجليل خالد بن الوليد- رضي الله عنه- كان مما روي في ذلك أن عزله تم لأنه يكثر القتل([85])، وروي أن سبب العزل تحسباً من فتنة الجند بخالد؛ وذلك لكثرة الحروب التي انتصر فيها ولحنكته العسكرية، وأي كان السبب وراء العزل فهو من صميم الرقابة القيادية الواجبة، وحسن الطاعة طاعة خالد لعمر من قرار عزله.


ومن خلال ما تقدم تتضح أهمية الرقابة القيادية والتي قد تكون سابقة على وقوع التصرفات والأعمال ومثاله ما تقدم من وصايا الخلفاء للأمراء، وقد تكون الرقابة لاحقة كما ورد في عمر وأبي بكر -(رضي الله عنهما)- فيما سبق.


ثالثاً:- وسائل القائد في الرقابة: يمكن حصر الوسائل التي من خلالها يراقب القائد تصرفات وأعمال جنوده؛ في وسيلتين أساسيتين كالتالي:-


وسيلة مباشرة: وهي التي من خلالها يراقب القائد جنوده أصالة، فيرى تصرفاتهم، ويدخل في إطار تلك الوسيلة أيضاً لجوء الجندي للقائد واعترافه بخطئه؛ فيكون هذا التصرف مثالاً للرقابة الذاتية بالنسبة للجندي، ورقابة قيادية للقائد الذي يتولى الفصل في الأمر.

وسيلة غير مباشرة: حيث يعلم القائد بتصرفات جنوده من خلال وسيط قد يكون جندياً أو آمر كتيبة، وقد يلجأ القائد من خلال إدارته للجيش باستحداث هيئات أو لجان تتولى الإشراف والرقابة على تصرفات للجنود، ومن ثم ترفع له التجاوزات التي يرتكبها الجند، ولا يوجد في الإسلام ما يمنع ذلك.

تجدر الإشارة بأن الضرورة التي تحتم وجود قيادة، هي ذات الضرورة التي تحتم وجود الرقابة، فلا قيادة ناجحة بدون رقابة فاعلة، وعليه فإن أعظم مهام القائد أن تسير الأمور التي تحت إمرته على الشكل المطلوب، ولا يتحقق ذلك إلا بقيام الرقابة الدائمة للجند، ليعرف مواطن الخلل فيصلحها، وما كان من أمور إيجابية فيزيد ثباتها ويشجع عليها.


رابعاً:- الأمور والصفات التي يجب أن يراعيها القائد لإنجاح العملية الرقابية:-


تعدد المراقبون وانتشارهم.

الشجاعة في اتخاذ القرارات.

أن يترك هامش يسير يراعي فيه الطبيعة البشرية؛ فلا يدقق في صغائر الأمور، وهنا تتضح أهمية السلطة التقديرية للقائد؛ ورجاحة عقله وحكمته.

السرية طريق إنجاح الرقابة قال صلى الله عليه وسلم: ((استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان))([86]).

لابد من استخدام الحكمة في العملية الرقابية ومعالجة الأيسر فالأيسر.

الرقابة على الحسنات قبل السيئات، فليس من العدل ولا الحكمة أن تنصب العملية الرقابية على بيان أوجه الخلل فحسب، بل هي عملية للنظر في سير العمل، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يثني على أصحابه في القتال، ففي يوم الأحزاب قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: : (إن لكل نبي حوارياً وإن حواري الزبير)([87])، وقال -صلى الله عليه وسلم-: لسعد بن أبي قاص يوم أحد: (ارم فداك أبي وأمي)([88]).

المطلب الثالث: الرقابة القضائية.


الرقابة القضائية قد تكون مباشرة؛ كأن يقوم المتضرر باللجوء للقضاء أصالة، وقد تكون غير مباشرة؛ كأن يقوم الأمير بإحالة المسألة للقضاء لصعوبة الفصل بها، والأشراط الواجب توافرها في القاضي يجملها صاحب الأحكام السلطانية في:


الرجولة: ويشمل هذا الشرط البلوغ والذكورة([89]).

العقل: فيكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيداً عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل، وتفصيل ما أعضل.

الحرية: فنقص العبد في الولاية عن نفسه، يمنع من انعقاد ولايته على غيره.

الإسلام: لأنه شرط في جواز الشهادة، قال تعالى: {... ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}([90]).

العدالة: وهي معتبرة في كل ولاية.

السلامة: في السمع والبصر، ليصح بهما إثبات الحقوق.

أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية: فإذا كان عالماً بها صار من أهل الاجتهاد في الدين وجاز له أن يفتي ويقتضي، وأن يستفتي ويستقضي([91]).

وتجدر الإشارة إلى أن الرقابة القضائية تشمل: الأمراء([92]) والقضاة، إلا أن قضاء الأمراء له من أسباب الكشف ما ليس للقضاة وذلك من تسعة أوجه، وهي:-


يجوز للأمير سماع قذف المتهم من أعوان الإمارة.

يجوز له أن يراعي شواهد الحال وأوصاف المتهم في قوة التهمة وضعفها.

يجوز له أن يعجل حبس المتهم واختلف في المدة.

للأمير أن يأمر بضرب المتهم تعزيراً لا ضرب حد.

من تكررت جرائمه ولم يرتدع من الحد جاز للأمر حبسه.

للأمير أن يحمل المتهم على الحلف بالطلاق والعتاق.

للأمير أن يأخذ أهل الجرائم بالتوبة إجباراً ويظهر لهم التهديد حتى بالقتل.

للأمير أن يسمع لأهل المهن، ومن لا يسمع منهم القاضي إذا كثر عددهم.

للأمير النظر في إثباتات الأفراد عن بعضهم، وأن لم توجب غرما ولا حدا([93]).

ومن أمثلة الرقابة القضائية على أعمال المقاتلين:-


أولاً:- روى أبو يوسف أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب وقال له: زرعت زرعاً فمر جيش من أهل الشام فأفسدوه، فعوضه عمر عن ذلك بعشرة آلاف درهم([94])، ولجوء الرجل لعمر بن الخطاب ليس كونه قائداً للدولة فحسب، إنما لكي يقضي له، وكما تقدم فإن الأمير أو القائد يجوز له أن يقضي، وله في القضاء من وسائل ما ليس للقاضي كما تقدم، ونظراً لأن عمر بن الخطاب قد دفع تعويضاً للرجل؛ فإن قراره يمثل حكماً قضائياً، وهذه من أبهى صور الرقابة القضائية.


ثانيا:- قضية أهل سمرقند: روي "أن أهل (سمرقند)([95])، قالوا لعاملهم سليمان بن أبي السري: إن قتيبة بن مسلم الباهلي قد غدر بنا وظلمنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف([96])؛ فأذن لنا، فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكو ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن لنا بذلك حاجة، فأذن لهم، فوجهوا منهم قوماً إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فلما علم عمر ظلامتهم كتب إلى سليمان يقول له: إن أهل سمرقند، قد شكوا إلي ظلماً أصابهم، وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي؛ فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم، فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن يظهر قتيبة، فأجلس لهم سليمان القاضي جميع بن حاضر، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة"([97]).


وهناك فإن الإسلام قد قدم مثالاً رائعاً في المسئولية والرقابة على أعمال المقاتلين، هذا المثال لم يستطع العالم المتحضر الوصول إليه؛ حتى بعد قتل ملايين البشر في حربين عالميتين، وليس الإسلام دين وحضارة فحسب بل هو منهاج حياة متكامل، ورغم أن قواعده موجهة للدولة الإسلامية، إلا أن تلك القواعد صالحة بفضل الله للتطبيق في كل زمان ومكان، وقد قدم قواعد جليلة في كل ما تقتضيه الحياة البشرية، وذلك بديهي؛ لأن مصدر التشريع فيه رباني مثالي، متنزه عن السهو والخطأ، على خلاف ما حاولت البشرية تقنينه عبر عقود من الحرب الدامية، وعقود أخرى من التفاوض؛ للوصول لبضعة اتفاقيات تنظم بعض الحرب.


المبحث الثاني: آليات الرقابة على أعمال المقاتلين في القانون الدولي الإنساني


تظهر قيمة القواعد القانونية عند تطبيقها، وتلتمس أهمية القانون بتطبيقه، وهذا ثابت في كل القوانين الوطنية، كذلك الأمر في القانون الدولي، إلا أن القواعد الدولية التي تحكم النزاعات المسلحة تتميز بصعوبة تطبيقها، وصعوبة الرقابة على مدى التزام المقاتل بتلك القواعد، إلا أن وجود آليات للرقابة تساعد في تخفيف آثار الانتهاكات، مع ضمان (نسبي) بعدم إفلات مجرمي الحرب من المسئولية، وتتنوع آليات الرقابة في القانون الدولي بين رقابة المنظمات الدولية وهو موضوع المطلب الأول، ورقابة الدول وتمت معالجته في المطلب الثاني، ورقابة القضاء سواء أكان الدولي أم الوطني وهو موضوع المطلب الثالث.


المطلب الأول: آلية رقابة المنظمات واللجان الدولية.


تعرف المنظمات الدولية بأنها: "هيئات ذات إرادة ذاتية؛ وشخصية قانونية دولية، تنشئها مجموعة من الدول؛ بإرادتها الحرة، للإشراف على شأن أو أكثر من شئونها المشتركة، وتمنحها بعض الاختصاصات الذاتية؛ لتتمكن من مباشرة أعمالها في المجتمع الدولي، والتعبير عن مواقف الدول الأعضاء"([98])، وتنقسم إلى منظمات حكومية: وهي التي تنشأ بموجب اتفاقيات بين حكومات الدول الأعضاء كمنظمة الأمم المتحدة، وهناك المنظمات غير الحكومية أو الأهلية: حيث تتكون من أفراد أو هيئات أو جمعيات من دول وجنسيات مختلفة، وتتمثل اهتماماتها في النواحي: الاجتماعية والثقافية والفنية والإنسانية والاقتصادية (مثل: اتحاد الإذاعة الدولي، المكتب الدولي لتحريم تجارة النساء والأطفال، الاتحاد الدولي للنقل الجوي، اللجنة الدولية للصليب الأحمر)، وبالعودة إلى موضوع آليات الرقابة، فإن الرقابة التي تقوم بها المنظمات الدولية مهمة جداً، وذات جدوى فاعلة، ولعل من أهم المنظمات التي تؤدي تلك المهمة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكذلك الأمم المتحدة، واللجنة الدولية لتقصي الحقائق، وسيتم التطرق لدور كل منهم في الرقابة على حدا.


أولاً:- اللجنة الدولية للصليب الأحمر:


يمكن تعريفها بأنها: "مؤسسة إنسانية غير متحيزة ومحايدة ومستقلة، ولدت في خضم الحرب قبل قرن ونصف، وتتميز بطابع فريد دولي وإنساني يميزها عن أية منظمة أخرى، وتتولى مهمتها بتفويض من المجمع الدولي، وتعمل كوسيط بين الأطراف المتحاربة"([99])، ومن أبرز مهام اللجنة: زيارة الأسرى والمحتجزين المدنيين، والبحث عن المفقودين، وتوفير الحاجات الضرورية للمدنيين، ونشر المعرفة بالقانون الدولي الإنساني، ومراقبة الالتزام بهذا القانون، والتنبيه للانتهاكات الواردة عليه([100]).


وتؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملها أثناء النزاعات المسلحة؛ على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م، والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977م، ورغم أن صميم عمل اللجنة هو تقديم المساعدة والرعاية لضحايا الحروب من المدنيين والعسكريين، إلا أنها تقوم بدور كبير في مجال ضمان احترام وتنفيذ القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية([101])، ويمكن إجمال دورها في الرقابة على تنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني فيما يلي:


1- تذكير الأطراف بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني:


حيث تذكر عند نشوب أي نزاع أطرافه بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، فإذا لم يسفر ذلك النداء عن نتيجة، يقوم مندوبوها بالاحتجاج مباشرة لدى السلطات المسئولة عن الانتهاكات التي يرونها، ويقدمون بعد ذلك التماسات واقتراحات بغية تفادي تكرار الانتهاكات مجدداً، والأصل أن تكون تلك المساعي سرية إلا إذا كانت الانتهاكات جسيمة، أو يكون الإعلان في صالح الضحايا([102]).


2- المساعي الحميدة: يمكن للجنة أن تقوم بدور الوسيط المحايد بين طرفي النزاع، وهي بذلك تعمل على إيجاد قناة اتصال بين الأطراف، من أجل إيجاد وسيلة أخرى لفض الخلاف غير اللجوء للعنف المسلح، وعادة ما تكون اللجنة محل ثقة الأطراف؛ نظراً لنزاهتها في أداء مهامها([103]).


3- تلقي الشكاوي: تتلقى اللجنة الشكاوي بشأن الانتهاكات من جانب أحد أطراف النزاع أو طرف ثالث، ويمكن تصنيف الشكاوي إلى فئتين، إحداهما تتعلق بعدم تطبيق حكم أو أكثر من أحكام الاتفاقيات الدولية، أما الفئة الثانية فهي تشمل الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، والأصل أن اللجنة لا تعلن مضامين تلك الشكاوي إلا إذا رأت أن هناك فائدة من الإعلان([104]).


4- المساهمة في عقد مؤتمرات لاعتماد وتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني: تعمل اللجنة على تشجيع احترام القانون الدولي الإنساني "عن طريق: نشره وتذكير الأطراف به، ومراجعة قواعده ونصوصه لتواكب مستجدات العمل الإنساني، فهي تقوم لهذا الغرض بإعداد المؤتمرات الدبلوماسية المناط بها اعتماد نصوص جديدة أو تأكيدها وتطويرها..."([105]).


إن ثمة رسالة سامية تحملها اللجنة، تتمثل في عملها لمساعدة ضحايا النزاعات المسلحة، والعمل على مراقبة تطبيق وتنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني، بل إنها تحاول جاهدة تفادي أية انتهاكات قد ترد عليه، ولا يختلف اثنان على أن اللجنة قد حققت العديد من النجاحات في مناطق مختلفة من هذا العالم، وتلك النجاحات ما كانت لتحقق لولا حيادية اللجنة الدولية للصليب الأحمر واستقلاليتها ونزاهتها، ويشهد لها بذلك تاريخ طويل حافل بالإنجازات، إن استقلالية اللجنة هو ما دفعها لأن ترى العالم سواسية، وأن تتلهف لإنقاذ حياة إنسان، ولا تدخر جهداً في ذلك بعيد عن أهواء الدول الكبرى، وهي تدرك تماماً أن أي تحيز في أدائها لمهامها سوف يفقدها ثقة اكتسبتها على مر عقود طويلة.


ثانياً: منظمة الأمم المتحدة:


تشكل مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان المنعقد في طهران عام 1968م، نقطة تحول هامة في طريق إشراك المنظمة الدولية في الجهود الرامية؛ لمراقبة تنفيذ القانون الدولي الإنساني، وهو ما كان واضحاً في توصياته، لاسيما تلك التوصية التي تم التعبير فيها صراحة وبالإجماع عن تفهم المؤتمر للنزاع المسلح، حيث طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة دعوة أمينها العام للقيام بالتشاور مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والعمل على فلت انتباه جميع الدول الأعضاء في المنظمة؛ إلى احترام وتنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني، وحثها على أن تضمن حماية ضحايا النزاعات المسلحة؛ طبقاً لمبادئ الأمم المتحدة، كما طلب المؤتمر أيضاً من جميع الدول التي لم تصبح بعد طرفاً في اتفاقيات لاهاي وجنيف أن تفعل ذلك([106]).


واستجابة لذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والعشرين توصية بتاريخ 19 ديسمبر 1968م تحت رقم (2444) أكدت فيها ما جاء في مؤتمر (طهران)، لكن موظفي تلك الهيئة أنفسهم لم يسلموا من الانتهاكات اللاإنسانية المرتكبة في حقهم، فقد لقي "همرشولد" مصرعه في الكونغو بعد إسقاط الطائرة التي كانت تقله من قبل مقاتلين مجهولين، كما قتل اللورد "بيرنادوت" على يد الصهاينة حيث كان في مهمة وساطة بين العرب والصهاينة في فلسطين([107]).


وقد تزايدت تلك الاعتداءات بشكل كبير؛ أمام تزايد عدد عمليات الأمم المتحدة في المجال الإنساني أثناء النزاعات المسلحة، خاصة خلال الفترة الممتدة ما بين 1990م و2004م، فعلى سبيل المثال، تفجير مكتب الأمم المتحدة بالعراق على يد مسلحين مجهولين، وأمام استمرار تلك المخاطر اللاإنسانية، قد يتراجع دور منظمة الأمم المتحدة، في الرقابة على تنفيذ القواعد الإنسانية، التي من شأنها مساعدة ضحايا النزاعات المسلحة، وذلك إما تحت الضغط المالي أو تحت ضغط المخاطر التي قد تصيب العاملين فيها([108]).


ونرى أن ضعف منظمة الأمم المتحدة؛ للقيام بدور في احترام ومراقبة تنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني، نابع من النظرة السيئة لهذه المنظمة من قبل أطراف النزاع عادة، واتهامها دوما بالتحيز لصالح القوى العظمي؛ مما افقدها نظرة النزاهة والحيادية التي تميزت بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كذلك فإن التمويل المشروط لعملياتها من قبل بعض الدول قد يشكل عقبة جديدة إزاء قيامها بدور إنساني.


ثالثا:- اللجنة الدولية لتقضي الحقائق:


نظمت المادة (90) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، اللجنة الدولية لتقصي الحقائق، وحددت أعضائها بخمسة عشر عضواً، على درجة عالية من الخلق الحميد والمشهود لهم بالنزاهة، ويعمل الأعضاء بصفتهم الشخصية متجردين عن انتمائهم للدول، ويستمرون في أعمالهم لحين انتخاب أعضاء جدد في المدة المحددة بخمس سنوات، ولابد أن يتمتع الأعضاء بالمؤهلات المطلوبة، وأن يكون التمثيل الجغرافي في اختيارهم قد تمت مراعاته بعدالة، وللأعضاء التحقق من ذلك عند إجراء الانتخابات([109])، وعن اختصاصات اللجنة فقد حدد البند الثاني من المادة (90) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، بأن اللجنة تختص في التحقيق في وقائع معينة والمساعي الحميدة، وسيتم تناول كل اختصاص على حدا.


التحقيق في وقائع معينة: تختص اللجنة بالتحقيق في الوقائع المتعلقة بأي إدعاء خاص بانتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، وينحصر الدور في العمل على استيضاح الوقائع للوصول إلى الحقيقة دون إصدار أحكام، فهي تحقق في أن الوقائع المدعى بها قد وقعت فعلاً أم لا، ولا تقرر بشأنها فيما إذا كان حدوثها يعد انتهاكات جسيمة أم لا([110]).

المساعي الحميدة: ويتمثل هذا الاختصاص في إعادة احترام أحكام القانون الدولي الإنساني، من خلال مساعديها بين أطراف النزاع، وينبغي على اللجنة أن تحيط علماً بالوقائع قبل مساعيها الحميدة، وتقدم تقريراً مبدئياً للأطراف عن نتائج التحقيق مشفوعاً بالتوصيات التي تراها مناسبة، وعن الوقائع التي ليس لها طابع الانتهاكات الجسيمة، فللجنة أن تقترح وسائل لتأمين حماية متزايدة، وعلى الأرجح أن الأطراف ستعمد إلى تنفيذها([111]).

المطلب الثاني: رقابة الدول.


الدول التي تختص بالرقابة، هي تلك الدول التي تكون لها علاقة مباشرة بموضوع النزاع المسلح، إما بصفتها دولة طرف في ذلك النزاع، وإما لأنها قد اكتسبت صفة الدولة الحامية.


أولاً:- رقابة أطراف النزاع:


يجب على الدولة التي تعتبر طرفاً في النزاع المسلح، أن تضع قواعد القانون الدولي الإنساني موضع التنفيذ، وتتعهد بالكف عن القيام بعمل أو الامتناع عن عمل يعد انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وذلك من خلال التعهد الرسمي باحترام وفرض احترام تلك القواعد والسهر على تنفيذها، ونشرها ضمن أوسع نطاق ممكن، حتى يتسنى للجميع الاطلاع عليها([112])، وتمتلك الدولة عدد من الوسائل التي تعد آليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني، ويمكن تلخيص تلك الوسائل فيما يلي:-


نشر أحكام الاتفاقيات الإنسانية: تلتزم الدول الأطراف في قانون جنيف بنشر صكوك قانون جنيف سواء أكان في وقت السلم أم الحرب([113])؛ حتى يتسنى لمن يجب عليهم احترام تلك القواعد التعرف عليها، ولا يقتصر النشر على المقاتلين بل يمتد ليشمل السكان المدنيين لأنهم قد يصبحوا من المقاتلين لاحقاً، بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من قواعد قانون جنيف تخاطبهم([114]).

إعداد العاملين المؤهلين: يجب على الدول الأطراف في قانون جنيف؛ أن تعمل في زمن السلم بمساعدة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر، على إعداد عاملين مؤهلين؛ بغية تسهيل تطبيق الاتفاقيات([115]).

المستشارون القانونيون: إن اعتماد نظام المستشارين الحربيين في القوات المسلحة هو نظام حديث نسبياً، حيث تم النص عليه لأول مرة في البروتوكول الإضافي الأول عام 1977م، ويجب على أطراف النزاع أن تعمل أثناء النزاع المسلح على تأمين توفر المستشارين القانونيين عند الاقتضاء؛ لتقديم المشورة للقادة العسكريين([116]).

إصدار نظام داخلي للقوات المسلحة: يجب أن تخضع القوات المسلحة لنظام داخلي يكفل إتباع قواعد القانون الدولي التي تطبق في النزاع المسلح([117]).

ونرى أن للدول (أطراف النزاع) أهمية كبيرة سواء أفي الرقابة الذاتية على أعمال مقاتليهم، أم رقابتهم على تصرفات الطرف الآخر، ويجب أن يحافظ طرف النزاع على التواصل مع الهيئات والمنظمات الدولية، للحد من وقوع أية انتهاكات، ويقع على عاتق الدولة التي تعتبر طرفاً في النزاع إيقاف القادة الميدانيين عند حدود مسئولياتهم، تحسباً لوقوع أية انتهاكات، وإن وجود نظام داخلي كفيل بمعرفة المسئول عن وقوع الانتهاكات، مع العلم أن طرف النزاع يبقى مسئول عن الانتهاكات التي تسببت فيها قواته المسلحة، لكن محاسبة الدولة لقادتها الميدانين، يكون وفقاً لنظام داخلي، أضف إلى ذلك أن التطور الهائل في القانون الدولي الإنساني يوجب على الدول تدريس مادته في الكليات الحربية، وإن كانت هناك بعض المحاولات في منطقتنا العربية إلا أنها غير كافية.


ثانياً:- رقابة الدول الحامية (The Protect Sate):


الدول الحامية: هي دولة محايدة ليست طرفاً في النزاع المسلح، يحددها أحد أطراف النزاع، ويقبلها الخصم وتوافق على أداء المهام المسندة إلى الدولة الحامية وفقاً للاتفاقيات الدولية([118])، ولقد تبلور مفهوم الدولة الحامية؛ في ظل القانون الدولي المعاصر، أي بظهور قانوني (لاهاي وجنيف)، حيث كان الوضع المعمول به سابقاً؛ هو أن يفرض الطرف المنتصر إرادته على الطرف المهزوم، وتتم التسوية عن طريق التبادل والتعويض النهائي الذي يدفعه الطرف المهزوم قسراً، وقد كان أول حديث عن الدولة الحامية ضمن لائحة لاهاي لعام 1907م، بتعيين دولة لضمان تمثيل مصالح أحد الأطراف في الدولة المعادية، واعتبرت أن من واجبات الدولة الحامية مراقبة احترام الالتزامات الناشئة عن لائحة لاهاي الرابعة، لذلك فهي توفد ممثلين لها لزيارة معسكرات الأسرى لتلك الغاية([119]).


وأثناء الحرب العالمية الثانية برز الدور المميز للدولة الحامية، والذي تمثل في الضمانة الأساسية لرقابة تنفيذ قواعد القانون الدولي، وإدراكاً لتلك الأهمية دعا المجتمعون في مؤتمر جنيف في الفترة من 21 إبريل وحتى 12 أغسطس 1949م، لإبرام نص في كل اتفاقية من الاتفاقيات الأربع يبرز دور الدولة الحامية في الرقابة على تنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني([120])، ثم جاء البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م؛ للتأكيد على الطبيعة الإلزامية للدولة الحامية، حيث أفادت المادة الخامسة في فقرتها الأولى أنه في حال نشوب نزاع يجب على الأطراف تأمين تنفيذ قواعد القانون الدولي من خلال نظام الدولة الحامية.


أما إذا لم يتم تعيين دولة حامية، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعرض مساعيها الحميدة على أطراف النزاع، من أجل تعيين دولة حامية يوافق عليها الأطراف، وذلك دون المساس بحق أية منظمة إنسانية محايدة أخرى في القيام بالمهمة ذاتها؛ ويمكن للجنة في سبيل ذلك أن تطلب بصفة خاصة؛ من كل طرف أن يقدم إليها قائمة تضم خمس دول على الأقل؛ يقدر هذا الطرف أنه يمكن قبولها للعمل باسمه كدولة حامية لدى الخصم، ويجب تقديم تلك القوائم إلى اللجنة خلال الأسبوعين التاليين لتسلم الطلب ويجب على الأطراف النزاع إذا لم يتم تعيين دولة حامية؛ أن تقبل دون إبطاء العرض الذي قد تقدمه اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو أية منظمة أخرى تتوفر فيها كافة ضمانات الحياد والفاعلية بأن تعمل كبديل بعد إجراء المشاورات اللازمة مع هذه الأطراف ومراعاة نتائج تلك المشاورات([121]).


إن الضرورة العملية هي التي اقتضت وجود نظام الدولة الحامية، فعند نشوب نزاع مسلح بين طرفين أو أكثر يؤدي حتماً إلى تعطيل مصالح الأطراف المتنازعة لدى بعضها البعض، فحتى لا تتعطل تلك المصالح وجد نظام الدولة الحامية؛ التي تقوم بتمثيل مصالح أحد الأطراف في النزاع لدى الطرف الآخر، وفي ذلك الصدد تنص المادة 8 من اتفاقيات جنيف الأولى والثانية والثالثة والمادة (9) من الاتفاقية الرابعة على ما يلي: "... يجوز للدولة الحامية التي تعين مندوبين من رعاياها أو رعايا دول أخرى محايدة، ويخضع تعيين هؤلاء المندوبين لموافقة الدولة التي سيؤدون واجباتهم لديها، وعلى أطراف النزاع تسهيل مهمة مندوبي الدولة الحامية، ويجب ألا يتجاوز مندوبو الدولة الحامية حدود مهمتهم، وعليهم بصفة خاصة مراعاة مقتضيات أمن الدولة التي يقومون فيها بواجباتهم، ولا يجوز تقييد نشاطهم إلا إذا استدعت ذلك الضرورات الحربية وحدها، ويكون ذلك بصفة استثنائية ومؤقتة"([122]).


ورغم أهمية اللجوء إلى نظام الدولة الحامية؛ فإن أطراف النزاع تحجم عادة عن تعيين دولة حامية كما تحجم عن قبول قيام الدولة الحامية بمهامها فوق أراضيها؛ وذلك إما لعدم رغبة أحد طرفي النزاع وإما كليهما في الاعتراف بوجود حالة نزاع مسلح، أو لعدم استعداد الدولة المحايدة للاستجابة لتلك المهمة بسبب كثرة الأعباء الناجمة عنها([123]).


المطلب الثالث: الرقابة


القضائية على أعمال المقاتلين.


تتنوع الرقابة القضائية؛ بين رقابة القضاء الدولي والذي تمثله المحكمة الجنائية الدولية؛ وبين رقابة القضاء الوطني الذي تمثله المحاكم الوطنية.


أولاً:- رقابة المحكمة الجنائية الدولية.


أقر مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين، والمعني بإنشاء محكمة جنائية دولية (نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية) بتاريخ 17 يوليو 1998م، بعد جهود حثيثة ازدادت في الفترة الأخيرة، خاصة بعد إنشاء المحكمة الجنائية ليوغسلافيا السابقة بقراري مجلس الأمن رقم (808) ورقم (827) بتاريخ: 22 فبراير 1993م([124])، وللمحكمة اختصاص مستقبلي فقط؛ وهو بدوره مكمل للاختصاص القضائي الوطني، وقد حددت المادة الخامسة من الميثاق أن المحكمة مختصة بأربعة جرائم حصراً وهي جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الحرب، وجريمة العدوان([125])، وتتكون المحكمة من خمسة أجهزة أساسية هي:-


هيئة الرئاسة: يتم اختيار الرئيس ونائبيه بالأغلبية المطلقة للقضاة لمدة ثلاث سنوات([126]).

دوائر المحكمة: وهي ثلاثة: التمهيدية، والابتدائية، والاستئناف([127]).

مكتب المدعي العام: وهو يعمل كجهاز مستقل ومنفصل عن المحكمة([128]).

قلم المحكمة: وهو جهاز إداري غير قضائي، ويرأسه المسجل([129]).

جمعية الدول الأطراف: وهي تمثل الجمعية العامة للدول الأطراف في نظام المحكمة الأساسي، وتختص بانتخاب القضاة والمدعى العام والمسجل، وهي تراجع وتصدق على الميزانية العامة([130]).

ثانياً:- رقابة القضاء الوطني:


تطور عمل المحاكم الوطنية في عدد من الدول بخصوص الجرائم المعاقب عليها دولياً، وانطلاقاً من مبدأ العالمية الراسخ في بعض القوانين الجنائية الوطنية، والذي يقضي: بأن ينعقد للدولة حق ولاية الاختصاص القضائي ضد بعض الجرائم المحدد قانوناً، وبمعنى آخر "أن نصوص القانون الجنائي للدولة عالمية بحيث تكون واجبة التطبيق على أي شخص دون الالتفات لجنسيته، ولمكان وقوع الجريمة مادام المتهم قد قبض عليه في إقليم الدولة"([131])، ويتضح بأن ذا المبدأ صعب التطبيق من الناحية الواقعية على كل الجرائم، إلا أن تطبيقه يسهل على تلك الجرائم ذات الصبغة الدولية، كالقرصنة وتجارة الرقيق والمخدرات وتزييف العملات وتعطيل وسائل المواصلات العالمية وتصدير الأمراض الفتاكة، وبالتالي من يرتكب مثل هذا الجرم يكون قد اعتدى على مصلحة مشتركة بين دول العالم، وينشأ للدولة التي قبضت عليه الحق بمعاقبته، لأنها صاحبة مصلحة شأنها في ذلك شان باقي الدول، وهناك عدد من الدول قد قننت مبدأ العالمية في قوانينها الوطنية، بخصوص بعض الجرائم الدولية، ومنها: هولندا وبريطانيا وأسبانيا.


وعلى مستوى القانون السوداني فحتى العام 2009م، لمن يكن هناك نصاً يشمل على مبدأ العالمية، إلا محاولة كانت ضمن مشروع قانون العقوبات لعام 1972م في المادة (19) منه، والتي تبنت مبدأ العالمية في جرائم استعمال الإشعاعات الذرية والصور والمطبوعات الشائنة وجرائم الاتجار بالنساء والأطفال والمخدرات والجرائم المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية بشرط أن تكون السودان طرفاً فيها، إلا أن ذلك المشروع لم ير النور([132])، وجاء تعديل رقم (15) لعام 2009م على القانون الجنائي لعام 1991م، والذي نص صراحة على تبني الجرائم المنصوص عليها في ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وجاءت المواد رقم: (186- 187- 189- 190- 191- 192) من القانون الجنائي السوداني لتبني الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب، وبالتالي يمكن القول بأن السودان يتبني صراحة معاقبة كل من ينتهك قواعد القانون الدولي الإنساني، وهذه آلية صريحة للرقابة القضائية الوطنية على أعمال المقاتلين، ويجب على الدول أن تضمن في تشريعاتها الوطنية مثل تلك النصوص، كي لا يكون هناك مفراً أمام المجرمين الدوليين، فإن استطاع المجرم الإفلات من القضاء الدولي لا يستطيع الإفلات من القضاء الوطني.


وقد كان المعمول به حتى الحرب العالمية الثانية، عندما تتمكن الدولة من إلقاء القبض على مرتكبي الجرائم الدولية؛ فإن محاكمها الوطنية تكون صاحبة الاختصاص تطبيقاً لقاعدة الاختصاص الإقليمي، فقد قامت مثلاً ألمانيا عام 1921م بمحاكمة (45) شخصاً من مجرمي الحرب أمام المحكمة العليا الألمانية، وقد تولت المحاكم الوطنية البريطانية والفرنسية والألمانية محاكمة مجرمي الحرب في الحرب العالمية الثانية، وقد استمرت تلك المحاكمات حتى عام 1964م([133]).


وبالنظر لنص المواد (49) من اتفاقية جنيف الأولى، والمادة (50) من اتفاقية جنيف الثانية، والمادة (129) من اتفاقية جنيف الثالثة، والمادة (146) من اتفاقية جنيف الرابعة، نستنتج من تلك المواد أنه يجوز معاقبة مجرمي الحرب أمام المحاكم الوطنية.


وقد انقسمت التشريعات الجنائية للدول في تجريم الأفعال التي تعد جرائم دولية إلى منهجين؛ الأول: هو الاكتفاء بالإحالة على النصوص الواردة في الاتفاقية الدولية دون إدماج تلك النصوص في التشريع الوطني، أما الثاني: فهو التقنين الوطني للجرائم الدولية، حيث يعد القانون الوطني هو ذاته المصدر المباشر للتجريم والعقاب([134]).


الخاتمة:

يتضح من هذا البحث: أن فقهاء المذاهب الإسلامية المتعددة؛ لم يضمنوا موضوع خاص بالمسئولية وآليات الرقابة ضمن أحكام القتال في سبيل الله؛ لذا عمدنا لمعالجة نظام المسئولية وآليات الرقابة العامة في الفقه الإسلامي، ثم أسقطها على موضوع المقاتل، مدعماً إياه بما تيسر من النصوص الواردة في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وفي سيرة الخلفاء.


والملاحظات في هذا الشأن كثيرة أهمها: هو أن الفقهاء لم يتعاملوا مع مصطلح المسئولية بحد ذاته، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود نظام خاص بالمسئولية في مصنفات الفقهاء، حيث أنهم استعاضوا عنه ببعض المصطلحات التي تتطابق مع معناه وأهمها: مصطلح الغرامة أو التغريم والضمان أو التضمين.


ويتشابه نظام المسئولية عن أعمال المقاتل في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي، في أن كلاً منهما ينظم المسئولية على أقسام أساسية تمثلت في: المسئولية الذاتية للمقاتل في الفقه الإسلامي؛ ويعبر عنها في القانون بالمسئولية الشخصية للمقاتل، ثم يليها المسئولية القيادية والتي تشمل قطبين أساسيين وهما القائد العام للدولة ومسئولية القائد الميداني للمعركة، ويعبر عنها في القانون الدولي بمسئولية الدولة بمؤسساتها المختلفة والمتنوعة، ويتجلى دور الدولة في أبهى صور مسئولياتها سواء في الفقه أو في القانون في جانبين أساسيين وهما: زجر المقاتلين جنوداً وقادة وإيقافهم عند حدود تكليفاتهم ومهامهم، والصورة الثانية تتمثل في التعويض عن الأضرار والأخطاء التي قد يرتكبها المقاتل وتلحق أضراراً بالأطراف الأخرى.


أما على صعيد آليات الرقابة فالأمر مختلف بعض الشيء، فالفقه الإسلامي أوجد نظام الرقابة الذاتية للمقاتل، وفي هذا الصدد توجد صور عديدة من السنة النبوية تثبت الرقابة الذاتية، بل وتشجعها وتنميها، أما على صعيد القانون الدولي ففي حين أنه اعترف بالمسئولية الشخصية (الذاتية) نجد بأنه لم يترك أي هامش للاعتراف بالرقابة الذاتية للمقاتل، والجدير أن لذلك ما يبرره في القانون، إذ أن توكيل الرقابة لشخص المراقب فيه مفسدة للهدف المرجو منها، إلا أن الأمر مختلف في الفقه الإسلامي، فهو يعترف بفضل المقاتل لذا اسند له الرقابة الذاتية، وشجعها وحض عليها، وقد احتاط الفقه من أن يفسد هدفها كون أن الرقابة في تلك الحالة أسندت لشخص المراقب فلم يجعلها أداة حصرية للرقابة، بل قررها إلى جانب عدة أدوات أخرى تتمثل في الرقابة القيادية والرقابة القضائية، وبذلك يتفوق على القانون الدولي الذي قرر أن يتخلى عن نظام الرقابة الذاتية أصلاً.


أما بالنسبة للرقابة القيادية فالأمر متشابه إلى حد كبير بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، إلا أن الأخير ينظمه تحت مسمى رقابة الدول؛ والمقصود هناك رقابة الدولة الطرف في النزاع على أعمال مقاتليها وليس رقابة الدولة الحامية.


ونجد أيضاً أن القانون الدولي يقرر رقابة الهيئات واللجان الدولية، وهو أمر لا يعترف به الفقه الإسلامي، ورغم أن موضوع اللجان والهيئات الدولية أمر حديث نسبياً لكني لا أتصور أن يعترف به الفقه الإسلامي إلا في حدود ضيقة جداً، ذلك أنه لا يمكن إقرار رقابة لغير المسلم على أعمال المسلمين هذا والله أعلم، والأمر ذاته ينطبق على رقابة القضاء الدولي، فاعتقد أن الفقه يرفضها نظراً للشروط الواجب توافرها في شخص القاضي في الفقه الإسلامي، أما على صعيد رقابة القضاء الوطني فالأمر متفق عليه في الفقه والقانون؛ وفيما يلي أهم النتائج والتوصيات التي توصلنا لها:


أولا: النتائج


لقد سبقت الشريعة الإسلامية الغراء جل التشريعات الوضعية في مجال تنظيم أحكام المقاتل، حيث نظمتها بشكل مفصل غير مستقل عن الموضوع العام وهو القتال في سبيل الله تعالى، وفي خضم ذلك التنظيم فقد احترمت الشريعة الإسلامية المقاتل العدو بل هو مكرم أصالة بصفته إنساناً، لذا فلم تترك مصيره خاضعاً لإرادة المقاتل المسلم بل قننت أحكام التعامل معه؛ وحضت على احترام إنسانيته، فأوجدت حقوقاً له لابد من احترامها.

الشريعة الإسلامية قيدت إرادة المقاتل المسلم؛ فأوجدت في ذلك واجبات لابد من الالتزام بها وتلك الواجبات متعددة ومتنوعة، ولا يمكن الإخلال بها، ولما كان المقاتل المسلم بشر فهو عرضة للأخطاء، لذا فلم تغفل الشريعة عن ذلك حيث عملت على إيجاد نظام للمسئولية عن أعمال المقاتل؛ بل وأوجدت نظاماً خاصاً بالرقابة على تلك الأعمال، وبالتالي بينت المسئول المباشر وغير المباشر عن أعمال المقاتل؛ ومدى إمكانية جبر وضمان الأضرار التي قد تنشأ عن أفعال المقاتل الخاطئة من طرف الدولة الإسلامية.

الشريعة الإسلامية تمثل مصدراً أساسياً لمعظم أحكام المقاتل في القانون الدولي الإنساني، وهذا واضح في الحقوق والواجبات وحتى على مستوى نظام المسئولية وآليات الرقابة؛ وكذلك على مستوى التقسيمات القانونية للمقاتل، مع اعتبار بعض الاختلافات التي ابتدعها القانون الدولي على مستوى المسئولية على أعمال المقاتل فإن الفقهاء لم ينظموا هذا الموضوع ضمن أحكام الجهاد، وإنما نظموا المسئولية العام بشكل مستقل، أو ما يصطلح عليها فقها الضمان أو الغرامة.

اعتد الفقه الإسلامي بالرقابة الذاتية للمقاتل، ونظراً لخطورتها فلم يفردها على الرقابة القيادية والقيادية، بل أوجدها بشكل تكميلي لتلك الآليات.

تتفوق الشريعة الإسلامية على القانون الدولي العام في سمو المصادر، ففي حين أن الشريعة الإسلامية مصادرها تتنوع بين (القرآن والسنة والإجماع)، في حين نجد بأن المصادر الأساسية لقواعد القانون الدولي العام تتنوع بين العرف والاتفاقيات الدولية، وعليه فإن من صاغوا قواعد القانون الدولي العام هم من البشر وبالتالي فهم عرضة للخطأ والنسيان، وهذا ما تنزهت عنه المصادر في الشريعة الإسلامية، وينتج عن ذلك أن القواعد المقررة لأحكام المقاتل في الشريعة الإسلامية ملزمة في كل مكان وزمان، على خلاف القواعد في القانون الدولي العام؛ فهي قابلة للتبدل والتغير بحسب حاجات المجتمع الدولي، وذلك بناء على رغبة الدول وإرادتها واجتهادات كتاب وشراح القانون، فقواعد القانون الدولي غير صالحة لكل زمان ومكان فالدول غير الأطراف في المعاهدات الدولية تجد نفسها غير ملزمة بقواعد لم توافق عليها.

عنصر الإلزام في القانون الدولي العام يتسم بالضعف؛ وذلك لضعف عنصر الجزاء الدولي وقصوره، فالمجتمع الدولي يفتقر للصيغة الملزمة التي تمكنه من توقيع جزاءات على الدول التي تخالف القواعد الحربية، ورغم التطور الهائل في القانون الدولي العام إلا أن عنصر الجزاء الدولي مازال ضعيفاً، ناهيك عن الخلل الموجود أصلاً في المنظمة الدولية الأولى بقصر حق النقض (الفيتو) لخمس دول فقط على قرارات مجلس الأمن، والتي عادة ما تلجأ إليه لحماية مصالحها أو مصالح حلفائها، فقد شكل ذلك النظام إضافة جديدة لإضعاف عنصر الجزاء الدولي.

تمكنت الشريعة الإسلامية من إيجاد نظام متكامل يحكم أفعال المقاتل في الحرب، ولقد تعرض ذلك النظام لإهمال شديد من قبل الدول الإسلامية لعزوفها عن الالتزام به، وانبهارها بالطفرة في العالم الغربي؛ مما جعلها لا تهتم بكنوز النظام الإسلامي في هذا المجال، والحق يقال أن ما أتى به القانون الدولي الإنساني من قواعد معظمه موجود أصلاً في الشريعة منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا.

ثانيا:- التوصيات


سبق القول: بأن الشريعة أوجدت نظام كامل يحكم سلوك المقاتل وكيفية مباشرته للقتال، وفي ذلك هناك بعض المواضيع التي مازالت بحاجة إلى بحث دقيق وموسع أهمها المسئولية عن أعمال المقاتل، وكذلك آليات الرقابة على أعماله، بالإضافة إلى موضوعات أخرى كواجبات المقاتل فيما يخص الأسلحة والأساليب القتالية المستخدمة أثناء ممارسته للعمليات الحربية.

يجب إعداد مادة متكاملة عن نظام المقاتل في الشريعة الإسلامية تطرح للتدريس في الجامعات والكليات الحربية على غرار مادة القانون الدولي الإنساني.

يحاول بعض المفكرين وأساتذة الفقه المعاصرين العمل دوماً على إظهار الشريعة الإسلامية بأنها شريعة سلام وأمان، ويحاولون قدر الإمكان الابتعاد عن أن الشريعة قد اهتمت بأحكام القتال ونظمته في إطار محكم لا يظلم أحداً في هذا الكون، ولما كانت الشريعة الإسلامية نظام حياة متكامل فهي بذلك تنظم حالة الحرب والسلم، ولا يوجد ما يبرر أن نغفل نظام الحرب في الإسلام نتيجة للحملة الشرسة التي تحاول النيل من شريعتنا بأنها دين حرب وقتال فحسب، وهذه مسالة حساسة يجب على الجميع الحذر منها عند بحثهم، فديننا دين واقعي لا يوجد به ما يبرر أن نغض الطرف عنه، فالإسلام كما هو دين السلام والمحبة والتسامح، فهو أيضاً لا يقبل الذلة ولا المداهنة، ولابد أن يكون هدف كل مسلم هو إعلاء كلمة الله في الأرض؛ لذا يجب على من يكتب في هذا الموضوع المهم -القتال في سبيل الله- أن يراعي الله فيما يكتب ولا يداهن ولا يهاود على حساب عقيدته والله أعلم.

هذا والله ولي التوفيق


وتفضلوا بقبول فائق الاحترام


قائمة المراجع

أولاً: القرآن الكريم


ثانياً: الحديث الشريف


سليمان بن الأشعث، سنن أبو داود.

محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح.

محمد بن يزيد القزوينيي، سنن ابن ماجة.

مسلم بن حجاج النيسابوري، المسند الصحيح.

ثالثاً: كتب الفقه الإسلامي.


علاء الدين بن أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، بدائع الصانع، الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1394هـ/ 1974م.

محمد بن الحسن الشيباني، كتاب السير (القانون الدولي الإسلامي)، الطبعة الأولى، تحقيق وتعليق: مجيد خدوري، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975م.

أحمد بن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار زهور الفكر، مصر.

رابعاً: كتب اللغة:


مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، تحقيق: أنس الشامي/ زكريا أحمد، دار الحديث، القاهرة، 1429هـ/ 2008م.

أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، الجزء الثاني، تحقيق وضبط: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، 1399هـ/ 1979م.

محب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، الطبعة الأولى، المطبعة الخيرية، القاهرة، 1306هـ.

خامساً: كتب ومراجع متنوعة.


إحسان الهندي، أحكام الحرب والسلم في دولة الإسلام، الطبعة الأولى دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1993م.

أحمد بن إبراهيم بن النحاس، مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، تهذيب: صلاح الخالدي، 1419هـ/ 1999م.

أحمد علي إبراهيم حمو، مبدئي الشرعية والإقليمية في القانون الجنائي السوداني، الطبعة السادسة، الخرطوم، 2006م.

أحمد علي الإمام، نظرات معاصرة في فقه الجهاد، الطبعة الأولى، مطبعة الصباح، دمشق، 1421هـ/ 2000م.

التجاني إبراهيم حاج آدم، حماية المدنيين في النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، طباعة إيماس الحديثة للطباعة والنشر، الخرطوم، 2008م.

جمال رواب، الوضع القانوني للمقاتل في القانون الدولي الإنساني، رسالة ماجستير، جامعة سعيد دحلب بالبليدية، كلية الحقوق، الجزائر، 2006م.

حسن أيوب، فقه الجهاد في الإسلام، الطبعة الأولى، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، مصر، 1422هـ/ 2002م.

جان باكتييه، القانون الدولي الإنساني وحماية ضحايا الحرب، معهد هنري دونان، جنيف- سويسرا، 1986م.

دفع الله حسب الرسول البشير، السياسات الإستراتيجية والأمنية في السيرة النبوية، الطبعة الأولى، شركة مطابع السودان، الخرطوم، 1430هـ/ 2009م.

سيد سابق، فقه السنة، المجلد الثالث، الطبعة الأخيرة، دار الفكر، بيروت، 1987م.

سهيل حسين الفتلاوي، الوسيط في القانون الدولي العام، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 2003م.

صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، الطبعة الثانية، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، 1411هـ/ 1991م.

ضو مفتاح غمق، نظرية الحرب في الإسلام وأثرها في القانون الدولي العام، الطبعة الأولى، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية -دار الكتب الوطنية، بنغازي- لبيبا، 1426هـ.

الطاهر مختار علي سعد، القانون الجنائي الدولي، دار الكتب الجديد، بيروت، 1999م.

عبد السلام التونجي، مؤسسة المسؤولية في الشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس- ليبيا، 1994م.

عبد الغني محمود، القانون الدولي الإنساني- دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة.

عبد الكريم الداحول، حماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، مصر، 1998م.

عبد الكريم علوان خطير، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الثالث: حقوق الإنسان، عمان، الأردن، 1997م.

عز الدين الطيب آدم، وسامي يس خالد، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، مطبوعات جامعة النيلين، الخرطوم، 2010م.

علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الطبعة الأولى، تحقيق: أحمد البغدادي، دار ابن قتيبة- الكويت، 1409هـ/ 1989م.

فوزي كمال أدهم، الإدارة الإسلامية- دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، دار النفائس بيروت، 1421هـ.

كرمان الصالحي، قواعد القانون الدولي الإنساني والتعامل الدولي، الطبعة الأولى، مؤسسة موكرباني للبحوث والنشر، أربيل- العراق، 2008م.

محمد إبراهيم العناني، القانون الدولي العام، المطبعة العربية الحديثة، القاهرة، 1979م.

محمد أبو زهرة، نظرية الحرب في الإسلام، الطبعة الثانية، منشورات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1429هـ/ 2008م.

محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407هـ.

محمد صافي يوسف، الإطار العام للقانون الدولي الجنائي، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2002م.

محمد المجذوب، القانون الدولي العام، الطبعة السادسة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2007م.

مسعد عبد الرحمن زيدان قاسم، تدخل الأمم المتحدة في النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2003م.

سادساً: المواثيق والاتفاقيات:


نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المؤرخ في 17 يوليو 1998م، والمصوب بموجب المحاضر المؤرخة في 10 نوفمبر 1998 و12 يوليو 1999 و30 نوفمبر 1999 و8 مايو 2000 و17 يناير 2001 و16 يناير 2002، ودخل حيز التنفيذ في 1 يوليو 2002م.

اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م؛ بشأن معاملة أسرى الحرب.

اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م؛ بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.

الملحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف المعقودة في 12 آب/ أغسطس 1949 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة لعام 1977م.

الملحق (البروتوكول) الثاني الإضافي إلى اتفاقيات جنيف المعقودة في 12 آب/ أغسطس 1949 المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية لعام 1977م.

سابعاً: المجلات والدوريات:


تعرف على اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من منشورات اللجنة على الشبكة العنكبوتية: (www.icrc.org)، الطبعة الثامنة، إبريل/ نيسان 2008م

[1] أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا، رقم الحديث: 2515.


[2] – محب الدين أو الفيض السيد محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، المجلد السابع، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، ص365- 366، وانظر أيضاً: مجد الدين الفيروز آبادي، القاموس المحيط، الطبعة الرابعة، الجزء الثالث، مطبعة دار المأمون، القاهرة، 1938- 1357، ص392.


[3] – القرآن الكريم، سورة التكوير، آية 8.


[4] – القرآن الكريم، سورة الصافات، آية 24.


[5] – رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم الحديث: 853.


[6] – انظر: عبد السلام التونجي، مؤسسة المسؤولية في الشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس- ليبيا، 1994م، ص51.


[7] – انظر: عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص97- 98.


[8] – القرآن الكريم، سورة النساء، آية 92.


[9] – رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم الحديث: 853.


[10] – انظر: عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص100.


[11] – أحمد علي الإمام، نظرات معاصرة في فقه الجهاد، ط1، مطبعة الصباح، دمشق، 1421هـ/ 2000م، ص50.


[12] – القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية 60.


[13] – محمد بن الحسن الشيباني، القانون الدولي الإسلامي، كتاب السير للشيباني، الطبعة الأولى، تحقيق وتقديم وتعليق: مجدي خدوري، الدار المتحدة للنشرة، بيروت، 1975، ص149.


[14] – على بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الطبعة الأولى، تحقيق: أحمد البغدادي، دار ابن قتيبة، الكويت، 1409هـ/ 1989م، ص47.


[15] – علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع، ج7، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406هـ/ 1986م، ص99.


[16] – علاء الدين الكاساني، نفس المرجع، ج7، ص99.


[17] – أخرجه البخاري، كتاب التمني، باب ما جاء في خبر الواحد...، رقم الحديث: 6830.


[18] – ابن ماجة، كتاب الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم، رقم الحديث: 2826.


[19] – أحمد بن إبراهيم بن النحاس، مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، تهذيب: صلاح الخالدي، 1419هـ/ 1999م، ص100.


[20] – أخرجه أبو داود في سننه، كتب الجهاد، باب في قتل النساء، رقم الحديث: 2669، والعسيف هو الأجير.


[21] – محمد بن إسماعيل الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، الجزء الرابع، الطبعة الرابعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1996م، ص50.


[22] – انظر: ضو مفتاح غمق، نظرية الحرب في الإسلام وأثرها في القانون الدولي العام، الطبعة الأولى، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية- دار الكتب الوطنية، بنغازي- ليبيا، 1426هـ، ص223.


[23] – رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث خالد إلى بني جذيمة، رقم الحديث: 4084.


[24] – القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 159.


[25] – أخرجه أحمد والشافعي.


[26] – انظر: دفع الله حسب الرسول البشير، السياسات الإستراتيجية والأمنية في السيرة النبوية، الطبعة الأولى، شركة مطابع السودان، الخرطوم، 1430هـ/ 2009م، ص209- 216 وكذلك انظر: سيد سابق، فقه السنة، المجلد الثالث، الطبعة الأخيرة، دار الفكر، بيروت، 1987، ص59.


[27] – علي بن محمد الماوردي، المرجع السابق، ص48// وراجع: التدريب والتجهيز للمقاتلين: ص...


[28] – أحمد بن إبراهيم بن النحاس، المرجع السابق، ص135.


[29] – رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، رقم الحديث: 1828.


[30] – سيد سابق، المرجع السابق، ص62- 63.


[31] – على بن محمد الماوردي، المرجع السابق، ص47.


[32] – سيد سابق، المرجع السابق، ص60، وكذلك: علي بن محمد المارودي، المرجع السابق، ص49- 50.


[33] – سيد سابق، المرجع السابق، 60.


[34] – محمد بن الحسن الشيباني، المرجع السابق، ص148.


[35] – رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، رقم الحديث: 1731.


[36] – رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم الحديث: 853.


[37] – انظر: ابن النحاس، مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، مرجع سابق، ص345.


[38] – القرآن الكريم، سورة البينة، آية 5.


[39] – حسن أيوب، فقه الجهاد في الإسلام، ط1، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، مصر، 1422هـ/ 2002م، ص78- 79.


[40] – علي بن محمد الماوردي، المرجع السابق، ص65.


[41] – حسن أيوب، المرجع السابق، ص79// راجع: الإمارة: ص...


[42] – علي بن محمد الماوردي، المرجع السابق، ص66.


[43] – المادة 5 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المؤرخ في 17 يوليو 1998م، والمصوب بموجب المحاضر المؤرخة في 10 نوفمبر 1998 و12 يوليو 1999 و30 نوفمبر 1999 و8 مايو 2000 و17 يناير 2001 و16 يناير 2002، ودخل حيز التنفيذ في 1 يوليو 2002.


[44] – المادة 6 من نظام روما الأساسي لعام 1998م.


[45] – المادة 7 من ميثاق روما الأساسي لعام 1998م.


[46] – ملاحظة: معظم الانتهاكات أو المخالفات الجسيمة حسب قانون جنيف يمكن تلخيصها في: القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، والتجارب الخاصة بعلم الحياة، وتعمد إحداث آلام شديدة؛ أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحية، وتدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها في نطاق واسع لا تبرره الضرورات الحربية وبطريقة غير مشروعة وتعسفية، وإرغام أسير على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في المحاكمة العادلة، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وأخذ الرهائن.


[47] – المادة 8 من نظام روما الأساسي لعام 1998م.


[48] – عز الدين الطيب آدم، وسامي يس خالد، محاضرات في القانون الدولي الإنساني، مطبوعات جامعة النيلين، الخرطوم 2010ن ص125، بتصرف.


[49] – محمد صافي يوسف، الإطار العام للقانون الدولي الجنائي، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2002م، ص97.


[50] – انظر: سهيل حسين الفتلاوي، الوسيط في القانون الدولي العام، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، بيروت، 2003م، ص424.


[51] – المادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م.


[52] – سهيل حسين الفتلاوي، المرجع السابق، ص424.


[53] – انظر: المادة 86 الفقرة التانية/ من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م.


[54] – المادة: 87 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م.


[55] – سهيل حسين الفتلاوي، المرجع السابق، ص425.


[56] – سهيل حسين الفتلاوي، المرجع السابق، ص425.


[57] – المادة 3 من اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907.


[58] – المادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م.


[59] – انظر: عبد الغني محمود، القانون الدولي الإنساني تطوره ومبادئه- دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة، ص183.


[60] – الطاهر مختار علي سعد، القانون الجنائي الدولي، دار الكتاب الجديد، بيروت، 1999م، ص54.


[61] – جان باكتييه، جان باكتييه، القانون الدولي الإنساني وحماية ضحايا الحرب، معهد هنري دونان، جنيف- سويسرا 1986م، ص10- 11.


[62] – محب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، المجلد الأول، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ص375.


[63] – أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، الجزء الثاني، تحقيق وضبط: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، 1399هـ/ 1979م، ص427، وانظر أيضاً، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، الطبعة السادسة، تحقيق مكتبة التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة، 1419هـ/ 1998م، ص90.


[64] – القرآن الكريم، سورة ق، آية 18.


[65] – رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، رقم الحديث: 50.


[66] – صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، الطبعة الثانية، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، 1411هـ/ 1991م، ص353.


[67] – صفي الرحمن المباركفوري، نفس المرجع، ص357.


[68] – صفي الرحمن المباركفوري، المرجع السابق، ص491.


[69] – صف الرحمن المباركفوري، المرجع السابق، ص492.


[70] – القرآن الكريم، سورة التوبة، آية 118.


[71] – راجع قصة حاطب، ص...


[72] – البخاري، كتاب الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، رقم الحديث: 36، والحديث متفق عليه.


[73] – رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم الحديث: 853.


[74] – رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، رقم الحديث: 1827.


[75] – محمد ناصر الدين الألباني، صحيح الجامع، المكتب الإسلامي، بيروت، رقم الحديث: 5571.


[76] – ابن تيمية، رسالة الحسبة، ص147- 148.


[77] – انظر وثيقة أخلاق العمل (Ethics as behavior control) الصادرة عن الأمم المتحدة، في العام 1990، ص45، منشورة على الموقع الإلكتروني لمنظمة الأمم المتحدة www.un.org


[78] – القرآن الكريم، سورة الأحزاب، آية 21.


[79] – رواه البخاري، كتاب المغازي، باب سرية عبد الله بن حذافة، رقم الحديث: 4085.


[80] – أخرجه أبو داود في سننه، كتب الجهاد، باب في قتل النساء، رقم الحديث: 2669، والعسيف هو الأجير.


[81] – محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج4، طبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407هـ، ص67


[82] – عبد العزيز بن سعد الدغيثر، الرقابة الإدارية، ص11، كتاب إلكتروني منشور في موقع www.padffactory.com


[83] – فوزي كمال آدهم، الإدارة الإسلامية- دراسة مقارنة، ط1، دار النفائس بيروت، 1421هـ، ص319.


[84] – عبد العزيز بن سعد الدغيثر، المرجع السابق، ص11.


[85] – انظر: محمد أبو زهرة، نظرية الحرب في الإسلام، الطبعة الثانية، منشورات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة، 1429هـ/ 2008م، ص21.


[86] – رواه الطبراني في الكبير، ج20/ ص412، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، ج3/ ص436/ رقم 1453.


[87] – رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، رقم الحديث: 3887.


[88] – رواه البخاري، كتاب المغازي باب قوله تعالى {إذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا....}، رقم الحديث: 3829.


[89] – إلا أن الحنفية يقرون بجواز قضاء المرأة للضرورة، كان تكون قد قضت فلا يجوز إبطال الحكم وإعادة التقاضي، ويعني ذلك أنهم لا يجيزون قضاء المرأة ابتداءً إلا إنهم يقرونه إن تم.


[90] – القرآن الكريم، سورة النساء، آية 141.


[91] – علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الطبعة الأولى، تحقيق: أحمد البغدادي، دار ابن قتيبة- الكويت، 1409هـ/ 1989م، ص88- 89- 90.


[92] – في الفقه الإسلامي: يجوز للوالي أو الأمير أن يقضي فيما يعرض عليه من مسائل.


[93] – علي بن محمد الماوردي، المرجع السابق، ص286- 287.


[94] – إحسان الهندي، أحكام الحرب والسلم في دولة الإسلام، الطبعة الأولى، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1314هـ/ 1993م، ص182.


[95] – وكانوا على الكفر، فلم يسلموا حتى لحظة رفهم لمظلمتهم، وهذا جانب سامي في العدل، الذي تمتع به كل رعايا الدولة الإسلامية.


[96] – وذلك بسبب أن قتيبة بن مسلم الباهلي قد دخل معهم في حرب مباشرة، ولم يدعهم للإسلام ولا للجزية، كما هو مشرع في قواعد الحرب في الإسلام.


[97] – سيد سابق، المرجع السابق، ص67


[98] – محمد المجذوب، القانون الدولي العام، الطبعة السادسة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2007م، ص395.


[99] – التجاني إبراهيم حاج آدم، حماية المدنيين في النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، إيماس الحديثة للطباعة والنشر- المركز القومي للإنتاج الإعلامي، الخرطوم، 2008م، ص116- 117.


[100] – تعرف علي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من منشورات اللجنة على الشبكة العنكبوتية: (www.icrc.org)، الطبعة الثامنة، إبريل/ نيسان 2008، ص3.


[101] – انظر: التجاني إبراهيم حاج آدم، نفس المرجع، ص116.


[102] – انظر: التجاني إبراهيم حاج آدم، نفس المرجع، ص129- 130.


[103] – التجاني إبراهيم حاج آدم، المرجع السابق، ص131.


[104] – التجاني إبراهيم حاج آدم، المرجع السابق، ص131- 132، وانظر: المادة 4 من ميثاق اللجنة فقرة ج.


[105] – التجاني إبراهيم حاج آدم، المرجع السابق، ص132، انظر المادة الرابعة من ميثاق اللجنة فقرة ز.


[106] – عبد الكريم علوان خطير، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الثالث: حقوق الإنسان، عمان- الأردن، 1997م، ص237/ وانظر أيضاً: جمال رواب، الوضع القانوني للمقاتل في القانون الدولي الإنساني، رسالة ماجستير، جامعة سعيد دحلب بالبليدة، كلية الحقوق، الجزائر، 2006م، ص149.


[107] – جمال رواب، مرجع سابق، ص149.


[108] – مسعد عبد الرحمن زيدان قاسم، تدخل الأمم المتحدة في النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2003م، ص149.


[109] – المادة 90/ البند 1 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.


[110] – التجاني إبراهيم حاج آدم، المرجع السابق، ص144، بتصرف.


[111] – التجاني إبراهيم حاج آدم، المرجع السابق، ص145.


[112] – جمال رواب، المرجع السابق، ص146.


[113] – المادة الأولى/ الفقرة الأولى، من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.


[114] – التجاني إبراهيم حاج آدم، المرجع السابق، ص151- 152.


[115] – المادة 6 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م.


[116] – المادة 82 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م.


[117] – المادة 43 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م.


[118] – المادة 2 من البروتوكول الإضافي الأول.


[119] – التجاني إبراهيم حاج آدم، المرجع السابق، ص134.


[120] – انظر المادة 8 من اتفاقيات جنيف الأولى والثانية والثالثة، والمادة 9 من اتفاقيات جنيف الرابعة 1949م.


[121] – المادة 5 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م.


[122] – المادة 8 من اتفاقيات جنيف الأولى والثانية والثالثة، وكذلك المادة 9 من اتفاقية جنيف الرابعة 1949م.


[123] – عبد الكريم الداحول، حماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، مصر، 1998م، ص204.

[124] – عبد الكريم الداحول، المرجع السابق، ص215.

[125] – راجع: الأعمال التي تشكل جرائم معاقب عليها دولياً، ص....

[126] – المادة 38 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998م.

[127] – المادة 34 والمادة 39 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998م.

[128] – المادة 42 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998م.

[129] – المادة 43 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998م.

[130] – المادة 112 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998م.

[131] – أحمد علي إبراهيم حمو، مبدئي الشرعية والإقليمية في القانون الجنائي السوداني، الطبعة السادسة، 2006، الخرطوم، ص104.

[132] – أحمد على إبراهيم حمو، نفس المرجع، ص105- 106 بتصرف.

[133] – سهيل حسين الفتلاوي، المرجع السابق، ص427.

[134] – طارق سرور، الاختصاص الجنائي العالمي، دار النهضة العربية، القاهرة، (2006)، ص211.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق