المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ۲۰۲٦/۰۹/۱۰
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأربعاء التاسع من سبتمبر سنة ٢٠٢٦م،
الموافق السابع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٤٤٨هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: الدكتور عادل عمر شريف ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد وصلاح محمد الرويني نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٤٧ لسنة ٤٦ قضائية "دستورية"
المقامة من
جمعية طلائع المستقبل للإسكان التعاوني
ضــد
١- الجمعية التعاونية الإنتاجية للاستشارات الهندسية والإنشائية بالبحيرة
٢- بنك المؤسسة العربية المصرفية (ABC) – "بلوم سابقًا"
٣- رئيس مجلس الوزراء
----------------
الإجراءات
بتاريخ الثالث والعشرين من أكتوبر سنة ٢٠٢٤، أودعت الجمعية المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبة الحكم بعدم دستورية الفقرات الأولى والرابعة والخامسة من المادة (٤٥) من قانون التعاون الإنتاجي الصادر بالقانون رقم ١١٠ لسنة ١٩٧٥.
وقدمت كل من الجمعية المدعى عليها الأولى وهيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم؛ أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
----------------
المحكمـــــة
الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل –على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق– في أن الجمعية المدعية أقامت أمام محكمة القاهرة الجديدة الابتدائية الدعوى رقم ٢٢٩ لسنة ٢٠٢٤ تنفيذ موضوعي، ضد الجمعية المدعى عليها الأولى، التي أصدرت بتاريخ ٢/٣/٢٠٢٤، أمر حجز إداري (تحفظي) على أموال الجمعية المدعية لدى البنك المدعى عليه الثاني؛ وفاءً للمبلغ المحكوم به لصالحها في الدعوى رقم ٥٣٣٧ لسنة ٢٠١٩ مدني كلي شمال القاهرة، فضلًا عن تكلفة تمويل هذا المبلغ من تاريخ الاستحقاق في ١/١/٢٠١٨، وفقًا لسعر الائتمان المعلن من البنك المركزي، وما يستجد حتى تمام السداد. وتم إخطار البنك لتوقيع الحجز بتاريخ ٢٠/٧/٢٠٢٤؛ فأقامت الجمعية المدعية، أمام دائرة التنفيذ بمحكمة القاهرة الجديدة الابتدائية، الدعوى رقم ٢٢٩ لسنة ٢٠٢٤ تنفيذ موضوعي، ضد الجمعية المدعى عليها الأولى والبنك المدعى عليه الثاني، طلبًا للحكم برفع الحجز الموقع على أموالها لدى البنك، وعدم الاعتداد به وبأية حجوزات أخرى توقع على أموالها وفاءً لذات الدين محل النزاع، وإلزام البنك برفع الحجز وتحرير أرصدتها لديه؛ وذلك على سند من القول ببطلان الحجز، لعدم استناده إلى سند تنفيذي، وأن الدين المحجوز من أجله محل نزاع قضائي، ولم يصدر بشأنه حكم نهائي واجب النفاذ، وعدم توافر دليل جدي على فقدان الدائن الضمان العام المقرر لحقه، فضلًا عن أن قانون الحجز الإداري لا يجيز اتخاذ الإجراءات التحفظية. وفي أثناء نظر الدعوى دفعت الجمعية المدعية بعدم دستورية الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة (٤٥) من قانون التعاون الإنتاجي الصادر بالقانون رقم ١١٠ لسنة ١٩٧٥. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية؛ فأقامت الجمعية المدعية دعواها المعروضة.
وحيث إن نطاق الدعوى الدستورية التي أتاح المشرع للخصوم إقامتها وفقًا لنص البند (ب) من المادة (٢٩) من قانون هذه المحكمة الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩ –وعلى ما جرى به قضاؤها– يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية المبدى أمام محكمة الموضوع، وفي الحدود التي تقدر فيها جديته، وتصرح لمبديه بإقامة الدعوى الدستورية بشأنه، وبما لا يجاوز الطلبات الختامية الواردة في صحيفة الدعوى الدستورية. إذ كان ذلك، وكانت الجمعية المدعية قد ضمنت مذكرتها المقدمة لمحكمة الموضوع بجلسة ٨/١٠/٢٠٢٤، دفعًا بعدم دستورية نص الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة (٤٥) من قانون التعاون الإنتاجي الصادر بالقانون رقم ١١٠ لسنة ١٩٧٥. وبتلك الجلسة قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية؛ ومن ثم يتحدد نطاق الدعوى الدستورية المعروضة في نص هاتين الفقرتين دون ما ورد في صحيفة الدعوى الدستورية من طعن على دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (٤٥) من القانون المشار إليه؛ إذ ينحل الطعن عليها إلى دعوى مباشرة لم تتصل بالمحكمة الدستورية العليا على النحو الآمر الوارد في قانونها، مما لزامه القضاء بعدم قبول الدعوى في هذا الشق منها والاكتفاء بذلك في الأسباب دون النص عليه في المنطوق.
وحيث إن المادة (٤٥) من قانون التعاون الإنتاجي، الصادر بالقانون رقم ١١٠ لسنة ١٩٧٥، تنص على أنه "لا يجوز تملك أموال الجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية أو كسب أي حق عيني عليها بالتقادم.
ويجوز بعد موافقة الوزير المختص دفع التعدي الذي يقع على أموال هذه الجمعيات بالطريق الإداري.
ويكون للمبالغ المستحقة لهذه الجمعيات قِبل أعضائها امتياز على جميع أموال العضو المدين، تأتي مرتبته بعد المصروفات القضائية والضرائب والرسوم ومستحقات التأمينات الاجتماعية مباشرة.
ويجوز للجمعيات المذكورة تحصيل المبالغ المستحقة لها بطريق الحجز الإداري بواسطة مندوبي الحجز والتحصيل الذين يعتمدهم الاتحاد التعاوني الإنتاجي المركزي.
ويجوز للاتحاد المذكور أن ينيب الأجهزة الحكومية أو المحلية في تحصيل المبالغ المذكورة طبقًا لأحكام الفقرة السابقة".
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها –على ما جرى به قضاء هذه المحكمة– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازمًا للفصل في النزاع الموضوعي. إذ كان ذلك، وكان مبتغى الجمعية المدعية من دعواها الموضوعية بطلان إجراءات الحجز الإداري (التحفظي) الذي أوقعته الجمعية المدعى عليها الأولى على أموالها لدى البنك المدعى عليه الثاني، وكان هذا الحجز يستند إلى ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (٤٥) من قانون التعاون الإنتاجي المشار إليه من أنه "ويجوز للجمعيات المذكورة تحصيل المبالغ المستحقة لها بطريق الحجز الإداري بواسطة مندوبي الحجز والتحصيل الذين يعتمدهم الاتحاد التعاوني الإنتاجي المركزي"، فإن الفصل في دستورية هذا النص سوف يكون له أثر مباشر وانعكاس أكيد على الدعوى الموضوعية، والطلبات المعروضة فيها، وقضاء محكمة الموضوع بشأنها؛ ومن ثم تتوافر للجمعية المدعية مصلحة شخصية ومباشرة في الطعن على نص تلك الفقرة، ويتحدد بها نطاق الدعوى المعروضة.
ولا ينال من توافر المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى المعروضة الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى لاتحاد موضوع الدعويين الموضوعية والدستورية، قولًا منها بأن الجمعية المدعية تتوخى من دعواها الموضوعية الحيلولة دون إعمال مقتضى النص المطعون فيه؛ الأمر الذي تنحل معه دعواها الدستورية إلى نزاع يتناول ذلك النص في ذاته بقصد إيقافه دفعًا لإجراء مقتضاه في حقها، وهو ما يفيد إبطال سريانه إبطالًا مجردًا، مما لا يجوز معه قبول الدعوى المعروضة، فذلك الدفع مردود بأن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن اتحاد الدعويين الموضوعية والدستورية شرطه اتحاد هاتين الدعويين في محلهما، بحيث لا يكون أمام محكمة الموضوع ما تجيل فيه بصرها، بعد أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في دستورية النصوص التشريعية المطعون فيها، سواء بتقرير صحتها أو بطلانها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الدعوى الموضوعية والدعوى الدستورية تتوجهان في جميع جوانبهما لغاية واحدة ومسألة وحيدة ينحصر فيها موضوعهما، هي الفصل في دستورية النصوص التشريعية المطروحة عليهما. متي كان ذلك، وكانت الطلبات المطروحة على محكمة الموضوع تنصب على طلب الحكم برفع الحجز الإداري الموقع على أموال الجمعية المدعية لدى البنك المدعي عليه الثاني، وعدم الاعتداد به لبطلانه، للأسباب التي وردت في صحيفة الدعوى الموضوعية، ممثلة في مخالفته لنصوص قانون المرافعات وقانون الحجز الإداري، وتلك الطلبات لا تزال مطروحة على محكمة الموضوع؛ ومن ثم فإن الفصل في دستورية النص المطعون فيه لا يُعد فصلًا في الطلبات الموضوعية، ولا يترتب عليه استنفاد محكمة الموضوع لولايتها في الفصل في طلبات الجمعية المدعية المرددة أمامها، مما يتعين معه الالتفات عن هذا الدفع.
كما لا ينال من توافر شرط المصلحة الشخصية المباشرة الدفع المبدى من الجمعية المدعى عليها الأولى بعدم قبول الدعوى؛ لكون الحجز الموقع منها على أموال الجمعية المدعية لدى البنك المدعى عليه الثاني حجزًا تنفيذيًّا، يخضع لأحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية، فذلك الدفع مردود بأن الثابت بالتكليف بالوفاء المعلن من الجمعية المدعى عليها الأولى للجمعية المدعية بتاريخ ٢١/٣/٢٠٢٤، ومحضر الحجز على أموالها لدى البنك المدعى عليه الثاني بتاريخ ٢٠/٧/٢٠٢٤، الذي تم توقيعه بناءً على أمر حجز إداري صادر من رئيس مجلس إدارة الجمعية المدعى عليها الأولى، وقام بتنفيذه مندوب الحجز بالإدارة القانونية لتلك الجمعية، أنه حجز إداري (تحفظي)، وفاءً للمبلغ المحكوم به لصالحها في الدعوى رقم ٥٣٣٧ لسنة ٢٠١٩ مدني كلي شمال القاهرة؛ ومن ثم يكون هذا الدفع بدوره غير مقبول.
وحيث إن الجمعية المدعية تنعى على النص المطعون فيه إخلاله بمبدأ المساواة، المنصوص عليه بالمادة (٥٣) من الدستور، بتخويله الجمعيات التعاونية الإنتاجية حق تحصيل الأموال المستحقة لها لدى المتعاملين معها بطريق الحجز الإداري، مساويًا إياها بأشخاص القانون العام، حال كونها من أشخاص القانون الخاص، فضلًا عن مخالفة نص المادة (٣٤) من الدستور التي ارتقت بالملكية العامة إلى مصاف الحرمة، فلا يجوز المساس بها، وحمايتها واجب وفقًا للقانون، حال أن المادة (٣٧) من الدستور لم ترفع الملكية التعاونية إلى هذه المكانة، اكتفاء بوصف أنها مصونة، ويكفل القانون حمايتها ودعمها ويضمن استقلالها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها. ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفي عليه السيادة والسمو، بحسبانه كفيل الحريات وموئلها، وعماد الحريات الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعاتها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، دون أية تفرقة أو تمييز في مجال الالتزام بها، بين السلطات العامة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. وإذ كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلًا مقررًا وحكمًا لازمًا لكل نظام ديمقراطي سليم، فإنه يتعين على كل سلطة عامة، أيًّا كان شأنها وأيًّا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، أن تنزل على قواعد الدستور ومبادئه وأن تلتزم حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وخضعت -متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة- للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا بوصفها الجهة القضائية العليا التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، بغية الحفاظ على أحكام الدستور، وصونها وحمايتها من الخروج عليها.
وحيث إن الدستور حفي بالملكية التعاونية، بالنص عليها في الفصل الثاني من بابه الثاني، الذي تناول المقومات الاقتصادية للدولــــة، فأورد في المادتين (٢٧ و٣٣) منه التزام النظام الاقتصادي بكفالة الأنواع المختلفة للملكية، وناط بالدولة حمايتها، وأفرد المادة (٣٧) للملكية التعاونية، التي جرى نصها على أن "الملكية التعاونية مصونة، وترعى الدولة التعاونيات، ويكفل القانون حمايتها، ودعمهـا، ويضمن استقلالها. ولا يجوز حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي". وبمقتضى هذا النص ألقى الدستور على عاتق الدولة واجب رعاية التعاونيات، وحمايتها، ودعمها، وضمان استقلالها، بحسبان المؤسسات التعاونية على وجه العموم، والمؤسسات التعاونية الإنتاجية على وجه الخصوص، تُعد أحد الروافد المهمة للاقتصاد القومي، فهدف التعاون الإنتاجي، كما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون التعاون الإنتاجي، هو تنمية طاقات الإنتاج في مجال الصناعات الحرفية والخدمات الإنتاجية، وتدعيم تلك الطاقات في كافة المجالات، مع تأكيد وجوب الالتزام بمبدأ ديمقراطية الإدارة وسائر المبادئ التعاونية المتعارف عليها دوليًّا، والخضوع لأحكام الخطة العامة للدولة من أجل تدعيم الاقتصاد القومي، وتنمية المصالح المشتركة لأعضاء الجمعيات التعاونية.
وحيث إن الدستور إذ أوجب في المادة (٣٣) منه -على ما سلف بيانه- على الدولة حماية كافة صور الملكية، فإنه في صدد بيان هذه الصور قد كشف عن الفروق بين كل منها، حيث نصت المادة (٣٤) على أن "للملكية العامة حرمة، لا يجوز المساس بها، وحمايتها واجب وفقًا للقانون"، في حين أن المادة (٣٧) منه نصت على أن "الملكية التعاونية مصونة، وترعى الدولة التعاونيات ويكفل القانون حمايتها ودعمها، ويضمن استقلالها، ولا يجوز حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي"، بما مؤداه أن المشرع الدستوري لم يتجه إلى إنزال الملكية التعاونية منزلة الملكية العامة في شأن مدى حرمتها أو أدوات حمايتها، وإنما أبقاها في إطار أنواع الملكيات الأخرى غير الملكية العامة، لتحظى بالضمانات المنصوص عليها في المادتين (٣٥ و٤٠) من الدستور، دون أن يغير ذلك من طبيعتها كملكية تعاونية.
وحيث إن مبدأ المساواة بين المواطنين، إعمالًا لنص المادة (٥٣) من الدستور، يُعد وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة للحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور والقانون، ومن ثم فلا يجوز للمشرع عند إعماله لسلطته التقديرية في مجال تنظيم الحقوق أن يقيم تمييزًا غير مبرر تتنافر به المراكز القانونية التي تتماثل عناصرها، ويتعين أن تنتظمها أسس موضوعية موحدة لا تمييز فيما بين المؤهلين قانونًا للانتفاع بها، والتي يتكافأ أطرافها أمام القانون.
وحيث إن قانون التعاون الإنتاجي الصادر بالقانون رقم ١١٠ لسنة ١٩٧٥ إذ نص على أن أموال الجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية مملوكة لها ملكية تعاونية، ثم بين إجراءات تأسيس هذه الجمعيات وشهرها، التي بتمامها تكتسب الجمعية شخصيتها الاعتبارية بحسبانها "منظمة جماهيرية ديمقراطية"، يستقل أعضاؤها بإدارتها وفقًا لنظامها الداخلي فلا تتدخل فيها جهة الإدارة، وحدد مهمتها في تولي كل ما يحقق خدمة المصالح المشتركة لأعضائها اقتصاديًّا وفنيًّا، فإنه يكون بذلك قد التزم الإطار الدستوري في تحديد طبيعة الجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية بأنها من أشخاص القانون الخاص، وأن ما تمتلكه من أموال إنما تمتلكه ملكية تعاونية غير متداخلة أو متشابهة مع الملكية العامة بأية صورة من الصور. إذ كان ذلك، وكان النص المطعون فيه قد جرى على جواز تحصيل الأموال المستحقة للجمعيات التعاونية الإنتاجية لدى المتعاملين معها بطريق الحجز الإداري، فإنه يكون قد أخرج هذه الأموال من طبيعتها التعاونية وألبسها ثوب الأموال العامة ، فجاوز بذلك النطاق الذي تفرضه طبيعتها، وهى طبيعة تستمد ذاتيتها من حكم الدستور ولا شأن لها بوسائل الحماية المدنية أو الجنائية التي يقررها المشرع للجمعيات مالكة هذه الأموال، كاعتبار مستنداتها وسجلاتها ودفاترها وأختامها في حكم الأوراق والمستندات والدفاتر والأختام الرسمية، أو اعتبار أموالها في حكم الأموال العامة في مجال تطبيق قانون العقوبات.
وحيث إنه في ضوء ما تقدم، فإن النص المطعون فيه وقد أفرد لأموال الجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية، دون سند دستوري، معاملة تفضيلية تتميز بها بالمخالفة لطبيعتها، باعتبارها من أشخاص القانون الخاص، دون باقي أشخاص هذا القانون، فإنه يكون بذلك قد وقع في حمأة مخالفة أحكام المواد (٣٤ و٥٣ و٩٤) من الدستور، بما يوجب القضاء بعدم دستوريته.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن النص التشريعي المرتبط حتمًا بنص تشريعي آخر قضت المحكمة بعدم دستوريته يسقط تبعًا له، ولا يؤثر في الحكم بسقوطه أنه كان محلًّا للطعن بعدم دستوريته في الدعوى ذاتها. متى كان ذلك، وكان نص الفقرة الخامسة من المادة (٤٥) من قانون التعاون الإنتاجي الصادر بالقانون رقم ١١٠ لسنة ١٩٧٥ –الذي اتصل الطعن فيه بالمحكمة الدستورية العليا على النحو المقرر بقانونها– قد أجاز للاتحاد التعاوني الإنتاجي إنابة الأجهزة الحكومية أو المحلية في تحصيل المبالغ المستحقة للجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية بطريق الحجز الإداري؛ ومن ثم فإن مقتضى الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الرابعة من المادة (٤٥) المشار إليها، سقوط نص الفقرة الخامسة منها؛ لارتباط أحكامه بالنص المقضي بعدم دستوريته ارتباطًا لا يقبل التجزئة؛ إذ لا محل لإعماله استقلالًا في غيبة أحكام الفقرة الرابعة بعد القضاء بعدم دستوريتها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الرابعة من المادة (٤٥) من قانون التعاون الإنتاجي، الصادر بالقانون رقم ١١٠ لسنة ١٩٧٥، وبسقوط نص الفقرة الخامسة من المادة ذاتها، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق