الصفحات

البحث الذكي داخل المدونة

تحميل وطباعة هذه الصفحة

Print Friendly and PDF

السبت، 19 فبراير 2022

دستورية حظر البناء في الأراضي الواقعة خارج الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن

الدعوى رقم 75 لسنة 35 ق "دستورية" جلسة 16 / 1 / 2022

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد السادس عشر من يناير سنة 2022م، الموافق الثالث عشر من جمادى الآخر سنة 1443 ه.

برئاسة السيد المستشار / سعيد مرعى عمرو رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: بولس فهمى إسكندر والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي وعلاء الدين أحمد السيد والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار / عوض عبدالحميد عبدالله رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / محمد ناجى عبد السميع أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 75 لسنة 35 قضائية "دستورية".

المقامة من

محمد صوفي عبدالمقصود

ضد

1- وزير العدل

2– رئيس مجلس الوزراء

3- رئيس مجلس الشورى (الشيوخ حاليًا)

-----------------------

الإجراءات

بتاريخ الرابع عشر من مايو سنة 2013، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى، قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص المادة (102) من قانون البناء الصادر بالقانون رقم 119 لسنة 2008.

 

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر جلسة 4/12/2021، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم في الدعوى بجلسة 1/1/2022، ثم قررت مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.

------------------
المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – في أن النيابة العامة، كانت قد أسندت إلى المدعى، في الجنحة رقم 2456 لسنة 2013 مركز سنورس، أنه بتاريخ 9/1/2012، أقام مباني على أرض زراعية قبل الحصول على ترخيص من الجهة المختصة. وطلبت عقابه بالمادتين (152/1، 156/1-2) من القانون رقم 53 لسنة 1966 المعدل بالقانونين رقمي 116 لسنة 1983 و2 لسنة 1985. تدوولت الدعوى أمام محكمة جنح مركز سنورس الجزئية، التي عدلت مواد ووصف الاتهام ليصبح جنحة بالمادة الثانية من مواد إصدار القانون رقم 119 لسنة 2008 والمواد (38، 39، 40/2، 41/1، 98، 102/1) من قانون البناء، وقيدت الدعوى ضد المدعى، لأنه في يوم 9/1/2012 بدائرة مركز سنورس " قام بعمل من أعمال البناء بدون الحصول على ترخيص بذلك من الجهة المختصة خارج الأحوزة العمرانية وذلك على النحو المبين بالأوراق". دفع المدعى بعدم دستورية نص المادة (102) من القانون رقم 119 لسنة 2008، وصرحت محكمة الموضوع للمدعى بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة. وبجلسة 30/6/2013، حكمت تلك المحكمة حضوريًّا اعتباريًّا بتغريم المدعى مثلي قيمة الأعمال، وضمنت حكمها " أن الطعن المُبدى من المدعى بعدم الدستورية غير جدي في تقدير المحكمة، وليس له تأثير على النتيجة التي ينتهى إليها الحكم، فتقضي برفضه".

 

 وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الدعوى الدستورية وإن كانت تستقل بموضوعها عن الدعوى الموضوعية، باعتبار أن أولاهما تتوخى الفصل في التعارض المدعى به بين نص تشريعي، وقاعدة في الدستور، في حين تطرح ثانيتهما – في صورها الأغلب وقوعًا – الحقوق المدعى بها في نزاع موضوعي يدور حول إثباتها أو نفيها، فإن هاتين الدعويين لا تنفكان عن بعضهما من زاويتين: أولاهما: أن المصلحة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – مناط ارتباطها بالمصلحة في الدعوى الموضوعية، بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية مؤثرًا في الطلب الموضوعي المرتبط بها، وثانيتهما: أن الفصل في الدعوى الموضوعية متوقف دومًا على الفصل في الدعوى الدستورية. ولا يعدو استباق الفصل في الدعوى الموضوعية، أن يكون هدمًا للصلة الحتمية والعضوية بينها وبين الدعوى الدستورية، ذلك أن قانون المحكمة الدستورية العليا خوّل المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي السلطة الكاملة التي تقدر بها " ابتداء" الدلائل على جدية المطاعن الدستورية الموجهة إلى النصوص التشريعية، فإذا جاز لها " انتهاء" أن تفصل في النزاع الموضوعي المعروض عليها قبل الفصل في الدعوى الدستورية التي ارتبط بها هذا النزاع، كان قضاؤها فيه، دالاً على تطبيقها – في النزاع المعروض عليها – للنصوص التشريعية التي ثارت لديها شبهة مخالفتها للدستور، والتي لا تزال المطاعن الموجهة إليها منظورة أمام المحكمة الدستورية العليا لتقرير صحتها أو بطلانها، وليس ذلك إلا عدوانًا على ولايتها متضمنًا تسليطًا لقضاء أدنى على أحكام المحكمة الدستورية العليا التي تتصدر التنظيم القضائي في جمهورية مصر العربية". ومن ثم، فإن حكم محكمة الموضوع المشار إليه، وقد صدر دون أن يتربص قضاء المحكمة الدستورية العليا، يغدو لا أثر له في استمرار ولاية المحكمة الدستورية العليا، في نظر الدعوى الدستورية المعروضة، ويظل اتصالها بها، مطابقًا للأوضاع القانونية المقررة في قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.



وحيث إن المادة الثانية من القانون رقم 119 لسنة 2008 بإصدار قانون البناء تنص على أن " تُحظر إقامة أي مبانٍ أو منشآت خارج حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن أو المناطق التي ليس لها مخطط استراتيجي عام معتمد، أو اتخاذ أي إجراءات في شأن تقسيم هذه الأراضي، ويستثنى من هذا الحظر: أ- الأراضي التي تُقام عليها مشروعات تخدم الإنتاج الزراعي أو الحيواني في إطار الخطة التي يصدر بها قرار من مجلس الوزراء، بناءً على عرض الوزير المختص بالزراعة.

ب- الأراضي الزراعية الواقعة خارج أحوزة القرى والمدن التي يقام عليها مسكن خاص أو مبنى خدمي، وذلك طبقًا للضوابط التي يصدر بها قرار من الوزير المختص بالزراعة.

ويشترط في الحالات الاستثنائية المشار إليها في البندين (أ) و (ب) صدور ترخيص طبقًا لأحكام هذا القانون".



وتنص المادة (102) من قانون البناء المشار إليه على أن " يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات أو الغرامة التي لا تقل عن مثلى قيمة الأعمال المخالفة ولا تجاوز ثلاثة أمثال هذه القيمة، كل من قام بإنشاء مبان أو إقامة أعمال أو توسيعها أو تعليتها أو تعديلها أو تدعيمها أو ترميمها أو هدمها بدون ترخيص من الجهة الإدارية المختصة .

كما يُعاقب بذات العقوبة كل من يخالف أحكام المادة الثانية من قانون الإصدار .

ويُعاقب بعقوبة الحبس المشار إليها في الفقرة الأولى، وبغرامة لا تقل عن مثلى قيمة الأعمال المخالفة بما لا يجاوز خمسمائة ألف جنيه، كل من قام باستئناف أعمال سبق وقفها بالطريق الإداري على الرغم من إعلانه بذلك.

وفى جميع الأحوال تخطر نقابة المهندسين أو اتحاد المقاولين – حسب الأحوال – بالأحكام التي تصدر ضد المهندسين أو المقاولين وفقًا لأحكام هذا القانون لاتخاذ ما يلزم بشأنهم".



وحيث إن المدعى ينعى على نص المادة (102) من قانون البناء الصادر بالقانون رقم 119 لسنة 2008، إقراره من مجلس تشريعي قُضى ببطلان انتخاب معظم دوائره، وصدوره مناقضًا التزام الدولة بتنمية الريف، ومخالفًا للحق في السكن، مفتئتًا على الحق في الملكية، مشوبًا بالغموض في أحكامه، قاصرًا في غايته على جباية أموال المواطنين، من خلال ما يفرضه عليهم من جزاء، يؤدي إلى إفقارهم.



وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – مناطها ارتباطها عقلاً بالمصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسائل الدستورية التي تُطرح على هذه المحكمة لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، فلا تفصل المحكمة الدستورية العليا في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي.



متى كان ما تقدم، وكان الفعل الذي أُسند إلى المدعى ارتكابه، بمقتضى القيد والوصف المعدلين للاتهام، من قِبل محكمة الموضوع، يتساند تجريمه إلى صدر الفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون رقم 119 لسنة 2008 بإصدار قانون البناء، ونُص على عقوبته في الفقرة الثانية من المادة (102) من قانون البناء المشار إليه، التي أحالت في بيان نوع العقوبة وحدودها إلى نص الفقرة الأولى من المادة ذاتها، وكان طعن المدعى بعدم الدستورية، وإن انصب على نص المادة (102) من قانون البناء، دون نص المادة الثانية من قانون الإصدار رقم 119 لسنة 2008، فإن نص الفقرة الثانية من المادة المطعون عليها، وقد أحال بصورة جلية إلى نص التجريم المشار إليه، يكون قد قصد من ذلك إلحاقه بأحكامه منتزعًا إياه من إطاره التشريعي، جاعلاً منه لبنة من بنيانه وجزءًا من نسيجه مندمجًا فيه، ومن ثم تتحقق مصلحة المدعى في الطعن على صدر الفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون رقم 119 لسنة 2008، والفقرة الثانية من المادة (102) من قانون البناء فيما تضمنتاه من : حظر إقامة أي مبان أو منشآت خارج حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن، ومعاقبة كل من يخالف هذا الحظر بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات أو الغرامة التي لا تقل عن مثلى قيمة الأعمال المخالفة ولا تجاوز ثلاثة أمثال هذه القيمة.

وحيث إن من المقرر – في قضاء هذه المحكمة - أن الرقابة الدستورية على القوانين من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، باعتبار أن نصوص هذا الدستور تمثل القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي أثارها المدعى على النصين موضوع الدعوى المعروضة – المحددين نطاقًا على ما سلف بيانه – تندرج ضمن المطاعن الموضوعية، التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي، ومن ثم فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها على النصين موضوع الدعوى المعروضة، اللذين مازالا قائمين ومعمولاً بأحكامهما، في ضوء أحكام الدستور القائم الصادر سنة 2014.



وحيث إنه عن النعي على نصوص قانون البناء المشار إليه، صدورها من مجلس تشريعي قُضى ببطلان عدد من الدوائر الانتخابية المتخذة أساسًا لتشكيله، مما يستتبع بطلان ما صدر عنه من قوانين، فإنه مردود؛ بما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن " القول ببطلان قانون معين بناءً على ادعاء صدوره من مجلس نيابي قُضى ببطلان تكوينه، ينحل إلى ادعاء بانتفاء اختصاص هذا المجلس بإقراره، ومن ثم يندرج هذا الادعاء في إطار العيوب الشكلية التي لا يسلم التشريع منها، إذا صدر عن جهة لا اختصاص لها بإقراره أو بإصداره"

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد استقر على أن " الاستيثاق من توافر الأوضاع الشكلية التي يتطلبها الدستور في القوانين جميعها، يُعتبر سابقًا بالضرورة على الخوض في اتفاقها أو تعارضها مع الأحكام الموضوعية للدستور، فإن الفصل في عوار موضوعي يدل بالضرورة على استيفاء النصوص القانونية المطعون عليها لمتطلباتها الشكلية بما يحول دون بحثها من جديد"

لما كان ما تقدم؛ وإذ سبق للمحكمة الدستورية العليا، أن قضت بجلسة 2/1/2021 في الدعوى رقم 199 لسنة 32 قضائية "دستورية" برفض الطعن على نصى المادتين (38) و(102/1) من قانون البناء الصادر بالقانون رقم 119 لسنة 2008، وقد نُشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية في العدد (2) (تابع) بتاريخ 14/1/2021، بما يدل على استيفاء نصوص القانون المشار إليه لمتطلبات إقراره وإصداره، ومن ثم يغدو نعى المدعى، في شأن العوار الشكلي لهذا القانون، لا أساس له متعينًا رفضه.

وحيث إن الغايات الكلية من إصدار تشريع قانون البناء، السالف البيان، - على ما يبين من استصفاء الأحكام الواردة بنصوصه، والمبررات التي ساقتها مذكرته الإيضاحية، والمناقشات التي طرحها أعضاء غرفتي السلطة التشريعية في شأنه – إنما تتحدد في إقرار منظومة متكاملة للتخطيط العمراني، والتنسيق الحضاري وتنظيم أعمال البناء والحفاظ على الثروة العقارية، تسرى على كافة التقسيمات الإدارية والجغرافية والنوعية، من خلال رؤية للتنمية العمرانية على المستوى القومي والإقليمي وفى حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة وخارجها، لتحقق التنمية المستدامة، وتحدد الاحتياجات المستقبلية للتوسع العمراني، واستعمالات الأراضي المختلفة، وذلك من خلال برامج تنفيذها، ومصادر التمويل على المستوى التخطيطي.

وفي مجال الردع الذي يكفل ضمان تحقيق الغايات التشريعية المار ذكرها، حظرت المادة الثانية من قانون الإصدار رقم 119 لسنة 2008، إقامة أي مبانٍ أو منشآت خارج حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن، أو المناطق التي ليس لها مخطط استراتيجي عام معتمد، أو اتخاذ أي إجراءات في شأن تقسيم هذه الأراضي، وذلك تقديرًا من المشرع لخطر أي من الأفعال السالفة، على الأمن القومي بمفهومه الاجتماعي والثقافي، وإهدارها عناصر الثروة الوطنية على مستوى الدولة والمواطن، وإضرارها بمقومات التنمية المستدامة، مما دعا المشرع إلى تجريم الأفعال التي يواجهها ذلك الحظر، من خلال العقاب عليها بمقتضى نص الفقرة الثانية من المادة (102) من قانون البناء.

وحيث إن ما ينعاه المدعى على النصين اللذين تحدد بهما نطاق الدعوى المعروضة، من تناقضهما مع التزام الدولة بتنمية الريف، فإنه رُد؛ إذ المقرر في قضاء هذه المحكمة بأن تقديم الدولة لخدماتها الثقافية والاجتماعية والصحية وفقًا لنص المادة (16) من دستور 1971 – المقابلة في حكمها لبعض أحكام الفقرة الثانية من المادة (29) من دستور 2014 - يقتضيها تدخلاً إيجابيًّا من خلال الاعتماد على مواردها الذاتية التي تتيحها قدراتها، ليكون إشباعها لخدماتها هذه، متدرجًا وواقعًا في حدود إمكاناتها، خلافًا لموقفها من الحقوق الفردية السلبية – كالحق في الحياة وفى الحرية – التي يكفيها لصونها مجرد الامتناع عن التدخل في نطاقها بما يقيد أو يعطل أصل الحق فيها. ولئن جاز القول بأن الحقوق المدنية والسياسية، لا يمكن فصلها عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سواء في مجال توجهاتها أو بالنظر إلى عموم تطبيقها فيما بين الدول، وأن النوع الأول من الحقوق يعتبر مدخلاً لثانيهما، وشرطًا أوليًّا لتحقيق وجوده عملاً، فإن الفوارق بين هذين النوعين من الحقوق، تكمن في أصل نشأتها وعلى ضوء مراميها، ذلك أنه بينما تعتبر الحقوق المدنية والسياسية من الحقوق التي تمليها آدمية الإنسان وجوهره – إلى حد وصفها بخصائص بنى البشر أو بالحقوق الطبيعية الأسبق وجودًا على الجماعة التي ارتبط بها -، فلا تتكامل شخصيته بدونها، ولا يوجد سويًّا في غيبتها، ولا يحيا إلا بالقيم التي ترددها، ليملك بها إرادة الاختيار مشكلاً طرائق للحياة يرتضيها؛ فإن ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان، تتوخى دومًا تطوير أوضاع البيئة التي تواجد فيها مستظلاً بها، ليعيد تكوين بنيانها، مستمدًا رخاءه من الآفاق الجديدة التي تقتحمها، وهى بحكم طبيعتها هذه، تتصل حلقاتها عبر الزمن، وعلى امتداد مراحل لا تفرضها الأهواء، بل تقررها الدول على ضوء أولوياتها، وبمراعاة مواردها القومية وبقدرها، كما أنه إذا جاز القول بأن الحقوق المدنية والسياسية تمهد في الأعم الطريق إلى بناء الهياكل الرئيسية للتنمية وفق الإرادة الحرة، فإن الحقوق الاجتماعية والثقافية والصحية تناهض الفقر والجوع والمرض بوجه خاص، ويستحيل بالنظر إلى طبيعتها، ضمانها لكل الناس في آن واحد، بل يكون تحقيقها في بلد ما، مرتبطًا بأوضاعها وقدراتها ونطاق تقدمها، وعمق مسئولياتها قِبل مواطنيها، وإمكان النهوض بمتطلباتها، فلا تنفذ هذه الحقوق بالتالي نفاذًا فوريًّا، بل تنمو وتتطور وفق تدابير تمتد زمنًا وتتصاعد تكلفتها بالنظر إلى مستوياتها وتبعًا لنطاقها، ليكون تدخل الدولة إيجابيًّا لصونها متتابعًا، واقعًا في أجزاء من إقليمها، منصرفًا لبعض مدنها وقراها إذا أعوزتها قدراتها على بسط مظلتها على المواطنين جميعًا. متى كان ما تقدم، وكان نص صدر الفقرة الأولى من المادة الثانية من قانون الإصدار رقم 119 لسنة 2008، يتماهى - من منطلق غائي - مع تنمية الريف، بحظر أى مبان أو منشآت من شأنها النيل من المخطط الاستراتيجي للأراضي الزراعية التي تخرج عن الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى، وكان ما قرره حكمها في هذا النطاق توجبه ضرورة اجتماعية تلتئم مع تنمية الريف وحماية الرقعة الزراعية والعمل على زيادتها، وتجريم الاعتداء عليها، على نحو يحقق رفع مستوى معيشة سكان الريف، مما يغدو معه نعى المدعى المار ذكره، خليقًا بالالتفات عنه.



وحيث إنه عن نعى المدعى على إخلال النصين اللذين تحدد بهما نطاق هذه الدعوى، بالحق في السكن، فإنه مردود؛ ذلك أن كفالة الدول للمواطنين الحق في المسكن الملائم والآمن والصحي، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية، مؤداه على ما نصت عليه المادة (78) من الدستور، والمادة (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التزام الدولة وضع خطة وطنية للإسكان تراعى الخصوصية البيئية، وتكفل إسهام المبادرات الذاتية والتعاونية في تنفيذها، وتنظيم استخدام أراضي الدولة، ومدها بالمرافق الأساسية في إطار تخطيط عمراني شامل للمدن والقرى واستراتيجية لتوزيع السكان، بما يحقق الصالح العام وتحسين نوعية الحياة للمواطنين، ويحفظ حقوق الأجيال القادمة. ومع ذلك فلا تقتضى كفالة الدولة للحق في السكن، قيامها ببناء مساكن لجميع مواطنيها، ولا ضمانها سكنًا خاصًا لكل من لا سكن له، اعتبارًا بأن الحق في السكن يشمل اتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون التشرد، والتركيز على الفئات الأكثر ضعفًا وتهميشًا، وضمان لياقة السكن لكل مواطن، وهى تدابير ذات طبيعة تشريعية وتنفيذية، يتم اتخاذها في إطار من السياسة العامة للدولة، وبرامجها التنموية، وأولوياتها الخططية، في حدود مواردها المتاحة

متى كان ما تقدم، وكان حظر النصين التشريعيين اللذين تحدد بهما نطاق هذه الدعوى البناء في الأراضي الواقعة خارج الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن، ورصد جزاء جنائي لمخالفة هذا الحظر، إنما يندرج ضمن التدابير التشريعية اللازمة لكفالة الحق في السكن بمعناه المتقدم بيانه، كما أن تنظيم هذا الحق – على النحو الذي تضمنه النصان المشار إليهما – لا يمس جوهره أو أصله، ولا ينتقص من عناصره الأساسية، بما يتأدى إلى رفض الطعن على هذين النصين وفق المنعى السالف بيانه.



وحيث إنه عما ينعاه المدعى على النصين موضوع هذه الدعوى، من إخلال بحق الملكية، فإنه مردود بما استقر عليه قضاء هذه المحكمة من أن اضطلاع الملكية الخاصة التي صانها الدستور بمقتضى نص المادة (35)، بدورها في خدمة المجتمع، يدخل في إطار أدائها لوظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكمًا، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التي ينبغى رصدها عليها، وبمراعاة أن القيود التي يفرضها المشرع على الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل يمليها خير الفرد والجماعة". ومن المقرر أيضًا في قضاء هذه المحكمة أن "الدستور وإن كان قد كفل حق الملكية الخاصة، وأحاطه بسياج من الضمانات التي تصون هذه الملكية، وتدرأ كل عدوان عليها، فإنه في ذلك كله لم يخرج عن تأكيده على الدور الاجتماعي لحق الملكية، حيث يجوز تحميلها ببعض القيود التي تقتضيها أو تفرضها ضرورة اجتماعية، مادامت هذه القيود لم تبلغ مبلغًا يصيب حق الملكية في جوهره، أو يعدم جل خصائصه.



متى كان ذلك، وكان الحظر الوارد بالمادة الثانية من القانون رقم 119 لسنة 2008 بإصدار قانون البناء، إنما ينصب على البناء خارج الحيز العمراني المُعتمد للمدن والقرى، كونها المساحة المُخصصة لأغراض التنمية العمرانية، ليقتصر الحظر بحدوده، مرصودًا على أغراضه، كصورة من صور تنظيم ممارسة النشاط الفردي، ضمانًا لعدم انحرافه عن الغايات المقصودة من مباشرته، دون أن ينال من أصل حق الملكية أو يعدم خصائصها، إذ يظل حق الملكية بعناصره الجوهرية كامل البنيان في شأن تلك الأراضي، التي تخرج عن حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة، حتى وإن بات محملاً بأغراض رصدها المشرع عليها، دونما غل يد مالكها عن إدارتها أو التصرف فيها. وفضلاً عن ذلك، فإن المشرع لم يحل كلية دون البناء على تلك المساحات من الأراضي، إنما أجازه من خلال الاستثناءات الواردة عليه، وفقًا لما تمليه ضرورة استغلالها في أغراض تتسق وأغراضها الأصلية، على أن يكون ذلك رهنًا بالحصول على ترخيص بذلك من قِبل الجهة الإدارية المختصة، ضمانًا للغاية ذاتها، ومن ثم فلا يُمثل هذا القيد اعتداءً على حق الملكية، إنما توظيفًا لأغراضها الاجتماعية المُثلى، في ضوء رؤية مُكتملة تستهدف ابتداءً المصلحة المجتمعية، التي تنعكس انتهاءً على المصلحة الفردية، من خلال خطة تنموية شاملة، بما يكون معه النعي على النص بالإخلال بالحماية التي فرضها الدستور للملكية الخاصة قائمًا على غير أساس.

وحيث إنه عما ينعاه المدعى على النصين موضوع الدعوى المعروضة، من مخالفة القواعد الدستورية في شأن التجريم والعقاب، فإنه مردود، بما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من إن الدستور خول السلطة التشريعية في مجال تنظيمها للحقوق وبما لا إخلال فيه بالمصلحة العامة أن تحدد وفق أسس موضوعية من خلال النظم العقابية التي تقرها، أركان كل جريمة دون أن يفرض عليها طرائق بذاتها لضبطها تعريفًا بها، ودون إخلال بضرورة أن تكون تلك الأفعال التي جرمتها هذه النظم قاطعة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها، فلا يشوبها الغموض أو تتداخل معها أفعال مشروعة يحميها الدستور، وكان المقرر أن القوانين الجنائية لا تتناول إلا صور النشاط المُحددة معالمها الواضحة حدودها، التي يمكن ربطها بمضار اجتماعية، وكان القانون الجزائي معني بالأفعال الخارجية التي تناقض المصلحة المقصودة بالحماية أو التي يمكن أن تضر بها، وكان الركن المادي لكل جريمة يعكس التعبير الخارجي عن إرادة مرتكبها باعتبارها إرادة واعية مختارة يُسيطر الفاعل من خلالها على ظروف مادية مُعينة ابتغاء بلوغ نتيجة إجرامية تتمثل في الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون، وكانت إرادة إتيان الأفعال محل التنظيم التشريعي الماثل مع العلم بالوقائع التي تعطيها دلالتها الإجرامية هي التي يتوافر بها القصد الجنائي العام.

كما استقر قضاؤها أيضًا على أن التجريم يتحدد من منظور اجتماعي، وموافقته للدستور من عدمها، تحدده الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مُبررًا من وجهة اجتماعية انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية.



لما كان ما تقدم، وإذ تضمن نص المادة الثانية من القانون رقم 119 لسنة 2008 بإصدار قانون البناء، تحديدًا حصريًا واضحًا لا غموض فيه ولا خفاء للأفعال المادية المحظورة، مُتمثلة في إقامة مبانٍ أو منشآت خارج حدود الأحوزة العمرانية المُعتمدة للمدن والقرى - بحسب نطاق الدعوى المعروضة - التي أُدرجت بنطاق التجريم بموجب نص الفقرة الثانية من المادة (102) من قانون البناء المشار إليه، ليتشكل بإتيان أي منها الركن المادي للجريمة، التي هي بطبيعتها من الجرائم المضرة بالمصلحة العامة، بحسبان انطوائها على الإخلال بالتنظيم المتكامل الذي تضمنته المخططات الاستراتيجية العامة والتفصيلية التي تضعها الدولة وفقًا للآليات المقررة، لتوزيع استخدامات الأراضي على مستوى الجمهورية بما يحقق الاستفادة القصوى من مساحات الأراضي المتاحة بالدولة، بتقرير الاستغلال الأمثل لكل منها في الأغراض المرصودة عليها، مراعاة لمستهدفات كلية تتمثل في العمل على التوسع العمراني والحفاظ على الأراضي الزراعية، وتمديد الطرق وتوفير الخدمات العامة، لتتناغم هذه الأهداف من أجل تحقيق مصلحة جمعية، مشمولة بمخطط عام بما ينبثق عنه من مخططات تفصيلية، فيكون الإخلال بمُستصغر تفصيله هدمًا لكليات تنظيمه، ملحقًا أبلغ الضرر بالمصلحة المجتمعية التي استهدف المشرع حمايتها وفقًا لأسسها المعتبرة. وإذ قطع بأن هذه الأفعال العمدية يقارنها قصد جنائي عام يهدف إلى تحقيق تلك النتيجة الإجرامية، ليتكامل بذلك بنيان الجريمة بركنيها المادي والمعنوي، وهي التي تنال بتحققها من المصلحة محل الحماية بالنص، على نحو يكون النص قد جاء مستويًا على القواعد الدستورية المقررة في شأن التجريم.



وحيث إنه من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الأصل في العقوبة هو معقوليتها، فلا يكون التدخل فيها إلا بقدر، نأيًا بها عن أن تكون إيلامًا غير مبرر، يؤكد قسوتها في غير ضرورة، وذلك أن القانون الجنائي، وإن اتفق مع غيره من القوانين في تنظيم بعض العلائق التي يرتبط بها الأفراد فيما بين بعضهم البعض، أو من خلال مجتمعهم بقصد ضبطها، فإن القانون الجنائي يفارقها في اتخاذ العقوبة أداة لتقويم ما يصدر عنهم من أفعال نهاهم عن ارتكابها. وهو بذلك يتغيا أن يُحدد – من منظور اجتماعي - ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعيًّا ممكنًا، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مبررًا إلا إذا كان مفيدًا من وجهة اجتماعية، فإن كان مجاوزًا تلك الحدود التي لا يكون معها ضروريًّا غدا مخالفًا للدستور". وكان المقرر كذلك في قضاء هذه المحكمة أن العقوبة التخييرية، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد – عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة – أو إجازة استعمال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك التبديل، عملاً بنص المادة (17) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة والحبس الذي لا تزيد مدته على سنة إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون على ما جرى به نص المادة (55) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتساند القاضي إليها – بحسب ظروف كل دعوى – لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة، ومن ثم ففي الأحوال التي يمتنع فيها عن إعمال إحدى هذه الأدوات، فإن الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي يكون قد استغلق عليه تمامًا، بما يفتئت على استقلاله ويسلبه حريته في تقدير العقوبة، ويفقد جوهر الوظيفة القضائية، وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة.

ولما كان نص الفقرة الثانية من المادة (102) من قانون البناء المشار إليه، قد رصد لمخالفة الحظر الوارد بالمادة الثانية من القانون رقم 119 لسنة 2008 المشار إليه، العقوبة المقررة بالفقرة الأولى من النص المطعون فيه، وقد جاءت هذه الفقرة مقررة لعقوبة تخييرية بين الحبس مدة لا تزيد عن خمس سنوات، أو الغرامة التي لا تقل عن مثلى قيمة الأعمال المخالفة ولا تجاوز ثلاثة أمثال هذه القيمة. وكانت عقوبة الحبس هى أخف العقوبات السالبة للحرية، التي تواجه ارتكاب جريمة عمدية، تهدد مصلحة مجتمعية مؤكدة، تتمثل في هدم الأسس التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي بالدولة، والخروج به عن تلك الرؤية المتكاملة المحققة لأهدافه، وكانت عقوبة الحبس المبينة بالنص المذكور، إن قُضى بها بما لا يجاوز مدة سنة، وكذلك عقوبة الغرامة المقررة بالنص ذاته – في حديها الأدنى والأقصى - مما يجوز إيقاف تنفيذ أيهما، على نحو يؤكد توافر إحدى وسائل التفريد القضائي للعقوبة، بمقتضى النص المطعون فيه، ومن ثم يكون هذا النص، قد جاء مستويًا على القواعد الدستورية المقررة في شأن العقوبة الجنائية.

وحيث إن النصين موضوع هذه الدعوى – المحددين نطاقًا على ما سلف بيانه – لا يخالفان أحكامًا أخرى في الدستور، فإنه يتعين الحكم برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

 حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الطعن 11712 لسنة 88 ق جلسة 10 / 3 / 2021

باسم الشعب

محكمة النقض

الدائرة الجنائية

دائرة الأربعاء (ه)

-----

المؤلفة برئاسة السيد القاضي / هانى مصطفى كمال نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة القضاة / إبراهيم عبد الله و عبد النبى عز الرجال محمد عبد الله الجندي و صابر جمعة نواب رئيس المحكمة

وبحضور السيد رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / أحمد فوده .

وأمين السر السيد / حازم خيرى.

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.

في يوم الأربعاء 26 من رجب سنة 1442ه الموافق 10 من مارس سنة 2021م

أصدرت الحكم الآتي :-

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 11712 لسنة 88 قضائية.
المرفوع من
...... ( الطاعن )
ضد
النيابة العامة ( المطعون ضدها )

--------------
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعنة في قضية الجناية رقم 882 لسنة 2014 مركز تمى الأمديد ( والمقيدة بالجدول الكلى برقم 49 لسنة 2014 جنوب المنصورة ) بوصف أنها في خلال الفترة من 1 من يناير سنة 2010 وحتى 25 من يوليه سنة 2013 بدائرة مركز السنبلاوين محافظة الدقهلية ...
أولاً : بصفتها موظفاً عاماً ومن الصيارفة [ مندوب صرف معاشات تمثل التأمينات والمعاشات بتمي الأمديد مركز السنبلاوین " الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي " ] اختلست مبلغ 1033788٫85 جنيهاً " مليون وثلاثة وثلاثون ألف وسبعمائة وثمانية وثمانون جنيهاً وخمسة وثمانون قرشاً والمملوك لجهة عملها والمسلَّمة إليها بسبب وظيفتها وبصفتها آنفتی البيان ولصرفه لمستحقين إلا أنها اختلسته لنفسها إضراراً بأموال ومصالح لجهة عملها على النحو المبيَّن بالتحقيقات .
وقد ارتبطت تلك الجناية بجنایتي التزوير في محررات رسمية واستعمالها ارتباطاً لا يقبل التجزئة ذلك أنه في ذات الزمان والمكان سالفي الذكر : ارتكبت تزويراً في محررات رسمية منسوبة لجهة عملها ومن كشوف صرف المعاشات بمعرفتها وكان ذلك بالاشتراك مع آخر مجهول بطريق الاتفاق والمساعدة وبضع إمضاءات وأختام مزوَّرة وبجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة حال تأديته والمختص بوظيفته - إثبات صرف مبالغ المعاشات لمستحقيها حال كونهم متوفين في تاريخ صرفها وتزيلها من المجهول بتوقيعات أختام نُسبت زوراً إليهم بالمخالفة للحقيقة واستعملت تلك المحررات المزوَّرة فهي زُورت من أجله مع علمها بتزويرها بأن قدمتها لجهة عملها محتجة بصحَّة ما دُون بها زوراً ولإعمال أثرها ستراً لواقعة اختلاسها بالمبلغ المالي آنف البيان على النحو المبين بالتحقيقات وهو الأمر المعاقب عليه بالمواد 211 ، 213 ، 214 من قانون العقوبات .
ثانياً : بصفتها آنفة البيان حصلت لنفسها بدون وجه حق على ربح من أعمال وظيفتها بأن ارتكبت الجناية موضوع الوصف السابق ممَّا ترتب على ذلك تحصلها بدون وجه حق تمثلت على المبلغ المالي آنف البيان والمملوك لجهة عملها على النحو المبين بالتحقيقات .
ثالثا : بصفتها آنفة البيان أضرَّت عمداً بأموال ومصالح جهة عملها بأن ارتكبت الجناية موضوع الوصف أولاً وثانياً ممَّا ترتب على ذلك ضرراً تمثل في ضياع مبلغ 1194887.61 " مليون ومائة وأربعة وتسعون الف وثمانی مائة وسبعة وثمانون جنيهاً وواحد وستون قرشا " قيمة المبلغ المختلس مضافاً إليه الفائدة المستحقة عليها والمملوك لجهة عملها على النحو المبيَّن بالتحقيقات .
وأحالتها إلى محكمة جنايات المنصورة لمعاقبتها طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
وادَّعت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مدنياً قِبل المتهمة بمبلغ عشرة آلاف وواحد جنيهاً على سبيل التعويض المؤقت .
والمحكمة المذكورة قضت ، حضورياً ، في 12 من فبراير سنة 2018 ، وعملاً بالمواد 30 ، 112/1 ، 2 بند أ ، ب ، 115 ، 116 مكرر/1 ، 118 ، 118 مكرر ، 119/ ب ، 119 مكرر/ أ من قانون العقوبات وبعد استعمال المادتان 17 ، 32 من ذات القانون ، بمعاقبة راوية شحاته المرسى محمد بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات عمَّا أُسند إليها مع إلزامها برد مبلغ 1033788.85 " مليون وثلاثة وثلاثون ألف وسبعمائة وثمانية وثمانون جنيهاً وخمسة وثمانون قرشاً " وتغريمها لمبلغ مساوي لقيمة ما اختلسته مع نشر الحكم فى جريدة الأهرام اليومية على نفقة المحكوم عليها والعزل لمدة سنة واحدة مع إلزامها بالمصاريف الجنائية .
فطعنت المحكوم عليها – بشخصها – في هذا الحكم بطريق النقض في 17 من فبراير سنة 2018 .
وأودعت مذكرة بأسباب الطعن عن الطاعنة في 12 من أبريل سنة 2018 موقعٌ عليها من الأستاذ / محمد عبد السلام سلامة [ المحامي ] .
وبجلسة اليوم سُمعت المرافعة على ما هو مُبيَّن بمحضر الجلسة .

------------------
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً :-
حيث إنَّ الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون .
وحيث إنَّ الطاعنة تنعى على الحكم المطعون فيه أنَّه إذ دانها بجرائم الاختلاس حال كونها موظف عام ومن الصيارفة المرتبطة بجريمتي الاشتراك في تزوير محررات رسمية واستعمالها والحصول لنفسها على ربح من أعمال وظيفتها بدون وجه حق والإضرار العمد بأموال ومصالح جهة عملها ، قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والبطلان ، والإخلال بحق الدفاع ، ذلك بأنَّه اعتوره الغموض والإبهام والإجمال ولم يبين الواقعة بياناً تتحقق به أركان جريمة الاختلاس التي دانها بها ولم يورد مضمون الأدلة التي عوَّل عليها في بيانٍ كافٍ إذ اكتفى في بيان ذلك بما ورد في وصف الاتهام ، ولم يستظهر عناصر الاشتراك في التزوير وركن القصد الجنائي في تلك الجريمة ولم يدلل على توافرهما بأسباب سائغة ، واستند فيما استند إليه إلى تقرير لجنة الجرد دون أن يورد الأسانيد المؤدية إلى تلك النتيجة وعوَّل عليه في إدانتها رغم أنَّ أحد أعضائها تحيط به مظنَّة الاتهام ممَّا يبعث على الشك فيه سيَّما وأنَّ ما وقع من الطاعنة لا يعدو أن يكون مجرد إهمال في العمل ، فضلاً عن انتفاء رابطة السببية بين الأفعال التي قارفها الطاعنة وبين وقوع جريمة الاختلاس بدلالة المستندات المقدَّمة منها بجلسة المحاكمة ، كما عوَّل الحكم في الإدانة على أقوال الشاهد / عبد الغفار إسماعيل عبد الغفار رغم وجود خصومة بينه وبين الطاعنة بدلالة المستندات المقدمة منها في هذا الشأن والتي لم تحفل بها المحكمة ، وعوَّل في قضائه على رأى لسواه بأن اتخذ من التحريات وأقوال مجريها دليلاً أساسياً في الدعوى واستند إليها رغم أنها جاءت قاصرة وكاذبة ومتناقضة وحال كونها لا تعدو أن تكون رأياً لمجريها تحتمل الصدق والكذب وبالرغم من أنها مجرد ترديد لأقوال الشهود – أعضاء لجنة الجرد – ولم يفصح مجريها عن مصدرها واطرح الدفع بعدم جديَّتها بما لا يصلح لاطراحه ، كما أنَّ المحكمة لم تقم بفض حرز الأوراق المقول بتزويرها في حضور الطاعنة أو محاميها بالجلسة ولم تطلع عليها ولم تثبت بمحضرها ماهية هذه الأوراق ومضمونها وخلا حكمها المطعون فيه ومحاضر الجلسات من إثبات هذا الإجراء رغم جوهريته ، ولم يعنْ بالإشارة إلى ما تضمنه تقرير مكتب خبراء وزراء العدل المودع من أسباب تؤدى إلى براءة الطاعنة رغم تمسكها به ، وأغفل الحكم – إيراداً ورداً – دفاعها القائم على عدم ارتكابها الجرائم المسندة إليها لشواهد عدَّدتها بأسباب طعنها بدلالة المستندات الرسمية المقدمة منها بجلسة المحاكمة ، ممَّا يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
ومن حيث إنَّ الحكم المطعون فيه بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنة بها وأورد على ثبوتها في حقها أدلَّة سائغة من شأنها أن تؤدى إلى ما رتَّبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصَّتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المقرر أنَّ القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – فإنَّ ذلك يكون محققاً لحكم القانون ، وإذ كانت صيغة الاتهام المبيَّنة في الحكم تعتبر جزء منه فيكفى في بيان الواقعة الإحالة عليها ، فإنَّ النعي على الحكم بالقصور لاكتفائه بترديد صيغة الاتهام بياناً للواقعة – بفرض صحته – يكون لا محل له . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم قد انتهى في منطق سائغ وتدليل مقبول إلى مسئولية الطاعنة عن المبلغ محل الاختلاس أخذاً بأدلَّة الثبوت التي أوردها ، وكان ما أورده الحكم في مدوناته من وقائع يفيد بذاته أنَّ الطاعنة قصدت بفعلها إضافة المال المختلس إلى ملكها ، فإنَّ ذلك كافٍ وسائغ في بيان العناصر القانونية لجناية الاختلاس التي قامت في حق الطاعنة . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ الاشتراك في جرائم التزوير يتم غالباً دون مظاهر خارجية أو أعمال مادية محسوسة يمكن الاستدلال بها عليه ، ومن ثمَّ ، يكفى لثبوته أن تكون المحكمة قد اعتقدت حصوله من ظروف الدعوى وملابساتها وأن يكون اعتقادها سائغاً تبرره الوقائع التي بيَّنها الحكم ، وهو ما لم يخطئ الحكم في تقديره ، فإنَّ ما تثيره الطاعنة في هذا الشأن ينحل في الواقع إلى جدل موضوعى لا يقبل إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ القصد الجنائي في جريمة التزوير من المسائل المتعلقة بوقائع الدعوى التي تفصل فيها محكمة الموضوع في ضوء الظروف المطروحة عليها ، وليس بلازم أن يتحدث الحكم عنه صراحةً وعلى استقلال مادام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإنَّ النعى على الحكم بالقصور في هذا الصدد لا يكون له محل . لمَّا كان ذلك ، وكان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنَّه أورد مؤدى تقرير لجنة الجرد والتي عوَّل عليه في قضائه بالإدانة ، فإنَّ هذا حسبه كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه ، ذلك بأنَّه لا ينال من سلامة الحكم عدم إيراد نص تقرير الخبير بكل فحواه وأجزائه ، ومن ثمَّ ، تنتفى عن الحكم دعوى القصور في هذا المنحى . لمَّا كان ذلك ، وكان الأصل أنَّ تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات ومطاعن مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتلك التقارير شأنها في ذلك شأن سائر الأدلَّة لتعلق الأمر بسلطتها في تقدير الدليل ، وأنها لا تلتزم بالرد على الطعون الموجهة إلى تقارير الخبراء مادامت قد أخذت بما جاء بها لأنَّ مؤدى ذلك أنها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق التفاتها إليه ، ومن ثم َّ، فإنَّ ما تثيره الطاعنة في هذا الخصوص لا يكون سديداً . لمَّا كان ذلك ، وكان النعى بأنَّ الواقعة مجرد إهمال في العمل لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها ممَّا تستقل بالفصل فيه بغير معقّب مادام قضاؤها في ذلك سليماً – كحال هذه الدعوى – لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ علاقة السببية مسألة موضوعية ينفرد قاضى الموضوع بتقديرها ، ومتى فصل فيها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة النقض عليه ، مادام قد أقام قضاءه في ذلك على أسباب تؤدى إليه . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وُجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذى تطمئن إليه ، ولها أن تأخذ بشهادة الشاهد ولو كانت بينه وبين المتهم خصومة قائمة ، وكان الحكم المطعون فيه قد اطمأن إلى أقوال شهود الاثبات ومن بينهم الشاهد / عبد الغفار إسماعيل عبد الغفار وعوَّل عليها ، فإنَّ النعى على الحكم في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل وفى سلطة المحكمة في استنباط معتقدها ، ممَّا لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم قد أقام قضاءه على ما استخلصه من أقوال شهود الاثبات وتقرير لجنة الجرد ومن ثمَّ فإنَّه لم يبنْ حكمه على رأى لسواه ويضحى ما تنعاه الطاعنة في هذا الصدد غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ لمحكمة الموضوع أن تعوّل في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلَّة – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – وكان لا ينال من صحة التحريات أن تكون ترديداً لما قرره الشهود لأنَّ مفاد ذلك أنَّ مجريها قد تحقق من صدق تلك الأقوال ، كما أنَّه لا يعيب تلك التحريات ألا يفصح مأمور الضبط القضائي عن مصدرها أو عن وسيلته في التحرى ، فإنَّ ما تثيره الطاعنة في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً في واقعة الدعوى وتقدير أدلَّتها ممَّا تستقل به محكمة الموضوع . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد اطرح الدفع بعدم جديَّة التحريات استناداً إلى اطمئنان المحكمة إلى جديَّتها ، وهو ما يعد كافياً للرد على ما أثارته الطاعنة في هذا الخصوص فإنَّ منعاها في هذا الشأن لا يكون له محل . لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد دان الطاعنة بجرائم الاختلاس والاشتراك في تزوير محررات رسمية واستعمالها والتربح والاضرار العمد وأوقع عليها العقوبة المقررة في القانون للاختلاس باعتبارها عقوبة الجريمة الأشد عملاً بالمادة 32 من قانون العقوبات للارتباط فإنَّه لا يجدى الطاعنة ما تثيره بشأن عدم اطلاع المحكمة على الأوراق المدَّعى بتزويرها . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر في أصول الاستدلال أنَّ المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلَّة ذات الأثر في تكوين عقيدتها وأنَّ إغفالها بعض الوقائع ما يفيد ضمناً اطراحها لها اطمئناناً إلى ما أثبتته من الوقائع والأدلَّة التي اعتمدت عليها في حكمها ، وكان الحكم قد اعتمد في قضائه بالإدانة على أقوال الشهود وتقرير لجنة الجرد ، ومن ثمَّ ، فإنَّه لا يعيبه – من بعد – إغفاله الاشارة إلى تقرير مكتب خبراء وزارة العدل – بفرض إيداعه متضمناً ما زعمته الطاعنة – طالما أنه لم يكن بذى أثر في تكوين عقيدة المحكمة ، ممَّا يضحى معه منعى الطاعنة في هذا الشأن غير سديد . لمَّا كان ذلك ، وكان النعى بالتفات الحكم عن دفاع الطاعنة بعدم ارتكابها الجرائم مردوداً بأنَّ نفى التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستأهل رداً طالما كان الرد عليها مستفاداً من أدلَّة الثبوت التي أوردها – كما هو الحال في الدعوى – كما أنَّ لمحكمة الموضوع أن تلتفت عن دليل النفى ولو حملته أوراق رسمية مادام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من سائر الأدلَّة القائمة في الدعوى – والتي تكفى لحمل قضائها – ومن ثمَّ فلا على المحكمة إن هي أشاحت عن المستندات التي قدَّمتها الطاعنة تدليلاً على نفى الاتهام أو وجود خصومة بينها وبين أحد الشهود أو انقطاع رابطة السببية ، ذلك أنَّ المحكمة غير ملزمة بالرد صراحةً على أدلَّة النفى التي يتقدم بها المتهم ، مادام الرد عليها مستفاداً ضمناً من الحكم بالإدانة استناداً إلى أدلَّة الثبوت التي أوردها ، إذ بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلَّة المنتجة التي صحَّت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه لأنَّ مفاد التفاته عنها أنه اطرحها ومن ثمَّ فإنَّ مل ما تثيره الطاعنة في هذا الصدد وما ساقته من شواهد للتدليل على نفى الاتهام في حقِّها – على نحو ما ذهبت إليه في أسباب طعنها – لا يعدو – جميعه – أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل ، وفى سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها منها ، وهو ما لا يجوز معاودة إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ما تقدَّم ، فإنَّ الطعن برمَّته يكون على غير أساس متعيَّناً رفضه موضوعاً .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة :
بقبول الطعن شكلاً ، وفى الموضوع برفضه .

الطعن 4738 لسنة 55 ق جلسة 16 / 1 / 1986 مكتب فني 37 ق 23 ص 102

جلسة 16 من يناير لسنة 1986

برياسة السيد المستشار: حسن جمعه نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: أحمد أبو زيد نائب رئيس المحكمة ومصطفى طاهر ومحمد زايد وصلاح البرجي.

---------------

(23)
الطعن رقم 4738 لسنة 55 القضائية

 (1)نقض "التقرير بالطعن وإيداع الأسباب".
عدم تقديم الطاعن أسباباً لطعنه. أثره: عدم قبول الطعن شكلاً.
 (2)دفاع "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
عدم التزام المحكمة بطلب ضم شكوى طالما لم يتمسك به الطاعن أو المدافع عنه.
 (3)ضرب. صلح. دعوى جنائية. مسئولية جنائية.
الصلح مع المجني عليه. لا أثر له على الجريمة التي وقعت أو على مسئولية مرتكبها أو على الدعوى الجنائية المرفوعة بها.

------------------
1 - إن الطاعنين الأولى والثاني وإن قررا بالطعن بالنقض في الميعاد إلا أنهما لم يودعا أسباباً لطعنهما، ومن ثم تعين عدم قبول طعنهما شكلاً.
2 - لما كان الثابت من مطالعة محاضر جلسات المحاكمة الاستئنافية أن المدافع عن الطاعن - لم يتمسك بطلبه ضم الشكوى التي أشار إليها بأسباب طعنه، فإن منعاه في هذا الشأن لا يكون له محل.
3 - من المقرر أن الصلح مع المجني عليه لا أثر له على الجريمة التي وقعت أو على مسئولية مرتكبها أو على الدعوى الجنائية المرفوعة بها، فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون في غير محله.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنين بأنهم: المتهمان الأول والثاني: - أحدثا عمداً بـ......، ....... الإصابات المبينة بالتقريرين الطبيين والتي أعجزتهما عن أشغالهما الشخصية مدة لا تزيد على عشرين يوماً. المتهم الثالث: - أحدث عمداً بـ....... الإصابات المبينة بالتقرير الطبي والتي أعجزتهما عن أشغالهما الشخصية مدة لا تزيد عن عشرين يوماً وكان ذلك بعصاه وطلبت عقابهم بالمادة 242/ 1 - 3 من قانون العقوبات. ومحكمة....... الجزئية قضت حضورياً للأولى والثالث وغيابياً للثاني عملاً بمادة الاتهام بحبس كل منهم أسبوعين مع الشغل وكفالة عشرين جنيهاً لكل. فاستأنف المحكوم عليهم ومحكمة...... الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض.... إلخ.


المحكمة

من حيث إن الطاعنين الأولى والثاني وإن قررا بالطعن بالنقض في الميعاد إلا أنهما لم يودعا أسباباً لطعنهما، ومن ثم تعين عدم قبول طعنهما شكلاً.
وحيث إن الطاعن الثالث ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الضرب قد شابه إخلال بحق الدفاع وخطأ في تطبيق القانون ذلك أن المحكمة لم تستجب لطلبه ضم الشكوى رقم 6404 لسنة 1981 إداري مصر الجديدة، والتفتت عن تنازل المجني عليها - أمه - والصلح الحاصل بينهما ولم تعمل حكم المادة 312 من قانون العقوبات - بطريق القياس، مما يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها. لما كان ذلك وكان الثابت من مطالعة محاضر جلسات المحاكمة الاستئنافية أن المدافع عن الطاعن - لم يتمسك بطلبه ضم الشكوى التي أشار إليها بأسباب طعنه، فإن منعاه في هذا الشأن لا يكون له محل. لما كان ذلك وكان من المقرر أن الصلح مع المجني عليه لا أثر له على الجريمة التي وقعت أو على مسئولية مرتكبها أو على الدعوى الجنائية المرفوعة بها، فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكانت الجريمة التي دين الطاعن بها - لا تشترك مع جريمة السرقة المنصوص عليها في المادة 312 من قانون العقوبات - فيما تقدم عليه من الحصول على المال بغير حق. ومن ثم لا يمتد إليها أثرها، فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون غير سديد. لما كان ما تقدم فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً عدم قبوله موضوعاً.

الطعن 2173 لسنة 32 ق جلسة 5 / 3 / 1963 مكتب فني 14 ج 1 ق 36 ص 169

جلسة 5 من مارس سنة 1963

برياسة السيد المستشار/ عادل يونس، وبحضور السادة المستشارين: توفيق الخشن، وأديب نصر، وحسين السركي، ومختار رضوان.

-------------

(36)
الطعن رقم 2173 لسنة 32 قضائية

)أ) حريق بإهمال. خطأ. جريمة.

العقاب في جريمة الحريق بإهمال : مناطه : شخصية الخطأ . مسئولية الجاني عن أعماله الشخصية التي تندرج تحت صور الخطأ المؤثم قانوناً . والتي يتسبب عنها الضرر . عدم مسئوليته عن فعل غيره . إلا اذا ثبت ارتكابه خطأ شخصيا مرتبطا بالنتيجة ارتباط السبب بالمسبب . مثال .

)ب) حكم "تسبيبه. ما لا يعيبه": ارتباط. محاكمة.
قضاء الحكم بتبرئة متهم من جريمة. لا يسلب المحكمة حقها في نظر باقي الجرائم المرتبطة وإنزال العقاب المقرر لها. متى رأت توافر أركانها وثبوتها قبل المتهم.
(ج ، د ، هـ) دعوى مدنية. دعوى جنائية. اختصاص. إحالة. تعويض. شبه الجنحة المدنية.

)ج) اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية المرفوعة أمامها بطريق التبعية. اختصاص استثنائي. شرط قيامه: أن يكون التعويض مبنياً على الفعل ذاته المرفوعة عنه الدعوى الجنائية.
نفى الحكم وجود صلة للمتهم بالفعل الخاطئ المكون للجريمة. سقوط الدعوى المدنية التابعة بحالتها التي رفعت بها. ولو ثبت للمحكمة أن الجريمة وقعت من غير المتهم. طالما أن المسئول الحقيقي لم يعين ولم ترفع عليه الدعوى الجنائية بالطريق القانوني.
)د) الإحالة في مفهوم حكم المادة 309 إجراءات. شروطها: اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية المرفوعة إليها بطريق التبعية، وأن يكون الفصل في التعويضات يستلزم إجراء تحقيق ينبني عليه إرجاء الفصل في الدعوى الجنائية.
)هـ) القضاء بالتعويض في الدعوى المدنية - المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية - في حالة الحكم بالبراءة. شرطه: ثبوت وقوع الفعل موضوع الدعوى الجنائية وصحة نسبته إلى المتهم دون أن تتوافر به الأركان القانونية للجريمة. لا وجه لتقرير المسئولية على أساس شبه الجنحة المدنية في حالة تخلف هذا الشرط.

-------------
1 - مناط العقاب في جريمة الحريق بالإهمال هو شخصية الخطأ، فلا يسأل الجاني إلا عن أعماله الشخصية التي تندرج تحت صور الخطأ المؤثم قانوناً والتي يتسبب عنها الضرر، ولا يسأل الشخص عن فعل غيره إذا لم يثبت أنه ارتكب خطأ شخصياً مرتبطاً بالنتيجة ارتباط السبب بالمسبب. وإذ ما كان الحكم قد انتهى إلى عدم ثبوت مقارفة المطعون ضده لهذه الجريمة بنفسه ولم ينسب إليه خطأ شخصياً مما يجعله محلاً للمساءلة الجنائية عن فعل غيره، واستبعد المسئولية الافتراضية التي أساسها سوء اختيار المتبوع لتابعه وتقصيره في رقابته بوصفها لا تمت بصلة إلى الفعل الضار محل الجريمة، فإن قضاءه بتبرئته منها يكون صحيحاً.
2 - قضاء الحكم بتبرئة المطعون ضده من جريمة الحريق بالإهمال لا يسلب المحكمة حقها في النظر في باقي الجرائم المرتبطة وأن تنزل عليه العقاب المقرر لها متى رأت توافر أركانها وثبوتها قبله، وهو ما استخلصه الحكم في حقه من إقراره بأن اللافتة موضوع الإعلان - التي سببت الحريق - خاصة به، ورتب على ذلك مسئوليته عن مباشرة الإعلان على وجه مخالف للقانون.
3 - الأصل أن اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية المرفوعة أمامها بطريق التبعية هو اختصاص استثنائي لا يقوم إلا إذا كان التعويض مبنياً على الفعل ذاته المرفوعة عنه الدعوى الجنائية، فإذا تبين للمحكمة الجنائية أن الحق المدعى به عن الفعل الخاطئ المكون لهذه الجريمة لم يثبت وجود صلة للمتهم به، سقطت هذه الدعوى التابعة بحالتها التي رفعت بها مهما يكن قد صح عندها أن الجريمة وقعت من غيره، ما دام المسئول الحقيقي عن الحادث لم يعين ولم ترفع عليه الدعوى الجنائية بالطريق القانوني.
4 - الإحالة في مفهوم حكم المادة 309 من قانون الإجراءات الجنائية لا يؤمر بها إلا عندما تكون المحكمة الجنائية مختصة بنظر الدعوى المدنية المرفوعة إليها بطريق التبعية وترى أن الفصل في التعويضات المطالب بها يستلزم إجراء تحقيق خاص ينبني عليه إرجاء الفصل في الدعوى الجنائية.
5 - شرط الحكم بالتعويض في الدعوى المدنية المرفوعة - بالتبعية للدعوى الجنائية في حالة الحكم بالبراءة هو ثبوت وقوع الفعل موضوع الدعوى الجنائية وصحة نسبته إلى المتهم المقامة عليه الدعوى المذكورة دون أن تتوافر به الأركان القانونية للجريمة، ولما كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى نفى مقارفة المطعون ضده الفعل المادي المكون للخطأ الذي نشأ عنه الحريق، ومن ثم فلا يكون هناك وجه لتقرير مسئوليته على أساس شبه الجنحة المدنية.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة المطعون ضده بأنه في أول يونيو سنة 1960 بدائرة مركز ميت غمر: 1 - تسبب بغير قصد ولا تعمد في حدوث حريق بالمنشآت الكهربائية المختصة بمجلس بلدية ميت غمر والمبين وصفها وقيمتها بالأوراق وكان ذلك ناشئاً عن خطئه وعدم مراعاته للقوانين بأن أقام يافطة للإعلان غير مرخص بها وفى مكان محظور به الإعلان فالتفت حول الأسلاك الكهربائية فحدث الحريق نتيجة لذلك 2 - أقام إعلاناً بغير ترخيص. 3 - أقام إعلاناً في مكان محظور فيه الإعلان. وطلبت عقابه بالمادة 360 من قانون العقوبات والمواد 1 و2 و 5 و7 و8 و11 من القانون رقم 66 سنة 1956. وقد ادعت وزارة الشئون البلدية قبل المتهم بمبلغ 52 جنيهاً و600 مليم بالنسبة للمتهمة الأولى. ومحكمة جنح ميت غمر قضت حضورياً بتاريخ 5/ 10/ 1960 ببراءة المتهم من المتهمين الأولى والثالثة المنسوبتين له ورفض الدعوى المدنية وألزمت رافعها بمصروفاتها وبتغريم المتهم عن التهمة الثانية المنسوبة إليه 500 قرش بلا مصروفات جنائية عملاً بالمادة 8 من القانون 66 لسنة 1956. استأنفت النيابة والمدعية بالحق المدني هذا الحكم. ومحكمة المنصورة الابتدائية - بهيئة استئنافية - قضت حضورياً بتاريخ 15/ 5/ 1961: أولاً - بقبول الاستئنافين شكلاً وفى الموضوع بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به ببراءة المتهم من التهمة الأولى وبإجماع الآراء بتعديل الحكم المستأنف عن التهمة الثانية والثالثة وبتغريم المتهم خمسمائة قرش عنهما وبإزالة الإعلان وبرد الشيء إلى أصله في خلال أسبوعين من اليوم وبأداء ضعف الرسوم المقررة عن الترخيص عملاً بالمادة 32 عقوبات. ثانياً - وفى الدعوى المدنية بإلغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية وألزمت رافعها مصروفاتها. فطعنت إدارة قضايا الحكومة بصفتها ممثلة للمدعية بالحقوق المدنية في هذا الحكم بطريق النقض... إلخ.


المحكمة

حيث إن الطاعنة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بتأييد الحكم الابتدائي فيما انتهى إليه من تبرئة المطعون ضده من تهمة الحريق بإهمال وعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى المدنية تأسيساً على قضائه بالبراءة وعلى أن التعويض المطالب به لم يكن ناشئاً عن الفعل المسند إليه قد أخطأ في تطبيق القانون وشابه تناقض في التسبيب ذلك بأن جرائم الحريق بالإهمال وإقامة إعلان بغير ترخيص وفى مكان محظور فيه الإعلان التي أقيمت بها الدعوى الجنائية على المطعون ضده مرتبطة ويكمل بعضها البعض فكان من المتعين على المحكمة وقد دانته في التهمتين الثانية والثالثة - الخاصتين بإقامة الإعلان - أن تقضى بإدانته أيضاً في التهمة الأولى وموضوعها الحريق بإهمال وأن تقضى تبعا لذلك بتعويض المطالب به - إذ أن ما ذهب إليه الحكم من عدم ثبوت قيام المطعون ضده بتعليق الإعلان بنفسه لا يعفيه من المسئولية لأن المادة الثامنة من القانون رقم 66 لسنة 1956 في شأن تنظيم الإعلانات لا تستلزم للمساءلة الجنائية ثبوت قيام المخالف بوضع الإعلان بنفسه بل أنه يكفى أن يتسبب في مباشرته ويتحقق هذا إذا ما عهد المطعون ضده إلى أحد عماله بتعليق الإعلان المحظور قانوناً، وهو ما أقر به المطعون ضده مما كان يقتضى مساءلته عن جريمة الحريق بالإهمال التي ترتبت على هذا الفعل والقضاء بالتعويض الناشئ عنه. هذا فضلاً عن أن الدعوى المدنية لم تكن ناشئة عن جريمة الحريق بالإهمال فقط بل أنها ترتبت أيضاً عن الجريمتين الأخريين إذ نجمت الأضرار عن قيام المطعون ضده بتعليق الإعلان في مكان محظور وأدى هذا الفعل إلى التفاف الإعلان - بسبب وضعه بطريقة غير فنية - حول الأسلاك الكهربائية واحتراق المحول الكهربائي وهو ما كان يقتضى مساءلة المطعون ضده عن التعويض. هذا إلى أن الحكم وقد أثبت اعتراف المطعون ضده بملكيته للإعلان وقيامه بمباشرته بغير ترخيص وفى مكان محظور فيه الإعلان ونشوء احتراق التركيبات الكهربائية المملوكة للطاعنة وترتب الضرر على هذا الفعل، فإنه مع ذلك انتهى إلى عدم القضاء للطاعنة بالتعويض، في حين أن الحكم بالبراءة لا يحول دون القضاء بالتعويض على أساس أن الأفعال المطروحة تكون شبه الجنحة المدنية أو ركن الخطأ في المسئولية التقصيرية. كما أخطأ الحكم لصدوره على خلاف حكم المادة 309 من قانون الإجراءات الجنائية التي تقضى بأن كل حكم يصدر في موضوع الدعوى الجنائية يجيب أن يفصل في التعويضات التي يطلبها المدعى بالحقوق المدنية طالما أنها صالحة للفصل فيها أو أن يحيلها إلى المحكمة المدنية المختصة إذا ما رأت المحكمة الجنائية أنها ليست بعد صالحة للفصل فيها، مما يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب نقضه.
وحيث إن الدعوى الجنائية أقيمت على المطعون ضده بوصف أنه - أولاً - تسبب بغير قصد ولا تعمد في حدوث حريق بالمنشآت الكهربائية الخاصة بمجلس بلدية ميت غمر والمبين وصفها وقيمتها بالأوراق وكان ذلك ناشئاً عن خطئه وعدم مراعاته للقوانين بأن أقام يافطة للإعلان غير مرخص بها وفى مكان محظور فيه الإعلان فالتفت حول الأسلاك الكهربائية فحدث الحريق نتيجة لذلك. ثانياً - أقام إعلاناً بغير ترخيص. ثالثاً - أقام إعلاناً في مكان محظور فيه للإعلان. وطلبت النيابة العامة عقابه بأقصى العقوبة المقررة في المواد 360 من قانون العقوبات و1 و2 و5 و7 و8 و13 من القانون رقم 66 لسنة 1956 في شأن تنظيم الإعلانات. وادعت الطاعنة بحق مدني وطلب الحكم لها قبل المتهم بمبلغ 52 جنيهاً و 600 مليم على سبيل التعويض وذلك عن التهمة الأولى - على ما يبين من المفردات التي أمرت المحكمة بضمها تحقيقاً للطعن كما هو مبين بالمذكرة المقدمة من الطاعنة أمام المحكمة الاستئنافية بجلسة 16/ 1/ 1961، ومحكمة أول درجة قضت حضورياً ببراءة المتهم من التهمتين الأولى والثالثة المنسوبتين إليه ورفض الدعوى المدنية وألزمت رافعها مصروفاتها وبتغريم المتهم عن التهمة الثانية المنسوبة إليه خمسمائة قرش بلا مصروفات جنائية. فاستأنفت النيابة العامة هذا الحكم، كما استأنفته المدعية بالحقوق المدنية (الطاعنة) وقضى في الاستئنافين حضورياً: أولاً - بقبولهما شكلاً وفى الموضوع بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من براءة المتهم عن التهمة الأولى وبإجماع الآراء بتعديل الحكم المستأنف عن التهمتين الثانية والثالثة وبتغريم المتهم خمسمائة قرش عنهما، وبإزالة الإعلان وبرد الشيء إلى أصله في خلال أسبوعين من يوم النطق بالحكم وبأداء ضعف الرسوم المقررة عن الترخيص. ثانياً - وفى الدعوى المدنية بإلغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية وألزمت رافعها مصروفاتها. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد بين واقعة الدعوى بما مجمله أن مهندس البلدية أثبت في محضره أن العامل المختص أبلغه بحصول حريق في المحول الكهربائي المبين بمحضره وأن المعاينة كشفت عن أن الحريق قد نشأ بسبب التفاف لافتة قماش لمعرض المطعون ضده للخردوات. وبعد أن أستعرض الحكم أدلة الدعوى خلص إلى أنه "وقد ثبت من إقرار المتهم (المطعون ضده) في محضر ضبط الواقعة أن اللافتة تخصه ومن ثم تكون الجريمتان الثانية والثالثة ثابتتين ومتوافرتي الأركان ويتعين إدانة المتهم عنهما ذلك لثبوت أن الإعلان يخص المتهم خاصة وأن الحكم المستأنف نفسه مع أنه دان المتهم عن التهمة الثانية حالة أن التهمة الثالثة مبنية على ذات الفعل المكون للجريمة الثانية. ومن هذا يبين أن الحكم المستأنف قد جاء متناقضاً مع نفسه في قضائه بالبراءة عن التهمة الثالثة المذكورة ..." وانتهى الحكم إلى إلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من تبرئة المطعون ضده من التهمة الثالثة وإدانته عنها وعن التهمة الثانية - بإجماع الآراء - وإنزال عقوبة واحدة عنها طبقاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات. ثم استطرد الحكم إلى التهمة الأولى فقال: "وحيث إنه عن التهمة الأولى وأنه وإن كان الثابت من أوراق الدعوى أن الإعلان الذي أحدث الحريق خاص بالمتهم إلا أنه لم يتكشف من الأوراق أن المتهم قد أقام بنفسه هذا الإعلان ومن ثم تكون التهمة الأولى وهى تهمة الحريق بإهمال غير ثابتة قبل المتهم ويتعين لهذا رفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف في قضائه بالبراءة عنها..." ثم عرض إلى الدعوى المدنية في قوله: "وحيث إن الدعوى المدنية الموجهة إلى المتهم عن الخسارة التي أصابت وزارة الشئون البلدية (الطاعنة) بسبب الجريمة الأولى فإنه وقد انتهت المحكمة إلى القضاء ببراءة المتهم منها لأن الأوراق لم تكشف عن أن المتهم هو الذي أقام اللافتة التي أحدثت الحريق. و كان القول بأن أحد توابع المتهم هو الذي علق اللافتة قد يؤدى إلى مسئولية المتهم مسئولية مفترضة هي مسئولية المتبوع عن تابعه فإنها تكون مسئولية غير ناشئة عن الفعل المكون للجريمة وهى مسئولية أخرى افترضها القانون". ورتب الحكم على ذلك عدم اختصاص المحكمة الجنائية بالفصل في الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية على اعتبار أن اختصاص المحكمة الجنائية في هذا الخصوص هو استثناء من القواعد العامة ولا يصح التوسع فيه فلا يمتد إلى المطالبة المدنية القائمة على أساس المسئولية الافتراضية التي لا تتصل بالفعل المكون للجريمة وما أورده الحكم فيما تقدم سائغ وصحيح في القانون ذلك بأنه وقد انتهى إلى عدم ثبوت مقارفة المطعون ضده الفعل المادي المكون للخطأ الذي نشأ عنه الحريق - موضوع التهمة الأولى محل المطالبة بالتعويض - وقضى بتبرئته منها على هذا الأساس، فلا يصح مجادلة المحكمة في هذا التقدير الذي هو من شأنها. ولا يقدح في سلامة الحكم أن يكون قد دان المطعون ضده بجريمتي مباشرة الإعلان بدون ترخيص وفى مكان محظور فيه تلك المباشرة أخذاً بحكم المواد 1 و2 و5 و8 من القانون رقم 66 لسنة 1956 في شأن تنظيم الإعلانات - المرتبطتين بجريمة الحريق بالإهمال موضوع التهمة الأولى - ذلك بأن مناط العقاب في هذه الجريمة هو شخصية الخطأ فلا يسأل الجاني إلا عن أعماله الشخصية التي تندرج تحت صور الخطأ المؤثم قانوناً والتي يتسبب عنها الضرر، ولا يسأل الشخص عن فعل غيره إذا لم يثبت أنه ارتكب خطأ شخصياً مرتبطاً بالنتيجة ارتباط السبب بالمسبب. وإذ ما كان الحكم قد انتهى إلى عدم ثبوت مقارفة المطعون ضده لهذه الجريمة بنفسه ولم ينسب إليه خطأ شخصياً مما يجعله محلاً للمساءلة الجنائية عن فعل غيره، فإن قضاءه بتبرئة المطعون ضده من هذه الجريمة لا يسلب المحكمة حقها في النظر في باقي الجرائم المرتبطة وأن تنزل عليه العقاب المقرر بها متى رأت توافر أركانها وثبوتها قبله، وهو ما استخلصه الحكم في حقه من إقراره بأن اللافتة موضوع الإعلان خاصة به ورتب على ذلك مسئوليته عن مباشرته الإعلان على وجه مخالف للقانون واستبعد المسئولية الافتراضية التي أساسها سوء اختيار المتبوع لتابعه وتقصيره في رقابته بوصفها لا تمت بصلة إلى الفعل الضار محل الجريمة التي رفعت بها الدعوى الجنائية. لما كان ذلك، وكان الأصل أن اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية المرفوعة أمامها بطريق التبعية هو اختصاص استثنائي لا يقوم إلا إذا كان التعويض مبنياً على الفعل ذاته المرفوعة عنه الدعوى الجنائية، فإذا تبين للمحكمة الجنائية أن الحق المدعى به عن الفعل الخاطئ المكون لهذه الجريمة لم يثبت وجود صلة للمتهم به، سقطت هذه الدعوى التابعة بحالتها التي وقعت بها مهما يكن قد صح عندها أن الجريمة وقعت من غيره ما دام المسئول الحقيقي عن الحادث لم يعين ولم ترفع عليه الدعوى الجنائية بالطريق القانوني. ولا محل لما تنعاه الطاعنة على الحكم من التفاته عن إحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة ذلك بأن الإحالة في مفهوم حكم المادة 309 من قانون الإجراءات الجنائية لا يؤمر بها إلا عندما تكون المحكمة الجنائية مختصة بنظر الدعوى المدنية المرفوعة إليها بطريق التبعية وترى أن الفصل في التعويضات المطالب بها يستلزم إجراء تحقيق خاص ينبني عليه إرجاء الفصل الدعوى الجنائية. وهو ما لا يصدق على الواقعة المطروحة كما أنه لا محل لما تثيره الطاعنة من أنه كان من المتعين على المحكمة أن تقضى على المطعون ضده بالتعويض على الرغم من تبرئته تأسيساً على أن الأفعال المطروحة تكون شبه الجنحة المدنية ذلك بأن شرط الحكم بالتعويض في الدعوى المدنية المرفوعة بالتبعية للدعوى الجنائية في حالة الحكم بالبراءة هو ثبوت وقوع الفعل موضوع الدعوى الجنائية وصحة نسبته إلى المتهم المقامة عليه الدعوى المذكورة دون أن تتوافر به الأركان القانونية للجريمة، وهو ما نفاه الحكم عن المطعون ضده، ومن ثم فلا يكون هناك وجه لتقرير مسئوليته على أساس شبه الجنحة المدنية. لما كان ما تقدم، فان الطعن برمته يكون على غير أساس ويتعين لذلك رفضه موضوعاً وإلزام الطاعنة المصاريف المدنية.