باسم الشعب
مجلس الدولة
المحكمة الإدارية العليا
الدائرة الأولى ( موضوع )
بالجلسة المنعقدة علنًا
برِئَاسَةِ السَّيِّدِ الأُسْـتَاذِ المُسْتَشَارِ/ محمد محمود حسام الدين رَئِسِ مجْلسِ الدَّوْـةِ ورئيس المحــكمة
وَعُضْوِيَّةِ السَّيِّدِ الأُسْتَاذِ المُسْتَشَارِ / أشرف خميس محمـد محمد بركات نَــــائِبُ رَئِيسِ مجْلِسِ الدَّوْلَةِ
وَعُضْوِيَّةِ السَّيِّدِ الأُسْتَاذِ المُسْتَشَارِ / محمد محمد السعيد محمد نَائِبُ رَئِيسِ مجْلِسِ الدَّوْلَةِ
وَعُضْوِيَّةِ السَّيِّدِ الأُسْتَاذِ المُسْتَشَارِ / سامح جمال وهبة نصر نَائِبُ رَئِيسِ مجْلِسِ الدَّوْلَةِ
وَعُضْوِيَّةِ السَّيِّدِ الأُسْتَاذِ المُسْتَشَارِ الدكتور / أحمد السيد محمـد محمود عطيـة نَائِبُ رَئِيسِ مجْلِسِ الدَّوْلَةِ
وحُضُـورِ السَّيِّدِ الأُسْتَاذِ المُسْتَشَارِ / رجب عبـد الهادي تغيان نَائِبُ رَئِيسِ مجْلِسِ الدَّوْلَةِ مُـفـَوَّضُ الـدَّوْلـَةِ
وَسِـكـِرْتـَارِيّـَة السّـــَيِّدِ / وائل محمود مصطفى أَمِينُ السـِّرِّ
أصدرت الحكم الآتي
في الطعن رقم 32192 لسنة 59 ق . عليا
في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري ـ الدائرة الاولى -
بجلسة 28/5/2013 في الدعوى رقم 16432 لسنة 64 ق
المقــام من
1 ـ رئيس الجمهورية 2 ـ وزير الدفاع
3 ـ وزير الخارجية 4 ـ رئيس الوزراء
ضِــــــــــد
…………………….
بتاریخ 27/7/2013 أودعت هيئة قضايا الدولة نيابة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة تقرير الطعن الماثل في الحكم المشار إليه، والقاضي منطوقه: بقبول الدعوى شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، على النحو المبين تفصيلًا بالأسباب، وألزمت الجهة الإدارية بأن تؤدى للمدعي تعويضًا مقداره خمسة آلاف جنيه، وألزمتها المصروفات.
وطلب الطاعنون ـ للأسباب الواردة بتقرير الطعن ـ الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، وفي الموضوع بإلغائه، والقضاء مجددًا أصليًا: بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى، واحتياطيًا: أولًا: بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري، ثانيًا: برفض طلب التعويض، مع إلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتى التقاضي .
وأعلن الطعن على الوجه المبين بالأوراق.
وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا برأيها القانوني في الطعن.
ونظر الطعن أمام الدائرة الأولى عليا فحص طعون ، والتي قررت إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى موضوع ، فنظر الطعن أمام هذه المحكمة على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 22/6/2019 قررت المحكمة - بهيئة مغايرة - إحالة الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا لترجيح أحد الاتجاهين المتنازعين بشأن المسألة المعروضة، والتي قررت بجلسة 7/3/2020 إعادة الطعن إلى هذه الدائرة، ثم قررت المحكمة إصدار حكمها في الطعن بجلسة اليوم، وفيها صدر وأودعت مسودته مشتملة على أسبابه لدى النطق به.
--------------
" المحكمة "
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية المقررة قانونًا.
وحيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل - حسبما يبين من الأوراق - في أنه بتاريخ ۲۰۱۰/۲/۳ أقام الطاعن الدعوى رقم 16432 لسنة 64 ق بصحيفة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري طالبًا الحكم بقبول الدعوى شكلًا، وبصفة عاجلة بوقف تنفيذ قرار جهة الإدارة السلبى بالامتناع عن اتخاذ الإجراءات القانونية ـ وفقًا للقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية ـ للمطالبة بالتعويضات اللازمة، وفي الموضوع بإلغاء هذا القرار، وما يترتب عليه من آثار، بإلزام الجهة الإدارية أن تدفع له تعويضًا ماديًا وأدبيًا لا يقل عن مليون جنيه.
وذكر شرحًا لدعواه أنه كان ضابطًا بالقوات المسلحة برتبة ملازم أول شرف، وقد أنهيت خدمته اعتبارًا من 1/12/1986، وتم أسره أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وذلك بتاریخ 31/10/1956، وتعرض لكثير من ألوان التعذيب والتنكيل بالمخالفة لكافة القيم والأعراف والقوانين والاتفاقيات الدولية. وأضاف أنه بدأت تنكشف عبر وسائل الإعلام والفضائيات الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الأسرى المصريين الذين قاموا بأسرهم عامی 1956 و 1967، ودفنهم في مدافن جماعية بعد الإبادة الجماعية لهم، وهو ما أظهره الفيلم الإسرائيلي - روح شاكير - حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بدهس 250 من الجنود المصريين بالدبابات ودفنهم أحياء. وقد أثير هذا الموضوع في مجلس الشعب عام ۲۰۰۷، وتم توجيه اتهامات إلى وزارة الخارجية بالتفريط في حقوق المصريين، ورغم ذلك لم يتحرك المدعى عليهم، ولما كان الدستور والقانون الذي ينظم العمل بوزارة الخارجية يوجب عليها اتخاذ الإجراءات القانونية للوصول إلى حقيقة ما حدث للأسری من الجنود المصريين ومنهم المدعي، وأن القعود عن هذا الواجب يعتبر تقاعسًا عن أداء أهم واجباتها نحو مواطنيها، وأن هذا التقاعس من جانب الوزارت المعنية أصابه بأضرار مادية وأدبية يقدرها بمبلغ مليون جنيه يلزم بها المدعى عليهم متضامنين، الأمر الذي حداه إلى إقامة دعواه بغية الحكم بطلباته آنفة البيان.
وبجلسة 28/5/2013 أصدرت محكمة أول درجة حكمها المطعون فيه، وشيدت قضاءها على أن امتناع جهة الإدارة عن إعمال مقتضى أحكام اتفاقيات جنيف والاتفاقيات الدولية بما تملكه من سلطات باعتبارها القوامة على حماية المواطنين سواء في الداخل أو حال حدوث اعتداء من دولة أجنبية على حقوقهم خاصة تلك المتعلقة بحقوقهم الشخصية والجسدية، يكون مخالفًا المشروعية، فضلًا عن مساسه المباشر بالشعور العام للمصريين الذي يقدر لهؤلاء الأسری دورهم البارز في الدفاع عن الوطن الذي يمثل التزامًا مقدسًا يستدعي من الجهات الإدارية والمؤسسات ذات الصلة التعاون لقضاء حقوق الأسرى وذويهم دوليًا وداخليًا، ويضحى امتناع جهة الإدارة قرارًا سلبيًا مخالفًا القانون جديرًا بالإلغاء، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالقصاص للأسرى المدنيين المصريين، وذلك من جرائم القتل والتعذيب أثناء عدوان (1956، 1967) وحرب الاستنزاف، للمطالبة بمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم جنائيًا، وتعويضهم وأسرهم ماديًا وأدبيًا من إسرائيل. وأنه لما كان هذا الخطأ قد سبب ضررًا أدبيًا للمدعي، الأمر الذي تقضی معه المحكمة بإلزام جهة الإدارة أن تؤدي إليه تعويض مقداره خمسة آلاف جنيه جبرًا لهذه الأضرار.
وحيث إن مبنى الطعن الماثل ، مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله، إذ تصدى للحكم في موضوع الدعوى، على الرغم من تعلق الطلبات بعمل من أعمال السيادة التي تنأی عن اختصاص محكمة القضاء الإدارى والقضاء عمومًا بنظرها، وفقًا لنص المادتين (17) من قانون السلطة القضائية، و(11) من قانون مجلس الدولة، وذلك نظرًا لتعلق هذه الأعمال بسياسة الدولة العليا، وصدورها منها بوصفها سلطة حكم لا سلطة إدارة، بما ينتفي معه وجود القرار الإداري الذي تجوز مخاصمته بدعوى الإلغاء أمام محاكم مجلس الدولة، فضلا عن أن الحكم المطعون فيه لم يبن عناصر الضرر الموجبة للقضاء بالتعويض حال كون المطعون ضده لم يقدم دليلًا على ثبوت الأضرار المدعي بحصولها.
ومن حيث إنه عن الدفع المبدى من الحاضر عن الدولة بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى لتعلقها بأعمال السيادة، فإن المادة (17) من القانون رقم 46 لسنة ۱۹۷۲ بشأن السلطة القضائية تنص على أنه : ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال السيادة ....
وتنص المادة (11) من القانون رقم 47 لسنة ۱۹۷۲ بشأن مجلس الدولة على أنه : لا تختص محاكم مجلس الدولة بالنظر في الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة.
وحيث إن مفاد ما تقدم أن المشرع قد أخرج أعمال السيادة من ولاية المحاكم سواء محاكم مجلس الدولة أو محاكم جهة القضاء العادي، وهو ما يدل على أنه لا يجوز للمحاكم أن تنظر في أية دعوى تتعلق بأعمال السيادة لتعلق هذه الأعمال بسلطة الحكم وسياسة الدولة العليا والتي تصدر من الدولة بوصفها سلطة حكم وليس بوصفها سلطة إدارة، والمشرع في القانونين المذكورين لم يورد تعريفًا معينًا أو يورد تحديدًا لأعمال السيادة والتي نص على عدم اختصاص المحاكم بنظرها، ومن ثم فإن الأمر يكون منوطًا بالقضاء أن يقول كلمته في وصف العمل المطروح في الدعوى، وبيان ما إذا كان يعد من أعمال السيادة أم يخرج عنها لكي يتسنى له الوقوف على مدى ولايته بنظر ما قد يثار بشأنه من مطاعن.
وحيث إنه ولن كانت أحكام القضاء لم تستقر على وضع تعريف جامع مانع لهذه الأعمال، إلا أن ثمة عناصر تميزها عن الأعمال الإدارية العادية، أهمها تلك الصبغة السياسية الواضحة فيها لما يحيطها من اعتبارات سياسية، فأعمال السيادة تصدر من السلطة بوصفها سلطة حكم، فينعقد لها في نطاق وظيفتها السياسية سلطة عليا لتحقيق مصلحة الجماعة وتأمین سلامتها وأمنها في الداخل والخارج، فالأعمال التي تصدر في هذا النطاق تكون غير قابلة بطبيعتها لأن تكون محلًا للتقاضي لما يكتنفها من اعتبار سياسي يبرر تخويل السلطة التنفيذية الحق في اتخاذ الإجراءات التي ترى فيها صالح الوطن وأمنه وسلامته دون أن يبسط القضاء رقابته عليها، وتقوم نظرية إعمال السيادة على أساس أن السلطة السياسية تتولى وظيفتين، إحداهما بوصفها سلطة حكم، والأخرى بوصفها سلطة إدارة، وتعتبر الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية بوصفها سلطة حكم من قبيل أعمال السيادة، والأعمال التي تقوم بها بوصفها سلطة إدارة أعمالاً إدارية تخضع لرقابة المشروعية التي يبأشرها القضاء، وأعمال السيادة يجمعها إطار عام هي أنها تصدر عن الدولة بما لها من سلطة عليا وسيادة داخلية وخارجية مستهدفة المصالح العليا للجماعة والسهر على احترام الدستور والإشراف على علاقاتها مع الدول الأخرى وتأمين سلامتها وأمنها في الداخل والخارج، والحكمة من استبعاد أعمال السيادة من ولاية القضاء إنما يأتى تحقيقًا للاعتبارات السياسية التي تقتضی بحسب طبيعة هذه الأعمال واتصالها بنظام الدولة السياسي اتصالًا وثيقًا أو سيادتها في الداخل والخارج النأي بها عن نطاق الرقابة القضائية وذلك لدواعي الحفاظ على كيان الدولة في الداخل والذود عن سيادتها في الخارج ورعاية مصالحها العليا، فهذه الأعمال لا تقبل أن تكون محلًا للتقاضي لما يحيط بها من اعتبارات سياسية تبرر تخويل السلطة التنفيذية سلطة تقديرية تحقيقًا لصالح الوطن دون تخويل القضاء سلطة التعقيب عليها، لما يقتضيه ذلك من توافر معلومات وموازين تقديرية مختلفة لا تتاح للقضاء، فأعمال السيادة تعتبر بحسب طبيعتها وبالنظر إلى خصائصها مستعصية على موازين التقدير القضائي التي يقتضيها النظر في صحتها أو بطلانها، وعدم خضوع أعمال السيادة التی تصدرها السلطة التنفيذية لرقابة القضاء لا ترجع إلى أن هذه الأعمال فوق الدستور أو القانون، إنما ضوابط ومعايير الفصل في مشروعيتها لا تتهيأ للسلطة القضائية، هذا بالإضافة إلى ملاءمة طرح هذه المسائل علنًا في ساحات القضاء.
وحيث إن طلبات المطعون ضده تتعلق بإلغاء قرار جهة الإدارة السلبي بالامتناع عن اتخاذ الإجراءات القانونية وفقًا للقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية للكشف عن حقيقة ما حدث للأسرى والجنود المصريين خلال حربي 1956 و 1967 والمطالبة بالتعويضات اللازمة لهم قبل دولة إسرائيل، وتحريك المسئولية الجنائية الدولية قبل مرتكبي جرائم الحرب من الإسرائيليين، والتي وقعت على الجنود المصريين إبان تلك الحروب، وهو ما يقتضى طلب الحكومة المصرية معلومات من الحكومة الإسرائيلية عما حدث للجنود والأسرى المصريين، وهو الأمر الذي يثير مسألة مدی إلزام الحكومة الإسرائيلية موافاة الحكومة المصرية بهذه المعلومات، وكذلك مدى انطباق المعاهدات الدولية المنظمة لمعاملة أسرى ومصابي الحروب، ومثل هذه الأمور تحكمها العلاقات السياسية للدولة مع الحكومة الإسرائيلية في ظل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المبرمة معها بهذا الشأن، وكل ذلك من المسائل التي تتعلق بالسياسية الخارجية للدولة، ومن ثم فإن المنازعة الماثلة تتعلق بإدارة شئون الدولة العليا باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة، بما تندرج معه في نطاق أعمال السيادة التي تخرج عن ولاية القضاء عمومًا، لأن النظر فيها أو التعقيب عليها يقتضي توافر معلومات وعناصر وموازين تقدير مختلفة لا تتاح للقضاء في إطار دوره المرسوم دستوريًا، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم اختصاص محاكم مجلس الدولة ـ والقضاء عمومًا ـ بنظر الدعوى إلغاء وتعويضًا لتعلق الطلبات فيها بعمل من أعمال السيادة.
وإذ لم يلتزم الحكم المطعون فيه هذا النظر، فإنه يكون قد جانب صحيح حكم القانون، بما يتعين معه القضاء بإلغائه.
وحيث إن من يخسر الطعن، يلزم مصروفاته، عملًا بنص المادة 184 من قانون المرافعات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص محاكم مجلس الدولة ولائيًا بنظر الدعوى، وألزمت المطعون ضده المصروفات.
صدر هذا الحكم وتلي علنا بجلسة يوم السبت 27 من ذى القعدة سنة 1441 هـجرية، الموافق 18/7/2020 ميلادية بالهيئة المبينة بصدره
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق