الصفحات

Additional Menu

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

الدعوي رقم 16 لسنة 24 ق دستورية عليا "دستورية" جلسة 1 / 9 / 2025

المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ⁦۲۰۲٥/۰۹/۰۳⁩

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الاثنين الأول من سبتمبر سنة 2025م، الموافق التاسع من ربيع الأول سنة 1447هـ.

برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طــارق عبد الجواد شـــبل وخالد أحمد رأت دسوقي وصـلاح محمد الرويني ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 16 لسنة 24 قضائية دستورية

المقامة من

1- طلعت حسن معاذ رميح

2- عامر عبد المنعم أحمــد

3- عصام الدين حسن حنفي خصمين متدخلين

ضد

1- رئيس الجمهوريــــة

2- رئيس مجلس الوزراء

3- وزيــر العــــدل

4- حسين فايق صبــــــــــور

--------------

الإجراءات

بتاريخ العشرين من يناير سنة 2002، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية المواد (302 و303 و306 و307) من قانون العقوبات.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قدم المدعي مذكرة، ردد فيها ما أورده بصحيفة الدعوى، وطلب التصدي لنص المادة (32) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصادر بالقانون رقم 180 لسنة 2018، وحضر وكيلان عن كل من: عامر عبد المنعم أحمد، وعصام الدين حسن حنفي، وطلبا التدخل انضماميًّا إلى المدعي في طلباته، فقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وصرحت للخصوم وطالبي التدخل بمذكرات خلال أسبوعين، فقدم طالبا التدخل مذكرتين بطلبات المدعي ذاتها.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعــــــوى وسائر الأوراق- في أن النيابة العامة أحالت المدعي وطالبي التدخل إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنح بولاق الجزئية في الجنحة رقم 6309 لسنة 1999، بوصف أنــــــهم خــــــلال الفتــــــرة من 27/11/1998 إلى 26/3/1999، بدائرة قسم بولاق، سبوا وقذفوا في حق المدعى عليه الرابع؛ بأن وجهوا إليه عبارات تخدش الشرف والاعتبار، وأسندوا إليه أمورًا كاذبة، لو كانت صادقة لأوجبت عقابه واحتقاره عند أهل وطنه، على النحو المنشور في جريدة الشعب في الأعداد المبينة بالأوراق، وطلبت عقابهم بالمواد (171/5 و302/1، 3 و303/1 و306 و307) من قانون العقوبات، المعدل بالقانون رقم 95 لسنة 1996. وبجلسة 17/5/2000، قضت تلك المحكمة، حضوريًّا، بمعاقبة المدعي بالحبس مدة ستة أشهر، وتغريم طالبي التدخل سبعة آلاف وخمسمائة جنيه، على سند من ثبوت جريمتي القذف والسب. استأنف المدعي وطالبا التدخل الحكم أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية، بالاستئناف رقم 3600 لسنة 2000 جنح مستأنف وسط القاهرة، وأمام تلك المحكمة دفع المدعي بعدم دستورية نصوص المواد (302 و303 و306 و307) من قانون العقوبــــات. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت بإقامة الدعوى الدستورية؛ فأقام الدعوى المعروضة.

وحيث إنه عن طلبي التدخل الانضمامي المقدمين من كل من: عامر عبد المنعم أحمد، وعصام الدين حسن حنفي، فلما كان قضاء هذه المحكمة قد استقر على أنه يشترط لقبول طلب التدخل الانضمامي، طبقًا لما تقضي به المادة (126) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968، أن يكون الطلب مقدمًا ممن كان طرفًا في الدعوى الموضوعية، وأن يؤثر الحكم في الدعوى الدستورية على الحكم فيها، وكان الثابت بالأوراق أن طالبي التدخل كانا متهمين في الجنحة محل الدعوى الموضوعية، وقد صدر ضدهما حكم بالإدانة من محكمة أول درجة؛ ومن ثم تتوفر لهما مصلحة في التدخل، وتقضي المحكمة تبعًا لذلك بقبول تدخلهما في الدعوى المعروضة.

وحيث إن المادة (302) من قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937 -بعد أن استبدل بفقرتها الثانية نص المادة الثالثة من القانون رقم 147 لسنة 2006- تنص على أنه:

يعد قاذفًا كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة (171) من هذا القانون أمورًا لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانونًا أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه.

ومع ذلك فالطعن في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة لا يدخل تحت حكم الفقرة السابقة إذا حصل بسلامة نية وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، وبشرط أن يثبت المتهم حقيقة كل فعل أسنده إلى المجني عليه، ولسلطة التحقيق أو المحكمة، بحسب الأحوال، أن تأمر بإلزام الجهات الإدارية بتقديم ما لديها من أوراق أو مستندات معززة لما يقدمه المتهم من أدلة لإثبات حقيقة تلك الأفعال.

ولا يقبل من القاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به إلا في الحالة المبينة بالفقرة السابقة.

وتنص المادة (303) من قانون العقوبات -معدلة بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006- على أن:

يعاقب على القذف بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة عشر ألف جنيه.

فإذا وقع القذف في حق موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة، وكان ذلك بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، كانت العقوبة غرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه.

وتنص المادة (306) من القانون ذاته -معدلة بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006- على أن كل سب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشًا للشرف أو الاعتبار يعاقب عليه في الأحوال المبينة بالمادة (171) بغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه.

وتنص المادة (307) من القانون المشار إليه -معدلة بالقانون رقم 93 لسنة 1995- على أنه إذا ارتكبت جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المواد من 182 إلى 185 و303 و306 بطريق النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات رفعت الحدود الدنيا والقصوى لعقوبة الغرامة المبينة في المواد المذكورة إلى ضعفيها.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها في شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين، أولهما: أن يقيم المدعي -وفى حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون عليه- الدليل على أن ضررًا واقعيًّا -اقتصاديًّا أو غيره- قد لحق به، سواء أكان هذا الضرر الذي يتهدده وشيكًا أم كان قد وقع فعلًا. ويتعين دومًا أن يكون هذا الضرر مباشرًا، منفصلًا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلًّا بالعناصر التي يقوم عليها، ممكنًا تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره. ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائدًا إلى النص المطعون فيه، وليس ضررًا متوهمًا أو منتحلًا أو مجهلًا، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلًا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دلَّ ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة؛ ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.

وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القوانين الجنائية وإن كان سريانها على وقائع اكتمل تكوينها قبل نفاذها غير جائز أصلًا، فإن إطلاق هذه القاعدة يفقدها معناها؛ ذلك أن الحرية الشخصية وإن كان يهددها القانون الجنائي الأسوأ فإن هذا القانون يرعاها ويحميها إذا كان أكثر رفقًا بالمتهم، سواءً من خلال إنهاء تجريم أفعال أثمها قانون جنائي سابق، أو عن طريق تعديل تكييفها أو بنيان بعض العناصر التي تقوم عليها، بما يمحو عقوباتها كلية أو يجعلها أقل بأسًا، وذلك إعمالًا لقاعدة القانون الأصلح للمتهم؛ تلك القاعدة التي وإن اتخذت من نص المادة (5) من قانون العقوبات موطئًا وسندًا فإن صون الحرية الشخصية، التي كفلها الدستور الحالي بنص المادة (54) منه، يقيم هذه القاعدة ويرسيها بما يحول بين المشرع وتعديلها أو العدول عنها؛ ذلك أن ما يعتبر قانونًا أصلح للمتهم يرتد بأثر رجعي على التشريعات الجنائية الأشد قسوة، السابقة عليه، إذا ما محا القانون الجديد التجريم عن الأفعال التي أثمها القانون القديم، أو عدل تكييفها، أو غير في بنيان العناصر التي تقوم عليها الجريمة، أو عدل عقوباتها بما يجعلها أقل بأسًا، فينشئ للمتهم مركزًا قانونيًّا جديدًا، ويُقوض مركزًا سابقًا؛ ومن ثم يحل القانون الجديد - وقد صار أكثر رفقًا بالمتهم، وأعون على صون الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقًّا طبيعيًّا لا يُمس - محل القانون القديم، فلا يتزاحمان أو يتداخلان، بل يُنحي ألحقهما أسبقهما.

متى كان ذلك، وكانت النيابة العامة قد أسندت إلى المدعي والخصمين المتدخلين أنهم، خــــــلال الفتــــــرة من 27/11/1998 إلى 26/3/1999، ارتكبوا جريمتي القذف والسب العلني في حق آحاد الناس، وكان ذلك بطريق النشر، المشددة عقوبتهما بالمادة (307) من قانون العقوبات، المعدلة بالقانون رقم 93 لسنة 1995، وأحالتهم إلى محكمة جنح بولاق، التي قضت بإدانتهم عن هاتين الجريمتين المؤثمتين والمعاقب عليهما بالمواد (302 /3،1 و303 /1 و306 و307) من قانون العقوبات، في مجال انطباق المادة الأخيرة على المادتين (303 /1 و306) بعد تعديلهما بموجب نص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006، الذي ألغى عقوبة الحبس التي كانت مقررة للجريمتين المذكورتين؛ ومن ثم فإنه يُعد قانونًا أصلح، وتلتزم محكمة الموضوع بتطبيقه دون سواه. وعلى هدي مما تقدم تتحقق مصلحة المدعي والخصمين المتدخلين الشخصية المباشرة في الطعن على هذه النصوص، ويتحدد بها نطاق هذه الدعوى، دون غيرها مما جرت به تلك المواد من أحكام أخرى، والتي لا يكون للفصل في دستوريتها انعكاس على الدعوى الموضوعية.

وحيث إن المدعي والخصمين المتدخلين ينعون على النصوص التي تحدد بها نطاق هذه الدعوى، انتفاء الضرورة الاجتماعية لتأثيم الأفعال المنصوص عليها بموجب هذه المواد؛ لأسباب حاصلها أن قواعد المسئولية المدنية تكفي لمواجهة الأخطار الاجتماعية المترتبة على هذه الأفعال، وأن تجريم هذه الأفعال يرهق الحق في حرية الرأي، وهو جوهر النظام الديمقراطي الذي أسسه الدستور، وجعله دعامته الرئيسة، فلا يتصور قيامه في غيبته، كما يخالف العديد من المعاهدات الدولية التي صدقت عليها جمهورية مصر العربية؛ ومن ثم فإن ترتيب مسئولية جنائية على مباشرة حرية الرأي في هذه الأحوال يغدو أمرًا محظورًا دستوريًّا. وعلى فرض تجريم هذا الفعل فإن عدم الاعتداد بحسن نية الطاعن يرهق الحق في التعبير، وإن عدم امتداد الإباحة إلى الأمور المتعلقة بالشأن العام، وقصرها على الطعن في عمل الموظف العام، وذي الصفة النيابية والمكلف بخدمة عامة، دون غيرهم من آحاد الناس، هو تمييز غير مبرر، يقوض الحق في حرية الرأي. وإن العقوبة المرصودة لكلتا الجريمتين المنصوص عليهما في المواد السالف بيانها، يتعين أن تقتصر على صورها الأشد جسامة، التي تستطيل إلى الأعراض، أو تهدد السلم العام، أو حال العلم بزيف القول وعدم صحته.

وحيث إنه عن النعي بمخالفة النصوص المطعون فيها للمواد (19 و29 و30) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادتين (19 و20) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمواد (9 و27 و29) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان، فهو مردود بأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية إنما يكون لها -بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها، وفقًا للأوضاع المقررة بالمادة (151) من الدستور- قوة القانون؛ ومن ثم فإن الفصل فيما إذا كانت النصوص المطعون عليها قد وقعت بالمخالفة للمعاهدات والمواثيق المشار إليها، هو مما يخرج عن ولاية المحكمة الدستورية العليا، ومناطها مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور، ولا شأن لها بالتعارض بين نصين تشريعيين جمعهما قانون واحد، أو تفرقا بين قانونين مختلفين، ما لم يكن هذا التعارض منطويًا بذاته على مخالفة دستورية، ويكون لازم ذلك الالتفات عن هذا النعي.

وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، بحسبانه مستودع القيم التي يجب أن تقوم عليها الجماعة، وتعبيرًا عن إرادة الشعب منذ صدوره؛ ذلك أن نصوص هـــــذا الدستور تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقـــــوم عليها النظام العام في المجتمع، وتشكل أسمى القواعد الآمرة التي تعلـو على ما دونها من تشريعات؛ ومن ثم يتعين التزامها، ومراعاتها، وإهدار ما يخالفهـــــا من تشريعـــــات - أيًّا كان تاريخ العمل بها - لضمان اتساقها والمفاهيم التي أتى بها، فلا تتفرق هذه القواعد في مضامينها بين نظم مختلفة يناقض بعضها البعض، بما يحول دون جريانها وفق المقاييس الموضوعية ذاتها التي تطلبها الدستور، شرطًا لمشروعيتها الدستورية. متى كان ذلك، وكانت المطاعن التي وجهها المدعي إلى النصوص المطعون عليها تندرج تحت المطاعن الموضوعية التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور، من حيث محتواها الموضوعي؛ ومن ثم فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها على دستورية النصوص المطعون عليها، التي لا تزال قائمة ومعمولًا بها، في ضوء أحكام الدستور القائم الصادر سنة 2014.

وحيث إن الدستور، في مقام ترسيمه للحقوق الدستورية اللصيقة بشخص المواطن، على ما حددته المادة (92) من الدستور، وهى تلك الحقوق الدستورية التي لا يجوز المساس بها، ولا التنازل عنها، أعلى من شأن الكرامة الإنسانية، بحسبانها الأساس الذي لا تتنفس الحرية الشخصية إلا بضمان وجوده؛ فنص في المادة (51) منه على أن الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها، فشملت الحماية الدستورية المقررة لهذا الحق كل إنسان، دون اعتبار لجنسيته، أو نوعه، أو مركزه الوظيفي، ليكون كل اعتداء عليها - في غير أحوال الإباحة - إخلالًا بهذا الحق الدستوري. ومن جهة أخرى، ألقى على الدولة واجبًا في أن تصون بسائر تشريعاتها الكرامة الإنسانية، فتحول دون المساس بها، وأن تقوم على حمايتها والذود عنها؛ قاصدًا من ذلك أن يكفل لكل إنسان يحيا على أرض هذا الوطن الحق في صون كرامته، وحفظها من المساس بها. ومن تجليات هذا الحق الدستوري أن ألقى الدستور في المادة (59) منه على الدولة التزامًا أصيلًا بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، بل ويمتد لكل مقيم على أرضها، وهو التزام لا يقتصر على حفظ النفس من الاعتداء المادي عليها، بل إلى حفظ الكرامة الإنسانية كذلك، ومن أخص خصائصها تأثيم الاعتداء عليها بكل فعل يوجب عقاب المجني عليه أو احتقاره عند أهل وطنه، متى وقع خارج حدود الإباحة.

وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجـــــزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيـــــــان الأفعال التي يأمرهـــــــم بهـــــــا، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتهـا، وهو بذلك يتغيّا أن يحدد من منظور اجتماعي ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفــًا للدستور إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية؛ ومن ثم يتعين على المشرع، حين يقدر وجوب التدخل بالتجريم حماية لمصلحة المجتمع، أن يجري موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وبين ضمان حريات وحقوق الأفراد من جهة أخرى.

وحيث إن النطاق الحقيقي لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، المنصوص عليه في المادة (95) من الدستور، إنما يتحدد على ضوء عدة ضمانات، يأتي على رأسها وجوب صياغة النصوص العقابية بطريقة واضحة محـددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصـوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع، متصيّدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، وهي ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بيّنة من حقيقتها؛ فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولًا عليها. وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنًا ماديًّا لا قوام لها بغيره، يتمثل أساسًا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحًا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء، في زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيًّا كان هذا الفعل أم سلبيًّا؛ ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية؛ إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها عن بعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعًا واضحًا، ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها، ومن ثَمَّ تعكس هذه العناصر تعبيرًا خارجيًّا وماديًّا عن إرادة واعية، وتبعًا لذلك، لا يتصور -وفقًا لأحكـام الدستور- أن توجد جرية في غيبـة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها، بعيدًا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشريـة -وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته- تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكًا خارجيًّا مؤاخذًا عليه قانونًا، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيًّا في صور مادية لا تخطئها العين؛ فليس ثمة جريمة.

وحيث إن افتراض أصــــل البــــراءة الــــذي نص عليه الدستور في المادة (96) منه -على ما جـــــرى به قضـــــاء هـــذه المحكمة- يُعد أصلًا ثابتًا يتعلق بالتهمة الجنائية، وينسحب إلى الدعوى الجنائية في جميع مراحلها وعلى امتداد إجراءاتها، وقد غدا حتمًا عدم جواز نقض البراءة بغير الأدلة الجازمة التي تخلص إليها المحكمة، وتتكون من مجموعها عقيدتها، حتى تتمكن من دحض أصل البراءة المفروض في الإنسان، على ضوء الأدلة المطروحة أمامها، التي تثبت كل ركن من أركان الجريمة، وكل واقعة ضرورية لقيامها، بما في ذلك القصد الجنائي بنوعيه إذا كان متطلبًا فيها، وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه لا تجوز معاملة المتهمين بوصفهم نمطًا ثابتًا، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه: أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها، وتقرير استثناء من هذا الأصل - أيًّا كانت الأغراض التي يتوخاها - مؤداه: أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم، وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها، وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها، وبما يقيد الحرية الشخصية دون مقتضى؛ ذلك أن مشروعية العقوبة من زاوية دستورية مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها، تقديرًا لها، في الحدود المقررة قانونًا؛ فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها، جبرًا لآثار الجريمة من منظور موضوعي يتعلق بها وبمرتكبها، وأن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة بما يوائم بين الصيغة التي أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها في كل حالة بذاتها، مؤداه بالضـــــرورة أن تفقد النصوص العقابيـــــة اتصالها بواقعها، فلا تنبض بالحياة، ولا يكون إنفاذها إلا عملًا مجردًا يعزلها عن بيئتها، دالًّا على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال، جامدًا فجًّا منافيًا لقيم الحق والعدل.

وحيث إن الدستور الحالي قد اعتمد كذلك بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ المساواة، باعتباره -إلى جانب مبدأي العدل وتكافؤ الفرص- أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، وتأكيدًا لذلك حرص الدستور في المادة (53) منه على كفالة تحقيق المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، في الحقوق والحريات والواجات العامة، دون تمييز بينهم لأي سبب، إلا أن ذلك لا يعني - وفقًا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة - أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها؛ ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوي بالتالي على مخالفة لنص المادتين (4 و53) المشار إليهما، بما مؤداه أن التمييز المنهي عنه بموجبها هو ذلك الذي يكون تحكميًّا، وأساس ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيم، فإذا كان النص المطعون فيه - بما انطوى عليه من تمييز - مصادمًا لهذه الأغراض بحيث يستحيل منطقًا ربطه بها أو اعتباره مدخلًا إليها فإن التمييز يكون تحكميًّا وغير مستند إلى أسس موضوعية، ومن ثم مجافيًا لمبدأ المساواة.

وحيث إن المشرع -في مقام تجريم أفعال القذف والسب- بموجب نص الفقرتين الأولى والثالثة من المادة (302)، والمادة (306) من قانون العقوبات، قد استهدف حماية الحق في الكرامة الإنسانية؛ تقديرًا منه أن الكرامة الإنسانية هي عماد الحقوق والحريات الشخصية، وقوامها صون حرمة الحياة الخاصة، بحسبانها مستودع السر لدى الإنسان، الذي لا يسوغ انتهاكه أو الولوج إلى غياهبه إلا برضاء صاحبه. متى كان ما تقدم، وكان تجريم المشرع لأفعال القذف على ما فيها من تعريض الحياة الخاصة للمجني عليه للعقاب أو الاحتقار عند أهل وطنه، أو السب؛ لما يتضمنه من خدش للشرف والاعتبار، فإنه يتسق مع ما أوجبه الدستور في المادتين (51 و99) منه؛ من حفظ الكرامة الإنسانية، وحرمة الحياة الخاصة، ويكون ما نعاه المدعي والخصمان المتدخلان بانتفاء الضرورة الاجتماعية للتأثيم لغوًا.

وحيث إنه عن الطعن على دستورية المادة (302/1، 3) من قانــــون العقوبات، في النطاق المحدد سلفًا، فلما كان المشرع قد حدد أركان جريمة القذف على نحو واضح جلي، لا لبس فيه ولا غموض، فأوجب لانعقاد الركن المادي لهذه الجريمة في الفقرة الأولى من المادة المشار إليها، أن يسند الفاعل إلى المجني عليه -شخص من آحاد الناس- واقعة لو كانت صحيحة لأوجبت عقاب من أُسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانونًا، أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه؛ تقديرًا منه أن إسناد واقعة بهذا الوصف، على ما تحمله من ضرر بالمجني عليه، يكون جديرًا بالتأثيم. كما تطلب المشرع ركنًا جوهريًّا آخر، هو أن يكون الإسناد علنيًّا بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة (171) من القانون ذاته، وهي على الإجمال: الصياح العلني، أو الفعل العلني، أو الإيماء العلني، أو الكتابة أو الرسوم أو الصور أو الرموز، أو التمثيل. وإذ كان ذلك، وكان معيار التجريم الذي انتهجه المشرع يتوافق مع ما أوجبه الدستور من حماية لحرمة الحياة الخاصة، ولو كان ما أسنده الفاعل للمجني عليه صحيحًا، ما دام كان من شأن الإسناد -إن صح- تعريض المجني عليه للعقاب أو الاحتقار عند أهل وطنه؛ تقديرًا منه لحرمة الحياة الخاصة، وحظرًا للافتئات عليها، بأي صورة كانت، قاصدًا من ذلك أن يأمن الإنسان على نفسه وسمعته وشرفه، على ما تقضي به المواد (57 و59 و99) من الدستور. وكان المشرع في النص المطعون عليه قد تطلب توافر قصد جنائي عمدي، قوامه علم الفاعل بأن الواقعة التي يسندها إلى المجني عليه من شأنها إحداث هذا الأثر أو ذاك، ليكون القذف مدخلًا إلى التشهير به دون حق، وإيذاء مشاعره إعناتًا، أو التهوين من قدره عدوانًا، بما لازمه أن يكون تأثيم فعـل الجاني قد استوى على مدارج الشرعية الدستورية، ويكون النعي عليه بمخالفة الدستور غير سديد.

وحيث إن نص الفقرة الثالثة من المادة (302) من قانون العقوبات المار ذكره، قد أكد إعلاء مبدأ الكرامة الإنسانية، وصونها مما يمكن أن يلحق بها من أذى، مؤثرًا ذلك على ما قد يحققه إثبات القذف في حق آحاد الناس من عقاب المجني عليه عن وقائع، ولو صح اقترافه لها، وذلك إعمالًا لقاعدة شرعية حاصلها أن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة، وإيقانًا منه بأن المساس بالكرامة الإنسانية يلحق بالمجني عليه ضررًا يتعذر جبره أو تداركه.

وحيث إن النعي على النص السالف ذكره أنه مايز -دون مبرر موضوعي- بين القذف في حق موظف عام أو صاحب صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وبين غيرهم من آحاد الناس؛ إذ قصر سبب الإباحة على الفئة الأولى دون الثانية؛ مما يقوض من حرية الفكر والرأي، فإن ذلك مردود بأن الأصل في الحقوق الدستورية أن تتعايش مع بعضها بعضًا، ولا تتهادم، فلا يطغى حق على حق آخر فيدمغه، ليضحى عديم الجدوى منقطع الأثر، فإذا كان الدستور - وبحق - قد كفل حرية التعبير عن الرأي وحرية الفكر، فإن المجال الحيوي لمباشرة هذا الحق الدستوري لا يكون بالافتئات على الكرامة الإنسانية، أو إهدار حرمة الحياة الخاصة؛ بإسناد وقائع لو كانت صادقة لأوجبت عقاب المجني عليه أو احتقاره عند أهل وطنه. إذ كان ذلك، وكان المشرع قد أجاز الطعن في أعمال موظف عام أو صاحب صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة، تحقيقًا لاعتبارات قدَّرها -وأيًّا كان الرأي فيها- ولا كذلك الحال بالنسبة لآحاد الناس، الذين يستهدف القذف في حقهم الحط من كرامتهم والنيل منها دون أن يكون تحقيق الصالح العام من بين الأغراض التي يسعى إليها القاذف؛ ومن ثم فإن هذه المغايرة تستند إلى أسباب موضوعية تكشف عن اختلاف المركز القانوني للموظف العام والفئات المنصوص عليها بالمادة (302/2) من قانون العقوبات، عن المركز القانوني لآحاد الناس، الذي يسوغ للمشرع أن يُغلب حقهم في الخصوصية على حق الرأي العام في العلم بشئونهم الخاصة؛ الأمر الذي يكون معه النعي بإخلال نص المادة (302/1، 3) من قانون العقوبات بالحق في التعبير وحرية الرأي لا سند لسريانه على الحياة الخاصة، التي لا يعبأ بها -بحسب الأصل- إلا أصحابها، فكان تجريم القذف في حق آحاد الناس والطعن في أفعالهم الخاصة والاجتراء على مكاشفة أسرارهم، والعقاب عليه، له معين ثابت من صون الخصوصية، والحق في الكرامة الإنسانية، وهما حقان دستوريان لا يجوز انتهاكهما والنيل منهما تحت ستار الحق في التعبير، وإلا كان ذلك إخلالًا بالوحدة العضوية لنصوص الدستور، على ما جرى به نص المادة (227) منه؛ ليغدو الطعن في دستورية تجريم القذف في حق آحاد الناس، بإحدى وسائل العلانية، وألا يُقبل من القاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به في حقه، لا سند له، خليقًا برفضه.

وحيث إن العقوبة المرصودة بنص الفقرة الأولى من المادة (303) من قانون العقوبات، المستبدل بها نص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006، قد استوفت مقتضيات القيد الدستوري المنصوص عليه في المادة (71) من الدستور، بحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشـــر أو العلانية -في غير أحوال الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد- ومن ثم تكون قد سلمت من مخالفة هذا القيد الدستوري. إذ كان ذلك، وكان المشرع قد قرر عقوبة الغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف جنيه، ولا تزيد على خمسة عشر ألف جنيه، وهي عقوبة تتراوح بين حدين أدنى وأقصى، تاركًا للمحكمة أن تتخير القدر المناسب منها بحسب جسامة الفعل المنسوب إلى المتهم، وكان هذا التشديد قد وافق تطور الأوضاع الاقتصادية في المجتمع، لتصبح عقوبة الغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه، ولا تزيد عـــــــلى ثلاثين ألف جنيـــــــه، إذا ارتكبت الجريمـــــــة بطريق النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات، على ما تقضي به المادة (307) من القانون ذاته، لما لهذه الوسيلة من سعة نشر، ليبلغ الضرر مداه باطلاع عدد غير محدود على وقائع تحقر من سمعة المجني عليه أو توجب عقابه. وكان المشرع قد أتاح للمحكمة الجنائية -إذا ما خلصت للإدانـــــة- أن تقدر لكل حال ما يناسبها من العقوبة، مراعية في ذلك جسامة الفعل، ولم يحُل، بهذين النصين، بين المحكمة وبين سلطتها في القضاء بالبراءة إن تشككت في الواقعة، أو ثبت لديها قيام سبب للإباحة أو مانع للمسئولية، ولم يمنعها من استعمال مكنة وقف تنفيذ العقوبة إن رأت لذلك مبررًا، وكان هذا التقدير في عمومه محمولًا من زاوية دستورية، ليتناسب مع الجرم المرتكب؛ ومن ثم فإن نص الفقرة الأولى من المادة (303) -معدلاً بنص المادة الثانية من القانون رقم 147 لسنة 2006- والمادة (307) من قانون العقوبات، يكونان قد وافقا الضوابط الدستورية للعقوبة، وسلما من مظنة مخالفتها؛ ويضحى الطعن عليها فاقدًا سنده جديرًا برفضه.

وحيث إنه عن الطعن في دستورية تجريم أفعال السب المؤثمة بنص المادة (306) من قانون العقوبات، فلما كان المشرع قد حدد أركان الجريمة على نحو جازم لا لبس فيه، ولا غموض، فأوجب أن يكون الفعل الموجب للعقاب من شأنه خدش الشرف والاعتبار، ليحط من كرامة المجني عليه، ويوهن من اعتباره، وألا يكون قد تضمن إسناد واقعة بعينها إليه. وقد أوجب المشرع أن يرتكب الفعل بالوسائل العلنية ذاتها التي ترتكب بها جريمة القذف، كما استوجب المشرع أن يتوافر في حق المجني عليه الركن المعنوي، متخذًا صورة القصد الجنائي، بأن يتعمد الجاني أفعال السب، وهو عالم بأثرها في خدش شرف واعتبار المجني عليه، وأن يتعمد ارتكابها بوسائل العلانية التي حددها المشرع في المادة (171) من قانون العقوبات؛ ومن ثم يكون تجريم أفعال السب العلني قد استقام على مدارج الشرعية الدستورية؛ ويضحى النعي على التجريم لا سند له متعينًا رفضه.

وحيث إنه عن الطعن في دستورية عقوبة الغرامة المقررة لجريمة السب مع تشديدها بنص المادة (307) من قانون العقوبات المار بيانه، فإنه مردود بأنها تستقيم مع الضوابط الدستورية المقررة في قضاء هذه المحكمة بالنظر إلى وقوعها بين حدين أدنى وأقصى، وجواز إيقاف تنفيذها عملًا بالحق المقرر لمحكمة الموضوع بالمادة (55) من قانون العقوبات، ولازم ذلك أن العقوبة المقررة بالنص المطعون فيه أتاحت لمحكمة الموضوع -عند قضائها بالإدانة- إعمال مقتضيات التفريد التشريعي للعقوبة، ليكون ما نعاه المدعي -في هذا الشق من الدعوى- متهافتًا متعينًا الالتفات عنه.

وحيث إنه لما تقدم، وكانت نصوص المواد (302/ 1، 3 و303/1 و306 و307) من قانون العقوبات المار ذكرها - في النطاق المحدد سلفًا - لا تخالف أي حكم آخر من أحكام الدستور؛ ومن ثم فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى.

وحيث إنه عن طلب المدعي وطالبي التدخل إعمال هذه المحكمة للرخصة المخولة لها بنص المادة (27) من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، والتصدي للفصل في دستورية نص المادة (32) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصادر بالقانون رقم 180 لسنة 2018، فإن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن مناط إعمالها لرخصة التصدي يفترض وجود خصومة أصلية طرح أمرها عليها وفقًا للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، وأن ثمة علاقة منطقية تقوم بين هذه الخصومة وما قد يثار عرضًا من تعلق الفصل في دستورية بعض النصوص القانونية بها، ومن ثم تكون الخصومة الأصلية هي المقصودة بالتداعي أصلًا، والفصل في دستورية النصوص القانونية التي تتصل بها عرضًا، مبلورًا للخصومة التي تدور مع الخصومة الأصلية وجودًا وعدمًا، فلا تقبل إلا معها. وهذه المحكمة لا تعرض لدستورية النصوص القانونية التي تقوم عليها الخصومة الفرعية إلا بقدر اتصالها بالخصومة الأصلية، وبمناسبتها، وشرط ذلك أن يكون تقرير بطلان هذه النصوص أو صحتها مؤثرًا في المحصلة النهائية للخصومة الأصلية. متى كان ذلك، وكان نص المادة (32) من القانون المار ذكره، يحدد أسباب إباحة طعن الصحفي أو الإعلامي في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة، أو مكلف بخدمة عامة، بطريق النشر أو البث، وكان المدعى عليه الرابع -المجني عليه في الدعوى الموضوعية- لا تتوافر فيه أي من الصفات التي يجوز للصحفي أو الإعلامي الطعن في أعمال القائمين عليها؛ فإن التصدي للفصل في دستورية النص المشار إليه لا يكون له من محل.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعي والخصمين المتدخلين المصروفات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق